Verse. 2589 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

اِنَّ فِيْ ھٰذَا لَبَلٰغًا لِّقَوْمٍ عٰبِدِيْنَ۝۱۰۶ۭ
Inna fee hatha labalaghan liqawmin AAabideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن في هذا» القرآن «لبلاغاً» كفاية في دخول الجنة «لقوم عابدين» عاملين به.

106

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ فِى هَـٰذَا} أي فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد {لَبَلَـٰغاً } لكفاية أو لسبب بلوغ إلى البغية. {لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ} همهم العبادة دون العادة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ فِى هَٰذَا } القرآن {لَبَلَٰغاً } كفاية في دخول الجنة {لِّقَوْمٍ عَٰبِدِينَ } عاملين به.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة الإشارة بقوله {في هذا} إلى هذه الآيات المتقدمة، وقالت فرقة الإشارة إلى القرآن بجملته، و"العبادة" تتضمن الإيمان بالله تعالى، وقوله {إلا رحمة للعالمين} قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر، وقالت فرقة "العالمون" عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكافرين بأن الله تعالى رفع عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المتسأصلة كالطوفان وغيره. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام أن يكون معناه "وما أرسلنك للعالمين إلا رحمة" أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، وقوله تعالى {آذنتكم على سواء} معناه عرفتكم بنذارتي وأردت أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، ثم أعلمهم بأنه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم بل هو مترقب في القرب والبعد وهذا أهول وأخوف.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ فِى هَذَا} القرآن أو السورة {لَبَلاغاً} إليهم يكفهم عن المعصية ويبعثهم على الطاعة أو يبلغهم إلى رضوان الله ـ تعالى ـ وثوابه. {عَابِدِينَ} مطيعين، أو عاملين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً}: الإشارة بـ «هذا» إلى هذه الآيات المتقدمة في قولِ فرقة. وقالت فرقة: الإشارة إلى القرآن بجملته، والعبادة تتضمن الإِيمان. وقوله سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}: قالت فرقة: هو صلى الله عليه وسلم رحمةٌ للعالمين عموماً أَمَّا للمؤمنين فواضح، وأَمَّا للكافرين فلأَنَّ اللّه تعالى رفع عنهم ما كان يصيب الأُمَمَ والقرونَ السابقة قبلهم من التعجيل بأنواع العذاب المستأصلة؛ كالطوفان وغيره. وقوله {آذَنتُكُمْ} معناه: عَرَّفْتُكُمْ بنذارتي، وأردتُ أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من اللّه تعالى، وقال البخاري: {آذَنتُكُمْ}: أعلمتكم، فإذا أعلمتهم فأنت وهم على سواء، انتهى، ثم أخبر أنه لا يعرف تعيينَ وقتٍ لعقابهم، هل هو قريب أم بعيد؟ وهذا أهول وأخوف. قال * ص *: {وَإِنْ أَدْرِيۤ} بمعنى: ما أدري، انتهى. والضمير في قوله: {لَعَلَّهُ} عائد على الإِملاء لهم، و {فِتْنَةٌ} معناه: إمتحان وابتلاء، والـ {مَتَاعٌ}: ما يُسْتَمْتَعُ به مُدَّةَ الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء: {رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} وهذا دعاء فيه توعُّدٌ، ثم توكل في آخر الآية واستعانَ باللّه تعالى؛ قال الداووديُّ: وعن قتادةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا شَهِدَ قِتَالاً قَالَ: {رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}. انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما كان ما ذكر في هذه السورة من الحكم والدلائل والقصص واعظاً شافياً حكيماً، ومرشداً هادياً عليماً، قال واصلاً بما تقدم إشارة إلى أنه نتيجته: {إن في هذا} أي الذي ذكرناه هنا من الأدلة على قدرتنا على قيام الساعة وغيرها من الممكنات، وعلى أن من ادعى علينا أمراً فأيدناه عليه وجعلنا العاقبة له فيه فهو صادق محق، وخصمه كاذب مبطل {لبلاغاً} لأمراً عظيماً كافياً في البلوغ إلى معرفة الحق فيما ذكرناه من قيام الساعة والوحدانية وجميع ما تحصل به البعثة {لقوم} أي لأناس أقوياء على ما يقصدونه {عابدين*} أي معترفين بالعبودية لربهم الذي خلقهم اعترافاً تطابقه الأفعال بغاية الجد والنشاط. ولما كان هذا مشيراً إلى رشادهم، فكان التقدير: فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال {إلا} على حال كونك {رحمة للعالمين*} كلهم، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم، طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، الذي كنا نستأصل به الأمم، فنحن نمهلهم ونترفق بهم، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك، ثم نرد كثيراً منهم إلى دينك، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك، بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في أشراك المحال، وإيضاعهم في الجدال والمحال، فيلعم قطعاً أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار، فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فيحيل بعضهم على بعض، وكل منهم يقول: لست لها، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند أية : ولا شفيع يطاع} تفسير : [الآية: 18]. ولما كان البلاغ الذي رتب هذا لأجله هو التوحيد الملزوم لتمام القدرة، أتبع الإشارة إلى تأخيرهم الإيمان إلى تحذيرهم فقال: {قل} أي لكل من يمكنك له القول: {إنما يوحى إليّ} أي ممن لا موحي بالخير سواه وهو الله الذي خصني بهذا الكتاب المعجز {أنما إلهكم}. ولما كان المراد إثبات الوحدانية، لإله مجمع على إلهيته منه ومنهم، كرر ذكر الإله فقال: {إله واحد} لا شريك له، لم يوح إليّ في أمر الإله إلا الوحداينة، وما إلهكم إلا واحد لمن يوح إليّ فيما تدعون من الشركة غير ذلك، فالأول من قصر الصفة على الموصوف، أي الحكم على الشيء، أي الموحي به إليّ مقصور على الوحدانية لا يتعداها إلى الشركة، والثاني من قصر الموصوف على الصفة، أي الإله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها إلى التعدد، والمخاطب بهما من يعتقد الشركة، فهو قصر قلب. ولما انضم إلى ما مضى من الأدلة العقلية في أمر الوحدانية هذا الدليل السمعي، وكان ذلك موجباً لأن يخشى إيجاز ما توعدهم به فيخلصوا العبادة لله، أشار إلى ذلك مرهباً ومرغباً بقوله: {فهل أنتم مسلمون*} أي مذعنون له ملقون إليه مقاليدكم متخلون عن جميع ما تدعونه من دونه لتسلموا من عذابه وتفوزوا بثوابه، ففي الآية أن هذه الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع. ولما كان توليهم بعد هذه القواطع مستبعد، أشار إلى ذلك بإيراده بأداة الشك فقال: {فإن تولوا} أي لم يقبلوا ما دعوتهم إليه {فقل} أي لهم: {ءاذنتكم} أي أعلمتكم ببراءتي منكم وأني غير راجع إليكم أبداً كما أنكم تبرأتم مني ولم ترجعوا إليّ، فصار علمكم أن لا صلح بيننا مع التولي كعلمي وعلم من اتبعني. لتتأهبوا لجميع ما تظنونه ينفعكم، فهو كمن بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدره، فنبذ إليهم العهد، شهر ذلك النبذ وأشاعه فلم يخفه عن أحد منهم، وهو مما اشتهر أنه بلغ النهاية في الفصاحة والوجازة، أو أبلغتكم جميع ما أرسلت به ولم أخص به أحداً دون أحد، وهذا كله معنى {على سواء} أي إيذاناً مستعلياً على أمر نصف وطريق عدل، ليس فيه شيء من خفاء ولا غش ولا خداع ولا عذر، بل نستوي فيه نحن وأنتم. ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان موضع أن يقولوا هزؤاً على عادتهم: نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا به، فقال: {وإن} أي وما {أدري أقريب} جداً بحيث يكون قربه على ما تتعارفونه {أم بعيد ما توعدون*} من عذاب الله في الدنيا بأيدي المسلمين أو بغيره، أو في الآخرة مع العلم بأنه كائن لا محالة، وأنه لا بد أن يلحق من أعراض عن الله الذل والصغار. ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما هو في القرب أو البعد أن يكون التقدير: لكنه محقق الوجود، لأن الله واحد لا شريك له، وقريب عند الله، لأن كل ما حقق إيجاده قريب، علله بقوله: {إنه} أي الله تعالى {يعلم الجهر} ولما كان الجهر قد يكون في الأفعال، بينه بقوله: {من القول} مما تجاهرونه به من العظائم وغير ذلك، ونبه الله تعالى على ذلك لأن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جداً بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين، فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر {ويعلم ما تكتمون*} مما تضمرونه من المخازي كما قال تعالى أولها {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ومن لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل، فستعلمون كيف يخيب ظنونكم ويحقق ما أقول، فتقطعون بأني صادق عليه ولست بساحر، ولا حالم ولا كاذب ولا شاعر، فهو من أبلغ التهديد فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم. ولما كان الإمهال قد يكون نعمة، وقد يكون نقمة، قال: {وإن} وما {أدري} أي أيكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أو لا. ولما كان إلى كونه نقمة أقرب، قال معبراً عما قدرته: {لعله} أي تأخير العذاب وإيهام الوقت {فتنة لكم} أي اختبار من الله ليظهر ما يعلمه منكم من الشر لغيره، لأن حالكم حال من يتوقع منه ذلك {ومتاع} لكم تتمتعون به {إلى حين*} أي بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل، ثم يأخذكم بغتة أخذه يستأصلكم بها. ولما كان اللازم من هذه الآيات تجويز أمور تهم سامعها وتقلقه للعلم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل، وكان من العدل جواز تعذيب الطائع وتنعيم العاصي، كان كأنه قيل: فما قال الرسول الشفوق على الأمة حين سمع هذا الخطاب؟ فقيل: قال مبتهلاً إلى الله تعالى - هذا على قراءة حفص. وعلى قراءة الجمهور: لما علم سبحانه أن ذلك مقلق، أمره صلى الله عليه وسلم بما يرجى من يقلق من أتباعه فقال: {قال رب} أي ايها المحسن إلي في نفسي واتباعي بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك {احكم} أي أنجز الحكم بيني وبين هؤلاء المخالفين {بالحق} أي بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان على ما أجريته من سنتك القديمة في أوليائك وأعدائك {أية : ما ننزل الملائكة إلا بالحق} تفسير : [الحجر: 8] أي الأمر الفصل الناجز، قال ابن كثير: وعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالاً قال {رب احكم بالحق}. وفي الآية أعظم حث على لزوم الإنسان بالحق ليتأهل لهذه الدعوة. ولما كان التقدير: فربنا المنتقم الجبار له أن يفعل ما يشاء وهو قادر على ما توعدون، عطف عليه قوله: {وربنا} أي المحسن إلينا أجمعين؛ ثم وصفه بقوله: {الرحمن} أي العام الرحمة لنا ولكم بإدرار النعم علينا، ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين وإن كنا نحن أطعناه، لأنا لا نقدره حق قدره {لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} والحاصل أنه لما سأل {الحق} المراد به الهلاك للعدو والنجاة للولي، أفرد الإضافة إشارة إلى تخصيصه بالفضل، وإفرادهم بالعدل، ولما سأل العون عم بالإضافة والصفة قنوعاً بترجيح جانبه بالعون وإن شملتم الرحمة، ولأن من رحمتهم خليتهم عما هم عليه من الشر فقال: {المستعان} أي المطلوب منه العون وهو خبر المبتدأ موصوف {على ما تصفون*} مما هو ناشىء عن غفلتكم الناشئة عن إعراضكم عن هذا الذكر من الاستهزاء والقذف بالسحر وغيره، والمناصبة بالعداوة والتوعد بكل شر، فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر الساعة رداً على قوله {اقترب للناس حسابهم} وذكر غفلتهم وإعراضهم وذكر القرآن الذي هو البلاغ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره، وتفصيل ما استعجلوا به من آيات الأولين وغير ذلك، وقام الدليل بالسمع بعد العقل على تحقق أمر الساعة بأنه سبحانه لا شريك له يمنعه من ذلك، وأنه يعلم السر وأخفى، وهو رحمن، فمن رحمته إيجاد يوم الدين ليجازي فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بكفرانه، وفي ذلك أعظم ترهيب في أعلى حاث على التقوى للنجاة في ذلك اليوم، وهو أول التي تليها - والله الموفق.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ}[106] قال: لم يجعله بلاغاً لجميع عباده، بل خصه لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله تعالى، وبذلوا له مهجهم، لا من أجل عوض، ولا من أجل الجنة، ولا من أجل النار، بل حباً له وافتخاراً بما أهّلهم لعبادتهم إياه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الآية: 106]. قال يحيى بن معاذ: هو تصفية أربعةٍ من أربعةٍ: تصفية القلب من الحسد والخيانة، واللسان من الكذب والغيبة، والخلق من أكل الحرام والشبهة، والنفس من الريبة. ففى هذه الأشياء بلاغ لقوم عابدين. قال سهل: لم يجعل البلاغ لجميع عباده، بل خصَّه لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله جل وعز وبذلوا له مهجتهم لا من أجل عوضٍ، ولا لأجل نارٍ، ولا لأجل جنة، بل حبًا له، وافتخارًا بما أهلهم من عبادتهم إياه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان فى هذا} اى فيما ذكر فى السورة الكريمة من الاخبار والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة على التوحيد وصحة النبوة {لبلاغا} اى كفاية {لقوم عابدين} اى لقوم همهم العبادة دون العادة {وما ارسلناك} يا محمد بما ذكر وامثاله من الشرائع والاحكام وغير ذلك من الامور التى هى مناط السعادة فى الدارين فى حال من الاحوال {الا} حال كونك {رحمة للعالمين} فان ما بعثت به سبب لسعادة الدارين ومنشأ لانتظام مصالحهم فى النشأتين ومن اعرض عنه واستكبر فانما وقع فى المحنة من قبل نفسه فلا يرحم وكيف كان رحمة للعالمين وقد جاء بالسيف استباحة الاموال. قال بعضهم جاء رحمة للكفار ايضا من حيث ان عقوبتهم اخرت بسببه وامنوا به عذاب الاستئصال والخسف والمسخ ورد فى الخبر حديث : انه عليه السلام قال لجبريل "ان الله يقول وما ارسلناك الى آخره فهل اصابك من هذه الرحمة" قال نعم انى كنت اخشى عاقبة الامر فامنت به لثناء اثنى الله على بقوله {ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم امين} تفسير : قال الكاشفى [دركشف الاسرار آورده كه ازرحمت وى بودكه امت را در هيج مقام فاراموش نكرد اكر درمكه معظمه بود واكر درمدينه زاهره اكر در مسجد مكرم بود واكر در حجره طاهره همجنين در ذروه عرش اعلى ومقام قاب قوسين او ادنى ياد فرمود كه "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فردا درمقام محمود بساط شفاعت كسترده كويد امتى امتى] شعر : عصايان بركنه در دامن آخر زمان دست دردامان تودارندوجان درآستين نا اميد از حضرت بانصرتت نتوان شدن جون تويى درهر دوعالم رحمة للعالمين تفسير : قال بعض الكبار وما ارسلناك الا رحمة مطلقة تامة كاملة عامة شاملة جامعة محيطة بجميع المقيدات من الرحمة الغيبية والشهادة العلمية والعينية والوجودية والشهودية والسابقة واللاحقة وغير ذلك للعالمين جمع عوالم ذوى العقول وغيرهم من عالم الارواح والاجسام ومن كان رحمة للعالمين لزم ان يكون افضل من كل العالمين وعبارة ضمير الخطاب فى قوله {وما ارسلناك} خطاب للنبى عليه السلام فقط واشارته خطاب لكل واحد من ورثته الذين هم على مشربه الى يوم القيامة بحسب كونه مظهرا لارثه. وقال بعض الكبار انما كان رحمة للعالمين بسبب اتصافه بالخلق العظيم ورعايته المراتب كلها فى محالها كالملك والملكوت والطبيعة والنفس والروح والسر. وفى التأويلات النجمية فى سورة مريم بين قوله {أية : ورحمة منا}تفسير : فى حق عيسى وبين قوله فى حق نبينا عليه السلام {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين}تفسير : فرق عظيم وهوانه فى حق عيسى ذكر الرحمة مقيدة بحرف من ومن للتبعيض فهلذا كان رحمة لمن آمن به واتبع ما جاء به الى ان بعث نبينا عليه السلام ثم انقطعت الرحمة من امته بنسخ دينه وفى حق نبينا عليه السلام ذكر الرحمة للعالمين مطلقا فلهذا لا تنقطع الرحمة على العالمين ابدا اما فى الدنيا فبان لا ينسخ دينه واما فى الآخرة فبان يكون الخلق محتاجين الى شفاعته حتى ابراهيم عليه السلام فافهم جدا. قال فى عرائس البقلى ايها الفهيم ان الله اخبرنا ان نور محمد عليه السلام اول ما خلقه ثم خلق جميع الخلائق من العرش الى الثرى من بعض نوره فارساله الى الوجود والشهود رحمة لكل موجود اذا لجميع صدر منه فكونه كون الخلق وكونه سبب وجود الخلق وسبب رحمة الله على جميع الخلائق فهو رحمة كافية وافهم ان جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة فى فضاء القدرة بلا روح حقيقة منتظرة لقدوم محمد عليه السلام فاذا قدم الى العالم صار العالم حيا بوجوده لانه روح جمع الخلاق. ويا عاقل ان من العرش الى الثرى لم يخرج من العدم الا ناقصا من حيث الوقوف على اسرار قدمه بنعت كمال المعرفة والعلم فصاروا عاجزين عن البلوغ الى شط بحار الالوهية وسواحل قاموس الكبريائية فجاء محمد عليه السلام اكسير اجساد العالم وروح اشباحه بحقائق علوم الازلية واوضع سبيل الحق للخق بحيث جعل سفل الآزال والآباد للجميع خطوة واحدة فاذا قدم من الحضرة الى سفر القربة بلغهم جميعا بخطوة من خطوات صحارى{أية : سبحان الذى اسرى بعبده}تفسير : حتى وصل الى مقام او ادنى فغفر الحق لجميع الخلائق بمقدمه المبارك. قال بعذ العلماء ان كل نبى كان مقدمة للعقوبة لقوله تعالى {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}تفسير : ونبينا عيله السلام كان مقدمة للرحمة لقوله تعالى {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}تفسير : ونبينا عليه السلام كان مقدمة للرحمة لقوله {وما ارسلناك} الى آخره واراد الله تعالى ان يكون خاتمة على الرحمة لا على العقوبة لقوله تعالى "حديث : سبقت رحمتى على غضبى"تفسير : ولهذا جعلنا آخر الامم فابتداء الوجود رحمة وآخره وخاتمته رحمة. واعلم انه لما تعلقت ارادة الحق بايجاد الخلق ابرز الحقيقة الاحمدية من كمون الحضرة الاحدية فميزه بميم الامكان وجعله رحمة للعالمين وشرف به نوع الانسان ثم انبجست منه عيون الارواح ثم بدا ما بدا فى عالم الاجساد والاشباح كما قال عليه السلام "حديث : انا من الله والمؤمنون من فيض نورى"تفسير : فهو الغاية الجليلة من ترتيب مبادى الكائنات كما قال تعالى "حديث : لولاك لما خلقت الافلاك" شعر : علت غائيه هر عالم اوست سرور اولاد بنى آدم اوست واسطه فيض وجودى همه رابطه بود ونبودى همه تفسير : قال العرفى الشيرازى فى قصيدته النعيتة شعر : ازبس شرف كوهر تومنشئ تقدير آن روزكه بكذاشتى اقليم عدم را تاحكم نزول تودرين دار نوشته است صدره بعبث باز تراشيده قلم را تفسير : المراد من العبث مقلوبه وهو البعث يعنى يكفيك شرفا وفضلا ان الله سبحانه انما خلق الخلق وبعث الانبياء والرسل ليكونوا مقدمة لظهورك فى عالم الملك والشهادة فاروحاهم واجسادهم تابعة لروحك الشريف وجسمك اللطيف. ثم اعلم ان حايته عليه السلام رحمة ومماته رحمة كما قال "حديث : حياتى خير لكم ومماتى خير لكم" قالوا هذا خيرنا فى حياتك فما خيرنا فى مماتك فقال "تعرض علىّ اعمالكم كل عشية الاثنين والخميس فما كان من خير حمدت الله تعالى وما كان من شر استغفر الله لكم"تفسير : : قال المولى الجامى شعر : زمهجورى برآمد جان عالم ترحم يا نبى الله ترحم نه آخر رحمة للعالمينى زمحرومان جرا فارغ نشينى زخاك اى لا له سيراب برخيز جونركس جندخواب ازخواب برخيز اكرجه غرق درياى كناهم فناده خشك لب برخاك راهم تو ابر رحمتى آن به كه كاهى كنى درحال لب خشكان نكاهى

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى {إن في هذا} المعنى الذي أخبرتكم به، مما توعدنا به الكفار، من النار والخلود فيها، وما وعدنا به المؤمنين من الجنة والكون فيها {لبلاغاً} وقيل: {إن في هذا} يعني القرآن {لبلاغاً} أي لما يبلغ الى البغية من أخذ به، وعمل عليه. والبلوغ الوصول. والبلاغ سبب الوصول الى الحق، ففي البرهان بلاغ، والقرآن دليل وبرهان. وقيل: معناه إنه يبلغ رضوان الله ومحبته وجزيل ثوابه {لقوم عابدين} لله مخلصين له. ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {وما أرسلناك} يا محمد {إلا رحمة للعالمين} أي نعمة عليهم، ولأن ترحمهم. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة فى أنه: ليس لله على الكافرين نعمة. لانه تعالى بين ان إرسال الله رسوله نعمة على العالمين. وعلى كل من أرسل اليهم. ووجه النعمة على الكافر انه عرضه للايمان ولطف له فى ترك معاصيه. وقيل: هي نعمة على الكافر بأن عوفي مما اصاب الأمم قبلهم من الخسف والقذف - في قول ابن عباس - ثم قال له (صلى الله عليه وسلم) قل لهم {إنما يوحي الي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} اي مسلمون لهذا الوحي الذي أوحي الي، من اخلاص الالهية والعبادة لله تعالى. ثم قال {فإن تولوا} يعني إن اعرضوا عن هذا الذي تدعوهم اليه من إخلاص التوحيد، فقل لهم {آذنتكم على سواء} أي اعلمتكم على سواء في الايذان تتساوون في العلم به لم اظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وهو دليل على بطلان قول أصحاب الرموز، وأن للقرآن بواطن خص بالعلم بها اقوام. وقيل على سواء في العلم اني صرت مثلكم، ومثله قوله {أية : فانبذ إليهم على سواء} تفسير : أي ليستوي علمك وعلمهم. وقيل معناه: لتستووا في الايمان به. وقوله {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} معناه لست اعلم ان ما وعدكم الله به من العقاب اقريب مجيؤه ام بعيد. وقوله {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} اي لست ادري لعل التأخير شدة في عبادتكم يظهر بها ما هو كالسر فيكم من خير أو شر، فيخلص الجزاء بحسب العمل. واصل الفتنة التخليص بالشدة، كتخليص الذهب بشدة النار من كل شائب من غيره. وقيل {فتنة لكم} اي اختبار لكم {ومتاع إلى حين} أي تتمتعون الى الوقت الذي قدره الله لاهلاككم. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل} يا محمد {رب احكم بالحق} انما أمره أن يدعو بما يعلم انه لا بد أن يفعله تعبداً، لانه إذا دعا بهذا ظهرت رغبته في الحق الذي دعا به. وقال قتادة: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) اذا شهد قتالا قال {رب احكم بالحق} بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع. وقرأ حفص وحده {قال رب أحكم} على الخبر. الباقون على الامر، وضم الباء ابو جعفر اتباعاً لضم الكاف. الباقون بكسرها على أصل حركة إلتقاء الساكين. وقوله {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي على ما تذكرون، مما ينافي التوحيد. وحكي عن الضحاك انه قرأ {قال ربي أحكم} باثبات الياء، وهو خلاف ما في المصاحف، ويكون على هذا {ربي} مبتدأ و {أحكم} خبره، كقوله {أية : الله أحسن الخالقين}. تفسير : وقرا ابن ذكوان عن ابن عامر {عما يصفون} بالياء يعني على ما يكذب هؤلاء الكفار من انكار البعث. الباقون بالتاء على الخطاب لهم بذلك.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ فِي هَـٰذَا} الوعد بايراث الارض او فى هذا القرآن او فى هذا الزّبور او فى هذا المذكور من الوعيد والوعد {لَبَلاَغاً} اى كفاية او بلوغاً الى المقصود {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} عطف او حال وفيه معنى الاستدراك فانّه توهّم من قوله لقومٍ عابدين اختصاص الكتاب والنّصح والمواعظ بالعابدين فاستدرك هذا التّوهّم وقال: ارسلناك رحمةً للعالمين فمن تعرّض لها اخذ نصيباً منها ومن اعرض عنها حرم منها، والعابد متعرّض لها وذكر فى الاخبار فى وجه كونه رحمةً للعالمين انّه (ص) بعث بالتّعريض لا بالتّصريح، وانّ قومه امهلوا ولم يتوعّدهم العذاب ولم يصرّح لهم بأمرٍ كانوا يخالفونه فيعذّبوا كولاية علىٍّ (ع) وانّه رفع المسخ والخسف من هذه الامّة، والتّحقيق انّ وجود خلفاء الله فى الارض رحمة من الله على اهل الارض وبركة ورفع لبلائهم لانّهم بفنائهم من انانيّاتهم وبقائهم بوجودٍ الهىٍّ اخروىٍّ صاروا عين الرّحمة الالهيّة، وكونهم فى الارض عبارة عن وجود تلك الرّحمة فى الارض على جملة موجودات الارض.

اطفيش

تفسير : {إنَّ فِى هَذَا} أى القرآن. وقيل: المراد فى هذا المذكور من الآيات. {لَبَلاَغًا} وصولا إلى البغية. وقيل: كفاية؛ لما فيه من الأخبار، والوعد، والوعيد، والمواعظ البالغة. {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} هِمَّتهم العبادة دون العادة. وقيل: عاملين به. وقيل: العابدون: المصلون الخمس من هذه الأمة. وقيل: المراد بهذه العبادة: الصلاة، والصوم المفروضان. وعن ابن عباس: العابدون بمعنى العاملين. وأنت خبير أن العلم لا ينفع بلا عمل.

اطفيش

تفسير : {إنّ فى هذا} أى فيما ذكر فى هذه السورة من دلائل الوحدانية والنبوة والمواعظ، والوعد والوعيد، فى هذا القرآن {لبلاغاً} كفاية، كما يقال لفلان بلغة من العيش أى كفاية يبلغ بها المراد، أو لسبب بلوغ الى المراد من الدين، أو لنفس البلوغ اليه على المبالغة، فى أن ما ذكر كافٍ {لَقَوْم عابدين} لقدم مآلهم العبادة بالتوحيد والطاعة إذا سمعوا ذلك أو زيادة عبادة بكل ما سمعوا من ذلك بعد إيمانهم، أو همتهم العبادة يبحثون عن طرقها الصحيحة، وعن الحسن: الذين يصلون الخمس جماعة، وعن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه قرأ ذلك فقال: هى أى العبادة الصلوات الخمس فى المسجد الحرام جماعة" تفسير : وعن أبى هريرة: الصلوات الخمس، وعن كعب الأخبار رحمة الله: صوم رمضان والصلوات الخمس قلت: المراد فى ذلك كله التمثيل، ولا يكفى التخصيص.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ فِى هَـٰذَا} أي فيما ذكر في هذه السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، وقيل: الإشارة إلى القرآن كله {لَبَلَـٰغاً} أي كفاية أو سبب بلوغ إلى البغية أو نفس البلوغ إليها على سبيل المبالغة {لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ} أي لقوم هممهم العبادة دون العادة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنهم الذين يصلون الصلوات الخمس بالجماعة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ذلك فقال: هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة، وضمير {هِىَ} للعبادة المفهومة من {عَـٰبِدِينَ} وقال أبو هريرة ومحمد بن كعب ومجاهد: هي الصلوات الخمس ولم يقيدوا بشيء، وعن كعب الأحبار تفسيرها بصيام شهر رمضان وصلاة الخمس والظاهر العموم وأن ما ذكر من باب الاقتصار على بعض الأفراد لنكتة.

الشنقيطي

تفسير : الإشارة في قوله {هَـٰذَا} للقرآن العظيم، الذي منه هذه السورة الكريمة. والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن فيه الكفاية للعابدين، وما يبلغون به بغيتهم، أي من خير الدنيا والآخرة ـ ذكره في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [إبراهيم: 52] وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 106- إن فى هذا الذى ذكرناه من أخبار الأنبياء مع أقوامهم، وأخبار الجنة والنار لكفاية فى التذكير والاعتبار، لقوم مهيئين لعبادة الله - وحده - لا تفتنهم زخارف الدنيا. 107- وما أرسلناك - أيها النبى - إلا لتكون رحمة عامة للعالمين. 108- قل - أيها النبى - للناس كافة: إن لُبَّ الذى أَوحَى الله به إلىَّ هو: أنه لا إله لكم إلا هو، وأن بقية ما يوحى به بعد ذلك تابع لهذا الأصل، وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تستسلموا وتخضعوا لله وحده. 109- فإن أعرضوا عن دعوتك، فقل لهم: لقد أعلمتكم جميعاً بما أمرنى به ربى، وبذلك استوينا فى العلم، ولا أدرى ما توعدون به من البعث والحساب، أهو قريب أم بعيد؟ 110- إن الله يعلم كل ما يقال مما تجهرون به، وما تكتمون فى أنفسكم. 111- وما أدرى لعل إمهالكم وتأخير العذاب عنكم اختبار يمتحنكم الله به، ويمتِّعكم فيه بلذائذ الحياة إلى حينٍ قدَّره الله بحسب حكمته. 112- قل - أيها النبى -: يا رب احكم بينى وبين مَنْ بلَّغتُهم الوحى بالعدل حتى لا يستوى المؤمنون والكافرون، وربنا المنعم بجلائل النعم، المستحق للحمد والشكر، وهو المستعان به على إبطال ما تفترونه أيها الكافرون.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَبَلاَغاً} {عَابِدِينَ} (106) - وَفِي هَذَا القُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ، وَمَا يَكْشِفُهُ مِنْ سُنَنِ الكَوْنِ والحَيَاةِ، وَمِنْ مَصَائِرِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمِنْ قَوَاعِدِ العَمَلِ والجَّزَاءِ، بَلاَغٌ وَكِفَايَةٌ للعَابِدِيْنَ الخَاشِعِينَ، الَّذِيْنَ يَجْمَعُوْنَ بَيْنَ الإِيْمَانِ والعَمَلِ، المُسْتَعِدِّيْنَ لِتَقَبُّلِ هُدَى اللهِ والانْتِفَاعِ بِهِ. لَبَلاَغاً - كِفَايَةً أَوْ وُصُولاً إِلى البُغْيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البلاغ: الشيء المهم الذي يجب أن يعلمه الناس؛ لذلك حين ينشغل الناس بالحرب، وينتظرون أخبارها تأتيهم على صورة بلاغات، يقولون: بلاغ رقم واحد، لأنه أمر مهم. فقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً ..} [الأنبياء: 106] أي: أن ما جاء به القرآن هو البلاغ الحق، والبلاغ الأعلى الذي لم يترك لكم عذراً، ولا لغفلتكم مجالاً، ولا لمستدرك أنْ يستدرك عليه في شيء. فهو مُنتْهى ما يمكن أنْ أخبركم به. وهو بلاغ لمن؟ {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 106] أي: يتلقفون مُرادَ الله لينفذوه، سواء أكان أمراً أمْ نَهياً.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ فِي هَـٰذَا} أي: ما ذكر في القرآن من المواعظ والتذكيرات والرموز والإشارات {لَبَلاَغاً} وتبليغاً بليغاً إلى أقصى مراتب التوحيد {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 106] عارفين بمسالك اليقين وأماراته. {وَ} كما كان هذا الكتاب هداياً لجميع البرايا إلى أعلى معارج التوحيد لذلك {مَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا أكمل الرسل المستخلف منا، المتخلق بأخلاقنا، المظهر لتوحيدنا الذاتي {إِلاَّ رَحْمَةً} أي: ذا رحمة شاملة وعطف عام {لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] إذ بعثة بعدك، ولا دين بعد دينك، بل أنت مكمل دائرة النبوة والرسالة، ودينك ناسخ جميع الأديان، فلا بدَّ لجميع أهل الملل والنحل أن يتدينوا بدينك كي يصلوا إلى ما جبهلم الحق لأجله، وهو التوحيد والعرفان. وبعدما صرت خاتم النبوة والرسالة وصار دينك ناسخاً لجميع الأديان {قُلْ} لقاطبة الأنام على سبيل الدعوة العامة والتبليغ التام: {إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ} من ربي ما جعلني مبعوثاً إلى عموم عباده {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ} أيها الواصلون إلى مرتبة التكليف {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أحدُ صمد لا يقبل التعدد، ولا يعرضه نقصان، ولا يشغله شأن عن شأن، بل {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29] {فَهَلْ أَنتُمْ} أيها العابدون {مُّسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] منقادون له، مسلّمون توحيده، مخلصون في إطاعته وانقياده. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن التوحيد بعد تبليغك إياهم قصارى أمرهم في دينهم {فَقُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {ءَاذَنتُكُمْ} وأعلمتكم بإذن الله وأهديكم بمقتضى وحيه {عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: على طريق سوي، وصراط مستقيم موصل إلى توحيد الحق ومعرفته، وإن انحرفتم عن جادة التوحيد وانصرفتم عن مسالكه، استوجبتم المقت والعذاب ألبتة {وَإِنْ أَدْرِيۤ} أي: ما أدري وأعلم {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ} نزول {مَّا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109] من العذاب والنكال. وبعدما تحقق نزوله وتقرر وقوعه بإخبار الله من لا تغتروا بإمهاله إياكم عن غفلته عنكم تعالى عن ذلك، كيف يعرض له سبحانه الغفلة والذهول؟ {إِنَّهُ} بعلمه الحضوري {يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ} منكم {مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ} أيضاً منكم {مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] وتخفون في نفوسكم من خواطركم. {وَإِنْ أَدْرِي} أي: وما أعلم أيضاً {لَعَلَّهُ} أي: لعل إمهاله إياكم وتأخيره العذاب عنكم {فِتْنَةٌ} واختبار {لَّكُمْ} هل تتفطنون إلى توحيده أو لا؟ بعد ورود أنواع المنبهات عليه، والروادع، والزواجر البليغة عما ينافيه ويخالفه {وَ} ما أدري أيضاً لعل إمهاله لكم {مَتَاعٌ} وتمتيع لكم {إِلَىٰ حِينٍ} [الأنبياء: 111] لتزدادوا فيه إثماً ومعصية كثيرة تستجلبوا بها أعظم العقوبات وتستحقوا أشد العذاب. ثم لما تمادى النزاع بين أهل مكة ورسوله الله صلى الله عليه وسلم وتكثرت الوقائع والحادثات، أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بالاستعانة منه سبحانه والتفويض إليه بقوله: {قَالَ} يا أكمل الرسل بعدما أصروا على إنكارك ملتجئاً إلينا مناجياً: {رَبِّ} يا من ربَّاني بكرامة الرسالة والتبليغ والإرشاد والتشريع {ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} الصريح الصحيح عنك بيني وبين هؤلاء المعاندين، وأنت تعلم أنهم لا ينزجرون لا بنزول العذاب الموعود عليهم، أنزل بمقتضى قهرك عليهم ما ينزجرون به من العذاب {وَرَبُّنَا} وإن كان هو {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي وسعت رحمته كل شيء حتى الكافر الشقي النافي له، لكنه {ٱلْمُسْتَعَانُ} والمعين المنان والناصر الديَّا لأهل المعرفة والإيمان {عَلَىٰ} إزالة {مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112] اللهَ به مما لا يليق بشأنه وجنابه. وبالجملة أولئك المشركون هم الهالكون في تيه الجحود والطغيان، المنهمكون في بحر الغفلة والضلال والكفران. خاتمة السورة عليك أيها الطالب القاصد لاقتصاد الأحوال واعتدال الأقوال والأفعال أن تستعين بالله ما صدر عنك، وجرى عليك، و تسنده إلى الله سبحانه بلا رؤية الوسائل والبين، وتتخذه وكيلاً على مقتضى أمره سبحانه {أية : فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً}تفسير : [المزمل: 9] وتفوض جميع أمورك في جميع شؤونك وأطوارك إليه سبحانه؛ إذ هي له أصالة، وإن صدر عنك صورة؛ إذ لا وجود لك في ذاتك، فيكف ما يترتب عليه من الأفعال والآثار المرتبة عليه، فلك أن تميت نفسك عما حداك إليه أمّارة نفسك وشيطان وهمك وخيالك؛ إذ هو مضلك ومغويك يبعدك عما يعينك وينبغي لك، ويغريك إلى ما لا يعينك ويرديك. فلك أن تميز بين تسويلات الهوى، وأماني النفس المائلة عن المولى وبين آيات الهدى وعلامات التقى الموصلة إلى الدرجة العليا والفوز بشرف اللقيا. وإن شئت أن تخلص نفسك من جنود الهوى وعساكر الغفلات من الأوهام والخيالات فاعتزل عن أظهر الناس، وأعرض عن ملئهم، واحذر عن مخالطتهم ومصاحبتهم، واتخذ لنفسك خلوة تنجيك عن جميع ما يغويك ويؤذيك؛ إذ المرء إنما يذوق حلاوة الوحدة ولذة التوحيد في العزلة والفرار عن الخلطة، سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه النفاق، وكثر الخلاف والشقاق. ربنا هب لنا من لدنك جذبة عن لذات الدنيا ومشتهياتها، وأنساً بك تخلصنا عن مؤانسة غيرك، إنك على ما تشاء قدير، وبإنجاح آمال المؤملين جدير.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يثني الله تعالى على كتابه العزيز " القرآن " ويبين كفايته التامة عن كل شيء، وأنه لا يستغنى عنه فقال: { إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ } أي: يتبلغون به في الوصول إلى ربهم، وإلى دار كرامته، فوصلهم إلى أجل المطالب، وأفضل الرغائب. وليس للعابدين، الذين هم أشرف الخلق، وراءه غاية، لأنه الكفيل بمعرفة ربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبالإخبار بالغيوب الصادقة، وبالدعوة لحقائق الإيمان، وشواهد الإيقان، المبين للمأمورات كلها، والمنهيات جميعا، المعرف بعيوب النفس والعمل، والطرق التي ينبغي سلوكها في دقيق الدين وجليله، والتحذير من طرق الشيطان، وبيان مداخله على الإنسان، فمن لم يغنه القرآن، فلا أغناه الله، ومن لا يكفيه، فلا كفاه الله. ثم أثنى على رسوله، الذي جاء بالقرآن فقال: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به، قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرا، وأبوا رحمة الله ونعمته. { قُلْ } يا محمد { إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون لعبوديته مستسلمون لألوهيته، فإن فعلوا فليحمدوا ربهم على ما منَّ عليهم بهذه النعمة التي فاقت المنن. { فَإِنْ تَوَلَّوْا } عن الانقياد لعبودية ربهم، فحذرهم حلول المثلات، ونزول العقوبة. { فَقُلْ آذَنْتُكُمْ } أي: أعلمتكم بالعقوبة { عَلَى سَوَاءٍ } أي علمي وعلمكم بذلك مستو، فلا تقولوا - إذا أنزل بكم العذاب: {أية : مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ } تفسير : بل الآن، استوى علمي وعلمكم، لما أنذرتكم، وحذرتكم، وأعلمتكم بمآل الكفر، ولم أكتم عنكم شيئا. { وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ } أي: من العذاب لأن علمه عند الله، وهو بيده، ليس لي من الأمر شيء. { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } أي: لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه شر لكم، وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين، ثم يكون أعظم لعقوبتكم. { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ } أي: بيننا وبين القوم الكافرين، فاستجاب الله هذا الدعاء، وحكم بينهم في الدنيا قبل الآخرة، بما عاقب الله به الكافرين من وقعة " بدر " وغيرها. { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي: نسأل ربنا الرحمن، ونستعين به على ما تصفون، من قولكم سنظهر عليكم، وسيضمحل دينكم، فنحن في هذا، لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن، الذي ناصية كل مخلوق بيده، ونرجوه أن يتم ما استعناه به من رحمته، وقد فعل، ولله الحمد.