٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدّق به سعد، ومن لم يؤمن به سلِم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقال ابن زيد: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} فلا يجوز الإشراك به. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي منقادون لتوحيد الله تعالى؛ أي فأسلموا؛ كقوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» أي انتهوا. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي إن أعرضوا عن الإسلام {فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً، أي استويت أنت وهم فليس لفريق عهد ملتزم في حق الفريق الآخر. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولم أظهر لأحد شيئاً كتمته عن غيره. {وَإِنْ أَدْرِيۤ} «إن» نافية بمعنى «ما» أي وما أدري. {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي مرسل ولا مَلَك مقرّب؛ قاله ابن عباس. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ } يا محمد {إِلاَّ رَحْمَةً } أي للرحمة {لِّلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ بك.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَحْمَةً} هداية {لِّلْعَالَمِينَ} المؤمنين، أو رفعاً لعذاب الاستئصال عن كافة الخلق.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ} بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكامِ وغير ذلك من الأمور التي هي مناطٌ لسعادة الدارين {إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} هو في حيز النصب على أنه استثناءٌ من أعم العلل أو من أعم الأحوال، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعةِ للعالمين قاطبةً، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حالَ كونِك رحمةً لهم فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأٌ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما يُسعِده، وقيل: كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال حسبما ينطِق به قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33] {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي ما يوحىٰ إليّ إلا أنه لا إلٰهَ لكم إلا إلٰهٌ واحدٌ لأنه المقصودُ الأصليُّ من البعثة، وأما ما عداه فمن الأحكام المتفرِّعة عليه فإنما الأولى لقصر الحُكم على الشيء كقولك: إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد، والثانيةُ لقصر الشيءِ على الحكم كقولك: إنما زيدٌ قائم أي ليس له إلا صفةُ القيام {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مخلِصون العبادةَ لله تعالى مخصِّصون لها به تعالى، والفاءُ للدِلالة على أن ما قبلها موجبٌ لما بعدها. قالوا: فيه دَلالةٌ على أن صفةَ الوَحْدانية تصحّ أن يكون طريقُها السمعَ. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإسلام وعن شرائعه ومباديه ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من الوحي {فَقُلْ} لهم {ءاذَنتُكُمْ} أي أعلمتُكم ما أُمرت به أو حربـي لكم {عَلَىٰ سَوَاء} كائنين على سواءٍ في الإعلام به لم أطْوِه عن أحد منكم أو مستوين به أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به أو في المعاداة أو إيذاناً على سواء، وقيل: أعلمتكم أني على سواء أي عدلٍ واستقامة رأيٍ بالبرهان النيّر {وَإِنْ أَدْرِى} أي ما أدري {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} من غلَبة المسلمين وظهورِ الدين أو الحشرُ مع كونه آتياً لا محالة. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيبِ الآياتِ التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود {وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} من الإحْن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه نقيراً وقطميراً. {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ} أي ما أدري لعل تأخيرَ جزائِكم استدراجٌ لكم وزيادةٌ في افتتانكم، أو امتحانٌ لكم لينظُرَ كيف تعملون {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي وتمتُّعٌ لكم إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئتَه المبنيةُ على الحِكَم البالغةِ ليكون ذلك حجةً عليكم.
السلمي
تفسير : قال أبو بكر بن طاهر: زين الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة، ونظره إلى مَنْ نظر إليه رحمة وسخطه ورضاه وتقريبه وتبعيده، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شىء من رحمته فهو الناجى في الدارين أجمع عن كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى الله يقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} فكانت حياته رحمة، ومماته رحمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا ".
القشيري
تفسير : أمَّا مَنْ أسلم فَبِكَ ينجون، وأمَّا مَنْ كَفَرَ فلا نعذبهم ما دُمْتَ فيهم؛ فأنت رحمة مِنَّا على الخلائق أجمعين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {رحمة}: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلناك} يا محمد {إِلا رحمةً للعالمين} أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك؛ مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أُوتي من قِبل نفسه، حيث فرط في اتّباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا؛ بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفَال: 33]. {قل إِنما يوحى إِليّ أَنما إِلهكم إِلهٌ واحد} أي: ما يوحى إليّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد؛ لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و {إنما} الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يُوحى إليّ وحدي أنما إلهكم واحد. {فهل أنتم مسلمون} أي: مخلصون العبادة لله {فإن تولوا} عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، {فقل آذنتُكم} أي: أعلمتكم ما أُمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا {على سواءٍ}، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. {وإِنْ أَدْرِي} أي: ما أدري {أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدون} من البعث والحساب متى يكون؛ لأن الله تعالى لم يُطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: {أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الأنبيَاء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، {إِنه يعلم الجهرَ من القول ويعلم ما تكتمون} أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به؛ من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرًا وقطميرًا. {وإِنْ أدري لعله فتنةٌ لكم} أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم؛ لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، {ومتاعٌ إلى حين} أي: تمتع لكم إلى حين موتكم؛ ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحِكَم البالغة. {قل ربِّ احكُم بالحق} أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعرَاف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ"تفسير : ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عُذبوا ببدر أيّ تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: {قال}؛ حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: {وربنا الرحمن}؛ كثير الرحمة على عباده، {المستعان على ما تصفون} من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيّب آمالهم، وغيّر أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم؛ لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خُلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: {وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين}. هـ. وقال أيضًا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأنا النعمة المهداة"تفسير : ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص؛ لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: {قل إنما يُوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد...} الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبُعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. {قل ربِّ احكم بالحق}؛ أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغَهُ، {وربنا الرحمن المستعان} به {على ما تصفون} من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {إلاّ رَحْمَةً} مفعول لأجله. {لِلْعَالَمِينَ} الإنس والجن وغيرهما دنيا وأخرى. وذلك أن ما جاء به سبب لإصلاح المعاد والمعيشة، فهو رحمة، وإن لم ينتفع به الكافر؛ فإنه إنما أوتى من قِبَل نفسه وكسلها، كعين ماء عذب مشترك فيها. فبعض يحرث بها، ويسقى، وبعض فرَّط. وكان الناس أهل كفر وجهالة. وأهل الكتاب فى حيرة؛ لوقوع التغيير، وطول المدة، فبُعث مميزا للحق من الباطل، ورفع الله به المسخ والخسف والاستئصال، فهذه نعمة دنيوية، وقعت للكافر. وقيل: المراد بالرحمة الرحمة الدينية. والمراد بالعالَمين: المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {وما أرسَلْناك} يا محمد بما ذكروا مثاله من الشرائع والأحكام والوعد والوعيد، {إلاَّ رحمة للعالمينَ} نصب على التعليل، أى لنرحم بك العالمين، والرحمة من الله لا على التعليل، والرحمة منه صلى الله عليه وسلم لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الإرسال هو الله عز وجل، ويجوز أن يكون حالا من الكاف مبالغة، كأنه صلى الله عليه وسلم نفس الرحمة، أو بمعنى راحماً أو ذا رحمة، أو حالا من نا، أى ذوى رحمة أو راحمين ودخل فى العاليمن الكفار والمؤمنون وأهل الشقاوة مطلقا، لأن الله رحمهم به. لأنه صلى الله عليه وسلم ويبين لهم الهدى وأسباب السعادة، فلم يقبلوا رحمته لخلافهم وضيعوها، وأيضا هو لهم نفع دنيوى أيضا لا يستأصلون كما استؤصلت أمم قبلهم بنحو مسخ وخسف وإغراق، وصاعقة، وهل دخلت الملائكة فى العالمين، وهل بعث إليهم قولان، قالت جماعة بعث إليهم فهو رحمة لهم، ولا ندرى بم أمرهم أو عم نهاهم، وعليه المحلى فى شرح جمع الجوامع، وادعى الفخر الإجماع عليه، ولا إجماع، وقال قوم: لم يبعث إليهم ولم يدخلوا فى العالمين. القول الثالث: أنهم داخلون فى العالمين، ولم يبعث إليهم قلت: كنت أقول بهذا فى المذهب، لأنهم ازدادوا به عبادة، ولم يبلهم الله تعالى بما بلى روت وما روت، وقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: "حديث : هل أصابتك هذه الرحمة؟" قال: نعم، كنت أخشى عاقبة فآمنت لقوله: {ذى قوة عند ذى العرش مكين}" تفسير : ولا سند لهذا الحديث، فهو رحمة لهم كما هو رحمة لسائر الحيوان غير مرسل اليها، وكذا المجانين والأطفال هو رحمة لهم بلا بعث إليهم، ويجوز أن نقول: بعث للأطفال والبله الذين يفهمون قليلا، فإنهم ثيابون بحسناتهم بلا عقاب على سوء، وكما دخلت الملائكة فى نحو: " أية : الحمد لله رب العالمين" تفسير : [الفاتحة: 2] دخلوا هنا، وقد زعم بعض أن الأنبياء كلها من نوره صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ} بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ذلك مما هو مناط لسعادة الدارين {إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} استثناء من أعم العلل أي وما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لترحم العالمين بإرسالك أو من أعم الأحوال أي وما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمة أو ذا رحمة أو راحماً لهم ببيان ما أرسلت به، والظاهر أن المراد بالعالمين ما يشمل الكفار، ووجه ذلك عليه أنه عليه الصلاة والسلام أرسل بما هو سبب لسعادة الدارين ومصحلة النشأتين إلا أن الكافر فوت على نفسه الانتفاع بذلك وأعرض لفساد استعداده عما هنالك، فلا يضر ذلك في كونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليه أيضاً كما لا يضر في كون العين العذبة مثلاً نافعة عدم انتفاع الكسلان بها لكسله وهذا ظاهر خلافاً لمن ناقش فيه. وهل يراد بالعالمين ما يشمل الملائكة عليهم السلام أيضاً فيه خلاف مبني / على الخلاف في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم لهم، فإذا قلنا بالعموم - كما رجحه من الشافعية البارزي وتقي الدين السبكي والجلال المحلي في «خصائصه»، ومن الحنابلة ابن تيمية وابن حامد وابن مفلح في كتاب «الفروع»، ومن المالكية عبد الحق - قلنا بشمول العالمين لهم هنا. وكونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليهم لأنه جاء عليه الصلاة والسلام أيضاً بما فيه تكليفهم من الأوامر والنواهي وإن لم نعلم ما هنا، ولا شك أن في امتثال المكلف ما كلف به نفعاً له وسعادة، وإن قلنا بعدم العموم كما جزم به الحليمي والبيهقي والجلال المحلى في «شرح جمع الجوامع» وزين الدين العراقي في «نكته على ابن الصلاح» من الشافعية ومحمود بن حمزة في كتابه «العجائب والغرائب» من الحنفية بل نقل البرهان النسفي والفخر الرازي في «تفسيريهما» الإجماع عليه، وإن لم يسلم قلنا بعدم شموله لهم هنا وإرادة من عداهم منه، وقيل: هم داخلون هنا في العموم وإن لم نقل ببعثته صلى الله عليه وسلم إليهم لأنهم وقفوا بواسطة إرساله عليه الصلاة والسلام على علوم جمة وأسرار عظيمة مما أودع في كتابه الذي فيه بناء ما كان وما يكون عبارة وإشارة وأي سعادة أعظم من التحلي بزينة العلم؟ وكونهم عليهم السلام لا يجعلون شيئاً مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين، وقيل: لأنهم أظهر من فضلهم على لسانه الشريف ما أظهر. وقال بعضهم: إن الرحمة في حق الكفار أمنهم ببعثته صلى الله عليه وسلم من الخسف والمسخ والقذف والاستئصال، وأخرج ذلك الطبراني والبيهقي وجماعة عن ابن عباس، وذكر أنها في حق الملائكة عليهم السلام الأمن من نحو ما ابتلى به هاروت وماروت، وأيد بما ذكره صاحب «الشفا» أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله تعالى عليَّ في القرآن بقوله سبحانه { أية : ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } تفسير : [التكوير: 20] وإذا صح هذا الحديث لزم القول بشمول العالمين للملائكة عليهم السلام إلا أن الجلال السيوطي ذكر في «تزيين الأرائك» أنه لم يوقف على إسناد، وقيل المراد بالعالمين جميع الخلق فإن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته جل شأنه، وجمع جمع العقلاء تغليباً للأشرف على غيره. وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام واسطة الفيض الإلٰهي على الممكنات على حسب القوابل، ولذا كان نوره صلى الله عليه وسلم أول المخلوقات، ففي الخبر ( حديث : أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر ) تفسير : ،وجاء « حديث : الله تعالى المعطي وأنا القاسم » تفسير : وللصوفية قدست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك، وفي «مفتاح السعادة» لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة اهـ؛ وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضاً لكن لا يخلو ذلك عن بحث. وزعم بعضهم أن العالمين هنا خاص بالمؤمنين وليس بشيء، ولواحد من الفضلاء كلام طويل في هذه الآية الكريمة نقض فيه وأبرم ومنع وسلم ولا أرى له منشأ سوى قلة الاطلاع على الحق الحقيق بالاتباع، / وأنت متى أخذت العناية بيدك بعد الاطلاع عليه سهل عليك رده ولم يهولك هزله وجده، والذي أختاره أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم وإنسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الإنس والجن في ذلك، والرحمة متفاوتة ولبعض من العالمين المعلى والرقيب منها، وما يرى أنه ليس من الرحمة فهو إما منها في النظر الدقيق أو ليس مقصوداً بالقصد الأولى كسائر الشرور الواقعة في العالم بناء على ما حقق في محله أن الشر ليس داخلاً في قضاء الله تعالى بالذات، ومما هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما أخرجه مسلم عن أبـي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال: « حديث : إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة » تفسير : ولعله يؤيد نصب {رَحْمَةً} في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن أبـي هريرة « حديث : إنما أنا رحمة مهداة » تفسير : ولا يشين احتمال التعليل ما ذهب إليه الأشاعرة من عدم تعليل أفعاله عز وجل فإن الماتريدية وكذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه وردوه بما لا مزيد عليه، على أنه لا مانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التعليل ووجود المانع هنا توهم محض فتدبر؛ ثم لا يخفى أن تعلق {لّلْعَـٰلَمِينَ} برحمة هو الظاهر. وقال ابن عطية: يحتمل أن يتعلق بأرسلناك، وفي «البحر» لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد (إلا) بالفعل قبلها إلا إن كان العامل مفرغاً له نحو ما مررت إلا بزيد.
ابن عاشور
تفسير : أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وتصديق دعوته. فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم ووشْك حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه لم يكن بدعاً من الرسل، وذُكروا إجمالاً، ثم ذُكرت طائفة منهم على التفصيل، وتُخُلِّل ذلك بمواعظ ودلائل. وعطفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكماً وعلماً وذكر ما أوتوه من الكرامات، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومَها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين، فهذه الجملة عطف على جملة {أية : وجعلناها وابنها آية للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 91] ختاماً لمناقب الأنبياء، وما بينهما اعتراض واستطراد. ولهذه الجملة اتصال بآية {أية : وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون}تفسير : [الأنبياء: 3]. ووزانها في وصف شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وزان آية: {أية : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان}تفسير : [الأنبياء: 48] وآية: {أية : ولقد آتينا إبراهيم رشده}تفسير : [الأنبياء: 51] والآيات التي بعدهما في وصف ما أوتيه الرسل السابقون. وصيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه. فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر فيها الرسول، ومرسله، والمرسَل إليهم، والرسالة، وأوصاف هؤلاء الأربعة، مع إفادة عموم الأحوال، واستغراق المرسل إليهم، وخصوصية الحصر، وتنكير {رحمة} للتعظيم، إذ لا مقتضى لإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا أنك الرحمة للعالمين. وليس التنكير للإفراد قطعاً لظهور أنّ المراد جنس الرحمة وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم. فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً، فقد فاقت أجمع كلمةٍ لبلغاء العرب، وهي: شعر : قِفا نَبْكِ من ذِكرَى حبيبٍ ومنزل تفسير : إذ تلك الكلمة قصاراها كما قالوا: «أنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل» دون خصوصية أزيد من ذلك فجمَع ستة معان لا غير. وهي غير خصوصية إنما هي وفرة معان. وليس تنكير «حبيب ومنزل» إلا للوحدة لأنه أراد فرداً معيّناً من جنس الأحباب وفرداً معيناً من جنس المنازل، وهما حبيبه صاحب ذلك المنزل، ومنزلُه. واعلم أن انتصاب {رحمة}على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفاً من أوصافه فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة. ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها، ومن المعلوم أن عنوان الرسُولية ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة. ووقوع الوصف مصدراً يفيد المبالغة في هذا الاتحاد بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدلّ لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «حديث : إنما أنا رحمة مهداة»تفسير : وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته. فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد تلاميذه أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد الباجي من رجال القرن الخامس: «زين الله محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق» اهــــ. وذكره عنه عياض في «الشفاء». قلت: يعني أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - فُطر على خُلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به إليه ملائماً رغبتَه وخلقه. حديث : قالت عائشة: «كان خلقُه القرآن»تفسير : . ولهذا خصّ الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء، وكذلك في القرآن كله، قال تعالى: {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}تفسير : [التوبة: 128] وقال تعالى: {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم}تفسير : [آل عمران: 159] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً. وفي حديث مسلم: أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على أصحابه فقالوا: لو دعوت عليهم فقال: «حديث : إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ رحمة».تفسير : وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى {للعالمين} متعلق بقوله {رحمة}. والتعريف في {العالمين} لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم. والعالَم: الصنف من أصناف ذوي العلم، أي الإنسان، أو النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى: {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2]. فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين، فالحنيفية شريعة إبراهيم - عليه السلام - كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام، وشريعة عيسى - عليه السلام - قريبة منها في ذلك؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات، وهي رحمة كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى: {أية : ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 154]، فإن كثيراً من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال شاقة على الأمة بفروض شاقة مستمرة قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم} وقال: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم إلى آيات كثيرة. لا جرم أن الله تعالى خصّ الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطاباً منه لموسى - عليه السلام -: {أية : ورَحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي}تفسير : [الأعراف: 156ــــ157] الآية. ففي قوله تعالى: {وسعت كل شيء} إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة. وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تُساس بالرحمة وأن تدفع عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصالح بدونها، فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة وما في شريعة الإسلام من تمحّض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم. فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر. قال تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحجّ: 78] وقال تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : بُعثت بالحنيفية السمحة».تفسير : وما يتخيل من شدة في نحو القِصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : ولكم في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس. وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة. ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة. هذا وإن أريد بــــ {العالمين} في قوله تعالى: {إلا رحمة للعالمين} النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به. إذ هو مخلوق لأجل الإنسان، قال تعالى: {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29] وقال تعالى: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم}تفسير : [النحل: 5ــــ7]. وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما يُنتفع به من الحيوان ولم تأذن في غير ذلك. ولذلك كُره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله، وعدّ فقهاؤنا سباقَ الخيل رخصة للحاجة في الغرو ونحوه. ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث «الموطأ» عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : أن الله غفر لرجل وجد كلباً يلهثُ من العطش فنزل في بئر فملأ خفّه ماء وأمسكه بفمه حتى رقِي فسقَى الكلب فغفر الله له».تفسير : أما المؤذي والمضرّ من الحيوان فقد أُذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم. وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أر سل هذا النَّبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم. لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلاً قال: لو فجر الله عيناً للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول. فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل. فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28]. وقيل: كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال. والأول أظهر. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين ـ يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحاً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 51]، وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [القصص: 86] الآية. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة "الكهف" في موضعين منها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "حديث : إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة ".
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} {لِّلْعَالَمِينَ} (107) - وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِهَذَا وأَمْثَالِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ والأَحْكَامِ إِلاَّ لِرَحْمَةِ النَّاسِ، وَهِدَايَتِهِمْ فِي شُؤُونِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَلاَ يَهْتَدِي بِهِ إِلاَّ المُتَهَيِّئُوْنَ لِتَقَبُّلِ الهُدَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما دام صلى الله عليه وسلم خاتَم الرسل، وبعثتُه للناس كافة، وللزمن كله إلى أنْ تقوم الساعة. وقد جاء الرسل السابقون عليه لفترة زمنية محددة، ولقوم بعينهم، أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فجاءتْ رحمةً للعالمين جميعاً؛ لذلك لا بُدَّ لها أنْ تتسعَ لكل أقضية الحياة التي تعاصرها أنت، والتي يعاصرها خَلَفُك، وإلى يوم القيامة. ومعنى: العالمين، كُلُّ ما سوى الله عز وجل: عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الجماد، وعالم الحيوان، وعالم النبات. لكن كيف تكون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً لهم جميعاً؟ قالوا: نعم، رحمة للملائكة، فجبريل - عليه السلام - كان يخشى العاقبة حتى نزل على محمد قوله تعالى: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} تفسير : [التكوير: 20] فاطمأن جبريل عليه السلام وأَمِن. ورسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للجماد؛ لأنه أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق. وهو رحمة بالحيوان. وفي الحديث الشريف: "حديث : ما من مسلم يزرع زَرْعاً، أو يغرس غَرْساً فيأكلَ منه طيْرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ". تفسير : وحديث المرأة التي دخلتْ النار في هِرَّة حبستْها، فلا هي أطعمتْها وسقتْها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض. وحديث الرجل الذي دخل الجنة؛ لأنه سقى كلباً كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنزل الرجل البئر وملأ خُفَّه فسقى الكلب، فشكر الله له وغفر له، لأنه نزل البئر وليس معه إناء يملأ به الماء، فاحتال للأمر، واجتهد ليسقي الكلب. وهكذا نالتْ رحمة الإسلام الحيوان والطير والإنسان، ففي الدين مبدأ ومنهج يُنظِّم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس؛ لذلك فهو رحمة للعالمين. فقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل في عناصر الرحمة. ثم يقول سبحانه: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] من أهل الذِّكر وأرباب المحبة من أهل العبادة وأصحاب الأعمال. {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: 108] يا أهل الجنة ويا أهل العناية {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] أي: مستسلمون له؛ ليبلغكم من مقام العبادة إلى مقام المحبة، ومن مقام المحبة إلى مقام الوصلة {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [الأنبياء: 109] أهل الأهواء والطبيعة عن قبول الدعوة والرجوع إلى الحق. {فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [الأنبياء: 109] أعمالكم يا أهل الحق والباطل {عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: على سوائه في الاستهزاء إلى طريق الحق ما فرقت بينكم في النصح وتبليغ الرسالة {وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ} في الوصول إليكم {مَّا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109] من ثمرات سعادة قبول الدعوة ونتائج شقاوة الدعوة. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [الأنبياء: 110] أي: يعلم ما تجهرون من دعاء الإسلام والإيمان والزهد والصلاح والمعارف {وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] من الصدق والإخلاص والرياء والسمعة والنفاق {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ} [الأنبياء: 111] ما تظهرون وما تكتمون من الحق والباطل {فِتْنَةٌ لَّكُمْ} [الأنبياء: 111] أي: اختبار لكم وابتلاء {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [الأنبياء: 111] أي: إلى حين مجازاتكم بالثواب والعقاب. وبقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} [الأنبياء: 112] يشير إلى: ألاَّ تطلب من الله ولا تطمع في حق المطيع والعاصي إلا ما هو مستحقه، وقد جرى الله فيهما في الأزل {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112] يشير إلى رحمته غير متناهية وهو ممن يستعان به في طلب الرحمة على أهل الحق والباطل الموصوفين بهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):