٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} الهاء في {تَرَوْنَهَا} عائدة عند الجمهور على الزلزلة؛ ويقوّي هذا قولُه عز وجل: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}. والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا. وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة؛ واحتجوا بحديث عِمران بن حُصين الذي ذكرناه، وفيه: «أتدرون أيّ يوم ذلك...» الحديث. وهو الذي يقتضيه سياق مُسْلم في حديث أبي سعيد الخُدْريّ. قوله: {تَذْهَلُ} أي تشتغل؛ قاله قُطْرُب. وأنشد:شعر : ضَرْباً يُزيل الهام عن مَقِيلهِ ويُذهِل الخَليلَ عن خَليلهِ تفسير : وقيل: تنسى. وقيل تلهو. وقيل تسلو؛ والمعنى متقارب. {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} قال المبرّد: «ما» بمعنى المصدر؛ أي تذهل عن الإرضاع. قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا؛ إذ ليس بعد البعث حَمْل وإرضاع. إلا أن يقال: من ماتت حاملاً تُبعث حاملاً فتضع حملها للهَوْل. ومن ماتت مُرضعة بُعثت كذلك. ويقال: هذا كما قال الله عز وجل: {أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} تفسير : [المزمل: 17]. وقيل: تكون مع النفخة الأولى. وقيل: تكون مع قيام الساعة، حتى يتحرّك الناس من قبورهم في النفخة الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارةً عن أهوال يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {أية : مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ}تفسير : [البقرة: 214] وكما قال عليه السلام: «حديث : اللهم اهزمهم وزلزلهم»تفسير : . وفائدة ذكر هَوْل ذلك اليوم التحريضُ على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح. وتسمية الزلزلة بـ«ـشيء» إما لأنها حاصلة متيقَّن وقوعها، فيستسهل لذلك أن تسمَّى شيئاً وهي معدومة؛ إذ اليقين يشبه الموجودات. وإما على المآل؛ أي هي إذا وقعت شيء عظيم. وكأنه لم يطلق الاسم الآن، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذاً شيء عظيم، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس؛ كما قال: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع. {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} من الخمر. وقال أهل المعاني: وترى الناس كأنهم سكارى. يدلّ عليه قراءة أبي زُرْعة هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد الله «وتُرَى الناس» بضم التاء؛ أي تظن ويخيّل إليك. وقرأ حمزة والكسائِيّ «سَكْرَى» بغير ألف. الباقون «سُكارى» وهما لغتان لجمع سكران؛ مثلُ كَسْلى وكُسَالى. والزلزلة: التحريك العنيف. والذهول: الغفلة عن الشيء بطروء ما يشغَل عنه من همّ أو وجع أو غيره. قال ابن زيد: المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.
البيضاوي
تفسير : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تصوير لهولها والضمير للـ {زَلْزَلَةَ }، و {يَوْمٍ } منصوب بـ {تَذْهَلُ }، وقرىء {تَذْهَلُ } و {تَذْهَلُ } مجهولاً ومعروفاً أي تذهلها الزلزلة، والذهول الذهاب عن الأمر بدهشة، والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه، و {مَا } موصولة أو مصدرية. {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } جنينها. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ } كأنهم سكارى. {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } على الحقيقة. {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم، وقرىء {تَرَى } من أريتك قائماً أو رؤيت قائما بنصب الناس ورفعه على أنه نائب مناب الفاعل، وتأنيثه على تأويل الجماعة وإفراده بعد جمعه لأن الزلزلة يراها الجميع، وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ } بسببها {كُلُّ مُرْضِعَةٍ } بالفعل {عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي تنساه {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ } أي حبلى {حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ } من شدّة الخوف {وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ } من الشراب {وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فهم يخافونه.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَذْهَلُ} تسلو كل والدة عن ولدها، أو تشتغل، أو تلهى أو تنساه. {سُكَارَى} من الخوف {وَمَا هُم بِسُكَارَى} من الشرب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} [الآية: 2]. قال جعفر: أسكرهم ما شاهدوا من بساط العز وسلطان الجبروت، وسرداق الكبرياء حتى ألجأ النبيين إلى أن قالوا: نفسى. نفسى.
القشيري
تفسير : لكلٍ ذلك اليومَ شُغْلٌ يستوفيه ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هَوْلِ ذلك اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال في القيامة وأهوالها غالبة. وكأنهم سكارى وما هم في الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشِدَّتِه يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم. وهم يتفقون في تشابههم بأنهم سُكَارَى، ولكنَّ موجِبَ ذلك يختلف؛ فمنهم مَنْ سُكْرُه لِمَا يُصِيبه من الأهوال، ومنهم من سُكْرُه لاستهلاكه في عين الوصال. كذلك فَسُكْرُهم اليومَ مختلفٌ؛ فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر المحاب. وشتَّان بين سُكْرٍ وسُكْر؛ سُكْرٌ هو سُكْرُ أهلِ الغفلة، وسُكْرٌ هو سُكْرُ أهل الوصلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم ترونها} منتصب بما بعده أي وقت رؤيتكم تلك الزلزلة {تذهل كل مرضعة عما أرضعت} الذهول الذهاب عن الامر مع دهشة والمرضعة المرأة المباشرة للارضاع بالفعل وبغير التاء هى التى من شأنها الارضاع لكن لم تلابس الفعل ومثلها حائض وحائضة والتعبير عن الطفل بما دون من لتأكيد الذهول وكونه بحيث يخطر ببالها انه ماذا اى تغفل مع حيرة عما هى بصدد ارضاعه من طفلها الذى ألقمته ثديها اشتغالا بنفسها وخوفاً: وبالفارسية [غافل شود وفراموش كند أزهيبت آن هر شير دهنده ازان فرزندى كه ويرا شيرميدهدبا وجود مهربائى مرضعه بررضيع] اى لو كان مثلها في الدنيا لذهلت المرضعة عما أرضعته لغير فطام وكذا قوله تعالى {وتضع كل ذات حمل حملها} أي تلقى وتسقط جنينها لغير تمام من شدة غشيها والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر وبالكسر ما كان على الظهر. وفي التأويلات النجمية يشير الى مواد الأشياء فان لكل شىء مادة هى ملكوته ترضع رضيعها من الملك وذهولها عنه بهلاك استعدادها للارضاع وذات حمل هى ما تسمى هيولى فاها حامل بالصور اى تسقط حمل الصور الشهادية املاك الهيولى {وترى الناس} اهل الموقف {سكارى} جمع سكران اى كأنهم سكارى وافراد الخطاب هنا بعد جمعه فى ترونها لان الزلزلة يراها الجميع لكونها امرا مغايرا للناس بخلاف الحالة القائمة بهم من أثر السكر فان كل احد لا يرى الا ماقام بغيره والسكر حالة تعرض بين المرء وعقله واكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعترى من الغضب والعشق ولذا قال الشاعر شعر : سكران سكر هوى وسكر مدامة تفسير : ومنه سكرات الموت، قال جعفر رضى الله عنه اسكرهم ما شاهدوا من بساط العز والجبروت وسرادق الكبرياء حتى الجأ النبيين الى ان قالوا نفسى نفسى شعر : دران روز كزفعل برسند وقول اولوا العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبيا تو عذر كنه را جه دارى بيا تفسير : {وما هم بسكارى} حقيقة، قال الكاشفى [زيرا زوال عقل ازخوف وحيرت سكر نباشد واكر رأى العين ما نند سكر نمايد] وفيه اشاره الى ان الصور الاخروية وان كانت مثل الصور الدنيوية في ظاهر النظر لكن بين الحقيقتين تخالف ولذا قال ابن عباس رضى الله عنهما لا يشبه شىء مما فى الجنة شيأ مما فى الدنيا الا بالاسم، واعلم ان السكر من انواع شتى. فمن شراب الغفلة والعصيان. ومن حب الدنيا وشهواتها. ومن التنعم. ومن لذة العلم. ومن الشوق. ومن المحبة. من الوصال. ومن المعرفة. من المحبية والمحبوبية كما قال بعضهم شعر : لى سكرتان وللندمان واحدة شىء خصصت به من بينهم وحدى تفسير : {ولكن عذاب الله شديد فغشيهم هوله وطير عقولهم وسلب تمييزهم وللعذاب نيران نار جهنم ونار القطيعة والفراق ونار الاشتياق ونار الفناء في النار والبقاء بالنار كقوله تعالى {أية : ان بورك من فى النار ومن حولها}تفسير : وكانت استغاثة النبى عليه السلام بقوله "حديث : كلمينى ياحميراء"تفسير : من فوران هذه النار وهيجانها والله اعلم، قال يحيى بن معاز الرازى رحمه الله لو أمرنى الله ان اقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا: قال الحافظ شعر : هرجند غرق بحر كناهم زصد جهت كر آشناى عشق شوم زاهل رحمتم تفسير : قال بعضهم نزلت هاتان الآيتان في عزوة بنى المصطلق ليلا حديث : فقرأهما رسول الله على اصحابه فلم يراكثر باكيا من تلك الليلة فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا وكانوا بين حزين وباك ومفكر فقال عليه السلام "أتدرون اى يوم ذلك" فقالوا الله ورسوله اعلم قال "ذلك يوم يقول الله لآدم يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول اخرج بعث النار فيقول من كل كم قال من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين" قال عليه السلام "فذلك" أي التقاول "حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى" أي من الخوف "وما هم بسكارى" أي من الخمر "ولكن عذاب الله شديد" فكبر ذلك على المسلمين فبكوا وقالوا يا رسول الله اينا ذلك فقال "ابشروا فان من يأجوج مأجوج الفا ومنكم رجل" ثم قال "والذى نفسى بيده أنى لارجو ان تكونوا ثلث أهل الجنة" فبكروا وحمدوا الله ثم قال "والذى نفسى بيده انى لارجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا وحمدوا الله ثم قال "والذي نفسي بيده انى لارجو ان تكونوا ثلثى أهل الجنة وان اهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها امتى وما المسلمون الا كالشامة في جنب البعير او كالرقمة فى ذراع الحمار بل كالشعرة السوداء في الثور الابيض او كالشعرة البيضاء في الثور الاسود" ثم قال "ويدخل من امتى سبعون الفا الجنة بغير حساب" فقال عمر رضى الله عنه سبعون الفا قال "نعم ومع كل ألف سبعون ألفا" فقام عكاشة بن محصن رضى الله عنه فقال يا رسول الله ادع الله ان يجعلنى منهم فقال عليه السلام "انت منهم" فقام رجل من الانصار فقال ادع الله ان يجعلنى منهم فقال عليه السلام "سبقك بها عكاشة"تفسير : ، قال بعض ارباب الحقائق وجه كون هذه الامة ثمانين صفا ان الله تعالى قال في حقهم {أية : اولئك هم الوارثون}تفسير : ولما كانت الجنة دارابيهم آدم فالاقرب اليه من اولاده يحجب الا بعد واقرب بنيه اليه وافضلهم على الاطلاق هو محمد عليه السلام وامته فكان ثلثا الجنة للاصل الاقرب وبقى الثلث للفرد الابعد وذلك ان الامة المحمدية اقرب الى الكمال من سائر الامم كالذكر اقرب الى الكمال من الانثى وللذكر مثل حظ الانثيين ولهذا السر يكنى آدم في الجنة بابى محمد ولا شك انه عليه السلام ابو الارواح كما ان آدم ابو البشر فالاب الحقيقى يحجب اولاد اولاده فأمته هم الاولاد الاقربون وسائر الاولاد هم الابعدون.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} لغاية الدّهشة والوحشة {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} مع انّ المرضعة تجعل نفسها فداء لرضيعها {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} والمراد بذات الحمل كلّ ما كان فيه شيءٌ آخر مكموناً لانّه يوم تخرج الارض اثقالها ومكموناتها {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} زائلى العقول من غاية الحيرة والوحشة {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} حتّى يكونوا ملتذّين بلذّة السّكر وكيفه {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} فلذلك يزول عقولهم لا لكيف المسكر.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} متعلق بتذهل {تَرَوْنَهَا} اي الساعة أو الزلزلة ورؤيتهما عبارة عن حضورهما بمشاهدة اثرهما. {تَذْهَلُ} تشتغل بسببها * وتغفل المدهشة {كُلُّ} وقرئ ببناء (تَذْهَل) للمفعول وقرئ (تُذْهِل) بضم التاء وكسر الهاء ونصب كل اي {تَذْهَل السَّاعَةِ} أو (الزلزلة) كل {مرضعة} بالفعل لا بالقوة والامكان ولذا قرئ بالتاء مع ان الارضاع يختص بانثى {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} ما (مصدرية) اي (عن ارضاعها) ويضعف جعل ما موصولاً اسمياً لوقوعها على العالم * {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ} صاحبة {حَمْلٍ} جنين وكذا حمل الشجرة بفتح الحاء واما ما يحمل في الظهر فبالكسر {حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ} يا محمد لو كنت حاضراً أو ليرد حقيقة الرؤية لكن أراد تهويل الأمر أو الخطاب لكل من تمكن منه الرؤية وقرئ بضم التاء وفتح الراء من ارى الثلاثي المتعدي لثلاثة الأول ضمير نائب والثاني الناس والثالث سكارى وقرئ كذلك مع رفع {النَّاسَ} من راى الثلاثي المتعدي لاثنين الأول الناس النائب والثاني سكارى وأنث الناس على هذه القراءة لأنهم جماعة ويصح على القراءة الثانية كونه ارى الرباعي المبني للمعقول الشائع تفسيره بالظن المبني لفاعل أو للمفعول أي يجعل ظانا وقرئ بضم التاء وكسر الراء أي الساعة أو الزلزلة وانما قال هنا ترى وقال هناك ترونها لأن الزلزلة يراها الجميع واثر السكر يراه كل على غيره {سُكَارَى} لشدة الخوف {وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} من الشرب أو تراهم كأنهم سكارى وما هم بسكارى حقيقة. وقراءة حمزة والكسائي {سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} بفتح السين واسكان الكاف لأن السكر من العلل، كالجرب والصرع والبرص فانه علة لتغير العقل وقرا الاعمش بضم السينين واسكان الكافين وهو غريب {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} ازال تمييز عقولهم لعظمه حتى انها لتضع ثديها فى فم ولدها فترى الزلزلة أو الساعة نزعته وذهلت عن الولد. قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. وروي لغير عام وذلك ان كان في الدنيا فحقيقة وتقوم الساعة بعد ذلك وليس فيهم الا بالغ كافر وان كان ذلك قيام الساعة فالمراد تعظيم الامر بحيث لو كان هناك رضيع لغفلت عنه امه أو جنين لاسقط.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} الظاهر أن الضمير المنصوب في {تَرَوْنَهَا} للزلزلة لأنها المحدث عنها، وقيل هو للساعة وهو كما ترى، و {يَوْمٍ} منتصب بتذهل قدم عليه للاهتمام، وقيل بعظيم، وقيل / بإضمار اذكر؛ وقيل هو بدل من { أية : ٱلسَّاعَةَ } تفسير : [الحج: 1] وفتح لبنائه كما قيل في قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ } تفسير : [المائدة: 119] على قراءة يوم بالفتح، وقيل بدل من { أية : زَلْزَلَةَ } تفسير : [الحج: 1] أو منصوب به إن اغتفر الفصل بين المصدر ومعموله الظرفي بالخبر، وجملة {تَذْهَلُ} على هذه الأوجه في موضع الحال من ضمير المفعول والعائد محذوف أي تذهل فيها، والذهول شغل يورث حزناً ونسياناً، والمرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها وهي بخلاف المرضع بلا هاء فإنها التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، وخص بعض نحاة الكوفة أم الصبـي بمرضعة بالهاء والمستأجرة بمرضع ويرده قول الشاعر: شعر : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد تفسير : والتعبير به هنا ليدل على شدة الأمر وتفاقم الهول. والظاهر أن (ما) موصولة والعائد محذوف أي عن الذي أرضعته، والتعبير بما لتأكيد الذهول وكون الطفل الرضيع بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لأنها تعرف شيئيته لكن لا تدري من هو بخصوصه، وقيل مصدرية أي تذهل عن إرضاعها، والأول دل على شدة الهول وكمال الانزعاج، والكلام على طريق التمثيل وأنه لو كان هناك مرضعة ورضيع لذهلت المرضعة عن رضيعها في حال إرضاعها إياه لشدة الهول وكذا ما بعد، وهذا ظاهر إذا كانت الزلزلة عند النفخة الثانية أو في يوم القيامة حين أمر آدم عليه السلام ببعث بعث النار وبعث الجنة إن لم نقل بأن كل أحد يحشر على حاله التي فارق فيها الدنيا فتحشر المرضعة مرضعة والحامل حاملة كما ورد في بعض الآثار، وأما إذا قلنا بذلك أو بكون الزلزلة في الدنيا فيجوز أن يكون الكلام على حقيقته، ولا يضر في كونه تمثيلاً أن الأمر إذ ذاك أشد وأعظم وأهول مما وصف وأطم لشيوع ما ذكر في التهويل كما لا يخفى على المنصف النبيل. وقرىء {تَذْهَلُ} من الإذهال مبنياً للمفعول، وقرأ ابن أبـي عبلة واليماني {تَذْهَلُ} منه مبنياً للفاعل و {كل} بالنصب أي يوم تذهل الزلزلة، وقيل: الساعة كل مرضعة. {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي تلقي ذات جنين جنينها لغير تمام، وإنما لم يقل وتضع كل حاملة ما حملت على وزان ما تقدم لما أن ذلك ليس نصاً في المراد وهو وضع الجنين بخلاف ما في النظم الجليل فإنه نص فيه لأن الحمل بالفتح ما يحمل في البطن من الولد، وإطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحمل المرأة، وللتنصيص على ذلك من أول الأمر لم يقل وتضع كل حاملة حملها كذا قيل. وتعقب بأن في دعوى تخصيص الحمل بما يحمل في البطن من الولد وأن إطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحثاً ففي «البحر» الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة. وفي «القاموس» الحَمل ما يحمل في البطن من الولد جمعه حمال وأحمال وحملت المرأة تحمل عَلِقت ولا يقال حملت به أو قليل وهي حامل وحاملة، والحمل ثمر الشجر ويكسر أو الفتح لما بطن من ثمره والكسر لما ظهر أو الفتح لما كان في بطن أو على رأس شجرة والكسر لما على ظهر أو رأس أو ثمر الشجر بالكسر ما لم يكبر فإذا كبر فبالفتح جمعه أحمال وحُمول وحِمال اهـ، وقيل: المتبادر وضع الجنين بأي عبارة كان التعبير إلا أن ذات حمل أبلغ في التهويل من حامل أو حاملة لإشعاره بالصحبة المشعرة بالملازمة فيشعر الكلام بأن الحامل تضع إذ ذاك الجنين المستقر في بطنها المتمكن فيه هذا مع ما في الجمع بين ما يشعر بالمصاحبة وما يشعر بالمفارقة وهو الوضع من اللطف فتأمل فلمسلك الذهن اتساع. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ} بفتح التاء والراء على خطاب كل واحد من المخاطبين برؤية الزلزلة والاختلاف بالجمعية / والإفراد لما أن المرئي في الأول هي الزلزلة التي يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة في المرئي لا في الرائي باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل وتصير الناس سكارى الخ، وإنما أوثر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحال فيهم وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد قاله غير واحد. وجوز بعضهم كون الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، والأول أبلغ في التهويل، والرؤية بصرية و {ٱلنَّاسِ} مفعولها، وقوله تعالى: {سُكَـٰرَىٰ} حال منه أي يراهم كل واحد مشابهين للسكارى. وقوله تعالى: {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ} أي حقيقة، حال أيضاً لكنها مؤكدة والحال المؤكدة تقترن بالواو لا سيما إذا كانت جملة اسمية. فلا يقال: إنه إذا كان معنى قوله تعالى: {تَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ} على التشبيه يكون {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ} بالمعنى المذكور مستغنى عنه، ولا وجه لجعله حالاً مؤكدة لمكان الواو، وجوز أن يكون {تَرَى} بمعنى تظن فسكارى مفعول ثان، وحينئذٍ يجوز أن يكون الكلام على التشبيه والجملة الاسمية في موضع الحال المؤكدة؛ ويجوز أن يكون على الحقيقة فلا تأكيد هنا، وأمر إفراد الخطاب وما فيه من المبالغة بحاله، وأياً ما كان فالمراد في قوله تعالى: {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ} استمرار النفي، وأكد بزيادة الباء للتنبيه على أن ما هم فيه ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله، وأشير إلى سببه بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} أي إن شدة عذابه تعالى تجعلهم كما ترى، وهو استدراك على ما في «الانتصاف» راجع إلى قوله تعالى: {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ} وزعم أبو حيان أنه استدراك عن مقدر كأنه قيل هذه أي الذهول والوضع ورؤية الناس سكارى أحوال هينة ولكن عذاب الله شديد وليس بهين وهو خلاف الظاهر جداً. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {تري} بضم التاء وكسر الراء أي ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى. وقرأ الزعفراني {ترى} بضم التاء وفتح الراء {ٱلنَّاس} بالرفع على إسناد الفعل المجهول إليه، والتأنيث على تأويل الجماعة. وقرأ أبو هريرة. وأبو زرعة وابن جرير وأبو نهيك كذلك إلا أنهم نصبوا {ٱلنَّاسِ} وترى على هذا متعد إلى ثلاثة مفاعيل كما في «البحر»؛ الأول: الضمير المستتر وهو نائب الفاعل، والثاني: {ٱلنَّاسِ} والثالث: {سُكَـٰرَىٰ} وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك {سكـٰرَىٰ} بفتح السين في الموضعين وهو جمع تكسير، واحده سكران، وقال أبو حاتم: هي لغة تميم، وأخرج الطبراني وغيره عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {سكـرىٰ} كعطشى في الموضعين، وكذلك روى أبو سعيد الخدري وهي قراءة عبد الله وأصحابه وحذيفة وبها قرأ الأخوان وابن سعدان ومسعود بن صالح، وتجمع الصفة على فعلى إذا كانت من الآفات والأمراض كقتلى وموتى وحمقى، ولكون السكر جارياً مجرى ذلك لما فيه من تعطيل القوى والمشاعر جمع هذا الجمع فهو جمع سكران، وقال أبو علي الفارسي: يصح أن يكون جمع سكر كزمنى وزمن، وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران. وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة وابن جبير والأعمش {سكرى} بضم السين فيهما، قال الزمخشري: وهو غريب، وقال أبو الفتح: هو اسم مفرد كالبشرى / وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عنه انتهى. وإلى كونه اسماً مفرداً ذهب أبو الفضل الرازي فقال: فعلى بضم الفاء من صفة الواحدة من الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد، وعن أبـي زرعة {سكرى} بفتح السين {بِسكرى} بضمها، وعن ابن جبير {سكرى} بفتح السين من غير ألف {بسكارى} بالضم والألف كما في قراءة الجمهور، والخلاف في فعالى أهو جمع أو اسم جمع مشهور.
ابن عاشور
تفسير : جملة {يوم ترونها تذهل} الخ... بيان لجملة {أية : إن زلزلة الساعة شيء عظيم}تفسير : [الحج: 1] لأن ما ذكر في هذه الجملة يبيّن معنى كونها شيئاً عظيماً وهو أنه عظيم في الشرّ والرعب. ويتعلق {يوم ترونها} بفعل {تذهل}. وتقديمُه على عامله للاهتمام بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس. وأصل نظم الجملة: تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم تَرون زَلزلة الساعة. فالخطاب لكلّ من تتأتّى منه رُؤية تلك الزَلزلة بالإمكان. وضمير النصب في {ترونها} يجوز أن يعود على {أية : زلزلة}تفسير : [الحج: 1] وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأنّ الزلزلة تُسمع ولا ترى. ويجوز أن يعود إلى الساعة. ورؤيتُها: رؤيةُ ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ومشاهدة أهوال العذاب. وقرينة ذلك قوله {تذهل كل مرضعة} الخ. والذهول: نسيان ما من شأنه أن لا يُنسى لوجود مقتضى تذكره؛ إما لأنه حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه، فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان لأنه أدل على شدّة التشاغل. قاله شيخنا الجدّ الوزير قال: وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره. وكلّ ذلك يدل بدلالة الأوْلى على ذهول غيرها من النساء والرجال. وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدّة الهول وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقليّة وليست لفظية. والتحقت هاء التأنيث بوصف {مرضعة} للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل، فإن الفعل الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تَلحقه علامة التأنيث ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبّس بالإرضاع، كما يقال: هي ترضع.. ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال: كلّ مرضع، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث والمذكر خيفة اللبس. وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة وقد تلقاها الجميع بالقبول ونظمها ابن مالك في أرجوزته «الكافية» بقوله:شعر : وما من الصفات بالأنثى يخص عن تاء استغنى لأنّ اللفظ نص وحيث معنى الفعل تنوي التاء زد كذي غدت مُرضعة طِفلاً وُلِد تفسير : والمراد: أن ذلك يحصل لكلّ مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا. فالمعنى الحقيقي مراد، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعاً، فأطلق ذهول المرضع وذات الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن عِلقه على طريقة الكناية. وزيادة كلمة (كلّ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها. ثمّ تقتضي هذه الكناية كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام أنه أظهر في تصوير حالة الفزع والهلع بحيث يذهل فيه من هو في حال شدّة التيقظ لوفرة دواعي اليقظة. وذلك أن المرأة لشدّة شفقتها كثيرة الاستحضار لما تشفق عليه، وأن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها، وأنها في حال ملابسة الإرضاع أبعد شيء عن الذهول فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال دلّ ذلك على أن الهول العارض لها هول خارق للعادة. وهذا من بديع الكناية عن شدة ذلك الهول لأن استلزام ذهول المرضع عن رضيعها لشدّة الهول يستلزم شدّة الهول لغيرها بطريق الأوْلى، فهو لزوم بدرجة ثانية، وهذا النوع من الكناية يسمى الإيماء. و (مَا) في {عما أرضعت} موصولة ما صْدقُها الطفل الرضيع. والعائد محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، وحذفُ مثله كثير. والإتيان بالموصول وصلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها وهي في عمل متعلّق به وهو الإرضاع زيادة في التكني عن شدة الهول. وقوله {وتضع كل ذات حمل حملها} هو كناية أيضاً كقوله {تذهل كل مرضعة عما أرضعت}. ووضع الحمل لا يكون إلا لشدة اضطراب نفس الحامل من فرط الفزع والخوف لأنّ الحمل في قرار مكين. والحمل: مصدر بمعنى المفعول، بقرينة تعلقه بفعل {تضعُ}أي تضع جنينها. والتعبير بــــ {ذات حمل} دون التعبير: بحامل، لأنه الجاري في الاستعمال في الأكثر. فلا يقال: امرأة حامل، بل يقال: ذات حمل قال تعالى: {أية : وأُولاتُ الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}تفسير : [الطلاق: 4]، مع ما في هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها إياه لسبب مفظع. والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في {تذهل كل مرضعة عما أرضعت}. والخطاب في {ترى الناس} لغير معيّن، وهو كل من تتأتى منه الرؤية من الناس، فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله {يوم ترونها}، وإنما أوثر الإفرادُ هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع. وعدل عن فعل المضي إلى المضارع في قوله {وترى} لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله {أية : فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] وقوله {أية : ويصنع الفلك}تفسير : [هود: 38]. وقرأ الجمهور {سُكارى} ــــ بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف ــــ. ووصف الناس بذلك على طريقة التشبيه البليغ. وقوله بعده {وما هم بسكارى} قرينة على قصد التشبيه وليبنى عليه قوله بعده {ولكن عذاب الله شديد}. وقرأه حمزة والكسائي {سَكرى} بوزن عَطشى في الموضعين. وسُكارى وسَكرى جمع سكران. وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر، وقياس جمعه سكارى. وأما سَكرَى فهو محمول على نَوْكى لما في السكر من اضطراب العقل. وله نظير وهو جمع كسلان على كُسالى وكَسلى. وجملة {وما هم بسكارى} في موضع الحال من الناس. و{عذاب الله} صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجَع، وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبْن ملائكة العذاب. وجملة {وما هم بسكارى} في موضع الحال من «النّاس».
د. أسعد حومد
تفسير : {سُكَارَىٰ} {بِسُكَارَىٰ} (2) - وَمِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ الذِي يُدَاخِلُ النُّفُوسَ فِي ذلِكَ اليَوْمِ الرَّهِيبِ، تَرَى المَرَاضِعَ ذَاهِلَةً عَنْ رُضَعَائِها، وَهُمْ أَحبُّ شَيءٍ إِلَيْهِنَّ، وَتُسْقِطُ الحَوَامِلُ أجِنَّتَهُنَّ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الحَمْلِ، وَيَبْدُو النَّاسُ وَكَأَنَّهُمْ سُكَارَى، وَهُمْ فِي الحَقيقَةِ مَا بِهِمْ مِنْ سُكْرٍ، وَإِنَّما هُوَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ وَالخَوْفِ مِنْ عَذَابِ اللهِ الشَّديدِ، الذِي يَحْعَلُهُمْ فِي مِثْلِ هذِهِ الحَالِ مِنَ الضِّيَاعِ. تَذْهَلُ - تَغْفلُ وَتُشْغَلُ لِشِدَّةِ الهَوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والرؤية: قلنا قد تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والشيء الذي نعلمه إما: علمَ اليقين، وإما عين اليقين، وإما حقيقة اليقين. علم اليقين: أنْ يخبر مَنْ تثق به بشيء، كما تواترت الأخبارعن الرحالة بوجود قارة أسموها فيما بعد أمريكا، وبها كذا وكذا، فهذا نسميه "علم يقين"، فإذا ركبت الطائرة إلى أمريكا فرأيتها وشاهدت ما بها فهذا "عين اليقين" فإذا نزلتَ بها وتجولتَ بين شوارعها ومبانيها فهذا نسميه "حقيقة اليقين". لذلك؛ حين يخبر الله تعالى الكافرين بأن هناك عذاباً في النار فهذا الإخبار صادق من الله فعِلْمنا به "علم يقين"، فإذا رأيناها فهذا "عين اليقين" كما قال سبحانه: {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 7] فإذا ما باشرها أهلها، وذاقوا حرّها ولظاها - وهذا مقصور على أهل النار - فقد علموها حَقَّ اليقين، لذلك يقول تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 90-96]. ومعنى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ..} [الحج: 2] الذهول: هو انصراف جارحة عن مهمتها الحقيقية لهوْلٍ رأتْه فتنشغل بما رأته عن تأديةِ وظيفتها، كما يذهل الخادم حين يرى شخصاً مهيباً أو عظيماً، فيسقط ما بيده مثلاً، فالذهول - إذن - سلوك لا إرادي قد يكون ذهولاً عن شيء تفرضه العاطفة، أو عن شيء تفرضه الغريزة. العاطفة كالأم التي تذهَلُ عن ولدها، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة الولد، ففي مرحلة الحمل مثلاً تجد الأم تحتاط في مشيتها، وفي حركاتها، خوفاً على الجنين في بطنها، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم للحفاظ على الوليد، وإلاَّ تعرض لما يؤذيه أو يُودِي بحياته. لذلك، لما سألوا المرأة العربية عن أحب أبنائها ، قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يُشْفَى، فحسب الحاجة يعطي الله العاطفة، فالحامل عاطفتها نحو ولدها قوية، وهي كذلك في مرحلة الرضاعة. فانظر إلى المرضعة، وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه، وأيُّ هول هذا الذي يشغلها، ويُعطِّل عندها عاطفة الأمومة والحنان ويُعطِّل حتى الغريزة. وقد أعطانا القرآن صورة أخرى في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-36]. ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يذكر هنا الأخ قبل الأب والأم، قالوا: لأن الوالدين قد يُوجدان في وقت لا يرى أنهما في حاجة إليه، ولا هو في حاجة إليهما لأنه كبر، أمَّا الأخ ففيه طمع المعونة والمساعدة. وقوله تعالى: {كُلُّ مُرْضِعَةٍ ..} [الحج: 2]. والمرضعة تأتي بفتح الضاد وكَسْرها: مُرضَعة بالفتح هي التي من شأنها أن ترضع وصالحة لهذه العملية، أما مُرضِعة بالكسر فهي التي تُرضع فعلاً، وتضع الآن ثديها في فَم ولدها، فهي مرضِعة فانظر - إذن - إلى مدى الذهول والانشغال في مثل هذه الحالة. وقوله تعالى: {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ..} [الحج: 2] بعد أنْ تكلَّم عن المرضع رقَّى المسألة إلى الحامل، ومعلوم أن الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني، فالرحم بمجرد أنْ تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها، كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} تفسير : [الحج: 5]. فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله، فهذه - إذن - مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها. إذن: وَضْع هذا الحمل دليل هَوْل كبير وأمر عظيم يحدث. والحَمْل نوعان: ثقَل تحمله وهو غيرك، وثقل تحمله في ذاتك، ومنه قوله تعالى: {أية : وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} تفسير : [طه: 101] والحِمْل (بكسر الحاء): هو الشيء الثقيل الذي لا يُطيقه ظهرك، أمّا الحَمْل بالفتح فهو: الشيء اليسير تحمله في نفسك. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: شعر : لَيْسَ بِحِمْلٍ مَا أطَاقَ الظَّهْرُ مَا الحِمْلُ إلاَّ مَا وَعَاهُ الصَّدْر تفسير : أي: أن الشيء الذي تطيق حَمْله ويَقْوى عليه ظهرك ليس بحمل، إنما الحمل هو الهمّ الذي يحتويه الصدر. ثم يقول سبحانه: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] سكارى: أي يتمايلون مضطربين، مثل السكارى حين تلعب بهم الخمر، (وتطوحهم) يميناً وشمالاً، وتُلقِي بهم على الأرض، وكلما زاد سُكْرهم وخروجهم عن طبيعتهم كان النوع شديداً!! وهكذا سيكون الحال في موقف القيامة لا من سُكْرِ ولكن من خوف وهَوْل وفزع {وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2]. لكن، من أين يأتي اضطراب الحركة هذا؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق الجوارح، وخلق في كل جارحة غريزة الانضباط والتوازن، وعلماء التشريح يُحدِّدون في الجسم أعضاء ومناطق معينة مسئولة عن حِفْظ التوازن للجسم، فإذا ما تأثرتْ هذه الغدد والأعضاء يشعر الإنسان بالدُّوار، ويفقد توازنه، كأنْ تنظر من مكان مرتفع، أو تسافر في البحر مثلاً. فهذا الاضطراب لا من سُكْر، ولكن من هَوْل ما يرونه، فيُحدث لديهم تغييراً في الغُدد والخلايا المسئولة عن التوازن، فيتمايلون، كمن اغتالتْه الخمر. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] إنهم لم يَرَوْا العذاب بَعْد، إنها مجرد قيام الساعة وأهوالها أفقدتهم توازنهم؛ لأن الذي يَصْدُق في أن القيامة تقوم بهذه الصورة يَصْدُق في أن بعدها عذاباً في جهنم، إذن: انتهت المسألة وما كنا نكذب به، ها هو ماثل أمام أعيننا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : حدّثنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلام في قولِه تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} معناه تَسلُو وتَنسَى.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 662 : 2 : 32 - سفين {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ}. [الآية 2].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحج قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} [2] 359 - أنا محمدُ بن العلاءِ، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقولُ الله تبارك وتعالى لآدم يوم القيامة: يا آدمُ قُم فابعث من ذُريتك بعث النار فيقولُ: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كُلِّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين ويبقى واحدٌ فعند ذلك يشيبُ الصغير {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى/ ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} فشقَّ ذلك على أصحابه، فقالو: يا رسول [الله] من كُلِّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين ويبقى واحدٌ، فأينا ذلك الواحدُ؟ فدخل منزله ثُم خرج عليهم فقال: من يأجوج ومأجوج ألفٌ ومنكم واحدٌ وأبشروا فإني لأرجوا أن تكونوا رُبع أهل الجنةِ، فكبروا، وحمدوا الله قال: إني لأرجوا أن تكونوا ثُلثَ أهلِ الجنةِ فكبروا وحمدوا [الله، فقال إني لأرجوا الله أن تكونوا نصف أهلِ الجنةِ، فكبروا وحمدوا الله] قال: ما أنتم في الأُمم إلا كالشعرةِ البيضاءِ في الثور الأسود أو كالشعرة السوداءِ في الثور الأبيضِ ". تفسير : 360 - أنا محمد بن بشارٍ، نا يحيى، نا هشامٌ، عن قتادة، عن الحسنِ، عن عمران بن حُصينٍ، قال: حديث : كُنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ فتفاوت بين أصحابهِ في السير فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صوتهُ بهاتين الآيتينِ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [1-2] فلما سمع بذلك أصحابهُ عرفوا أنه قولٌ يقوله، فقال: "هل تدرون أي يومٍ ذاكم؟" قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: "ذلك يومٌ يُنادي الله فيه: يا آدم ابعث بعث النارِ، فيقول: يا ربِّ وما بعث النارِ، فيقول: من كُلِّ ألفٍ تسع مائةٍ وتسعةً وتسعين في النار وواحدٌ في الجنة" فأبلس القومُ حتى ما أوضحوا بضاحكةٍ، فلما رأى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم الذي بأصحابه قال: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدهِ إنكم لمع خليقتينِ ما كانتا مع شيءٍ إلا كثَّرتاهُ، يأجوج ومأجوجُ ومن مات من بني آدم وبني إبليس، قال فسُرِّيَ عن القوم بعض الذي يجدون، فقال اعملوا وأبشروا فوالذي نفسُ مُحمدٍ بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامةِ في جنب البعير أو كالرقمةِ في ذراع/ الدَّابة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):