Verse. 2598 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِي اللہِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَّيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطٰنٍ مَّرِيْدٍ۝۳ۙ
Wamina alnnasi man yujadilu fee Allahi bighayri AAilmin wayattabiAAu kulla shaytanin mareedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في النضر بن الحارث وجماعته «ومن الناس من يجادل في الله بغير علم» قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا «ويتبع» في جداله «كل شيطان مريد» أي متمرد.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله. ثم بين في هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا في الأول. وأخبر عن مجادلتهم الثاني: أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها، فإن من الناس من يجادل في الله بغير علم، ثم في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } وجهان: الأول: أنهم الذين ينكرون البعث، ويدل عليه قوله: { أية : أَوَ لَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } تفسير : [يس: 77] إلى آخر الآية. وأيضاً فإن ما قبل هذه الآية وصف البعث وما بعدها في الدلالة على البعث، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة في البعث والثاني: أنها نزلت في النضر بن الحرث، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين، ويقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. المسألة الثانية: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: { أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } تفسير : [الزخرف: 58] والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: { أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125]. المسألة الثالثة: في قوله: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } قولان: أحدهما: يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني: أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس، يقال صخرة مرداء أي ملساء، ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز حد مثله. أما قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ } ففيه وجهان: أحدهما: أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله والثاني: كتب عليه في أم الكتاب، واعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان، يحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد منهما، فإن رجع إلى من / يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار. وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلاً لهذا الوعيد، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ } قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل، ويجوز أن يقضي على من يقبله بقوله، قد أضله عن الجنة وهداه إلى النار. قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان لا وقوعه محالاً. المسألة الثانية: دلت الآية على أن المجادل في الله إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية. المسألة الثالثة: قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في الله ليست من خلق الله تعالى وبإرادته، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان، وكان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله والجواب: المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعي. المسألة الرابعة: قرىء (أنه) بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب والثاني عطف عليه، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما يقول كتبت أن الله هو الغني الحميد، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} قيل: المراد النضر بن الحارث، قال: إن الله عز وجل غيرُ قادر على إحياء من قد بَلِيَ وعاد تراباً. {وَيَتَّبِعُ} أي في قوله ذلك. {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} متمرّد. {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} قال قتادة ومجاهد: أي من تولّى الشيطان. {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا بعث بعد الموت هي تعمه وأضرابه. {وَيَتَّبِعْ } في المجادلة أو في عامة أحواله. {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } متجرد للفساد وأصله العري.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضاً عما أنزل الله على أنبيائه، متبعاً في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: علم صحيح، {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ} قال مجاهد: يعني: الشيطان، يعني: كتب عليه كتابة قدرية {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} أي: اتبعه وقلده {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي: يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج، وقد قال السدي عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وكذلك قال ابن جريج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة، حدثنا المعتمر، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو، من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في النضر بن الحارث وجماعة {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } قالوا:الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأوّلين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا {وَيَتَّبِعُ } في جداله {كُلَّ شَيْطَٰنٍ مَّرِيدٍ } أي متمرّد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فيه قولان: أحدهما: أن يخاصم في الدين بالهوى، قاله سهل بن عبد الله. والثاني: أن يرد النص بالقياس، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث.

ابن عطية

تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} قوله تعالى {ومن الناس} الآية، قال ابن جريح نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وقيل في أبي جهل بن هشام ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة، و"المجادلة" المحاجة والموادة مؤخوذة من الجدل وهو الفتل والمعنى في قدرة الله تعالى وصفاته، وكان سبب الآية كلام من ذكر وغيرهم في أن الله تعالى لا يبعث الموتى ولايقيم الأجساد من القبور، و"الشيطان" هنا هو مغويهم من الجن ويحتمل أن يكون الشيطان من الإنس والإنحاء على متبعيه و"المريد" المتجرد من الخير للشر ومنه الأمرد، وشجرة مردى أي عارية من الورق، وصرح ممرد أي مملس من زجاج، وصخرة مرداء أي ملساء. والضمير في {عليه} عائد على الشيطان قاله قتادة ويحتمل أن يعود على المجادل و {أنه} في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله و {أنه} الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها وقيل هي مكررة للتأكيد فقط وهذا معترض بأن الشيء لا يؤكد إلا بعد تمامه وتمام "أن" الأولى إنما هو بصلتها في قوله {السعير} وكذلك لا يعطف ولسيبويه في مثل هذا {أنه} بدل، وقيل {أنه} خبر ابتداء محذوف تقديره فشأنه أنه يضله وقدره أبو علي فله أن يضله. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الضمير في {أنه} الأولى للشيطان وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقوله {يهديه} بمعنى يدله على طريق ذلك وليست بمعنى الإرشاد على الإطلاق، وقرأ أبو عمرو "إنه من تولاه فإنه يضله" بالكسر فيهما، وقوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} الآية هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى وضرب الله تعالى في هذه الآية مثلين إذا اعتبرهما الناظر جوز في العقل البعثة من القبور، ثم ورد خبر الشرع بوجوب ذلك ووقوعه، و"الريب" الشك، وقوله تعالى: {إن كنتم} شرط مضمنه التوفيق، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "البعَث" بفتح العين وهي لغة في البعث عند البصريين وهي عند الكوفيين تخفيف بعث وقوله تعالى: {فإنا خلقناكم من تراب} يريد آدم ثم سلط الفعل عليهم من حيث هم من ذريته، وقوله تعالى: {ثم من نطفة} يريد المني الذي يكون من البشر، و"النطفة" تقع على قليل الماء وكثيره، وقال النقاش المراد {نطفة} آدم، وقوله تعالى: {ثم من علقة}، يريد من الدم تعود النطفة إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعلق، الدم العبيط وقيل العلق، الشديد الحمرة فسمي الدم لذلك، وقوله تعالى: {ثم من مضغة} يريد بضعة لحم على قدر ما يمضغ، وقوله تعالى: {مخلقة} معناه متممة البنية، {وغير مخلقة} غير متممة أي التي تستسقط قاله مجاهد وقتادة والشعبي وأبو العالية فاللفظة بناء مبالغة من خلق ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منها مختص بخلق حسن في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقاً كثيرة، وقرأ ابن أبي عبلة "مخلقةً" بالنصب "وغيرَ" بالنصب في الراء ويتصل بهذا الموضوع من الفقه أن العلماء اختلفوا في أم الولد اذا أسقطت مضغة لم تصور هل تكون أم ولد بذلك فقال مالك والأوزاعي وغيرهما: هي أم ولد بالمضغة إذا علم أنها مضغة الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا حتى يتبين فيه خلق ولو عضو واحد، وقوله تعالى: {لنبين} قالت فرقة معناه لنبين أمر البعث فهو اعتراض بين الكلامين، وقرأت هذه الفرقة بالرفع في "نقرُّ"، المعنى ونحن نقر وهي قراءة الجمهور، وقالت فرقة {لنبين} معناه بكون المضغة غير مخلقة وطرح النساء إياها كذلك نبين للناس أن المناقل في الرحم هي هكذا، وقرأت هذه الفرقة "ونقرَّ" بالنصب وكذلك قرأت "ونخرجَكم" بالنصب وهي رواية المفضل عن عاصم، وحكى أبو عمرو الداني أن رواية المفضل هذه هي بالياء في "يقر" وفي "يخرجكم" والرفع على هذا التأويل سائغ ولا يجوز النصب على التأويل الأول، وقرأ ابن وثاب "ما نِشاء" بكسر النون، و"الأجل المسمى" هو مختلف بحسب جنين جنين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حياً، وقوله تعالى: {طفلاً} اسم الجنس أي أطفالاً، واختلف الناس في "الأشد" من ثمانية عشر إلى ثلاثين، إلى اثنين وثلاثين، إلى ستة وثلاثين، إلى أربعين، إلى خمسة وأربعين، واللفظ تقال بإشتراك، فأشد الانسان على العموم غير أشد اليتيم الذي هو الاحتلام، و"الأشد" في هذه الآية يحتمل المعنيين، والرد إلى أرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانه واختلال قوة حتى لا يقدر على إقامة الطاعات واختلال عقل حتى لا يقدر على إقامة ما يلزمه من المعتقدات، وهذا أبداً يلحق مع الكبر وقد يكون {أرذل العمر} في قليل من السن بحسب شخص ما لحقته زمانة وقد ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {أرذل العمر} خمسة وسبعون وهذا فيه نظر وإن صح عن علي رضي الله عنه فلا يتوجه إلا أن يريد على الأكثر فقد نرى كثيراً أبناء ثمانين سنة ليسوا في أرذل العمر، وقرأ الجمهور "العمر" مشبعة وقرأ نافع "العمر" مخففة الميم واختلف عنه، وقوله تعالى: {لكيلا يعلم} أي لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه فلا يعلم من ذلك شيئاً فهذا مثال واحد يقضي للمعتبر به أن القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى. {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} هذا هو المثال الثاني الذي يعطي للمعتبر فيه جواز بعد الإجساد وذلك أن إحياء الأرض بعد موتها بين فكذلك الأجساد، و {هامدة} معناه ساكنة دارسة بالية ومنه قيل همد الثوب إذا بلي، قال الأعشى: [الكامل] شعر : قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همدا تفسير : واهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء، {وربت} معناه نشزت وارتفعت ومنه الربوة وهو المكان المرتفع، وقرأ جعفر بن القعقاع "وربأت" بالهمز، ورويت عن أبي عمرو وقرأها عبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وهي غير وجيهة ووجهها أن تكون من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو، و"الزوج" النوع، و"البهيج" فعيل من البهجة وهي الحسن قاله وقتادة وغيره. قوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى كون ما تقدم ذكر فـ {ذلك} ابتداء، وخبره {بأن} أي هو {بأن الله} تعالى {حق} محيي قادر وقوله {وأن الساعة آتية} ليس بسبب لما ذكر لكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض أو على تقدير: والأمر أن الساعة، وقوله تعالى: {ومن الناس} الآية، الإشارة بقوله {ومن الناس} إلى القوم المتقدم ذكرهم، وحكى النقاش عن محمد بن كعب أنه قال نزلت الآية في الأخنس بن شريق وكرر هذه على جهة التوبيخ فكأنه يقول فهذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان {ومن الناس} مع ذلك {من يجادل} فكأن الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي ها هنا مكررة للتوبيخ، و {ثاني} حال من ضمير في {يجادل} ولا يجوز أن تكون من {من} لأنها ابتداء والابتداء إنما عمله الرفع لا النصب وإضافة {ثاني} غير معتد بها لأنها في معنى الانفصال إذ تقديرها ثانياً عطفه، وقوله {ثاني عطفه} عبارة عن المتكبر المعرض قاله ابن عباس وغيره، ع: وذلك أن صاحب الكبر يرد وجهه عما يتكبر عنه فهو يرد وجهه يصعر خده ويولي صفحته ويلوي عنقه ويثني عطفه وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف الجانب وقرأ الحسن "عَطفه" بفتح العين والعطف السيف لأن صاحبه يتعطفه أي يصله بجنبه، وقرأ الجمهور "لُيضل" بضم الياء، وقرأ مجاهد وأهل مكة بفتح الياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، و"الخزي" الذي توعد به النضر بن الحارث في أسره يوم بدر وقتله بالصفراء، و"الحريق" طبقة من طبقات جهنم، وقوله تعالى: {ذلك بما قدمت يداك} بمعنى قال له ونسب التقديم إلى اليدين إذ هما آلتا الاكتساب واختلف في الوقف على قوله {يداك} فقيل لا يجوز لأن التقدير: وبأن الله أي {وأن الله} هو العدل فيك بجرائمك وقيل يجوز بمعنى والأمر أن الله تعالى {ليس بظلام} و"العبيد" هنا ذكروا في معنى مكسنتهم وقلة قدرتهم فلذلك جاءت هذه الصيغة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُجَادِلُ} يرد النص بالقياس أو يخاصم في الدين بالهوى، نزلت في النضر بن الحارث "ع".

النسفي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } في دين الله {بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال. نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن: أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي، أو هي عامة في كل من يخاصم في الدين بالهوى {وَيَتَّبِعْ } في ذلك {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } عاتٍ مستمر في الشر. ولا وقف على {مريد} لأن ما بعده صفته {كُتِبَ عَلَيْهِ } قضي على الشيطان {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } تبعه أي تبع الشيطان {فأَنَّه} فأن الشيطان {يُضِلُّهُ } عن سواء السبيل {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } النار. قال الزجاج: الفاء في فأنه للعطف و «أن» مكررة للتأكيد. ورد عليه أبو علي وقال: إن «من» إن كان للشرط فالفاء دخل لجزاء الشرط، وإن كان بمعنى الذي فالفاء دخل على خبر المبتدأ والتقدير: فالأمر أنه يضله. قال: والعطف والتأكيد يكون بعد تمام الأول، والمعنى كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته إلى النار. ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في النضر بن الحارث كان كثير الجدل وكان يقول للملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين وكان ينكر البعث وإحياء من صار تراباً {ويتبع} يعني في جداله في الله بغير علم {كل شيطان مريد} يعني المتمرد والمستمر في الشر وفيه جهان أحدهما: أنهم شياطين الإنس وهم رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني أنه إبليس وجنوده {كتب عليه} يعني قضى على الشيطان {أنه من تولاه} يعني اتبعه {فإنه} يعني الشيطان {يضله} يعني يضل من تولاه عن طريق الجنة {ويهديه إلى عذاب السعير} وفي الآية زجر عن اتباعه والمعنى كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال ثم ألزم الحجة منكري البعث فقال {يا آيها الناس إن كنتم في ريب} يعني شك {من البعث} يعني بعد الموت {فإنّا خلقناكم من تراب} يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل {ثم من نطفة} يعني ذريته من المني وأصلها الماء القليل {ثم من علقة} يعني من دم جامد غليظ وذلك أنّ النطفة تصير دماً غليظاً {ثم من مضغة} وهو لحمة قليلة قدر ما يمضغ {مخلقة وغير مخلقة}. قال ابن عباس: أي تامة الخلق وغير تامة الخلق وقيل مصورة وغير مصورة وهو السقط. وقيل: المخلقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته وغير المخلقة السقط فكأنه سبحانه وتعالى قسم المضغة إلى قسمين أحدهما تام الصورة والحواس والتخطيط، والقسم الثاني هو الناقص عن هذه الأحوال كلها. وروي عن علقمة عن ابن مسعود موقوفاً عليه قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة فإن قال غير مخلقة قذفها في الرحم دماً ولم تكن نسمة وإن قال مخلقة قال الملك: إي رب أذكر أم أثنى شقي أم سعيد ما الأجل ما العمل ما الرزق بأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته والذي أخرجاه في الصحيحين عنه قال حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوَ الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه بعمل أهل الجنة فيدخلها"تفسير : وقوله تعالى {لنبين لكم} أي كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة وقيل لنبين لكم أنّ تغير المضغة إلى الخلقة هو اختيار الفاعل المختار فإنّ القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة {ونقر في الأرحام ما نشاء} أي لا تسقطه ولا تمجه {إلى أجل مسمّى} أي وقت خروجه من الرحم تام الخلق {ثم نخرجكم} أي وقت الولادة من بطون أمهاتكم {طفلاً} أي صغاراً وإنّما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس {ثم لتبلغوا أشدكم} أي كمال القوة والعقل والتمييز {ومنكم من يتوفى} أي قبل بلوغ الكبر {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي الهرم والخوف {لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} أي يبلغ من السن ما يتغير به عقله فلا يعقل شيئاً فصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال تعالى {وترى الأرض هامدة} أي يابسة لا نبات فيها {فإذا أنزلنا عليها الماء} يعني المطر {اهتزت} أي تحركت بالنبات {وربت} أي ارتفعت وذلك أنّ الأرض ترتفع بالنبات {وأنبتت} هو مجاز لأن الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى الأرض توسعاً {من كل زوج بهيج} أي من كل صنف حسن نضير والبهيج هو المبهج وهو الشيء المشرق الجميل ثم إنّ الله تعالى لمّا ذكر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}. قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ اللّه تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في {عَلَيْهِ} عائد على الشيطان؛ قاله قتادة، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و «أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله: {ٱلسَّعِيرِ} وكذلك لا يُعْطَفُ عليه، ولسيبويه في مثل هذا: أنه بدل، وقيل: «أنه» الثانية خبر مبتدإٍ محذوف تقديره: فشأنه أَنه يضلّهُ. قال * ع *: ويظهر لي أَنَّ الضميرَ في {أَنَّهُ} الأولى للشيطان، وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقرأ أبو عمرو: «فإِنَّه» بالكسر فيهما.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ} الآية. في النظم وجهان: الأول: أنه أخبر فيما تقدم عن أهل القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله، ثم ميز في هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا في الأولى وأخبر عن مجادلتهم. الثاني: أنه تعالى بيَّن أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها، قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قوله: "مَنْ يُجَادِلُ" يجوز أن تكون "مَنْ" نكرة موصوفة، وأن تكون موصولة، و"فِي اللَّهِ" أي: في صفاته، و"بِغَيْرِ عِلْمٍ" مفعول أو حال من فاعل "يُجَادِلُ" وقرأ زيد بن عليّ "وَيَتْبَع" مخففاً. فصل قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول: الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث، وإحياء من صار تراباً، ويتبع في جداله في الله بغير علم كل شيطان مريد. والمَرِيد: المتمرد المستمر في الشر. يريد شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر. وقيل: أراد إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد: المرتفع الأملس. يقال: صخرة مرداء، أي: ملساء. ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز [حد] مثله. قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ} قرأ العامة "كُتِبَ" مبنياً للمفعول، وفتح "أَنّ" في الموضعين. وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن "أَنَّه" وما في حيزه في محل نصب لقيامه مقام الفاعل، فالهاء في "عَلَيْه"، وفي "أَنَّه" تعودان على "من" المتقدمة. و"مَنْ" الثانية يجوز أن تكون شرطية، والفاء جوابها، وأن تكون موصولة والفاء زائدة في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وفتحت "أن" الثانية، لأنها وما في حيزها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فشأنه وحاله أنه يضله، أو يقدر "فَأَنَّه" مبتدأ والخبر محذوف أي: فله أنه يضله. الثاني: قال الزمخشري: ومن فتح فلأن الأول فاعل كتب، والثاي عطف عليه. قال أبو حيان: وهذا لا يجوز؛ لأنك إذا جعلت "فَأَنَّه" عطفاً على "أنه" بقيت "أنه" بلا استيفاء خبر، لأن "من تولاه" "من" فيه مبتدأة فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل خبراً لـ "أَنَّه"، وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها، إذ جعلت "فأنه" عطفاً على "أنه". قال شهاب الدين: وقد ذهب ابن عطية إلى مثل قول الزمخشري فإنه قال: و"أنه" في موضع رفع (على المفعول الذي لم يسم فاعله. و"أنه" الثانية عطف على الأولى مؤكد وهذا رد واضح. وقرئ "كُتِبَ" مبنياً للفاعل، أي: كتب الله، فـ (أن) وما في حيزها في محل نصب) على المفعول به، وباقي الآية على ما تقدم. وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمرو "إنه، فإنه" بكسر الهمزتين. وقال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو "إنه، فإنه" بالكسر فيهما وهذا يوهم أنه مشهور عنه، وليس كذلك. وفي تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه، ذكرها الزمخشري: الأول: أن يكون على حكاية المكتوب كما هو، كأنه قيل: كتب عليه هذا اللفظ، كما تقول: كتب عليه إن الله هو الغني الحميد. الثاني: أن يكون على إضمار قيل. الثالث: أن "كتب" فيه معنى قيل. قال أبو حيان: أمّا تقدير قيل يعني فيكون "عليه" في موضع مفعول ما لم يسم فاعله، و"أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّه" الجملة مفعول لم يسم لقيل المضمر، وهذا ليس مذهب البصريين فإن الجملة عندهم لا تكون فاعلاً فلا تكون مفعول ما لم يسم فاعله. وكان أبو حيان قد اختار ما بدأ به الزمخشري أولاً، وفيه ما فَرَّ منه وهو أنه أسند الفعل إلى الجملة فاللازم مشترك، وقد تقدم تقرير مثل هذا في أول البقرة. ثم قال: وأما الثاني يعني أنه ضمن "كُتِبَ" معنى القول -، فليس مذهب البصريين، لأنه لا تكسر "أن" عندهم إلا بعد القول الصريح، لا ما هو بمعناه. والضميران في "عَلَيه" و"أَنَّه" عائدان على "مَنْ" الأولى كما تقدم، وكذلك الضمائر في "تَوَلاَّه" و"فَأَنَّه" والمرفوع في "يضله ويهديه" لأن من الأولى هو المحدث عنه والضمير المرفوع في "تولاه" والمنصوب في "يضله ويهديه" عائد على "من" الثانية. وقيل: الضمير في "عليه" لـ "كُلَّ شَيْطَانٍ"، والضمير في "فَأَنَّه" للشأن. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن الضمير الأول في "أنه" يعود على "كُلَّ شَيْطَانٍ" وفي "فأنه" يعود على "من" الذي هو المتولى. فصل قيل: معنى "كُتِبَ عَلَيْه" مثل، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه لظهور ذلك في حاله. وقيل: كتب عليه في أم الكتاب. واعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون راجعاً إلى "مَنْ يُجَادِلُ"، وأن يرجع إلى الشياطين. فإن رجع إلى "مَنْ يُجَادِلُ" فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد فكأنه قال: كتب: من يتبع الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه، فكأنه قال: كتب على من هذا حاله أن يصير أهلاً لهذا الوعد. وإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يتولاه فهو ضال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ‏ {‏ومن الناس من يجادل في الله بغير علم‏}‏ قال‏:‏ نزلت في النضر بن الحارث‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏ويتبع كل شيطان مريد‏}‏ قال‏:‏ تمرد على معاصي الله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله ‏{‏كتب عليه‏} ‏ قال‏:‏ كتب على الشيطان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ‏ {‏كتب عليه‏} ‏ قال‏:‏ على الشيطان ‏ {‏أنه من تولاه‏}‏ قال‏:‏ اتبعه‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} كلامٌ مبتدأٌ جيءَ به إثرَ بـيانِ عظمِ شأنِ السَّاعةِ المُنبئةِ عن البعثِ بـياناً لحالِ بعضِ المُنكرينَ لها. ومحلُّ الجارِّ الرَّفعُ على الابتداءِ إمَّا بحملِه على المعنى أو بتقديرِ ما يتعلَّقُ به كما مرَّ مراراً، أي وبعضُ النَّاسِ أو وبعضٌ كائنٌ من النَّاس {مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ} أي في شأنِه تعالى ويقولُ فيه ما لا خيرَ فيه من الأباطيلِ وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حالٌ من ضمير يجادلُ موضحة لما يشعرُ بها المجادلة من الجهلِ أي مُلابساً بغيرِ علمٍ. رُوي أنَّها نزلتْ في النَّضرِ بنِ الحارثِ وكان جَدَلاً يقولُ: الملائكةُ بناتُ الله والقرآنُ أساطيرُ الأولينَ ولا بعثَ بعد الموتِ وهي عامَّة له ولأضرابِه من العُتاةِ المُتمرِّدين {وَيَتَّبِعْ} أي فيما يتعاطاهُ من المُجادلةِ أو في كلِّ ما يأتي وما يذرُ من الأمورِ الباطلةِ التي من جُملتِها ذلك {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ} عاتٍ متمرِّدٍ متجرِّدٍ للفسادِ. وأصلُه العريُ المنبىءُ عن التمحضِ له كالتِّشمرِ ولعله مأخوذٌ من تجرُّدِ المصارعينَ عند المُصارعة قال الزَّجَّاجُ: المريدُ والماردُ المرتفعُ الأملسُ، والمرادُ إمَّا رُؤساءُ الكَفَرةِ الذين يَدْعُون مَن دونَهُم إلى الكفرِ وإمَّا إبليسُ وجنودُه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}[3] أي يخاصم في الدين بالهوى والقياس دون الاقتداء، فعند ذلك يضل الناس ويبتدع.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الآية: 3]. قال سهل: تخاصم فى الدين بالهواء والقياس دون الاقتداء فعند ذلك يضل ويبتدع.

القشيري

تفسير : المجادلة لله - مع أعداء الحق وجاحدي الدِّين - من موجبات القربة، والمجادلة في الله - والمماراة مع أوليائه، والإصرارُ على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة، وما كان لوساوس الشيطان ونزغاته فقصاراه النار.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} هذا الناس اهل الخيال من المشبهة والمعتن له وامثالهم من الذين جادلوا فى الله بالقياس والخيال المحال قال سهل يخاصم فى الدين الهوى والقياس من دون الاقتداء فعند ذلك يضل ويبتدع.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الناس} مبتدأ اى وبعض الناس وهو النضر بن الحارث وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله والقرآن اساطير الاولين ولابعث بعد الموت {من يجادل} الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمقاتلة واصله من جدلت الحبل اى احكمت فتله كان المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه {فى الله} اى في شأنه ويقوله فيه مالا خير فيه من الاباطيل حال كون ذلك المجادل ملابسا {بغير علم} [بى دانشى وبى معرفتى وبى برهانى وحجتى]، والآية عامة فى كل كافر يجادل فى ذات الله وصفاته بالجهل وعدم اتباع البرهان. وفي التأويلات النجمية يشير الى ان من يجادل فى الله ماله علم بالله ولا معرفة به والا لم يجادل فيه ولم يستسئل وانما يجادل لاتباعه الشيطان كما قال {ويتبع} في جداله وعامة احواله {كل شيطان مريد} متجرد للفساد متعر من الخيرات وهم رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم الى الكفر أو ابليس وجنوده يقال مردا لشىء اذا جاوز حد مثله واصله العرى يقال غلام امرد وغصن امرد اذا عرى من الشعر والورق، وروى (اهل الجنة مرد) فقد حمل على ظاهره وقيل ان معناه معرّون عن المقابح والشوائب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ومن الناس}: خبر، و {مَن يجادل}: مبتدأ، و {بغير علم}: حال من ضمير "يُجادل"، و {أنه}: نائب فاعل {كُتب}، أي: كتب عليه إضلال من تولاه، و {فإنه}: مَنْ فتح: عنده خبر عن مبتدأ مضمر، أي: فشأنه أن يضله، والجملة جواب "مَن"، إن جعلتها شرطية، وخبر، إنْ جعلتها موصولة متضمنة لمعنى الشرط، ومن كسر: فخبر، أو جواب "مَنْ". يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يُجادل} ويخاصم {في الله} أي: في شأنه، ويقول ما لا يليق بجلال كبريائه وكمال قدرته، ملابسًا {بغير علم}، بل بجهل عظيم حمله على ما فعل. نزلت في النضر بن الحارث، وكان جَدلاً، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت، والله غير قادر على إحياء من بَلى وصار رميمًا. وهي عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين، وكل من يخاصم في الدين بالهوى. {ويتَّبعُ} في ذلك {كلَّ شيطان مَرِيدٍ}؛ عاتٍ متمرد، مستمر في الشر. قال الزجاج: المَريد والمارد: المرتفع الأملس، أي: الذي لا يتعلق به شيء من الخير، والمراد: إما رؤساء الكفرة الذين يدعونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده. ثم وصَف الشيطان المريد بقوله: {كُتِبَ عليه} أي: قضى على ذلك الشيطان {أنه} أي: الأمر والشأن {مَن تولاه} أي: اتخذه وليًا وتبعه، {فأنَّه} أي: الشيطان {يُضِلُّه} عن سواء السبيل، {ويهديه إِلى عذاب السعير} أي: النار. والعياذ بالله. الإشارة: ومِن الناس من تنكبت عنه سابقةُ الخصوصية، فجعل يجادل في طريق الله، وينكر على المتوجهين إلى الله، إذا حرقوا عوائد أنفسهم، وسَدَّ الباب في وجوه عباد الله، فيقول: انقطعت التربية النبوية، وذلك منه بلا عِلْمِ تحقيقٍ ولا حجةٍ ولا برهان، وإنما يتبع في ذلك كُلَّ شيطان مريد، سوَّل له ذلك وتبعه فيه. كُتب عليه أنه من تولاه، وتبعه في ذلك، فإنه يُضله عن طريق الخصوص، الذين فازوا بمشاهدة المحبوب، ويهديه إلى عذاب السعير، وهو غم الحجاب والحصر في سجن الأكوان، وفي أسر نفسه وهيكل ذاته، عائذًا بالله من ذلك. ثمَّ برهن على قيام الساعة التي خوف منها

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ} جملة حاليّة او مستأنفة على مجيء الواو للاستيناف او معطوفة على مقدّرٍ كأنّه قال: فمن النّاس من يسلّم ويخاف ويسلّم من هولها ومن النّاس من لا يسلّم ويجادل {فِي ٱللَّهِ} اى فى ذاته وصفاته واحكامه ومظاهره وخلفائه، ومنها المجادلة فى احكام العباد والنّظر فيها بالرّأى والاستحسان من دون اذنٍ من الله واجازةٍ من خلفائه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} فانّ العلم بالله وصفاته واحكامه وخلفائه لا يحصل الاّ بالشّهود والوجدان وهم قاصرون فيه او بالتّقليد لصاحب الشّهود والوجدان وهم مستنكفون منه {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} عطف فيه معنى التّعليل يعنى يجادل بغير علمٍ لانّه يتّبع كلّ شيطان عاتٍ طاغٍ وباتّباعه لا يحصل له الاّ الجهل والعتوّ فلا يحصل له علم ولا تقليد لاهل علم.

الأعقم

تفسير : {ومن الناس من يجادل في الله} الآية نزلت في النضر بن الحرث وكان يقول: هذا القرآن أساطير الأولين، وقيل: المجادلة في عباده {ويتبع كل شيطان مريد} عاصي عادي، وقيل: من الجن والإِنس {كتب عليه}، قيل: قضي عليه وحكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ، وقيل: على الشيطان، وقيل: على المجادل بالباطل {من تولاه} اتبعه وولاَّه {فأنه يضلّه} عن الدين {ويهديه إلى عذاب السعير} يعني الشيطان يدعوه إلى ما يوجب النار، ثم ذكر الحجة في البعث فإن الأقرب أن الجدال فيه فقال: {يأيها الناس} خطاب للمكلفين {إن كنتم في ريب} أي في شك {من البعث} وهو إحياء الأموات يوم القيامة للجزاء بعد أن صاروا تراباً فالدليل على صحته {انا خلقناكم من تراب} يعني أصلكم وهو آدم فمن قدر على أن يصير التراب بشراً سوياً حيَّاً في الابتداء قدر على أن يحيي العظام {ثم من نطفةٍ} يعني ذريته {ثم من علقةٍ} بأن تصير النطفة علقة وهو الدم الغليظ {ثم من مضغة} بأن تصير العلقة مضغة وهو قطع اللحم {مخلقة وغير مخلقةٍ}، قيل: تامة الخلق وغير تامة الخلق، وقيل: مصورة وغير مصورة، يعني السقط، قال جار الله: المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء، والله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة، أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك تفاوت الناس في خلقهم وصورتهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة {لنبين لكم} بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا {ونقر في الأرحام ما نشاء} إلى التمام، وقيل: علقة ومضغة مخلقة مُدة على ما يغله تعالى {إلى أجل مسمى} وقت مسمى يخرج الولد عنده {ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشُدّكُم} نهاية عقولكم {ومنكم من يتوفى} يقبض روحه فيموت في حال شبابه أو صغره {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}، قيل: أحسنه وأحقره، وقيل: هو الهرم والخرف {لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} يعني يصير إلى حين يعدم عقله فلا يعلم شيئاً أو يذهب علومه هرماً، ثم ذكر دليلاً آخر فقال سبحانه: {وترى الأرض هامدة} يابسة دارسةً من أثر النبات {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت} تحركت بالنبات {وربت} زادت بالنبات لمجيء الغيث {وأنبتت} يعني الأرض {من كل زوج} صنف من النبات {بهيج} حسن الصورة والمنظر {ذلك بأن الله هو الحق} الآية، الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي ميعاده {ومن الناس من يجادل في الله} الآية نزلت في النضر بن الحارث وكان ينكر البعث ويقول الملائكة بنات الله، وإنما جادل في صفات الله وتوحيده وعدله وهم علماء السوء {بغير علم} أي لا يرجع فيما يقوله، إلى علم {ولا هدى ولا كتاب منير} يؤدي إلى الحق وإنما يتبع الهوى والتقليد {ثاني عطفه} يعني أمال عنقه عن الحق اغتراراً لنفسه وخوفاً على جاهه، وقيل: يلوي عنقه كبراً، وثني العطف عبارة على الكبر {ليضل عن سبيل الله} فيضل الناس عن الدين {له في الدنيا خزي} هوانٌ وذلٌ، وقيل: هو ما لحقهم يوم بدر، قوله تعالى: {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} يعني عذاب النار، ثم تقول لهم الملائكة يومئذ {ذلك} العذاب {بما قدمت} أيديكم {يداك} من العمل {وأنَّ الله ليس بظلاّم للعبيد} في تعذيبهم لأنه عذبهم بما قدموا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُّجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني المشرك، يلحد في الله، فيجعل معه آلهة بغير علم أتاه من الله. {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} أي: اجترأ بالمعصية على الله، والشياطين هي التي أمرتهم بعبادة الأوثان.

اطفيش

تفسير : {ومَنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وجماعة؛ قالوا: الملائكة بنات الله والقرآن اساطير الاولين وانكروا البعث ومنهم ابيّ بن خلف وأبو جهل. وقيل نزلت في النضر وابيّ. وقيل في ابي جهل ثم هي عامة في كل من يقول ذلك ويتعاطى الجدال فيما لا يجوز على الله من فعل أو صفة ككونه يرى في الآخرة ولا يرجع إلى علم واضح ولا يعض فيه بضرس قاطع يقلد السلف والآباء ويخبط خبط عشواء {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} مستمر والمراد شياطين الانس الرساة في الدعاء للكفر أو شياطين الجن بالوسوسه.

اطفيش

تفسير : {ومن النَّاسِ من يجادل} ينازع {فى الله} فى شأن الله بإنكاره، أو بجعل الشريك، وإنكار كتابه ورسوله، أو بوصف الله بغير صفته، وإثبات إلا باطل {بغَيْر علم} متعلق بيجادل، أو حال من ضميره، نزلت فى النضر بن الحارث، وكان خصما إذ قال: الملائكة بنات الله سبحانه، والقرآن أساطير الآولين، وآنه سبحانه لا يقدر على إحياء الموتى، وفى أى جهل، وفى أبى بن خلق، وهى عامة فى كل من يجادل فى الله بغير علم، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فالحكم بالعموم. {ويتَّبِع} فى أقوله وأفعاله واعتقاده {كلُ شيطانٍ مُريدٍ} متجرد عن الخير، شجرة جرد لا ورق فيها، ورملة جرداء لا نبات فيها، ورجل أمرد لا لحية له، وأمرد المكيال مسح عليه تفعل قوم لوط فى كيلهم، والمراد إبليس وجنوده، وهو الظاهر أو رؤساء الناس الداعون للعامة الى الكفر.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت كما أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي مالك رضي الله تعالى عنه في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول الملائكة عليهم السلام بنات الله سبحانه والقرآن أساطير الأولين ولا يقدر الله تعالى شأنه على إحياء من بلي وصار تراباً، وقيل في أبـي جهل، وقيل في أبـي بن خلف وهي عامة في كل من تعاطى الجدل فيما يجوز وما لا يجوز على الله سبحانه من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى علم ولا برهان ولا نصفة، وخصوص السبب لا يخرجها عن العموم، وكان ذكرها إثر بيان عظم شأن الساعة المنبئة عن البعث لبيان حال بعض المنكرين لها؛ ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو بتقدير ما يتعلق به، و {بِغَيْرِ عِلْمٍ} في موضع الحال من ضمير {يُجَـٰدِلُ} لإيضاح ما تشعر به المجادلة من الجهل أي وبعض الناس أو بعض كائن من الناس من ينازع في شأن الله عز وجل ويقول ما لا خير فيه من الأباطيل ملابساً الجهل. {وَيَتَّبِعُ} فيما يتعاطاه من المجادلة أو في كل ما يأتي وما يذر من الأمور الباطلة التي من جملتها ذلك {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ} متجرد للفساد معرى من الخير من قولهم: شجرة مرداء لا ورق لها، ومنه قيل: رملة مرداء إذا لم تنبت شيئاً، ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر، وقال الزجاج: أصل المريد والمارد المرتفع الأملس وفيه معنى التجرد والتعري، والمراد به إما إبليس وجنوده وإما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وَيَتَّبِعْ} خفيفاً.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ياأيها الناس اتقوا ربكم}تفسير : [الحج: 1]، أي الناس فريقان: فريق يمتثل الأمر فيتقي الله ويخشى عذابه، وفريق يعرض عن ذلك ويعارضه بالجدل الباطِل في شأن الله تعالى من وحدانيته وصفاته ورسالته. وهذا الفريق هم أيمة الشرك وزعماء الكفر لأنهم الذين يتصدّون للمجادلة بما لهم من أغاليط وسفسطة وما لهم من فصاحة وتمويه. والاقتصارُ على ذكرهم إيماء إلى أنهم لولا تضليلهم قومَهم وصدهم إياهم عن متابعة الدين لاتّبع عامة المشركين الإسلام لظهور حجته وقبولها في الفطرة. وقيل: أريد بــــ {من يجادل في الله} النضر بن الحارث أو غيره كما سيأتي، فتكون (مَن) الموصولة صادقة على متعدد عامة لكل مَن تصدق عليه الصلة. والمجادلة: المخاصمة والمحاجّة. والظرفية مجازية، أي يجادل جدلاً واقعاً في شأن الله. ووصف الجدل بأنه بغير علم، أي جدلاً ملتبساً بمغايرة العلم، وغير العلم هو الجهل، أي جدلاً ناشئاً عن سوء نظر وسوء تفكير فلا يعلم ما تقتضيه الألوهية من الصفات كالوحدانية والعلم وفعل ما يشاء. واتباع الشيطان: الانقياد إلى وسوسته التي يجدها في نفسه والتي تلقاها بمعتاده والعمل بذلك دون تردد ولا عَرض على نظر واستدلال. وكلمة (كل) في قوله {كل شيطان} مستعملة في معنى الكثرة. كما سيأتي قريباً عند قوله تعالى: {أية : وعلى كل ضامر}تفسير : [الحج: 27] في هذه السورة. وتقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}تفسير : في[سورة البقرة: 145]. والمَرِيد: صفة مُشبهة مِن مَرُد ــــ بضم الراء ــــ على عمل، إذا عتا فيه وبلغ الغاية التي تتجاوز ما يكون عليه أصحاب ذلك العمل، وكأنه مُحول مِن مَرَد بفتح الراء ــــ بمعنى مَرَن ــــ إلى ضم الراء للدلالة على أن الوصف صار له سجية، فالمريد صفة مشبهة، أي العاتي في الشيطنة.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس بعضاً يجادل في الله بغير علم: أي يخاصم في الله بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله، كالذي يَدَّعي له الأولاد والشركاء، ويقول إن القرآن أساطير الأولين، ويقول: لا يمكن أن يحيي الله العظام الرميم، كالنضر بن الحارث، والعاص بن وائل، وأبي جهل بن هشام وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في الله ذلك الجدال الباطل بغير مستند، من علم عقلي، ولا نقلي، ومع جدالهم في الله ذلك الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد: أي عاتٍ طاغٍ من شياطين الإنس والجن {كُتِبَ عَلَيْهِ} أي كتب الله عليه كتابه قدر وقضاء {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} أي كل من صار ولياً له: أي للشيطان المريد المذكور، فإنه يضله عن طريق الجنة إلى النار، وعن طريق الإيمان إلى الكفر، ويهديه إلى عذاب السعير: أي النار الشديدة الوقود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في الله بغير علم: أي يخاصم فيه بغير مستند من علم بينة في غير هذا الموضع كقوله في هذه السورة الكريمة {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} تفسير : [الحج: 8] {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 9] الآية وقوله تعالى في لقمان {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [لقمان: 20-21] فقوله في آية لقمان هذه: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، كقوله في الحج {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الحج: 4] وهذه الآية الكريمة التي هي قوله: {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}تفسير : [الحج: 8] الآية يدخل فيما تضمنته من الوعيد والدم: أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في الله بغير علم قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 77-78] وقوله في أول النحل {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 4] وقوله تعالى {أية : وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}تفسير : [الكهف: 56] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}تفسير : [الشورى: 16] وقوله تعالى: {أية : أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}تفسير : [الزخرف: 58] وقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الأنعام: 25] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أنه قدر وقضى أن من تولى الشيطان، فإن الشيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6] وقوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [لقمان: 21] وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم: {أية : يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}تفسير : [مريم: 45] وقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [النور: 21] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها: أنه من يجادل بعلم على ضوء هدى كتاب منير، كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود لأن مفهوم قوله {أية : بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [الحج: 8] أنه إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس في ذلك اتباع للشيطان، ويدل لهذا المفهوم المذكور قوله تعالى {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] وقوله تعالى {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [العنكبوت: 46]. وقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة: هي المراد من قوله {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ}تفسير : [الزخرف: 58] والمجادلة الحقة هي المراد من قوله {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] ا هـ. منه. وقوله تعالى في هذه الآية {عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير: فعيل، بمعنى: مفعول من قول العرب: سعر النار، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله {أية : وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 12] فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص: سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة: شعر : قالت له عرسهُ يوماً لتُسْمعني مهلاً فإِنَّ لنا في أمِّنا أربا ولو رأتني في نار مُسعَّرة ثم استطاعت لزادَت فوقَها حَطبا تفسير : إذ لا يخفى أن قوله: مسعرة: اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير: فعيل بمعنى اسم المفعول: أي النار المسعرة: أي الموقدة إيقاداً شديداً لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذاً بالله منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، وفي ذلك لغة ثالثة، إلا أنها ليست في القرآن: وهي أسعر النار بصيغة أفعل، بمعنى: أوقدها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضاً في الدلالة على الشر، لأنه قال: {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 23] وقوله تعالى{أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [القصص: 41] الآية لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك، بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية، معروف كما أشرنا إليه سابقاً وقوله تعالى {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية: العاتي، تقول: مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومَريد إذا كان عاتياً. والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس، والله تعالى أعلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- ومع هذا التحذير الشديد الصادق، فإن بعض الناس دفعه العناد - أو التقليد - إلى الجدل فى الله وصفاته فأثبت له الشركاء، أو أنكر قدرته على البعث ومجازاة الناس على أعمالهم، غير مستند فى جدله وإنكاره إلى علم صحيح أو حجة صادقة، ولكنه يقلد ويتبع خطوات كل شيطان متمرد على ربه بعيد عن هديه. 4- قضى الله أن كل من اتبعه واتخذه ولياً وهادياً أضله عن طريق الحق، ووجَّهه إلى الباطل المفضى به إلى عذاب النار المسعَّرة المتأججة. 5- يا أيها الناس إن كنتم فى شك من بَعْثِنا لكم بعْد الموت ففى خلقكم الدليل على قدرتنا على البعث، فقد خلقنا أصلكم من تراب، ثم جعلنا منه نطفة حوَّلْناها بعد مدة إلى قطعة دم متجمدة، ثم جعلناها قطعة من اللحم مُصَوَّرة فيها معالم الإنسان، أو غير مصورة لِنُبيِّن لكم قدرتنا على الإبداع والتدرج فى التكوين، والتغيير من حال إلى حال، ونسقِط من الأرحام ما نشاء، ونقر فيها ما نشاء، حتى تكمل مدة الحمل، ثم نُخْرِجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً، ثم نرعاكم لتبلغوا تمام العقل والقوة، ومنكم بعد ذلك من يتوفاه الله، ومنكم من يمد له عمره حتى يصير إلى الهرم والخوف فيتوقف علمه وإدراكه للأشياء، ومن بَدَأَ خلقكم بهذه الصورة لا تعجزه إعادتكم. وأمر آخر يدلك على قدرة الله على البعث: أنك ترى الأرض قاحلة يابسة، فإذا أنزلنا عليها الماء دبَّت فيها الحياة وتحركت وزادت وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظره، ويُبهر حسنه، ويُبْتَهجُ لمرآه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُجَادِلُ} {شَيْطَانٍ} (3) - بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الله تَعَالَى حَالَ النَّاسِ يَوْمَ الحَشْرِ، وَبَعْدَ أَنْ أَكَّدَ أَنَّ الحَشْرَ وَالفَزَعَ وَاقِعَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ لا مَحَالَةً، قَالَ تَعَالَى: وَمَعَ ذلِكَ فإِنَّ هُنَاكَ بَعْضَ النَّاسِ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ: فِي وُجُودِ اللهِ، وَفِي وحْدَانِيَّتِهِ، وفِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِحيَاءِ المَوْتَى.. وَفِي عِلْمِهِ. وَجِدَالُهُمْ هذا بِغَير عِلْمٍ صَحِيحٍ، وَبِدُونِ دَليلٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ جِدالٌ نَاتِجٌ عنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ المُتَمَرِّدِ عَلَى رَبِّهِ. المَرِيدُ - العَاتي المُتَجَرِّدُ لِلْفَسَادِ، المُخَالِفُ لِلْحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الجدل: هو المحاورة بين اثنين، يريد كل منهما أنْ يؤيد رأيه ويدحضَ رأْيَ الآخر، ومنه: جَدْل الخوص أو الحبل أي: فَتْله واحدة على الأخرى. ولو تأملتَ عملية غَزْل الصوف أو القطن لوجدته عبارة عن شعيرات قصيرة لا تتجاوز عدة سنتيمترات، ومع ذلك يصنعون منه حَبْلاً طويلاً، لأنهم يداخلون هذه الشعيرات بعضها في بعض، بحيث يكون طرف الشعرة في منتصف الأخرى، وهكذا يتم فَتْله وغَزْله، فإذا أردتَ تقوية هذه الفَتْلة تجدِلُها مع فتلة أخرى، وهكذا يكون الجدل في الأفكار، فكل صاحب فكرة يحاول انْ يُقوِّي رأيه وحجته؛ ليدحض حجة الآخرين. فقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ..} [الحج: 3] فكيف يكون الجدل في الله تعالى؟ يكون الجدل في الله وجوداً، كالملحد الذي لا يعترف بوجود إله، أو يكون الجدل في الوحدانية، كمن يشرك بالله إلهاً آخر، أو يكون الجدل في إعلام الله بشيء غيبي، كأمر الساعة الذي ينكره البعض ولا يُصدِّقون به، هذا كله جدل في الله. وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [الحج: 3] إذن: فالجدل في ذاته مُبَاح مشروع، شريطة أن يصدر عن علم وفقه، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125]. فالحق سبحانه لا يمنع الجدل، لكن يريده بالطريقة الحسنة والأسلوب اللين، وكما يقولون: النصح ثقيل، فلا تجعله جَدَلاً، ولا ترسله جبلاً، ولا تُخرِج الإنسان مما يألف بما يكره، واقرأ قوله تعالى:{أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ..} تفسير : [النحل: 125]. وقال سبحانه: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [العنكبوت: 46]. لذلك؛ فالقرآن الكريم يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لَوْناً من الجدل في قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الجدَل الراقي والأسلوب العالي: ففي خطابهم يقول: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ..} تفسير : [سبأ: 25] وينسب الإجرام إلى نفسه، وحين يتكلم عن نفسه يقول: {أية : وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 25] ولم يقُلْ هنا: تجرمون لتكون مقابلة بين الحالين. وفي هذا الأسلوب ما فيه من جذب القلوب وتحنينها لتقبُّل الحق. ولما اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون ردَّ عليهم القرآن بالعقل وبالمنطق، فسألهم: ما الجنون؟ الجنون أنْ تصدر الأفعال الحركية عن غير بدائل اختيارية من المخ، فهل جرَّبْتُم على محمد شيئاً من هذا؟ وما هو الخُلق؟ الخُلق: استقامة المنهج والسلوك على طريق الكمال والخير، فهل رأيتُم على محمد خلاف هذا؟ لذلك يقول تعالى في الرد عليهم: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..} تفسير : [سبأ: 46]. وكيف يكون صاحب هذا الخلُق القويم والسلوك المنضبط في الخير مجنوناً؟ ولما قالوا: كذاب، جادلهم القرآن: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. لقد أتتْه الرسالة بعد الأربعين، فهل سمعتم عنه خطيباً أو شاعراً؟ فهل قال خطبة أو قصيدة تحتفظون بها كما تحتفظون بقصائد شعرائكم؟ وقالوا: إنها عبقرية كانت عند محمد، فأيُّ عبقرية هذه التي تتفجَّر بعد الأربعين، ولو تأملْتَ العبقريات لوجدتها في العقد الثاني أو الثالث من عمر صاحبها، فكيف يُؤجِّل محمد عبقريته إلى الأربعين، ومَنْ يضمن له الحياة وهو يرى الناس يتساقطون من حوله: أبوه مات قبل أنْ يوُلد، وأمه ماتت وهو رضيع، وجدُّه مات وهو ما يزال صغيراً. وهكذا، يعطينا القرآن مثالاً للجدل بالحكمة والموعظة الحسنة، للجدل الصادر عن عِلْم بما تقول، وإدراك لحقائق الأمور. لذلك؛ لما ذهب الشَّعْبي لملك الروم قال له الملك: عندكم في الإسلام أمور لا يُصدِّقها العقل، فقال الشَّعْبيّ: ما الذي في الإسلام يخالف العقل؟ قال: تقولون إن في الجنة طعاماً لا ينفد أبداً، ونحن نعلم أن كل ما أُخذ منه مرة بعد مرة لا بُدَّ أنْ ينفد. انظر إلى الجدل في هذه المسألة كيف يكون. قال الشَّعْبي: أرأيتَ لو أن عندك مصباحاً، وجاءت الدنيا كلها فقبستْ من ضوئه، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ هذا - إذن - جدل راقٍ وعلى أعلى مستوى. ويستمر ملك الروم فيقول: كيف نأكل في الجنة كُلَّ ما نشتهي دون أنْ نتغوّط أو تكون لنا فضلات؟ نقول: أرأيتم الجنين في بطن الأم: أينمو أم لا؟ إنه ينمو يوماً بعد يوم، وهذا دليل على أنه يتغذَّى، فهل له فضلات؟ لو كان للجنين فضلات ولو تغوَّط في مشيمته لمات، إذن: يتغذى الجنين غذاءً على قَدْر حاجة نموه، بحيث لا يتبقى من غذائه شيء. ثم قال: أين تذهب الأرواح بعد أنْ تفارق الأجساد؟ أجاب الرجل إجمالاً: تذهب حيث كانت قبل أنْ تحلَّ فيك، وأمامك المصباح وفيه ضوء، ثم نفخ المصباح فانطفأ، فقال له: أين ذهب الضوء؟ ومن الجدل الذي جاء عن عِلْم ودراية ما حدث من الإمام علي رضي الله عنه، حيث قتلَ أصحابُ معاوية عمارَ بن ياسر، فغضب الصحابة في صفوف معاوية وتذكَّروا "حديث : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمار: "تقتله الفئة الباغية""تفسير : وأخذوا يتركون جيش معاوية واحداً بعد الآخر، فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: لقد فشَتْ في الجيش فاشية، إنْ هي استمرتْ فلن يبقى معنا رجل واحد، فقال معاوية: وما هي؟ قال: يقولون: إننا قتلنا عماراً والنبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: " تقتله الفئة الباغية". فاحتار معاوية ثم قال: قُلْ لهم قتله مَنْ أخرجه للقتال - يعني: علي بن أبي طالب، فلما بلغ الكلامُ سيدنا علياً، قال: قولوا لهم: فمَنْ قتل حمزة بن عبد المطلب؟ أي: إن كان الأمر كما تقولون فالنبي صلى الله عليه وسلم هو قاتل حمزة؛ لأنه هو الذي أخرجه للقتال. هذا هو الجدل عن علم، والعلم قد يكون علماً بدهياً وهو العلم الذي تؤمن به ولا تستطيع أن تدلل عليه. أو علماً عقلياً استدلالياً، وقد يكون العلم بالوحي من الله لا دَخْلَ لأحد فيه، وسبق أنْ ضربنا مثلاً للبدهيات بالولد الصغير حينما يرى أخاه يجلس بجوار أبيه على المقعد مثلاً، فيأتي الصغير يريد أنْ يجلس هو بجوار الأب، فيحاول أولاً أنْ يقيم أخاه من المكان فيشدُّه ويجذبه ليخلي له المكان. وهنا نتساءل: كيف عرف الطفل الصغير أن الحيِّز لا يسع اثنين؟ ولا يمكن أنْ يحلَّ بالمكان شيء إلا إذا خرج ما فيه أولاً؟ هذه أمور لم نعلمها إلا في دراستنا الثانوية، فعرفنا معنى الحيِّز وعدم تداخل الأشياء، هذه المسألة يعرفها الطفل بديهة. ولو تأملتَ النظريات الهندسية لوجدتَ أن كل نظرية تُبنَى على نظرية سابقة، فلو أردت أنْ تبرهن على النظرية المائة تستخدم النظرية تسعين مثلاً، وهكذا إلى أنْ تصلَ إلى نظرية بدهية لا برهانَ عليها. وهكذا تستطيع أن تقول: إن كل شيء علمي في الكون مبنيٌّ على البدهيات التي لا تحتاج إلى برهان، ولا تستطيع أن تضع لها تعريفاً، فالسماء مثلاً، يقولون هي كل ما علاك فأظَّلك، فالسقف سماء، والغيم سماء، والسحاب سماء، والسماء سماء، مع أن السماء لا تحتاج إلى مثل هذا التعريف؛ لأنك حين تسمع هذه الكلمة (السماء) تعرف معناها بديهة دون تعريف. وهذه الأمور البدهية لا جدلَ فيها؛ لأنها واضحة، فلو قلتَ لهذا الطفل: اجلس على أخيك، فهذا ليس جدلاً؛ لأنه لا يصح. أما العلم الاستدلالي فأنْ تستدل بشيء على شيء، كأنْ تدخل بيتك فتجد (عقب سيجارة) مثلاً في (طفاية السجائر) فتسأل: مَنْ جاءكم اليوم؟ ومثل الرجل العربي حين سار في الصحراء، فوجد على الأرض آثاراً لخفِّ البعير وبَعْره، فقال: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير. أما عِلْم الوحي فيأتي من أعلى، يلقيه الله سبحانه على مَنْ يشاء من عباده. فعلى المجادل أن يستخدم واحداً من هذه الثلاثة ليجادل به، فإن جادل بغير علم فهي سفسطة لا طائل من ورائها. وقد نزلت هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [الحج: 3] في النضر بن الحارث، وكان يجادل عن غير علم في الوجود، وفي الوحدانية، وفي البعث .. إلخ. والآية لا تخص النضر وحده، وإنما تخص كل مَنْ فعل فِعْله، ولَفَّ لفَّه من الجدل. ثم يقول تعالى: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} [الحج: 3] أي: أن هذا الجدل قد يكون ذاتياً من عنده، أو بوسوسة الشيطان له بما يخالف منهج الله، سواء أكان شيطانَ الإنس أو شيطانَ الجن. إذن: فالسيئات والانحرافات والخروج عن منهج الله لا يكون بوسوسة، إما من النفس التي لا تنتهي عن مخالفة، وإما من الشيطان الذي يُلِحُّ عليك إلى أنْ يوقِع بك في شِرَاكه. لكن، لا نجعل الشيطان (شماعة) نعلق عليها كل سيئاتنا وخطايانا، فليست كل الذنوب من الشيطان، فمن الذنوب ما يكون من النفس ذاتها، وسبق أنْ قُلْنا: إذا كان الشيطان هو الذي يوسوس بالشر، فمَنِ الذي وسوس له أولاً؟ وكما قال الشاعر: شعر : * إِبْلِيسُ لَمَّا غَوَى مَنْ كَانَ إبليسُه؟ * تفسير : وفَرْق بين المعصية من طريق النفس، والمعصية من طريق الشيطان، الشيطان يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه، أمّا النفس فتريدك عاصياً من وجه واحد لا تحيد عنه، فإذا صرفتَها إلى غيره لا تنصرف وتأبى عليك، إلاَّ أنْ تُوقعك في هذا الشيء بالذات. وهذا بخلاف الشيطان إذا تأبيْتَ عليه ولم تُطِعْهُ في معصية صرفكَ إلى معصية أخرى، أياً كانت، المهم أن تعصي، وهكذا يمكنك أنْ تُفرِّق بين المعصية من نفسك، أو من الشيطان. ولما سُئل أحد العلماء: كيف أعرف: أأنا من أهل الدنيا أمْ من أهل الآخرة؟ قال: هذه مسألة ليستْ عند العلماء إنما عندك أنت، قال: كيف؟ قال: انظر في نفسك، فإنْ كان الذي يأخذ منك الصدقة أحبّ إليك ممَّنْ يعطيك هدية، فاعلم أنك من أهل الآخرة، وإنْ كانت الهدية أحبَّ إليك من الصدقة فأنت من أهل الدنيا. ذلك لأن الإنسان يحب من عمَّر له ما يحب، فالذي يعطيك يعمر لك الدنيا التي تحبها فأنت تحبه، وكذلك الذي يأخذ منك يعمر لك الآخرة التي تحبها فأنت تحبه. فهذه مسألة لا دَخْل للشيطان فيها. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} تفسير : [لقمان: 20]. فهذه الآية تُجمل أنواع العلم الثلاثة التي تحدثنا عنها: فالعلم يُرَاد به البدهيات، والهدى أي: الاستدلال، والكتاب المنير يُراد به ما جاء وَحيْاً من الله ، وبهذه الثلاثة يجب أن يكون الجدال وبالتي هي أحسن. ومعنى: {مَّرِيدٍ} [الحج: 3] من مَرَدَ أو مَرُدَ يمرد كنثر ينثُر، والمرود: العُتوُّ وبلوغ الغاية من الفساد، ومنها مارد ومريد ومتمرد، والمارد: هو المستعلي أعلى منك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق، والحال أنهم في غاية الجهل ما عندهم من العلم شيء، وغاية ما عندهم، تقليد أئمة الضلال، من كل شيطان مريد، متمرد على الله وعلى رسله، معاند لهم، قد شاق الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار. { كُتِبَ عَلَيْهِ } أي: قدر على هذا الشيطان المريد { أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ } أي: اتبعه { فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } عن الحق، ويجنبه الصراط المستقيم { وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } وهذا نائب إبليس حقا، فإن الله قال عنه {أية : إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } تفسير : فهذا الذي يجادل في الله، قد جمع بين ضلاله بنفسه، وتصديه إلى إضلال الناس، وهو متبع، ومقلد لكل شيطان مريد، ظلمات بعضها فوق بعض، ويدخل في هذا، جمهور أهل الكفر والبدع، فإن أكثرهم مقلدة، يجادلون بغير علم.