Verse. 2596 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمْ۝۰ۚ اِنَّ زَلْزَلَۃَ السَّاعَۃِ شَيْءٌ عَظِيْمٌ۝۱
Ya ayyuha alnnasu ittaqoo rabbakum inna zalzalata alssaAAati shayon AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس» أي أهل مكة وغيرهم «اتقوا ربكم» أي عقابه بأن تطيعوه «إنَّ زلزلة الساعة» أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة «شيء عظيم» في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } فالمراد اتقوا عذاب ربكم. أما قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الزلزلة شدة حركة الشيء، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: { أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33] وهي الزلزلة المذكورة في قوله: { أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 1]. المسألة الثانية: اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها. وقيل هي التي تكون معها الساعة. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور « حديث : إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام لرب العالمين، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح » تفسير : وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة. واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها، وتكون من أماراتها وأشراطها، وتصح إذا كانت فيها ومعها، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة. المسألة الثالثة: روى « حديث : أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس حزين متفكر. فقال عليه السلام: «أتدرون أي ذلك اليوم هو؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم وما بعث النار؟ يعني من كم كم؟ فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا، وقالوا فمن ينجو يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب، فقال عمر سبعون ألفاً؟ قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله، فقال سبقك بها عكاشة» فخاض الناس في السبعين ألفاً فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال: «هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" تفسير : المسألة الرابعة: أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب، فيلزم أن تكون التقوى واجبة. المسألة الخامسة: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيٌء عَظِيمٌ } وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تفسير : [البقرة: 20] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء. واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء إِنّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } تفسير : [الكهف: 23] أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولاً غداً، والذي يصير مفعولاً غداً يكون معدوماً في الحال، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب: عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها، فلا بد من التأويل بالاتفاق. ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً، وهذا هو الجواب عن البواقي. المسألة السادسة: وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى. أما قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا } فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد. واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أموراً ثلاثة أحدها: قوله: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، فإن قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟ قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي والمرضع شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة، وقوله: {عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل. وثانيها: قوله: {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، وقال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملاً أو مرضعة تبعث حاملاً أو مرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله: { أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } تفسير : [المزمل:17]، وثالثها: قوله: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء (وتري) بالضم تقول أريتك قائماً أو رأيتك قائماً والناس بالنصب والرفع، أما النصب فظاهر، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة، وقرىء (سكرى) و(سكارى)، وهو نظير جوعى وعطشى في جوعان وعطشان، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى، وعن الأعمش: سكرى وسكرى بالضم وهو غريب. المسألة الثانية: المعنى وتراهم سكارى على التشبيه {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } على التحقيق، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم، وقال ابن عباس والحسن ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب، فإن قلت لم قيل أولا (ترون) ثم قيل (ترى) على الإفراد؟ قلنا لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة آخراً بكون الناس على حال من السكر، فلا بد وأن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم. المسألة الثالثة: إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون. وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، وليس لأحد عليه حق.

القرطبي

تفسير : روى الترمذِيّ عن عِمْرَان بنِ حُصين «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } ـ إلى قوله: ـ {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} قال: أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال: «أتدرون أيَّ يوم ذلك»؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «ذاك يوم يقول الله لآدم ابْعَثْ بَعْثَ النار قال: يا ربّ وما بعثُ النار قال: تِسعمائةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة». فأنشأ المسلمون يبكون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَارِبُوا وسَدِّدوا فإنه لم تكن نُبُوَّةٌ قطُّ إلا كان بين يديها جاهلية ـ قال ـ فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تَمّت وإلا كَمُلت من المنافقين وما مَثَلُكم والأُمَمَ إلا كمَثل الرَّقْمة في ذراع الدابة أو كالشامَة في جنب البعير ـ ثم قال ـ إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ـ فكبّروا؛ ثم قال ـ إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة ـ فكبّروا؛ ثم قال ـ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبروا. قال: لا أدري قال الثلثين أم لا. قال: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن الحسن عن عِمران بن حُصين. وفيه: فيئِس القوم حتى ما أبْدَوْا بضاحكة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خلِيقتين ما كانتا مع شيء إلا كثّرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس» قال: فَسُرِّيَ عن القوم بعضُ الذي يجدون؛ فقال: «اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشّامَة في جنب البعير أو كالرَّقْمة في ذراع الدابة»» تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى يا آدم فيقول لَبّيْكَ وسَعْدَيك والخيرُ في يديك ـ قال ـ يقول: أخْرِج بَعْثَ النار قال: وما بعث النار قال: من كل ألفٍ تِسعمَائةٍ وتسعةً وتسعين قال: فذاك حين يَشيبُ الصغير وتَضَع كلُّ ذات حمل حملها وترى الناس سُكارَى وما هم بسكارَى ولكن عذاب الله شديد». قال: فاشتدّ ذلك عليهم؛ قالوا: يا رسول الله، أيُّنَا ذلك الرجل؟ فقال: «أبشِروا فإن من يأجوجَ ومأجوجَ ألفاً ومنكم رجلتفسير : . وذكر الحديث بنحو ما تقدّم في حديث عمران بن حصين. وذكر أبو جعفر النحاس قال: حدّثنا أحمد ابن محمد بن نافع قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «حديث : يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ـ إلى ـ ولكن عذابَ الله شديد» قال: نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مَسِير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال: «أتدرون أيَّ يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم صلى الله عليه وسلم يا آدم قم فابعث بَعْثَ أهل النار من كل ألف تِسعمائةٍ وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة». فكَبُر ذلك على المسلمين؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «سَدِّدُوا وقارِبوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشّامَة في جنب البعير أو كالرَّقْمة في ذراع الحمار وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثّرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس».تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} المراد بهذا النداء المكلَّفون؛ أي اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونَواهِيه أن تُقدِموا عليها. والاتقاء. الاحتراس من المكروه؛ وقد تقدّم في أوّل «البقرة» القولُ فيه مستوفًى، فلا معنى لإعادته. والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. قوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزلزلة شدّة الحركة؛ ومنه {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ} تفسير : [البقرة: 214]. وأصل الكلمة من زَلّ عن الموضع؛ أي زال عنه وتحرّك. وزلزل الله قَدَمه؛ أي حركها. وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء. وقيل: هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة؛ هذا قول الجمهور. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها؛ فالله أعلم.

البيضاوي

تفسير : مكية إلا ست آيات من هذان خصمان إلى صراط الحميد وآيها ثمان وسبعون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ } تحريكها للأشياء على الإِسناد المجازي، أو تحريك الأشياء فيها فأضيفت إليها إضافة معنوية بتقدير في أو إضافة المصدر إلى الظرف على إجرائه مجرى المفعول به. وقيل هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة لأنها من أشراطها. {شَىْءٌ عَظِيمٌ} هائل علل أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة ليتصوروها بعقولهم ويعلموا أنه لا يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس التقوى فيبقوا على أنفسهم ويتقوها بملازمة التقوى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده بتقواه، ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام أناس من أجداثهم، كما قال تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}؟تفسير : [الزلزلة: 1 ــــ 2] وقال تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } تفسير : [الحاقة: 14 ــــ 15] الآية، وقال تعالى: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 4 ــــ 6] الآية، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} قال: قبل الساعة، ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن علقمة، فذكره، قال: وروي عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك. وقال أبو كدينة عن عطاء بن عامر الشعبي: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة. وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» تفسير : قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «حديث : قرن» تفسير : قال: فكيف هو؟ قال: «حديث : قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} فتسير الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} [النازعات:6-8]، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش، ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهي التي يقول الله تعالى: { يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} فبينما هم على ذلك، إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم ــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــــ والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك» تفسير : قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: {أية : فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 87] قال: «حديث : أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ }» تفسير : وهذا الحديث رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولاً جداً، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم، وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: (الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن هشام، حدثنا قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} فلما سمع أصحابه بذلك، حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: «حديث : أتدرون أي يوم ذاك؟ ذاك يوم ينادى آدم عليه السلام، فيناديه ربه عز وجل، فيقول: يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة» تفسير : قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: «حديث : أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس» تفسير : قال: فسري عنهم، ثم قال: «حديث : اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة في ذراع الدابة» تفسير : وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار عن يحيى، وهو القطان، عن هشام، وهو الدستوائي، عن قتادة به بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح. (طريق آخر) لهذا الحديث. قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان عن الحسن عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} ــــ إلى قوله ــــ {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: حديث : أتدرون أي يوم ذلك؟ ــــ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ــــ ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة تفسير : فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت، وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة تفسير : ــــ فكبروا ثم قال ــــ: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» تفسير : ــــ فكبروا ثم قال ــــ: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» تفسير : فكبروا ثم قال: ولا أدري قال: الثلثين أم لا؟ وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به. ثم قال الترمذي أيضاً: هذا حديث صحيح. وقد روي سعيد بن أبي عروبة عن الحسن عن عمران بن الحصين، وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي عن عمران بن الحصين، فذكره، وهكذا روى ابن جرير عن بندار عن غندر عن عوف عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة، ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة، قرأ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} وذكر الحديث، فذكر نحو سياق ابن جدعان، والله أعلم. (الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع، حدثنا أبو سفيان المعمري، عن معمر عن قتادة عن أنس قال: نزلت: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} وذكر، يعني: نحو سياق الحسن عن عمران، غير أنه قال: ومن هلك من كفرة الجن والإنس. ورواه ابن جرير بطوله من حديث معمر. (الحديث الثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد ابن سلمان، حدثنا عباد، يعني: ابن العوام، حدثنا هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فذكر نحوه، وقال فيه: «حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ــــ ثم قال ــــ إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة ــــ ثم قال ــــ إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» تفسير : ففرحوا، وزاد أيضاً: «حديث : وإنما أنتم جزء من ألف جزء».تفسير : (الحديث الرابع) قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف ــــ أراه قال ــــ تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد، {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. قال النبي صلى الله عليه وسلم «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ــــ فكبرنا ثم قال ــــ ثلث أهل الجنة ــــ فكبرنا ثم قال ــــ شطر أهل الجنة» تفسير : فكبرنا، وقد رواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع، ومسلم والنسائي في تفسيره من طرق عن الأعمش به. (الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا عمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وعبيدة المعنى، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا رب من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون» تفسير : فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: «حديث : هل تدرون؟ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير» تفسير : انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد. (الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا ابن أبي مليكة: أن القاسم بن محمد أخبره عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» تفسير : قالت عائشة: يا رسول لله الرجال والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «حديث : يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين". (الحديث السابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه، يوم القيامة؟ قال: «حديث : يا عائشة أما عند ثلاث، فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف، فلا، وأما عند تطاير الكتب، إما يعطى بيمينه، وإما يعطى بشماله، فلا، وحين يخرج عنق من النار، فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد ــــ قال ــــ فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم، سلم. فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه»تفسير : . والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جداً لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} أي: أمر عظيم، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } تفسير : [الأحزاب: 11] ثم قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسراً له: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي: فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: {كُلُّ مُرْضِعَةٍ} ولم يقل: مرضع، وقال: {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي: عن رضيعها قبل فطامه. وقوله: {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي: قبل تمامه، لشدة الهول {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ} وقرىء: {سَكْرى} أي: من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم، حسب أنهم سكارى {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يا أهل مكة وغيرهم {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } أي عقابه بأن تطيعوه {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ } أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة {شَىْءٌ عَظِيمٌ } في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب.

الشوكاني

تفسير : لما انجرّ الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها، حثاً على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه، وقد قدّمنا طرفاً من تحقيق ذلك في سورة البقرة، وجملة: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْء عَظِيمٌ } تعليل لما قبلها من الأمر بالتقوى، والزلزلة: شدّة الحركة، وأصلها من زلّ عن الموضع، أي زال عنه وتحرّك، وزلزل الله قدمه، أي: حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهي على هذا، الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور. وقيل: إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها. وقيل: إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف، وهو الساعة، إجراء له مجرى المفعول، أو بتقدير "في" كما في قوله: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [سبأ: 33]. وهي المذكورة في قوله: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1]. قيل: وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى الزلزلة، أي وقت رؤيتكم لها، تذهل: كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه. قال قطرب: تذهل تشتغل، وأنشد قول الشاعر:شعر : ضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله تفسير : وقيل: تنسى. وقيل: تلهو. وقيل: تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرّد: إن «ما» فيما أرضعت بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع، قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال: من ماتت حاملاً فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال: هذا مثل كما يقال: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً }تفسير : [المزمل: 17]. وقيل: يكون مع النفخة الأولى، قال: ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما في قوله: {أية : مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ }تفسير : [البقرة: 214]. ومعنى {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا }: أنها تلقي جنينها لغير تمام من شدّة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ } قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاب لكل واحد، أي يراهم الرائي كأنهم سكارى {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } حقيقة، قرأ حمزة والكسائي: "سكرى" بغير ألف، وقرأ الباقون بإثباتها وهما لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك. وقرىء: "وترى" بضم التاء وفتح الراء مسنداً إلى المخاطب من أرأيتك أي: تظنهم سكارى. قال الفراء: ولهذه القراءة وجه جيد في العربية. ثم لما أراد سبحانه أن يحتجّ على منكري البعث قدّم قبل ذلك مقدّمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وقد تقدّم إعراب مثل هذا التركيب في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ }تفسير : [البقرة: 8]. ومعنى {فِي ٱللَّهِ}: في شأن الله وقدرته، ومحل {بِغَيْرِ عِلْمٍ } النصب على الحال. والمعنى: أنه يخاصم في قدرة الله، فيزعم أنه غير قادر على البعث بغير علم يعلمه، ولا حجة يدلي بها {وَيَتَّبِعْ } فيما يقوله ويتعاطاه ويحتجّ به ويجادل عنه {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } أي متمرّد على الله وهو العاتي، سمي بذلك لخلّوه عن كل خير، والمراد: إبليس وجنوده، أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. وقال الواحدي: قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } أي كتب على الشيطان؛ وفاعل كتب: أنه من تولاه، والضمير للشأن، أي من اتخذه ولياً {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } أي: فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحقّ، فقوله أنه يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة، فقد وصف الشيطان بوصفين: الأوّل أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه إلخ، وجملة {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } معطوفة على جملة يضله أي: يحمله على مباشرة ما يصير به في عذاب السعير. ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدّمة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ } قرأ الحسن: "البعث" بفتح العين وهي لغة، وقرأ الجمهور بالسكون، وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه. والمعنى: إن كنتم في شكّ من الإعادة فانظروا في مبدأ خلقكم، أي خلق أبيكم آدم، ليزول عنكم الريب، ويرتفع الشكّ وتدحض الشبهة الباطلة {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } في ضمن خلق أبيكم آدم "ثُمَّ" خلقناكم {مِن نُّطْفَةٍ } أي من منيّ، سمي نطفة لقلته، والنطفة: القليل من الماء. وقد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة، يقال: نطف ينطف، أي قطر. وليلة نطوف، أي دائمة القطر {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة: الدم الجامد، والعلق: الدم العبيط، أي الطريّ أو المتجمد، وقيل: الشديد الحمرة. والمراد: الدم الجامد المتكوّن من المنيّ {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } وهي القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ الماضغ تتكوّن من العلقة {مُّخَلَّقَةٍ } بالجرّ صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } أي: لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها. قال ابن الأعرابي: مخلقة يريد قد بدأ خلقه، وغير مخلقة: لم تصوّر. قال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط؛ كان غير مخلقة أي غير حيّ بإكمال خلقته بالروح. قال الفراء: مخلقة: تامّ الخلق، وغير مخلقة: السقط، ومنه قول الشاعر:شعر : أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء تفسير : واللام في {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } متعلق بخلقنا، أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم {وَنُقِرُّ فِي ٱلأرْحَامِ مَا نَشَاء } روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم أنه قرأ بنصب نقرّ عطفاً على نبين، وقرأ الجمهور: "تقر" بالرفع على الاستئناف، أي ونحن نقرّ. قال الزجاج: نقرّ بالرفع لا غير، لأنه ليس المعنى فعلنا ذلك لنقرّ في الأرحام ما نشاء. ومعنى الآية: ونثبت في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطاً {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت الولادة، وقال ما نشاء، ولم يقل: من نشاء، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح، وقرىء "ليبين" "ويقرّ" و "يخرجكم" بالتحتية في الأفعال الثلاثة، وقرأ ابن أبي وثاب: "ما نشاء" بكسر النون {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أي نخرجكم من بطون أمهاتكم طفلاً، أي أطفالاً، وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد. قال الزجاج: طفلاً في معنى أطفالاً، ودلّ عليه ذكر الجماعة: يعني في: نخرجكم، والعرب كثيراً ما تطلق اسم الواحد على الجماعة، ومنه قول الشاعر:شعر : يلحينني من حبها ويلمنني إن العواذل لسن لي بأمير تفسير : وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع، قال الله سبحانه: {أية : أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } تفسير : [النور: 31]. قال ابن جرير: هو منصوب على التمييز كقوله: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْء مّنْهُ نَفْساً } تفسير : [النساء: 4]. وفيه بعد، والظاهر انتصابه على الحال بالتأويل المذكور، والطفل يطلق على الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } قيل: هو علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة له، كأنه قيل: نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا إلى الأشدّ. وقيل: إن ثم زائدة والتقدير: لتبلغوا وقيل: إنه معطوف على نبين. والأشدّ هو: كمال العقل وكمال القوّة والتمييز. قيل: وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } يعني: قبل بلوغ الأشدّ، وقرىء "يتوفّى" مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور: "يتوفى" مبنياً للمفعول {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، ولهذا قال سبحانه: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من العلم، والمعنى: أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها، لا علم له ولا فهم، ومثله قوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ }تفسير : [التين: 4، 5]، وقوله: {أية : وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ } تفسير : [يۤس: 68]. {وَتَرَى ٱلأرْضَ هَامِدَةً } هذه حجة أخرى على البعث، فإنه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة: اليابسة التي لا تنبت شيئاً، قال ابن قتيبة: أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت. وقيل: دارسة، والهمود: الدروس، ومنه قول الأعشى:شعر : قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همودا تفسير : وقيل: هي التي ذهب عنها الندى. وقيل: هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } المراد بالماء هنا: المطر، ومعنى: اهتزّت: تحركت. والاهتزاز: شدّة الحركة، يقال: هززت الشيء فاهتزّ، أي حركته فتحرك، والمعنى: تحركت بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة، فسماه اهتزازاً مجازاً. وقال المبرد: المعنى: اهتزّ نباتها فحذف المضاف. واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. ومعنى ربت: ارتفعت، وقيل: انتفخت. والمعنى واحد، وأصله: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربواً: إذا زاد، ومنه الربا والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس: "وربأت" أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له: رابىء ورابئة وربيئة {وَأَنبَتَتْ } أي أخرجت {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } أي من كلّ صنف حسن ولون مستحسن، والبهجة: الحسن. وجملة: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } مستأنفة، لما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره. قال بعد ذلك هذه المقالات، وهي إثبات أنه سبحانه الحق، وأنه المتفرد بإحياء الموتى، وأنه قادر على كل شيء من الأشياء، والمعنى: أنه المتفرد بهذه الأمور، وأنها من شأنه لا يدّعي غيره أنه يقدر على شيء منها، فدلّ سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني المطلق؛ وأن وجود كل موجود مستفاد منه، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول. وقيل: ذو الحقّ على عباده. وقيل: الحقّ في أفعاله. قال الزجاج: {ذلك} في موضع رفع، أي الأمر ما وصفه لكم وبيّن بأن الله هو الحق. قال: ويجوز أن يكون {ذلك} نصباً. ثم أخبر سبحانه بأن {ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ } أي في مستقبل الزمان، قيل: لا بدّ من إضمار فعل، أي ولتعلموا أن الساعة آتية {لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي لا شك فيها ولا تردّد، وجملة: {لاَ رَيْبَ فِيهَا } خبر ثانٍ للساعة، أو في محل نصب على الحال. ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ } فيجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، وأن ذلك كائن لا محالة. وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْء عَظِيمٌ } إلى قوله: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } أنزلت عليه هذه وهو في سفر، فقال: "حديث : أتدرون أيّ يوم ذلك؟"تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "حديث : ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار، قال: يا ربّ وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة"تفسير : ، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قاربوا وسدّدوا وأبشروا، فإنها لم تكن نبوّة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدّة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير"تفسير : ، ثم قال: "حديث : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"تفسير : فكبّروا، ثم قال: "حديث : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"تفسير : فكبّروا، ثم قال: "حديث : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" تفسير : فكبّروا، قال: "حديث : ولا أدري قال الثلثين أم لا"تفسير : . وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه، وقال في آخره: "حديث : اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس"تفسير : ، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: "حديث : اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي آخره فقال: «حديث : من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ } قال: كتب على الشيطان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله: {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } قال: اتبعه. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلٰه غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»تفسير : . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً. وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } قال: المخلقة ما كان حياً، وغير المخلقة ما كان سقطاً. وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } قال: حسن. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله عزّ وجلّ حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ دخل الجنة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يأيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} في زلزلتها قولان: أحدهما: أنها في الدنيا، وهي أشراط ظهورها، وآيات مجيئها. والثاني: أنها في القيامة. وفيها قولان: أحدهما: أنها نفخ الصور للبعث. والثاني: أنها عند القضاء بين الخلق. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} يعني زلزلة الساعة. {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} وفيه أربعة أوجه: أحدها: تسلو كل مرضعة عن ولدها، قاله الأخفش. والثاني: تشتغل عنه، قاله قطرب، ومنه قول عبد الله بن رواحة: شعر : ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله تفسير : والثالث: تلهو عنه، قاله الكلبي، ومنه قول امرىء القيس: شعر : أذاهِلٌ أنت عن سَلْماك لا برحت أم لست ناسيها ما حنّت النيبُ تفسير : والرابع: تنساه، قاله اليزيدي، قال الشاعر: شعر : تطاولت الأيام حتى نسيتها كأنك عن يوم القيامة ذاهل تفسير : {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} قال الحسن: تذهل الأم عن ولدها لغير فطام، وتلقي الحامل ما في بطنها لغير تمام. {وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى} قال ابن جريج: هم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.

ابن عطية

تفسير : صدر الآية تحذير لجميع العالم ثم أوجب الخبر وأكده بأمر {زلزلة} القيامة وهي إحدى شرائطها وسماها "شيئاً" إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك أن تسمى شيئاً. وهي معدومة إذ اليقين بها يشبهها بالموجودات وأما على المآل أي هي إذا وقعت شيء عظيم فكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها إذا كانت فهي حينئذ شيء عظيم، والزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات ومن لفظ الزلزلة قول الشاعر: [الخفيف] شعر : يعرف الجاهل المضلل أن الدهر فيه النكراء والزلزال تفسير : فيحتمل أن تكون "الزلزلة" في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى {أية : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} تفسير : [البقرة: 214] وكما قال عليه السلام "حديث : اللهم اهزمهم وزلزلهم"تفسير : ، والجمهور على أن {زلزلة الساعة} هي كالمعهودة في الدنيا إلا أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في "الزلزلة" المذكورة هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور هي في الدنيا والضمير في {ترونها} عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم إن الرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة "الزلزلة" في القيامة واحتجت بحديث أنس المذكور آنفاً إذ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ثم قال "حديث : إنه اليوم الذي يقول الله تعالى فيه لآدم أخرج بعث النار" تفسير : . ع وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة فنص ذكره وهذا من الفصاحة، والضمير عند هذه الفرقة عائد على {الساعة} أي يوم يرون ابتداءها في الدنيا، فيصح لهم بهذا التأويل أن لا يلزمهم وجود الرضاع والحمل في يوم القيامة ولو أعادوه على الزلزلة فسد قولهم بما يلزمهم، على أن النقاش ذكر أن المراد بـ {كل ذات حمل} من مات من الإناث وولدها في جوفها. ع وهذا ضعيف و"الذهول" الغفلة عن الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره وقال ابن زيد المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها، وقرأ ابن أبي عبلة "تُذهِل" بضم التاء وكسر الهاء ونصب "كلَّ" وألحق الهاء في "مرضع" لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم فأجراه على الفعل وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلاً ترضعه فإنما تقول مرضع مثل حامل قال علي بن سليمان هذه الهاء في {مرضعة} ترد على الكوفيين قولهم إن الهاء لا تكون فيما لا تلبس له بالرجال، وحكى الطبري أن بعض نحويي الكوفة قال أم الصبي مرضعة، {وترى الناس سكارى} تشبيه لهم، أي من الهم، ثم نفى عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر قاله الحسن وغيره، وقرأ جمهور القراء "سُكارى" بضم السين وثبوت الألف وكذلك في الثاني وهذا هو الباب فمرة جعله سيبويه جمعاً ومرة جعله اسم جمع، وقرأ أبو هريرة بفتح السين فيهما وهذا أيضاً قد يجيء في هذه الجموع قال أبو الفتح هو تكسير، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي "سكرى" في الموضعين، ورواه عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قراءة ابن مسعود وحذيفة وأصحاب عبدالله، قال سيبويه وقوم يقولون "سكرى" جعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبى مثل سكرى وهم المستثقلون نوماً من شرب الرائب، قال أبو علي ويصح أن يكون "سكرى" جمع سكر كزمن وزمنى وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران فتجيء "سكرى" حينئذ لتأنيث الجمع كعلامة في طائفة لتأنيث الجمع، وقرأ سعيد بن جبير "وترى الناس سكرى وما هم بسُكارى" بالضم والألف، وحكى المهدوي عن الحسن أنه قرأ الناس "سكارى وما هم بسكرى"، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة بن عمرو بن جرير في الموضعين "سُكرى" بضم السين، قال أبو الفتح هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا، وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو هريرة وأبو نهيك "وتُرى" بضم التاء "الناسَ" بالنصب قال وإنما هي محسبة، ورويت هذه القراءة "تُرى الناسُ" بضم التاء والسين أي ترى جماعة الناس.

ابن عبد السلام

تفسير : {زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ} زلزلة من أشراط الساعة تكون في الدنيا أو نفخة البعث أو عند القضاء بين الخلق.

النسفي

تفسير : { يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } أمر بني آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة بقوله {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ } لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى الذي يؤمنهم من تلك الأفزاع. والزلزلة شدة التحريك والإزعاج، وإضافة الزلزلة إلى الساعة إضافة المصدر إلى فاعله كأنها هي التي تزلزل الأرض على المجاز الحكمي، أو إلى الظرف لأنها تكون فيها كقوله {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [سبأ: 33] ووقتها يكون يوم القيامة أو عند طلوع الشمس من مغربها، ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئاً فإن هذا اسم لها حال وجودها وانتصب {يَوْمَ تَرَوْنَهَا } أي الزلزلة أو الساعة بقوله {تَذْهَلُ } تغفل. والذهول: الغفلة {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل. وقيل {مرضعة} ليدل على أن ذلك الهول إذا حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة إذ المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ } أي حبلى {حِمْلِهَا } ولدها قبل تمامه. عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام {وَتَرَى ٱلنَّاسَ } أيها الناظر {سُكَـٰرَىٰ } على التشبيه لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة الجبروت وسرادق الكبرياء حتى قال كل نبي: نفسي نفسي {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } على التحقيق {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وعن الحسن: وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب. {سكرى} فيهما بالإمالة: حمزة وعلي وهو كعطشى في عطشان. رُوي أنه نزلت الآيتان ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأهما النبي عليه السلام فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ {يا أيها الناس اتقوا ربكم} يعني احذروا عقابه واعملوا بطاعته {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} الزلزلة شدة الحركة على الحال الهائلة ووصفها بالعظم ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى. قيل: هي من أشراط الساعة قبل قيامها. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها {يوم ترونها} أي الساعة وقيل الزلزلة {تذهل} قال ابن عباس تشغل وقيل تنسي {كل مرضعة عما أرضعت} أي كل امرأة معها ولد ترضعه {وتضع كل ذات حمل حملها} أي تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. فعلى هذا القول تكون الزلزلة في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون الزلزلة في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر وتهويله على حقيقته كما تقول أصابنا أمر يشيب فيه الوليد تريد به شدته {وترى الناس سكارى} على التشبيه {وما هم بسكارى} على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وأزال تمييزهم وقيل سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب {ولكن عذاب شديد} (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك ". تفسير : زاد في رواية "حديث : والخير في يديك فينادى بصوت إن الله تعالى يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار قال رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فحينئذٍ تضع الحوامل، ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم"تفسير : زاد في رواية قالوا يا رسول الله, أينا ذلك الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. فكبّرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبّرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبّرنا"تفسير : لفظ البخاري. وفي حديث عمران بن حصين وغيره أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً فنادى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحثوا المطى حتى كانوا حول رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقرأ عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا والناس من بين باكٍ وجالس متفكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أي يوم ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول الله لآدم قم فابعث من ذريتك بعث النار"تفسير : وذكر نحو حديث أبي سعيد وزاد فيه ثم قال "حديث : يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب فقال عمر: سبعون ألفاً؟ قال: نعم قال ومع كل واحد سبعون ألفاً ".

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {سكرى} في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف {ونقر} {ثم نخرجكم} بالنصب فيهما: المفضل {وربأت} بالهمزة حيث كان. يزيد {ليضن} بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {خاسر الدنيا} اسم فاعل منصوباً على الحالية. روح وزيد {ثم ليقطع} {ثم ليقضوا} بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في {ليقضوا} وزاد ابن عامر {وليوفوا} {وليطوفوا} وقرأ الأعشى {وليوفوا} بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد {وليوفوا} بالتشديد وسكون اللام. الباقون بالتخفيف والسكون {هذان} بتشديد النون: ابن كثير. الوقوف: {ربكم} ج على تقدير فإِن {عظيم} ه {شديد} ه {مريد} ه لا لأن ما بعده صفة {السعير} ه {لنبين لكم} ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف {اشدكم} ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى {شيئاً} ط {بهيج} ه {قدير} ه لا للعطف {فيها} لا {القبور} ه {منير} ه لا لأن ما بعده حال {عن سبيل الله} ط {الحريق} ه {للعبيد} ه {حرف} ج للشرط مع الفاء {به} لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال {على وجهه} ق إلا لمن قرأ {خاسر الدنيا} ط {والآخرة} ط {المبين} ه {من ينفعه} ط {البعيد} ه {من ينفعه} ط {العشير} ه {الأنهار} ط {ما يريد} ه {ما يغيظ} ه {بينات} ط {من يريد} ه {يوم القيامة} ط {شهيد} ه {من الناس} ط وقيل: {يوصل} ويوقف على {العذاب} ط {مكرم} ط {ما يشاء} ه {في ربهم} ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما {فالذين كفروا} والثاني {أن الله يدخل} {من نار} ج ه {الحميم} ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. {والجلود} ه ط {حديد} ه {الحريق} ه. التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب. ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها. يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها}تفسير : [الزلزلة: 1] ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها. والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن. وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله تعالى سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة. أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً. وانتصب {يوم ترونها} أي الزلزلة بقوله {تذهل} أي تغفل عن دهشة {كل مرضعة} وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق. وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف. و"ما" في {عما ارضعت} مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل. عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. وإنما قال {كل ذات حمل} دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول. قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله {أية : يوماً يجعل الولدان شيباً}تفسير : [المزمل: 17] {وترى الناس} أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله {سكارى وما هم بسكارى} أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز. روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود"تفسير : . واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون. وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله. ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال {ومن الناس من يجادل} نظيره {أية : ومن الناس من يقول}تفسير : [البقرة: 8] وقد مر إعرابه في أول البقرة. ومعنى {في الله} في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله {بغير علم} أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن}تفسير : [النحل: 125] والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله {أية : مردوا على النفاق}تفسير : [التوبة: 101] والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً. ومعنى {كتب عليه} قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال. وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل {كتب} والثاني عطف عليه. وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة. والصحيح أن قوله {فأنه} مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس. قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق. وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم. وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟ فيقول سبحانه: انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها. وقوله {لنبين لكم} غاية لقوله {خلقناكم} أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا. وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟ ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً {ونقر في الأرحام ما نشاء} أن نقره من ذلك {إلى أجل مسمى} هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء {ثم نخرجكم} أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، {ثم} نربيكم شيئاً بعد شئ {لتبلغوا اشدكم} ومن قرأ {ونقر} بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف. والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه. ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال {وترى} أي تشاهد أيها المستحق للخطأ {الأرض} حال كونها {هامدة} ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك. همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط {وربت} انتفخت وزادت كما مر في قوله {أية : زبداً رابياً}تفسير : [الرعد: 17] وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها. ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف. ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله {وأنبتت من كل زوج} أي بعضاً من كل صنف. {بهيج} والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل. وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله {ذلك} الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول {أن الله هو الحق} الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة. الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى. الثالث {أنه على كل شيء قدير} وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر. فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير. الرابع والخامس قوله {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد. قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا {إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم} بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق. وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة. والذي يسنح لي في تفسيره أنه سبحانه أزال الشك في أمر البعث بقوله {إن كنتم في ريب من البعث} فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟ فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه تعالى واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله. وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور. ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله تعالى أعلم بمراده. قوله {ومن الناس من يجادل} عن ابن عباس أنه أبو جهل. وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم. وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله {ليضل عن سبيل الله} قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي. قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب. وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض. وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد. قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر. {ذلك} الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة {بما قدمت يداك} وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران". ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال. قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر. وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر. وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة. وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس. وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني. فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية. والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة}تفسير : [الأنبياء: 35] ثم حكى حاله في الدارين بقوله {خسر الدنيا والآخرة} أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه. وفي قوله {يدعو من دون الله} الآية. دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. قوله {يدعو لمن ضره} الآية. فيه بحث لفظي وبحث معنوي. أما الأول فهو أن {يدعو} بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو {لبئس المولى} خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون {يدعو} تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور. وفي حرف عبد الله {من ضره} بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله {لبئس المولى} جملة مستقلة. والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب. وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال {ضره أقرب من نفعه} فما وجه ذلك؟ والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء. سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره {أية : رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس}تفسير : [إبراهيم: 36] وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله. والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة {لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى. ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال {إن الله يدخل} الآية. قالت الأشاعرة: في قوله {إن الله يفعل ما يريد} دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق. أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره. قوله سبحانه {من كان يظن أن لن ينصره الله} في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟ قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت. وعندي في هذا القول بعد. وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم. وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله تعالى يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه. والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله. ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه. الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق. قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً. وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال {وكذلك أنزلناه} أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله {آيات بينات وأن الله} حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله {يهدي من يريد} أنزله كذلك مبيناً. قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله {يهدي من يريد} يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة. أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله {إن الله يهدي} من قبل لا من لم يقبل. واعترض بأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله {من يريد} ينافي الوجوب. ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال {إن الذين آمنوا} الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب. قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى {إن الله يفصل بينهم} أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً {إن الله على كل شيء شهيد} فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف {الم تر} أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله {وكثير من الناس} ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله {ومن في الأرض} يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض. ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا. وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله {حق عليه العذاب} أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل}تفسير : [الأعراف: 179] أو قوله ثانياً {وكثير} تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد. عن ابن عباس أن قوله {هذان خصمان} راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف. وإنما قيل {اختصموا} نظراً إلى المعنى. وقيل: إن أقل الجمع اثنان. ومعنى {في ربهم} أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً. وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت. وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة. فقال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة. وعن عكرمة هما الجنة والنار. قالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم والأقرب هو الأول. وقوله {فالذين كفروا} فصل الخصومة المعني بقوله {إن الله يفصل بينهم} وقوله {قطعت لهم ثياب} فيه أنه تعالى يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض. وعن سعد بن جبير أن قوله {من نار} أي من نحاس أذيب بالنار كقوله {أية : سرابيلهم من قطران}تفسير : [إبراهيم: 50] والحميم الماء الحار. عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها. ومعنى {يصهر} يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله {أية : وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم}تفسير : [محمد: 15] لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن. قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع {من حديد} كالمحجن يضرب على رأس الفيل. وفي الحديث "حديث : لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها"تفسير : والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} فخرجوا {أعيدوا فيها} أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله {أية : يريد أن ينقض}تفسير : [الكهف: 77] وهذا أقرب كقوله {أية : لا يخفف عنهم العذاب}تفسير : [البقرة: 162] ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً. وإنما اختصت هذه السورة بقوله {من غم} وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله {وذوقوا} بخلاف "السجدة". وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على {عذاب الحريق} وهناك أطنب فقيل {أية : ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون}تفسير : [السجدة: 20] وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله تعالى أعلم. التأويل: {إن زلزلة الساعة} هلاك الاستعداد الفطري {شيء عظيم} {وتذهب كل مرضعة} هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه {وتضع كل ذات حمل} وهي الهيوليات {حملها} وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها {وترى الناس سكارى} الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها {وما هم بسكارى} العشق والمحبة والمعرفة {فإنا خلقناكم من تراب} أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور {ونقر في الأرحام} أمهات العدم {ما نشاء إلى أجل مسمى} وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم {ثم نخرجكم طفلاً} من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال. {ومنكم من يتوفى} عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات {ومنكم من يرد} إلى أسفل سافلين الطبيعة {وترى} أرض القالب {هامدة فإذا أنزلنا عليها} ماء حياة المعرفة والعلم {اهتزت} {ذلك بأن الله هو الحق} في الإلهية {وإنه يحيي} القلوب الميتة {وأن الساعة} قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين {آتية وأن الله يبعث} القلوب المحبوسة في قبور الصدور {عذاب الحريق} بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه {من كان يظن} فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله {ثم ليقطع} مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور {فلينظر هل} ينقطع أم لا {هذان خصمان} يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة {قطعت لهم ثياب} بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع. {يصب من فوق رؤسهم} حميم الشهوات النفسانية. وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب. {يصهر به ما في بطونهم} من الأخلاق الحميدة الروحانية {والجلود} أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزلزلة: التحريكُ العنيف، وذلك مع نفخة الفزع، ومع نفخة الصعق؛ حسبما تضمنه حديثُ أبي هريرة من ثلاث نفخات، والجمهور على أَنَّ «زلزلة الساعة» هي كالمعهودة في الدنيا إلاَّ أَنَّهَا في غاية الشِّدَّةِ، واخْتَلَفَ المفسرون في الزلزلة المذكورة، هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور: هي في الدنيا، والضميرُ في {تَرَوْنَهَا} عائِدٌ عندهم على الزلزلة، وقوى قولهم أَنَّ الرضاع والحملَ إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، والضميرُ عندهم عائد على الساعة، والذهول: الغفلة عن الشيءِ بطريانِ ما يشغل عنه من هَمِّ أَوْجَعَ أو غيره؛ قال ابن زيد: المعنى: تترك وَلَدَهَا للكرب الذي نزل بها. قلت: وخَرَّجَ البخاريُّ وغيرُه عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يَقُولُ اللّهُ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يا آدمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتسعينَ إلَى النَّارِ، وَوَاحِداً إلى الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ، وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ»تفسير : الحديث. انتهى. وهذا الحديث نَصٌّ صريح في أَنه يوم القيامة، وانظر قوله: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} تفسير : [المزمل:17]، وقوله: «أية : وإذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ» تفسير : [التكوير:4] تجدْهُ موافقاً للحديث، وجاء في حديث أبي هريرة فيما ذكره علي بن معبد: «حديث : أَنَّ نَفْخَةَ الْفَزَعِ تَمْتَدُّ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُسَيِّرُ اللّهُ الجِبَالَ، فَتَمُرُّ مَرَّ السِّحَابِ، ثُمَّ تَكُونُ سَرَاباً، ثُمَّ تَرْتَجُّ الأَرْضُ بأَهْلِهَا رَجّاً، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَيَشِيبُ الْوُلْدَانُ، ويُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِيْنَ، ثُمَّ يَنْظُرُونَ إلَى السَّمَاءِ، فَإذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثَمَّ انْشَقَّتْ»تفسير : ، ثُمَّ قَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَالْمَوْتَى لاَ يَعْلَمُونَ شَيئاً مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولِ اللّهِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى اللّهُ عز وجل حِينَ يَقُولُ: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللّهُ}؟ قال: أولئك هم الشهداء»تفسير : . انتهى مختصراً، وهذا الحديث ذكره الطبريُّ، والثعلبي، وصححه ابن العربي في «سراج المريدين». وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى. والحَمْلُ: - بفتح الحاء - ما كان في بطن أو على رأس شجرة. وقوله سبحانه: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَى} تشبيهاً لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «سكرى» في الموضعين. قال سيبويه: وقوم يقولون: سَكْرَىٰ جعلو مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوماً من شرب الرائب.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي: احذروا عقابه. والأمرُ بالتقوى يتناولُ اجتنابَ المحرمات، واجتنابَ تركِ الواجبات. قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ} الزلزلة: شدة حركة الشيء، ويجوز في هذا المصدر وجهان: أحدهما: أن يكون مضافاً لفاعله، وذلك على تقديرين: أحدهما: أن يكون من (زَلْزَلَ) اللازم بمعنى: يُزَلْزِل، فالتقدير: أن تزلزل السَّاعة. والثاني: أن يكون من (زَلْزَلَ) المتعدي، ويكون المفعول محذوفاً تقديره: إن زلزال الساعةِ الناسَ، كذا قدره أبو البقاء. والأحسن أن يقدر: إن زلزال الساعة الأرض، يدل عليه {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ} تفسير : [الزلزلة:1]، ونسبة التزلزل أو الزلزال إلى الساعة على سبيل المجاز. الوجه الثاني: أن يكون المصدر مضافاً إلى المفعول به على طريقة الاتساع في الظرف كقوله: شعر : 3743- طَبَّاخِ سَاعَاتِ الكَرَى زَادَ الكَسِل تفسير : وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: ولا تخلو "السَّاعَةُ" من أن تكون على تقدير الفاعل لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله، وعلى تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف، وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: {أية : مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ:33]. فصل اختلفوا في وقت هذه الزلزلة، فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة قبل قيام الساعة، ويكون بعدها طلوع الشمس من مغربها. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها، فتكون فعلها روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصور: "حديث : إِنَّهُ قَرْنٌ عظيمٌ ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفَزَع، ونفخة الصَّعْقِ، ونفخة القيامة، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال، وتَرْجُف الراجفة، تتبعها الرّادِفَة، قلوب يومئذٍ واجِفَة وتكون الأرض كالسفينة حصرتها الأمواج أو كالقِنْديل المعلق تموجها الرياح"تفسير : . قال مقاتل وابن زيد: هذا في أول يوم من أيام الآخرة وليس في الآية دلالة على هذه الأقوال، لأن هذه الإضافة [تصح] وإن كانت فيها ومعها كقولنا: آيات الساعة وأمارات الساعة. قوله: "يَوْم"، فيه أوجه: أحدها: أن ينتصب بـ "تَذْهَلُ"، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني: أنه منصوب بـ "عَظِيم". الثالث: أنه منصوب بإضمار "اذْكُر". الرابع: أنه بدل من "السَّاعة"، وإنما فُتِح لأنه مبني، لإضافته إلى الفعل وهذا إنما يتمشى على قول الكوفيين، وتقدم تحقيقها آخر المائدة. الخامس: أنه بدل من "زَلْزَلة" بدل اشتمال، لأن كلاًّ من الحدث والزمان يصدق أنه مشتمل على الآخر. ولا يجوز أن ينتصب بـ "زَلْزَلة" لما يلزم من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. قوله: "تَرَوْنَها" في هذا الضمير قولان: أظهرهما: أنه ضمير الزلزلة؛ لأنها المحدث عنها، ويؤيده أيضاً قوله {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ}. والثاني: أنه ضمير الساعة. فعلى الأول: يكون الذهول والوضع حقيقة؛ لأنه في الدنيا. وعلى الثاني: يكون على سبيل التعظيم والتهويل، وأنها بهذه الحيثية، إذ المراد بالساعة القيامة، وهو كقوله: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيْباً} تفسير : [المزمل: 17]. قوله: "تَذْهَل" في محل نصب على الحال من الهاء في "تَرَوْنَها"، فإن الرؤية هنا بَصَريَّة، وهذا إنما يجيء على غير الوجه الأول، وأما الوجه الأول وهو أنّ "تَذْهَلُ" ناصب لـ "يَوْمَ تَرَوْنَها" فلا محل للجملة من الإعراب؛ لأنها مستأنفة، أو يكون محلها النصب على الحال من الزلزلة، أو من الضمير في "عَظِيْم" وإن كان مذكراً، لأنه هو الزلزلة في المعنى، أو من "الساعة" وإن كانت مضافاً إليها، لأنه إما فاعل أو مفعول كما تقدم. وإذا جعلناها حالاً فلا بد من ضمير محذوف تقديره: تذهل فيها. وقرأ العامة: "تَذْهَل" بفتح التاء والهاء من: ذهل عن كذا يذهل. وقرأ ابن أبي عبلة واليماني: بضم التاء وكسر الهاء، ونصب "كل" على المفعول به من أذهله عن كذا يُذْهله، عدّاه بالهمزة. والذهول: الاشتغال عن الشيء، وقيل: إذا كان مع دهشته وقيل: إذا كان ذلك لطرآن شاغل من هَمّ أو مرض ونحوهما، وذهل بن شيبان أصله من هذا. والمرضعة: من تلبست بالفعل، والمرضع من شأنها أن تُرْضع كحائض فإذا أراد التلبس قيل: حائضة. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل "مُرْضِعَة" دون مُرْضِع؟ قلت: المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها (به). والمعنى: أن من شدة الهول تذهل هذه عن ولدها فكيف بغيرها. وقال بعض الكوفيين: المرضعة يقال للأم، والمُرْضِع يقال للمستأجرة غير الأم، وهذا مردود بقول الشاعر: شعر : 3744- كَمُرْضِعَةٍ أَوْلاَدَ أُخْرَى وَضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلاَلُ عَنِ القَصْدِ تفسير : فأطلق المرضعة بالتاء على غير الأم. وقول العرب مرضعة يرد أيضاً قول الكوفيين: إن الصفات المختصة بالمؤنث لا يلحقها تاء التأنيث نحو: حائض وطالق. فالذي يقال: إن قصد النسب فالأمر على ما ذكروا، وإن قصد الدلالة على التلبس بالفعل وجبت التاء، فيقال: حائضة وطَالِقَة وطامثة. قوله: "عَمَّا أَرْضَعتْ" يجوز في "ما" أن تكون مصدرية، أي: عن إرضاعها، ولا حاجة إلى تقدير حذف على هذا. ويجوز أن تكون بمعنى (الذي)، فلا بد من حذف عائد، أي: أرضعته، ويقويه تعدي "تضع" إلى مفعول دون مصدر. والحمل - بالفتح - ما كان في بطن أو على رأس شجر، وبالكسر ما كان على ظهر. قوله: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ}. العامة على فتح التاء من "تَرَى" على خطاب الواحد. وقرأ زيد بن عليّ بضم التاء وكسر الراء على أن الفاعل ضمير الزلزلة، أو الساعة وعلى هذه القراءة فلا بد من مفعول أول محذوف ليتمّ المعنى به، أي: وتُرِي الزلزلة أو الساعة الخلق الناس سكارى. ويؤيد هذا قراءة أبي هريرة وأبي زرعة وأبي نهيك "تُرَى النَّاسَ سُكَارَى" بضم التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله ونصب "النَّاسَ"، بَنَوْه من المتعدي لثلاثة، فالأول قام مقام الفاعل وهو ضمير المخاطب، و"النَّاسَ سُكَارَى" هما الثاني والثالث. ويجوز أن يكون متعدياً لاثنين فقط على معنى وتري الزلزلة أو الساعة الناس قوماً سكارى، فـ "النَّاس" هو الأول و"سُكَارَى" هو الثاني وقرأ الزعفراني وعباس في اختياره "وترى" كقراءة أبي هريرة إلا أنهما رفعاً "النَّاسَ" على أنه مفعول لم يسم فاعله، والتأنيث في الفعل على تأويلهم بالجماعة. وقرأ الأخوان "سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى" على وزن وصفه المؤنثة بذلك واختلف في ذلك هل هذه صيغة جمع على فعلى كمرضى وقتلى، أو صفة مفردة استغني بها في وصف الجماعة خلاف مشهور تقدم في قوله "أَسْرَى". وظاهر كلام سيبويه أنه جمع تكسير فإنه قال: وقوم يقولون: "سَكْرَى" جعلوه مثل مَرْضَى. لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان ثم جعلوا روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوماً لا من شرب الرائب. وقال الفارسي: ويجوز أن يكون جمع سَكِر كزَمِن وزَمْنَى، وقد حكي: رجل سكر بمعنى سكران، فيجيء سكرى حينئذ لتأنيث الجمع. قال شهاب الدين: ومن ورود سكر بمعنى سكران قوله: شعر : 3745- وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْت يُثْقِلُني ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرْ وكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً فَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرْ تفسير : ويروى البيت الأول: الشارب الثمل. وبالراء أصح لدلالة البيت الثاني عليه. وقرأ الباقون "سُكَارَى" بضم السين، وقد تقدم في البقرة خلاف، هل هذه الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع. وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك وعيسى بفتح السين فيهما، وهو جمع تكسير واحده سكران. قال أبو حاتم: وهي لغة تميم. وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة والأعمش "سُكْرَى" "وَمَا هُمْ بِسُكْرَى" بضم السين فيهما. فقال ابن جني: هي اسم مفرد كالبشرى بهذا أفتاني أبو علي. وقال أبو الفضل: فُعلى بضم الفاء صفة الواحد من الإناث، لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد. وقال الزمخشري: وهو غريب. قال شهاب الدين: ولا غرابة فإن فعلى بضم الفاء كثير مجيئها في أوصاف المؤنثة نحو الرُّبَّى والحُبْلَى. وجوَّز أبو البقاء فيه أن يكون محذوفاً من سكارى وكان من حق هذا القارئ أن يحرك الكاف بالفتح إبقاء لها على ما كانت عليه وقد رواها بعضهم كذلك عن الحسن. وقرئ "ويَرَى الناسُ" بالياء من تحت، ورفع "النَّاسُ". وقرأ أبو زرعة في رواية "سَكْرَى" بالفتح "ومَا هُمْ بِسُكْرَى" بالضم. وعن ابن جبير كذلك إلا أنه حذف الألف من الأول دون الثاني. وإثبات السكر وعدمه بمعنى الحقيقة والمجاز، أي: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} على التشبيه {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} على التحقيق. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل أولاً: ترون، ثم قيل: ترى على الإفراد؟ قلت: لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة أخيراً بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم. فصل حديث : روي أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل في غزوة بني المصطلق، والناس يسيرون، فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا حوله، فقرأهما عليهم، فلم يُرَ أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج على الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس حزين متفكر. فقال عليه السلام: "أَتَدْرُونَ أَيَّ ذَلِكَ اليَوْم"؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُه أَعْلَم. قال: "ذَلِكَ يَوْم يَقُولُ اللهُ تَعَالى لآدم: قُمْ فَابعَثْ بَعْثَ النَّار مِنْ وَلَدِك، فَيَقُول آدَمُ: وَمَا بعث النَّارِ؟ فيقُولُ اللهُ تعالى مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعمائةٍ وتسعة وتسعون إلى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلى الجَنَّة، فَعِنْدَ ذَلِك يَشيْبُ الصَّغِيْر، وتَضَعُ كُلُّ ذات حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَترى النَّاسَ سُكَارَى وَما هُم بِسُكارى وَلَكِن عَذاب اللهِ شَدَيد" قال: فيقولون: وأَيُّنا ذِلكَ الواحِدُ فقال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تِسْعمائةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ومنكُمْ وَاحِد" . تفسير : وفي رواية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حديث : "يَسِّرُوا وسَدِّدُوا وقَارِبُوا فَإنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْن مَا كَانَتَا في قَوْم إِلاَ كَثرُوا يَأْجُوْجَ وَمَأْجُوْجَ" ثم قال: "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُوْنُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّة" فكبَّرُوا وحَمَدُوا اللَّهَ، ثم قال: "إِنِّي لأرْجُوا أَنْ تَكُونوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّة" فَكبَّرُوا وحَمَدُوا الله، ثم قال: "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تُكُونُوا ثُلُثَي أهلِ الجَنَّة، إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ مائَة وعشرُونَ صَفّاً، ثَمَانُونَ مِنْ أُمَّتي وما المُسلمُونَ في الكُفَّار إلا كالشَّامَةِ في جنب البعير، أو كالشَّعرة البيضاء في الثور الأسود" ثم قال: "ويَدْخُلُ مِنْ أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفاً الجَنَّة بِغَيْر حِسَاب" فقال عمر: سبعُونَ ألفاً. فقال: "نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفاً" فقام عكاشة بن محصن وقال: يا رسول اللهِ ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم. قال: "أَنْتَ مِنْهُم" فقام رجل من الأنصار وقال مثل قوله، فقال: "سبقك بها عكاشة". فخاض الناس في السبعين ألفاً، فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قالوا، فقال عليه السلام: "هم الذين لا يكذبون ولا يزنون ولا يسرقون ولا ينظرون وعلى ربهم يتوكلون" . تفسير : فصل معنى الآية قال ابن عباس: "تَذْهَلُ" تشغل، وقيل: تتنسى "كُلُّ مُرْضِعَةٍ" إذا شاهدت ذلك الهول وقد ألقمت المرضع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة "عَمَّا أَرْضَعَتْ" أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته، وهو الطفل، {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي تسقط ولدها التمام وغير التمام. قال الحسن: وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبل. قال القفال: ويحتمل أن يقال: إن من ماتت حاملاً أو مرضعة بعثت حاملاً ومرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحامل على جهة المثل كما تأولوا قوله: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} تفسير : [المزمل: 17]. و{وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} من الخوف {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} من الشراب. وقيل: معناه كأنهم سكارى، ولكن ما أرهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم. فإن قيل: هل يحصل ذلك الخوف لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ فالجواب: قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون، لقوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] وقيل: بل يحصل للكل؛ لأنه سبحانه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله. فصل احتجت المعتزلة بقوله {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة. وبقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 20] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم، فالمعدوم شيء (واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23، 24] أطلق اسم الشيء على المعدوم في الحال، فالمعدوم شيء). وأجيب عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة. وهي جواهر قامت بها أعراض، وتحقق ذلك في العدم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها، فلا بد من التأويل، ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً وهذا هو الجواب عن الباقي.

البقاعي

تفسير : قال: {يا أيها الناس} أي الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم {اتقوا ربكم} أي احذروا عقاب المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبينه وقاية الطاعات. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: {اقترب للناس حسابهم} وكان وارداً في معرض التهديد، وتكرر في مواضع منها كقوله تعالى: أية : إلينا ترجعون} تفسير : [الأنبياء: 35] {أية : سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد}تفسير : [الأنبياء: 37] {أية : لو يعلم الذين كفروا حين يكفون عن وجوههم النار} تفسير : [الأنبياء: 39] {أية : ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك} تفسير : [الأنبياء: 46] {أية : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}تفسير : [الأنبياء: 47] {أية : وهم من الساعة مشفقون} تفسير : [الأنبياء: 49] {أية : كل إلينا راجعون} تفسير : [الأنبياء: 93] {أية : واقترب وعد الحق} تفسير : [الأنبياء: 97] {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [ الأنبياء: 98] {أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} تفسير : [الأنبياء: 104] إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد، وشديد الوعيد، حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها، فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} - إلى قوله: {ولكن عذاب الله شديد} ثم اتبع ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} الآيات، ثم قال {ذلك بأن الله هو الحق} أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام وبعد خروجكم إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات {يسقى بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى} كما أحياكم أولاً وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك، ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم {فريق في الجنة وفريق في السعير} انتهى. ولما أمرهم بالتقوى: علل ذلك مرهباً لهم بقوله: {إن زلزلة الساعة} أي التي تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ وختماً وما بين ذلك، أي شدة اضطرابها وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن مقارها إزالة عظيمة، بما يحصل فيهما من الأصوات المختلفة، والحركات المزعجة المتصلة، من النفخ في الصور، وبعثرة القبور، وما يتسبب عن ذلك من عجائب المقدور، وقت القيام، واشتداد الزحام، وذلك لأن "زلزل" مضاعف زل - إذا زال عن مقره بسرعة، ضوعف لفظه لتضاعف معناه؛ قال البغوي: الزلزلة والزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة - انتهى. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه {شيء عظيم*} أي لا تحتمل العقول وصفه؛ قال ابن كثير: أي أمر كبير، وخطب جليل وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب - انتهى. وهذا للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما كان منكم، لا ينسى منه نقير ولا قطمير، ولا يخفى قليل ولا كثير، مما تطير له القلوب، ولا تثبت له النفوس، فاعتدوا وجاهدوا أعداءكم من الأهواء والشياطين. ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه، جعل مظروفاً لذلك اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد، والهوان والغفران، فقال تعالى: {يوم ترونها} أي الزلزلة أو كل مرضعة، أضمرها قبل الذكر، تهويلاً للأمر وترويعاً للنفس {تذهل} أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة، وهو العامل في "يوم" ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام، أي تستعظمون جداً ذلك اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون، ويكون ما بعده استئنافاً ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال: {كل مرضعة} أي بالفعل {عما أرضعت} من ولدها وغيره، وهي من ماتت مع أبنها رضيعاً، قال البغوي: يقال: مرضع، بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني: فيدل حينئذ أنها ملتبسة به {وتضع كل ذات حمل حملها} أي تسقطه قبل التمام رعباً وفزعاً، وهي من ماتت حاملاً - والله أعلم، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى. ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما: مسلم في الإيمان وهذا لفظه، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه: " حديث : يقول الله عز وجل: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها"تفسير : . الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة، ومعارضها ضعيف، والمناسب أيضاً لما في آخر تلك من قوله {أية : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} تفسير : [الأنبياء: 97] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور {أية : يوم نطوي السماء}تفسير : [الأنبياء: 104] {أية : إذا السماء انفطرت} تفسير : [الانفطار: 1] إلى قوله: {أية : علمت نفس ما قدمت وأخرت} تفسير : [الانفطار: 5] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله لأن يوم الساعة طويل، فنسبة الكل إليها على حد سواء. ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة، ولا يرى الإنسان السكر - إلا من غيره قال في الزلزلة {ترونها} وقال في "السكر": {وترى الناس سكارى} أي لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت وسرادق الكبرياء، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله، نافياً لما يظن إثباته بالجملة الأولى: {وما هم بسكارى} أي من الخمر. ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال: {ولكن عذاب الله} ذي العز والجبروت {شديد*} فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر، لأنه أذهب خوفه حولهم، وطير هوله عقولهم. ولما أفهم العطف الآتي أن الناس قسمان، وأن التقدير: فإن منكم من يؤمن فبتقي فينجو من شر ذلك اليوم الذي اقتضت الحكمة إظهار العظمة فيه ليزداد حزب الله فرحاً، وحزب الشيطان غماً وترحاً، عطف عليه قوله: {ومن الناس} أي المذبذبين المضطربين {من} لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبهاً فيكذب فيوبق بسوء أعماله، لأنه {يجادل في الله} أي في قدرة الملك الأعظم على ذلك اليوم وفي غير ذلك من شؤونه بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم {بغير علم} بل بالباطل الذي هو جهل صرف، فيترك اتباع الهداة النصحاء {ويتبع} بغاية جهده في جداله {كل شيطان} أي محترق بالشر مبعد باللعن. ولما كان السياق لذم متبعه، أشار إلى أنه لا قصد له في اتباعه إلا الشر، لأنه لا لبس في أمره بصيغة المبالغة كما مضى في النساء ويأتي في الصافات، فقال: {مريد*} أي متجرد للفساد لا شغل له غيره، فهو في غاية الضراوة عليه، قال البيضاوي: وأصله العرى {كتب} أي قضى وقدر على سبيل الحتم الذي لا بد منه، تعبير باللازم عن الملزوم {عليه} أي على ذلك الشيطان {أنه من تولاه} أي فعل معه فعل الولي مع وليه، باتباعه والإقبال على ما يزينه {فأنه يضله} بما يبغض إليه من الطاعات فيخطىء سبيل الخير. ولما نفّر عن توليه بإضلاله لأن الضلال مكروه إلى كل أحد، بين أنه إضلال لا هدى معه أصلاً فقال: {ويهديه} أي بما يزين له من الشهوات، الحاملة على الزلات، إعلاماً بأنه إن كان له هدى إلى شيء فهو {إلى عذاب السعير*}. ولما حذر الناس من ذلك اليوم، وأخبر أن منهم من يكذب، وعرف بمآله، فأفهم ذلك أن منهم من يصدق به فيكون له ضد حاله، وكان كثير من المصدقين يعملون عمل المكذبين، أقبل عليهم سبحانه إقبالاً ثانياً رحمة لهم، منبهاً على أنه ينبغي أن لا يكون عندهم نوع من الشك في ذلك اليوم لما عليه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، فقال دالاً عليه بالأمرين: {يا أيها الناس} أي كافة، ويجوز أن يراد المنكر فقط، وعبر بالناس الذي هو من أسفل الأوصاف لذلك، وإشارة إلى أن المنكر والعامل عمله - وإن كان مصدقاً - هم أكثر الناس، وعبر بأداة الشك إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به فقال: {إن} وبين أنه ما عبر به إلا للتوبيخ، لا للشك في أمرهم، بجعل الشرط ماضياً، ودل بـ "كان" وبالظرف على ما تمكن الريب منهم فقال: {كنتم في ريب} أي شك وتهمة وحاجة إلى البيان {من البعث} وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها سواء، استعظاماً لأن نقدر عليه {فإنا خلقناكم} بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء {من تراب} لم يسبق له اتصاف بالحياة {ثم من نطفة} حالها أبعد شيء عن حال التراب، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال {أية : من ماء دافق}تفسير : [الطارق: 6] وأصلها الماء القليل - قاله البغوي. وأصل النطف الصب - قاله البيضاوي. {ثم من علقة} أي قطعة دم حمراء جامدة، ليس فيها أهلية للسيلان {ثم من مضغة} أي قطعة لحم صغيرة جداً تطورت إليها النطفة {مخلقة} بخلقة الآدمي التمام {وغير مخلقة} أي أنشأناكم من تراب يكون هذا شأنه، وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة، فتارة يخلقها ويكون منها آدمياً، وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة، أو تحرقها حرارته، أو غير مخلقة تخليقاً تاماً بل ناقصاً مع وجود الروح كشق الذي كان شق آدمي، وسطيح الذي كان علواً بلا سفل ونحوهما {لنبين لكم} كمال قدرتنا، وتمام حكمتنا، وأن ذلك ليس كائناً عن الطبيعة، لأنه لو كان عنها لم يختلف، فدل اختلافه على أنه عن فاعل مختار، قادر قهار، وحذف المفعول إشارة إلى أنه يدخل فيه كل ما يمكن أن يحيط به العقول. ولما كان التقدير: فنجهض منه ما لا نشاء إتمامه، عطف عليه قوله: {ونقر في الأرحام} أي من ذلك الذي خلقناه {ما نشاء} إتمامه {إلى أجل مسمى} قدرناه لإتمامه ما بين ستة أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك، بحسب قوة الأرحام وضعفها، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء وقلته، وزكائه وخبثه، إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها، جلت قدرته، وتعالت عظمته، وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه بقدرتنا وتلقيه دون التمام أو تحرقه فيضمحل {ثم نخرجكم} بعد ذلك {طفلاً} أي في حال الطفولة من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم، وعظم أجسامكم، وهو يقع على جميع، وعبر به دونه للتساوي في ضعف الظاهر والباطن. ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفاً له عليه لما بينهما من المهلة بأداة التراخي فقال: {ثم} أي نمد أجلكم {لتبلغوا} بالانتقال في أسنان الأجسام فيما بين الرضاع، إلى حال اليفاع، إلى زمان الاحتلام، وقوة الشباب والتمام {أشدكم} أي نهاية كل شدة قدرناها لكل واحد منكم {ومنكم من يتوفى} قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة {ومنكم من يرد} بالشيخوخة، وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع استبعاده لولا تكرر المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه والارتباط {إلى أرذل العمر} وهو سن الهرم فينقص جميع قواه {لكيلا يعلم}. ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ضده بغاية السرعة، أثبت "من" الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من زمن العلم، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جداً من غير كبير تدريج لا يعلم شيئاً، وأفهم إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه، وربما اتصل جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال: {من بعد علم} كان أوتيه {شيئاً} بل يصير كما كان طفلاً في ضعف الجواهر والأعراض، لتعلموا أن ذلك كله فعل الإله الواحد المختار، وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء نمواً في جميع ذلك، وقد علم - بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق - قطعاً أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات، والكون على حال الرفات. ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به، أتبعه دليلاً آخر محسوساً، وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: تجدون أيها الناس ما ذكرناه في أنفسكم، فقال: {وترى} فعبر بالرؤية {الأرض} ولما كان في سياق البعث، عبر بما هو أقرب إلى الموت فقال: {هامدة} أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس بها شيء من نبت، ولعله أفرد الضمير توجيهاً إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك {فإذا} أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه إلا بقدرة عظيمة وقهر باهر، فإذا {أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليها الماء اهتزت} أي تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي، وتأهلت لإخراجه؛ قال الرازي: والاهتزاز: شدة الحركة في الجهات المختلفة. {وربت} أي انتفخت، وذلك أول ما يظهر منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء {وأنبتت} بتقديرنا {من كل زوج} أي صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام نفعه به {بهيج*} أي مؤنق من أشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها، ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر، لائقة في العيون والبصائر، قال الرازي: فكما أن النبات يتوجه من نقص إلى كمال، فكذلك الآدمي يترقى من نقص إلى كمال، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعد له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود، أي السعيد منه في دار السلام مبراً عن عوارض هذا العالم - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن الحسن وغيره، عن عمران بن حصين قال‏:‏ ‏ ‏حديث : لما نزلت ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ولكن عذاب الله شديد‏} ‏ أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال‏: "‏أتدرون أي يوم ذلك‏"؟ قالوا الله ورسوله أعلم‏!‏ قال‏: "ذلك يوم يقول الله لآدم‏:‏ ابعث بعث النار‏.‏ قال‏:‏ يا رب، وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة‏" فانشأ المسلمون يبكون‏.‏ فقال رسول الله‏:‏ - صلى الله عليه وسلم - "قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوّة قط، إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت، وإلا أكملت من المنافقين، وما مثلكم‏:‏ إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير" ثم قال‏: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة‏" فكبروا‏!‏ ثم قال‏: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة‏" فكبروا‏!‏ ثم قال‏: "إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة‏" فكبروا‏!‏ قال‏:‏ فلا أدري قال الثلثين أم لا ‏ ‏. تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن مردويه، ‏حديث : ‏ عن عمران بن حصين قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفاوت بين اصحابه في السير، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته بهاتين الآيتين ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏إن عذاب الله شديد‏} ‏ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال‏:‏ "هل تدرون أي يوم ذلك‏؟"‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ "‏ذلك يوم ينادي الله تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول‏:‏ يا آدم ابعث بعث النار، فيقول أي رب، وما بعث النار‏؟‏ فيقول من كل ألف تسعمائه وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد في الجنة‏" فتعبس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة‏!‏ فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بأصحابه قال‏: "‏اعملوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، أنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا أكثرتاه؛ يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس‏" فسري عن القوم بعض الذي يجدون قال "اعملوا وابشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ بلغني ‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل عن غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة، قرأ ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏} ‏ فذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه‏:‏ "‏لم يكن رسولان إلا أن كان بينهما فترة من الجاهلية فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثرتاه، وهم يأجوج ومأجوج وهم أهل النار، وتكمل العدة من المنافقين‏" ‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أنس قال‏:‏ ‏ حديث : نزلت ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏ولكن عذاب الله شديد‏}‏ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال‏: أتدرون أي يوم هذا‏؟‏ هذا يوم يقول الله لآدم‏:‏ ‏"‏يا آدم، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا أكثرتاه‏:‏ يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن"‏‏‏ . تفسير : وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏ ‏حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية - وأصحابه عنده - ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ فقال‏: ‏"هل تدرون أي يوم ذاك‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: ذاك يوم يقول الله يا آدم، قم فابعث بعث النار‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب، من كم‏؟‏ فيقول‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة‏. فشق ذلك على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ثم قال‏:‏ اعملوا وأبشروا، فإنكم بين خليقتين لم تكونا مع أحد إلا أكثرتاه‏:‏ يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإنما أمتي جزء من ألف جزء‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال‏:‏‏ ‏"‏حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في غزوة بني المصطلق، إذ أنزل الله ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏ولكن عذاب الله شديد‏}‏ فلما أنزلت عليه وقف على ناقته ثم رفع بها صوته فتلاها على أصحابه، ثم قال لهم‏: أتدرون أي يوم ذاك‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ذاك يوم يقول الله لآدم‏:‏ يا آدم، ابعث بعث النار من ولدك‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب، من كل كم‏؟‏ فيقول‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة‏.‏ فبكى المسلمون بكاء شديداً ودخل عليهم أمر شديد‏.‏ فقال‏: والذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء، وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال‏:‏ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له‏.‏‏.‏‏.‏ فذكر نحوه‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : يقول الله يوم القيامة‏:‏ يا آدم، ابعث بعث النار‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب، وما بعث النار‏؟‏ فيقول‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. فعند ذلك يشيب الوليد ‏{‏وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد‏}‏ قال‏:‏ فشق ذلك على الناس فقالوا‏:‏ يا رسول الله، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ويبقى الواحد‏!‏ فأينا ذلك الواحد‏؟‏ فقال‏:‏ من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد‏.‏‏.‏‏.‏ وهل أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في الثور الأبيض‏؟‏ أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود‏؟‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة في قوله ‏ {‏إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏} ‏ قال‏:‏ الزلزلة، قبل الساعة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي، أنه قرأ ‏ {‏يا أيها الناس اتقوا ربكم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏ولكن عذاب الله شديد‏}‏ قال‏:‏ هذا في الدنيا من آيات الساعة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير في الآية‏.‏ قال‏:‏ هذه أشياء تكون في الدنيا قبل يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ زلزلتها شرطها‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏ {‏إن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏ قال‏:‏ هذا بدء يوم القيامة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت‏} ‏ قال‏:‏ تترك ولدها للكرب الذي نزل بها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله ‏{‏يوم ترونها تذهل‏}‏ قال‏:‏ تغفل‏. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏تذهل كل مرضعة عما أرضعت‏}‏ قال‏:‏ ذهلت عن أولادها لغير فطام ‏ {‏وتضع كل ذات حمل حملها‏} ‏ قال‏:‏ ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ‏ {‏وترى الناس سكارى‏} ‏ قال‏:‏ من الخوف ‏ {‏وما هم بسكارى‏} ‏ قال‏:‏ من الشراب‏. وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني في كتاب الحروب، عن عمران بن حصين أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏{‏وترى الناس سكارى وما هم بسكارى‏} ‏‏. وأخرج ابن مردويه وأبو الحسن الحلواني والحافظ عبد الغني بن سعيد في إيضاح الأشكال، عن أبي سعيد قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وترى الناس سكارى وما هم بسكارى‏} ‏ قال الأعمش‏:‏ وهي قراءتنا‏. وأخرج سعيد بن منصور عن حذيفة، أنه كان يقرأ ‏{‏وترى الناس سكارى وما هم بسكارى‏}. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك، أنه قرأ ‏ {‏وترى الناس‏}‏ يعني تحسب الناس‏.‏ قال‏:‏ لو كانت منصوبة كانوا سكارى، ولكنها ‏{‏ترى‏}‏ تحسب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الربيع ‏ {‏وترى الناس سكارى‏} ‏ قال‏:‏ ذلك عند الساعة، يسكر الكبير ويشيب الصغير وتضع الحوامل ما في بطونها‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏وما هم بسكارى‏}‏ قال‏:‏ من الشراب‏.‏ والله أعلم بالصواب‏.

ابو السعود

تفسير : سورة الحج مكية إلا ست آيات من {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} إلى {صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} وهي ثمان وسبعون آية {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} خطابٌ يعمُّ حُكمُه المكلفين عند النُّزولِ ومَن سينتظم في سلكهم بعدُ من الموجودين القاصرين عن رتبةِ التكليفِ والحادثين بعدَ ذلك إلى يومِ القيامةِ وإنْ كان خطابُ المشافهةِ مختصًّا بالفريق الأولِ على الوجه الذي مرَّ تقريرُه في مطلعِ سورةِ النساءِ. ولفظُ النَّاسِ ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً وأما صيغةُ جمعِ المذكورِ فواردةٌ على نهجِ التغليبِ لعدمِ تناولِها للإناثِ حقيقةً إلا عندَ الحنابلةِ. والمأمورُ به مطلقُ التَّقوى الذي هو التجنبُ عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعلٍ وتركٍ، ويندرجُ فيه الإيمانُ بالله واليومِ الآخرِ حسبما وردَ به الشرعُ اندراجاً أولياً. والتعرضُ لعنوانِ الربوبـيةِ المنبئةِ عن المالكيةِ والتربـيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ المخاطبـينَ لتأيـيدِ الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به ترهيباً وترغيباً. أي احذَرُوا عقوبةَ مالكِ أمورِكم ومُربِّـيكم. وقولُه تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ} تعليلٌ لموجبِ الأمرِ بذكرِ بعضِ عقوباتِه الهائلةِ فإنَّ ملاحظةَ عِظَمِها وهولِها وفظاعةِ ما هيَ من مباديهِ ومقدماتِه من الأحوالِ والأهوالِ التي لا مَلْجأَ منها سوى التَّدرعِ بلباسِ التَّقوى مما يوجبُ مزيدَ الاعتناءِ بملابستِه وملازمتِه لا محالةَ. والزلزلةُ التحريكُ الشديدُ والإزعاجُ العنيفُ بطريقِ التكريرِ بحيث يزيلُ الأشياءَ من مقارِّها ويُخرجُها عن مراكزِها. وإضافتُها إلى الساعةِ إمَّا إضافةُ المصدرِ إلى فاعلِه، على المجازِ الحكميِّ. كأنَّها هي التي تزلزلُ الأشياءَ، أو إضافتُه إلى الظَّرفِ إمَّا بإجرائِه مُجرى المفعولِ به اتساعاً، أو بتقديرِ في كما في قولِه تعالى: { أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سورة سبأ: 33]. وهي الزَّلزلةُ المذكورةُ في قولِه تعالى: { أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} تفسير : [سورة الزلزلة: 1]. عن الحسنِ أنَّها تكونُ يومَ القيامةِ. وعن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا: زلزلةُ السَّاعةِ قيامُها، وعن علقمةَ والشَّعبـيِّ: أنَّها قبلَ طلوعِ الشَّمسِ من مغربِها، فإضافتُها إلى الساعةِ حينئذٍ لكونِها من أشراطِها، وفي التعبـيرِ عنها بالشيءِ إيذانٌ بأنَّ العقولَ قاصِرةٌ عنْ إدراكِ كُنهِها والعبارةُ ضيقةٌ لا تحيطُ بها إلاَّ على وجهِ الإبهامِ. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} منتصبٌ بما بعدَهُ قُدِّمَ عليهِ اهتماماً بهِ. والضميرُ للزَّلزلةِ أي وقتَ رؤيتِكم إيَّاها ومشاهدتِكم لهولِ مطلعِها {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} أي مباشرةٍ للإرضاعِ. {عَمَّا أَرْضَعَتْ} أي تغفلُ وتذهلُ مع دهشةٍ عمَّا هيَ بصددِ إرضاعِه من طفلِها الذي ألقمتْهُ ثديَها. والتعبـيرُ عنه بمَا دونِ مَنْ لتأكيدِ الذهولِ وكونِه بحيثُ لا يخطرُ ببالِها أنَّه ماذا لا أنها تعرف شيئيته لكن لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: مَا مصدريةٌ أي تذهلُ عنْ إرضاعِها. والأولُ أدلُّ على شدةِ الهولِ وكمالِ الانزعاجِ. وقُرَىءَ تُذهَل من الإذهالِ مبنياً للمفعولِ أو مبنياً للفاعلِ مع نصبِ كلُّ، أي تُذهلها الزلزلةُ. {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي تُلقي جنينَها لغيرِ تمامٍ، كما أنَّ المرضعةَ تذهلُ عن ولدِها لغيرِ فطامٍ. وهذا ظاهرٌ على قولِ علقمةَ والشَّعبـيِّ وأمَّا على ما رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا فقدْ قيلَ إنَّه تمثيلٌ لتهويلِ الأمرِ، وفيه أنَّ الأمرَ حينئذٍ أشدُّ من ذلكَ وأعظمُ وأهولُ ممَّا وُصفَ وأطمُّ. وقيلَ: إنَّ ذلكَ يكونُ عند النفخةِ الثَّانيةِ، فإنَّهم يقومونَ على ما صُعقوا في النفخةِ الأولى فتقومُ المرضعةُ على إرضاعِها والحاملُ على حملِها. ولا ريبَ في أنَّ قيامَ الناسِ من قبورِهم بعد النَّفخةِ الثَّانيةِ لا قبلَها حتى يتصورَ ما ذُكر. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ} بفتحِ التَّاءِ والرَّاءِ على خطابِ كلِّ واحدٍ من المُخاطبـينَ برؤيةِ الزَّلزلةِ. والاختلافُ بالجمعيةِ والإفرادِ لِمَا أنَّ المرئيَّ في الأولِ هي الزلزلةُ التي يشاهدُهَا الجميعُ وفي الثَّاني حالُ مَن عَدَا المخاطبِ منهم فلا بدَّ من إفرادِ المخاطبِ على وجهٍ يعمُّ كلَّ واحدٍ منهم لكلِّ من غيرِ اعتبارِ اتِّصافِه بتلكَ الحالةِ فإنَّ المرادَ بـيانُ تأثيرِ الزَّلزلةِ في المرئيِّ لا في الرَّائي باختلافِ مشاعرِه لأنَّ مدارَه حيثيةُ رؤيتِه للزلزلةِ لا لغيرِها كأنَّه قيلَ: ويصيرُ النَّاسُ سُكارى الخ، وإنما أوترَ عليهِ ما في التنزيلِ للإيذانِ بكمالِ ظهورِ تلك الحالةِ فيهم وبلوغِها من الجلاءِ إلى حدَ لا يكادُ يخفى على أحدٍ أي يراهم كلُّ أحدٍ {سُكَـٰرَىٰ} أي كأنَّهم سُكارى {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ} حقيقةً {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} فيُرهقهم هولُه ويطيرُ عقولَهم ويَسلُبُ تميـيزَهُم فهو الذي جعلَهم كما وُصفوا وقُرِىءَ تُرَى بضمِّ التَّاءِ وفتحِ الرَّاءِ مُسنداً إلى المخاطبِ منْ رأيتكَ قائماً أو رُؤيتكَ قائماً والنَّاسُ منصوبٌ أي تظنُّهم سُكارى. وقُرِىءَ برفعِ النَّاسَ على إسنادِ الفعلِ المجهولِ إليهِ، والتأنيثُ على تأويلِ الجماعةِ وقُرِىءَ تُرِي بضمِّ التَّاءِ وكسرِ الرَّاءِ أي تُرِي الزلزلةُ الخلقَ جميعَ الناسِ سُكارى وقُرِىءَ سَكْرى وسَكْرى كعطْشى وجَوْعى إجراءً للسُّكرِ مجرَى العللِ.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: وجوه التقوى مختلفة، فمتقٍ اتقى الله بجهلٍ، ومتقٍ اتقاه بعلمٍ، ومتقٍ اتقاه بعجب، ومتقٍ اتقاه برؤية قيام الله تعالى على عباده، ومتقٍ اتقاه عن كل ما سواه، وأول درجة التقوى أن لا ترى نفسك فيه، ولا تدخل تحت رق أحد. قال بعضهم: التقوى لا يسترقك شىء دون مولاك، وهو الحرية، وكل من طلب الجزاء، لم يكن متقيًا، وإن كان وعد عليه. وقال بعضهم: أفضل العبادة التقوى فإنه الطريق إلى الله والوسيلة به.

القشيري

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} نداء علامة، {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البقرة: 104] نداء كرامة، وبكلِّ واحدٍ من القسمين يفتتح الحقُّ خطابه في السُّوَر، وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرةً، وصفة التبصير أخرى. والتقوى هي التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فَرْضٌ، وتجنب الفضلات والشواغل - وإن كان من جملة المباحات - نَفْلٌ، فثوابُ الأول أكثر ولكنه مؤجَّل، وثوابُ النَّفْلِ أقلُّ ولكنه مُعَجَّل. ويقال خوَّفهم بقوله: {ٱتَّقُواْ} ثم سكَّن ما بهم من الخوف بقوله: {رَبَّكُمْ} فإنَّ سماعَ الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية. قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}: وتسمية المعدوم "شيئاً" توَسُّعٌ، بدليل أنه ليس في العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مُطْلَقُ اللفظِ يقتضيه، وكذلك القول في تسميته "شيئاً" هو توسُّع.

البقلي

تفسير : ان الله سبحانه نادى نداء الوعيد للناسين عهود الازل ومشاهدة الابد اى اين انتم ايها الغافلون عن بروز جلال عظمته من حجاب الغيب فى صحارى القيامة اتقوا عن عذاب فرقتى لكى تصلوا الى جلال وصلتى فان الاكوان والحدثان تزلزل عند ظهور انوار كبريائى وسلطان بهائى فحقيقة التقوى الخروج مما دون الله بالله قال بعضهم التقوى ان لا يستغرقك شئ دون مولاك وهو الحرية وكل من طلب الجزاء لم يكن متقيا وان كان وعد له عليه ثم وصف اهل شهود سطوات العظمة والكبرياء ---- والسكر والهيجان بقوله {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} يولهون فى رؤية العظيمة وجلال الهيبة ويهيمون فى ادوية انوار الكبرياء والسلطنة قال جعفر اسكرهم ما شاهدوا من بساط الجبروت وسرادق الكبرياء حتى الجأ النبين الى ان قالوا نفسى نفسى وقال الاستاذ فمنهم من سكره سكر اشراب ومنهم من سكره سكر المحاب وشنان بين سكر وسكر سكرهم سكر اهل الغفلة وسكرهم اهل الوصلة وانّ اسالتنى من سكر اصحاب الوقائع فى كواشف القدوسية وبروز انوار السبوحية فى مشاهد القيامة فسكر الاعداء من رؤية القهريات وسكر الموافقين من رؤية بدائع الافعال وسكر المريدين من لمعان الانوار وسكر المحبين من كشوف الاسرار وسكر المشتاقين من ظهرو سنا الصفات وسكر العاشقين من مكاشفة الذات وسكر المقربين من الهيبة و الجلال وسكر العارفين من الدخول فى جحال الوصال وسكر الموحدين من استغراقهم فى بحار الاولية وسكر الانبياء والمرسلين من -----على اسرار سر الازلية فبعض السكارى والله فى الغفلة وبعض السكارى تائه فى العزة وبعض السكارى غائب فى الجمال وبعض السكارى فان فى الجمال وبعض السكارى صلح فى البقاء وبعض السكارى مضمحل فى الكبرياء وبعض السكارى سكره من حلاوة الخطاب وبعض السكارى سكره من الانبساط وبعض السكارى سكره من وقوعه فى صرف شهود الازل فهؤلاء السكارى فى منازلهم سكرهم على مقادير مواردهم فى شهود القرب وقرب القرب فمن كان سكره بغيره فهو غير سكان انما هو مخبط حاله من رؤية الاحوال ومن كان سكره فسكره من شراب الوصال فسكرى هناك من سكرى ههنا به لايما منه شرابى من رؤية صرف كنه القدم وغيرى من العباد الزهاد سكرهم من مشارب الكرم شعر : الم بناطيف تجلى عن الوصف وفى ظرفه خمر وخمر على الكهنة فاسكرا صاحبى بخمرة كفه واسكرنى والله من خمرة الظن تفسير : وقال الحسين اسكرهم رؤية الجلال ومشاهدة الجمال قال الحريرى ما اسكرهم الا الهيبة والاجلال.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} أي احذروا من عقوبة مالك اموركم ومربيكم بطاعته {ان زلزلة الساعة شىء عظيم} الزلزلة التحريك الشديد بطريق التكرير كما يدل عليه تكرير الحروف لان زلزل مضاعف زل والساعة عبارة عن القيامة سيمت بذلك لسرعة حسابها كما في المفردات، اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة، فقال بعضهم تكون في الدنيا قبيل طلوع الشمس من مغربها فيكون الذهول والوضع الاتيان على حقيقتهما، وقال بعضهم تكون يوم القيامة فيحملان على التمثيل والاظهر ما قال ابن عباس رضى الله عنهما ان زلزلة الساعة قيامها فيكون معناها ان الزلزلة الواقعة عند قيام الساعة شىء عظيم لا يحيط به الوصف فلا بد من التقوى لتخليص النفس من العذاب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {زلزلة}: مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز، أو إلى الظرف، وهي الساعة. و {يوم}: منصوب بتذهل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم }، الخطاب عام لجميع المكلفين ممن وُجد عند النزول، وينخرط في سلكهم من سيُوجد إلى يوم القيامة. ولفظ {الناس} يشمل الذكور والإناث. والمأمور به مطلق التقوى، الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرًا وباطنًا، والتعرض لعنوان الربوبية، مع إضافتها لضمير المخاطبين؛ لتأكيد الأمر، وتأكيد إيجاب الامتثال به؛ لأن الربوبية دائمة، والعبودية واجبة بدوامها، أي: احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم. ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة، فقال: {إِن زلزلة الساعة شيء عظيم}، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مبادئه ومقدماته، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها. والزلزلة: التحرك الشديد والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث تزيل الأشياء من مقارها، وتخرجها عن مراكزها، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } تفسير : [الزّلزَلة: 1] الآية. واخْتُلِفَ في هذه الزلزلة وما ذكر بعدها، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق، أو بعدها عند الحشر؟ فقال الحسن رضي الله عنه: إنها تكون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: زلزلة الساعة: قيامها. وعن علقمة والشعبي: أنها قبل طلوع الشمس من مغربها، فإضافتها إلى الساعة؛ لكونها من أشراطها. قال الكواشي: وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها. قالوا: ومن أشراط الساعة، قبل قيامها، ست آيات: بينما الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، ثم تناثرت النجوم، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت الأرض، ففزع الإنسُ والجن، وماج بعض في بعض؛ خوفًا ودهشًا، فقالت الجنُ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فذهبوا، فرأوا البحار تَأَجَّجُ نارًا، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، ثم جاءتهم الريح فماتوا. هـ. وانظر ابن عطية. قاله المحشي. والتحقيق: ما قدمناه عند قوله: {أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [الأنبيَاء: 97]، وأنَّ الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق. والله تعالى أعلم. وفي التعبير بـ {شيء عظيم} إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها، والعبارة ضيقة، لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. ثم هوَّل شأنها، فقال: {يوم ترونها} أي: الزلزلة، وتُشاهدون هول مطلعها، {تذهل كل مرضعة} أي: مباشرة للإرضاع، {عما أرضعت} أي: تغفل وتغيب، من شدة الدهش عما هي بصدد إرضاعه من طفلها، الذي ألقمته ثديها. فالمرضعة، بالتاء، هي المباشرة الإرضاع بالفعل، والمرضع - بلا تاء - لمن شأنها ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع. والتعبير عنه "بما"، دون "من"؛ لتأكيد الذهول، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: "ما" مصدرية، أي: تذهل عن إرضاعها. والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج. {وتضع كل ذات حملٍ حملها} أي: تلقى جنينها من غير تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها قبل الفطام. وهذا على قول من يقول: إنها قبل نفخة الصعق ظاهر، وأما على من يقول، إنها بعد قيام الساعة، فقد قيل: إنه تمثيل؛ لتهويل الأمر وشدته. {وترى الناس سُكارى} أي: وترى أيها الناظر الناس سكارى، على التشبيه، من شدة الهول، كأنهم سكارى لمّا شاهدوا بساط العزة وسلطنة القهرية، حتى قال كلُّ نبي: نفسي نفسي. {وما هم بسُكارى} على التحقيق، {ولكنَّ عذاب الله شديد}، فخوف عذابه هو الذي أذهل عقولهم، وطيَّر تمييزهم، وردهم في حال من يَذهب السكُر بعقله وتمييزه. وعن الحسن: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. وقرئ: (سكْرى)؛ كعطشى. والمعنى واحد، غير أن فعلى يختص بما فيه آفة، كجرحى وقتلى ومرضى. والله تعالى أعلم. الإشارة: يا أيها الناس اتقوا ربكم وتوجهوا إليه بكليتكم، حتى تُشرق على قلوبكم أنوار ربكم، فتزلزل أرض نفوسكم، وتدك جبال عقولكم، عند سطوع شمس العرفان، والاستشراف على مقام الإحسان. إن زلزلة الساعة، التي تشرف فيها على أسرار الذات، شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لو كانت أنثى، وتضع كل ذات حمل حملها كذلك، أو تضع كل ذات حمل أثقالها؛ بالغيبة في ربها، وترى الناس سكارى من خمر المحبة، وما هم بسكارى من شراب الدَّوالي، لكن من خمر الكبير المتعالي، كما قال الششتري في الخمرة الأزلية - بعد كلام -: شعر : لاَ شَرابَ الدَّواليِ إِنَّها أَرْضِيَّة خَمْرُهَا دُون خَمْرِي خَمْرَتِي أَزَلِيّة تفسير : ولكن عذاب الله - الذي قدمه قبل دخول جنته المعنوية وحفت به، وهي جنة المعارف - شديد، ولكنه يحلو في جانب ما ينال بعده، كما قال الشاعر: شعر : والنَّفْسُ عَزَّتْ ولكنْ فيكَ أبْذُلُهَا والذُّلُّ مرٌّ ولكن في رضاكَ حَلاَ يا من عذابِيَ عَذْبٌ في محبته لا أشتكي منك لا صَدّا ولا مَلَلا

الطوسي

تفسير : قرا اهل الكوفه إلا عاصماً "سكرى" بلا الف بسكون الكاف في الموضعين. الباقون {سكارى}. هذا خطاب من الله تعالى لجيمع المكلفين من البشر يأمرهم بأن يتقوا معاصي الله لانه يستحق بفعل المعاصي والاخلال بالواجبات العقوبات يوم القيامة. ثم اخبر {إن زلزلة الساعة} يعني القيامة {شيء عظيم} والزلزلة شدة الحركة على حالة هائلة، ومنه زلزلة الارض لما يلحق من الهول، وكان اصله زلت قدمه إذا زالت عن الجهة بسرعة. ثم ضوعف فقيل: زلزل الله اقدامهم، كما قيل: دكة ودكدكة، والزلزلة والزلزال - بكسر الزاي - مصدر. والزلزال - بالفتح - الاسم قال الشاعر: شعر : يعرف الجاهل المضلل ان الدهر فيه النكراء والزلزال تفسير : وقال علقمه والشعبي: الزلزلة من اشراط القيامة. وروى الحسن في حديث رفعه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انها يوم القيامة. والعظيم المختص بمقدار يقصر عنه غيره، وضده الحقير. والكبير نقيض الصغير. وفي الآية دلالة على أن المعدوم يسمى شيئاً، لان الله تعالى سمى الزلزلة يوم القيامة شيئاً، وهي معدومة اليوم. وقوله {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت} قال الفراء والكوفيون: يجوز ان يقال: مرضع بلا هاء، لأن ذلك لا يكون في الرجال، فهو مثل حائض وطامث. وقال الزجاج وغيره من البصريين: إذا أجريته على الفعل قلت ارضعت فهي مرضعة، فاذا قالوا مرضع، فالمعنى انها ذات رضاع. وقيل في قولهم: حائض وطامت معناه انها ذات حيض وطمث. وقال قوم: اذا قلت: مرضعة، فانه يراد بها ام الصبي المرضع. واذا اسقطت الهاء، فانه يراد بها المرأة التي معها صبي مرضعة لغيرها. والمعنى ان الزلزلة هي شيء عظيم، في يوم ترون فيها الزلزلة، على وجه {تذهل كل مرضعة} اي يشغلها عن ولدها اشتغالها بنفسها، وما يلحقها من الخوف. وقال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل لغير تمام. والذهول الذهاب عن الشيء دهشاً وحيرة، تقول: ذهلت عنه ذهولا، وذهلت - بالكسر - ايضاً، وهو قليل، والذهل السلوّ، قال الشاعر: شعر : صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل تفسير : وهذا تهويل ليوم القيامة، وتعظيم لما يكون فيه من الشدة على وجه لو كان هناك مرضعة لشغلت عن الذي ترضعه، ولو كان هناك حامل لأسقطت من هول ذلك اليوم، وإن لم يكن هناك حامل ولا مرضعة. وقوله {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} معناه تراهم سكارى من الفزع، وما هم بسكارى من شرب الخمور. وانما جاز {وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى}، لانها رواية تخيل. وقيل: معناه كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم، فيضطربون كاضطراب السكران من الشراب. وقرأ ابو هريرة {وترى الناس} بضم التاء، والناس منصوب على أنه مفعول ثان. وتقديره وترى أن الناس. وتكون "سكارى" نصباً على الحال. ومن قرأ "سكرى" جعله مثل جرحى وقتلى. وقيل: هما جمعان كسكران وسكرانة، قال ابو زيد: يقولون: مريض ومراضى، ومرضى. فمن قرأ "سكرى" فلأن السكر كالمرض والهلاك، فقالوا: {سكرى} مثل هلكى ومثل عكلى. ومن قرأ "سكارى" فلأنه روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قرأ كذلك. ثم علل تعالى ذلك، فقال ليس هم بسكارى {ولكن عذاب الله شديد} فمن شدته يصيبهم ما يصيبهم من الاضطراب. ثم اخبر تعالى ان {من الناس من يجادل} أي يخاصم {في الله} فيما يدعوهم اليه من توحيد الله ونفي الشرك عنه {بغير علم} منه بل للجهل المحض {ويتبع} فى ذلك {كل شيطان مريد} يغويه عن الهدى ويدعوه الى الضلال. وذلك يدل على أن المجادل في نصرة الباطل مذموم، وأن من جادل بعلم ووضع الحجة موضعها بخلافه. و {المريد} المتجرد للفساد. وقيل أصله الملاسة، فكأنه متملس من الخير، ومنه صخرة مرداء أي ملساء، ومنه الأمرد. والمريد الداهية المنكرة. ويقال: تمرد فلان. والممرد من البناء المتطاول المتجاوز. وقوله {كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} يقول الله تعالى انه كتب في اللوح المحفوظ ان من تولى الشيطان واتبعه واطاعه فيما يدعوه اليه، فانه يضله. وقال الزجاج: معناه كتب عليه أنه من تولاه يضله، فعطف (أن) الثانية على الأولى تأكيداً، فلذلك نصبت (أن) الثانية. والاكثر فى التأكيد أن لا يكون معه حرف عطف غير انه جائز: كما يجوز: زيد - فافهم - في الدار. وقال قوم: نصبت (أن) الثانية، لان المعنى فلأنه يضله عن طريق الحق {ويهديه إلى عذاب السعير} أي عذاب النار الذي يستعر ويلتهب. والهاء فى {كتب عليه} راجعة الى الشيطان، وتقديره كتب على الشيطان أنه من تولى الشيطان واتبعه، فان الشيطان يضله، فالهاء في يضله عائدة الى (من) في قوله {من تولاه}.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} اى سخط ربّكم وعقوبته بترك مخالفة اوامره ونواهيه {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ} استينافٌ فى مقام التّعليل والمراد بالسّاعة ساعة ظهور القائم عجّل الله فرجه عند الاحتضار بالموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ وساعة القيامة الصّغرى او ساعة القيامة الكبرى وظهور الولاية الكلّيّة كما اشير الى الكلّ فى الخبر {شَيْءٌ عَظِيمٌ} فانّ حال الاحتضار وزلزلته فى العالم الصّغير امر لا يتحمّله النّفوس البشريّة والمدارك الحيوانيّة لانّها لخراب النّفوس البشريّة والمدارك الحيوانيّة والمبانى الدّانية.

الأعقم

تفسير : خاطب تعالى جميع الخلائق وابتدأ بالأمر بالتقوى وعقبه بذكر الوعد لمن خالف أمره فقال سبحانه: {يأيّها الناس} المكلّفين {اتقوا ربكم} أي اتقوا عذابه، وقيل: اتقوا معاصيه الموجبة لعذابه يوم القيامة {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} الزلزلة شدة الحركة، أي حركة الأرض يوم القيامة، وقيل: الزلزلة تقرب القيامة من أشراطها وتكون في الدنيا، وقيل: تكون يوم القيامة في حديث مرفوع، شيء عظيم أي أمر هائل {يوم ترونها}، قيل: الزلزلة، وقيل: الساعة {تذهل كل مرضعةٍ} أي تشتغل عن ابن عباس، وقيل: تلهو حتى تذهلها الزلزلة، والمرضعة التي هي في حال الإِرضاع ملقمة ثديها الصبي، المرضع التي شأنها أن ترضع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة {عما أرضعت} عن إرضاعها أو هو الذي أرضعته وهو الطفل، وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام {وتضع كل ذات حمل حملها} فتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، قال الحاكم: هذا مثل لو كان مرضعة وحامل لكان حالهم هذا من هول ذلك اليوم، وأما ما حمله على أنه يكون في الدنيا فيصح حمله على الحقيقة {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} على الحقيقة ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم، وتراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب، وقيل: وترى أيها السامع الناس سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر {ولكن عذاب الله شديد} إذا عاينوه تحيّروا وزالت عقولهم.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} أي: تعرض {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} وهذه النفخة الآخرة. ذكروا عن الحسن قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، قد فرّق بين أصحاب له السير، إذ نزلت هذه الآية. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها صوته فقال: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} حتى انتهى إلى قوله: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}. فلما سمعوا صوت نبيّهم اعصوصبوا به، فتلاها عليهم، ثم قال: هل تدرون أي يوم ذلكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلكم يوم يقول الله لآدم: يا آدم قم ابعث بعث النار. قال: ربّ، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إنساناً إلى النار، وواحد إلى الجنة". فلما سمعوا ما قال نبيّهم أبلسوا حتى ما يُجلى أحدهم عن واضحة فلما رأى ما بهم قال: اعملوا وأبشروا [فوالذي نفسي بيده] ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدّابة، أو كالشامة في جنب البعير، وإنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: ياجوج وماجوج ومن هلك [يعني من كفر] من بني إبليس، وتكمل العدّة من المنافقين. فهنالك يهرم الكبير ويشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها... إلى آخر الآية . تفسير : قال بعضهم: وبلغني أن الكبير يحط يوم القيامة إلى ثلاث وثلاثين [سنة، ويرفع الصغير إلى ثلاث وثلاثين سنة].

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} احذروا عقابه {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ} لا تقدرون عليه فكيف تقدرون على عقابه؟ اي ان الحركة الشديدة التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة شيء عظيم في ازعاج الناس الذي هو نوع من العذاب. واضافة الزلزلة بمعنى الحركة إلى الساعة اضافة مصدر لفاعله اسند الحركة للساعة مع انها للأرض لمجاورة الساعة للزلزلة وقربها ولانها من أشراط الساعة وذلك مجاز في الاسناد ويسمى مجازاً عقلياً ومجازاً حكمياً. ورده السكاكي إلى الاستعارة التبعية. وان قلنا: ان الساعة هي ساعة وقوع الزلزلة سواء قلنا هي ساعة قيام القيامة أو قبلها فقد اسند الفعل إلى زمانه تجوزاً في الاسناد كقولك: "نهاره صائم" وهو كقولك: "الساعة تزلزلت" أو الاسناد حقيقي والاضافة للزمان من حيث وقوعها فيه لا من حيث انها فعله. فأصل الكلام أن زلزلة الأرض في الساعة وكذلك الكلام إذا جعلنا الزلزلة بمعنى التحريك الشديد أي ان تحريك الساعة الأشياء. ووقتها عند الحسن يوم القيامة. وقال علقمة والشعبي: قبيل طلوع الشمس من مغربها. وعلى الأول يكون بها قيام الساعة وهو قول ابن عباس وهو قول من يقول: النفخ نفختان. والثاني: هو قول الجمهور القائلين ان النفخات ثلاث (وان) وما بعدها تعليل جملي علل التقوى بعظم هول الساعة وذكرها ليتصوروها كأنها حاضرة ويعلموا انهم انما ينجون بالتقوى. وقد روي ان الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأها صلى الله عليه وسلم فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة فلما أصبحوا وقد مشوا الليل يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدراً وكانوا بين حزين وباك ومفكر وأعني بالآيتين هذه والتي قبلها. وروي انهما نزلتا ليلا في تلك الغزوة فأمرهم ان يحثوا المطي فحثوها حتى كانوا حوله صلى الله عليه وسلم فقرأهما {أية : إلى آخره}تفسير : ما مر ثم قال أي يوم ذلك فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله لآدم قم فابعث ببعث النار. وفي رواية يقول الله عز وجل "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فينادي بصوت ان الله يأمرك ان يخرج بعث النار من ذريتك فقال يا رب وما بعث النار، فقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فحينئذ تضع الحوامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقال تكمل العدة بيأَجوج ومأجوج والمشركين والمنافقين والواحد منكم وانتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الابيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الاسود. وفي رواية ابشروا فما انتم في الناس الا كالرقمة في ذراع الحمار يعني موضعا ابيض أو اسود في ذراعه أو كالشامة في جنب البعير وانكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء الا كثرتاه يأجوج ومأجوج بفتح المثلثة نقلا من الضم للدلالة على الغلبة فيكون متعديا. ذكر ابن هشام اي مثله اي غلبتاه في الكثرة. قال: واني لارجوا ان تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال ثلثهم فكبروا ثم قال نصفهم فكبروا وقال يدخل الجنة من امتي سبعون الفا بغير حساب فقال عمر: سبعون الفا قال: نعم ومع كل واحد سبعون الفا. وفي رواية يحط الكبير إلى ثلاث وثلاثين وعن ابي سعيد نفخة الفزع يوم الجمعة في النصف من شهر رمضان فتمر الجبال مر السحاب وترتج الارض وتضع الحوامل وتشيب الولدان ويولي الناس مدبرين ويأتي كلام في ذلك ان شاء الله.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا ربَّكم} الخطاب الذى حكمه العموم خطاب للموجودين من المكلفين فى حال النزول، والذي سيوجدن، أو سيوجد تكليفهم مثل من وجد، وهو طفل أو مجنون، وقضى الله حياته، وذلك تغليب، وقيل: حقيقة وهو مذهب الحنابلة، وطائفة من المتقدمين والفقهاء. وقيل: مجاز، وقيل: خاص بالمكلفين الموجودين حال النزول، وأما غيرهم فملتحق بهم من الحديث ومن القرآن، لما جاء فيه بطريق العموم والغيبة، مثل من فعل كذا، ومن لم يفعل كذا فله كذا، وعليه كذا وكذا الخلف فى جمع المذكر السالم جمع صفة، وواو الجمع تدخل فيه الإناث تغليبا أو حقيقة أو مجاز، أو لديل آخر من القرآن مثل من فعل أو لم يفعل أو من الحديث. وقيل الخطاب خاص بأهل مكة، وعليه فالتقوى ترك الشرك بخلاف غير هذا القول، فإنها تعم ترك المعاصى مطلقا، لكن لا مانع من التعميم أيضا فى أهل مكة، لأن التحقيق خطاب المشركين بالفروع، ولو كان الأنسب الأمر أولا بالتوحيد، ولا خلاف فى دخولهن فى نحو الناس والإنسان، مثل: "أية : إنَّ الإنسان لفى خسر" تفسير : [العصر: 2] الآية مما لفظه عام ولا علامة تذكيره ولا تأنيث فيه، ولفظ الرب تغليظ كأنه قيل احذروا عقوبة مالك أمركم ومريبكم. {إنَّ زَلزْلة السَّاعة شىءٌ عظِيمٌ} تحريك الأرض الدال على قرب الساعة جدا، وهى قبل طلوع الشمس من مغربها شىء عظيم، وهى نفخة الفزع وبعدها نفخة الموت، وبعدها نفخة البعث، تموج الوحوش والإنس والجن مختلطين، وأضاف الزلزلة للساعة لأنها من أشراطها، وقربها كأنها مجاورة، كأنه وقعت الزلزلة فى الساعة، فيكون من إضافة المصدر الى وقته، أى فى الساعة أو الى فاعله، على أن المزلزل للأرض هو الساعة مجازا أو الى المفعول به المتجوز به، كأنه زلزل الله الساعة، والمزلزل حقيقة هو الله جل وعلا فى ذلك كله، أو الملك، وفعله فعل لله سبحانه، والزلزلة تكون بأمره ملكا موكلا على جبل قاف بتحريك عروق الأرض المتصلة بجبل قاف. وكذا إذا أراد زلزلة أرض يأمره بتحريك عرق تلك الأرض، وزعمت الفلاسفة أن الزلزلة باجتماع بخار واحتباسه فى بطن الأرض وغلظه، مع انتفاء منفذ فقد يكون منه خسف، وأصوات ونار لشدة اشتعال البخار، وإن صح فالله جامعه ومخرجه ومزلزل به إذا شاء، ويناسبه شدة الزلزلة وكثرتها فى الأرض الصلبة بالنسبة الى الرخوة، ويدل على إرادة نفخة الفزع وجود المرضعة والحامل لقوله تعالى: {يَوْم تَروْنها تذْهَل كلُّ مرضعةٍ عما أرضعت وتَضع كُل ذات حَمْلِ حَمْلها} فان كان المراد نفخة البعث كما قال الجمهور فالمراد بذهول المرضعات، ووضع الحوامل الكناية عن شدة الهول لا حقيقة الإرضاع والوضع، وهو وجه حسن، مع أن نفخة الفزع ليست نفس ما يوعدون، ولا دلالة فيها على البعث. الجواب: أنا ولو لم تدل على البعث بذاتها لكنها علامة على تحقيق البعث، وقربه، وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنها من أشراط الساعة المنذرين هم بها الموعود بالبعث بعدها كان صلى الله عليه وسلم فى غزوة بنى المصطلق، فنزلت عليه: "يا أيها الناس اتقوا ربكم" الآيتين، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتدرون أى يوم ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون الى النار وواحد الى الجنة" تفسير : فأنشأ المسلمون يبكون فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قاربوا وسددوا وأبشروا فإنه لم تكن نبوة قط إلاَّ كان بين يديها جاهلين وما مثلكم فى الأمم إلاَّ كمثل الرقمة فى ذراع الدابة أو كالشامة فى جنب البعير وإنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" تفسير : وهذا نص فى أن زلزلة الساعة بعد البعث، ويوم متعلق بتذهل، قدم على طريق الاهتمام، ولا حاجة الى تعليقه بعظيم أو إبداله من الساعة وبناءه جوازا للاضافة الى الجملة، ولا الى تقدير اذكر، وهاء من ترونها للزلزلة، لأنها المحدث عنها، وهى المشاهدة، وقيل للساعة والمرضعة وذات حمل شامل للنساء وسائر إناث الحيوان، وما واقع على من لا يعلم ومن يعلم تكون الأنثى مملقمة ثديها للرضيع، فتذهل عنه، ولا يتعلق قلبها به مع سقوطه عنها، وكأنه غير ولدها، أو كأنه حجر أو ما مصدرية، والمرضعة والحائض بالتاء من فى حال الأرضاع والحيض، وأما بلا تاء فمن لها من ترضع ومن بلغت سن الحيض، ولم يقل وتضع كل ذات حمل ما حملت، لأن الحمل بفتح الحاء الجنين، وما حملت الظهر وغيره، وإطلاق الحمل بالفتح على ثمر الشجرة، ولو كان حقيقا لكن لا يتبادر شمول الآية له، والرؤية فى الموضعين بصرية، وقيل تبعث الحامل حاملا، والمرضعة مرضعة بحالها، وكل أحد يحشر بحاله فتلد الحامل بعد البعث، وتذهل، والمرضعة عما ولدت. {وترى النَّاس سُكارى وما هم بسكارى} ترى من يصلح للرؤية وهذا عموم أولى من جعل الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، لأنه أبلغ فى التهويل، ولم يقل وتصير الناس سكارى للايذان بكمال ظهور تلك الحال، حتى لا تكاد تخفى عن كل مبصر، والمراد ترى حال الناس كحال السكارى، لكنهم ليسوا سكارى، وما هم بسكارى، وحال مؤكدة أو ترى بمعنى تظن، وأزال الظن بقوله: {وما هم} فلا تأكيد. {ولكنَّ عذاب الله شَديدٌ} بمتعلق بقوله: {وما هم بسكارى} أى لكن شدة العذاب صيرتهم كالسكارى، أو صيرتهم بحال تظنهم سكارى معها، ويبعد الاستدراك على محذوف ما ذكر من الذهول والوضع، ورؤية الناس هين، ولكن عذاب الله شديد وهو عذاب النار والمحشر، بخلاف ما ذكرت، فان العذاب فيه هو نفس ما به الذهول والوضع والسكر.

الالوسي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} خطاب يعم حكمه المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين القاصرين عن رتبة التكليف والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة، لكن لا بطريق الحقيقة عندنا بل بطريق التغليب أو تعميم الحكم بدليل خارجي، فإن خطاب المشافهة لا يتناول من لم يكلف بعد وهو خاص بالمكلفين الموجودين عند النزول خلافاً للحنابلة وطائفة من السلفيين والفقهاء حيث ذهبوا إلى تناوله الجميع حقيقة، ولا خلاف في دخول الإناث كما قال الآمدي في نحو (الناس) مما يدل على الجمع ولم يظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث وإنما الخلاف في دخولهن في نحو ضمير {ٱتَّقَوْاْ} و(المسلمين) فذهبت الشافعية والأشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه، وذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته، والدخول هنا عندنا بطريق التغليب. وزعم بعضهم أن الخطاب خاص بأهل مكة وليس بذاك. والمأمور به مطلق التقوى الذي هو التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك ويندرج فيه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر حسبما ورد به الشرع اندراجاً أولياً، لكن على وجه يعم الإيجاد والدوام، والمناسب لتخصيص الخطاب بأهل مكة أن يراد بالتقوى المرتبة الأولى منها وهي التوقي عن الشرك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيباً وترغيباً أي احذروا عقوبة مالك أمركم ومربيكم. وقوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ} تعليل لموجب الأمر بذكر أمر هائل فإن ملاحظة عظم ذلك وهوله وفظاعة ما هو من مباديه ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس التقوى مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة. والزلزلة التحريك الشديد والإزعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها عن مراكزها، وإضافتها إلى الساعة إما من إضافة المصدر إلى فاعله لكن على سبيل المجاز في النسبة كما قيل في قوله تعالى: { أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33] لأن المحرك حقيقة هو الله تعالى والمفعول الأرض أو الناس، أو من إضافته إلى المفعول لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعاً كما في قوله: شعر : يا سارق الليلة أهل الدار تفسير : وجوز أن تكون الإضافة على معنى في وقد أثبتها بعضهم وقال بها في الآية السابقة، وهي عند بعض المذكورة في قوله تعالى: { أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 1] وتكون على ما قيل عند النفخة الثانية وقيام الساعة بل روي عن ابن عباس أن زلزلة الساعة قيامها. وأخرج أحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي والترمذي والحاكم وصححاه عن عمران / ابن حصين قال: لما نزلت { أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} تفسير : [الحج: 1] ـ إلى ـ {أية : وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } تفسير : [الحج: 2] كان صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم عليه السلام ابعث بعث النار قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم في الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال: ولا أدري قال الثلثين أم لا، وحديث البعث مذكور في «الصحيحين» وغيرهما لكن بلفظ آخر وفيه كالمذكور ما يؤيد كون هذه الزلزلة في يوم القيامة وهو المروي عن الحسن. وأخرج ابن المنذر وغيره عن علقمة والشعبـي وعبيد بن عمير أنها تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة على هذا لكونها من أماراتها، وقد وردت آثار كثيرة في حدوث زلزلة عظيمة قبل قيام الساعة هي من أشراطها إلا أن في كون تلك الزلزلة هي المراد هنا نظراً إذ لا يناسب ذلك كون الجملة تعليلاً لموجب أمر جميع الناس بالتقوى، ثم إنها على هذا القول على معناها الحقيقي وهو حركة الأرض العنيفة، وتحدث هذه الحركة بتحريك ملك بناء على ما روي أن في الأرض عروقاً تنتهي إلى جبل قاف وهي بيد ملك هناك فإذا أراد الله عز وجل أمراً أمره أن يحرك عرقاً فإذا حركه زلزلت الأرض. وعند الفلاسفة أن البحار إذا احتبس في الأرض وغلظ بحيث لا ينفذ في مجاريها لشدة استحصافها وتكاثفها اجتمع طالباً للخروج ولم يمكنه فزلزلت الأرض، وربما اشتدت الزلزلة فخسفت الأرض فيخرج نار لشدة الحركة الموجبة لاشتعال البخار والدخان لا سيما إذا امتزجا امتزاجاً مقرباً إلى الدهنية، وربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات هائلة، وربما حدثت الزلزلة من تساقط عوالي وهدات في باطن الأرض فيتموج بها الهواء المحتقن فتتزلزل به الأرض، وقليلاً ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لبعض الأسباب. وما يستأنس به للقول بأن سببها احتباس البخار الغليظ وطلبه للخروج وعدم تيسره له كثرة الزلازل في الأرض الصلبة وشدتها بالنسبة إلى الأرض الرخوة، ولا يخفى أنه إذا صح حديث في بيان سبب الزلزلة لا ينبغي العدول عنه وإلا فلا بأس بالقول برأي الفلاسفة في ذلك وهو لا ينافي القول بالفاعل المختار كما ظن بعضهم، وهي على القول بأنها يوم القيامة قال بعضهم: على حقيقتها أيضاً، وقال آخرون: هي مجاز عن الأهوال والشدائد التي تكون في ذلك اليوم، وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها والعبارة ضيقة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. وفي «البحر» أن إطلاق الشيء عليها مع أنه لم توجد بعد يدل على أنه يطلق على المعدوم، ومن منع ذلك قال: إن إطلاقه عليها لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود لا محالة.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة مشتركة بين مكية ومدنية كما يبدو من دلالة آياتها. وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال. وآيات العقاب بالمثل. فهي مدنية قطعاً. فالمسلمون لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة. وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة. أما قبل ذلك فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين بايعه أهل يثرب، وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم {حديث : إني لم أومر بهذا} تفسير : . حتى إذا صارت المدينة دار إسلام شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين والدفاع عن حرية العقيدة، وحرية العبادة للمؤمنين. والذي يغلب على السورة هو موضوعات السور المكية. وجو السور المكية. فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة، وإثبات البعث، وإنكار الشرك. ومشاهد القيامة، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون.. بارزة في السورة وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال، وحماية الشعائر، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان، والأمر بالجهاد في سبيل الله. والظلال الواضحة في جو السورة كلها هي ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة. والتحذير والترهيب واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والاستسلام. تبدو هذه الظلال في المشاهد والأمثال.. فمشهد البعث مزلزل عنيف رهيب: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولـكن عذاب الله شديد}.. وكذلك مشهد العذاب: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها ـ من غم ـ أعيدوا فيها، وذوقوا عذاب الحريق}.. ومثل الذي يشرك بالله: {أية : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق }.. تفسير : وحركة من ييأس من نصر الله: {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ}.. ومشهد القرى المدمرة بظلمها: {أية : فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، وبئر معطلة وقصر مشيد }.. تفسير : تجتمع هذه المشاهد العنيفة المرهوبة إلى قوة الأوامر والتكاليف، وتبرير الدفع بالقوة، وتأكيد الوعد بالنصر والتمكين. إلى عرض الحديث عن قوة الله وضعف الشركاء المزعومين.. ففي الأولى: {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكـاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور }.. تفسير : وفي الثانية:{أية : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز }.. تفسير : ووراء هذا وذلك، الدعوة إلى التقوى والوجل واستجاشة مشاعر الرهبة والاستسلام تبدأ بها السورة، وتتناثر في ثناياها: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم}.... {أية : ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}.. {أية : فإلـهكم إلـه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}.. {أية : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولـكن يناله التقوى منكم }.. تفسير : ذلك إلى استعراض مشاهد الكون، ومشاهد القيامة، ومصارع الغابرين. والأمثلة والعبر والصور والتأملات لاستجاشة مشاعر الإيمان والتقوى والإخبات والاستسلام.. وهذا هو الظل الشائع في جو السورة كلها، والذي يطبعها ويميزها. ويجري سياق السورة في أربعة أشواط: يبدأ الشوط الأول بالنداء العام. نداء الناس جميعاً إلى تقوى الله، وتخويفهم من زلزلة الساعة، ووصف الهول المصاحب لها، وهو هول عنيف مرهوب. ويعقب في ظل هذا الهول باستنكار الجدل في الله بغير علم، واتباع كل شيطان محتوم على من يتبعه الضلال. ثم يعرض دلائل البعث من أطوار الحياة في جنين الإنسان، وحياة النبات؛ مسجلاً تلك القربى بين أبناء الحياة، ويربط بين تلك الأطوار المطردة الثابتة وبين أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وان الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.. وكلها سنن مطردة وحقائق ثابتة متصلة بناموس الوجود.. ثم يعود إلى استنكار الجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير بعد هذه الدلائل المستقرة في صلب الكون وفي نظام الوجود. وإلى استنكار بناء العقيدة على حساب الربح والخسارة، والانحراف عن الاتجاه إلى الله عند وقوع الضراء، والالتجاء إلى غير حماه؛ واليأس من نصرة الله وعقباه.. وينتهي هذا الشوط بتقرير أن الهدى والضلال بيد الله، وأنه سيحكم بين أصحاب العقائد المختلفة يوم الحساب.. وهنا يعرض ذلك المشهد العنيف من مشاهد العذاب للكافرين، وإلى جواره مشهد النعيم للمؤمنين. ويتصل الشوط الثاني بنهاية الشوط الأول بالحديث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام. ويستنكر هذا الصد عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعاً. يستوي في ذلك المقيمون به والطارئون عليه.. وبهذه المناسبة يذكر طرفاً من قصة بناء البيت، وتكليف إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يقيمه على التوحيد، وأن يطهره من رجس الشرك. ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة مشاعر التقوى في القلوب، وهي الهدف المقصود. وينتهي هذا الشوط بالإذن للمؤمنين بالقتال لحماية الشعائر والعبادات من العدوان الذي يقع على المؤمنين ولا جريرة لهم إلا أن يقولوا: ربنا الله! والشوط الثالث يتضمن عرض نماذج من تكذيب المكذبين من قبل، ومن مصارع المكذبين ومشاهد القرى المدمرة على الظالمين. وذلك لبيان سنة الله في الدعوات، وتسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما يلقاه من صد وإعراض، وتطمين المسلمين، بالعاقبة التي لا بد أن تكون. كذلك يتضمن عرض طرف من كيد الشيطان للرسل والنبيين في دعوتهم، وتثبيت الله لدعوته، وإحكامه لآياته، حتى يستيقن بها المؤمنون، ويفتن بها الضعاف والمستكبرون!. أما الشوط الأخير فيتضمن وعد الله بنصرة من يقع عليه البغي وهو يدفع عنه العدوان ويتبع هذا الوعد بعرض دلائل القدرة في صفحات الكون، وإلى جوارها يعرض صورة زرية لضعف الآلهة التي يركن إليها المشركون.. وينتهي الشوط وتنتهي السورة معه بنداء الذين آمنوا ليعبدوا ربهم، ويجاهدوا في الله حق جهاده، ويعتصموا بالله وحده، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل.. وهكذا تتساوق موضوعات السورة وتتعاقب في مثل هذا التناسق.. والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل: {يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها؛ وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولـكن عذاب الله شديد}.. مطلع عنيف رعيب، ومشهد ترتجف لهوله القلوب. يبدأ بالنداء الشامل للناس جميعاً: {يا أيها الناس} يدعوهم إلى الخوف من الله: {اتقوا ربكم} ويخوفهم ذلك اليوم العصيب: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم}. وهكذا يبدأ بالتهويل المجمل، وبالتجهيل الذي يلقي ظل الهول يقصر عن تعريفه التعبير، فيقال: إنه زلزلة. وإن الزلزلة {شيء عظيم}، من غير تحديد ولا تعريف. ثم يأخذ في التفصيل. فإذا هو أشد رهبة من التهويل.. إذا هو مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت تنظر ولا ترى، وتتحرك ولا تعي. وبكل حامل تسقط حملها للهول المروع ينتابها.. وبالناس سكارى وما هم بسكارى، يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة، وفي خطواتهم المترنحة.. مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره لحظة التلاوة، بينما الخيال يتملاه. والهول الشاخص يذهله، فلا يكاد يبلغ أقصاه. وهو هول حي لا يقاس بالحجم والضخامة، ولكن يقاس بوقعه في النفوس الآدمية: في المرضعات الذاهلات عما أرضعن ـ وما تذهل المرضعة عن طفلها وفي فمه ثديها إلا للهول الذي لا يدع بقية من وعي ـ والحوامل الملقيات حملهن، وبالناس سكارى وما هم بسكارى: {ولكن عذاب الله شديد}.. إنه مطلع عنيف مرهوب تتزلزل له القلوب.. في ظل هذا الهول المروع يذكر أن هنالك من يتطاول فيجادل في الله، ولا يستشعر تقواه: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم، ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.. والجدال في الله، سواء في وجوده تعالى، أو في وحدانيته، أو في قدرته، أو في علمه، أو في صفة ما من صفاته.. الجدال في شيء من هذا في ظل ذلك الهول الذي ينتظر الناس جميعاً، والذي لا نجاة منه إلا بتقوى الله وبرضاه.. ذلك الجدال يبدو عجيباً من ذي عقل وقلب، لا يتقي شر ذلك الهول المزلزل المجتاح. وياليته كان جدالاً عن علم ومعرفة ويقين. ولكنه جدال {بغير علم} جدال التطاول المجرد من الدليل. جدال الضلال الناشئ من اتباع الشيطان. فهذا الصنف من الناس يجادل في الله بالهوى: {ويتبع كل شيطان مريد} عات مخالف للحق متبجح {كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.. فهو حتم مقدور أن يضل تابعه عن الهدى والصواب، وأن يقوده إلى عذاب السعير.. ويتهكم التعبير فيسمي قيادته أتباعه إلى عذاب السعير هداية! {ويهديه إلى عذاب السعير}.. فيالها من هداية هي الضلال المهلك المبيد! أم إن الناس في ريب من البعث؟ وفي شك من زلزلة الساعة؟ إن كانوا يشكون في إعادة الحياة فليتدبروا كيف تنشأ الحياة، ولينظروا في أنفسهم، وفي الأرض من حولهم، حيث تنطق لهم الدلائل بأن الأمر مألوف ميسور؛ ولكنهم هم الذين يمرون على الدلائل في أنفسهم وفي الأرض غافلين: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ـ لنبين لكم ـ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى؛ ثم نخرجكم طفلاً؛ ثم لتبلغوا أشدكم؛ ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً. وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}.. إن البعث إعادة لحياة كانت، فهو في تقدير البشر ـ أيسر من إنشاء الحياة. وإن لم يكن ـ بالقياس إلى قدرة الله ـ شيء أيسر ولا شيء أصعب. فالبدء كالإعادة أثر لتوجه الإرادة: {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون }.. تفسير : ولكن القرآن يأخذ البشر بمقاييسهم، ومنطقهم، وإدراكهم، فيوجه قلوبهم إلى تدبر المشهود المعهود لهم، وهو يقع لهم كل لحظة، ويمر بهم في كل برهة؛ وهو من الخوارق لو تدبروه بالعين البصيرة، والقلب المفتوح، والحس المدرك. ولكنهم يمرون به أو يمر بهم دون وعي ولا انتباه. فما هؤلاء الناس؟ ما هم؟ من أين جاءوا؟ وكيف كانوا؟ وفي أي الأطوار مروا؟ {فإنا خلقناكم من تراب}.. والإنسان ابن هذه الأرض. ومن ترابها نشأ، ومن ترابها تكوّن، ومن ترابها عاش. وما في جسمه من عنصر إلا له نظيره في عناصر أمة الأرض. اللهم إلا ذلك السر اللطيف الذي أودعه الله إياه ونفخه فيه من روحه؛ وبه افتراق عن عناصر ذلك التراب. ولكنه أصلاً من التراب عنصراً وهيكلاً وغذاء. وكل عناصره المحسوسة من ذلك التراب. ولكن أين التراب وأين الإنسان؟ أين تلك الذرات الأولية الساذجة من ذلك الخلق السوي المركب، الفاعل المستجيب، المؤثر المتأثر، الذي يضع قدميه على الأرض ويرف بقلبه إلى السماء؛ ويخلق بفكره فيما وراء المادة كلها ومنها ذلك التراب.. إنها نقلة ضخمة بعيدة الأغوار والآماد، تشهد بالقدرة التي لا يعجزها البعث، وهي أنشأت ذلك الخلق من تراب! {ثم من نطفة. ثم من علقة. ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ـ لنبين لكم ـ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً...}. والمسافة بين عناصر التراب الأولية الساذجة والنطفة المؤلفة من الخلايا المنوية الحية، مسافة هائلة، تضمر في طياتها السر الأعظم. سر الحياة. السر الذي لم يعرف البشر عنه شيئاً يذكر، بعد ملايين الملايين من السنين، وبعد ما لا يحصى من تحول العناصر الساذجة إلى خلايا حية في كل لحظة من لحظات تلك الملايين. والذي لا سبيل إلى أكثر من ملاحظته وتسجيله، دون التطلع إلى خلقه وإنشائه، مهما طمح الإنسان، وتعلق بأهداب المحال! ثم يبقى بعد ذلك سر تحول تلك النطفة إلى علقة، وتحول العلقة إلى مضغة، وتحول المضغة إلى إنسان! فما تلك النطفة؟ إنها ماء الرجل. والنقطة الواحدة من هذا الماء تحمل ألوف الحيوانات المنوية. وحيوان واحد منها هو الذي يلقح البويضة من ماء المرأة في الرحم، ويتحد بها فتعلق في جدار الرحم. وفي هذه البويضة الملقحة بالحيوان المنوي.. في هذه النقطة الصغيرة العالقة بجدار الرحم ـ بقدرة القادر وبالقوة المودعة بها من لدنه ـ في هذه النقطة تكمن جميع خصائص الإنسان المقبل: صفاته الجسدية وسماته من طول وقصر، وضخامة وضآلة، وقبح ووسامة، وآفة وصحة.. كما تكمن صفاته العصبية والعقلية والنفسية: من ميول ونزعات، وطباع واتجاهات، وانحرافات واستعدادات.. فمن يتصور أو يصدق أن ذلك كله كامن في تلك النقطة العالقة؟ وأن هذه النقطة الصغيرة الضئيلة هي هذا الإنسان المعقد المركب، الذي يختلف كل فرد من جنسه عن الآخر، فلا يتماثل اثنان في هذه الأرض في جميع الأزمان؟! ومن العلقة إلى المضغة، وهي قطعة من دم غليظ لا تحمل سمة ولا شكلاً. ثم تخلق فتتخذ شكلها بتحولها إلى هيكل عظمي يكسى باللحم؛ أو يلفظها الرحم قبل ذلك إن لم يكن مقدراً لها التمام. {لنبين لكم}.. فهنا محطة بين المضغة والطفل، يقف السياق عندها بهذه الجملة المعترضة: {لنبين لكم}. لنبين لكم دلائل القدرة بمناسبة تبين الملامح في المضغة. وذلك على طريقة التناسق الفني في القرآن. ثم يمضي السياق مع أطوار الجنين: {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} فما شاء الله أن يتم تمامه أقره في الأرحام حتى يحين أجل الوضع. {ثم نخرجكم طفلاً}.. ويا للمسافة الهائلة بين الطور الأول والطور الأخير! إنها في الزمان ـ تعادل في العادة ـ تسعة أشهر. ولكنها أبعد من ذلك جدًّا في اختلاف طبيعة النطفة وطبيعة الطفل. النطفة التي لا ترى بالعين المجردة وهذا المخلوق البشري المعقد المركب، ذو الأعضاء والجوارح، والسمات والملامح، والصفات والاستعدادات، والميول والنزعات.. إلا أنها المسافة التي لا يعبرها الفكر الواعي إلا وقد وقف خاشعاً أمام آثار القدرة القادرة مرات ومرات.. ثم يمضي السياق مع أطوار ذلك الطفل بعد أن يرى النور، ويفارق المكمن الذي تمت فيه تلك الخوارق الضخام، في خفية عن الأنظار! {ثم لتبلغوا أشدكم}.. فتستوفوا نموكم العضلي، ونموكم العقلي، ونموكم النفسي.. وكم بين الطفل الوليد والإنسان الشديد من مسافات في المميزات أبعد من مسافات الزمان! ولكنها تتم بيد القدرة المبدعة التي أودعت الطفل الوليد كل خصائص الإنسان الرشيد، وكل الاستعدادات الكامنة التي تتبدى فيه وتتكشف في أوانها، كما أودعت النقطة العالقة بالرحم كل خصائص الطفل، وهي ماء مهين! {ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً}.. فأما من يتوفى فهو صائر إلى نهاية كل حي. وأما من يرد إلى أرذل العمر فهو صفحة مفتوحة للتدبر ما تزال. فبعد العلم، وبعد الرشد، وبعد الوعي، وبعد الاكتمال.. إذا هو يرتد طفلاً. طفلاً في عواطفه وانفعالاته. طفلاً في وعيه ومعلوماته. طفلاً في تقديره وتدبيره. طفلاً أقل شيء يرضيه وأقل شيء يبكيه. طفلاً في حافظته فلا تمسك شيئاً، وفي ذاكرته فلا تستحضر شيئاً. طفلاً في أخذه الأحداث والتجارب فرادى لا يربط بينها رابط ولا تؤدي في حسه ووعيه إلى نتيجة، لأنه ينسى أولها قبل أن يأتي على آخرها: {لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً} ولكي يفلت من عقله ووعيه ذلك العلم الذي ربما تخايل به وتطاول، وجادل في الله وصفاته بالباطل! ثم تستطرد الآية إلى عرض مشاهد الخلق والإحياء في الأرض والنبات، بعد عرض مشاهد الخلق والإحياء في الإنسان. {وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج}. والهمود درجة بين الحياة والموت. وهكذا تكون الأرض قبل الماء، وهو العنصر الأصيل في الحياة والأحياء. فإذا نزل عليها الماء {اهتزت وربت} وهي حركة عجيبة سجلها القرآن قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام، فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو ثم تتفتح بالحياة عن النبات {من كل زوج بهيج}. وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد الكمون، وتنتفض بعد الهمود؟ وهكذا يتحدث القرآن عن القرابة بين أبناء الحياة جميعاً، فيسلكهم في آية واحدة من آياته. وإنها للفتة عجيبة إلى هذه القرابة الوثيقة. وإنها لدليل على وحدة عنصر الحياة، وعلى وحدة الإرادة الدافعة لها هنا وهناك. في الأرض والنبات والحيوان والإنسان. {ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيـي الموتى، وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور}.. ذلك.. أي إنشاء الإنسان من التراب وتطور الجنين في مراحل تكونه، وتطور الطفل في مراحل حياته، وانبعاث الحياة من الأرض بعد الهمود. ذلك متعلق بأن الله هو الخالق. فهو من السنن المطردة التي تنشأ من أن خالقها هو الحق الذي لا تختل سننه ولا تتخلف. وأن اتجاه الحياة هذا الاتجاه في هذه الأطوار ليدل على الإرادة التي تدفعها وتنسق خطاها وترتب مراحلها. فهناك ارتباط وثيق بين أن الله هو الحق، وبين هذا الاطراد والثبات والاتجاه الذي لا يحيد. {وأنه يُحيي الموتى} فإحياء الموتى هو إعادة للحياة. والذي أنشأ الحياة الأولى هو الذي ينشئها للمرة الآخرة {وأن الله يبعث من في القبور} ليلاقوا ما يستحقونه من جزاء. فهذا البعث تقتضيه حكمه الخلق والتدبير. وإن هذه الأطوار التي يمر بها الجنين، يمر بها الطفل بعد أن يرى النور لتشير إلى أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ كماله الممكن في دار الكمال. إذ أن الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض، فهو يقف ثم يتراجع {لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً} فلا بد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان. فدلالة هذه الأطوار على البعث دلالة مزدوجة.. فهي تدل على البعث من ناحية أن القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، وهي تدل على البعث لأن الإرادة المدبرة تكمل تطوير الإنسان في الدار الآخرة.. وهكذا تلتقي نواميس الخلق والإعادة، ونواميس الحياة والبعث، ونواميس الحساب والجزاء وتشهد كلها بوجود الخالق المدبر القادر الذي ليس في وجوده جدال.. ومع هذه الدلائل المتضافرة فهناك من يجادل في الله: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله. له في الدنيا خزي، ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق. ذلك بما قدمت يداك، وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. والجدال في الله بعد تلك الدلائل يبدو غريباً مستنكراً. فكيف إذا كان جدالاً بغير علم. لا يستند إلى دليل، ولا يقوم على معرفة، ولا يستمد من كتاب ينير القلب والعقل، ويوضح الحق، ويهدي إلى اليقين. والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس. صورة فيها الكبر المتعجرف: {ثاني عطفه} مائلاً مزوراً بجنبه. فهو لا يستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر. {ليضل عن سبيل الله} فلا يكتفي بأن يضل، إنما يحمل غيره على الضلال. هذا الكبر الضال المضل لا بد أن يقمع، ولا بد أن يحطم: {له في الدنيا خزي} فالخزي هو المقابل للكبر. والله لا يدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين. إنما يمهلهم أحياناً ليكون الخزي أعظم، والتحقير أوقع. أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع: {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}. وفي لحظة ينقلب ذلك الوعيد المنظور إلى واقع مشهود، بلفتة صغيرة في السياق، من الحكاية إلى الخطاب: {ذلك بما قدمت يداك، وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. وكأنما هو اللحظة يلقى التقريع والتبكيت، مع العذاب والحريق. ويمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس ـ إن كان يواجه الدعوة يومذاك فهو نموذج مكرور في كل جيل ـ ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة؛ ويظنها صفقة في سوق التجارة: {ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين. يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه. ذلك هو الضلال البعيد. يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير}.. إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع؛ وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول. هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن. ومن ثم يجب أن يستوي عليها، متمكناً منها، واثقاً بها، لا يتلجلج فيها، ولا ينتظر عليها جزاء، فهي في ذاتها جزاء. ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه، والسند الذي يستند عليه. أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور، وطلبه للهدى. ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها، ويطمئن بها. هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله، تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبد بهم القلق. بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله، مطمئن بهذا الاتصال. أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سورة التجارة: {فإن أصابه خير اطمأن به} وقال: إن الإيمان خير. فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع، وينمي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج {وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة}.. خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى الله فيه. وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسراً له. والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله {على حرف} غير متمكن من العقيدة، ولا مثبت في العبادة. يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى. ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب! إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة، ولكنه لا يصلح للعقيدة. فالعقيدة حق يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى. والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجاً عن ذاتها. والمؤمن يعبد ربه شكراً له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به. فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة. استحقاقاً على الإيمان أو العبادة! والمؤمن لا يجرب إلهه. فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء. وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار، إنما هي إسلام المخلوق للخالق، صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس. والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: {ذلك هو الخسران المبين}.. يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى. إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده، ويبتلي بها ثقتهم فيه، وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره.. ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان. فيا له من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتجه بعيداً عن الله؟ {إنه يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد}.. يدعو صنماً أو وثناً على طريقة الجاهلية الأولى. ويدعو شخصاً أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده، والسير على صراطه ونهجه.. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء. {ذلك هو الضلال البعيد} المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء.. {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان.. وهذا كله لا يملك ضراً ولا نفعاً؛ وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر. وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب، وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل. وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران {لبئس المولى} ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع {ولبئس العشير} ذلك الذي ينشأ عنه الخسران. يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان، والمولى والعشير من بني الإنسان، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو اشباه آلهة في كل زمان ومكان! والله يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. إن الله يفعل ما يريد}.. فمن مسه الضر في فتنة من الفتن، وفي ابتلاء من الابتلاءات، فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه، وقدرته على كشف الضراء، وعلى العوض والجزاء. فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة؛ ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة. فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء؛ وليذهب بنفسه كل مذهب، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء: {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ}! وهو مشهد متحرك لغيظ النفس، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ، يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه، عندما ينزل بها الضر وهي على غير اتصال بالله. والذي ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخية، وكل رجاء في الفرج، ويستبد به الضيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء. فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق. ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق.. ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه! ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله. ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله. ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله.. فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله.. بمثل هذا البيان لحالات الهدى والضلال، ولنماذج الهدى والضلال، أنزل الله هذا القرآن ليهتدي به من يفتح له قلبه، فيقسم الله له الهداية: {وكذلك أنزلناه آيات بينات، وأن الله يهدي من يريد}.. وإرادة الله قد قررت سبق الهدى والضلال. فمن طلب الهدى تحققت إرادة الله بهدايته، وفق سنته، وكذلك من طلب الضلال. إنما يفرد هنا حالة الهدى بالذكر، بمناسبة ما في الآيات من بيان يقتضي الهدى في القلب المستقيم. فأما الفرق المختلفة في الاعتقاد فأمرها إلى الله يوم القيامة، وهو العليم بكل ما في عقائدها من حق أو باطل، ومن هدى أو ضلال: {إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا.. إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد}.. وقد سبق تعريف هذه الفرق. وهي تذكر هنا بمناسبة أن الله يهدي من يريد، وهو أعلم بالمهتدين والضالين، وعليه حساب الجميع، والأمر إليه في النهاية، وهو على كل شيء شهيد. وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم، فإن الكون كله ـ فيما عداهم ـ يتجه بفطرته إلى خالقه، يخضع لناموسه، ويسجد لوجهه: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، والشمس والقمر والنجوم، والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب. ومن يهن الله فما له من مكرم. إن الله يفعل ما يشاء}.. ويتدبر القلب هذا النص، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك. وإذا حشد من الأفلاك والأجرام. مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم. وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان.. إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله، وتتجه إليه وحده دون سواه. تتجه إليه وحده في وحدة واتساق. إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق: {وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} فيبدو هذا الإنسان عجيباً في ذلك الموكب المتناسق. وهنا يقرر أن من يحق عليه العذاب فقد حق عليه الهوان: {ومن يهن الله فما له من مكرم}.. فلا كرامة إلا بإكرام الله، ولا عزة إلا بعزة الله. وقد ذل وهان من دان لغير الديان. ثم مشهد من مشاهد القيامة يتجلى فيه الإكرام والهوان، في صورة واقع يشهد كأنه معروض للعيان: {هـذان خصمان اختصموا في ربهم. فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود؛ ولهم مقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها ـ من غم ـ أعيدوا فيها. وذوقوا عذاب الحريق. إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاًً ولباسهم فيها حرير}. إنه مشهد عنيف صاخب، حافل بالحركة، مطوّل بالتخييل الذي يبعثه في النفس نسق التعبير، فلا يكاد الخيال ينتهي من تتبعه في تجدُّده.. هذه ثياب من النار تقطع وتفصل! وهذا حميم ساخن يصب من فوق الرؤوس، يصهر به ما في البطون والجلود عند صبه على الرؤوس! وهذه سياط من حديد أحمته النار.. وهذا هو العذاب يشتد، ويتجاوز الطاقة، فيهب {الذين كفروا} من الوهج والحميم والضرب الأليم يهمون بالخروج من هذا {الغم} وها هم أولاء يردون بعنف، ويسمعون التأنيب: {وذوقوا عذاب الحريق}.. ويظل الخيال يكرر هذه المشاهد من أولى حلقاتها إلى أخراها، حتى يصل إلى حلقة محاولة الخروج والرد العنيف، ليبدأ في العرض من جديد! ولا يبارح الخيال هذا المشهد العنيف المتجدد إلا أن يلتفت إلى الجانب الآخر، الذي يستطرد السياق إلى عرضه. فأصل الموضوع أن هناك خصمين اختصموا في ربهم. فأما الذين كفروا به فقد كنا نشهد مصيرهم المفجع منذ لحظة! وأما الذين آمنوا فهم هنالك في الجنات تجري من تحتها الأنهار. وملابسهم لم تقطع من النار، إنما فصلت من الحرير. ولهم فوقها حلى من الذهب واللؤلؤ. وقد هداهم الله إلى الطيب من القول، وهداهم إلى صراط الحميد. فلا مشقة حتى في القول أو في الطريق.. والهداية إلى الطيب من القول، والهداية إلى صراط الحميد نعمة تذكر في مشهد النعيم. نعمة الطمأنينة واليسر والتوفيق. وتلك عاقبة الخصام في الله. فهذا فريق وذلك فريق.. فليتدبر تلك العاقبة من لا تكفيه الآيات البينات، ومن يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير..

ابن عاشور

تفسير : نداء للناس كلهم من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين الذين يسمعون هذه الآية من الموجودين يومَ نزولها ومن يأتون بعدهم إلى يوم القيامة، ليتلقوا الأمر بتقوى الله وخشيته، أي خشية مخالفة ما يأمرهم به على لسان رسوله، فتقوى كل فريق بحسب حالهم من التلبس بما نهى الله عنه والتفريط فيما أمر به، ليستبدلوا ذلك بضده. وأول فريق من الناس دخولاً في خطاب {ياأيها الناس} هم المشركون من أهل مكة حتى قيل إن الخطاب بذلك خاص بهم. وهذا يشمل مشركي أهل المدينة قبل صفائها منهم. وفي التعبير عن الذات العلية بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى استحقاقه أن يُتَّقَى لعظمته بالخالقية، وإلى جدارة الناس بأن يتقوه لأنه بصفة تدبير الربوبية لا يأمر ولا ينهى إلا لمرعي مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم. وكلا الأمرين لا يفيده غير وصف الرب دون نحو الخالق والسيّد. وتعليق التقوى بذات الرب يقتضي بدلالة الاقتضاء معنى اتقاء مخالفته أو عقابه أو نحو ذلك لأن التقوى لا تتعلق بالذات بل بشأنٍ لها مناسبٍ للمقام. وأول تقواه هو تنزيهه عن النقائص، وفي مقدمة ذلك تنزيهه عن الشركاء باعتقاد وحدانيته في الإلهية. وجملة {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} في موضع العلة للأمر بالتقوى كما يفيده حرف التوكيد الواقع في مقام خطابٍ لا تردد للسامع فيه. والتعليل يقتضي أن لزلزلة الساعة أثراً في الأمر بالتقوى وهو أنه وقت لحصول الجزاء على التقوى وعلى العصيان وذلك على وجه الإجمال المفصل بما بعده في قوله: {أية : ولكن عذاب الله شديد}تفسير : [الحج: 2]. والزلزلة حقيقتها: تحرك عنيف في جهة من سطح الأرض من أثر ضغط مجاري الهواء الكائن في طبقات الأرض القريبة من ظاهر الأرض. وهي من الظواهر الأرضية المرعبة ينشأ عنها تساقط البناء وقد ينشأ عنها خسف الأشياء في باطن الأرض. والساعة: عَلَم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء الدنيا والخلوص إلى عالم الحشر الأخروي، قال تعالى: {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها} تفسير : [الزلزلة: 1] إلى قوله: {أية : يومئذ يَصْدرُ الناس أشتاتاً ليُرَوا أعمالهم}تفسير : [الزلزلة: 6]. وإضافة {زلزلة} إلى {الساعة} على معنى (في)، أي الزلزلة التي تحدث وقت حلول الساعة. فيجوز أن تكون الزلزلة في الدنيا أو في وقت الحشر. والظاهر حمل الزلزلة على الحقيقة، وهي حاصلة عند إشراف العالم الدنيوي على الفناء وفساد نظامه فإضافتها إلى الساعة إضافة حقيقية فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها}تفسير : [الزلزلة: 1] الآية. ويجوز أن تكون الزلزلة مجازاً عن الأهوال والمفزعات التي تحصل يوم القيامة فإن ذلك تستعار له الزلزلة، قال تعالى: {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}تفسير : [البقرة: 214] أي أصيبوا بالكوارث والأضرار لقوله قبله: {أية : مستهم البأساء والضراء}تفسير : [البقرة: 214]. وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأحزاب: «حديث : اللهم اهزمهم وزلزلهم».تفسير : والإتيان بلفظ {شيء} للتهويل بتوغله في التنكير، أي زلزلة الساعة لا يعرّف كنهها إلاّ بأنها شيء عظيم، وهذا من المواقع التي يحسن فيها موقع كلمة {شيء} وهي التي نبّه عليها الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة وقد ذكرناه عند قوله تعالى: {أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً } تفسير : في [سورة البقرة: 229]. والعظيم: الضخم، وهو هنا استعارة للقوي الشديد، والمقام يفيد أنه شديد في الشرّ.

الشنقيطي

تفسير : أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة: الناس بتقواه جل وعلا، بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد. وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، وذكره في مواضع كثيرة جداً من كتابه، كقوله في أول سورة النساء {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [النساء: 1] إلى قوله {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}تفسير : [النساء: 1] الآية والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وما بينه هنا من شدة أهوال الساعة، وعظم زلزلتها، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1-4] وقوله تعالى {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14] وقوله تعالى {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}تفسير : [النازعات: 6-9] وقوله تعالى {أية : ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}تفسير : [الأعراف: 187] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة. وقوله في هذه الآية الكريمة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والزلزلة: شدة التحريك والإزعاج، ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه: أي تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه، لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية. وقوله {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} منصوب بتذهل، والضمير عائد إلى الزلزلة. والرؤية: بصرية، لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل: إنها من رأى العلمية. وقوله {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} أي بسبب تلك الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: شعر : ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليلَ عن خليله تفسير : وقال قطرب: ذهل عن الأمر: اشتغل عنه. وقيل: ذهل عن الأمر: غفل عنه لطرو شاغل، من هم أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا. وقوله {كُلُّ مُرْضِعَةٍ} أي كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله: مرضعة، ولم يقل: مرضع: هو ما تقرر في علم العربية، من أن الأوصاف المختصة بالإناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من التاء، فإن قلت: هي مرضع تريد: أنها ذات رضاع، جردته من التاء كقول امرئ القيس: شعر : فمثلكِ حُبلى قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذي تمائِمَ مغيل تفسير : وإن قلت: هي مرضعة بمعنى، أنها تفعل الرضاع: أي تلقم الولد الثدي، قلت: هي مرضعة بالتاء ومنه قوله: شعر : كمرضعة أولاد أُخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد تفسير : كما أشار له بقوله: شعر : وما من الصفات بالأنثى يخص عن تاء استغنى لأن اللفظ نص وحيث معنى الفعل يعني التاء زد كذي غدت مرضعة طفلاً ولَد تفسير : وما زعمه بعض النحاة الكوفيين: من أن أم الصبي مرضعة بالتاء والمستأجرة للإرضاع: مرضع بلا هاء باطل، قاله أبو حيان في البحر. واستدل عليه بقوله: كمرضعة أولاد أخرى ـ البيت: فقد أثبت التاء لغير الأم، وقول الكوفيين أيضاً: إن الوصف المختص بالأنثى لا يحتاج فيه إلى التاء، لأن المراد منها الفرق بين الذكر والأنثى: والوصف المختص بالأنثى لا يحتاج إلى فرق لعدم مشاركة الذكر لها فيه مردود أيضاً، قاله أبو حيان في البحر أيضاً مستدلاً بقول العرب: مرضعة، وحائضة، وطالقة: والأظهر في ذلك هو ما قدمنا، من أنه إن أريد الفعل جيء بالتاء، وإن أريد النسبة جرد من التاء، ومن مجيء التاء للمعنى المذكور قول الأعشى: شعر : أجارتنا بينِي فإنك طالقه كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه تفسير : وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لم قيل: مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي. والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليلد على أن ذلك الهول، إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها: نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة. وقوله تعالى {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} الظاهر أن ما: موصولة، والعائد محذوف: أي أرضعته على حد قوله في الخلاصة: شعر : والحذف عندهم كثير منجلي في عائدٍ مُتَّصل إن انتصب بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يهب تفسير : وقال بعض العلماء: هي مصدرية: أي تذهل كل مرضعة عن إرضاعها. قال أبو حيان في البحر: ويقوي كونها موصولة تعدي وضع إلى المفعول به في قوله: حملها لا إلى المصدر. وقوله {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي كل صاحبة حمل تضع جنينها، من شدة الفزع، والهول، والحمل بالفتح: ما كان في بطن من جنين، أو على رأس شجرة من ثمر {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} جمع سكران: أي يشبههم من رآهم بالسكارى، من شدة الفزع {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} من الشراب {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} والخوف منه هو الذي صيَّر من رآهم يشبههم بالسكارى، لذهاب عقولهم، من شدة الخوف، كما يذهب عقل السكران من الشراب. وقرأ حمزة والكسائي {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} بفتح السين، وسكون الكاف في الحرفين على وزن فعلى بفتح فسكون. وقرأه الباقون {سُكَارَىٰ} بضم السين، وفتح الكاف بعدها ألف في الحرفين أيضاً، وكلاهما جمع سكران على التحقيق. وقيل: إن سكرى بفتح فسكون: جمع سكر بفتح فكسر بمعنى: السكران، كما يجمع الزمن على الزمنى، قاله أبو علي الفارسي، كما نقله عنه أبو حيان في البحر. وقيل: إن سكرى مفرد، وهو غير صواب. واستدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن المعدوم يسمى شيئاً، لأنه وصف زلزلة الساعة، بأنها شيء في حال عدمها قبل وجودها. قد بينا وجه رده في سورة مريم، فأغنى عن إعادته هنا. مسألة اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟ فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول: علقمة، والشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، وابن جريج. وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل، بل الثابت من النقل يؤيد خلافه. وهو القول الآخر. وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع، جاء بذلك، إلا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. قال ابن جرير الطبري في تفسيره مبيناً دليل من قال: إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما فرغ الله من خلق السمواتِ والأرضِ خلق الصُّور فأعطى إسرافيلَ فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى السماء ينظر متى يؤمر" قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّور؟ قال: "قرن"، قال: وكيف هو؟ قال: "قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق: والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين""تفسير : ، يأمر الله عزوجل إسرافيل بالنَّفخة الأولى: انفخ نفخة الفزع فتفزع أهل السموات والأرضِ إلا من شاء الله ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله {أية : وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} تفسير : [ص: 15] فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجّاً، وهي التي يقول الله {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} تفسير : [النازعات: 6-8] فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترججه الأرواح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله {أية : يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [غافر: 32-33] فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمراً عظيماً، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك" فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [النمل: 87] قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه"تفسير : ، وهو الذي يقول {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} إلى قوله {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1-2] انتهى منه. ولا يخفى ضعف الإسناد المذكور كما ترى. وابن جرير رحمه الله قبل أن يسوق الإسناد المذكور قال ما نصه: وقد روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقناه عنه آنفاً. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساق الحديث نحو ما ذكرناه بطوله، ثم قال: هذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولاً جداً. والغرض منه: أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم القيامة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك والله أعلم. انتهى منه. وقد علمت ضعف الإسناد المذكور. وأما حجة أهل القول الآخر القائلين: بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك. وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى. قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لبيك ربَّنا وسعديك، فَيُنادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه، قال تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرنا ". تفسير : وقال أبو أسامة، عن الأعمش: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: وقال جرير، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية {سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} انتهى من صحيح البخاري. وفيه تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى: هو يوم القيامة لا آخر الدنيا. وقال البخاري في صحيحه أيضاً في كتاب: الرقاق في باب: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}: حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال "حديث : يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال يقول: أخرج بعث النار قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى. ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل: قال: "ابشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنكم رجل، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار"" تفسير : انتهى منه. ودلالته على المقصود ظاهرة. وقال البخاري أيضاً في صحيحه في كتاب: بدء الخلق في أحاديث الأنبياء في باب قول الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ}تفسير : [الكهف: 83] إلى قوله: {أية : سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84] حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" تفسير : إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: في آخر كتاب الإيمان بكسر الهمزة في باب: بيان كون هذه الأمة: نصف أهل الجنة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد" تفسير : إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. فحديث أبي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان كما رأيت، فيه التصريح من النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم سكارى، بعد القيام من القبور كما ترى، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع. فإن قيل: هذا النص فيه إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت. فالجواب عن ذلك من وجهين: الأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملاً تبعث حاملاً، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. الوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً}تفسير : [المزمل: 17] ومثل ذلك من أسباب اللغة العربية المعروفة. تنبيه اعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يرد عليه سؤال، وهو أن يقال: إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور، فما معناها؟ والجواب: أن معناها: شدة الخوف، والهول، والفزع، لأن ذلك يسمى زلزالاً، بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأحزاب من الخوف {أية : إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} تفسير : [الأحزاب: 10-11] أي وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول بالعمل الصالح، في دار الدنيا، قبل تعذر الإمكان لما قدمنا مراراً من أن إن المشددة المكسورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص الظاهر: أي اتقوا الله، لأن أمامكم أهوالاً عظيمة، لا نجاة منها إلا بتقواه جل وعلا.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الناس} يا أهل مكَّة {اتقوا ربَّكم} أطيعوه {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} وهي زلزلةٌ يكون بعدها طلوع الشَّمس من مغربها. {يوم ترونها} يعني: الزَّلزلة {تذهل كلُّ مرضعة عمَّأ أرضعت} تترك كلُّ امرأةٍ تُرضع ولدها الرَّضيع اشتغالاً بنفسها وخوفاً {وتَضَعُ كلُّ ذات حملٍ حملها} تُسقط ولدها من هول ذلك اليوم {وترى الناس سكارى} من شدَّة الخوف {وما هم بسكارى} من الشَّراب {ولكنَّ عذاب الله شديد} فهم يخافونه. {ومن الناس مَن يجادل في الله بغير علم} نزلت في النَّضر بن الحارث وجماعةٍ من قريش كانوا يُنكرون البعث، ويقولون: القرآن أساطير القرآن أساطير الأولين، ويجادلون النبيَّ صلى الله عليه وسلم {ويتبع} في جداله ذلك {كلَّ شيطان مريد} متمرِّدٍ عاتٍ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يا أيها الناس: احذروا عقاب ربكم، وتذكروا دائماً يوم القيامة، لأن الاضطراب الذى يحدث فيه شديد مزعج ترتجف منه الخلائق. 2- يوم تشاهدون القيامة ترون هوْلاً يبلغ من شدته أنه لو كانت هناك مرضعة ثديها فى فم رضيعها لذهلت عنه وتركته. ولو كانت هناك امرأة ذات حمل أسقط جنينها فى غير أوانه فزعاً ورعباً، وتشاهد - أيها الناظر - حال الناس فى ذلك اليوم من نظراتهم الذاهلة، وخطواتهم المترنّحة فتظنهم سكارى وما بهم من سكر، ولكن الهول الذى شاهدوه، والخوف من عذاب الله الشديد هو الذى أفقدهم توازنهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اتقوا ربكم: أي عذاب ربكم وذلك بالإِيمان والتقوى. إن زلزلة الساعة: أي زلزلة الأرض عند مجيء الساعة. تذهل كل مرضعة: أي من شدة الهول والخوف تنسى رضيعها وتغفل عنه. وتضع كل ذات حمل حملها: أي تسقط الحوامل ما في بطونهن من الخوف والفزع. سكارى وما هم بسكارى: أي ذاهلون فاقدون رشدهم وصوابهم كالسكارى وما هم بسكارى. يجادل في الله بغير علم: أي يقول إن الملائكة بنات الله وإن الله لا يحيي الموتى. شيطان مريد: أي متجرد من كل خير لا خير فيه البتة. كتب عليه أنه من تولاه: فرض فيه أن من تولاه أي اتبعه يضله عن الحق. معنى الآيات: بعد ذلك البيان الإِلهي في سورة الأنبياء وما عرض تعالى من أدلة الهداية وما بين من سبل النجاة نادى تعالى بالخطاب العام الذي يشمل العرب والعجم والكافر والمؤمن إنذاراً وتحذيراً فقال في فاتحة هذه السورة سورة الحج المكية المدنية لوجود آي كثير فيها نزل في مكة وآخر نزل بالمدينة: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي خافوا عذابهُ، وذلك بطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه فآمنوا به وبرسوله وأطيعوهما في الأمر والنهي وبذلك تقوا أنفسكم من العذاب. وقوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} فكيف بالعذاب الذي يقع فيها لأهل الكفر والمعاصي، إن زلزلة لها تتم قبل قيامها تذهل فيها كل مرضعة عما أرضعت أي تنسى فيها الأم ولدها، {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} فتسقط من شدة الفزع لتلك الزلزلة المؤذنة بخراب الكون وفناء العوالم ويرى الناس فيها سكارى أي فاقدين لعقولهم وما هم بسكارى بشرب سكر {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} فخافوه لظهور أماراته ووجود بوادره. هذا ما دلت عليه الآيتان [1] و [2] وأما الآية الثالثة فينعى تعالى على النضر بن الحارث وأمثاله ممن يجادلون في الله بغير علم فينسبون لله الولد والبنت ويزعمون أنه ما أرسل محمداً رسولاً، وأنه لا يحيى الموتى بعد فناء الأجسام وتفتتها قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بجلال الله وكماله ولشرائعه وأحكامه وسننه في خلقه، {وَيَتَّبِعُ} أي في جداله وما يقوله من الكذب والباطل {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} أي متجرد من الحق والخير، {كُتِبَ عَلَيْهِ} أي على ذلك الشيطان في قضاء الله أن من تولاه بالطاعة والاتباع فإنه يضله عن الحق ويهديه بذلك إلى عذاب السعير في النار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوالهما وأهوالهما. 2- حرمة الجدال بالباطل لإِدحاض الحق وإبطاله. 3- حرمة الكلام في ذات الله وصفاته بغير علم من وحي إلهي أو كلام نبوي صحيح. 4- موالاة الشياطين واتباعهم يفضِي بالموالي المتابع لهم إلى جهنم وعذاب السعير.

القطان

تفسير : اتقوا ربكم: أطيعوه ولا تعصوه. الزلزلة: حركة الأرض الشديدة. تذهَل: تسلو وتترك الشيء من الدهش والخوف. المَريد: الطاغي، الشرير. النطفة: كمية قليلة من ماء الرجل. العلَقة: القطعة الصغيرة الجامدة من الدم. المضغة: القطعة الصغيرة من اللحم بقدر ما يمضغ. مخلَّقة: تامة الخلقة. غير مخلقة: غير تامة الخلقة. الى اجل مسمى: حين الوضع. لتبلغوا أشُدكم: تكمل قوتكم. أرذل العمر: آخره مع الكبر والخرف بحيث لا يعرض شيئا. هامدة: يابسة لا حياة فيها. اهتزت: تحرك نباتها. وربت: ازداد نباتها نموا. من كل زوج بهيج: من كل صنف حسنٍ يسر الناظرين. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}. تبدأ السورة بمطلع رهيب مخيف: يا أيها الناس، نداءٌ الى جميع الخلق، احذَروا عقاب ربكم، فأطيعوه ولا تعصوه.. إن زلزلة الساعة، وهي قيامُ بعد خراب هذا الكون - شيء مذهل. ففي ذلك اليوم يبلغ الأمر من الهول والدهشة، ان تذهَل المرضعةُ عن ولدها فتتركه وتحاول ان تنجوَ بنفسها، وتُسقط الحوامل ما في بطونها من الأجنة من الفزع. وترى الناسَ كأنهم سكارى مع أنهم ليسوا كذلك، لكن شدة الموقف وعظمة الساعة وما فيها من أهوالٍ جعلتهم بهذا الحال، {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً}تفسير : [المزمل:17]. ان الهول الذي يشاهدونه والخوفَ من عذاب الله الشديد هو الذي أفقدَهم توازنهم، وجعلهم في حيرة مذهلة. قراءات قرأ حمزة والكسائي: سكرى، والباقون: سكارى. وبعد ان أخبر الله تعالى ما في القيامة من أهوالِ وشدائد، ودعا الناس الى التقوى والعمل الصالح، بيّن أنه مع هذا التحذيرِ الشديد فإن كثيراً من الناس ينكرون هذا البعث، ويجادلون في امور الغيب بغير علم فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}. مع هذا التحذير الشديد، فإن بعض الناس يدفعه العناد الى الجدَل في الله وصفاته، لا يستند في جَدَله وإنكاره الى علمٍ صحيح او حجة صادقة، ولكنه يقلّد ويتّبع خطواتِ كل شيطان متمرد على ربه، شريرٍ دأبُهُ الفساد والضلال. ولقد قرر الله وقضى أن كل من اتبع ذلك الشيطانَ، وسلك سبيله - أضلّه الشيطان عن طريق الحق، ووجهه الى الباطل المفضي به الى عذاب جهنم. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}. يا أيها الناس إن كنتم في شكٍّ من بَعْثِكم من القبور بعد الموت يوم القيامة، فانظروا الى خلقكم. لقد خلقناكم من تراب. ثم جعلنا منه نطفةً صغيرة حولناها بعد مدة الى علَقة، أي قطعة صغيرة من الدم، ثم الى مُضْغة وهي قطعة صغيرة من اللحم، تارة تكون تامة الخلقة، وتارة غير مخلقة. وذلك لنبيّن لكم قدرتنا، وعظيم حكمتنا، والتدرج في التكوين. {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. ونبقي ما نشاء من الأجنّة في الأرحام الى الوقت الذي يكمل فيه الحَمْل وتتم فيه الولادة، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم اطفالا، ثم نرعاكم حتى تبلغوا تمام العقل والقوة. ومنكم بعدَ ذلك من يتوفاه الله، ومنكم من يَمُدّ له عمره حتى يبلغ درجة من الكبر يعود فيها الى الخَرَف وعدم معرفة اي شيء، وذلك هو أرذلُ العمر نعوذ بالله منه.. فاللهُ الذي بدأ خلقكم بهذه الصورة لا يُعجزه إعادتكم. ثم ذكر الاستدلال على امكان البعث بحال خلْق النبات ايضا فقال: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} وأمرٌ آخر يدلنا على قدرة الله على البعث، أننا نرى الأرضَ بينما تكون هامدة يابسة قاحلة، فإذا نزل عليها الماء دبّت فيها الحياة وتحرّكت ونمت وازدهر نباتها، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظرُه، وتبتهج النفس لمرآه. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ذلك الذي تقدَّم من القدرة على خلْق الانسان وإنبات الزرع - شاهدٌ على ان الله هو الإله الحق، وأنه يحيي الموتى عند بعثهم كما بَدَأهم، فهو القادر على كل شيء. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}. وأنكم إذا تأملتم في خلْق الانسان والحيوان والنبات وهذا الكون العجيب - أمكنكم ان تؤمنوا بقدرة الله على كل شيء، وان الساعة آتيةٌ لا شك فيها، وان الله يبعث من في القبور بعد موتهم، للحساب والجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} (1) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِتَقْوَاهُ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَهْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ أُمُورٍ عِظَامٍ، وَزَلْزَلَةٍ يَشِيبُ لِهَولِها الوِلْدَانُ. وَقَدِ اخْتَلفَ المُفَسِّرُون: هَلْ تَكُونُ زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قَبْلَ قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَوْ تَكُونُ بَعْدَ قِيَامِهِمْ وَنُشَورِهِمْ: 1 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ زَلْزَلَة السَّاعَةِ تَكُونُ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنيا، وَأَوَّلِ أَحْوالِ السَّاعَةِ. وَفِي حَدِيثٍ رواه ابنُ جرير عن أبي هُرَيْرة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : حديث : يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ في الصُّورِ ثلاثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةَ الفَزَعِ - فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ، فَتَسِيرُ الجِبَالُ فَتَكُونُ تُراباً، وَتُرجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِها رَجّاً، وَهِيَ التِي يَقُولُ فِيها اللهُ سُبْحَانَه {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} فَيَتَمَدَّدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، وَتَذْهَلُ المَراضِعُ عَنْ رُضَعَائِها، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ حَمْلَها، وَيشِيبُ الولدَانُ، وَيُولّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذلِكَ انْصَدَعَتِ الأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَرَأَوْا أَمْراً عَظِيماً، فَأَخَذَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الكَرْبُ، ثُمَّ نَظَرُوا إِِلَى السَّماء فإِذا هيَ كَالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ، وَالأَمواتُ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ. ب - نَفْخَةَ الصَّعْق - وَبِها يُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. ج - نَفْخَةَ القِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ - وَبِها يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ وَيَقُومُونَ لِرَبِّ العِبادِتفسير : . 2 - وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ بَلْ ذلِكَ هَوْلٌ وَفَزَعٌ وزِلْزَالٌ كائِنٌ يَومَ القِيَامَةِ فِي العَرصَاتِ بَعْدَ قِيَامِ الأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ. وَسَاقُوا عَلى ذلِكَ بَعْضَ الأَحَادِيثِ. الزِّلْزَالُ - الهَزَّةُ الشَّدِيدَةُ التيِ تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ. وَزَلْزَلَةَ السَّاعةِ - أَهْوَالَ القِيَامَةِ وَشَدَائِدَهَا وَمَا يَحْدُثُ لِلنُّفُوسِ مِنَ الرُّعْبِ وَالفَزَعِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزلزلة والزلزال: شدّة الحركة على الحال الهائلة، من قوله: زلّت قدمه إذا زالت عن الجهة بسرعة، ثم ضوعف. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} يعني الساعة {تَذْهَلُ} أي تشغل، عن ابن عباس، وقال الضحّاك تسلو، ابن حيان: تنسى، يقال: ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره أذهل ذهولاً، وأذهلني الشيء إذهالاً. قال الشاعر: شعر : صحا قلبه ياعزُّ أو كاد يذهل تفسير : {كُلُّ مُرْضِعَةٍ} يعني ذات ولد رضيع، والمرضع المرأة التي لها صبي ترضعه لغيرها، هذا قول أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: يقال: امرأة مرضع إذا أُريد به الصفة مثل مقرب ومشرق وحامل وحائض، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء فقيل: مرضعة، التي ترضع وَلَدَها. {وتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ}. قال الحسن: معناه: وترى الناس سكارى من الخوف، ما هم بسكارى من الشراب. وقال أهل المعاني: مجازه: وترى الناس كأنّهم سكارى، تدل عليه قراءة أبي زرعة بن عمرو بن جرير: وتُرى الناس بضم التاء أي تظن. وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً: سكرى وما هم سكرى بغير ألف فيهما، وهما لغتان لجمع السكران مثل كسلى وكسالى {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}. روى عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وغيرهما: إنَّ هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق وهم حيّ من خزاعة والناس يسيرون، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطيّ حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهما عليهم فلم يُر أكثر باكياً من تلك الليلة، فلمّا أصبحوا لم يحطّوا السُرُج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدراً والناس من بين باك أو حاسر حزين متفكّر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "أبشروا وسدّدوا وقاربوا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلاّ كثّرتاه يأجوج ومأجوج". ثمَّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبّروا وحمدوا الله، ثمَّ قال: "إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبّروا وحمدوا الله، ثمَّ قال: اني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبّروا وحمدوا الله، ثمَّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنّة وإنّ أهل الجنة، مائة وعشرون صفاً، ثمانون منها أُمّتي وما المسلمون في الكفّار إلاّ كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثمَّ قال: ويدخل من أُمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب، فقال عمر: سبعون ألفاً؟ فقال: نعم ومع كلّ واحد سبعون ألفاّ، فقام عكاشة بن محصن فقال: يارسول الله ادع الله اٌن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة" .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخطاب هنا عام للناس جميعاً، وعادةً ما يأتي الخطاب الذي يطلب الإيمان عاماً لكل الناس، إنما ساعة يطلب تنفيذ حكم شرعي يقول: يا أيها الذين آمنوا. لذلك يقول هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ..} [الحج: 1] يريد أنْ يلفتهم إلى قوة الإيمان. وكلمة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ..} [الحج: 1] التقوى: أنْ تجعل بينك وبين ما أحدِّثك عنه وقايةً، أي: شيئاً يقيك العذاب الذي لا طاقةَ لك به. ونلحظ أن الله تعالى يقول مرة: أية : وٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 194] ومرة يقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24] نعم، لأن المعنى ينتهي إلى شيء واحد. معنى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [البقرة: 24] أي: اجعل بينك وبينها وقاية تحميك منها، ويكون هذا بفِعْل الأمر وتَرْك النهي. وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 194] لأن لله تعالى صفات جمال، وصفات جلال، صفات الجمال كالرحمن، والرحيم، والباسط، والستار، وصفات الجلال كالقهار والجبار وغيرها مما نخاف منه. فاجعل بينك وبين صفات الجلال وقايةً، فليستْ بك طاقة لقاهريته، وبطشه سبحانه، والنار من جنود الله، ومن مظاهر قَهْره. فكما نقول: اتقِّ الله نقول: اتقِّ النار. واختار في هذا الأمر صفة الربوبية، فقال: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ..} [الحج: 1] ولم يقُلْ: اتقوا الله؛ لأن الرب هو المتولِّي للرعاية وللتربية، فالذي يُحذّرك هو الذي يُحبك ويُعطيك، وهو الذي خلقك وربَّاك ورعاك. فالربوبية عطاء: إيجاد من عَدم وإمداد من عُدم، فأولْى بك أن تتقيه، لأنه قدَّم لك الجميل. أما صفة الألوهية فتعني التكاليف والعبادة بافْعل ولا تفعل، الله معبود ومُطَاع فيما أمر وفيما نَهَى. ثم يقول تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] الزلزلة: هي الحركة العنيفة الشديدة التي تُخرِج الأشياء عن ثباتها، كما لو أردتَ أنْ تخلعَ وتداً من الأرض، فعليك أولاً أنْ تهزْه وتخلخله من مكانه، حتى تجعل له مجالاً في الأرض يخرج منه، إنما لو حاولت جذْبه بدايةً فسوف تجد مجهوداً ومشقة في خَلْعه، وكذلك يفعل الطبيب في خلع الضِّرس. فمعنى الزلزلة: الحركة الشديدة التي تزيل الأشياء عن أماكنها، والحق سبحانه وتعالى تكلم عن هذه الحركة كثيراً فقال: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 4-6]. ويقول: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1-5]. فالزلزال هنا ليس زلزالاً كالذي نراه من هزّات أرضية تهدم بعض البيوت، أو حتى تبتلع بعض القرى، فهذه مجرد آيات كونية تثبت صدْق البلاغ عن الله، وتنبهك إلى الزلزال الكبير في الآخرة، إنه صورة مصغرة لما سيحدث في الآخرة، حتى لا نغتر بسيادتنا في الدنيا فإن السيادة هبة لنا من الله. وعندما حدث زلزال "أغادير" لاحظوا أن الحيوانات ثارتْ وهاجتْ قبل الزلزال بدقائق، ومنها ما خرج إلى الخلاء، فأيُّ إعلام هذا؟ وأيُّ استشعار لديها وهي بهائم في نظرنا لا تفهم ولا تعي؟ إن في ذلك إشارة للإنسان الذي يعتبر نفسه سيد هذا الكون: تنّبه، فلولا أن الله سَيَّدَك لوكزتْكَ هذه البهائم فقضت عليك. نقول: ليس هذا زلزالاً عاماً، إنما هو زلزال مخصوص منسوب إلى الأرض بوحي من الله، وبأمر منه سبحانه أن تتزلزل. لذلك وُصِف هذا الزلزال بأنه شيء عظيم: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] فحين تقول أنت أيها الإنسان: هذا شيء عظيم فهو عظيم بمقياسك أنت، أما العظيم هنا فعظيم بمقاييس الحق سبحانه، فلكَ أن تتصوَّر فظاعة زلزال وصفه الله سبحانه بأنه عظيم. لقد افتُتحَتْ هذه السورة بزلزلة القيامة؛ لأن الحق سبحانه سبق أنْ قال: {أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [الأنبياء: 97] فلا بُدَّ أنْ يعطينا هنا صورة لهذا الوعد، ونُبْذة عما سيحدث فيه، وصورة مُصغَّرة تدل على قدرته تعالى على زلزال الآخرة، وأن الأرض ليس لها قوام بذاتها، إنما قوامها بأمر الله وقدرته، فإذا أراد لها أنْ تزول زالتْ. وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2]. فَمَا نراه من البراكين ومن الثروات في باطن الأرض وعجائب يقع تحت هذه الآية؛ لذلك قال تعالى: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6]. ما دام الحق سبحانه يمتنُّ بملكية ما تحت الثَّرى فلا بُدَّ أن تحت الثرى ثروات وأشياءَ نفيسة، ونحن الآن نُخرِج معظم الثروات من باطن الأرض، ومعظم الأمم الغنية تعتمد على الثروات المدفونة من بترول ومعادن ومناجم وذهب .. إلخ. وسبق أن ذكرنا أن الحق - سبحانه وتعالى - بعثَر الخيرات في كونه، وجعل لكل منها وقته المناسب، فالرزق له ميلاد يظهر فيه: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {زَلْزَلَةَ} الزلزلة: شدة الحركة وأصل الكلمة من زلَّ عن الموضع أي زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه أي حركها، وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء {تَذْهَلُ} ذهل عن الشيء اشتغل عنه بشاغل من هم أو وجع أو غيره {مُّضْغَةٍ} المضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يُمضغ {مُّخَلَّقَةٍ} تامة الخِلْقة {بَهِيجٍ} حسن سار للناظر {عِطْفِهِ} العطف: الجانب ومنه قولهم : فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه ويسمى الرداء العِطاف والمعطف لأنه يوضع على الجانبين {ٱلْعَشِيرُ} الصاحب والخليل. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} خطاب لجميع البشر أي خافوا عذاب الله وأطيعوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وجماع القول في التقوى هو: طاعةُ الله واجتناب محارمه ولهذا قال بعض العلماء: التقوى أن لا يراك حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تعليلٌ للأمر بالتقوى أي إن الزلزال الذي يكون بين يدي الساعة أمر عظيم وخطب جسيم لا يكاد يتصور لهوله {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} أي في ذلك اليوم العصيب الذي تشاهدون فيه تلك الزلزلة وترون هول مطلعها {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي تغفل وتذهل - مع الدهشة وشدة الفزع - كل أنثى مرضعة عن رضيعها، إذ تنزع ثديها من فم طفلها وتنشغل - لهول ما ترى - عن أحب الناس إليها وهو طفلها الرضيع {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} أي تراهم كأنهم سكارى يترنحون ترنح السكران من هول ما يدركهم من الخوف والفزع {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} أي وما هم على الحقيقة بسكارى من الخمر {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} استدراك لما دهاهم أي ليسوا بسكارى ولكن أهوال الساعة وشدائدها أطارت عقولهم وسلبت أفكارهم فهم من خوف عذاب الله مشفقون {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي وبعضٌ من الناس من يخاصم وينازع في قدرة الله وصفاته بغير دليل ولا برهان ويقول ما لا خير فيه من الأباطيل قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلاً يقول الملائكة بناتُ الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت قال أبو السعود: والآية عامة له ولأضرابه من العُتاة المتمردين {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} أي يطيع ويقتدي بكل عاتٍ متمرد كرؤساء الكفر الصادّين عن الحق {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} أي حكم الله وقضى أنه من تولى الشيطان واتخذه ولياً {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي فأن الشيطان يغويه ويسوقه إلى عذاب جهنم المستعرة، وعبر بلفظ {وَيَهْدِيهِ} على سبيل التهكم، ولما ذكر تعالى المجادلين في قدرة الله، المنكرين للبعث والنشور ذكر دليلين واضحين على إمكان البعث أحدهما في الإِنسان، والثاني في النبات فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي إن شككتم في قدرتنا على إحيائكم بعد موتكم فانظروا في أصل خلقكم ليزول ريبكم فقد خلقنا أصلكم "آدم" من التراب، ومن قدر على خلقكم أول مرة قادر على أن يعيدكم ثاني مرة، والذي قدر على إخراج النبات من الأرض، بعد موتها قادر على أن يخرجكم من قبوركم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثم جعلنا نسله من المني الذي ينطف من صلب الرجل قال القرطبي: والنطف: القطر سمي نطفة لقلته {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} وهو الدم الجامد الذي يشبه العلقة التي تظهر حول الأحواض والمياه {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} أي من قطعة من لحم مقدار ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} أي مستبينة الخلق مصورة وغير مصورة قال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} أي خلقناكم على هذا النموذج البديع لنبين لكم أسرار قدرتنا وحكمتنا قال الزمخشري: أي لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانياً، ولا تناسب بين التراب والماء، وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً، قادر على إعادة ما بدأه، بل هذا أدخل في القدرة وأهون في القياس {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} أي ونثبت من الحمل في أرحام الأمهات من أردنا أن نُقرَّه فيها حتى يتكامل خلقه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى زمن معين هو وقت الوضع {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي ثم نخرج هذا الجنين طفلاً ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ثم نعطيه القوة شيئاً فشيئاً {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} أي كمال قوتكم وعقلكم {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي ومنكم من يموت في ريعان شبابه {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي ومنكم من يعمر حتى يصل إلأى الشيخوخة والهرم وضعف القوة والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أي ليعود إلى ما كان عليه في أوان الطفولة من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر ما عرفه ويعجز عما قدر عليه كما قال تعالى {أية : وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} تفسير : [يس: 68] {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} هذه هي الحجة الثانية على إمكان البعث أي وترى أيها المخاطب أو أيها المجادل الأرض يابسةً ميتة لا نبات فيها {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي فإذا أنزلنا عليها المطر تحركت بالنبات وانتفخت وزادت وحييت بعد موتها {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي وأخرجت من كل صنفٍ عجيب ما يسر الناظر ببهائه ورونقه {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي ذلك المذكور من خلق الإِنسان والنبات لتعلموا أن الله هو الخالق المدبر وأن ما في الكون من آثار قدرته وشاهد بأن الله هو الحق {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} أي وبأنه القادر على إحياء الموتى كما أحيا الأرض الميتة بالنبات {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وبأنه قادر على ما أراد {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي وليعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها ولا مرية {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} أي يحيي الأموات ويعيدهم بعدما صاروا رمماً، ويبعثهم أحياء إلى موقف الحساب {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي يجادل في شأنه تعالى من غير تمسك بعلمٍ صحيح يهدي إلى المعرفة ولا كتابٍ نير بيّن الحجة بل بمجرد الرأي والهوى قال ابن عطية: كرر هذه على وجه التوبيخ فكأنه يقول: هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل في الله بغير دليل ولا برهان {ثَانِيَ عِطْفِهِ} أي معرضاً عن الحق لاوياً عنقه كفراً قال ابن عباس: مستكبراً عن الحق إذا دُعي إليه قال الزمخشري: وثنيُ العطف عبارة عن الكِبر والخيلاء فهو كتصعير الخد {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ليصُدَّ الناس عن دين الله وشرعه {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي له هوان وذل في الحياة الدنيا {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي ونذيقه في الآخرة النار المحرقة {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي ذلك الخزي والعذاب بسبب ما اقترفته من الكفر والضلال {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} أي وأن الله عادل لا يظلم أحداً من خلقه {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} أي ومن الناس من يعبد الله على جانب وطرفٍ من الدين، وهذا تمثيلُ للمذبذبين الذين لا يعبدون الله عن ثقة ويقين بل عن قلق واضطراب كالذي يكون على طرف من الجيش فإن أحسَّ بظفر أو غنيمة استقر وإلا فرَ قال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه وقال ابن عباس: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ} أي فإن ناله خير في حياته من صحةٍ ورخاء أقام على دينه {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي وإن ناله شيء يفتتن به من مكروه وبلاء ارتد فرجع إلى ما كان عليه من الكفر {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} أي أضاع دنياه وآخرته فشقي الشقاوة الأبدية {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي ذلك هو الخسران الواضح الذي لا خسران مثله {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} أي يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي ذلك هو نهاية الضلال الذي لا ضلال بعده، شبه حالهم بحال من أبعد في التيه ضالاً عن الطريق {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} أي يعبد وثناً أو صنماً ضره في الدنيا بالخزي والذل أسرع من نفعه الذي يتوقعه بعبادته وهو الشفاعة له يوم القيامة، وقيل: الآية على الفرض والتقدير: أي لو سلمنا نفعه أو ضره لكان ضره أكثر من نفعه، والآية سيقت تسفيهاً وتجهيلاً لمن يعتقد أنه ينتفع بعبادة غير الله حين يستشفع بها {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} أي بئس الناصر وبئس القريب والصاحب {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين المذبذبين ذكر حال المؤمنين في الآخرة والمعنى إن الله يدخل المؤمنين الصادقين جنات تجري من تحت قصورها وغرفها أنهار اللبن والخمر والعسل وهم في روضات الجنات يحبرون {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء لا معقب لحكمه، فللمؤمنين الجنة بفضله، وللكافرين النار بعدله {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي من كان يظن أن لن ينصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي فليمدد بحبل إلى السقف ثم ليقطع عنقه وليختنق به {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} أي فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ؟ قال ابن كثير: وهذا القول قول ابن عباس وهو أظهر في المعنى وأبلغ في التهكم فإن المعنى: من كان يظنُّ أنَّ الله ليس بناصر محمداً وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي ومثل ذلك الإِنزال البديع المنطوي على الحكم البالغة أنزلنا القرآن الكريم كله آيات واضحات الدلالة على معانيها الرائقة {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} أي وأن الله هو الهادي لا هادي سواه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا الله ورسوله وهم أتباع محمد عليه السلام {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي اليهود وهم المنتسبون إلى موسى عليه السلام {وَٱلصَّابِئِينَ} هم قوم يعبدون النجوم {وَٱلنَّصَارَىٰ} هم المنتسبون إلى ملة عيسى عليه السلام {وَٱلْمَجُوسَ} هم عبدة النيران {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} هم العرب عبدة الأوثان {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} أي يقضي بين المؤمنين وبين الفرق الخمسة الضالة فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي شاهد على أعمال خلقه عالم بكل ما يعملون {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، الملائكة في أقطار السماوات، والإِنس والجن وسائر المخلوقات في العالم الأرضي {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ} أي وهذه الأجرام العظمى مع سائر الجبال والأشجار والحيوانات تسجد لعظمته سجود انقياد وخضوع، قال ابن كثير: وخص الشمس والقمر والنجوم بالذكر لأنها قد عبدت من دون الله، فبيّن أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة. والغرض من الآية: بيان عظمته تعالى وانفراده بألوهيته وربوبيته بانقياد هذه العوالم العظمى له وجريها على وفق أمره وتدبيره {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} أي وكثير من الناس وجب له العذاب بكفره واستعصائه {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} أي من أهانه الله بالشقاء والكفر فلا يقدر أحد على دفع الهوان عنه {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} أي يعذب ويرحم، ويعز ويذل، ويُغني ويُفقِر، ولا اعتراض لأحد عليه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التشبيه البليغ المؤكد {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} أي كالسكارى من شدة الهول، حذفت أداة التشبيه والشبه. 2- الاستعارة {شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} استعار لفظ الشيطان لكل طاغية متمرد على أمر الله 3- الطباق بين {يُضِلُّهُ.. وَيَهْدِيهِ}. 4- أسلوب التهكم {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}. 5- طباق السلب {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}. 6- الاستعارة اللطيفة {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} شبه الأرض بنائم لا حركة له ثم يتحرك وينتعش وتدب فيه الحياة بنزول المطر عليه ففيها استعارة تبعية. 7- الكناية {ثَانِيَ عِطْفِهِ} كناية عن التكبر والخيلاء. 8- المجاز المرسل {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} علاقته السببية لأن اليد هي التي تفعل الخير أو الشر. 9- الاستعارة التمثيلية {مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} مثل للمنافقين وما هم فيه من قلق واضطراب في دينهم بمن يقف على شفا الهاوية يريد العبادة والصلاة، ويا له من تمثيل رائع! 10- المقابلة البديعة بين {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ.. وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ }. 11- الطباق بين {يَضُرُّهُ.. ويَنفَعُهُ} وبين {يُهِنِ.. فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}. 12- السجع اللطيف بين كثير من الآيات. فَائِدَة: المُرضع التي شأنها أن ترضع، والمرضعة هي التي في حال الإِرضاع ملقمة ثديها لطفلها ولهذا قال {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} ولم يقل: مرضع ليكون ذلك أعظم في الذهول إذ تنزع ثديها من فم الصبي - أحب الناس إليها - وذلك غاية في شدة الهول والفزع. تنبيه: روى ابن أبي حاتم أنه قيل لعلي: "إن هٰهنا رجلاً يتكلم في المشيئة فاستدعاه فقال له، يا عبد الله: خلقك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال بل كما شاء، قال فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت، قل: بل إِذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إِذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي بين عينيك بالسيف".

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} الآية هذه السورة مكية إلا هذان خصمان إلى تمام ثلاث آيات قاله ابن عباس: * ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر حال الأشقياء والسعداء وذكر الفزع الأكبر وهو ما يهول يوم القيامة وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم فنزلت هذه السورة تحذيراً لهم وتخويفاً لما انطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة وشدة هولها وذكر ما أعد لمنكريها وتنبيههم على البعث بتطويرهم في خلقهم وبهمود الأرض واهتزازها بعد بالنبات والظاهر أن قوله: يا أيها الناس عام ونبه تعالى على سبب اتقائه وهو ما يؤول إليه من أهوال الساعة وهو على حذف مضاف أي اتقوا عذاب ربكم والزلزلة الحركة المزعجة وهي عند النفخة الأولى وأضيفت إلى الساعة لأنها من أشراطها والمصدر مضاف إلى الفاعل والمحذوف المفعول وهو الأرض ويدل عليه قوله: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1]، وشىء هنا يدل على إطلاقه على المعدوم لأن الزلزلة لم تقع بعد وذكر تعالى أهول الصفات في قوله يوم ترونها الآية، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم ليكون ذلك حاملاً على تقواه تعالى إذ لا نجاة من تلك الشدائد إلا بالتقوى وروي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق وقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدراً وكانوا بين حزين وباك ومفكر رضوان الله عليهم والناصب ليوم تذهل والظاهر أن الضمير المنصوب في ترونها عائد على الزلزلة لأنها المحدث عنها ويدل على ذلك وجود هول المرضعة ووضع الحمل هذا إذا أريد الحقيقة وهي الأصل ويكون ذلك في الدنيا وقيل الضمير يعود على الساعة فيكون الذهول والوضع عبارة عن شدة الهول في ذلك اليوم ولا ذهول ولا وضع هناك كقولهم: يوم يشيب فيه الوليد وبجاء بلفظ مرضعة دون مرضع لأنه أريد به الفعل لا النسب بمعنى ذات رضاع وقال الشاعر: شعر : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد تفسير : والظاهر أن ما في قوله عما أرضعت بمعنى الذي والعائد محذوف أي أرضعته ويقويه تعدى وتضع إلى المفعول به في قوله حملها لا إلى المصدر. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} قرىء: سكارى وهو جمع سكران كعجلان وعجالى وقرىء: سكرى والصحيح أنه جمع حكى سيبويه رجل سكر فيجمع على سكرى كزمن وزمنى أثبت أنهم سكارى على طريق التشبيه ثم نفى عنهم الحقيقة وهي السكر من الخمر وذلك لما هم فيه من الحيرة وتخليط العقل وجاء هذا الاستدراك بالاخبار عن عذاب الله أنه شديد لما تقدم ما هو بالنسبة إلى العذاب كالحالة الهينة اللينة وهو الذهول والوضع ورؤية الناس أشباه السكارى فكأنه قيل هذه أحوال هينة. {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} ليس بهين ولا لين لأن لكن لا بد أن تقع بين متنافيين بوجه ما. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ} الآية، أي في قدرته وصفاته قيل نزلت في أبي جهل وقيل في النضر وكان جدلاً بقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا يقدر الله على إحياء من بلي وصار تراباً والآية عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى علم ولا برهان ولا لصفة والظاهر أن قوله: {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} هو من الجن كقوله: وان يدعون إلا شيطاناً مريداً والظاهر أن الضمير في عليه عائد على من لأنه المحدث عنه وفي أنه وتولاه وفي فإِنه عائد عليه أيضاً والفاعل من تولى ضمير من وكذلك الهاء في يضله قال الزمخشري: في أنه من تولاه فإِنه يضله ويهديه من فتح ولأن الأول فاعل كتب يعني به مفعولاً لم يسم فاعله قال: والثاني عطف عليه "انتهى" هذا لا يجوز لأنك إذا جعلت فإِنه عطفاً على أنه بقيت أنه بلا استيفاء خبر لأن من تولاه من فيه مبتدأة وان قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل خبراً لأنه وان جعلتها شرطية فلا جواب لها إذ جعلت فإِنه عطفاً على وأنه ومثل قول الزمخشري: قال ابن عطية: وانه في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله وانه الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها وهذا خطأ لما بيناه الظاهر أن ذلك من إسناد كتب إلى الجملة إسناداً لفظياً أي كتب عليه هذا الكلام كما تقول كتب ان الله يأمر بالعدل * قال الزمخشري: أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول "انتهى" أما الأول وهو على تقدير قيل يعني فيكون عليه في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لكتب والجملة من أنه من تولاه في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لقيل مقدرة وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة فلا يكون ذلك مفعولاً لم يسم فاعله وأما الثاني فلا يجوز أيضاً على مذهب البصريين لأنه لا تكسر أن بعدما هو بمعنى القول صريحة فاعرفه * ولما ذكر تعالى من يجادل في قدرة الله بغير علم وكان جدالهم في الحشر والمعاد ذكر دليلين واضحين على ذلك أحدهما في نفس الانسان وابتداء خلقه وتطوره في مراتب سبع وهي التراب والنطفة والعلقة والمضغة والاخراج طفلاً وبلوغ الأشد والتوفي ورذالة العمر والثاني في الأرض التي يشاهدون تنقلها من حال إلى حال فإِذا اعتبر العاقل بذلك ثبت عنده وعلم أنه واقع لا محالة * العلقة قطعة من الدم الجامد والمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ * والمخلقة المسواة الملساء لا نقص ولا عيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه من قولهم صخرة خلقاء أي ملساء. {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} بهذا التدريج قدرتنا وأن من قدر على البشر أولاً من تراب ثم من نطفة ثانياً ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر ثم يجعل العلقة مضغة قدر على إعادة ما أبداه بل هذا أدخل في القدرة. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو وقت الوضع وما لم يشأ إقراره مجته الأرحام وأسقطته ومعنى يخرجكم يخرج كل واحد منكم كقولك: الرجال يشبعهم رغيف أي يشبع كل واحد منهم رغيف واللام في: {لِتَبْلُغُوۤاْ} يتعلق بمحذوف تقديره يستمر عمركم لتبلغوا والأشد تقدم الكلام عليه في يوسف. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي يستوفي أجله أي بعد الأشد وقبل الهرم وهو أرذل العمر والخرف لكيلا يتعلق بيرد وكي ناصبة بنفسها أي ليصير نساء بحيث إذا اكتسب علماً في شىء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} هذا هو الدليل الثاني الذي تضمنته والدليل الأول الآية ولما كان الدليل الأول بعض مراتب الخلقة فيه غير مرئي قال: إن كنتم في ريب من البعث فإِنا خلقناكم فلم يحل في جميع رتبه على الرؤية ولما كان هذا الدليل الثاني مشاهداً للابصار أحال على الرؤية فقال: وترى الأرض أي أيها السامع أو المجادل هامدة أي يابسة لا نداوة فيها ولا رطوبة في شىء منها ولظهوره تكرر هذا الدليل في القرآن * والماء ماء المطر والأنهار والعيون والسواقي واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج هذا النبات. {وَرَبَتْ} أي زدات وانتفخت. {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي صنف. {بَهِيجٍ} أي رائق للعين حسن المنظر. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطورهم في تلك المراتب من احياء الأرض حاصل بهذا وهو حقيقته تعالى فهو الثابت الموجود القادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وقد وعدنا بالبعث وهو قادر عليه فلا بد من كناية * وقوله ان الساعة إلى آخره توكيد لقوله تعالى: وأنه يحيي الموتى والظاهر أن قوله: وان الساعة آتية ليس داخلاً في سبب ما تقدم ذكره وليس معطوفاً على أنه التي تليه فيكون على تقدير والأمر أن الساعة وذلك مبتدأ وبأن الخبر. {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية، الظاهر أن المجادل في هذه الآية غير المجادل في الآية التي قبلها فعن محمد بن كعب أنها نزلت في الأخنس بن شريق وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي جهل * قال ابن عطية: وكرر هذه على جهة التوبيخ فكأنه يقول هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل فكان الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف عطفت جملة الكلام على ما قبلها والآية على معنى الاخبار وهي هنا مكررة للتوبيخ "انتهى". لا يتخيل أن الواو في ومن الناس من يجادل واو حال على تقدير الجملة التي قدرها قبله لو كان مصرحاً بها لم تتقدر بإِذ فلا تكون للحال وإنما هي للعطف * قسم المخذولين إلى مجادل في الله بغير علم متبع لكل شيطان مريد ومجادل أيضاً بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وعابد ربه على حرف والمراد بالعلم العلم الضروري وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي أي يجادل بغير واحد من هذه الثلاثة وانتصب ثاني عطفه على الحال من الضمير المستكن في يجادل قال ابن عباس: متكبراً وقال مجاهد: لاوياً عنقه وليضل متعلق بيجادل والخزي في الدنيا ما لحقه يوم بدر من الأسر والقتل والهزيمة وقد أسر النضل وقيل يوم بدر بالصفراء * والحريق قيل طبقة من طباق جهنم وقد يكون من إضافة الموصوف إلى صفته أي العذاب الحريق أي المحرق ذلك إشارة إلى الخزي والإِذاقة. {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي باجترامك وبعدل الله فيك. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ} تقدم الكلام عليه. {مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} نزلت في إعراب من أسلم وغطفان تباطؤا عن الإِسلام وقالوا أنخاف أن لا ينصر محمد فينقطع ما بيننا وبين حلفائنا من يهود فلا يقرونا ولا يؤوونا وقال ابن عطية: على حرف أي انحراف منه على العقيدة البيضاء. {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ} نفي هنا الضرر والنفع وأثبتهما في قوله: لمن أضره أقرب من نفعه، وذلك لاختلاف المتعلق وذلك أن قوله ما لا ينفعه هو الأصنام والأوثان ولذلك أتى التعبير عنها بما التي لا تكون لآحاد من يعقل وفي الثاني بمن التي هي لمن يعقل وعلى هذا فتكون الجملتان من إخبار الله عمن يدعو إلهاً غير الله وذكروا في إعراب يدعو وجوهاً ذكرت في البحر والذي نختاره أن مفعول يدعو محذوف تقديره يدعو الأصنام ممن يعقل ثم أخبر عن هذا المدعو بقوله: لمن ضره فاللام لام الابتداء ومن موصولة مبتدأ وضره أقرب من نفعه مبتدأ وخبر صلة لمن ومن خبره والجملة الدالة على الذم وهي قوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} تقديره هو فهو هذا وعائد على من الموصولة المبتدأ والمولى الناصر والعشير المخالط والظاهر أن الضمير في ينصره عائد على من لأنه المذكور وحق الضمير أن يعود على المذكور وثم محذوف تقديره إذا كان طالباً للنصر محتاجاً إليه. {فَلْيَمْدُدْ} بحبل. {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} المظلة. {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ذلك الحبل وهذا كله كناية عن التحيل في طلب النصر وهو لا يقع إلا ان أراده الله. {هَلْ يُذْهِبَنَّ} جملة استفهام في موضع نصب وفلينظر معلق عنها ومعنى قوله: كيده أي ما يتحيل وهو فاعل يذهبن وما في قوله: ما يغيظ مفعول والمعنى أن غيظه لا يزول بإِظهار كيده. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ} أي مثل ذلك الإِنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات أي لا تفاوت في إنزال بعضه ولا إنزال كله والهاء في أنزلناه للقرآن أضمر للدلالة عليه والتقدير والأمر أن الله يهدي من يريد أي يخلق الهداية في قلب من يريد هدايته لا خالق للهداية إلا هو تعالى. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية لما ذكر قبل أن الله يهدي من يريد أعقب ببيان من يهديه ومن لا يهديه والمجوس هم عبدة النار ويقال: انهم كان لهم نبي اسمه زاردشت ويجوز أن يحذف منه أل فلا ينصرف كما إذا حذفت أل من اليهود لا ينصرف أيضاً وفي منع صرف مجوس قال الشاعر: شعر : أجار ترى بريقاً هب وقتا كنار مجوس تستعير إستعاراً تفسير : قال الشاعر في منع صرف يهود: شعر : أولئك أولى من يهود بمدحة إذا ابن يوماً قبلها لم يؤنب تفسير : ومنع الصرف للعلمية وتأنيث القبيلة. {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} هم عبدة الأوثان والأصنام وخبر ان قوله ان الله يفصل بينهم وحسن ذلك طول الفصل بين إن وخبرها بالمعاطيف ويقل أن تقول ان زيداً ان عمراً ضاربه بلا فصل. "ولله يسجد" الظاهر أن السجود هنا عبارة عن طواعية ما ذكر الله والانقياد لما يريده تعالى وهذا معنى يشمل من يعقل ومن لا ومن يسجد سجود التكليف ومن لا وعطف على من ما عبد من دون الله ففي السماوات الملائكة عبدتها والشمس عبدتها حمير وعبد القمر كنانة قاله ابن عباس والدبران: تميم والشعري لخم والثرياطي وعطارد أسد والمرزم ربيعة وفي الأرض من عبد من البشر والأصنام المنحوتة من الجبال والشجر والبقر وما عبد من الحيوان والأحسن على أن بين من يعقل وما يعقل قدراً مشتركاً وهو الإِنفعال والطواعية لما يريد الله تعالى منه ومن مفعول بيهن تقديره أي شخص والفاء في قوله: فما جواب الشرط ومن مكرم مبتدأ ومن زائدة خبره له. {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} لما ذكر تعالى أهل السعادة وأهل الشقاوة ذكر ما دار بينهم من الخصومة في دينه فقال: هذا خصمان * قال قيس بن عباد وهلال بن يساف نزلت في المتبارزين يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث برز والعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وقال ابن عباس: الإِشارة إلى المؤمنين وأهل الكتاب وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود: فمن أقدم ديناً منكم: فنزلت وخصم مصدر أريد به هنا الفريق فلذلك جاء اختصموا مراعاة للمعنى إذ تحت كل خصم منهم أفراد ومعنى في ربهم والظاهر أن هذا الاختصام هو في الآخرة ولذلك جاء بعد قوله: اختصموا التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ولهذا قال علي كرم الله وجهه أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله عزل وجل وأقسم أبو ذر على هذا. {ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} كأنه تعالى يدر لهم نيراناً على مقادير جثتهم تشتمل عليهم. {يُصْهَرُ بِهِ} الآية صهرت الشحم بالنار إذا أذابته والصهارة الألية المذابة وقيل نضج وما موصولة مفعولة بيصهر. {وَٱلْجُلُودُ} معطوف على ما . {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ} المقمعة بكسر الميم المقرعة يقمع بها المضروب. و{مِنْ غَمٍّ} بدل من قوله: منها أعيد معه حرف الجر والظاهر تعليق الإِعادة على الإِرادة للخروج فلا بد من محذوف يصح به المعنى أي من أماكنهم المعدة لتعذيبهم. {أُعِيدُواْ فِيهَا} أي في الأماكن وقيل أعيدوا فيها بضرب الزبانية إياهم بالمقامع. {وَذُوقُواْ} أي يقال لهم ذوقوا والظاهر أن من في من أساور للتبعيض وفي من ذهب لابتداء الغاية أن أنشئت من ذهب.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسون للعهود والمواثيق {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} الذي ربَّاكم بأنواع الكرامات وجلائل العم، واجتنبوا عما نهاكم عنه من المكاره والمعاصي، ولا تغتروا بإمهاله إياكم في نشأتكم هذه، واحذروا عن بطشه في النشأة الأخرى وقيام الساعة {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ} المعدة لانقهار النظام المشاهد، وانحلال أجزاء العالم المحسوس {شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] وأمر فظيع هائل فجيع، بحيث تضعفت السماوات من هيبتها، واندكت الأرضون من شدة صولتها. اذكر أيها الرائي: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} أي: تلك الزلزلة الشديدة المهيبة بحيث {تَذْهَلُ} أي: تدهش وتغفل من غاية دهشتها {كُلُّ مُرْضِعَةٍ} مشفقة متحنننة {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي: ولدها الرضيع مع كمال محبتها ومودتها {وَتَضَعُ} عند حدوثها من شدة هولها وفزعها {كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ} وحبلٍ {حَمْلَهَا} وجنينها {وَ} بالجملة {تَرَى} أيها الرائي {ٱلنَّاسَ} أي: جميع الأنام عند حدوثها {سُكَارَىٰ} حيارى مدهوشين، زائلين عقولهم من شدة الهول {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} حقيقة {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ} النازل إياهم في تلك الحالة {شَدِيدٌ} [الحج: 2] مدهش محير لعقولهم وأبصارهم، وجميع قواهم ومشاعرهم. {وَ} كيف لا يكون لله المنتقم الجبار ذي القدرة الكاملة والغيرة التامة العذاب والنكال في النشأة الأخرى لمن يسيء الأدب معه، وينسب إليه سبحانه ما لا يليق بجنابه ونيكر يوم البعث الجزاء مع ورود الآيات العظام في شأنه {مِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على المرءا والمجادلة {مَن يُجَادِلُ} ويخاصم داعي الله رسوله سيما {فِي} حق {ٱللَّهِ} ويبالغ فيها حيث ينفي ذاته سبحانه وصفاته الذاتية الكاملة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: دليل عقلي يتشبث به أو نقلي يستند إليه بل إنما هو عن جهل وعناد {وَ} مستنده ومتشبثه أنه {يَتَّبِعُ} في دعواه وجداله هذا {كُلَّ شَيْطَانٍ} مضل مغوٍ {مَّرِيدٍ} [الحج: 3] عالٍ متمرد في الشرارة والفساد بين العباد. ولذلك {كُتِبَ} ونص {عَلَيْهِ} أي: الشيطان المَرِيد المردود {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} أي: الشيطان، واتخذه ولياً من دون الله واقتدى له واقتفى أثره {فَأَنَّهُ} أي: الشيطان بإغوائه وإغرائه {يُضِلُّهُ} ويصرفه عن سواء السبيل الذي هو طريق الإيمان والتوحيد {وَيَهْدِيهِ} على مقتضى تلبيسه وتغريره {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الحج: 4] بئس المولى وبئس النصير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} [الحج: 1] يشير إلى أن من نسي الله تعالى واشتغل بما دونه عنه بقوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} [الحج: 1] عمَّا سواه كما يقال: اتقى فلان بنفسه {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] وهي:أن الساعة من عظم شأنها أن يكون فيها كل شيء هالك إلا وجهه بقوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] يشير إلى: مواد الأشياء، فإن لكل شيء مادة وهي ملكوتة ترضعه رضيعها من الملك، وذهولها عنه بهلاك استعدادها للإرضاع {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج: 2]، وهي ما يسمى هيولي، فإنها حاصل بالصورة؛ أي: يسقط حمل الصورة الشهادية بهلاك الهيولي. وبقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} [الحج: 2] يشير إلى أن ما يكون في القيامة مصوراً بصورة تناسب ذلك العلم إنما يكون متشابهاً بمصورات ما في الدنيا، وهو من عالم المعنى لا من عالم الصورة يدل عليه قراءة من قرأ: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} [الحج: 2] بضم التاء من الإراءة؛ أي: يرونهم سكارى بالصور {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} [الحج: 2] في الحقيقة نظيره قوله تعالى: {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} تفسير : [البقرة: 25]. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا يشبه شيء في الجنة شيئاً مما في الدنيا إلا بالاسم، فترى في صورة ما في الدنيا، ولا تكون حقيقته مثل حقيقته: * فمن الناس: من يكون سكره من الغفلة والعصيان. * ومنهم: من يكون سكره من شراب حب الدنيا وشهواتها. * ومنهم: من يكون سكره من شراب التنعم. * ومنهم: من يكون سكره من شراب التنعم. * ومنهم: من يكون سكره من شراب الحكم والسلطنة. * ومنهم: من يكون سكره من شراب ذوق الطاعة. * ومنهم: من يكون سكره من شراب لذة العلم. * ومنهم: من يكون سكره الشوق. * ومنهم: من يكون سكره من شراب المحبة. * ومنهم: من يكون سكره من شراب الوصال. * ومنهم: من يكون سكره من شراب المعرفة. * ومنهم: من يكون سكره من شراب المحببة والمحبوبية كما قال بعضهم: لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من دونهم وحدي، ولكن عذاب الله شديد: * فمن الناس من يعذب بنار الفراق. * ومنهم: من يعذب بناء الاشتياق. * ومنهم: من يعذب بنار شواهد بعظام مألوفاته الدنياوية من نار جهنم. * ومنهم: من بعذب بنار القطيعة. * ومنهم: من يعذب بنار شواهد {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : [طه: 10]. * ومنهم: من يعذب بنار نور تجلي صفة الجمال. * ومنهم: من يعذب باستيلاء نار تجلي صفة الجلال إذا مسته النار بدلاً عمَّن تمسه نار. * ومنهم: من يعذب بنار الفناء في النار والبقاء بالنار كقوله تعالى: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [النمل: 8] وكانت استعاضة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : كلميني يا حميراء" تفسير : من فوران ثائرة هذه النار وهيجانها، والله أعلم. ثم أخبر عن معاملة أرباب المجادلة بقوله تعالى: {أية : مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [لقمان: 20] يشير إلى أن من يجادل في الله ما له علم بالله ولا معرفة به، وإلا لم يجادل فيه ويستسلم له، وإنما يجادل في الله؛ لأنه { وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } [الحج: 3] من شياطين الجن والإنس. وبقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الحج: 4] يشير إلى أنه قد مضى الله سبحانه على كل شيطان من الجن والإنس أن من يتبعه ويتولاه فإنه يضله على الصراط المستقيم والدين القويم؛ فأمَّا الشيطان الجني، فبالوسواس والتسويلات وإلقاء الشبهة، وأمَّا الشيطان الإنسي، فبإيقاعه في مذاهب أهل الأهواء والبدع، والفلاسفة والزنادقة المنكرين البعث، والمستدلين بالبراهين المعقولة المشوبة بشوائب الوهم والخيال وظلمة الطبيعة، فيستدل بشبهتهم ويستدل بعقائدهم حتى يصير من جملتهم، ويعد في زمرتهم كما قال الله تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 51] ويهديه بها الاستدلالات والشبهات إلى عذاب السعير والقطيعة والحرمان. وبقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5] يشير إلى ناس قد نسي خلقه وأنكر البعث كما قال تعالى: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ} تفسير : [يس: 78]. ثم استدل على البعث بقوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} [الحج: 5] منها {مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] أي: كنتم تراباً ميتاً، فبعثنا بأن خلقنا منه آدم حياً، ثم بعثنا منه النطفة، ثم بعثناها بأنَّا خلقنا منها العلقة، ثم بعثناها بأن خلقناها مضغة، ثم بعثناها بأن خلقناها مخلقة؛ أي منفوخة فيها الروح، وغير مخلقة؛ أي: صورة لا روح فيها {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5] أمر البعث والنشور. {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الحج: 5] فيه إشارة إلى أن أطفال المكونات كانوا في أرحام أمهات العدم مقرين بتقرير الحق إياهم فيه، ولكل خارج منها أجل مسمى بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية، فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم إلا بمشيئة الله أوان أجله، وهذا رد على الفلاسفة فإنهم يقولون بقدم العالم ويستدلون في ذلك هل كان لله في الأزل أسباب الإلهية في إيجاد العالم بالكمال أم لا؟ وإن قلنا: لم تكن، فقد أثبتنا له نقاصاً، فالناقص لا يصلح للإلهية، وإن قلنا: قد كان له أسباب الإلهية بالكمال فلا مانع فقد لزم إيجاد العالم في الأزل بلا تقدم زماني للصانع على المصنوع، بل بتقدم رتبتي فنقول في جوابهم: إن الآية تدل على أن الله تعالى كان في الأزل بلا تقدم ولم يكن معه شيء، وكان قادراً على إيجاد ما يشاء كيف يشاء، ولكن الإرادة الأزلية اقتضت بالحكمة الأزلية أجلاً مسمى بإخراج طفل العالم من رحم العدم أوان أجله، وإن لم يكن قبل وجود العالم أوان، وإنما كان مقدراً لأوان في أيام الله تعالى التي لم يكن لها صباح ولا مساء كما قال الله تعالى: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 5]. وبقوله تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5] يشير إلى أن كل طفل من أطفال المكونات يخرج من رحم العدم مستعداً للتربية وله كمال يبلغه بالتدريج {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} [الحج: 5] أي: من المكونات ما ينعدم قبل بلوغ كماله {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} [الحج: 5] أي: ومنها ما يبلغ حد كمالهم يتجاوز عن حد الكمال فيؤول إلى ضد الكمال لئلا يبقى فيه من أوصاف الكمال شيء، وذلك معنى قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج: 5]. {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} [الحج: 5] ثم شرح حال تربية طفل من المكونات إلى أن يبلغ حد كماله فبقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج: 5] أي: طفل الأرض قطفة ميتة، فإذا أنزلنا عليها الماء ماء القدرة والحياة {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] بالتربية {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] وهو حد كماله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا أوامره، مهما استطاعوا. ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، وهو الإخبار بأهوال القيامة، فقال: { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وكانت كثيبا مهيلا ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج. فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب، ولهذا قال: { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها. { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } من شدة الفزع والهول، { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } أي: تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر، وليسوا سكارى. { وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. ويومئذ {أية : يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } . تفسير : وهناك {أية : يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } تفسير : وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه وتنصب الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر من الخير والشر وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات من صغير وكبير وينصب الصراط على متن جهنم وتزلف الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين {أية : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } تفسير : ويقال لهم: {أية : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } تفسير : وإذا نادوا ربهم ليخرجهم منها قال {أية : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } تفسير : قد غضب عليهم الرب الرحيم وحضرهم العذاب الأليم وأيسوا من كل خير ووجدوا أعمالهم كلها لم يفقدوا منها نقيرا ولا قطميرا. هذا والمتقون في روضات الجنات يحبرون وفي أنواع اللذات يتفكهون وفيما اشتهت أنفسهم خالدون فحقيق بالعاقل الذي يعرف أن كل هذا أمامه أن يعد له عدته وأن لا يلهيه الأمل فيترك العمل وأن تكون تقوى الله شعاره وخوفه دثاره ومحبة الله وذكره روح أعماله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 661 : 1 : 16 - سفين عن منصور عن إبراهيم عن علقمة في قوله {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} قال، هذا شيء يكون دون الساعة. [الآية 1].

همام الصنعاني

تفسير : 1895- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، وأبان عن أنَس بن مالك، قال: نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} إلى {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}: [الآيات: 1-2]، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "حديث : أتدرون أيّ يَوْم؟ هذا يَوْم يَقُولُ الله لآدم: يا آدم قمْ فابعث بعث النَّارِ، من كل ألف: تسعمائة وتسْعَةٍ وتسعين إلى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلى الجنَّة" قال: فكبُر ذَلِك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سَدِّدوا، وقَاربوا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في الناس، إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرَّقْمَةِ في ذِرَاع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قد إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومَنْ هَلَكَ من كَفَرة الإِنْس والْجِنِّ ". تفسير : 1896- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسْحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: دخلت على ابن مَسْعُودٍ ببيت المال قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "حديث : أترضَوْنَ أن تكون ربع أهْلِ الجنَّةِ؟ قلنا: نعم، قال: أَتَرضَوْن أن تكونوا ثلث أهْلِ الجنَّةِ؟ قلنا، نعم، فاقل: والذي نفسي بِيَدِهِ إني لأرجو أن تكونوا شطر أهْلِ الجنَّةِ، وسأخبركم عن ذَلِكَ، أنه لا يَدْخُلُ الجنَّةِ إلاَّ نفس مسلمة، وأن قلَّة المسلمين في الكفار كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". تفسير : 1897- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا عُمَر بن زيد الصَّنْعاني، قال: حدّثنا أبو الزبير، أنَّهُ سَمِعَ جابر بن عبد الله يقُولُ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إني لأرجو أن تكون أمتي ربع أهل الجنة، قال: فكبرنا، فقال: إني لأرجوا أن تكون ثلث أهل الجنة، قال: فكبرنا، قال: إني لأرجوا أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنَّة ". تفسير : 1898- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عُيَيْنَة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: ما جموع المسلمين يَوْمَ القيامة في جموع الكفَّار إلاَّ كالرقمة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة السَّوْدَاءِ في جلد الثور الأبيض.