٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
108
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أورد على الكفار الحجج في أن لا إله سواه من الوجوه التي تقدم ذكرها، وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين، أتبع ذلك بما يكون إعذاراً وإنذاراً في مجاهدتهم والإقدام عليهم، فقال: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: إنما يقصر الحكم على شيء أو يقصر الشيء على حكم، كقولك إنما زيد قائم أو إنما يقوم زيد، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية. لأن: {إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد: {أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور على إثبات وحدانية الله تعالى وفي قوله؛ {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أن الوحي الوارد على هذا السنن يوجب أن تخلصوا التوحيد له وأن تتخلصوا من نسبة الأنداد، وفيه أنه يجوز إثبات التوحيد بالسمع. فإن قيل: لو دلت إنما على الحصر لزم أن يقال: إنه لم يوح إلى الرسول شيء إلا التوحيد ومعلوم أن ذلك فاسد، قلنا: المقصود منه المبالغة، أما قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاء } فقال صاحب «الكشاف»: آذن منقول من أذن إذا علم ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار، ومنه قوله: { أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [البقرة: 279] إذا عرفت هذا فنقول: المفسرون ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: قال أبو مسلم: الإيذان على السواء الدعاء إلى الحرب مجاهرة لقوله تعالى: { أية : فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاء } تفسير : [الأنفال: 58] وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر على من أشرك من قريش أن حالهم مخالف لسائر الكفار في المجاهدة، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك. وثانيها: أن المراد فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على السواء، فلم أفرق في الإبلاغ والبيان بينكم، لأني بعثت معلماً. والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا: { أية : رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } تفسير : [طه: 134]. وثالثها: على سواء على إظهار وإعلان. ورابعها: على مهل، والمراد أني لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم به بل أمهل وأؤخر رجاء الإسلام منكم. أما قوله: {وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } ففيه وجهان: أحدهما: {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } من يوم القيامة، ومن عذاب الدنيا ثم قيل: نسخه قوله: { أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الأنبياء: 97] يعني منهما، فإن مثل هذا الخبر لا يجوز نسخه. وثانيها: المراد أن الذي آذنهم فيه من الحرب لا يدري هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أنه يتأخر كأنه تعالى أمره بأن ينذرهم بالجهاد الذي يوحى إليه أن يأتيه من بعد ولم يعرفه الوقت، فلذلك أمره أن يقول: إنه لا يعلم قربه أم بعده. تبين بذلك أن السورة مكية، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وثالثها: أن ما يوعدون به من غلبة المسلمين عليهم كائن لا محالة ولا بد أن يلحقهم بذلك الذل والصغار، وإن كنت لا أدري متى يكون، وذلك لأن الله تعالى لم يطلعني عليه. أما قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } فالمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق، لأنه تعالى إذا كان عالماً بالضمائر وجب على العاقل أن يبالغ في الإخلاص. أما قوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } ففيه وجوه؛ أحدها: لعل تأخير العذاب عنكم. وثانيها: لعل إبهام الوقت الذي ينزل بكم العذاب فيه فتنة لكم أي بلية واختبار لكم ليرى صنعكم وهل تحدثون توبة ورجوعاً عن كفركم أم لا. وثالثها: قال الحسن: لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم والفتنة البلوى والاختبار. ورابعها: لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم، لأن ما يؤدي إلى الضرر العظيم يكون فتنة، وإنما قال لا أدري لتجويز أن يؤمنوا فلا يكون تبقيتهم فتنة بل ينكشف عن نعمة ورحمة. وخامسها: أن يكون المراد وإن أدري لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت فتنة لكم، لأنه زيادة في عذابكم إن لم تؤمنوا لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه أشد، وإذا متعه الله تعالى بالدنيا يكون ذلك كالحجة عليه. أما قوله تعالى: {قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: (قل رب أحكم بالحق) على الإكتفاء بالكسرة (ورب احكم) على الضم (وربي أحكم) أفعل التفضيل (وربي أحكم) من الإحكام. المسألة الثانية: {رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } فيه وجوه: أحدها أي ربي اقض بيني وبين قومي بالحق أي بالعذاب. كأنه قال: اقص بيني وبين من كذبني بالعذاب، وقال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون: { أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وثانيها: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم. أما قوله تعالى: {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } ففيه وجهان؛ أحدهما: أي من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب كأنه سبحانه قال: قل داعياً لي: {رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } وقل متوعداً للكفار: {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } قرأ ابن عامر بالياء المنقوطة من تحت، أي قل لأصحابك المؤمنين، وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل، أي من العون على دفع أباطيلهم. وثانيها: كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وخذلهم، قال القاضي: إنما ختم الله هذه السورة بقوله: {قال رَّبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية لهم وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفاً أن المقصود مصلحتهم، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم، فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر فما هو كائن قريب، وما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول كالإستعجال للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليماً آمين. وقد عني بتصحيحه ومراجعته والتعليق عليه على النسخة الأميرية المطبوعة في مطبعة بولاق المقر بالعجز والتقصير عبدالله إسماعيل الصاوي عاملة الله بلطفه وجزى الله طابعه حضرة السيد الفاضل عبد الرحمن أفندي محمد صاحب المطبعة البهية أحسن الجزاء وأثابه أجزل الصواب بحرصه على نشر العلم ونفع علماء المسلمين إنه سميع مجيب.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد، وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد فالأولى لقصر الحكم على الشيء والثانية على العكس. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } مخلصون العبادة لله تعالى على مقتضى الوحي المصدق بالحجة، وقد عرفت أن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمشركين: {إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: تركوا ما دعوتهم إليه، {فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم، كما أنتم برآء مني؛ كقوله: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 41] وقال: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58] أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني لعلمي بذلك. وقوله: {وَإِنْ أَدْرِىۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي: إن الله يعلم الغيب جميعه ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل. وقوله: {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم، ومتاع إلى حين. قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى، وحكاه عون عن ابن عباس، فالله أعلم. {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كان الأنبياء عليهم السلام يقولون: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 89] وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، وعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد غزاة قال: {رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}. وقوله: {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك. آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم السلام، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ } أي ما يوحى إليَّ في أمر الإِله إلا وحدانيته {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } منقادون لما يوحى إليَّ من وحدانية الإِلٰه والاستفهام بمعنى الأمر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَإِن تَوَلَّواْ} يعني أعرضوا، وفيه وجهان: أحدهما: عنك. والثاني: عن القرآن. {فَقُلْ ءَاذَنْتَكُمْ عَلَى سَوآءٍ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: على امر بَيِّنٍ سَوِي، وهذا قول السدي. والثاني: على مَهْل، وهذا قول قتادة. والثالث: على عدل، وهذا قول الفراء. والرابع: على بيان علانية غير سر، وهذا قول الكلبي. والخامس: على سَواءٍ في الإِعلام يظهر لبعضهم ميلاً عن بعض، وهذا قول علي بن عيسى. والسادس: استواء في الإِيمان به. والسابع: معناه أن من كفر به فهم سواء في قتالهم وجهادهم، وهذا قول الحسن. قوله عز وجل: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} فيه وجهان: أحدهما: لعل تأخير العذاب فتنة لكم. والثاني: لعل رفع عذاب الاستئصال فتنة لكم. وفي هذه الفتنة ثلاثة أوجه: أحدها: هلاك لكم. والثاني: محنة لكم. والثالث: إحسان لكم. {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلى يوم القيامة، وهذا قول الحسن. والثاني: إلى الموت، وهذا قول قتادة. والثالث: إلى أن يأتي قضاء الله تعالى فيهم. قوله عز وجل: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: عجّل الحكم بالحق. الثاني: معناه افصل بيننا وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع، وهذا معنى قول قتادة. {وَرَبُّنَا الرَّحَمنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} فيه وجهان: أحدهما: على ما تكذبون، قاله قتادة. والثاني: على ما تكتمون، قاله الكلبي. وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالاً قرأ هذه الآية. والله أعلم.
النسفي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا } إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم نحو «إنما زيد قائم وإنما يقوم زيد». وفاعل {يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } والتقدير يوحي إليَّ وحدانية إلهي، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي يوحي إليّ فتكون «ما» موصولة {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } استفهام بمعنى الأمر أي أسلموا {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام {فَقُلْ ءاذَنتُكُمْ } أعلمتكم ما أمرت به {عَلَىٰ سَوَاء } حال أي مستوين في الإعلام به ولم أخصص بعضكم، وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية {وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } أي لا أدري متى يكون يوم القيامة لأن الله تعالى لم يطلعني عليه ولكني أعلم بأنه كائن لا محالة، أو لا أدري متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } إنه عالم بكل شيء يعلم ما تجاهرونني به من الطعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين وهو مجازيكم عليه. {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } وتمتيع لكم إلى الموت ليكون ذلك حجة عليكم {قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل، أو بما يحق عليهم من العذاب ولا تحابهم وشدد عليهم كما قال «واشدد وطأتك على مضر». {قال رب} حفص على حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {رب احكم} يزيد {ربي أحكم} زيد عن يعقوب {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } العاطف على خلقه {ٱلْمُسْتَعَانُ } المطلوب منه المعونة {عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } وعن ابن ذكوان بالياء، كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وخذلهم أي الكفار وهو المستعان على ما يصفون.
الخازن
تفسير : {قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} يعني منقادون لما يوحى إلي من إخلاص الإلهية والتوحيد لله والمراد بهذا الاستفهام الأمر أي أسلموا {فإن تولوا} أي أعرضوا ولم يسلموا {فقل آذنتكم} أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا {على سواء} أي إنذاراً بيناً نستوي في علمه لا أستبد أنا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم والمعنى آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به وقيل معناه لتستووا في الإيمان به وأعلمتكم بما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره {وإن أدري} أي وما أعلم {أقريب أم بعيد ما توعدون} يعني يوم القيامة لا يعلمه إلا الله {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي لا يغيب عن علمه شيء منكم في علانيتكم وسركم {وإن أدري لعله فتنة لكم} أي لعل تأخير العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم بكم {ومتاع إلى حين} أي تتمتعون إلى انقضاء آجالكم {قال رب احكم} أي افصل بيني وبين من كذبني {بالحق} أي بالعذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر. وقيل: معناه افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق من الجميع وهو أن تنصرني عليهم والله يحكم بالحق طلب ولم يطلب ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي من الشرك والكفر والكذب والأباطيل، كأنه سبحانه وتعالى قال قل داعياً إلى رب احكم بالحق، وقل متوعداً للكفار وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} الآية. لما أورد على الكافر الحجج في أن لا إله سواه، وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بما يكون إنذاراً في مجاهدتهم والإقدام عليهم فقال: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ} قوله: "أَنَّمَا إِلَهكُمْ" (أنَّ) وما في حيزها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل إذ التقدير: إنما يوحي إليّ وحدانية إلهكم. وقال الزمخشري: "إنّما" لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنَّما زيد قائم، وإِنَّما يقوم زيد، وقد اجتمع المثلان في هذه الآية، لأن {إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ} مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد، و {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} بمنزلة إنَّما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنَّ الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقصور على استئثار الله بالوحدانية. قال أبو حيَّان: أما ما ذكره في "إنَّما" أنها لقصر ما ذكر فهو مبني على أن "إنّما" للحصر، وقد قررنا أنها لا تكون للحصر، وأنّ "مَا" مع "إنَّ" كهي مع "كأن" ومع "لَعَلّ" فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه، ولا الحصر في الترجي، فكذلك لا تفيده مع "إنَّ"، وأما جعله "أنَّما" المفتوحة الهمزة مثل المكسورتها يدل على القصر فلا نعلم الخلاف إلا في "إنَّما" بالكسر، وأما "أَنَّما" بالفتح فحرف مصدري ينسبك منه مع ما بعده مصدر، فالجملة بعدها ليست جملة مستقلة، ولو كانت "أنَّمَا" دالة على الحصر لزم أن يقال: أنه لم يوح إليَّ شيء إلا التوحيد، وذلك لا يصح الحصر فيه، إذ قد أوحي إليه أشياء غير التوحيد. قال شهاب الدين: الحصر بحسب كل مقام على ما يناسبه، فقد يكون هذا المقام يقتضي الحصر في إيحاء الوحدانية لشيء جرى من إنكار الكفار وحدانيته تعالى، وأنَّ الله لم يوح إليه شيئاً، وهذا كما أجاب الناس عن هذا الإشكال الذي ذكره الشيخ في قوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ} تفسير : [النازعات: 45] {أية : إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} تفسير : [الكهف: 110] {أية : أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} تفسير : [الحديد: 20] إلى غير ذلك، و "مَا" من قوله: "إِنَّما يُوحَى" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنْ تكون كافة. وقد تقدم. والثاني: أنْ تكون موصولة كهي في قوله: {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ} تفسير : [طه: 69]، ويكون الخبر هو الجملة من قوله {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تقديره: أنّ الذي يوحى إليّ هو هذا الحكم. قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُسْلِمُونَ} استفهام معناه الأمر بمعنى: أسلموا، كقوله: {أية : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91] أي: انتهوا. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} آذَنْتُكُمْ أعلمتكم، فالهمزة فيه للنقل، قال الزمخشري: آذن منقول من أذن: إذا علم، لكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار، ومنه قوله: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ} تفسير : [البقرة: 279] وقول ابن حلزة: شعر : 3742- آذَنَتْنَا بِبَيْنهَا أَسْمَاءُ تفسير : وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة. قوله: "عَلَى سَوَاءٍ" في محل نصب على الحال من الفاعل والمفعول معاً، أي: مستوين بما أعلمتكم به لم نطوه على أحد منهم. فصل قال أبو مسلم: الإنذار على السواء الدعاء على الحرب مجاهرة كقوله: {أية : فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58] وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر من أشرك أنّ حالهم مخالف لسائر حال الكفار في المجاهرة، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك. وقيل: المعنى: فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على سواء في الإبلاغ والبيان، لأني بعثت معلماً، والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا {أية : رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} تفسير : [طه: 134] وقيل: (ليستوي في الإيمان). وقيل: {ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: على مهل أي: لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم، بل أمهل وأؤخر رجاء إسلامكم. قوله: "وَإِنْ أَدْرِي" العامة على إرسال الياء ساكنة، إذ لا موجب لغير ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قرأ {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيْبٌ} {وَإنْ أَدْرِيَ لَعَلَّهُ فتْنَةُ} بفتح الياءين، وخرجت على التشبيه بياء الإضافة على أن ابن مجاهد أنكر هذه القراءة البتة. وقال ابن جنيّ: هو غلط، لأن "أن" نافية لا عمل لها. ونقل أبو البقاء عن غيره أنه قال في تخريجها: أنه ألقي حركة الهمزة على الياء فتحركت، وبقيت الهمزة ساكنة، فأبدلت ألفاً لانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت همزة متحركة، لأنها في حكم المبتدأ بها، والابتداء بالساكن محال. وهذا تخريج متكلف لا حاجة إليه، ونسبة راويها عن ابن عباس إلى الغلط أولى من هذا التكلف فإنها قراءة شاذة، وهذا التخريج وإن وقع في الأولى فلا يجري في الثانية شيئاً. وسيأتي قريب من ادعاء قلب الهمزة ألفاً ثم قلب الألف همزة في قوله: "مِنْسأَتَهُ" - إن شاء الله -، وبذلك يسهل الخطب في التخريج المذكور والجملة الاستفهامية في محل نصب بـ "أَدْرِي"، لأنها معلقة لها عن العمل، وأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة، ولو وسط لكان التركيب: أقريب ما توعدون أم بعيد، ولكنه أخر مراعاة لرؤوس الآي. و "مَا تُوعَدُونَ" يجوز أن يكون مبتدأ وما قبله خبر عنه ومعطوف عليه، وجوّز أبو البقاء فيه أن يرتفع فاعلاً بـ "قَرِيْبٌ" قال: لأنه اعتمد على الهمزة. قال: ويخرج على قول البصريين أن يرتفع بـ "بَعِيدٌ" لأنه أقرب إليه. يعني أنه يجوز أن تكون المسألة من التنازع فإِن كُلاًّ من الوصفين يصح تسلطه على "مَا تُوعَدُونَ" من حيث المعنى. فصل المعنى: وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، يعني: القيامة أو من عذاب الدنيا. وقيل: الذي آذنهم به من الحرب لا يعلم هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أن يتأخر، وذلك أنَّ السورة مكية، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: ما يوعدون من غلبة المسلمين عليهم. قوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} والمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق. و "من القول" حال من الجهر. قوله: "لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ" الظاهر أن هذه الجملة متعلقة بـ "أدْرِي" والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في ذلك، إلا أنّ النحويين لم يعدوا من المعلقات (لَعَلّ) وهي ظاهرة في ذلك كهذه الآية، وكقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس: 3] {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]. فصل المعنى: وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم، أو لعل إبهام الوقت الذي ينزل عليكم العذاب فتنة لكم أي: بلية واختبار لكم ليرى صنيعكم، وهل يتوبوا عن الكفر أم لا وقيل: لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم، والفتنة البلوى والاختبار. وقيل: لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم. وقيل: لعل ما بينت لكم فتنة لكم (لأنه زيادة في عذابهم إن لم يتوبوا) {وَمتَاعٌ إِلَىٰ حِيْنٍ} أي: يتمتعون إلى انقضاء آجالهم. قوله: {قُلْ رَبِّ ٱحكُمْ} قرأ حفص عن عاصم "قَالَ رَبِّ" خبراً عن الرسول - عليه السلام - والباقون: "قُلْ" على الأمر. وقرأ العامة بكسر الباء اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى. وقرأ أبو جعفر بضم الباء، فقال صاحب اللوامح: إنه منادى مفرد، ثم قال: وحذف حرف النداء فيما يكون وصفاً لـ (أيّ) بعيد بابه الشعر. قال شهاب الدين: وليس هذا من المنادى المفرد، بل نصّ بعضهم على أن هذه بعض اللغات الجائزة في المضاف إلى ياء المتكلم حال ندائه. وقرأ العامة "احْكُمْ" على صورة الأمر. وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر "رَبِّي" بسكون الياء "أَحْكمُ" أفعل تفضيل، فهما مبتدأ وخبر. وقرىء "أَحْكَمَ" بفتح الميم كأكرم على أنه فعل ماض في محل خبر أيضاً لـ "رَبِّي" وقرأ العامة "تَصِفُونَ" بالخطاب. وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ - رضي الله عنه - "يَصفُون" بالياء من تحت وهي مروية أيضاً عن عاصم وابن عامر، والغيبة والخطاب واضحان فصل المعنى: رب اقض بيني وبين قومي بالحق أي: بالعذاب، والحق ههنا العذاب، نظيره: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وقال أهل المعاني: رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه. والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب: ظهور الرغبة من الطالب للحق. وقيل: المعنى: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع، وهو أن تنصرني عليهم. {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} من الكذب والباطل. وقيل: كانوا يطمعون أن يكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين. فصل روي عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من قرأ سورة {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} حاسبه الله حساباً يسيراً وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن ".
القشيري
تفسير : واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله، واحد بلا قسيم، واحد بلا شبيه، واحدٌ بلا شريك. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} مخلصون في عقد التوحيد بالتبرِّي عن كلِّ غيرِ في حسبان صَلاَحِيَّتِهِ للألوهية؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل انما يوحى الىّ انما الهكم اله واحد} اى ما يوحى الىّ الا انه لا اله لكم الا اله واحد وحاصله ما يوحى الىّ شئ غير التوحيد ومعنى القصر مع انه قد اوحى اليه التوحيد وغيره من الاحكام كون التوحيد مقصودا اصليا من البعثة فان ماعداه متفرع عليه وانما الاولى لقصر الحكم على الشئ كقولك انما يقوم زيد أى ما يقوم الا زيد والثانية لقصر الشئ على الحكم نحو انما زيد قائم اى ليس له الا صفة القيام. قال ابن الشيخ فان قلت هذا الحصر يستلزم ان لا يكون الله تعالى موصوفا بغير الوحدانية مع ان له تعالى من صفات الجلال والجمال مالا يحصى فالجواب ان القصر ليس حقيقيا اذ المقصود نفى ما يصفه المشركون {فهل انتم مسلمون} اى مخلصون العبادة لله تعالى مخصصونها به سبحانه وتعالى. وبالفارسية [بس آيا هستيد شما كردن نهاد كان مقتضاى وحى را] والفاء للدلالة على ان ما قبلها موجب لما بعدها يعنى ان العاقل اذا خلى ونفسه بعد ما قرئ عليه ما قبله ينبغى بل يجب ان لا يتوقف فى التوحيد واذعانه وقبوله.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ} منقطع عن سابقه لفظاً لكنّه مرتبط معنىً كأنّه قال: اذا كنت رحمة للعالمين فقل لهم انّما يوحى {إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} وبلّغهم التّوحيد الّذى هو اصل جميع انواع الرّحمة والحصر اضافىّ او ادّعائىّ كأنّه لا يعدّ سائر اقسام الوحى من الوحى {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} مخلصون العبادة من الاشراك لله تعالى، وقرئ فى قراءة اهل البيت مسلّمون بتشديد الّلام بمعنى مسلّمون الوصيّة لعلىٍّ (ع)، وعلى هذا يجوز ان يقال فى تفسير الآية: انّما الهكم بحسب مظاهره وخلفائه الهٌ واحد من دون تعدّد وشراكة لغيره فهل انتم مسلّمون الولاية لهذا الاله الواحد الّذى هو علىّ (ع).
الأعقم
تفسير : {قل} يا محمد {إنما يوحى إليَّ أنَّما إلهكم إله واحد} يعني من تحق له العبادة {فهل أنتم مسلمون} ومنقادون بذلك بأن تتركوا عبادة غيره، وقيل: هل أنتم داخلون في الإِسلام؟ {فإن تولَّوا} أعرضوا {فقل} يا محمد لهم {آذنتكم} أعلمتكم {على سواء} في الانذار لم أظهر شيئاً لبعض وأكتمه عن بعض، وقيل: على سواء في الإِنذار والدعاء، وقيل: أعلمتكم ما أعد الله لكم على كفركم من العذاب {وإن أدري} لا أعلم {أقريب أم بعيد ما توعدون} يعني القيامة فإن الله تعالى هو العالم بوقتها، وقيل: المراد العذاب الموعود لهم ما يوعدون به من غلبة المسلمين عليكم لا محالة ولا بدّ، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك لأن الله تعالى لم يعلمني {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} والله عالم لا يخفى عليه شيء من كلام الطاعنين في الإِسلام فهو مجازيكم عليه {وإن أدري لعلَّه فتنة لكم} ما أدري لعل تأخير هذا الموعد لينظر كيف تعملون، يعني لعل تأخير العذاب فتنة لكم أي اختبار وشدّة وتكليف {ومتاع إلى حين} أي يمتعكم إلى أجل قد علمه، ومعنى الآية لا أدري بعد البيان لعل بقاءكم زيادة في عقوبتكم إن لم تؤمنوا {قل رب احكم بالحق} وفوض الأمر إليه أي احكم بيني وبين من كذَّبني بالحق، وعن قتادة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا شهد قتالاً قال: "حديث : رب احكم بالحق" تفسير : أي افصل بيني وبين المشركين كما تفصل به الحق {وربنا الرحمان المستعان} الذي تحق له العبادة، وقوله: {المستعان} الذي يعينهم على أمورهم {على ما تصفون} من خلاف الدين وكانوا يطمعون أن تكون لهم الغلبة فكذب الله ظنّهم ونصر رسوله والمؤمنين.
الهواري
تفسير : قوله: {قُل إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} وكذلك جاءت الرسل قبل محمد عليه السلام؛ وهو قوله: (أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لآ إلهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ) تفسير : [الأنبياء: 25] أي: لا تعبدوا غيري. قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي: كفروا {فَقُل ءاذَنتُكُمْ عَلَى سَوَآءٍ} قال بعضهم: على مهل. قال الحسن: من كذب بي فهو عندي سواء، يعني أن جهادهم كلهم سواء عندي. وهو كقوله: (أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ)تفسير : [الأنفال: 85]، أي: ليكون حكمك فيهم سواء: الجهاد والقتل لهم أو يؤمنوا. وهؤلاء مشركو العرب. وأما أهل الكتاب فإنه يقاتلهم حتى يُسلموا أو يُقروا بالجزية. وجميع المشركين ما خلا العرب بتلك المنزلة. وأما نصارى العرب فقد فسّرنا أمرهم في غير هذه السورة. وقال بعضهم: (عَلَى سَوَاءٍ): على أمر بيّن. قوله: {وَإِن أَدْرِي أَقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني به الساعة. قال: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي: ما تسرّون.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ} أى ما يوحَى إلىّ إلا أنه لا إله إلا هو. والمقصود الأصلى من بعثه مقصور على التوحيد، وإنما لأُولى لقصر الصفة التى هى الإيحاء على الموصوف، الذى هو الوحدانية، والثانية لقصر الموصوف، الذى هو الإله على الصفة، التى هى الوحدانية. فالوحدانية صفة وموصوف. {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} مخلصون العبادة لله، موحِّدون له؛ فإن الوحى الوارد على هذه الطريق يوجب أن تخلصوا التوحيد لله، وأن تخلعوا الأنداد. وفى ذلك دليل على أن صفة الوحدانية، يصح أن يكون طريقها السمع والاستفهام، بمعنى الأمر. ويجوز جعل ما الأولى اسم إنّ، و {أنما إلهكم إله واحد} خبرها، فنائب يوحَى ضمير ما، بخلافه على ما مر، فنائبه المصدر المسبوك مما بعده. ويجوز جعل الثانية كذلك، فحذف صدر الصلة، لطولها بالإضافة، أى أن الذى هو إلهكم. فإله خبر لأن، كما كان - على ما مر - خبراً لإلهكم، لكن فى ذلك جعل ما للعالم وحده.
اطفيش
تفسير : {قل إنَّما يُوحَى إلىَّ أنما إلهُكُم إلهٌ واحدٌ} هنا قصران: قصر الصفة على الموصوف، وقصر الوحى على الوحدانية، وقصر الموصوف على الصفة إن الله لا يجاوز الواحدانية، وكأنه قيل: ما يوحى إلى إلا أنه ما الله إلا واحد، ومعنى تقصر الوحى على الواحدانية، مع أنه قد أوحى أيضا القصص والتكاليف أن الواحدانية الأصل وغيرها راجع إليها، والواحى بها الأصل، وما عداه راجع اليه، أو عير منظور إليه فى جنبه، هو قصر ادعائى أو قصر قلب إضافى، أى أوحى الى التوحيد لا الشرك، وكذا الكلام فى قصر الموصوف على الصفة، وإنما بالفتح تفيد القصر كالمكسورة على الصحيح اعتبارا للفظ قبل التأويل بالمصدر. {فَهَل أنتُم مسْلمُون} منقادون، والمعنى الأمر بالانقياد، وزعم بعض أنه أمر بلازم الانقياد، وهو إخلاص العبادة، وللعقل طريق الى إثابت الواجب، وأما الوحدانية فطريقها السمع، قلت: والعقل أيضا ألا ترى الى قوله: "أية : لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله لفسدتا" تفسير : [الأنبياء: 22].
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين بناء على أن {أَنَّمَا} المفتوحة تفيد ذلك كالمكسورة، والأول لقصر الصفة على الموصوف والثاني لقصر الموصوف على الصفة فالثاني قصر فيه الله تعالى على الوحدانية والأول قصر فيه الوحي على الوحدانية، والمعنى ما يوحى إليَّ إلا اختصاص الله تعالى بالوحدانية. واعترض بأنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية وقد أوحي إليه صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة غير ذلك كالتكاليف والقصص، وأجيب بوجهين: الأول أن معنى قصره عليه أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه أو غير منظور إليه في جنبه فهو قصر ادعائي، والثاني أنه قصر قلب بالنسبة إلى الشرك الصادر من الكفار، وكذا الكلام في القصر الثاني. وأنكر أبو حيان إفادة أنما المفتوحة الحصر لأنها مؤولة بمصدر واسم مفرد وليست كالمكسورة المؤولة بما وإلا وقال: لا نعلم خلافاً في عدم إفادتها ذلك والخلاف إنما هو في إفادة إنما المكسورة إياه. وأنت تعلم أن الزمخشري وأكثر المفسرين ذهبوا إلى إفادتها ذلك، والحق مع الجماعة، ويؤيده هنا أنها بمعنى المسكورة لوقوعها بعد الوحي الذي هو في معنى القول ولأنها مقولة {قُلْ} في الحقيقة ولا شك في إفادتها التأكيد فإذا اقتضى المقام القصر كما فيما نحن فيه انضم إلى التأكيد لكنه ليس بالوضع كما في المكسورة فقد جاء ما لا يحتمله كقوله تعالى: { أية : وَظَنَّ دَاوُودَ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } تفسير : [ص: 24] ولذا فسره الزمخشري بقوله ابتليناه لا محالة مع تصريحه بالحصر هنا، نعم في توجيه القصر هنا بما سمعت من كونه قصر الله تعالى على الوحدانية ما سمعته في آخر سورة الكهف فتذكر. وجوز في ـ ما ـ في «إنما يوحى» أن تكون موصولة وهو خلاف الظاهر. وتجويزه فيما بعد بعيد جداً موجب لتكلف لا يخفى. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي منقادون لما يوحى إلي من التوحيد، وهو استفهام يتضمن الأمر بالانقياد، وبعضهم فسر الإسلام بلازمه وهو إخلاص العبادة له تعالى وما أشرنا إليه أولى. / والفاء للدلالة على أن ما قبلها موجب لما بعدها قالوا فيه دلالة على أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع بخلاف إثبات الواجب فإن طريقه العقل لئلا يلزم الدور. قال في «شرح المقاصد»: إن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصدقهم لا يتوقف على الوحدانية فيجوز التمسك بالأدلة المسعية كإجماع الأنبياء عليهم السلام على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك وكالنصوص القطعية من كتاب الله تعالى على ذلك، وما قيل إن التعدد يستلزم الإمكان لما عرفت من أدلة التوحيد وما لم تعرف أن الله تعالى واجب الوجود خارج عن جميع الممكنات لم يتأت إثبات البعثة والرسالة ليس بشيء لأن غاية استلزام الوجوب الوحدة لا استلزام معرفته معرفتها فضلاً عن التوقف، وسبب الغلط عدم التفرقة بين ثبوت الشيء والعلم بثبوته انتهى. وتفريع الاستفهام هنا صريح في ثبوت الوحدانية بما ذكر، وقول صاحب «الكشف»: إن الآية لا تصلح دليلاً لذلك لأنه إنما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم ذلك مبرهناً لا على قانون الخطابة فلعل نزولها كان مصحوباً بالبرهان العقلي ليس بشيء لظهور أن التفريع على نفس هذا الموحى، وكون نزوله مصحوباً بالبرهان العقلي والتفريع باعتباره غير ظاهر.
ابن عاشور
تفسير : عقب الوصف الجامع لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من حيث ما لها من الأثر في أحوال البشر بوصف جامع لأصل الدعوة الإسلامية في ذاتها الواجب على كلّ متبع لها وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى وإبطالُ إلهية ما سواه، لنبذ الشرك المبثوث بين الأمم يومئذ. وللاهتمام بذلك صُدرت جملته بالأمر بأن يقول لهم لاستصغاء أسماعهم. وصيغت الجملة في صيغة حصر الوحي إليه في مضمونها لأن مضمونها هو أصل الشريعة الأعظم، وكل ما تشتمل عليه الشريعة متفرع عليه، فالدعوة إليه هي مَقادة الاجتلابِ إلى الشريعة كلّها، إذ كان أصل الخلاف يومئذ بين الرسول ومُعانديه هو قضية الوحدانية ولذلك قالوا: {أية : أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}تفسير : [ص: 5]. وما كان إنكارهم البعث إلا لأنهم لم يجدوه في دين شركهم إذ كان الذين وضعوا لهم الشرك لا يحدثونهم إلا عن حالهم في الدنيا فما كان تصلبهم في إنكار البعث إلا شعبة من شعب الشرك. فلا جرم كان الاهتمام بتقرير الوحدانية تضييقاً لشقة الخلاف بين النبي وبين المشركين المعرضين الذين افتتحت السورة بوصف حالهم بقوله تعالى: {أية : اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم}تفسير : [الأنبياء: 1ــــ3]. وأفادت (إنما) المكسورة الهمزة وإتلاؤها بفعل {يوحى}قصر الوحي إلى الرسول على مضمون جملة {أنّما إلهكم إله واحد}. وهو قصر صفة على موصوف. و(أنما) المفتوحة الهمزة هي أخت «إنما» المكسورة الهمزة في إفادة القصر لأن (أنَما) المفتوحة مركبة من (أنّ) المفتوحة الهمزة و(مَا) الكافّة. كما ركبت (إنّما) المكسورة من (إِن) المكسورة الهمزة و(ما) الكافّة. وإذ كانت (أنّ) المفتوحة أخت (إن) المكسورة في إفادة التأكيد فكذلك كانت عند اتصالها بــــ (ما) الكافّة أختاً لها في إفادة القصر. وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: {أية : فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} تفسير : في سورة العقود (92). وإذ قد أُتليتْ (أنَما) المفتوحة بالاسم الجامع لحقيقة الإله، وأخبر عنه بأنه إلهٌ واحد فقد أفادت أن صاحب هذه الحقيقة مستأثر بالوحدانية فلا يكون في هذه الحقيقة تعدد أفراد فأفادت قصراً ثانياً، وهو قصر موصوف على صفة. والقصر الأول إضافي، أي ما يوحى إلي في شأن الإله إلا أن الإله إله واحد. والقصر الثاني أيضاً إضافي، أي في شأن الإله من حيث الوحدانية. ولما كان القصر الإضافي من شأنه ردُّ اعتقاد المخاطب بجملة القصر لزم اعتبار ردّ اعتقاد المشركين بالقصرين. فالقصر الأول لإبطال ما يُلبسون به على الناس من أن محمداً يدعو إلى التوحيد ثم يذكر الله والرحمان، ويُلبسون تارة بأنه ساحر لأنه يدعو إلى ما لا يُعقل، قال تعالى: {أية : وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}تفسير : [ص: 4ــــ5] فيكون معنى الآية في معنى قوله تعالى: {أية : قل ما كنت بدعاً من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 9] وقوله تعالى: {أية : واسأل من أرسلنا قبلك من رُسُلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون}تفسير : [الزخرف: 45]. ثم إن كلا القصرين كان كلمة جامعة لدعوة الإسلام تقريباً لشقة الخلاف والتشعيب. وعلى جميع هذه الاعتبارات تفرع عليها جملة {فهل أنتم مسلمون}. والاستفهام حقيقي، أي فهل تسلمون بعد هذا البيان. وهو مستعمل أيضاً في معنى كنائي وهو التحريض على نبذ الإشراك وعلى الدخول في دعوة الإسلام. واسم الفاعل مستعمل في الحال على أصله، أي فهل أنتم مسلمون الآن استبطاء لتأخر إسلامهم. وصيغ ذلك في الجملة الاسمية الدالة على الثبات دون أن يقال: فهل تسلمون، لإفادة أن المطلوب منهم إسلام ثابت. وكأنّ فيه تعريضاً بهم بأنهم في ريب يترددون.
القطان
تفسير : مسلمون: منقادون مستسلمون. تولَّوا: أعرضوا. آذنتكم على سواء: أعلمتكم جميعاً بلا استثناء. لعله فتنة: لعله اختبار. ومتاع: كل ما يتمتع به. احكم بالحق: اقضِ بالعدلِ. المستعان: الذي نستعين به. على ما تصِفون: على ما تفترون وتكذبون. {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}. قل يا محمد لمشركي قومك وللناس اجمعين، ان الله أوحى إلي أنه لا إله إلا هو اله واحد، فأسلموا اليه واخضعوا جميعا. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ}. فإن أعرضوا عن اتباع دعوتك، فقل لهم: لقد أعلمتكم جميعاً برسالتي وما أمرني به ربي ولا أدري ما توعدون به من البعث والحساب أهو قريب أم بعيد.... إنّ علمه عند الله. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ}. ان الله يعلم كل ما يقال مما تجهرون به وما تكتمون في أنفسكم. {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} وما أدري سببَ تأخير جزائكم، لعلّه اختبار لكم يمتحنكم به الله، ويؤخركم ليمتعكم بلذائذ الحياة الى حينٍ قدره الله بحسب حكمته. وهنا في ختام هذه السورة يتوجه الرسول الى ربه وقد أدى الأمانة وبلّغ الرسالة فيطلب من ربه حكمه الحق بينه وبين قومه، ويستعينه على كيدهم وتكذيبهم. {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}. يا رب، احكُم بيني وبين من بلّغتم الوحيَ بالعدل، والله الرحمن هو المستعان به على ما تصفون من الشرك والضلال وما تزخرفون من أباطيل.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدٌ} (108) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مِنَ قَوْمِكَ، وَلِمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ: إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ إِلهَكُمْ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَمَرَنِي بِأَنْ أَسْأَلَكُمْ هَلْ تُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وَتُسْلِمُونَ لَهُ، وَتَنْقَادُونَ إِلَيْهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالوحدانية هي أول رحمة بنا، أن نكون كلنا سواء، ليس لنا إلا إله واحد، هذه من أعظم رحمات الله أن نعبده وحده لا شريكَ له، فعبادته تُغنينا عن عبادة غيره، ولو كانت آلهةً متعددة لأصابتنا الحيرة بين إله يأمر، وإله ينهى. لذلك؛ فالحق - سبحانه وتعالى - يطلب منا أنْ نعتزّ وأنْ نفخَر بهذه الوحدانية، وبهذه الألوهية، وفي هذا يقول الشاعر الإسلامي محمد إقبال: شعر : والسُّجود الذِي تَجْتويِه مِنْ أُلُوفِ السُّجودِ فِيهِ نَجَاةُ تفسير : فسجودك لله وتعفير وجهك له سبحانه يحميك من السجود لغيره، ولولا سجودك لله لَسجدت لكل مَنْ هو أقوى منك، فعليك - إذن - أن تعتز بعبوديتك لله؛ لأنها تحميك من العبودية لغيرك من البشر، وحتى لا يقول لك شخص أنت عبد، نعم أنا عبد لكن لستُ عبداً لك، فعبد غيرك حُرٌّ مثلك. وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً في هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..} تفسير : [الزمر: 29] فهل يستوي عبد لعدة أسياد يتجاذبونه في وقت واحد، وهم مع ذلك مختلفون بعضهم مع بعض، وعبد سَلَمَاً لسيد واحد؟ وهكذا، نحن جميعاً عبيد لله - عز وجل - حين نخضع لا نخضع إلا له سبحانه، فلا أخضع لك ولا تخضع أنت لي؛ لذلك يقولون "اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم" لأنه أمر من أعلى، من السماء، لا دَخْلَ لأحد فيه. لذلك؛ فالعبودية تُكره حين تكون عبوديةً للبشر، لأن عبودية البشر للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. والشاعر يقول: شعر : حَسْبُ نفسي عِزاً بأنِّي عَبْدٌ يحتفي بي بلاَ مواعيدَ رَبُّ هُوَ في قُدْسِه الأعزِّ ولكِنْ أنا أَلْقَى متى وأيْنَ أُحِبُّ تفسير : ولك أنْ تقارن بين مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، ومقابلة ربك عز وجل. فإنْ أردتَ الدخولَ على أحد هؤلاء لا بُدَّ أن تطلب المقابلة، ويا ترى تقبل أم ترفض، وإنْ قبلت فلا تملك من عناصرها شيئاً، فالزمان، والمكان، وموضوع الكلام. كلها أمور يحددها غيرك. أما إن أردتَ مقابلة ربك - عز وجل - فما عليك إلا أنْ تتوضأ وترفع يديك قائلاً: الله أكبر بعدها ستكون في معية الله، وقد اخترتَ أنت الزمان، والمكان، وموضوع الحديث، وإنهاء اللقاء. أَلاَ ترى كيف امتنَّ الله تعالى على رسوله في رحلة "الإسراء والمعراج" بأنْ وصفه بالعبودية له سبحانه، فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] إذن: جاء قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [الأنبياء: 108] بعد قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] ليدلنا: أن دعوة الله لنا إلى عبادة إله واحد ترحمنا من عبوديتنا بعضنا لبعض. ثم يُرغِّبنا الحق سبحانه في هذه العبودية، فيقول: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] كما تحث ولدك المتكاسل أن يكون مثلَ زميله الذي تفوَّق، وأخذ المركز الأول، فتقول له: ألا تذاكر وتجتهد حتى تكون مثله؟ وهكذا في {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] أي: مسلمون لله؛ لأن مصلحتكم في الإسلام وعزّكم في عبوديتكم لله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):