٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْهِ} على الشيطان. {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} تبعه والضمير للشأن. {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} خبر لمن أو جواب له، والمعنى كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه، وقرىء بالفتح على تقدير فشأنه أنه يضله لا على العطف فإنه يكون بعد تمام الكلام. وقرىء بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب أو إضمار القول أو تضمين الكتب معناه. {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} بالحمل على ما يؤدي إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْهِ } قضي على الشيطان {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } أي اتّبعه {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ } يدعوه {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } أي النار.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ} أي على الشَّيطانِ صفة أخرى له وقوله تعالى: {أَنَّهُ} فاعلُ كتبَ والضَّميرُ للشَّأنِ أي رُقم به لظهور ذلك من حاله أنَّ الشَّأنَ {مَن تَوَلاَّهُ} أي اتَّخذهُ وليًّا وتبعه {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} بالفتح على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ والجملة جوابُ الشرطِ إنْ جُعلت مَن شرطيةً وخبرٌ لها إنْ جُعلتْ موصولةً متضمنة لمعنى الشَّرطِ أي من تولاَّه فشأنُه أنْ يُضلَّه عن طريق الجنَّةِ أو طريق الحقِّ أو فحقٌّ أنَّه يُضلُّه قطعاً، وقيل: فإنَّه معطوفٌ على أنَّه وفيه من التَّعسفِ ما لا يخفى. وقيلَ وقيلَ ممَّا لا يخلُو عن التَّمحلِ والتأويلِ. وقُرىء فإنَّه بالكسرِ على أنَّه خبرٌ لمَن أو جوابٌ لها. وقُرىء بالكسرِ فيهما على حكايةِ المكتوبِ كما هو مثل ما في قولِك: كتبتُ إنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ أو على إضمارِ القولِ أو تضمينِ الكتبِ معناهُ على رأيِ مَن يراهُ {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} بحملِه على مباشرةِ ما يُؤدِّي إليه من السَّيِّئاتِ. {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} إثرَ ما حكى أحوالَ المُجادلين بغير علمٍ وأُشير إلى ما يؤول إليه أمرُهم أقيمتْ الحجَّةُ الدَّالَّةُ على تحقُّقِ ما جادلوا فيه من البعثِ {إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ} من إمكانِه وكونه مقدُوراً له تعالى أو من وقوعِه. وقُرىء من البَعَثِ بالتَّحريكِ كالجَلَبِ في الجَلْب. والتَّعبـيرُ عن اعتقادِهم في حقِّه بالرَّيبِ مع التَّنكيرِ المنبىءِ عن القلَّةِ مع أنَّهم جازمون باستحالتِه وإيرادِ كلمة الشَّكِّ مع تقررِ حالِهم في ذلك وإيثارِ ما عليه النَّظمُ الكريمُ على أنْ يقالَ إنِ ارتبتُم في البعثِ فقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قوله تعالى: { أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} تفسير : [البقرة: 23] {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ} أي فانظُروا إلى مبدأ خلقِكم ليزولَ ريبُكم، فإنَّا خلقناكُم أي خلقنا كلَّ فردٍ منكُم {مّن تُرَابٍ} في ضمنِ خلقِ آدمَ منه خلقاً إجماليًّا فإن خلق كلِّ فردٍ من أفرادِ البشرِ له حظٌّ من خلقِه عليه السَّلامُ إذ لم تكن فطرتُه الشَّريفةُ مقصورةً على نفسه بل كانتْ أُنموذجاً منطوياً على فطرة سائرِ أفراد الجنسِ انطواءً إجماليًّا مستتبعاً لجريانِ آثارِها على الكلِّ فكان خَلقُه عليه السَّلامُ من التُّرابِ خلقاً للكلِّ منه كما مرَّ تحقيقُه مراراً {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثمَّ خلقناكُم خلقاً تفصيلياً من نُطفةٍ أي من منيَ من النَّطفِ الذي هو الصَّبُّ {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} أي قطعةٍ من الدَّمِ جامدةٍ متكوِّنةٍ من المنيِّ {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} أي قطعةٍ من اللَّحمِ متكوِّنةٍ من العَلَقةِ وهي في الأصلِ مقدارُ ما يُمضغ {مُّخَلَّقَةٍ} بالجرِّ صفةُ مضغةٍ أي مستبـينة الخلقِ مصوَّرةٍ {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} أي لم يستبنْ خلقُها وصورتُها بعد. والمرادُ تفصيلُ حالِ المضغةِ وكونُها أَوَّلاً قطعةً لم يظهرْ فيها شيءٌ من الأعضاءِ ثمَّ ظهرتْ بعد ذلك شَيئاً فشَيئاً وكان مُقتضى التَّرتيبِ السَّابقِ المبنيِّ على التَّدرجِ من المبادىءِ البعيدةِ إلى القريبةِ أنْ يقدِّمَ غيرَ المخلَّقةِ على المخلَّقةِ وإنَّما أُخِّرتْ عنها لأنَّها عدمُ المَلَكةِ. هذا وقد فُسِّرتَا بالمُسوَّاةِ وغيرِ المُسوَّاةِ وبالتَّامةِ والسَّاقطةِ وليس بذاكَ وفي جعلِ كلِّ واحدةٍ من هذه المراتبِ مبدأً لخلقِهم لا لخلقِ ما بعدَها من المراتبِ كما في قولِه تعالى: { أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} تفسير : [المؤمنون: 14] الآيةَ، مزيدُ دلالة على عظيمِ قُدرتِه تعالى وكسرٍ لسَورةِ استبعادِهم. {لّنُبَيّنَ لَكُمْ} متعلِّقٌ بخلقنا وتركُ المفعولِ لتفخيمِه كمًّا وكيفاً أي خلقناكُم على هذا النَّمطِ البديعِ ليبـين لكُم بذلك ما لا تحصرُه العبارةُ من الحقائقِ والدَّقائقِ التي من جُملتها سرُّ البعثِ فإنَّ مَن تأمَّل فيما ذُكر من الخلقِ التدريجيِّ تأمُّلاً حقيقيًّا جزمَ جَزْماً ضروريًّا بأنَّ مَن قدَرَ على خلقِ البشرِ أوَّلاً من تُرابٍ لم يشمَّ رائحةَ الحياةِ قَطُّ وإنشائِه على وجهٍ مصحِّحٌ لتوليدِ مثلِه مرَّةً بعد أُخرى بتصريفِه في أطوارِ الخلقةِ وتحويلِه من حالٍ إلى حالٍ مع ما بـينَ تلك الأطوارِ والأحوالِ من المُخالفةِ والتَّباينِ فهو قادرٌ على إعادتِه بل هو أهونُ في القياسِ نظراً إلى الفاعلِ والقابلِ. وقُرىء ليبـيِّن بطريقِ الالتفاتِ وقولُه تعالى: {وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ حالِهم بعد تمامِ خلقِهم. وعدمُ نظمِ هذا وما عُطف عليه في سلكِ الخلقِ المعلَّل بالتَّبـيـين مع كونِهما من متمماتِه ومن مبادي التَّبـيـين أيضاً لما أنَّ دلالةَ الأوَّلِ على كمالِ قُدرته تعالى على جميعِ المقدُورات التي من جُملتها البعثُ المبحوثُ عنه أجلى وأظهرُ أي ونحنُ نقرُّ في الأرحامِ بعد ذلك ما نشاءُ أن نقرَّه فيهَا. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقتُ الوضعِ وأدناهُ ستَّةُ أشهرٍ، وأقصاهُ سنتانِ وقيل: أربعُ سنين وفيه إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ ما في الأرحامِ لا يشاءُ الله تعالى إقرارَه فيها بعد تكاملِ خلقِه فتسقطه. والتَّعرضُ للإزلاقِ لا يُناسبُ المقامَ لأنَّ الكلامَ فيما جرى عليه أطوارُ الخلقِ وهذا صريحٌ في أنَّ المرادَ بغير المخلَّقةِ ليس من وُلدَ ناقصاً أو مَعيباً وأنَّ ما فُصِّل إلى هنا هي الأطوارُ المتواردةُ على المولودِ قبلَ الولادةِ. وقُرىء يُقرُّ بالياءِ ونقُرُّ ويقُرُّ بضمِّ القافِ من قَررتَ الماءَ إذا صببتَه. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} أي من بطونِ أمَّهاتِكم بعد إقرارِكم فيها عند تمامِ الأجلِ المُسمَّى {طِفْلاً} أي حالَ كونِكم أطفالاً. والإفرادُ باعتبارِ كلِّ واحدٍ منهم أو بإرادةِ الجنسِ المنتظمِ للواحدِ والمتعدِّدِ. وقُرىء يُخرجكم بالياءِ. وقولُه تعالى: {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ} علَّةٌ لنخرجكم معطوفةٌ على علَّةٍ أُخرى له مناسبةٍ لها كأنَّه قيل: ثمَّ نُخرجكم لتكبرُوا شَيئاً فشَيئاً ثم لتبلغُوا كمالَكم في القُوَّةِ والعقلِ والتَّميـيزِ، وقيل: التَّقديرُ ثم نُمهلكم لتبلغُوا الخ، وما قيل إنَّه معطوفٌ على نبـين مخلٌّ بجزالةِ النَّظمِ الكريمِ هذا وقد قُرىء ما قبله من الفِعلينِ بالنَّصبِ حكايةً وغَيْبةً. فهو حينئذٍ عطفٌ على نبـين مثلهما والمعنى خلقناكُم على التَّدريجِ المذكورِ لغايتينِ مترتبتينِ عليه إحداهُما أنُ نبـيِّن شؤونَنا والثَّانيةُ أنْ نُقرَّكم في الأرحامِ ثم نُخرجَكم صغاراً ثم لتبلغُوا أشدَّكم. وتقديمُ التَّبـيـينِ على ما بعدَهُ مع أنَّ حصولَه بالفعلِ بعد الكلِّ للإيذانِ بأنَّه غايةُ الغاياتِ ومقصودٌ بالذَّاتِ. وإعادةُ اللامِ هٰهنا مع تجريدِ الأَوَّلينِ عنها للإشعارِ بأصالتِه في الغرضيَّةِ بالنَّسبةِ إليهما إذْ عليه يدورُ التَّكليفُ المُؤدِّي إلى السَّعادةِ والشَّقاوةِ. وإيثارُ البلوغِ مُسنداً إلى المخاطبـينَ على التَّبليغِ مُسنداً إليه تعالى كالأفعالِ السَّابقةِ لأنَّه المناسبُ لبـيانِ حالِ اتَّصافِهم بالكمالِ واستقلالِهم بمبدئيةِ الآثارِ والأفعالِ. والأشُدُّ من ألفاظِ الجموعِ التي لم يُستعملْ لها واحدٌ كالأُسُدةِ والقَتُودِ وكأنَّها حين كانتْ شدَّةً في غيرِ شيءٍ بُنيتْ على لفظِ الجمعِ. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي بعد بلوغِ الأشُدِّ أو قبلَه. وقُرىء يَتوفَّى مبنيًّا للفاعلِ أي يتوفَّاه الله تعالى {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو الهَرَمُ والخَرَفُ. وقُرىء بسكونِ الميمِ. وإيرادُ الردِّ والتَّوفِّي على صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ لتعين الفاعلِ {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ} أي علمٍ كثيرٍ {شَيْئاً} أي شيئاً من الأشياءِ أو شيئاً من العلمِ مبالغةً في انتقاصِ علمِه ويُنكر ما عرفَهُ ويعجزُ عمَّا قدرَ عليه. وفيهِ من التَّنبـيهِ على صحَّةِ البعثِ ما لا يخفَى. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} حجَّةٌ أُخرى على صحَّةِ البعثِ، والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يتأتَّى منه الرُّؤيةُ. وصيغةُ المضارعِ للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ وهي بصريةٌ. وهامدةً حالٌ من الأرضِ، أي ميِّتةً يابسةً، من همدتِ النَّارُ إذَا صارتْ رَمَاداً {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء} أي المطرَ {ٱهْتَزَّتْ} تحرَّكتْ بالنَّباتِ {وَرَبَتْ} انتفختْ وازدادتْ، وقُرىء ربأتْ أي ارتفعتْ {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ} أي صنفٍ {بَهِيجٍ} حسنٍ رائقٍ يسرُّ ناظرَه.
القشيري
تفسير : مَنْ وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلاَّ إلى الضلال، ثم إنه في الآخرة يتبرأ من موافقته ويلعن جملةَ مُتَّبِعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته.
اسماعيل حقي
تفسير : {كتب عليه} اى قضى على كل شيطان من الجن والانس كما في التأويلات النجمية، قال الكاشفى [نوشته شدة است بران ديو درلوح محفوظ] {انه} أي الشأن {من} [هركس كه] {تولاه} اتخذه وليا وتبعه {فانه يضله} بالفتح على انه خبر مبتدأ محذوف اى فشأن الشيطان ان يضل من تولاه عن طريق الحق {ويهديه} يدله {الى عذاب السعير} بحمله على مباشرة ما يؤدى اليه من السيآت واضافة العذاب الى السعير وهى النار الشديدة الاشتعال بيانية كشجر الاراك. وعن الحسن انه اسم من اسماء جهنم. قال في التأويلات النجمية اما الشيطان الجنى فيضله بالوساوس والتسويلات والقاء الشبه واما الشيطان الانسى فبايقاعه في مذاهب اهل الاهواء والبدع والفلاسفة والزنادقة المنكرين للبعث والمستدلين بالبراهين المعقولة بالعقول المشوبة بشوائب الوهم والخيال وظلمة الطبيعة فيستدل بشبههم ويتمسك بعقائدهم حتى يصير من جملتهم ويعد في زمرتهم كما قال تعالى {أية : ومن يتولهم منكم فانه منهم}تفسير : ويهديه بهذه الاستدلالات والشبهات الى عذاب السعير سعير القطيعة والحرمان انتهى، واعلم ان الكمال الآدمى في العلوم الحقيقية وهي اربعة. الاول معرفة النفس وما يتعلق بها. والثاني معرفة الله تعالى وما يتعلق به. والثالث معرفة الدنيا وما يتعلق بها. والرابع معرفة الآخرة وما يتعلق بها واهل التقليد دون اهل الاستدلال وهم دون اهل الايقان وهم دون اهل العيان ولا بد للسالك ان يجتهد في الوصول الى مرتبة العيان وذلك بتسليك مرشد كامل فان الاتباع بغيره لا يوصل الى المنزل: قال المولى الجامى شعر : خواهي بصوب كعبه تحقيق ره برى بى بر بى مقلدكم كرده ره مرو تفسير : وعند الوصول الى مرتبة العيان يلزم غسل الكتب فانه لا يحتاج الى دليل بعد الوصول الى المدلول: وفى المثنوى شعر : جون شدى بربامهاى آسمان سردباشد جست وجوى نردبان آينه روشن كه شد صاف وجلى جهل باشد برنهادن صيقلى بيش سلطان خوش نشسته درقبول زشت باشد جستن نامه ورسول تفسير : وعند هذا المقام ينقطع الجدل من الانام اذ لاجدال بعد العلم الحقيقى ولا اتباع للشيطان الاسود والابيض بعد حط الرحل في عالم الذات الذى لا يدخله الشيطان هو مقام آمن من شر الوسواس الخناس، فعلى العاقل الاجتهاد في الليل والنهار لتزكية النفس وقمع الانكار فانه جهاد اكبر اذ النفس من الاعداء الباطنة التي يستصعب الاحتراز عنها شعر : نفس ازدرون وديو زبيرون زندرهم ازمكراين دورهزن برحيله جون كنم تفسير : نسأل الله سبحانه ان يحفظنا من شر الاعداء ويجعلنا تابعين للحق الصريح الذي لا محيد عنه انه اعظم ما يرجى منه.
الجنابذي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْهِ} مستأنف او صفة بعد صفة او حال بتقدير قد {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} ثمّ خاطب الزّنادقة من منكرى البعث بعد التّحذير عن وحشة البعث فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ}.
الهواري
تفسير : قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ} تولى إبليس أي: اتبعه {فَأنَّهُ يُضِلُّهُ} تفسير الكلبي: الله يضله. {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} والسعير اسم من أسماء جهنم. قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُم فِي رَيْبٍ} أي: في شكّ {مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ} وهذا خلق آدم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: نسل آدم {ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} يعني (بغير مُخَلَّقَةٍ) السقط. وقال مجاهد: هما السقط جميعاً؛ مخلَّق وغير مخلّق. (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) إلى التّمام. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يؤمر المَلَك، أو قال: يأتي الملك، فيؤمر أن يكتب أربعاً: رزقه وعمله وأثره، وشقياً أو سعيداً . تفسير : ذكروا عن أبي ذرّ أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الربّ تبارك وتعالى في راحته، فيقول: يا ربّ، عبدك، أذكر أم أنثى، فيقضي الله فيه ما هو قاض، أشقي أم سعيد، فيكتب ما هو لاق بين عينيه، ثم قرأ أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات. قوله: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: بدو خلقكم {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ} أي: أرحام النساء {مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: الوقت الذي يولد فيه. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} يعني الاحتلام {وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ} يعني الهرم. وفيها إضمار، أي: يُتَوفّى من قبل أن يردّ غلى أرذل العمر، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أي: يصير بمنزلة الصبي الذي لا يعقل. قوله: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} أي: غبراء متهشمة ميتة يابسة. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وفيها تقديم، أي: ربت بالنبات وانتفخت، واهتزت بالنبات إذا أنبتت. قال: {وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: حسن. وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. وحسن ذلك النبات أنها تنبت ألواناً من صفرة وحمرة وخضرة وغير ذلك من الألوان.
اطفيش
تفسير : والمريد من المرد بمعنى التجرد من الخير شجن مرداه عارية من الورق والمراد بالاتباع الاتباع في الشر مطلقا أو في الجدال {كُتِبَ عَلْيهِ} قضي على ذلك الشيطان قاله قتادة واجيز رجوع الضمير للمجادل ويصح ان يقال الكتابة بمعنى الكتابة بالقلم استعارة كأنه كتب في جسمه وذلك لظهور الاضلال في حاله {إِنَّهُ} أي الشان أو المجادل أو الشيطان {مَن تَوَلاَّهُ} اتبعه {فَأَنَّهُ يَضِلُّهُ} الشيطان أو المجادل أي يتسبب في ضلالته. وقال الكلبي: يضله الله ومن شرطية وانه يضله في تاويل مصدر خبر لمحذوف أي فشأنه الاضلال والمجموع جوابها أو موصولة وهو خبرها والجملة خبر لان الاولى ويقدر الكون نائبا لكتب وقرئ بكسر همزة إن الاولى فيكون مجموع الكلام اسما بتأويل اللفظ أي كتب عليه هذا اللفظ الذي هو انه من تولاه إلى السعير كقولك: كتبت {أية : إنَّا فتحنا لك فتحا مبينا}تفسير : أي هذا الكلام وكتبت {أية : ان الله هو الغني الحميد}. تفسير : وقيل: أو بتقدير القول أي كتب عليه القول انه من تولاه. وقدر بعض قيل: فيكون النائب لفظ عليه أو الكسر لتضمين {كُتِبَ} معنى قيل. وزعم بعض ان {فَإِنهُ يُضِلُّهُ} معطوف على انه الاولى وفيه نظر لانه يستلزم العطف قبل التمام وبقاء {مَن} بلا جواب أو بلا خبر الا ان قدر احدهما ويستلزم عطف ان ومعموليها على ان واسمها. وقرئ بكسر الثانية وقرأ أبو عمرو بكسرهما. {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} النار قال جار الله: وما أرى رؤساء أهل الاهواء والبدع والحشوية الا داخلين تحت كل هذا دخولا أوليا بل هم أشد الشياطين اضلالا واقطعهم عن طريق الحق حيث دونوا الضلال تدوينا ولقنوا اشياعهم تلقينا وكأنهم ساطوه بلجومهم ودمائهم. اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك ولانبيائك فى ارضك وادخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اطفيش
تفسير : {كُتِبَ عليْه} أى على الشيطان {أنه} اى الشأن أولى من عوده إلى الشيطان {مَنَّ} شرطية، والمقام للعموم كمنا هو شأن الشرطية لا موصولة، لأن أصلها العهد، وللاحتياج الى زيادة الفاء {تولاَّه} المستتر لمن، ولاهاء للشيطان أى اتبع الشيطان، واتخذه ولياً أو بالعكس، أى صار الشيطان والياً عليه غالبا له {فأنه} أى الشيطان {يُضلهُ} عن الحق الذى هو طريق الجنة {ويَهْديه} يوصله {إلى عذابِ السَّعير} الىعذاب النار المسعورة، أى الموقدة، وجملة من تولاه الخ خبر أن، والمصدر نائب فاعل كُتب أى كتب عليه إضلال متوليه، أو متولاه وهداه إلى عذاب السعير، وجلمة كتب ونائبه نعت شيطان، ومعنى كتب قضى وقدر، أو كتب عليه بالحروف أنه من تولاه الخ أى رسم عليه الإضلال والإيصال الى النار كتابة لا يتخلف عما فيها، وأصل الهداية أن تكون الى خير فاستعمالها فى السوء استعارة تهكمية تمثيلية {يا أيُّها الناس} الكفار بإنكار تحققق البعث {إن كنُتْم فى ريْبٍ} شك {من البَعْث} من إمكان البعث، عبر بالريب مع جزمهم بالإنكار تلويحاً الى أن إنكار لوضوح دلاله، كأنه لم يكن، وليس فى شىء من الاحتمال، كما أن التصدير بأن، وتنكير ريب تلويح أن حقه أن يضعف، ويشك فيه عندكم لا أن ينكر، أو عبر بالريب مع جزمهم بالانكار تنبيها على أن جزمهم بالإنكار بمنزلة الشك الضعيف لقوة الدلائل، ومن بمعنى فى متعلق بريب، وعدل إيها لئلا تتكرر فى أو بمعنى لابتداء تتعلق بمحذوف نعت لريب، واستظهر أن المراد فى ريب من إمكان البعث، كما يدل له إثبات الإمكان فى قوله. {فإنَّا خلقناكم من تُرابٍ} الخ واجيز أن يكون المراد فى ريب من وقوع البعث، واعترض بمخالفته لما اتصل به من إثبات الإمكان، وتكرره مع قوله: "أية : وأنَّ الله يبعث مَنْ فى القبور" تفسير : [الحج: 7] ويجاب بأنه لا تكرر، لأن هذا شك منهم فى الوقوع، وأن الله يبعث من فى القبور، جزم من الله بالوقوع رداً عليهم، وأيضا لو تكرر لم يضر، لأن المراد التأكيد، والفصل، ولأن المعنى كيف تشكون فى وقوع البعث، مع أنه قد وقع خلقه لكم من تراب، والجملة تعليل نائب عن جواب الشرط، أى أخطأتم فى شككم، لأنا خلقناكم من تراب أن أصلهم الذى تكونوا منه من تراب وهو آدم، أو الأغذية التى تكونوا منها من تراب. {ثمَّ من نُطْفةٍ} منى من النطف، وهو التقاطر، أو من قولهم للماء القليل الصافى نطفة، والمراد ما يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ولو كان ماء الرجل أكثر، والمراد نطفة كل أحد، وزعم بعض أن المراد نطفة آدم {ثُم من عَلَقةٍ} قطعة جامدة من الدم، متكونه من النطفة {ثُم من مُضْغةٍ} قطعة من اللحم صغيرة قدر ما يمضغ تكونت من العلقة {مُخَلَّقةٍ} تعظم بعد فيكون إنسانها عظيم الجسم {وغير مُخَلَّقةٍ} يكون إنسانها صغير الجسم، أو التخليق إظهار أعضاء بعد أن كانت غير مظهرة كسائر الترتيب قبل أن تكون أولا غير متبينة الأعضاء، ثم تكون متبينة، وعلى هذا الأصل تقديم غير مخلقة على مخلقة، ولكن أخرت لكونها عدم وجود، والوجود أولى بالتقديم، والكلام فى إيجاد مالم يكن، والإيجاد فى مخلقة، وعبر بالتخليق لا بالخلق لكثر الأعضاء المختص كل واحد منها بخلق وصورة. وقيل: المخلقة المسواة من النقص والعيب، يقال خلق السواك أو العود سواه وملسه، وصخرة خلقاء، وجبل أخلق أملس، فمن نطفته كذلك يخرج بدنه سوياً حسناً منظراً وخصلة، وما نقص فيها ينقص منهما، أو من أحدهما، وقيل المخلقة التى تمت مدتها فولدت، وغيرها ما سقطت، وليس فى الآية شرط الحياة، فهو مخلوق الصورة، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ. قال ابن مسعود: إذا استقرت النطفة فى الأرحام، أخذها ملك الأرحام بكفه، فقال: يا رب أمخلقة أم غير مخلقة، فإن كانت غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دما، وإن كانت مخلقة، قال: يا رب ذكر أم أنثى، شقى أم سعيد، ما الأجل، ما الأثر، وما الرزق، وبأى أرض تموت، ولا دليل فى هذا القول الأخير، لأن ما يقذفه الرحم دما لا يقال إنه مراد بالخلق فى قوله: {إنا خلقناكم} نعم، يقال من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والناقصة. {لنُبيِّن لَكُمْ} اللام الأول متعلق بخلقنا وحذف المفعول للعموم، وهذا الحذف بمنزلة قولك، لنبين لكم ما لا تحصر، عبارة تفاصيله، ومن ذلك أمر البعث، والدلالة عليه بإنشاء حى بأطوار متوالد من تراب، وقد بعض لنبين لكم أمر البعث، ولا بأس به، وزعم بعض أن التقدير لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك لم يصر بعض غير مخلق. {ونُقِر فى الأرْحام ما نَشَاء} من الأجنة، والعطف على جملة مستأنفة محذوفة، والله أعلم، هكذا نخلقكم فى الأرحام ونقر ما نشاء {إلى أجل مُسمى} وقت الوضع وأقله ستة أشهر، وأكثره عندنا وعند الشافعية أربع سنين، وقال مالك: سنتان، وكذا الحنفية، وإذا تحقق أنه فى البطن حكم به بلا غاية ما دام متحففاً {ثمَّ نُخْرجُكم} من الأرحام {طِفْلا} أطفالاً يطلق على الجماعة والاثنين، كما يطلق على الواحد، لأن أصله مصدر طفل بالضم على غير قياس بمعنى لأن، وإذا أريد واحد جمع على أطفال أو المراد الجنس أو المرد طفلا طفلا كما يقال: اخرجوا رجلا فاختصر. {ثمَّ لتبْلُغُوا أشُدَّكم} عطف: على محذوف تقديره نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا أو نمهلكم لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا، وجملة نخرجكم محذوفة مستأنفة غير مقرونه بثم وقيل: المعطوف محذوف، أى ثم تمهلكم لتبلغوا، وأشد مفرد بوزن الجمع، كأنك ولا ثالث لهما، وهو افعل بفتح الهمزة وإسكان الفاء، وضم العين، وأصل الشين السكون نقلت اليه ضمة الدال، فأدغمت أو جمع لا واحد له، أو جمع شذوذاً لشدة بكسر الشين كنعمة وأنعم، أو لشد بفتحها أو كسرها، وهو ما بين ثمانية عشر عاماً الى ثلاثين. {ومنْكُم مَن يُتوفَّى} بعد الإخراج من الرحم، وقبل بلوغ الأشد {ومنْكُم من يُردُّ إلى أرذَل} أخس {العُمُر} بالكبر بعد ما كان فيه الطفولية، {لكيلا يعلم} يعرف {من بعد علم شيئاً} مفعول مطلق، أى علماً ما، أو مفعول به أى شيئاً من الأشياء، وذلك تقسم لما بعد الاخراج بعد تقسيم ما قبله، ومن للتعبيض، فالله عز وجل لم يذكر الأبعاض كلها، لأن من المردودين الى أرذل العمر من يعرف بعض الأشياء، واللام للعاقبة، والله عالم بها، ولم يسق الآية على معنى أنى أرده الى أرذل العمر، لأجل أن لا يعلم، والله جل جلاله ذكر أفضل الأحوال، وهو بلوغ الأشد وأبدعها، وهو الإخراج وأسواها وهو أرذل العمر، وبنى التوفى الرد للفعول للعلم بالفاعل سبحانه وتعالى، واحتج للبعث أيضاً بقوله: {وترى الأرض هامدةً فإذا أنزْلنا عَليْها الماء اهتَزَّت ورَبَت وأنْبتَت مِنْ كُلِّ زوَجِ بَهيجٍ} العطف على أنا خلقناكم، والخطاب لمن يتأتى منه الرؤية البصرية، أو للمجادل له صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون له صلى الله عليه وسلم، والمراد تنبيه غيره، وخص الإنزال لأن ماء المطر أعم إنباتاً وأسرع، وبيعد أن الإنزال بمعنى ارسال الشامل له والماء العين، وهمود الأرض سكونا بيبس، واندراس كما قابله باهتزاز أى تحركها بالنبات شبه خلوها بالسكون، والتباسها به بالتحرك على الاستعارة، أو أسند الهتزاز إليها، وهو للنبات على المجاز العقلى كما فى أنبتت، والإنبات فعل لله عز وجل، ويبعد أن اهتزازها انفصال بعضها عن بعض لخروج النبات، وكذا الوجهان فى ربت أى ازدادت وانتفخت، والزوج الصنف والبهيج حسن المنظر يسر الناظر.
الالوسي
تفسير : ضمير {عَلَيْهِ} للشيطان وكذا الضمير المنصوب في {تَوَلاَّهُ} والضمير في {فَإِنَّهُ} والضميران المستتران في {يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ} وضمير {أَنَّهُ} للشأن وباقي الضمائر لمن. واختلف في إعراب الآية فقيل إن {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} الخ نائب فاعل {كُتِبَ} والجملة في موضع الصفة الثانية لشيطان و {مِنْ} جزائية وجزاؤها محذوف و {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} الخ عطف على {أَنَّهُ} مع ما في حيزها وما يتصل بها أي كتب على الشيطان أن الشأن من تولاه أي اتخذه ولياً وتبعه يهلكه فإنه يضله عن طريق الجنة وثوابها ويهديه إلى طريق السعير وعذابها، والفاء لتفصيل الإهلاك كما في قوله تعالى: { أية : فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] وعلى ذلك حمل الطيبـي كلام «الكشاف» وهو وجه حسن إلا أن في كونه مراد الزمخشري خفاء، وقيل {مِنْ} موصولة مبتدأ وجملة {تَوَلاَّهُ} صلته والضمير المستتر عائده و {أَنَّهُ يُضِلُّهُ} في تأويل مصدر خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة خبر الموصول، ودخول الفاء في خبره على التشبيه بالشرط أي كتب عليه أن الشأن من تولاه فشأنه أو فحق أنه يضله الخ. ويجوز أن تكون (من) شرطية والفاء جوابية وما بعدها مع المقدر جواب الشرط. وقيل ضمير {أَنَّهُ} للشيطان / وهو اسم (أن) و {مِنْ} موصولة أو موصوفة ـ والأول أظهر ـ خبرها والضمير المستتر في {تَوَلاَّهُ} لبعض الناس والضمير البارز لمن والجملة صلة أو صفة، وقوله تعالى: {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} عطف على {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} والمعنى ويتبع كل شيطان كتب عليه أنه هو الذي اتخذه بعد الناس ولياً وأنه يضل من اتخذه ولياً فالأول كأنه توطئة للثاني أي يتبع شيطاناً مختصاً به مكتوباً عليه أنه وليه وأنه مضله فهو لا يألو جهداً في إضلاله، وهذا المعنى أبلغ من المعنى السابق على احتمال كون (من) جزائية لدلالته على أن لكل واحد من المجادلين واحداً من مردة الشياطين، وارتضى هذا في «الكشف» وحمل عليه مراد صاحب «الكشاف». وعن بعض الفضلاء أن الضمير في {أَنَّهُ} للمجادل أي كتب على الشيطان أن المجادل من تولاه وقوله تعالى: {فَأَنَّهُ} الخ عطف على {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} واعترض بأن اتصاف الشيطان بتولي المجادل إياه مقتضى المقام لا العكس وأنه لو جعلت (من) في {مَن تَوَلاَّهُ} موصولة كما هو الظاهر لزم أن لا يتولاه غير المجادل وهذا الحصر يفوت المبالغة. وفي «البحر» الظاهر أن الضمير في {عَلَيْهِ} عائد على (من) لأنه المحدث عنه، وفي {أَنَّهُ} و{تَوَلاَّهُ} وفي {فَأَنَّهُ} عائد عليه أيضاً والفاعل بتولي ضمير (من) وكذا الهاء في (يضله)، ويجوز أن يكون الهاء في (أنه) على هذا الوجه ضمير الشأن، والمعنى أن هذا المجادل لكثرة جداله بالباطل واتباعه الشيطان صار إماماً في الضلال لمن يتولاه فشأنه أن يضل من يتولاه انتهى، وعليه تكون جملة {كتب} الخ مستأنفة لا صفة لشيطان، والأظهر جعل ضمير {عَلَيْهِ} عائداً على الشيطان وهو المروي عن قتادة، وأياً ما كان فكتب بمعنى مضى وقدر ويجوز أن يكون على ظاهره، وفي «الكشاف» أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب عليه ذلك لظهوره في حاله، ولا يخفى ما في {يَهْدِيهِ} من الاستعارة المثيلية التهكمية. وقرىء {كتب} مبنياً للفاعل أي كتب الله. وقرىء {فَإِنَّهُ} بكسر الهمزة فالجملة خبر (من) أو جواب لها، وقرأ الأعمش والجعفي عن أبـي عمرو {إنَّهُ} {فَإِنَّهُ} بكسر الهمزة فيهما ووجهه الكسر في الثانية ظاهر، وأما وجهه في الأولى فهو كما استظهر أبو حيان إسناد {كتب} إلى الجملة إسناداً لفظياً أي كتب عليه هذا الكلام كما تقول كتبت إن الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان أو تقدير قول وجعل الجملة معمولة له أو تضمين الفعل معنى ذلك أي كتب عليه مقولاً في شأنه أنه من تولاه.
ابن عاشور
تفسير : جملة {كتب عليه أنه من تولاه} إلى آخرها صفة ثانية لــــ{أية : شيطان مريد}تفسير : [الحج: 3]، فالضمير المجرور عائد إلى {شيطان}. وكذلك الضمائر في {أنه من تولاه فأنه}. وأما الضميران البارزان في قوله {يضله ويهديه إلى عذاب السعير} فعائدان إلى (مَن) الموصولة، أي يضل الشيطان مُتَوَليه عن الحق ويهدي متوليه إلى عذاب السعير. واتفقت القراءات العشر على قراءة {كُتب} بضم الكاف على أنه مبني للنائب. واتفقت أيضاً على فتح الهمزتين من قوله تعالى: {أنه من تولاه فأنه يضله}. والكتابة مستعارة للثبوت واللزوم، أي لزمه إضلال متوليه ودلالته على عذاب السعير، فأطلق على لزوم ذلك فعل {كتب عليه} أي وجب عليه، فقد شاع أن العقد إذا أريد تحقيق العمل به وعدم الإخلال به كتب في صحيفة. قال الحارث بن حِلّزة:شعر : وهل يَنْقُضُ ما في المهارق الأهْوَاءُ تفسير : والضمير في {أنه}عائد إلى {أية : شيطان}تفسير : [الحج: 3] وليس ضمير شأن لأن جعله ضمير شأن لا يناسب كون الجملة في موقع نائب فاعل {كُتب}، إذ هي حينئذ في تأويل مصدر وضمير الشأن يتطلب بعده جملة، والمصدران المنسبكان من قوله {أنه من تولاه} وقوله {فأنه يضله} نائب فعل {كتب} ومفرع عليه بفاء الجَزاء، أي كتب عليه إضلال من تولاه. والتولي: اتّخاذ ولي، أي نصير، أي من استنصر به. و(مَن) موصولة وليست شرطية لأن المعنى على الإخبار الثابِت لا على التعليق بالشرط. وهي مبتدأ ثان، والضمير المستتر في قوله {تولاه}عائد إلى (مَن) الموصولة. والضمير المنصوب البارز عائد إلى {أية : شيطان}تفسير : [الحج: 3]، أي أن الذي يتخذ الشيطان ولياً فذلك الشيطان يضله. والفاء في قوله {فأنه يضله} داخلة على الجملة الواقعة خبراً عن (من) الموصولة تشبيهاً لجملة الخبر عن الموصول بجملة الجزاء لشَبَه الموصول بالشرط قصداً لتقوية الإخبار. والمصدر المنسبك من قوله {فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} في تقدير مبتدأ هو صدر للجملة الواقعة خبراً عن (مَن) الموصولة. والتقدير: فإضلاله إياه ودلالته إياه إلى عذاب السعير. وخبر هذا المبتدأ مقدر لأنه حاصل من معنى إسناد فعلَي الإضلال والهداية إلى ضمير المبتدأ. والتقدير: ثابتان. ويجوز أن تجعل الفاء في قوله {فأنه يضله} فاء تفريع ويجعلَ ما بعدها معطوفاً على {من تولاه} ويكون المعطوف هو المقصود من الإخبار كما هو مقتضى التفريع. والتقدير: كتب عليه ترتب الإضلال منه لمتولّيه وترتب إيصاله متوليَه إلى عذاب السعير. هذان هما الوجهان في نظم الآية وما عداهما تكلفات. واعلم أن ما نظمت به الآية هنا لا يجري على نظم قوله تعالى في [سورة براءة: 63] {أية : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها}تفسير : لأن مقتضى فعل العلم غيرُ مَقتضى فعل (كُتب). فلذلك كانت (مَن) في قوله {من يحادِدِ} شرطية لا محالة وكان الكلام جارياً على اعتبار الشرطية وكان الضمير هنالك في قوله {أنه}ضمير شأن. ولما كان الضلال مشتهراً في معنى البعد عن الخير والصلاح لم يحتج في هذه الآية إلى ذكر متعلق فعل {يضله}لظهور المعنى. وذُكِر متعلق فعل {يهديه}وهو {إلى عذاب السعير} لأن تعلقه به غريب إذ الشأن أن يكون الهَدْي إلى ما ينفع لا إلى ما يضر ويعذب. وفي الجمع بين {يضله ويهديه} محسن الطِباق بالمضادة. وقد عدّ من هذا الفريق الشامل له قوله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} النضر بن الحارث. وقيل نزلت فيه؛ كان كثير الجدل يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء أجساد بليت وصارت تراباً. وعُد منهم أيضاً أبو جهل، وأبيُّ بن خَلف. ومن قال: إن المقصود بقوله {من يجادل} معيناً خص الآية به، ولا وجه للتخصيص وما هو إلا تخصيص بالسبب.
الواحدي
تفسير : {كُتب عليه} قُضي على الشَّيطان {أنَّه مَنْ تولاَّه} اتَّبعه {فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} يدعوه إلى النَّار بما يُزيِّن له من الباطل. {يا أيها الناس} يعني: كفار مكَّة {إن كنتم في ريب من البعث} شكٍّ من الإِعادة {فإنا خلقناكم} خلقنا أباكم الذي أصل البشر {من تراب ثمَّ} خلقنا ذريَّته {من نطفة ثمَّ من علقة} وهي الدَّم الجامد {ثمَّ من مضغة} وهي لحمةٌ قليلةٌ قدر ما يُمضغ {مُخَلَّقَةٍ} مصوَّرةٍ تامَّة الخلق {وغير مخلقة} وهي ما تمجُّه الأرحام دماً، يعني: السِّقط {لنبيِّن لكم} كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم {ونقرُّ في الأرحام ما نشاء} ننزل فيها ما لا يكون سقطاً {إلى أجل مسمى} إلى وقت خروجه {ثم نخرجكم} من بطون الأمهات {طفلاً} صغاراً {ثمَّ لتبلغوا أَشدكم} عقولكم ونهاية قوَّتكم {ومنكم من يُتوفَّى} يموت قبل بلوغ الأشدِّ {ومنكم مَنْ يردُّ إلى أرذل العمر} وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل شيئاً، وهو قوله: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} ثمَّ ذكر دلالةً أخرى على البعث فقال: {وترى الأرض هامدة} جافَّةً ذات ترابٍ {فإذا أنزلنا عليها الماء} المطر {اهتزت} تحرَّكت بالنَّبات {وربت} زادت {وأنبتت من كلِّ زوج بهيج} من كلِّ صنفٍ حسنٍ من النَّبات. {ذلك} الذي تقدَّم ذكره من اختلاف أحوال خلق الإِنسان، وإحياء الأرض بالمطر {بأنَّ الله هو الحق} الدَّائم الثَّابت الموجود {وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شَىْء قَدِير}.
د. أسعد حومد
تفسير : (4) - وقَدَّرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطَانَ وَقَلَّدَهُ وَاتَّخَذَهُ هَادياً، فَإِنَّهُ يُضِلُّهُ فِي الدُّنيا، بِمَا يُوَسْوِسُ لَهُ مِن اتِّبَاعِ الغَوَايةِ والفُجُورِ، وَيَقُودُهُ فِي الآخِرَةِ إلى عَذابٍ حَارٍّ مُؤْلِمٍ وَمُزعِجٍ. وَهذِهِ النَتيجَةُ هِيَ حَتْمٌ مُقدّرٌ مِنَ اللهِ. (وَيَتَهَكَّمُ التَعبيرُ عَلَى الكُفَّارِ فَيُسَمِّي قِيَادَةَ الشَّيطَانِ أَتْبَاعَهُ إلى عذابِ السَّعِيرِ هِدَاية). تَوَلاَّهُ - اتَّخَذَهُ ولياً وَتَبِعَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: كتب الله على هذا الشيطان المريد، وحكم عليه حُكماً ظاهراً، هكذا (عيني عينك) كما يقال {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ ...} [الحج: 4] أي: تابعه وسار خلفه {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الحج: 4] يضله ويهديه ضِدّان، فكيف نجمع بينهما؟ المراد: يُضِلُّه عن طريق الحق والخير، ويهديه أي: للشر؛ لأن معنى الهداية: الدلالة مُطْلقاً، فإن دللْتَ على خير فهي هداية، وإن دللتَ على شر فهي أيضاً هداية. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 22-23]. أي: دُلُّوهم وخُذوا بأيديهم إلى جهنم. ويقول تعالى في آية أخرى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ..} تفسير : [النساء: 168-169]. والسَّعير: هي النار المتوهّجة التي لا تخمد ولا تنطفئ. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} [الآية: 4]. يقول: من تولى الشيطان، أَي من اتبع الشيطان. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الآية: 5]. قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} [الآية: 5]. يعني التمام. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الآية: 9]. قال: يعني: رقبته.
همام الصنعاني
تفسير : 1899- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ}: [الآية: 4]، قال: كتب عَلَى الشيطَانِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):