٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : القراءة قرأ الحسن {مّنَ ٱلْبَعْثِ } بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } بجر التاء والراء، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله: {لّنُبَيّنَ } وفي قوله: {وَنُقِرُّ } وفي قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة، أما القراءة بالنون ففيها وجوه: أحدها: القراءة المشهورة وثانيها: روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها: ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: أحدها: يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها: يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم وثالثها: بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش {ٱلْعُمُرُ } بإسكان الميم القراءة المعروفة {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخاً بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرىء وأنه باعث. المعاني: اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً وهو موافق لما أجمله في قوله: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يس: 79] وقوله: { أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الإسراء: 51] فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة: المرتبة الأولى: قوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } وفيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب، لقوله: { أية : كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] وقوله: { أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [طه: 55]، والثاني: أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعاً للتسلسل إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن تُرَابٍ } المرتبة الثانية: قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان، وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفاً، مع أنه لا مناسبة بينهما ألبتة المرتبة الثالثة: قوله: {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } العلقة قطعة الدم الجامدة، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة: قوله: {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ } فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء. ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما: الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنساناً تاماً بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وثانيها: المخلقة الولد الذي يخرج حياً وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد وثالثها: المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة، قال يا رب فما صفتها، أذكر أم أنثى، ما رزقها، ما أجلها، أشقى، أم سعيد؟ فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها» ورابعها: قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات. والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ } وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنساناً وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطاً ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله: {وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء } وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط. أما قوله تعالى: {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } ففيه وجهان: أحدهما: لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وثانيهما: التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة. أما قوله تعالى: {وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلاً مسمى المرتبة الخامسة: قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلاً كقوله: { أية : وَالْمَلَـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ } تفسير : [التحريم: 4] المرتبة السادسة: قوله: {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلاً كما يكون غلاماً ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة: قوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. فإن قيل كيف قال: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } وهو ضعيف. لأن معنى قوله: { أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } تفسير : [التين: 5] هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } تفسير : [التين: 6] فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني: الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً } وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله: {ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أي تحركت بالنبات وانتفخت. أما قوله: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعاً، ومعنى {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس، والبهجة حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة أحدها: قوله ذلك: {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن حدوث هذه الأمراض المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع وثانيها: قوله تعالى: {وأنه يحيي الموتى} فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات وثالثها: قوله: {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يعني أن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لا بد وأن يكون قادراً على الإعادة ورابعها: قوله: {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ } والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة في نفسها، وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلا بد من القطع بوقوعه، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال الإعادة في نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارىء سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة لما قلنا إن تلك الإجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شيء من الأوقات لأن الأمور الذاتية لا تزول، ولو لم تكن قابلة لها في شيء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في شيء من الأوقات، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبداً لهذه الصفات. وأما أن البارىء سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالماً بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادراً على كل الممكنات، فيكون قادراً على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات. فثبت أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن. فثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها. فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل. فإن قيل فأي منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات في هذه الدلالة؟ قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات، ومتى صح ذلك فقد صح كون الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين، ولذلك فإن الله تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر معه كونه قادراً عالماً كقوله: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } تفسير : [يس: 79] فقوله: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا} بيان للقدرة وقوله: {وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} بيان للعلم والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} ـ إلى قوله ـ {مُّسَمًّى} فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى. وقوله: {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} متضمّنة التوقيف. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «البَعَث» بفتح العين؛ وهي لغة في «البَعْث» عند البصريين. وهي عند الكوفيين بتخفيف «بَعَث». والمعنى: يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة. {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر؛ يعني آدم عليه السلام {مِّن تُرَابٍ}. {ثُمَّ} خلقنا ذريته {مِن نُّطْفَةٍ} وهو المنِيّ؛ سُمِّيَ نطفة لقلّته، وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه؛ ومنه الحديث: «حديث : حتى يسير الراكب بين النُّطفتين لا يخشى جَوْراً»تفسير : . أراد بحر المشرق وبحر المغرب. والنَّطْف: القَطْر. نَطَف يَنْطِفُ وينطُف. وليلة نَطوفة دائمة القطر. {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} وهو الدّم الجامد. والعَلَق الدّم العَبِيط؛ أي الطَّرِيّ. وقيل: الشديد الحمرة. {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} وهي لحمة قليلة قدرُ ما يمضغ؛ ومنه الحديث: «حديث : ألاَ وإنّ في الجسد مُضْغة»تفسير : . وهذه الأطوار أربعة أشهر. قال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة يُنفخ فيه الروح، فذلك عدّة المتوفَّى عنها زوجها، أربعة أشهرٍ وعشر. الثانية: روى يحيـى بن زكرياء بن أبي زائدة حدّثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرّت في الرّحم أخذها مَلَك بكفه فقال: «يا ربّ، ذكر أم أنثى، شقيّ أم سعيد، ما الأجل والأَثر، بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أمّ الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة. فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قُبضت فدفنت في المكان الذي قُدّر لها؛ ثم قرأ عامر: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}. وفي الصحيح عن أنس بن مالك ـ ورفع الحديث ـ قال: «حديث : إن الله قد وَكّل بالرحم مَلَكاً فيقول أيْ ربِّ نطفةٌ. أيْ رَبّ عَلَقة. أيْ رَبّ مُضْغَة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقاً قال - قال - الملك أيْ رَبّ ذَكَرَ أو أنثى شقيّ أو سعيد. فما الرزق فما الأجل. فيكتب كذلك في بطن أمه»تفسير : . وفي الصحيح أيضاً عن حُذيفة بن أسِيد الغِفاريّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا مَرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها مَلَكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أيْ ربّ أذكر أم أنثى...» تفسير : وذكر الحديث. وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق «حديث : إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علَقة مثلَ ذلك ثم يكون مُضْغة مثلَ ذلك ثم يُرسَل المَلَك فينفخ فيه الروحَ ويُؤمر بأربع كلمات بكَتْب رزقه وأجله وعمله وشقِيٌّ أو سعيد...» تفسير : الحديث. فهذا الحديث مفسِّر للأحاديث الأول؛ فإن فيه: «يُجمع خلق أحدِكم في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة ثم أربعين يوماً علقة ثم أربعين يوماً مضغة ثم يُبعث الملك فينفخ فيه الروح» فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح، وهذه عدّة المتوفَّى (عنها زوجها) كما قال ابن عباس. وقوله: «إن أحدَكم يُجمع خلقه في بطن أمّه» قد فسّره ابن مسعود، سئل الأعمش: ما يجمع في بطن أمّه؟ فقال حدّثنا خَيْثمة قال: قال عبد الله: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوماً ثم تصير دماً في الرّحم، فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة. الثالثة: نسبة الخلق والتصوير للمَلَك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه؛ ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلْقة الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} تفسير : [الأعراف: 11]. وقال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12 ـ 13]. وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ }. وقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2]. ثم قال: {أية : وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} تفسير : [غافر: 64]. وقال: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تفسير : [التين: 4]. وقال: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } تفسير : [العلق: 2]. إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلّت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا ربّ العالمين. وهكذا القول في قوله: «ثم يُرسَل الملك فينفخ فيه الروح» أي أنّ النفخ سببُ خلق الله فيها الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره. فتأمّل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم. الرابعة: لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس؛ كما بيناه بالأحاديث. وعليه يعوّل فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات؛ وذلك لتيقّنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمة في عِدّة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرَّحِم ببلوغ هذه المدّة إذا لم يظهر حمل. الخامسة: النطفة ليست بشيء يقيناً، ولا يتعلّق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل؛ فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرّت واجتمعت واستحالت إلى أوّل أحوال ما يُتحقق به أنه ولد. وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به الرّحم، وتنقضي به العدّة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابِه. وقال الشافعيّ رضي الله عنه: لا اعتبار بإسقاط العَلَقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط؛ فإن خَفِيَ التخطيط وكان لحماً فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي به العدّة ولا تكون أمّ ولد. قالوا: لأن العدّة تنقضي بالدّم الجاري، فبغيره أوْلى. السادسة: قوله تعالى: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} قال الفرّاء: «مخلقة» تامّة الخَلْق، «وغيرِ مخلقة» السّقط. وقال ابن الأعرابيّ: «مخلّقة» قد بدأ خلقها، «وغير مخلقة» لم تصوّر بعد. ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء. قال ابن العربي: إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلّقة؛ لأن الكلّ خلقُ الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14] فذلك ما قال ابن زيد. قلت: التخليق من الخلق، وفيه معنى الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد خُلق خلقاً بعد خلق، وإذا كان نطفة فهو مخلوق؛ ولهذا قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14] والله أعلم. وقد قيل: إن قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط؛ أي منهم من يتم الربّ سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع، ومنهم من يكون خَدِيجا ناقصاً غير تمام. وقيل: المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت. ابن عباس: المخلقة ما كان حيًّا، وغير المخلقة السقط. قال:شعر : أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء تفسير : السابعة: أجمع العلماء على أن الأَمَة تكون أمّ ولد بما تسقطه من ولدٍ تامّ الخلق. وعند مالك والأوزاعيّ وغيرهما بالمضغة كانت مخلقةً أو غير مخلقة. قال مالك: إذا علم أنها مضغة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن كان قد تبيّن له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أمّ ولد. وأجمعوا على أن المولود إذا استهلّ صارخاً يصلَّى عليه؛ فإن لم يستَهِل صارخاً لم يصلّ عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهما. وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه؛ وقاله ابن المسيّب وابن سِيرين وغيرهما. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم وكفّنوهم وحنّطوهم؛ فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه الآية «فإنا خلقناكم من تراب ـ إلى ـ وغيرِ مخلقةٍ». قال ابن العربي: لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبيّن خلقه فهو الذي يسمَّى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له. وقال بعض السلف: يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا استهَلّ المولود ورِث»تفسير : . الاستهلال: رفع الصوت؛ فكل مولود كان ذلك منه أو حركةٌ أو عطاس أو تنفُّس فإنه يورَّث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي. قال الخطابي: وأحسنه قول أصحاب الرأي. وقال مالك: لا ميراث له وإن تحرك أو عَطَس ما لم يستهِلّ صارخاً. وروي عن محمد بن سيرين والشَّعْبِي والزهري وقتادة. الثامنة: قال مالك رضي الله عنه: ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغُرّة. وقال الشافعي: لا شيء فيه حتى يتبيّن من خلقه شيء. قال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهِلّ صارخاً ففيه الغُرّة. وسواء تحرّك أو عطس فيه الغرّة أبداً، حتى يستهِل صارخاً ففيه الدية كاملة. وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار: إذا عُلمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلال أو بغير ذلك ما تستيقن به حياته ففيه الدية. التاسعة: ذكر القاضي إسماعيل أن عدّة المرأة تنقضي بالسّقط الموضوع، واحتج عليه بأنه حمل، وقال قال الله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]. قال القاضي إسماعيل: والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده خلقاً وكونه ولداً وحملاً. قال ابن العربي: ولا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقاً. قلت: ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه» يدل على صحة ما قلناه، ولأن مُسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت حاملاً وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]. ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسّداً كالمخطط، وهذا بيّن. العاشرة: روى ابن ماجه حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا خالد بن مخلد حدّثنا يزيد عن عبد الملك النّوفليّ عن يزيد بن رُومان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لسقط أقدّمه بين يدي أحبّ إليّ من فارس أخلّفه (خلفي)»تفسير : . وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال: «حديث : أحبّ إلي من ألف فارس أخلّفه ورائي».تفسير : الحادية عشرة: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} يريد: كمال قدرتنا بتصريفنا أطوارَ خَلْقكم. {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ} قرىء بنصب «نقِر» و«نخرج»، رواه أبو حاتم عن أبي يزيد عن المفضّل عن عاصم قال: قال أبو حاتم: النصب على العطف. وقال الزجاج: «نقر» بالرفع لا غير؛ لأنه ليس المعنى: فعلنا ذلك لنقرَّ في الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلّهم على الرشد والصلاح وقيل: المعنى لنبيّن لهم أمر البعث؛ فهو اعتراض بين الكلامين. وقرأت هذه الفرقة بالرفع «ونقرُّ»؛ المعنى: ونحن نقر. وهي قراءة الجمهور. وقرىء: «ويقر» و«يخرجكم» بالياء، والرفع على هذا سائغ. وقرأ ابن وَثّاب «ما نِشاء» بكسر النون. والأجل المسمى يختلف بحسب جَنِين جنين؛ فثَمّ من يسقط وثَمّ من يكمل أمره ويخرج حَيًّا. وقال «ما نشاء» ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل؛ أي نقرّ في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المغضة وهي جماد فكنّى عنها بلفظ ما. الثانية عشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً؛ فهو اسم جنس. وأيضاً فإن العرب قد تسمّي الجمع باسم الواحد؛ قال الشاعر:شعر : يَلحينني في حبّها ويَلُمْننِي إن العواذل ليس لي بأمير تفسير : ولم يقل أمراء. وقال المبرد: وهو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعَدْل، فيقع على الواحد والجمع؛ قال الله تعالى: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النور: 31]. وقال الطبري: وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} تفسير : [النساء: 4]. وقيل: المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلاً. والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ. وولَدُ كلِّ وَحْشِيَّة أيضاً طفل. ويقال: جارِية طِفْلٌ، وجاريتان طِفْل وجَوارٍ طِفْلٌ، وغلامٌ طفلٌ، وغلمان طفل. ويقال أيضاً: طِفْلٌ وطِفْلة وطِفْلان وطِفْلتان وأطفال. ولا يقال: طِفْلات. وأطفلت المرأة صارت ذات طفل. والمُطْفِلة: الظبية معها طفلها، وهي قريبة عهد بالنَّتاج. وكذلك الناقة، (والجمع) مَطافلُ ومطافيل. والطَّفْل (بالفتح في الطاء) الناعم؛ يقال: جارية طَفْلة أي ناعمة، وبنان طَفْل. وقد طَفَّل الليل إذا أقبل ظلامه. والطَّفَل (بالتحريك): بعد العصر إذا طَفَلت الشمس للغروب. والطَّفَل (أيضاً): مطر؛ قال:شعر : لِـوَهْـدٍ جـاده طَـفَـلُ الـثُّـرَيّـا تفسير : {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} قيل: إن «ثم» زائدة كالواو في قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73]؛ لأن ثم من حروف النَّسَق كالواو. «أشُدَّكم» كمال عقولكم ونهايةَ قُواكم. وقد مضى في «الأنعام» بيانه. {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي أخسِّه وأدْوَنه وهو الهَرَم والخَرَف حتى لا يعقِل؛ ولهذا قال: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}. كما قال في سورة يس: {أية : وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ} تفسير : [يسۤ: 68]. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «حديث : اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من البُخْل وأعوذ بك من الجُبْن وأعوذ بك أن أرَدّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر»تفسير : . أخرجه النَّسائيّ عن سعد، وقال: وكان يعلمهنَّ بَنِيه كما يعلّم المُكْتِبُ الغلمان. وقد مضى في النحل هذا المعنى. قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأوّل: «فإنا خلقناكم مِن تراب» فخاطب جمعاً. وقال في الثاني: «وَتَرَى الأَرْضَ» فخاطب واحداً، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث. {هَامِدَةً} يابسة لا تنبت شيئاً؛ قاله ابن جُريج. وقيل: دارسة. والهمود الدروس. قال الأعشى:شعر : قالت قُتيلَةُ ما لجسمك شاحِباً وأرى ثيابَك بالياتٍ هُمّدَا تفسير : الهَرَوِيّ: «هامدة» أي جافة ذات تراب. وقال شَمِر: يقال: هَمَد شجر الأرض إذا بَلِيَ وذهب. وهمدت أصواتهم إذا سكنت. وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر. وفي الحديث: «حديث : حتى كاد يَهْمُد من الجوع»تفسير : أي يهلك. يقال: هَمَد الثوب يَهْمُد إذا بَلِيَ. وهَمَدت النار تَهْمُد. قوله تعالى: {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ} أي تحركت. والاهتزاز: شدّة الحركة؛ يقال: هَزَزْت الشيء فاهتز؛ أي حركته فتحرك. وهَزّ الحادِي الإبل هزيزاً فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحُدائه. واهتز الكوكب في انقضاضه. وكوكب هازّ. فالأرض تهتز بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية؛ فسماه اهتزازاً مجازاً. وقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف؛ قاله المبرّد. واهتزازه شدّة حركته، كما قال الشاعر:شعر : تَثَنَّى إذا قامت وتهتزّ إن مشت كما اهتز غصن البان في ورق خُضْر تفسير : والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. {وَرَبَتْ} أي ارتفعت وزادت. وقيل: انتفخت؛ والمعنى واحد، وأصله الزيادة. رَبَا الشيء يَرْبُو رُبُوًّا أي زاد؛ ومنه الربا والرّبوة. وقرأ يزيد بن القَعْقَاع وخالد بن الياس «وَرَبأتْ» أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شيء مُشْرِف؛ فهو رابىء وربِيئة على المبالغة. قال امرؤ القيس:شعر : بَعثْنَا رَبِيئاً قبل ذاك مُخَمّلاً كذئب الغَضَا يمشي الضَّرَاء ويَتّقِي تفسير : {وَأَنبَتَتْ} أي أخرجت. {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي لَون. {بَهِيجٍ } أي حسن؛ عن قتادة. أي يُبهج من يراه. والبَهْجة الحُسْن؛ يقال: رجل ذو بَهجة. وقد بَهُج (بالضم) بَهاجة وبَهْجة فهو بهيج. وأبهجني أعجبني بحسنه. ولما وصف الأرض بالإنبات دلّ على أن قوله: «اهتزت وربت» يرجع إلى الأرض لا إلى النبات. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} من إمكانه وكونه مقدوراً، وقرىء {مّنَ ٱلْبَعْثِ} بالتحريك كالجلب. {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ } أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم. {مّن تُرَابٍ } بخلق آدم منه، أو الأغذية التي يتكون منها المني. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } مني من النطف وهو الصب. {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } قطعة من الدم جامدة. {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر مما يمضغ. {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير مصورة. {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى، وأن من قدر على تغييره وتصويره أولاً قدر على ذلك ثانياً، وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. {وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء} أن نقره. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه أربع سنين، وقرىء «ونقره» بالنصب وكذا قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } عطفاً على «نبيِّن» كأن خلقهم مدرجاً لغرضين تبيين القدرة وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف، وقرئا بالياء رفعاً ونصباً ويقر بالياء {وَنُقِرُّ} من قررت الماء إذا صببته، و {طِفْلاً } حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر. {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ} كمالكم في القوة والعقل جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} عند بلوغ الأشد أو قبله. وقرىء {يَتَوَفَّى} أو يتوفاه الله تعالى. {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } وهو الهرم والخرف، وقرىء بسكون الميم. {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما عمله وينكر ما عرفه، والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإِنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رماداً. {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ} تحركت بالنبات. {وَرَبَتْ} وانتفخت، وقرىء «وربأت» أي ارتفعت. {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ} من كل صنف {بَهِيجٍ} حسن رائق، وهذه دلالة ثالثة كررها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ} أي: في شك {مِّنَ ٱلْبَعْثِ} وهو المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، يوم القيامة، {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي: أصل برئه لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم عليه السلام، {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} أي: كما تشاهدونها، {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: وتارة تستقر في الرحم، لا تلقيها المرأة ولا تسقطها؛ كما قال مجاهد في قوله تعالى: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة، أرسل الله تعالى ملكاً إليها فنفخ فيها الروح وسواها كما يشاء الله عز وجل من حسن وقبح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد. كما ثبت في "الصحيحين" من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح».تفسير : وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث داود ابن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم، أخذها ملك بكفه، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الأجل وما الأثر، وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها، ماتت فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فإذا بلغت مضغة، نكست في الخلق الرابع، فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة، قذفتها الأرحام دماً، وإن كانت مخلقة، نكست في الخلق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوماً، أو خمس وأربعين، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله، ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها، ولا ينتقص» تفسير : ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، ومن طريق آخر عن أبي الطفيل بنحو معناه. وقوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي: ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئاً، ويلطف به، ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار، ولهذا قال: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} أي: يتكامل القوي ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المظهر، {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي: في حال شبابه وقواه، {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو الشيخوخة والهرم، وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} تفسير : [الروم: 54]. وقد قال الحافظ أبو يعلى بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري عن أنس بن مالك، رفع الحديث قال: «حديث : المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالديه، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه، ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث، أجرى الله عليه القلم أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام، أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين، خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب. فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء. فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكتب أمين الله، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، كتب الله مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه».تفسير : هذا حديث غريب جداً، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده موقوفاً ومرفوعاً، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر عن محمد بن عبد الله العامري، عن عمرو بن جعفر عن أنس قال: «حديث : إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة، أمنه الله من أنواع البلايا: من الجنون، والبرص، والجذام، فإذا بلغ الخمسين، لين الله حسابه، وإذا بلغ الستين، رزقه الله إنابة يحبه الله عليها، وإذا بلغ السبعين، أحبه الله وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين، تقبل الله حسناته، ومحا عنه سيئاته، وإذا بلغ التسعين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهله» تفسير : ثم قال: حدثنا هاشم، حدثنا الفرج، حدثني محمد بن عبد الله العامري عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ورواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي بردة الأنصاري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة، إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والبرص، والجذام» تفسير : وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء، رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبد الله بن شبيب عن أبي شيبة عن عبد الله بن عبد الملك عن أبي قتادة العذري، عن ابن أخي الزهري عن عمه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة، إلا صرف الله عنه أنواعاً من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة، لين الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة، رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله، وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين، تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته».تفسير : وقوله: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء. وقال قتادة: غبراء متهشمة. وقال السدي: ميتة، {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: فإذا أنزل الله عليها المطر، اهتزت، أي تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، وربت، أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون؛ من ثمار وزروع وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: حسن المنظر، طيب الريح. وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء {وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: كما أحيا الأرض الميتة، وأنبت منها هذه الأنواع {أية : إِنَّ ٱلَّذِىۤ أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [فصلت: 39] {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 82] {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: كائنة، لا شك فيها ولا مرية، {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ} أي: يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمماً، ويوجدهم بعد العدم؛ كما قال تعالى: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُنَ} تفسير : [يس: 78 - 80] والآيات في هذه كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حُدُس عن عمه أبي رزين العقيلي، واسمه لقيط بن عامر: أنه قال: يا رسول الله أكلنا يرى ربه عز وجل يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به؟»تفسير : قلنا: بلى، قال: «حديث : فالله أعظم» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «حديث : أما مررت بوادي أهلك ممحلاً؟» تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : ثم مررت به يهتز خضراً؟» تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه»تفسير : . ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به. ثم رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن سليمان بن موسى عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «حديث : أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟» تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : كذلك النشور» تفسير : والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيس بن مرحوم، حدثنا بكير بن أبي السميط عن قتادة عن أبي الحجاج عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } شكَ {مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُمْ } أي أصلكم آدم {مّن تُرَابٍ ثُمَّ } خلقنا ذرّيته {مِن نُّطْفَةٍ } منيّ {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } وهي الدم الجامد {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } وهي لحمة قدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ } مصوّرة تامّة الخلق {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } أي غير تامّة الخلق {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته {وَنُقِرُّ } مستأنف {فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وقت خروجه {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من بطون أُمّهاتكم {طِفْلاً } بمعنى أطفالاً {ثُمَّ } نعمركم {لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } أي الكمال والقوّة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } يموت قبل بلوغ الأشدّ {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } أخسّه من الهرم والخَرَف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً } يابسة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاءَ ٱهْتَزَّتْ } تحرّكت {وَرَبَتْ } ارتفعت وزادت {وَأَنبَتَتْ مِن } زائدة {كُلّ زَوْجٍ } صنف {بَهِيجٍ } حَسَن.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُم فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} يعني آدم. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يعني ولده. {ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ} يعني أن النطفة تصير في الرحم علقة. {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} يعني أن العلقة تصير مضغة، وذلك مقدار ما يمضع من اللحم. {مُّخَلَّقَةٍ وَغِيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فيه أربعه تأويلات: أحدها: أن المخلقة ما صار خلقاً، وغير مخلقة ما دفعته الأرحام من النطف فلم يصير خلقاً، وهو قول ابن مسعود. والثاني: معناه تامة الخلق وغير تامة الخلق، وهذا قول قتادة. والثالث: معناه مصورة وغير مصورة كالسقط، وهذا قول مجاهد. والرابع: يعني التام في شهوره، وغير التام، قاله الضحاك، قال الشاعر: شعر : أفي غير المخلقة البكاءُ فأين العزم ويحك والحَياءُ تفسير : {لِّنُبيِّنَ لَكُمْ} يعني في القرآن بدء خلقكم وتنقل أحوالكم. {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلّى أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال مجاهد: إلى التمام. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ} وقد ذكرنا عدد الأشُدّ. {وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفّى} فيه وجهان: أحدهما: يعني قبل أن تبلغ إلى أرذل العمر. والثاني: قبل بلوغ الأَشُدّ. {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الهرم، وهو قول يحيى بن سلام. والثاني: إلى مثل حاله عند خروجه من بطن أمّه، حكاه النقاش. والثالث: ذهاب العقل، قاله اليزيدي. {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} فيه وجهان: أحدهما: لا يستفيد علماً ما كان به عالماً. الثاني: لا يعقل بعد عقله الأول شيئاً. ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً: أنه لا يعمل بعد علمه شيئاً، فعبر عن العمل بالعلم [لافتقاره إليه لأن تأثير الكبر في العمل أبلغ من تأثيره في العلم]. {وتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غبراء، وهذا قول قتادة. والثاني: يابسة لا تنبت شيئاً، وهذا قول ابن جريج. والثالث: أنها الدراسة، والهمود: الدروس، ومنه قول الأعشى: شعر : قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همَّدا تفسير : {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وفي {اهْتَزَّتْ} وجهان: أحدهما: معناه أنبتت، وهو قول الكلبي. والثاني: معناه اهتز نباتها واهتزازه شدة حركته، كما قال الشاعر: شعر : تثني إذا قامت وتهتز إن مشت كما اهتز غُصْن البان في ورق خضرِ تفسير : {وَرَبَتْ} وجهان: أحدهما: معناه أضعف نباتها. والثاني: معناه انتفخت لظهور نباتها، فعلى هذا الوجه يكون مقدماً ومؤخراً وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء رَبتْ واهتزت، وهذا قول الحسن وأبي عبيدة، وعلى الوجه الأول لا يكون فيه تقديم ولا تأخير. {وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} فيه وجهان: أحدهما: يعني من كل نوع، وهو قول ابن شجرة. والثاني: من كل لون لاختلاف ألوان النبات بالخضرة والحمرة والصفرة. {بَهِيجٍ} يعني حسن الصورة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن تُرَابٍ} يريد آدم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يريد ذريته فتصير النطفة علقة ثم تصير العلقة مضغة بقدر ما يمضغ من اللحم {مُّخَلَّقَةٍ} صارت خلقاً {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} دفعتها الأرحام فلم تصر خلقاً، أو تامة الخلق وغير تامة أو مصورة وغير مصورة، أو لتمام شهوره وغير تمام {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} في القرآن بدو خلقكم وتنقل أحوالكم {يُتَوَفَّى} قبل الأشد، أو قبل أرذل العمر، {أَرْذَلِ الْعُمُرِ} الهرم، أو حالة ضعف كحال خروجه من بطن أمه، أو ذهاب العقل {لِكَيْلا يَعْلَمَ} شيئاً وينسى ما كان يعلمه، أو لا يعقل بعد عقله الاول شيئاَ. {هَامِدَةً} غبراء متهشمة، أو يابسة لا تنبت شيئاً، أو دارسة والهمود: الدروس {اهْتَزَّتْ} استبشرت، أو اهتز نباتها لشدة حركته {وَرَبَتْ} أضعف نباتها، أو انتفخت لظهور نباتها على التقديم والتأخير ربت واهتزت. {زَوْجٍ} نوع، أو لون أصفر وأحمر وأخضر وغير ذلك {بَهيجٍ} حسن الصورة.
النسفي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ } يعني إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء تراباً وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق تراباً وماء {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ } أي أباكم {مّن تُرَابٍ ثُمَّ } خلقتم {مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي قطعة دم جامدة {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب كأن الله عز وجل يخلق المضغة متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً ثم من نطفة ثانياً ــ ولا مناسبة بين التراب والماء ــ وقدر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاماً قادر على إعادة ما بدأه {وَنُقِرُّ } بالرفع عند غير المفضل مستأنف بعد وقف. أي نحن نثبت {فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء } ثبوته {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي وقت الولادة وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من الرحم {طِفْلاً } حال وأريد به الجنس فلذا لم يجمع، أو أريد به ثم نخرج كل واحد منكم طفلاً {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ } ثم نربيكم لتبلغوا {أَشُدَّكُـمْ } كمال عقلكم وقوتكم وهو من ألفاظ الجموع التي لا يستعمل لها واحد {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } أخسه يعني الهرم والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } أي لكيلا يعلم شيئاً من بعد ما كان يعلمه أو لكيلا يستفيد علماً وينسى ما كان عالماً به. ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً } ميتة يابسة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ } تحركت بالنبات {وَرَبَتْ } وانتفخت. {وربأت} حيث كان: يزيد ارتفعت {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } صنف {بَهِيجٍ } حسن صار للناظرين إليه.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ...} الآية: هذا احتجاجٌ على العالم بالبدأة الأُولى، وضَرَبَ سبحانه وتعالى في هذه الآية مَثَلَيْنِ، إذا اعتبرهما الناظر جَوَّزَ في العقل البعثة من القبور، ثم وَرَدَ الشرعُ بوقوع ذلك. وقوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} يريدُ آدم عليه السلام. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يريد: المنيَّ والنطفة: تقع على قليلِ الماءِ وكثيره. {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} يريدُ: من الدم الذي تعودُ النطفةُ إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعَلَقُ الدمُ الغليظ، وقيل: العلق الشديد الحُمْرَة. {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ. وقوله: {مُّخَلَّقَةٍ} معناه: مُتَمَّمَةٌ، {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} غير متممة، أي: التي تسقط، قاله مجاهد وغيره، فاللفظة بناءُ مبالغة من خلق، ولما كان الإنسانُ فيه أعضاء متباينة، وكل واحد منها مختصّ بخلق ـــ حَسُنَ في جملته تضعيفُ الفعل؛ لأَن فيه خلقاً كثيراً. وقوله سبحانه: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} قالت فرقة: معناه أمر البعث، {وَنُقِرُّ} أي: ونحن نُقِرُّ في الأرحام، والأجل المُسَمَّى مختلف بحسب حين حين، فَثَمَّ مَنْ يسقط، وثم مَنْ يكمل أمره ويخرج حَيّاً. وقوله سبحانه: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} قد تقدَّمَ بيانُ هذه المعاني، والرَّدُّ اإلى أَرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة، واختلال العقل والقوة، فهذا مثال واحد يقتضي للمُعْتَبِرِ به أن القادِرَ على هذه المناقل، المُتْقِنَ لها ـــ قادرٌ على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل، إلى حالها الأولى. وقوله عز وجل: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} هذا هو المثال الثَّاني الذي يُعْطِي للمعتبر فيه جوازَ بعث الأجساد؛ وذلك أَنَّ إحياءَ الأرض بعد موتها بَيِّنٌ؛ فكذلك الأجساد، و {هامدة}: معناه: ساكنة دارسة بالية، واهتزاز الأرض: هو حركتها بالنبات وغيرِ ذلك مِمَّا يعتريها بالماء، {وَرَبَتْ}: معناه: نشزت وارتفعت؛ ومنه الرَّبْوَةُ وهي المكان المرتفع، والزوج: النوع، والبهيج: من البهجة، وهي الحسن؛ قاله قتادة وغيره. وقوله: {ذَٰلِكَ} إشارة إلى كل ما تقدم ذكره، وباقي الآية بين.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} الآية. لما حكى عنهم الجدال بغير علم في إثبات الحشر والنشر، وذمَّهم عليه، ألزمهم الحجة، وأورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً، ثم بخلقة النبات ثانياً، وهذا موافق لما أجمله في قوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79]. وقوله: {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 51]. فكأنه تعالى قال: {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} أي شك من البعث ففكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً. قوله: "مِنَ البَعْثِ". يجوز أن يتعلق بـ "رَيْبٍ" ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "ريب". وقرأ الحسن "البَعَثِ" بفتح العين، وهي لغة كالطَّرَدِ والحَلَبِ في الطَّرْد والحَلْب بالسكون. قال أبو حيان: والكوفيون إسكان العين عندهم تخفيف فيما وسطه حرف حلق كالنَّهْر والنَّهَر، والشَّعْر والشَّعَر، والبصريون لا يقيمونه، وما ورد من ذلك هو عندهم مما جاء فيه لغتان. وهذا يوهم ظاهره أن الأصل: البعث - بالفتح - وإنما خفف، وليس الأمر كذلك وإنما محل النزاع إذا سمع الحلقي مفتوح العين هل يجوز تسكينه أم لا؟ لا أنه كلما جاء ساكن العين من ألحقها يدعي أن أصلها بالفتح كما هو ظاهر عبارته. قوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي: خلقنا أصلكم وهو آدم من تراب نظيره قوله: {أية : كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] وقوله: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُم} تفسير : [طه: 55]. ويحتمل أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات، وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعاً للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء فصحّ قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}. فصل قال النووي في التهذيب: التراب معروف؛ والمشهور الصحيح الذي قاله الفراء والمحققون أنه جنس لا يثنى ولا يجمع. ونقل أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن المبرد أنه قال: هو جمع واحدته ترابة، والنسبة إلى التراب ترابي. وذكر النحاس في كتابه صناعة الكتاب: في التراب خمس عشرة لغة فقال يقال: تراب وتَوْرب على وزن جعفر، وتَوْرَاب، وتَيْرب - بفتح أولهما - والإِثلب والأَثلَب الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلثة فيهما ومنه قولهم: بفيه الأثلب، وهو الكَثْكَث - بفتح الكافين وبالثاء المثلثة المكررة، والكثكث - بكسر الكافين - والدِّقعِم - بكسر الدال والعين - والدَّقعاء بفتح الدال والمد، والرَّغام - بفتح الراء والغين المعجمة - ومنه: أرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالرغام وهو البرا مقصور مفتوح الباء الموحدة كالعصا، والكِلْخِم بكسر الكاف والخاء المعجمة وإسكان اللام بينهما، والكِلْخ بكسر الكاف واللام وإسكان الميم بينهما والخاء أيضاً معجمة، والعِثْير بكسر العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة وبعدها مثناة من تحت مفتوحة. قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} والنطفة اسم للماء القليل، أي ماء كان، وهو هنا ماء الفحل، وجمعها نطاف، فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذاك التراب اليابس ماء لطيفاً مع أنه لا مناسبة بينهما. والمراد من الخلق من النطفة الذرية. قوله: {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} والعلقة قطعة الدم الجامدة، وجمعها عَلَق ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. وعن بعضهم وقد سئل عن أصعب الأشياء فقال: وقع الزلق على العلق، أي: على دم القتلى في المعركة. قوله: {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} المُضْغَة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ نحو الغُرْفَة، والأكْلَة بمعنى المغروفة والمأكولة. قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} العامة على الجر في "مُخَلَّقةٍ" وفي "غَيْر" على النعت. وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما على الحال من النكرة، وهو قليل جداً، وإن كان سيبويه قاسه. والمُخَلَّقَة: الملساء التي لا عيب فيها من قولهم: صخرة خلقاء، أي: ملساء وخَلَّقْتُ السواك: سوَّيْتُه ومَلَّسْتُه. وقيل: التضعيف في "مُخَلَّقَة" دلالة على تكثير الخلق؛ لأن الإنسان ذو أعضاء متباينة وخلق متفاوتة. قاله الشعبي وقتادة وأبو العالية وقال ابن عباس وقتادة: "مُخَلَّقة" تامة الخلق، و"غير مخلقة" أي ناقصة الخلق. وأبو مجاهد: مصورة وغير مصورة، وهو السقط. وقيل: المُخَلَّقَة من تمت فيه أحوال الخلق، وغير المخلقة من لم يتم فيه أحوال الخلق قاله قتادة والضحاك. وقيل: المُخَلَّقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة السقط. وروى علقمة عن ابن مسعود قال: "إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دماً ولم يكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد، ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته". قوله: "لِنُبَيِّنَ لَكُم" أي: لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم لتستدلّوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم أن تغيير الصفة والخلقة هو اختيار من الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة. قوله: {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} على رفع "وَنُقِرُّ"، لأنه مستأنف، وليس علة لما قبله فينصب نسقاً على ما تقدم. وقرأ يعقوب، وعاصم في رواية بنصبه. قال أبو البقاء: على أن يكون معطوفاً في اللفظ والمعنى مختلف، لأن اللام في "لِنُبَيِّنَ" للتعليل واللام المقدرة مع "نُقِرُّ" للصيرورة. وفيه نظر، لأن قوله: معطوفاً في اللفظ. يدفعه قوله: واللام المقدرة. فإن تقدير اللام يقتضي النصب بإضمار (أن) بعدها لا بالعطف على ما قبله. وعن عاصم أيضاً: "ثُمَّ نُخْرِجَكُمْ" بنصب الجيم. وقرأ ابن أبي عبلة "لِيُبَيِّنَ" و"يُقِرُّ" بالياء من تحت فيهما، والفاعل هو الله تعالى كما في قراءة النون. وقرأ يعقوب في رواية "ونَقُرُّ" بفتح النون وضم القاف ورفع الراء من قرَّ الماء يقرُّه أي: صبَّه. وقرأ أبو زيد النحوي "ويَقر" بفتح الياء من تحت وكسر القاف ونصب الراء أي: ويقر الله وهو من قَرَّ الماء إذا صبه. وفي الكامل لابن جبارة "لنبين، ونقر، ثم نخرجكم" بالنصب فيهن يعني بالنون في الجميع، المفضل بالياء فيهما مع النصب أبو حاتم، وبالياء والرفع عن عمر بن شبة. انتهى. وقال الزمخشري: والقراءة بالرفع إخبار بأنه تعالى: يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره. ثم قال: والقراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل ومعناه: جعلناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين: أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى يولدوا وينشئوا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم، ويعضد هذه القراءة قوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ}. قال شهاب الدين: تسميته مثل هذه الأفعال المسندة إلى الله تعالى غرضاً لا يجوز. وقرأ ابن وثاب "نِشَاء" بكسر النون وهو كسر حرف المضارعة كما تقدم في قوله: "نسْتَعِينُ". والمراد بالأجل المسمى يعني نقر في الأرحام ما نشاء فلا نمحه ولا نسقطه إلى أجل مسمى وهو حد الولادة، وهو آخر ستة أشهر أو تسعة أشهر أو أربع سنين كما شاء وقدر تام الخلق والمدة. قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي: تخرجون من بطون أمهاتكم، "طِفْلاً" حال من مفعول "نُخْرِجُكُم"، وإنما وحِّدَ، لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل، فيلزم الإفراد والتذكير، قاله المبرد، وإما لأنه مراد به الجنس، ولأنه العرب تذكر الجمع باسم الواحد قال تعالى: {أية : وَالْمَلآئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] وإما لأن المعنى نخرج كل واحد منكم، نحو: القوم يشبعهم رغيف، أي: كل واحد منهم. وقد يطابق به ما يراد به فيقال: طفلان وأطفال، وفي الحديث: "حديث : سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ المُشْرِكِينَ"تفسير : . والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ. وأما الطفل - بالفتح - فهو الناعم، والمرأة طفلة، قال: شعر : 3746- وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ ميَّالةٍ بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِي عَلَى أَسْرَارِهَا تفسير : وقال: شعر : 3747- أَحْبَبْتُ فِي الطَّفْلَةِ القُبَلاَ لاَ كَثِيراً يُشْبِه الحولا تفسير : أما الطَّفَل: بفتح الفاء والطاء - فوقت (ما بعد العصر، من قولهم: طفلت الشمس: إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل). قوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} الأَشُدُّ: كمال القوة والعقل، وهو من ألفاظ الجموع التي لا واحد لها، فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمعنى: أنه سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً كثيراً إلى بلوغ أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد، لأن بين الحالتين وسائط. قوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} العامة على ضم الياء من "يُتَوَفَّى" وقرأت فرقة "يَتَوفَّى" بفتح الياء، وفيه تخريجان: أحدهما: أن الفاعل ضمير الباري تعالى، أي: يتوفاه الله تعالى. كذا قدره الزمخشري. الثاني: أن الفاعل ضمير "من" أي: يتوفى أجله وهذه القراءة كالتي في البقرة {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} تفسير : [البقرة: 234، 240] أي: مدتهم. ومعنى الآية: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} على قوته وكماله، {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو الهرم والخوف فيصير كما كان في أوان الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم. وروي عن أبي عمرو ونافع أنهما قرآ "العُمْر" بسكون الميم وهو تخفيف قياسي نحو عُنْق في عُنُق. قوله: "لِكَيْلاَ يَعْلَم" هذا الجار يتعلق بـ "يرد" وتقدم نظيره في النحل والمعنى يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئاً. فإن قيل: إنه يعلم بعض الأشياء كالطفل فالجواب: المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً. لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي مبالغة. ومن الناس من قال هذه الحال لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [التين: 5، 6] وهو ضعيف، لأن معنى قوله "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ" دلالة على الذم، فالمراد ما يجري مجرى العقوبة، ولذلك قال {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [التين: 6] وهذا تمامِ الاستدلال بخلقة الحيوان. وأما الاستدلال بخلقة النبات فهو قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} فنصب "هَامِدَةً" على الحال، لأن الرؤية بصرية. والهمود: الخشوع والسكون، وهمدت الأرض: يبست ودرست، وهمد الثوب: بلي، قال الأعشى: شعر : 3748- فَالَتْ قُتَيْلَة مَا لجِسْمِكَ شَاحِباً وَأَرَى ثِيَابَكَ بَاليَاتٍ هُمَّدَا تفسير : والاهتزاز التحرك، وتجوز به هنا عن إنبات الأرض نباتها بالماء. والجمهور على "رَبَتْ" أي: زادت من ربا يربو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وأبو عمرو في رواية "وربأت" بالهمز أي ارتفعت. يقال: ربأ بنفسه عن كذا، أي: ارتفع عنه، ومنه الربيئة، وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما يأتيهم، وهو عين القوم، ويقال له: ربيء أيضاً قال الشاعر: شعر : 3749- بَعَثْنَا رَبيْئاً قَبْلَ ذَلِكَ مُخْملا كَذِئْبِ الغَضَا يَمْشِي الضّراءَ وَيَتَّقِي تفسير : قوله: {مِن كُلِّ زَوْجٍ}. فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة للمفعول المحذوف، تقديره: وأنبتت ألواناً أو أزواجاً من كل زوج. والثاني: أن (من) زائدة، أي أنبتت كل زوج، وهذا ماش عند الكوفيين والأخفش والبهيج: الحسن الذي يسر ناظره، وقد بَهُج بالضم بهاجة وبَهْجَةً أي حسن وأبهجني كذا أي: سرني بحسنه. فصل المعنى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} يابسة لا نبات فيها، {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} المطر "اهْتَزَّت" تحركت بالنبات، والاهتزاز الحركة على سرور، ورَبَتْ أي: ارتفعت وزادت، وذلك أن الأرض ترتفع وتنتفخ، فذلك تحركها. وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت. قال المبرد: أراد اهتزت وربا نباتها فحذف المضاف. والاهتزاز في النبات أظهر يقال: اهتز النبات، أي: طال، وإنما أنث لذكر الأرض. {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} وهذا مجاز لأن الأرض لا تنبت وإنما المنبت هو الله تعالى، لكنه يضاف إليها توسعاً. ومعنى من كل نوع من أنواع النبات والبهجة: حسن الشيء ونضارته، ثم إنه تعالى لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب وذلك قوله تعالى {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} الآية. "ذلك" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده، والمشار إليه ما تقدم من خلق بني آدم وتطويرهم، والتقدير: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطويرهم حاصل بأن الله هو الحق وأنه إلى آخره. الثاني: أن "ذلك" خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك. الثالث: أن "ذلك" منصوب بفعل مقدر، أي: فعلنا ذلك بسبب أن الله تعالى هو الحق فالباء على الأول مرفوعة المحل، وعلى الثاني والثالث منصوبة. قوله: {وأن الساعة آتية} فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على المجرور بالباء، أي: ذلك بأن الساعة. والثاني: أنه ليس معطوفاً عليه، ولا داخلاً في حيز السببية، وإنما هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أن الساعة آتية و{لاَّ رَيْبَ فِيهَا} يحتمل أن تكون هذه الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون حالاً. فصل المعنى: ذلك لتعلموا أن الله هو الحق، والحق هو الموجود الثابت فكأنه تعالى بَيَّن أن هذه الوجوه المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع. {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} وهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات. {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: وأن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يجب اتصافه بهذه القدرة لذاته، ومن كان كذلك كان قادراً على الإعادة. {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} والمعنى: أنه تعالى لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه سبحانه قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه، فلا بد من القطع بوقوعه.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبدالله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله إلا غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تتغير، فإذا مضت الأربعون صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاماً كذلك، فإذا أراد أن يسوي خلقه بعث إليه ملكاً فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ أقصير أم طويل؟ أناقص أم زائد؟ قوته أجله، أصحيح أم سقيم؟ فيكتب ذلك كله ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك من الأرحام بكفه فقال: يا رب، مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل غير مخلقة، لم تكن نسمة وقذفتها الرحم دماً؛ وإن قيل مخلقة قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل وما الأثر وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله. فيقال له: اذهب إلى أمّ الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان". وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً فقال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دماً؛ وإن قال مخلقة قال: يا رب، فما صفة هذه النطفة... أذكر أم أنثى؟ وما رزقها؟ وما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. فينطلق فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تبارك وتعالى وكل بالرحم ملكاً قال: أي رب، نطفة أي رب، علقة أي رب، مضغة؟ فإذا قضى الله تعالى خلقها قال: أي رب، شقي أو سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الاسماء والصفات، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: "حديث : إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ". تفسير : وفي لفظ: "حديث : إذا مر بالنطفة إثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟ ويقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص ". تفسير : وفي لفظ: "حديث : يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فيُكْتَبان فيقول: أي رب، أذكر أو أنثى؟ فيكْتبان. فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله {مخلقة وغير مخلقة} قال: المخلقة، ما كان حياً {وغير مخلقة} ما كان من سقط. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: العلقة الدم، والمضغة اللحم والمخلقة، التي تم خلقها {وغير مخلقة} السقط. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {مخلقة وغير مخلقة} قال: تامة وغير تامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال {غير مخلقة} السقط. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: إذا دخل في الخلق الرابع كانت نسمة مخلقة، وإذا قدم فيها قبل ذلك فهي غير مخلقة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد {مخلقة وغير مخلقة} قال: السقط مخلوق وغير مخلوق {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} قال: التمام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} قال: إقامته في الرحم حتى يخرج. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} قال: هذا ما كان من ولد يولد تاماً ليس بسقط. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {لنبين لكم} قال: إنكم كنتم في بطون أمهاتكم كذلك. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {وترى الأرض هامدة} قال: لا نبات فيها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وترى الأرض هامدة} أي غبراء متهشمة {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} يقول: نفرق الغيث في سبحتها وربوها {وأنبتت من كل زوج بهيج} أي حسن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {زوج بهيج} قال: حسن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} [الآية: 5]. قال الواسطى رحمه الله تعالى: اندرج ما علم منه بما بسط له وفتح عليه وضرب له مثلاً {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً}: أى ساكنة عن الثبات، جافة عن الخضرة، فإذا أنزلت عليها الماء اهتزت وربت: أى ظهرت عليه، وروت، وربت: وأنبتت. إن الذى أحياها بالنعوت لمحيى بالعلوم فى الدنيا، وبالأرواح فى الآخرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}. التبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشِدَ، ومَنْ أصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه. واحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها...إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم. واحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض - في حال الربيع - بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة. والذي يَقْدِرُ على هذه الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة. قوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} [الحج: 5]: زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال الحجبة عقب المشاهدة. ويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق. ويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب. ويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان. ويقال أرذل العمر التعريج في أوطان المذلة. ويقال أرذل العمر العِشْرَةُ مع الأضداد. ويقال أرذل العمر عَيْشُ المرءِ بحيث لا يُعْرَفُ قَدْرُه. ويقال أرذل العمر بأن يُوكَل إلى نَفْسِه. ويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئاً بغير الله. ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النَّفْس، والعَمَى عن شهود تقدير الحق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} ارذل العمر ايام المجاهدة بعد المشاهدة وايام العزة بعد المواصلة لكيلا يعمل بعهد علم بما اجرى عليه من الاحوال الشريفة والمقامات الرفيعة وهذا غيرة الحق على دعوى المتحققين حين افشوا اسراره بالدعاوى الكثيرة استعيذ بالله من ذلك واستزيد منه فضله وكرمه ليخالصنا به من فتنة النفس وعثراتها ويمكن ان ذلك يتعلق بالسير فى عالم النكرات حين اختلطت بحار حقائق الربوبية فى قلب العارف الصادق فيستغرق فى حجج نكرات امتناع الاحدية عن ادراك الخليفة فيضمحل ما علم فيما لم يعلم من معرفته الذات والصفات فتحت نكراته معارف الالوهية وتحت المعارف نكرات غيرة الازل فاذا خرج من الفناء فى النكرة عن النكرة الى مقام الصحو فى المعرفة فيطلع على اسرار النكرة باسرار المعرفة كما قال سبحانه {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} يحييهم بالمعرفة بعد موتهم فى النكرة وبحياة المشاهدة بعد موت الفرقة ولذلك ضرب الله مثلا فى هذين الحالتين كما قال سبحانه {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وهذا ما وافق قول الواسطى فى ذلك قال اندرج ما علم منه بما بسط له وفتح عليه وضرب له مثلا ترى الارض هامدة اى ساكنة عن النبات عافية عن الخضر افذا انزلنا علياه الماء اهتزت وربت اى ظهرت عليه وردت ورويت ونمت الذى احياها بالنعوت لمحيى الموتى بالعلوم فى الدنيا والارواح فى الأخرة وقال الاستاذ ارذال العمر زمان الفترة بعد المجاهدة وحال المحجبة عقب المشاهدة ويقال اسعى للحظوظ بعد القيام بالحقوق ويقال العشرة مع الاضداد ويقال يحيى النفوس بتوفيق العبادة ويحيى القلوب بانوار المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الناس} يا اهل مكة المنكرين للبعث {ان كنتم في ريب من البعث} البعث الاخراج من الارض والتسيير الى الموقف وجيء بان مع كثرة المرتابين لاشتمال المقام على ما يقلع الريب من اصله وتصوير ان المقام لا تصلح الا لمجرد الفرض له كما يفرض المحال ان كنتم في شك من امكان الاعادة وكونها مقدورة له تعالى او من وقوعها {فانا خلقناكم} ليس جزاء للشرط لان خلقهم مقدم على كونهم مرتابين بل هو علة للجزاء المحذوف اي فانظروا الى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم اى خلقنا كل فرد منكم خلقا اجماليا {من تراب} فى ضمن خلق آدم منه وفى الحديث "حديث : ان الله جعل الارض ذلولا تمشون في مناكبها وخلق بنى آدم من تراب ليذلهم بذلك فابوا الا نخوة و استكبارا ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر"تفسير : {ثم} خلقناكم خلقا تفصيليا {من نطفة} هى الماء الصافى قل او كثر ويعبر بها عن ماء الرجل من نطف الماء اذا سال اومن النطف وهو الصب {ثم من علقة} قطعة من الدم جامدة مكونة من المنى {ثم من مضغة} اى قطعة من اللحم مكونة من العلق وهى فى الاصل مقدار ما يمضغ {مخلقة} بالجرصفة مضغة اى مستبينة الخلق مصورة {وغير مخلقة} اى لم يستبن خلقها وصورتها بعد والمراد تفصيل حال المضغة وكونها اولا قطعة لم يظهر فيها شىء من الاعضاء ثم ظهر بعد ذلك شىء لكنه آخر غير المخلقة لكونها عدم الملكة كذا في الارشاد. ويؤيده قول حضرة النجم في التأويلات {مخلقة} اى منفوخة فيها الروح {وغير مخلقة} اى صورة لا روح فيها وفى الحديث "حديث : ان احدكم يجمع خلقه"تفسير : اي يحر زويقر مادة خلقه "حديث : في بطن امه"تفسير : اى في رحمها من قبيل ذكر الكل وارادة الجزء "حديث : اربعين يوما"تفسير : ـ روى ـ عن ابن مسعود رضى الله عنه ان النطفة اذا وقعت في الرحم فاراد الله ان يخلق منها تنشر فى بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة فتمكث اربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذاك جمعها "حديث : ثم تكون علقة مثل ذلك ثم تكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله اليه الملك فينفخ فيه الروح"تفسير : وهذا يدل على ان التصوير يكون في الاربعين الثانى لكن المراد تقدير تصويرها لان التصوير قبل المصغة لا يتحقق عادة "حديث : ويؤمر باربع كلمات"تفسير : يعنى يؤمر الملك بكتابه اربع من القضايا وكل قضية سميت كلمة "حديث : يكتب رزقه واجله"تفسير : اي مدة حياته "حديث : وعمله وشقى"تفسير : وهو من وجبت له النار "حديث : او سعيد"تفسير : وهو من وجبت له الجنة قدم ذكر شقى لان اكثر الناس كذا {لنبين لكم} اى خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم بذلك امر البعث والنشور فان من قدر على خلق البشر اولا من تراب لم يشم رائحة الحياة قط فهو قادر على اعادته شعر : بعث انسان كرنشد نزدت عيان اول خلقش نكر هذا بيان هر كاه برايجاد او قادر بود قدرتش بربعث او ظاهر شود اوست خلاقى كه ازبعد خزان ميكند بيدا بهار بوستان تفسير : {ونقر في الارحام ما نشاء} استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم اى ونحن نقر في الارحام بعد ذلك ما نشاء ان نقره فيها {الى أجل مسمى} وقت معين هو وقت الوضع وادناه ستة اشهر عند الكل واقصاه سنتان عند ابى حنيفة رحمه الله واربع سنين عند الشافعى وخمس سنين عند مالك ـ روى ـ ان الضحاك بن مزاحم التابعى مكث في بطن امه سنتين ومالكا ثلاث سنين كما ذكره السيوطى واخبر الامام مالك رحمه الله ان جاره له ولدت ثلاثة اولاد فى اثنتى عشرة سنة تحمل اربع سنين وفيه اشارة الى ان بعض ما فى الارحام لا يشاء الله تعالى اقراره فيها بعد تكامل خلقه فيسقط {ثم نخرجكم} اى من بطون امهاتكم بعد اقراركم فيها عند تمام الاجل المسمى حال كونكم {طفلا} اطفالا بحيث لا تقومون لاموركم من غاية الضعف والافراد باعتبار كل واحد منهم اوبارادة الجنس المنتظم للواحد والمتعدد والطفل الولد ما دام ناعما كما في المفردات، وقال المولى الفنارى في تفسير الفاتحة حد الطفل من اول ما يولد الى ان يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام {ثم لتبلغوا اشدكم} علة لنخرجكم معطوفة على علة اخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيأ فشيأ ثم لتبلغوا كما لكم في القوة والعقل والتمييز وهو فيما بين الثلاثين والاربعين، وفي القاموس ما بين ثمانى عشرة الى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما انتهى {ومنكم من يتوفى} اى يقبض روحه ويموت بعد بلوغ الاشد او قبله والتوفى عبارة عن الموت وتوفاه الله قبض روحه {ومنكم من يرد الى ارذل العمر} وهو الهرم والخرف والرذل والرذال المرغوب عنه لرداءته والعمر مدة عمارة البدن بالحياة {ليكلا يعلم من بعد علم} كثير {شيئا} أي شيأ من الاشياء او شيأ من العلم وهو مبالغة فى انتقاض علمه وانتكاس حاله والا فهو يعلم بعض الاشياء كالطفل اى ليعود الى ما كان عليه او ان الطفولية من ضعف البنية وسخافة لعقل وقلة الفهم فينسى ما عمله وينكر ما عرفه ويعجز عما قدر عليه وقد سبق بعض ما يتعلق بهذه الآية في سورة النحل عن قوله تعالى {أية : والله خلقكم ثم يتوفاكم}تفسير : الآية: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : طرب نوجوان زبير مجوى كه دكر نايد آب رفته بجوى زرع راجون رسيدوقت درو نخرامد جنانكه سبزءه نو تفسير : وقال شعر : جو دوران عمر از جهل دركذشت مزن دست وباكاب از سر كذشت بسبزى كجا تاره كردد دلم كه سبزى نخواهد دميد از كلم تفرج كنان در هوا وهوس كذشتيم بر خاك بسيار كس كسانى كه ديكر بغيت اندرند بيايند وبر خاك ما بكذرند دريغاكه فصل جوانى كذشت بلهو ولعب زندكانى كذشت جه خوش كفت باكودك آموزكار كه كارى نكرديم وشه روزكار تفسير : قال النسفي في كشف الحقائق [اى درويش جهل بيش ازعمل دوزخست وجهل بعد ازعلم بهشت است ازجهت آنكه جهل بيش از علم سبب حرص وطمعست وجهل بعد از علم سبب رضا وقناعت است]، وفى عرائس البقلى ارذل لعمر ايام المجاهدة بعد المشاهدة وأيام الفترة بعد المواصلة لكيلا يعلم بعد علم بما جرى عليه من الاحوال الشريفة والمقامات الرفيعة وهذا غيرة الحق على المحققين حين أفشوا اسراره بالدعاوى الكثيرة استعيذ بالله واستزيد منه فضله وكرمه ليخلصنا به من فتنة النفس وشرها. وفى التأويلات النجمية في الآية اشارة الى ان اطفال المكونات كانوا في ارحام امهات العدم متقررين بتقرير الحق اياهم فيها ولكل خارج منها اجل مسمى بالارادة القديمة والحكمة الازلية فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم الا بمشيئة الله تعالى واوان اجله وهذا رد على الفلاسفة يقولون بقدم العالم ويستدلون في ذلك بانه هل كان لله تعالى فى الازل اسباب الالهية في ايجاد العالم بالكمال اولا فان قلنا لم تكن اثبتناله نقصانا فالناقص لا يصلح للالهية وان قلنا قد كان له اسباب الالهية بالكمال بلا مانع يلزم ايجاد العالم في الازل بلا تقدم زمانى للصانع على المصنوع بل بتقدم رتبى فنقول في جوابهم ان الآية تدل على ان الله تعالى كان فى الازل ولم يكن معه شىء شاء وكان قادرا على ايجاد ما يشاء كيف شاء ولكن الارادة الازلية اقتضت بالحكمة الازلية اجلا مسمى باخراج طفل العالم من رحم العدم اوان اجله وان لم يكن قبل وجود العالم او ان وانما كان مقدار الاوان في ايام الله التى لم يكن لها صباح ولا مساء كما قال الله تعالى {أية : وذكرهم بايام الله}تفسير : وبقوله {نخرجكم} الخ يشير الى ان كل طفل من اطفال المكونات يخرج من رحم العدم مستعدا للتربية وله كما يبلغه بالتدريج ومن المكونات ما ينعدم قبل بلوغ كماله ومنها ما يبلغ حد كماله ثم يتجاوز عن حد الكمال فيؤول الى ضد الكمال لكيلا يبقى فيه من اوصاف الكمال شىء وذلك معنى قوله {لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} شعر : دفتر دانش من جمله بشوييد بمى تاشودازنم فيض ازلى جانم حى تفسير : {وترى الارض} يا من شأنه الرؤية وهو حجة اخرى على البعث {هامدة} ميتة يابسة همدت النار اذا صارت رمادا {فاذا} [بس جون] {انزلنا عليها الماء} اى المطر {اهتزت} تحركت بالنبات والاهتزاز الحركة الواقعة على البهجة والسرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت الا ذا كان الامر من المحاسن والمنافع {وربت} انتفخت وازدادت من ربا يربو ربا زاد ونما والفرس ربوا انتفخ من عدو وفزع كما فى القاموس {وانبتت من كل زوج} صنف {بهيج} البهجة حسن اللون وظهور السرور فيه وابتهج بكذا سرورا بان اثره في وجهه. والمعنى حسن رائق يسر ناظره: وبالفارسية [تازه وتر ونيكو وبهجت افزاى بس قادرى كه زمين مرده را بابى زنده سازد تواناست برآنكه اجزاى موتىرا جمع ساخته بهمان حال كه بوده اندباز كرداند شعر : آنكة بى دانة نهال افراخت دانة هم شجر تواند ساخت كرد نابوده را بقدرت بود جه عجب كردهد ببوده وجود
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} أي: إن شككتم في أمر البعث، فمُزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء تُرابًا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابًا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى: {فإِنّا خلقناكم} أي: أباكم {من تراب، ثم} خلقناكم {من نطفة ثم من علقة} أي: قطعة دم جامدة، {ثم من مضغة} أي: لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، {مُخَلَّقةٍ} أي: مصورة الخلقة، {وغيرِ مُخَلَّقةٍ} أي: لم يتبين خلقها وصورتها بعدُ. والمراد: تفصيل حال المضغة؛ من كونها أولاً مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئًا فشيئًا. وكان مقتضى الترتيب أن يُقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها؛ لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم. وإنما فعلنا ذلك؛ {لنُبيِّنَ لكم}، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا؛ لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانيًا، وقدر على أن يجعل النطفةَ علقةً، والعلقة مضغة، والمضغة عظامًا، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس {ونُقِرُّ} أي: نثبت {في الأرحام ما نشاء} ثبوته {إِلى أجلٍ مسمى}: وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. {ثم نُخرِجُكم} من الرحم {طفلاً}، أي: حال كونكم أطفالاً. والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، {ثم لتبلغوا أشدَّكم} أي: ثم نربيكم؛ لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد: من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته: قيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون. {ومنكم مَن يُتوفى} قبل بلوغ الأشد أو بعده، {ومنكم من يُردُّ إِلى أرذل العُمُر} أي: أخسه، وهو الهرَمُ والخرف، {لكيلا يعلمَ من بعد علم شيئًا} أي: لكيلا يعلم شيئًا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي: ليعود إلى: ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر. ثم ذكر دليلاً آخر على البعث، فقال: {وترى الأرض هامدةً}: ميتة يابسة، {فإِذا أنزلنا عليها الماء اهتزت}؛ تحركت بالنبات {ورَبَتْ}؛ انتفخت {وأنبتتْ من كل زوج}: صنف {بهيج}: حسن رائق يسر ناظره. {ذلك بأن الله هو الحق} أي: ذلك الذي ذكرنا؛ من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحِكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي: الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جُزَي: والظاهر: أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضًا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يُقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف {وأن الساعة} على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله: {ذلك}، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. هـ. قال المحشي الفاسي: ويرد عليه: أن تقديره عاملاً خاصًا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونًا مُطلقًا، فلا يقال: زيد في الدار، وتريد ضاحكٌ مثلاً، إلا أن يقال في الآية: دل عليه السياق، فكأنه مذكور. وعند الكواشي: ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي: قوله: {ذلك بأن الله هو الحق}، لمّا ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك: {ذلك بأن الله هو الحق}، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودًا؛ فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخر ومُصَرفٌ، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإنَّ وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة: {أية : وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ} تفسير : [الحَجّ: 62]، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى. ثم قال عن الزجاج: {ذلك} في موضع رفع، أي: الأمر ما وُصِفَ لكم وبُيِّن؛ لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في مَوْضِع نصب، أي: فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد. هـ. وذلك أيضًا شاهد بأنه {يُحيي الموتى} كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، {وأنه على كل شيء قدير} أي: مبالغ في القدرة، وإلاَّ لَمَا أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها؛ للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين. {وأنَّ الساعة آتيةً}: قادمة عليكم، {لا ريبَ فيها}، وإيثار اسم الفاعل على الفعل؛ للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألْبَتَّةَ. ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، {وأنَّ الله يبعثُ من في القبور}؛ لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير بـ "من في القبور": خرج مخرج الغالب، وإلاَّ فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم؛ إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان. وفي الحِكَم: "من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرًا". وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحًا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تَبْهَجُ منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر نوعاً آخر من أهل الانكار والجدل
الطوسي
تفسير : قرأ ابو جعفر "وربأت". الباقون (ربت). خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من البشر. فقال لهم {إن كنتم في ريب من البعث} والنشور. والريب اقبح الشك {فإنا خلقناكم من تراب} قال الحسن: المعنى خلقنا آدم من تراب الذي هو أصلكم وأنتم نسله. وقال قوم: أراد به جميع الخلق، لانه إذا أراد انه خلقهم من نطفة، والنطفة يجعلها الله من الغذاء، والغذاء ينبت من التراب والماء، فكان أصلهم كلهم التراب، ثم أحالهم بالتدريج: الى النطفة، ثم أحال النطفة علقه، وهي القطعة من الدم جامدة. ثم أحال العلقة مضغة، وهي شبه قطعة من اللحم مضوغة. والمضغة مقدار ما يمضغ من اللحم. وقوله {مخلقة وغير مخلقة} قال قتادة: تامة الخلق، وغير تامة. وقيل: مصورة وغير مصورة. وهي السقط - فى قول مجاهد -. وقوله {لنبين لكم} معناه لندلكم على مقدورنا، بتصريفه فى ضروب الخلق وقوله {ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} مستأنف، فلذلك رفع. وقال مجاهد: معناه نقره الى وقت تمامه. وقوله {ثم نخرجكم طفلا يعني نخرجكم} من بطون أمهاتكم، وانتم أطفال. والطفل الصغير من الناس، ونصب طفلا على المصدر، وهو فى موضع جمع. وقيل: هو نصب على التمييز، وهو جائز، وتقديره نخرجكم أطفالا، وقيل الطفل الى قبل مقاربة البلوغ. وقوله {ثم لتبلغوا أشدكم} يعني وقت كمال عقولكم وتمام خلقكم. وقيل: وقت الاحتلام والبلوغ، وهو جمع (شد). والأشد فى غير هذا الموضع قد بينا اختلاف المفسرين فيه. وقوله {ومنكم من يتوفى} يعني قبل بلوغ الاشد. وقيل: قبل أن يبلغ أرذل العمر {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} وقيل معناه أهونه واخسه عند أهله. وقيل: احقره. وقيل هي حال الخرف. وانما قيل: ارذل العمر، لان الانسان لا يرجو بعده صحة وقوة، وانما يترقب الموت والفناء، بخلاف حال الطفولية، والضعف الذي يرجو معها الكمال والتمام والقوة، فلذلك كان أرذل العمر. وقوله {لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} معناه إنا رددناه الى أرذل العمر لكي لا يعلم، لأنه يزول عقله من بعد أن كان عاقلا عالماً بكثرة من الاشياء، ينسا جميع ذلك. وقوله {وترى الأرض هامدة} اي دارسة داثرة يابسة، يقال: همد يهمد هموداً إذا درسته ودثرته. قال الاعشى: شعر : قالت فتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همدا تفسير : وقوله تعالى {فإذا أنزلنا عليها الماء} يعني الغيث والمطر {اهتزت وربت} فالاهتزاز شدة الحركة فى الجهات. والربو الزيارة فيها اي تزيد بما يخرج منها من النبات، وتهتز بما يذهب فى الجهات {وانبتت} يعني الارض {من كل زوج بهيج} فالبهيج الحسن الصورة، الذي يمتع فى الرؤية. وقال الزجاج: (ربت) و (ربأت) لغتان. وقال الفراء: ان ذهب ابو جعفر فى قراءته (ربأت) الى انه من الربئة التي تجر بين الناس، فهو مذهب. وإلا فهو غلط، ويلغط العرب كقولهم: حلأت السويق، ولبأت بالحج، ورثأت الميت. وقد قرأ الحسن البصري فى يونس {ولا أدرأكم به} وهو مما يرخص فى القراءة.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} قد مضى انّ الرّيب هو التّزلزل فى الاعتقاد الثّابت والاضطراب فيه وهو مقدّمة الشّكّ وكثيراً ما يستعمل فى الشّكّ {مِّنَ ٱلْبَعْثِ} اى بعث الاموات واحيائهم فى يوم الحساب فتفكّروا فيما سلف عليكم من الاحوال حتّى تعلموا جواز البعث فانّكم قد علمتم النّشأة الاولى فلولا تذكّرون {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} يعنى انظروا فى مادّة خلقتكم فانّ جزءها الاعظم كان التّراب الّذى هو اخسّ العناصر ثمّ استكمل ذلك التّراب فى مراتب استكماله وكلّ استكمالٍ كان موتاً لكم عن صورةٍ وبعثاً فى صورة اخرى حتّى بلغتم الى اقصى مراتب الكمال البشرىّ وموتكم عن البشريّة وبعثكم بالملكيّة مثل موتاتكم السّابقة وبعثاتكم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} قطعة دمٍ جامدةٍ {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} قطعة لحم غير متماسك الاجزاء كاللّحم الّذى يمضغ، وادخال من على المادّة يدلّ على انّ المادّة ليست هى الانسان ولا جزءً منه بل الانسان اسم للفعليّة الاخيرة الّتى هى الرّوح وانّ النّفس الانسانيّة جسمانيّة الحدوث كما عليه الفلاسفة لا انّها قديمة او خلقت سابقةً على الابدان كما عليه جمع من المتكلّمين والفقهاء، وما ورد من خلق الارواح قبل الابدان انّما هو بحسب نشأتها المجرّدة لا بحسب نشأتها المتعلّقة وليس التّعلّق وصفاً عرضيّاً للنّفوس كما قيل بل هو مرتبة من مراتب ذواتها ونشأة من نشآت وجوداتها {مُّخَلَّقَةٍ} تامّة الخلقة ويدلّ عليه وزن التّخليق الدّالّ على المبالغة {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} غير تامّة الخلقة، او باقية الى تمام زمان خلقته فى الرّحم وهو الزّمان المعهود للجنين فى الرّحم وغير باقية بل ساقطة او خارجة سالمة قبل تسعة اشهر {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} كيفيّة بعثكم من هذا البعث المشهود لكم، وحذف المفعول ليذهب ذهن السّامع كلّ مذهبٍ ممكن كأنّه قال لنبيّن لكم حكمتنا وقدرتنا وعلمنا ورأفتنا وتوانينا فى الامور واماتاتنا واحياءاتنا وبعثكم ونشركم وجزاءكم وحسابكم {وَنُقِرُّ} قرئ بالرّفع والنّصب من باب الافعال ومن الثّلاثىّ المجرّد بالتّكلّم والغيبة وليكن الثّلاثىّ المجرّد المتكلّم مأخوذاً من قررت الماء اذا صببته، والمرفوع منه معطوف على خلقنا او حال بتقدير مبتدء او مستأنف والمنصوب معطوف على نبيّن كأنّه قال: غرضنا فى التّأنّى والتّدريج فى الخلقة بيان حكمتنا وقدرتنا على البعث وتقرير نطفكم {فِي ٱلأَرْحَامِ} مدّة ليكون دليلاً على بقائكم فى البرازخ وقيل البعث مثل بقائكم فى الارحام {مَا نَشَآءُ} اى مدّة مشيّتنا، او نقرّ الّذى نشأ من النّطف ونزيل ما نشاء من الارحام {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} اقلّه ستّة اشهر واكثره تسعة اشهر، وفى خبرٍ اذا حاضت المرءة فى حملها زاد ايّام الحمل على التّسعة بقدر اياّم الحيض، وفى خبرٍ آخر: اذا جاءت به لاكثر من سنةٍ لم تصدّق ولو ساعةً واحدةً، وعن العامّة اكثره آخر اربع سنين {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} حال عن المفعول وافراده امّا على تقدير نخرج كلّ واحدٍ منكم او بلحاظ انّه اسم جنسٍ يطلق على الواحد والاكثر، او باعتبار انّه فى الاصل مصدر مطلق على الواحد والكثير {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ} عطف على محذوفٍ اى لتبقوا وترضعوا وتنموا ثمّ لتبلغوا، او متعلّق بمحذوفٍ اى ثمّ ننميكم ونبقيكم لتبلغوا {أَشُدَّكُمْ} كما لكم فى القوّة والعقل، قد مضى انّ الاشدّ هو وقت كمال جميع القوى البدنيّة والنّفسانيّة وهو من ثمانى عشرة سنةً او من اوّل البلوغ الى ثلاثين او اربعين وهو مفرد على لفظ الجمع، او جمع لا واحد له من لفظه، او واحده الشّدّة بالكسر كالنّعمة والانعم، او الشّدّ كالكلب والاكلب او الشّدّ كالذّئب والاذؤب لكنّه لم يسمع هذان {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} جملة حاليّة او عطف باعتبار المعنى كأنّه تعالى قال: منكم من يقرّ بمادّته فى الارحام، ومنكم من يسقط، ومنكم من يتوفّى قبل البلوغ او حين البلوغ {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} اى ارذل اوقات العمر وهو وقت الخرافة وعدم التّفطّن بدقائق المقصود والمصنوع وهو يختلف بالنّسبة الى الاشخاص فربّ معمّرٍ لا يصير خرفاً فى المئة او اكثر، وربّ رجل يصير خرفاً فى الخمس والسّبعين ولذلك اختلف الاخبار فى بيان وقت ارذل العمر {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} الّلام للغاية لانّ عدم العلم بعد العلم من الغايات العرضيّة لا انّه علّة غائيّة لانّ العلّة الغائيّة للابقاء هى الاستكمال بالعلم والعمل، لا زوال العلم بعد الاستكمال به، او هو علّة غائيّة بمعنى انّ العلوم الدّنيويّة والادراكات البشريّة الحاصلة بالمدارك الدّنيويّة من الموذيات فى الآخرة ويبقى الله بعض عباده لان يضعف مداركه الدّنيويّة ويزول عنها مدركاتها ليكون على راحةٍ منها فى الآخرة ولذلك كان خير ابن آدم فى ان يبقى بعد البلوغ الى الشّيخوخة كما فى الخبر لانّ بقاء الادراكات الدّنيويّة موذٍ لصاحبها فى الآخرة، ونعم ما قيل: شعر : سينه خود را برو صد جاك كن دل از اين آلود كَيها باك كن تفسير : {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} خالية عن النّبات والجملة خطاب لغير معيّنٍ وعطف على الجزاء، او على الشّرط والجزاء، كأنّه خاطبهم جميعاً فى مقام الاستدلال على جواز البعث فقال: وترون الارض هامدة (الآية) او الخطاب لمحمّدٍ (ص) وعطف باعتبار المعنى وتعريض بالمنكرين للبعث كأنّه قال: ترى النّطفة وتقليباتها واماتاتها واحياءاتها فكيف تنكر البعث وترى الارض هامدة؟! {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ} تحرّكت ونشطت، شبّه الارض فى استسقاء الماء وتحريك الحبوب والعروق للنّبت والنّموّ بمن شرب ونشط وتحرّك نشاطاً {وَرَبَتْ} انتفخت وارتفعت بالنّبات {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ} اى صنفٍ {بَهِيجٍ} حسن رائقٍ.
اطفيش
تفسير : {يَأَيُّهَا النَّاسَ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} في شك {مِّنَ الْبَعْثِ} من امكان البعث واتيانه. ومن للابتداء متعلقة بمحذوف نعت لريب أو بمعنى {فِي} متعلقة بريب. وقرئ بفتح العين كالجلب والطرد باسكان اللام والراء وفتحهما. {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ} أي ان ارتبتم في البعث فمزيل ارتيابكم ان تنظروا في بدء خلقكم وقد مر الكلام على خلقنا من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} ان اريد خلق الناس من الاغذية التي هي من تراب فلا تقدير وان أريد خلقنا اباكم من تراب فالتقدير {ثم خلقنا ذريته من نطفة} كذا قيل واصل النطفه: (الماء القليل) والنطف (الصب) وقيل: النطفه (الماء القليل أو الكثير) {ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ} قطعة الدم الجامدة وذلك ان النطفة تصير دما غليظا وادعى بعضهم جواز ان يراد بالعلقة الدم المصاحب للنطفة وفيه انه ليس كل نطفة مقرونة بدم بل هذا قليل الا ان اراد المجموع الحكمي وفيه ايضا ان ثم تنافي الاقتران الا ان جعلها للترتيب في الاخبار {ثُمَّ مِن مُضْغةٍ} اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُّخَلَّقَةٍ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: تامة الخلق وغير تامة يقال: (خلق زيد العود إذا سواه وملسه) وصخرة خلقا أي (ملساء) يخلق الله بعض الناس املس من العيوب كامل الخلقة وبعضا على غير ذلك فيتقارب الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وهو قول مجاهد قال بعضهم: التشديد للمبالغة. وقيل: المعنى مصورة وغير مصورة وهي السقط. وفي رواية عن مجاهد كلاهما السقط يسقط مصورا وغير مصور والكل يسمى خلقا. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن خلق أَحدكم يجمع في بطن أُمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا يكتب رزقه واجله وعمله وشقي ام سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالله الذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"تفسير : و (حتى) في الموضعين للابتداء غير منصوب ما بعدها ولذا دخلت على ما النافية. وروي ان النطفة إذا استقرت في الرحم اخذها ملك موكل بالرحم فيقول اي ربي مخلقة أو غير مخلقة فان قال: غير مخلقة قذفها الرحم دما وان قال مخلقة قال أي ربي ذكر أم انثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الاجل؟ وما العمل؟ وما الاثر وما الرزق وبأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى ام الكتاب تجد فيه ذلك فينسخه فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته. وعن ابي ذر: إذا مكث في الرحم اربعين يوما اتاه ملك القدس فيعرج به في راحته ويقول يا رب عبدك ذكر ام انثى فيقضي الله فيه ما هو قاض من شقاوة أو سعادة يعني بظهر ذلك للملك ويكتب الملك ما هو لاق بين عينيه ثم قرء أبو ذر من أول سورة التغابن خمس آيات. {لنبين لكم} متعلق بمحذوف أي فعلنا ذلك التدريج لنبين لكم كما قدمنا وحكمتنا لتستدلوا بابتداء الخلق على اعادته فان من قدر على خلق البشر من ذلك قدر على تحول صفة إلى اخرى مباينة لها اقدر على الاعادة في القياس بل قدرته على الاشياء سواء وحذف المفعول اعلاما بان هذه الافعال تبين من قدرته ما لا يحيط به الوصف. وقرأ ابن ابي عبلة بالمثناة التحت على طريق الالتفات اي (الله). وقدر بعضهم لنبين لكم ما تاتون وما تذرون وما تحتاجون في العبادات {ونقر} استئناف * {فِي الأَرْحَامِ} نثبت فيها * {مَا نَشَآءُ} ان نثبته بلا ان تسقطه أو تمجه (وما) واقعة على الانسان لانه إذ ذاك كغيره مما لا يعقل أو تغليبا لحال بدئه (نطفة وعلقة ومضغة) لم يكن فيه روح مع معونة انه في البطن كسائر الحيوان ومع انه بالنسبة إلينا مجهول الحال انسان أو ريح أو غير ذلك. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} وقت الوضع. وادناه تمام ستة أشهر ولا غاية لاكثره وقد بقي حمل في البطن نيفا وعشرين عاما ثم ولد حيا. وقيل: اكثره اربع سنين وقرئ بنصب {نُقِرُّ} عطفا على نبين أي لنبين قدرتنا ولنقره في الرحم وقتا اقتضت الحكمة ان يولد بعد تمام ويحيا ويبلغ التكليف وقرأ ابن ابي عبلة {ويقر} بالتحتية والرفع. وقرأ بعض بها وبالنصب وقرأ يعقوب بضم القاف من (قر الماء) إذا صبه وقرئ بضم التحتية وفتح القاف {ثم نخرجكم}. وقرئ بالنصب وقرأ ابن أبي عبلة بالتحتية والرفع وقرأ بعض بها وبالنصب {طِفْلاً} أفرد لان المراد الجنس أو لان المعنى (نخرج كل واحد منكم طفلا) أو لانه في الاصل مصدر وهذا مع ما بعده دليل على ان {مَا نَشَآءُ} المراد به (من يولد ويحيا). وقيل: يجوز ان يراد مطلق الجنين من يسقط ومن يكمل ويخرج حياً فيصرف ذلك وما بعده إلى من يكمل ويخرج حيا. {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} كمال القوة والعقل قيل: (وهو ما بين الثلاثين والاربعين بل تمام الاربعين داخل لام التعليل على تبلغون يعضد نصب نقر ونخرج. {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى} يتوفاه الله كما قرئ بالبناء للفاعل والمراد التوفية قبل الاشد أو فيه أو بعده بدون ان يبلغ ارذل العمر. {وَمِنكُم مَّن يَرَدُّ إِلَى أَرْذَالِ الْعُمْرِ} أخسه وهو الهرم والخرف وقرأ أبو عمرو باسكان الميم * {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} وذلك انه يكون كالولد ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم كثير النسيان إذا علم شيئا نسيه وسئل عنه من ساعته يقول لك من هذا فتقول: فلان فما يلبث الا قليلا الا سألك عنه وفى ذلك بيان انه كما قدر ان يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه التمام قدر ان يحطه حتى ينتهي إلى الحالة السفلى. قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بتلك الحالة ولو كثرت سنينه {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} يابسة ساكنة، شبه انباتها بتحركها؛ وخلوها من النبات بسكونها * {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تحركت بالنبات. اما من قولك: (قام زيد لفعل كذا) ولو كان الفعل مما لا يحتاج إلى القيام اي قصده أو شرع فيه. واما من الاهتزاز الذي هو نوع من التبختر أو الرقص شبه انباتها بالتبختر أو الرقص. واما بمعنى الحركة فان النبات لا ينبت الا بعد تحرك ما تلاه من الارض وتفسحه عنه ولو كان لا يرى متحركا * {وَرَبَتْ} انتفخت وارتفعت ارتفاعاً يصدر عن التحرك المذكور أو المراد ارتفاعها بالنبات فانه منها وبعضها؛ سلمنا انه ليس بعضها لكن اسند الارتفاع اليها لارتفاع النبات فيها. أو المراد شأنها أو تشبيهها بالمترفع المتكبر و(ربأ) بمعنى ارتفع ولو كان مهموزا لكن يجوز قلب همزة الفاء فتحذف وقد قرئ ربأت بالهمز * {وَأَنْبَتَتْ} اسند الانبات إليها مع انه فعل له تعالى لوقوعه فيها {مِنْ كُلِ زَوْجٍ} صنف قيل: (من) زائدة بناء على جواز زيادتها في الايجاب. ويجوز كونها غير زائدة متعلقة بمحذوف نعت لمفعول محذوف أي نباتا من كل زوج. وقيل: (من) مفعول بناء على ان من التبعيضية اسم مضاف {بَهِيجٍ} حسن يسر الناظرين احمر واخضر واصفر وأبيض وغير ذلك. وفي اهتزاز الارض دليل على البعث.
الالوسي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ} الخ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجراً، إثر الإشارة إلى ما يؤل إليه أمرهم، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه، وإما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفاً مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها. وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته. و(من) ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب، واستظهر أن المراد في ريب من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد، وجوز أن يكون المراد من وقوع البعث، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي: { أية : أَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ } تفسير : [الحج: 7] وفيه / تأمل فتأمل، وقرأ الحسن {مّنَ ٱلْبَعْثِ} بفتح العين وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين، وعند الكوفيين إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر. وقوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ} دليل جواب الشرط أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ، وقيل: التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا خلقناكم الخ وليس بذاك، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها، واختير الأول وجعل المعنى خلقناكم خلقاً إجمالياً من تراب {ثُمَّ} خلقناكم خلقاً تفصيلياً {مِن نُّطْفَةٍ} أي مني من النطف بمعنى التقاطر، وقال الراغب: النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل، قيل والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من ماء الرجل، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن مني الرجل يعبر بها عن المني مطلقاً وكلام الراغب ليس نصاً في نفي ذلك، والظاهر أن المراد النطفة التي يخلق منها كل واحد بلا واسطة، وقيل: المراد نطفة آدم عليه السلام وحكي ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته. {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المني {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ} بالجر صفة {مُضْغَةً} وكذا قوله تعالى: {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}. وقرأ ابن أبـي عبلة بالنصب فيهما على الحال من النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه، والمشهور المتبادر أن المخلقة المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها وصورتها بعد، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولاً قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً وكان مقتضى الترتيب المبني على التدرج من المبادي البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة، وإنما أخرت لكونها عدم ملكة، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق وصورة، وقيل: المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس؛ فالمعنى من نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وعن مجاهد وقتادة والشعبـي وأبـي العالية وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق بعد خلق وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت، واستدل له بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دماً وإن قيل: مخلقة قال: يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق وبأي أرض تموت؟ الخبر وهو في حكم المرفوع، والمراد أنهم خلقوا من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر، وكان التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها / من المراتب كما في قوله تعالى { أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } تفسير : [المؤمنون: 14] الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى: {لّنُبَيّنَ لَكُمْ} متعلق بخلقنا، وترك المفعول لتفخيمه كماً وكيفاً أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا تحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولاً من تراب لم يذق ماء الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس، وقدر بعضهم المفعول خاصاً أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك. وأبعد جداً من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق، وقرأ ابن أبـي عبلة {لِيُبَيّنَ} بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى: {وَنُقِرُّ فِى ٱلاْرْحَامِ مَا نَشَاء} وقرأ الجمهور بالنون، والجملة استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم أي ونقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة أربع سنين، وعن يعقوب أنه قرأ {ونقر} بفتح النون وضم القاف من قررت الماء إذا صببته، وقرأ يحيـى بن وثاب (ما نشاء) بكسر النون. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى {طِفْلاً} حال من ضمير المخاطبين، والإفراد إما باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلاً طفلاً فاختصر كما نقله الجلال السيوطي في «الأشباه النحوية». وقرأ عمر بن شبة (يخرجكم) بالياء {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ} أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز، وفي «القاموس» ((حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحدٌ جاء على بناء الجمع كآنُكٍ ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شِدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل - أي قياساً فلا يرد نعمة وأنعم - أو شد ككلب وأكلب أو شِد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس)) و {لِتَـبْلُغُواْ}، قال العلامة أبو السعود: علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا الخ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ. وجوز العلامة الطيبـي أن يكون التقدير ثم لتبلغوا أشدكم كان ذلك الإقرار والإخراج؛ وقيل إنه عطف على (نبين)، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة النظم الكريم وجعله كغيره عطفاً عليه على قراءة {نُقِرَ} و(نخرج) بالنصب وهي قراءة المفضل وأبـي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ بالياء، وكذا جعل الفعلين عطفاً عليه وقال: المعنى خلقناكم على التدريج المذكور لأمرين، أحدهما: أن نبين شؤوننا، والثاني: أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم لتبلغوا أشدكم، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات، وإعادة اللام في {لِتَـبْلُغُواْ} مع تجريد (نقر) وَ{نُخْرِجُ} عنها للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين على التبليغ مسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم / بمبدئية الآثار والأفعال اهـ. وما ذكره من عطف {نقر} و{نخرج} بالنصب على {نُبَيّن} لم يرتضه الشيخ ابن الحاجب، قال في «شرح المفصل»: إنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو نصب عطفاً على {نُبَيّن} ضعف المعنى إذ اللام في {لّنُبَيّنَ} للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف {وَنُقِرُّ} عليه لكان داخلاً في مسببية {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم} الخ وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يصلح سبباً للإقرار في الأرحام، وقال الزجاج: لا يجوز في {وَنُقِرُّ} إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على رشدهم وصلاحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على {نُبَيّن}. وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل، وما ذكره من أن العطف على {نُبَيّن} على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك، وقال فإن قلت: كيف يصح عطف {لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ} على {لّنُبَيّنَ} ولا طباق قلت: الطباق حاصل لأن قوله تعالى: {وَنُقِرُّ} قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب اهـ. وفيه ما يومىء إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن، ولم يرتض ذلك المحققون ففي «الكشف» أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علماً وعملاً وحيث لم يعطف على {لّنُبَيّنَ} إلا بعد أن قدم عليه {وَنُقِرُّ} ثم نخرج مجعولاً {نُقِرَ} عطفاً على {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم} والعدول إلى المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظاً ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن موقعها بعد التأمل، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه: {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ} دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله تعالى: {لّنُبَيّنَ} على الإقرار والإخراج اهـ. ويعلم منه ما في قول العلامة: إن عطف {لِتَـبْلُغُواْ} الخ على {لّنُبَيّنَ} مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في {وَنُقِرُّ} وفيه أيضاً أن قوله تعالى: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه تبيين تفضيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت قبل بلوغ الأشد {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي أرداه وأدناه، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ} أي علم كثير {شَيْئاً} أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من العلم، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف باختلاف الأمزجة على ما في «البحر» وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في «إرشاد العقل السليم»، وفي «شرح الكشاف» للطيبـي بعد تجويز أن يكون {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ} بتقدير: ثم لتبلغوا كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل العمر / أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومىء إليه بالأشد كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً إنشاء غريباً كما قال سبحانه: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اهـ. ويفهم منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد، ومن الناس من جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ، وقيل: إن ذلك بجعل الجملة حالية و(من) صيغة المضارع وهو كما ترى. وقرىء {يَتَوَفَّى} على صيغة المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى، وجوز أن يكون ضمير (من) أي من يستوفي مدة عمره، وروي عن أبـي عمرو ونافع تسكين ميم العمر. هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم} وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل أحد من تتأتى منه الرؤية، وقيل: للمجادل، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل، و {هَامِدَةً} حال من {ٱلاْرْضِ} أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا بلي؛ وقال الأعشى: شعر : قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همدا تفسير : وأصله من همدت النار إذا صارت رماداً {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء} أي ماء المطر، وقيل: ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر الإنزال يقتضي الأول {ٱهْتَزَّتْ} تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على الحركة في الكيف بعيد {وَرَبَتْ} ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات. وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وأبو عمرو في رواية {وربأت} بالهمز أي ارتفعت يقال فلان يربأ بنفسه عن كذا أي يرتفع بها عنه، وقال ابن عطية: هو من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة عليهم فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو {وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ} أي صنف {بَهِيجٍ} حسن سار للناظر.
ابن عاشور
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أعاد خطاب الناس بعد أن أنذرهم بزلزلة الساعة، وذكر أن منهم من يجادل في الله بغير علم، فأعاد خطابهم بالاستدلال على إمكان البعث وتنظيره بما هو أعظم منه. وهو الخلق الأول. قال تعالى: {أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد}تفسير : [ق: 15]. فالذي خلق الإنسان من عدم وأخرجه من تراب، ثم كونه من ماء. ثم خلقه أطواراً عجيبة، إلى أن يتوفاه في أحوال جسمه وفي أحوال عقله وإدراكه، قادر على إعادة خلقه بعد فنائه. ودخول المشركين بادىء ذي بدء في هذا الخطاب أظهر من دخولهم في الخطاب السابق لأنهم الذين أنكروا البعث، فالمقصود الاستدلال عليهم ولذلك قيل إن الخطاب هنا خاص بهم. وجُعل ريْبهم في البعث مفروضاً بــــ (إن) الشرطية مع أن ريبهم محقق للدلالة على أن المقام لما حف به من الأدلة المبطلة لريبهم ينزل منزلة مقام من لا يتحقق ريبُه كما في قوله تعالى: {أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أنّ كنتم قوماً مسرفين}تفسير : [الزخرف: 5]. والظرفية المفادة بــــ (في) مجازية. شبهت ملابسة الريب إياهم بإحاطة الظرف بالمظروف. وجملة {فإنا خلقناكم من تراب} واقعة موقع جواب الشرط ولكنها لا يصلح لفظها لأن يكون جواباً لهذا الشرط بل هي دليل الجواب، والتقدير: فاعلموا أو فنعلمكم بأنه ممكن كما خلقناكم من تراب مثل الرُّفات الذي تصير إليه الأجساد بعد الموت، أو التقدير: فانظروا في بدء خلقكم فإنا خلقناكم من تراب. والذي خُلق من تراب هو أصل النوع، وهو آدم ــــ عليه السلام ــــ وحواء، ثم كونت في آدم وزوجه قوة التناسل، فصار الخلق من النطفة فلذلك عطفت بــــ (ثم). والنطفة: اسم لمنّي الرجل، وهو بوزن فُعلة بمعنى مفعول، أي منطوف، والنَطْف: القطر والصب. والعلقة: القطعة من الدم الجامد اللين. والمضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يُمضغ مثله، وهي فعلة بمعنى مَفعولة بتأويل: مقدار ممضوغة. و(ثم) التي عطف بها {ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة} عاطفة مفردات فهي للتراخي الحقيقي. و(مِن) المكررة أربع مرات هنا ابتدائية وتكريرها توكيد. وكون الإنسان مخلوقاً من النطفة لأنه قد تقرر في علم الطب أن في رحم المرأة مُدة الحيض جزءاً هو مقر الأجرام التي أعدت لأن يتكون منها الجنين، وهذا الجُزء من الرحم يسمى في الاصطلاح الطبي (المَبِيض) ــــ بفتح الميم وكسر الموحدة على وزن اسم المكان ــــ لأنه مقر بَيضات دقيقة هي حُبيبات دقيقة جداً وهي من المرأة بمنزلة البيضة من الدجاجة أو بمنزلة حبوب بيض الحوت، مودعة في كرة دقيقة كالغِلاف لها يقال لها (الحُويصلة) ــــ بضم الحاء بصيغة تصغير حَوصلة ــــ تشتمل على سائل تسبح فيه البيضة فإذا حاضت المرأة ازدادت كمية ذلك السائل الذي تسبح فيه البيضة فأوجب ذلك انفجار غلاف الحُويصلة، فيأخذ ذلك السائل في الانحدار يَحمل البيضة السابحة فيه إلى قناة دقيقة تسمى (بوق فلوبيوس) لشبهه بالبُوق، وأضيف إلى (فلوبيوس) اسم مكتشفه وهو البزرخ بين المَبِيض والرحم، فإذا نزل فيه ماء الرجل وهو النطفة بعد انتهاء سيلان دم الحيض لقحت فيه البيضة واختلطت أجزاؤها بأجزاء النطفة المشتملة على جرثومات ذات حياة وتمكث مع البيضة متحركة مقدار سبعة أيام تكون البيضة في أثنائها تتطور بالشكل بشِبه تقسيم من أثر ضغط طبيعي. وفي نهاية تلك المدة تصل البيضة إلى الرحم وهنالك تأخذ في التشكل، وبعد أربعين يوماً تصير البيضة عَلَقة في حجم نملة كبيرة طولها من 12 إلى 14 مليمتر، ثم يزداد تشكلها فتصير قطعة صغيرة من لَحم هي المسماة (مُضغة) طولها ثلاثة سنتيمتر تلوح فيها تشكلات الوجه والأنف خفيّة جداً كالخطوط، ثم يزداد التشكل يوماً فيوماً إلى أن يستكمل الجنين مدته فيندفعَ للخروج وهو الولادة. فقوله تعالى: {مخلقة وغير مخلقة} صفة {مضغة}. وذلك تطور من تطورات المضغة. أشار إلى أطوار تشكل تلك المضغة فإنها في أول أمرها تكون غير مخلّقة، أي غير ظاهر فيها شَكل الخِلقة، ثم تكون مخلّقة، والمراد تشكيل الوجه ثم الأطراف، ولذلك لم يُذكر مثل هذين الوصفين عند ذكر النطفة والعلقة، إذ ليس لهما مثل هذين الوصفين بخلاف المضغة. وإذْ قد جعلت المضغة من مبادىء الخلق تعيّن أن كلا الوصفين لازِمان للمضغة، فلا يستقيم تفسير من فسّر غير المخلقة بأنها التي لم يكمل خلقها فسقطت. والتخليق: صيغة تدل على تكرير الفعل، أي خلقاً بعد خلق، أي شكلاً بعد شكل. وقُدم ذكر المخلقة على ذكر غير المخلقة على خلاف الترتيب في الوجود لأن المخلقة أدخل في الاستدلال، وذُكر بعده غير المخلقة لأنه إكمال للدليل وتنبيه على أن تخليقها نشأ عن عدم. فكلا الحالين دليل على القدرة على الإنشاء وهو المقصود من الكلام. ولذلك عقب بقوله تعالى {لنبين لكم}، أي لنظهر لكم إذا تأملتم دليلاً واضحاً على إمكان الإحياء بعد الموت. واللام للتعليل متعلقة بما في تضمينه جواب الشرط المقدرُ من فعل ونحوه تدل عليه جملة {فإنا خلقناكم من تراب} الخ، وهو فعل: فاعلموا، أو فنُعلمكم، أو فانظروا. وحذف مفعول {لِنُبيّن} لتذهب النفس في تقديره كل مذهب مما يرجع إلى بيان ما في هذه التصرفات من القدرة والحكمة، أي لنبيّن لكم قدرتنا وحكمتنا. وجملة {ونقرّ} عطف على جملة {فإنا خلقناكم من تراب}. وعدل عن فعل المضي إلى الفعل المضارع للدلالة على استحضار تلك الحالة لما فيها من مشابهة استقرار الأجساد في الأجداث ثم إخراجها منها بالبعث كما يخرج الطفل من قرارة الرحم، مع تفاوت القرار. فمن الأجنة ما يبقى ستة أشهر، ومنها ما يزيد على ذلك، وهو الذي أفاده إجمال قوله تعالى: {إلى أجل مسمى}. والاستدلال في هذا كله بأنه إيجاد بعد العدم وإعدام بعد الوجود لتبيين إمكان البعث بالنظير وبالضد. والأجل: الأمد المجعول لإتمام عمل ما، والمراد هنا مدة الحمل. والمسمّى: اسم مفعول من سَماه، إذا جعل له اسماً، ويستعار المسمّى للمعيّن المضبوط تشبيهاً لضبط الأمور غيرِ المشخصة بعدد معيّن أو وقت محسوب، بتسمية الشخص بوجه شبه يُميزه عما شابهه. ومنه قول الفقهاء: المهر المسمّى، أي المعيّن من نقد معدود أو عَرض موصوف، وقول الموثقين: وسمّى لها من الصداق كذا وكذا. ولكل مولود مدة معينة عند الله لبقائه في رحم أمه قبلَ وضعه. والأكثر استكمال تسعة أشهر وتسعة أيام، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارض، وكلٌّ معين في علم الله تعالى. وتقدم في قوله تعالى: {أية : إلى أجل مسمى فاكتبوه}تفسير : في[سورة البقرة: 282]. وعطف جملة {ثم نخرجكم طفلاً} بحرف (ثم) للدلالة على التراخي الرتبي فإن إخراج الجنين هو المقصود. وقوله {طفلاً} حال من ضمير {نخرجكم}، أي حال كونكم أطفالاً. وإنما أفرد {طفلاً} لأن المقصود به الجنس فهو بمنزلة الجمع. وجملة {ثم لتبلغوا أشدكم} مرتبطة بجملة {ثم نخرجكم طفلاً} ارتباط العلّة بالمعلول، واللام للتعليل. والمعلّل فعل {نخرجكم طفلاً}. وإذ قد كانت بين حال الطفل وحال بلوغ الأشد أطوار كثيرة عُلم أن بلوغ الأشد هو العلّة الكاملة لحكمة إخراج الطفل. وقد أشير إلى ما قبل بلوغ الأشد وما بعده بقوله {ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}. وحرف (ثم) في قوله: {ثم لتبلغوا أشدكم} تأكيد لمثله في قوله {ثم نخرجكم طفلاً}. هذا ما ظهر لي في اتّصال هذه الجملة بما قبلها وللمفسرين توجيهات غير سالمة من التعقب ذكرها الألوسي. وإنما جُعل بلوغ الأشد علّة لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في الجسم والعقل وهو الجانب الأهم كما أومأ إلى ذلك قوله بعد هذا {لكَيْلا يعلم من بعد علم شيئاً} فجعل «الأشد» كأنه الغاية المقصودة من تطويره. والأشُدّ: سن الفتوة واستجماع القوى. وقد تقدم في [سورة يوسف:22] {أية : ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً}.تفسير : ووقع في [سورة المؤمن: 67] {أية : ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً}، تفسير : فعطف طور الشيخوخة على طور الأشُد باعتبار أن الشيخوخة مقصد للأحياء لحبهم التعمير، وتلك الآية وردت مورد الامتنان فذكر فيها الطور الذي يتملى المرء فيه بالحياة، ولم يذكر في آية سورة الحج لأنها وردت مورد الاستدلال على الإحياء بعد العدم فلم يذكر فيها من الأطوار إلا ما فيه ازدياد القوة ونماء الحياة دون الشيخوخة القريبة من الاضمحلال، ولأن المخاطبين بها فريق معيّن من المشركين كانوا في طور الأشد، وقد نبهوا عقب ذلك إلى أن منهم نفراً يُردون إلى أرذل العمر، وهو طور الشيخوخة بقوله: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}. وجيء بقوله {ومنكم من يتوفى} على وجه الاعتراض استقراء لأحوال الأطوار الدالة على عظيم القدرة والحكمة الإلهية مع التنبيه على تخلل الوجود والعدم أطوار الإنسان بدءاً ونهاية كما يقتضيه مقام الاستدلال على البعث. والمعنى: ومنكم من يتوفى قبل بلوغ بعض الأطوار. وأما أصل الوفاة فهي لاحقة لكل إنسان لا لبعضهم، وقد صرح بهذا في سورة المؤمن (67): {أية : ومنكم من يتوفى من قبل}.تفسير : وقوله {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} هو عديل قوله تعالى: {ومنكم من يتوفى}. وسكت عن ذكر الموت بعد أرذل العمر لأنه معلوم بطريقة لحن الخطاب. وجُعل انتفاء علم الإنسان عند أرذل العمر علة لردّه إلى أرذل العمر باعتبار أنه علّة غائية لذلك لأنه مما اقتضته حكمة الله في نظام الخلق فكان حصوله مقصوداً عند ردّ الإنسان إلى أرذل العمر، فإن ضعف القوى الجسمية يستتبع ضعف القوى العقلية. قال تعالى: {أية : ومن نعمره ننكسه في الخلق}تفسير : [يس: 68] فالخلق يشمل كل ما هو من الخلقة ولا يختص بالجسم. وقوله {من بعد علم} أي بعدما كان علمه فيما قبل أرذل العمر. و(مِن) الداخلة على (بعد) هنا مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش وابن مالك من عدم انحصار زيادة (مِن) في خصوص جرّ النكرة بعد نفي وشبهه، أو هي للابتداء عند الجمهور وهو ابتداء صُوري يساوي معنى التأكيد ولذلك لم يؤت بــــ (من) في قوله تعالى: {أية : لكي لا يعلم بعد علم شيئاً}تفسير : في [سورة النحل: 70]. والآيتان بمعنى واحد فذكر (مِن) هنا تفنّن في سياق العبرتين. و{شيئاً} واقع في سياق النفي يعم كل معلوم، أي لا يستفيد معلوماً جديداً. ولذلك مراتب في ضعف العقل بحسب توغله في أرذل العمر تبلغ إلى مرتبة انعدام قبوله لعلم جديد، وقبلها مراتب من الضعف متفاوتة كمرتبة نسيان الأشياء ومرتبة الاختلاط بين المعلومات وغير ذلك. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}. عطف على جملة {فإنا خلقناكم من تراب}، والخطاب لغير معيّن فيعم كل من يسمع هذا الكلام. وهذا ارتقاء في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلال بحالةٍ مشاهدَة فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه غيرُ مشاهَد فقيل في شأنه {فإنا خلقناكم من تراب} الآية. ومحل الاستدلال من قوله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت}، فهو مناسبُ قولِه في الاستدلال الأول {فإنا خلقناكم من تراب}، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازُها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت. والهمود: قريب من الخمود، فهمود الأرض جَفافها وزوال نبتها، وهمود النار خمودها. والاهتزاز: التحرك إلى أعلى، فاهتزاز الأرض تمثيل لحال ارتفاع ترابها بالماء وحال ارتفاع وجهها بما عليه من العشب بحال الذي يهتز ويتحرك إلى أعلى. وربت: حصل لها رُبوّ ــــ بضمّ الراء وضم الموحدة ــــ وهو ازدياد الشيء يقال: رَبَا يربو رُبوا، وفسر هنا بانتفاخ الأرض من تفتق النبت والشجر. وقرأ أبو جعفر «وربأت» بهمزة مفتوحة بعد الموحدة، أي ارتفعت. ومنه قولهم: رَبَأ بنفسه عن كذا، أي ارتفع مجازاً، وهو فعل مشتق من اسم الربيئة وهو الذي يعلو رُبوة من الأرض لينظر هل من عدوّ يسير إليهم. والزوج: الصنف من الأشياء. أطلق عليه اسم الزوج تشبيهاً له بالزوج من الحيوان وهو صنف الذكر وصنف الأنثى، لأن كل فرد من أحد الصنفين يقترن بالفرد من الصنف الآخر فيصير زوجاً فيسمى كلّ واحد منهما زوجاً بهذا المعنى، ثم شاع إطلاقه على أحد الصنفين، ثم أطلق على كلّ نوع وصنف وإن لم يكن ذكراً ولا أنثى، فأطلق هنا على أنواع النبات. والبهيج: الحسن المنظر السَارّ للناظر، وقد سِيق هذا الوصف إدماجاً للامتنان في أثناء الاستدلال امتناناً بجمال صورة الأرض المنبتة، لأن كونه بهيجاً لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض كقوله تعالى: {أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل: 6] وقوله تعالى: {أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح}تفسير : [الملك: 5].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}. هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها، تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}تفسير : [لقمان: 20] يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه جل وعلا يقدر أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، كما قال تعالى {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}تفسير : [يس: 78] وكقوله تعالى عنهم {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [الأنعام: 29] {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}تفسير : [الدخان: 35] ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإشارة إليه قريباً. ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيَامة للحساب، والجزاء فقال جل وعلا {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} فمن أوجدكم الإيجاد الأول، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية، بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب، لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل، وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث: الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكورة هنا، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27] الآية وقوله {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 79] وقوله تعالى {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104] وقوله {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الإسراء: 51] وقوله تعالى {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15] وقوله تعالى {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 62] وقوله {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 37] إلى قوله {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [القيامة: 40] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد الأول كقوله {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ}تفسير : [يس: 78] الآية، إذ لو تذكر الإيجاد الأول، على الحقيقة، لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني، وكقوله {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 66-67] إذ لو تذكر ذلك تذكراً حقيقياً لما أنكر الخلق الثاني، وقوله في هذه الآية الكريمة {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} أي في شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك، وقوله تعالى في هذه الآية الكرمية {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} قد قدمنا في سورة طه: أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] الآية، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب. لأن الفروع تبع للأصل. وقد بينا في طه أيضاً أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب: أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول. وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفاً، فالتراب هو الطول الأول. والطور الثاني هو النطفة، والنطفة في اللغة: الماء القليل، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب: شعر : وما عليكِ إذا أخبرتني دنفا وغاب بعْلكِ يوماً أن تَعودِيني وتجعلي نطفةً في القعْب باردةً وتغمسي فاكِ فيها ثم تسقيني تفسير : فقوله: وتجعلي نطفة: أي ماء قليلاً في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة: نطفة المني، وقد قدمنا في سورة النحل: أن النطفة مختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة، خلافاً لمن زعم: أنها من ماء الرجل وحده. الطور الثالث: العلقة: وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد فقوله {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} أَي قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير: شعر : إليك أعملتها فتلا مرافقها شهرين يجْهُض من أرحامها العَلَق تفسير : الطور الرابع: المضغة: وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" تفسير : الحديث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} صفة للنطفة وأن المخلقة: هي ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة: هي ما دفعته الأرماح من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقاً، وممن روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نقله عنه ابن جرير وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول، لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، كما هو ظاهر. ومنها: أن معنى مخلقة: تامة، وغير مخلقة: أي غير تامة، والمراد بهذا القول عند قائله: أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم. وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم. وممن روي عنه هذا القول: قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك. ومنها: أن معنى مخلقة مصورة إنساناً، وغير مخلقة: أي غير مصورة إنساناً كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول، مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها: أن المخلقة: هي ما ولد حياً، وغير المخلقة: هي ما كان من سقط. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس رضي الله عنهما. وقال صاحب الدر المنثور: إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي وأنشد لذلك قول الشاعر: شعر : أفي غير المخلَّقة البكاءُ فأيْن الحزمُ وَيْحك والحَياءُ تفسير : وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المخلقة: المصورة خلقاً تاماً. وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه، لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقاً سوياً إلا التصوير. وذلك هو المراد بقوله {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} خلقاً سوياً، وغير مخلقة: بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير، ولا ينفخ الروح. انتهى منه. وهذا القول الذي اختاره ابن جرير: اختاره أيضاً غير واحد من أهل العلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله جل وعلا في أول الآية {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة، فيه من التناقض، كما ترى فافهم. فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط، لأن قوله {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} يفهم منه أن هناك قسماً آخر لا يقره الله في الأرحام، إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية، لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء. أما السقط: فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} الآية، لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتاً، ولو بعد التشكيل والتخطيط، لم يخلق الله منه إنساناً واحداً من المخاطبين بقوله {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلاً من المخلقة، وغير المخلقة: يخلق منه بعض المخاطبين في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} الآية. وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية، هو القول الذي لا تناقض فيه، لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره: وهو أن المخلقة: هي التامة، وغير المخلقة: هي غير التامة. قال الزمخشري في الكشاف: والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه. من قولهم صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة. منها: ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب. ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه. وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب: حجر أخلق: أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق: أي ليس فيها وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى: شعر : قد يترك في خلقاء راسية وَهيْياً وينزل منها الأعصم الصدعا تفسير : والدهر في البيت: فاعل يترك، والمفعول به: وهياً. يعني: أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضاً قول ابن أحمر يصف فرساً، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور: شعر : بمقلص درك الطريدة متنهُ كصفا الخليقة بالفضاء الملبَّد تفسير : فقوله: كصفا الخليقة، يعني: أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق: هو الأملس المستوي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ}: أي لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاماً، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأ من الخلق، كما هو واضح وقوله {لِّنُبَيِّنَ} الظاهر أنه متعلق بخلقناكم، في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} الآية: أي خلقناكم خلقاً من بعد خلق على التدريج المذكور: لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره. وقال الزمخشري مبيناً نكتة حذف مفعول: لنبين لكم ما نصه: وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه بالذكر، ولا يحيط به الوصف. انتهى منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أَجل مسمى: أي معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين، والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته، ووجه رفعه: ونقر أن المعنى: ونحن نقر في الأرحام، ولم يعطف على قوله {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد: خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه، وقراءة من قرأ: ونقر بالنصب عطفاً على: لنبين، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقاً آخر، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلاً: أي ولداً بشراً سوياً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} أي لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء. وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى في هذه الآية {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} أي ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل: أي من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم. وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته، على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإنسان من طور إلى طور، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبيناً أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره. فمن الآيات الذي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى {أية : كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}تفسير : [المعارج: 39] قوله تعالى {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}تفسير : [نوح: 13-14] أي طوراً بعد طور كما بينا قوله تعالى {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}تفسير : [الزمر: 6] وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض وكساها اللحم، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان والأفواه وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أمه وإزالة تلك الظلمات. سبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه الغرائب والعجائب من صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} ومن الآيات التي أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله تعالى {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 12-16] وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة المؤمن {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [غافر: 67] وقوله تعالى في الكهف {أية : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}تفسير : [الكهف: 37] وقوله تعالى {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}تفسير : [النحل: 4] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} تفسير : [يس: 77] وقوله تعالى {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}تفسير : [الإنسان: 2] الآية وقوله تعالى {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} تفسير : [العلق: 2] وقوله تعالى {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ}تفسير : [طه: 55] إلى غير ذلك من الآيات وقد بينت السنة الصحيحة القدر الذي تمكثه النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، والقدر الذي تمكثه المضغة مضغة. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع ح، وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير الهمداني واللفظ له، حدثنا أبي وأبو معاوية، ووكيع قالوا: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "حديث : إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمِّه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروحَ ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" تفسير : الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه صلى الله عليه وسلم بأن الجنين يمكث أربعين يوماً نطفة، ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يوماً، ثم يصير مضغة ويمكث كذلك أربعين يوماً ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذاً في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل. وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبدالله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال "حديث : إن أحدكم يجمع في بطن أمهِ أربعين يوماً ثم علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأَربعٍ: برزقه وأجله وشقي أو سعيد"تفسير : الحديث، وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل، وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور والله أعلم. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه الإفراد في قوله {نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} مع أن المعنى نخرجكم أطفالاً. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. منها ما ذكره ابن جرير الطبري قال: ووحد الطفل وهو صفة للجمع، لأنه مصدر مثل عدل وزور وتبعه غيره في ذلك. ومنها قول من قال {نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي نخرج كل واحد منكم طفلاً، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مراداً به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}تفسير : [القمر: 54] أي وأنهار بدليل قوله تعالى {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ}تفسير : [محمد: 15] الآية وقوله {أية : وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}تفسير : [الفرقان: 74] أي أئمة وقوله تعالى {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}تفسير : [النساء: 4] الآية أي أنفساً وقوله تعالى {أية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 67] أي سامرين وقوله تعالى {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [آل عمران: 84] أي بينهم وقوله تعالى {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}تفسير : [النساء: 69] أي رفقاء وقوله تعالى {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}تفسير : [المائدة: 6] أي مجنبين أو أجناباً وقوله تعالى {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4] أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: شعر : وكان بنو فزارة شرّ عم وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا تفسير : يعني شر أَعمام: وقول قعنب ابن أم صاحب: شعر : ما بال قوم صديق ثم ليس لهم دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا تفسير : يعني ما بال قوم أصدقاء: وقول جرير: شعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء وهن صديق تفسير : يعني صديقات: وقول الآخر: شعر : لعمري لئن كنتم على النأي والنوى بكم مثل ما بي إنكم لصديق تفسير : وقول الآخر: شعر : يا عاذلاتي لا تزدن ملامة إن العواذل ليس لي بأمير تفسير : أي لسن لي بأمراء. ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى {أية : أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} تفسير : [النور: 61] أي أصدقائكم: وقوله {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}تفسير : [النور: 63] أي أوامره: وقوله {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] أَي نعم الله: وقوله {أية : إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي} تفسير : [الحجر: 68] الآية: أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : أي وأما جلودها فصليبة: وقول الآخر: شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص تفسير : أي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهداً بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرادس السلمي: شعر : فقلنا أسلموا إنا أخوكم وقد سلمت من الإحن الصدور تفسير : أي إنا إخوانكم: وقول جرير: شعر : إذا آباؤنا وأبوك عدواً أبان المقرفات من العراب تفسير : أي إذا آباؤنا وآباؤك عدواً، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفاً، حيث قال فيه: كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر: شعر : فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا تفسير : ومن أمثلة ذلك في القرآن: واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: {أية : وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ}تفسير : [آل عمران: 119] أي بالكتب كلها، بدليل قوله {أية : كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ}تفسير : [البقرة: 285] الآية، وقوله {أية : وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ}تفسير : [الشورى: 15] وقوله تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [الفرقان: 75] أي الغرف بدليل قوله {أية : لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ}تفسير : [الزمر: 20] وقوله {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 37]: وقوله تعالى {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً}تفسير : [الفجر: 22]: أي الملائكة بدليل قوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [البقرة: 210]: وقوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]: أي الأدبار بدليل قوله تعالى: {أية : فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ}تفسير : [الأنفال: 15] وقوله تعالى: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النور: 31]: أي الأطفال: وقوله تعالى {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ}تفسير : [المنافقون: 4] أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مراراً. ومن أمثلة ذلك قول زهير: شعر : متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم هم بيننا هم رضى وهم عدل تفسير : أي عدول مرضيون. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: إذا مجت الرحم النطفة في طورها الأول، قبل أن تكون علقة، فلا يترتب على ذلك حكم من أحكام إسقاط الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. المسألة الثانية: إذا سقطت النطفة في طورها الثاني، أعني في حال كونها علقة: أي قطعة جامدة من الدم، فلا خلاف بين العلماء في أن تلك العلقة لا يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا ترث. ولكن اختلف في أحكام أخر متعددة من أحكامها: منها: ما إذا كان سقوطها بسبب ضرب إنسان بطن المرأة التي ألقتها، هل تجب فيها غرة أو لا؟ فذهب مالك رحمه الله: إلى أن من ضرب بطن حامل، فألقت حملها علقة فهو ضامن دية العلقة ضمان الجنين، فتلزمه غرة، أو عشر دية الأم. وفي المدونة: الجنين ما علم أنه حمل، وإن كان مضغة أو علقة أو مصوراً. وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الجنين لا ضمان فيه حتى تظهر فيه صورة الآدمي. وممن قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله. وظهور بعض الصورة كظهور كلها في الأظهر، واحتجوا بأنه لا يتحقق أنه حمل حتى يصور، والمالكية قالوا: الحمل تمكن معرفته في حال العلقة فما بعدها، فاختلافهم هذا من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط. ومنها: ما إذا كانت المرأة معتدة من طلاق، أو وفاة وكانت حاملاً، فألقت حملها علقة، هل تنقضي بذلك عدتها أو لا؟ فمذهب مالك رحمه الله: أنها تنقضي عدتها بإسقاط العلقة المذكورة. واحتج المالكية: بأن العلقة المذكورة يصدق عليها أنها حمل، فتدخل في عموم قوله تعالى {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] وقال ابن العربي المالكي: لا يرتبط بالجنين شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقاً يعني مصوراً، وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة وغيرهم: إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدة، قالوا: لأنها دم جامد ولا يتحقق كونه جنيناً. ومنها: ما إذا ألقت العلقة المكذورة أمة هي سرية لسيدها، هل تكون أم ولد بوضع تلك العلقة أو لا؟ فذهب مالك رحمه الله وأصحابه: إلى أنها تصير أم ولد بوضع تلك العلقة، لأن العلقة مبدأ جنين، ولأن النطفة لما صارت علقة صدق عليها أنها خلقت علقة، بعد أن كانت نطفة، فدخلت في قوله تعالى {أية : خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ}تفسير : [الزمر: 6] فيصدق عليها أنها وضعت جنيناً من سيدها، فتكون به أم ولد، وهذا رواية عن أحمد وبه قال إبراهيم النخعي. وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: إلى أنها لا تكون أم ولد بوضعها العلقة المذكورة. وقد قدمنا توجيههم لذلك. المسألة الثالثة: إذا ِأسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث: أعني كونها مضغة: أي قطعة من لحم، فلذلك أربع حالات: الأولى: أن يكون ظهر في تلك المضغة شيء من صورة الإنسان، كاليد والرجل، والرأس ونحو ذلك، فهذا تنقضي به العدة، وتلزم فيه الغرة، وتصير به أم ولد، وهذا لا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم. الحالة الثانية: أن تكون المضغة المذكورة لم يتبين فيها شيء من خلق الإنسان، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنهن أطلعن فيها على تخطيط، وتصوير خفي، والأظهر في هذه الحالة: أن حكمها كحكم التي قبلها لأنه قد تبين بشهادة أهل المعرفة، أن تلك المضغة جنين لما اطلعوا عليه فيها من الصورة الخفية. الحالة الثالثة: هي أن تكون تلك المضغة المذكورة، ليس فيها تخطيط، ولا تصوير ظاهر، ولا خفي، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنه مبدأ خلق آدمي. وهذه الصورة فيها للعلماء خلاف. فقال بعض أهل العلم: لا تنقضي عدتها بها، ولا تصير أم ولد، ولا يجب على الضارب المسقط لها الغرة. قال ابن قدامة في المغني: وهذا ظاهر كلام الخرقي والشافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن الإمام أحمد رحمه الله، وظاهر كلام الحسن والشعبي، وسائر من اشترط أن يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، لأنه لم يتبين فيه شيء من خلق الآدمي، فأشبه النطفة والعلقة. وقال بعض أهل العلم: تنقضي عدتها بوضع المضغة المذكورة، وتصير به أم ولد، وتجب فيها الغرة، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال بعض أهل العلم: لا تنقضي بها العدة، وتصير به أم ولد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له، الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه إذا شهد ثقات من القوابل العارفات، بأن تلك المضغة مبدأ جنين، وأنها لو بقيت لتخلقت إنساناً، أنها تنقضي بها العدة، وتصير بها الأمة أم ولد، وتجب بها الغرة على الجاني. والله تعالى أعلم. الحالة الرابعة: أن تكون تلك المضغة، ليس فيها تصوير ظاهر، ولا خفي، ولم تشهد القوابل بأنها مبدأ إنسان، فحكم هذه كحكم العلقة: وقد قدمناه قريباً مستوفى. المسألة الرابعة: إذا أسقطت المرأة جنينها ميتاً بعد أن كملت فيه صورة الآدمي، فلا خلاف بين أهل العلم في انقضاء العدة بوضعه، وكونها أم ولد، ووجوب الغرة فيه، ولكن العلماء اختلفوا في الصلاة عليه، وغسله وتكفينه. فذهب مالك رحمه الله: إلى أنه لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يسمى، ولا يورث، ولا يرث حتى يستهل صارخاً، ولا عبرة بعطاسه، ورضاعه، وبوله فلو عطس، أو رضع، أو بال لم يكن ذلك موجباً للصلاة عليه في قول مالك، وعليه جمهور أصحابه. وقال المازري: رضاعه تتحقق به حياته فتجب به الصلاة عليه، وغيرها من الأحكام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الصواب في هذه المسألة أنه إن علمت حياته، ولو بسبب آخر غير أن يستهل صارخاً، فإنه يصلى عليه. وقد علمت أن مشهور مذهب الإمام مالك أن المدار على أن يستهل صارخاً، فإن لم يستهل صارخاً غسل دمه، ولف بخرقة، وَوُوري، ومذهب الشافعي: أنه إن استهل صارخاً أو تحرك حركة تدل على الحياة ثم مات صلي عليه، وَوُرِّث وورث وإن لم يستهل، ولم يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر، لم يصل عليه، ولكنه يلف بخرقة، ويدفن، وإن كان له أربعة أشهر فقولان: قال في القديم: يصلى عليه، وقال في الأم: لا يصلى عليه، وهو الأصح، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة، وأصحابه وجابر بن زيد التابعي، والحكم وحماد، والأوزاعي ومالك: أنه إذا لم يستهل صارخاً لا يصلى عليه. وعن ابن عمر: أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وإسحاق. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا لم يستهل صارخاً، ولم يتحرك، فإن كان له أربعة أشهر: غسل، وصلي عليه، وإلا فلا، أما إن استهل صارخاً، فلا خلاف بينهم في الصلاة عليه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط، لأن مناط الأمر بالصلاة عليه، هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة. ومناط عدم الصلاة عليه: هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخاً، أو طالت مدته حياً علم بذلك أنه مات بعد حياة، فيغسل ويصلى لعيه، وقالوا: إن مطلق الحركة لا يدل على الحياة، لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية، وقالوا: إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته. قالوا: قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعنه عدو الله معدوداً في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ما ورثه، وهو قول ابن القاسم. ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به، لأنه في حكم الميت، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد. والذين خالفوا هؤلاء قالوا: لا نسلم ذلك فكل حركة قوية تدل على الحياة، وعمر ما دام قادراً على الحركة القوية الدالة على الحياة، فهو حي تجري عليه أحكام الحياة. والذين قالوا: يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه البخاري ومسلم، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة. ينفخ فيه الروح، وانتهاء الأربعين الثالثة: هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دل الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر بأنه مات بعد حياة والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}. هذا برهان قاطع آخر على البعث: وقوله {وَتَرَى} أي يا نبي الله. وقيل: وترى أيها الإنسان المخاطب: وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. فقوله {هَامِدَةً} حال من الأرض، لا مفعول ثان لترى. وقوله: هامدة أي يابسة قاحلة لا نبات فيها. وقال بعض أهل العلم، هامدة: أي دارسة الآثار من النبات، والزرع. قالوا: وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: شعر : قالت قتيلةُ ما لجسمك شاحِباً وأرى ثيابك باليات هُمدا تفسير : أَي وأرى ثيابك باليات دارسات {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} أي سواء كان من المطر، أو الأنهار أو العيون أو السواني: {ٱهْتَزَّتْ}: أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات نباتاً فيها متصلاً بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها اهتزت بالنبات. وهذا أسلوب عربي معروف. وقال أبو حيان في البحر المحيط: واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات، وقوله: {وَرَبَتْ} أي زادت وارتفعت: وقال بعض أهل العلم: وربت: انتفخت، لأجل خروج النبات، وقال ابن جرير الطبري: وربت: أي أضعفت النبات بمجيء الغيث. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أصل المادة التي منها ربت: الزيادة، والظاهر أن معنى الزيادة الحاصلة في الأرض: هي أن النبات لما كان نابتاً متصلاً بها صار كأنه زيادة حصلت في نفس الأرض. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: والاهتزاز: الحركة على سرور، فلا يكاد يقال: اهتز فلان لكيت وكيت، إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع ا هـ منه. والاهتزاز أصله: شدة الحركة: ومنه قوله: شعر : تَثنى إذا قامتْ وتهتزُّ إن مشتْ كما اهتزَّ غصْنُ البانِ في وَرَقٍ خُضْر تفسير : وقوله: {وَأَنبَتَتْ} أي أنبت الله فيها {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي صنف من أصناف النبات، والزرع، والثمار: {بَهِيجٍ} أي حسن، والبهجة: الحسن. ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}تفسير : [النحل: 60] تقول: بهج بالضم بهاجة فهو بهيج، إذا كان حسناً، وقرأ عامة السبعة: وربت، وهو من قولهم: ربا يربو إذا نَما وزاد، وقرأ من الثلاثة أبو جعفر يزيد بن القعقاع: وربأت بهمزة مفتوحة بعد الباء: أي ارتفعت، كأنه من الربيئة أو الربيئي، وهو الرقيب الذي يعلو على شيء مشرف يحرس القوم ويحفظهم. ومنه قول امرئ القيس: شعر : بَعثنا ربيئاً قبل ذاك مخمَّلا كذئبِ الغضَا يمشي الضَّراء ويتقي تفسير : وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن إحياء الأرض بعد موتها، برهان قاطع على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم. لأن الجميع أحياء بعد موت، وإيجاد بعد عدم بينه في آيات كثيرة، وقد قدمنا في سورة البقرة والنحل، كثرة الاستدلال بهذا البرهان في القرآن على البعث، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [فصلت: 39] وقوله تعالى {أية : وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الروم: 19] أي من قبوركم أحياء، بعد الموت: وقوله تعالى {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}تفسير : [ق: 11] أي خروجكم من القبور أحياء بعد الموت وقوله تعالى {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57] وقوله {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الروم: 50] وقوله تعالى {أية : فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُور} تفسير : [فاطر: 9] وقوله تعالى {أية : فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الزخرف: 11] ومن ذلك قوله هنا {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} بدليل قوله بعده:
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في ريب من البعث: الريب الشك مع اضطراب النفس وحيرتها، والبعث الحياة بعد الموت. من نطفة: قطرة المنّي التي يفرزها الزوجان. علقة: أي قطعة دم متجمد تتحول إليه النطفة في خلال أربعين يوماً. مضغة: أي قطعة لحم قدر ما يمضغ المرء تتحول العلقة إليها بعد أربعين يوما. وغير مخلقة: أي مصورة خلقاً تاماً، مخلقة وغير مخلقة هي السقط يسقط قبل تمام خلقه. لنبين لكم: أي قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم بابتداء خلقكم كيف يكون. ونقر في الأرحام ما نشاء: أي ونبقي في الرحم من نريد له الحياة والبقاء إلى نهاية مدة الحمل ثم نخرجه طفلاً سوياً. لتبلغوا أشدكم: أي كمال أبدانكم وتمام عقولكم. إلى أرذل العمر: أي سن الشيخوخة والهرم فيخرف. لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً: أي فيصير كالطفل في معارفه إذ ينسى كل علم علمه. هامدة: خامدة لا حراك لها ميتة. اهتزت وربت: أي تحركت بالنبات وارتفعت تربتها وأنبتت. زوج بهيج: أي من كل نوع من أنواع النباتات جميل المنظر حسنه. ذلك بأن الله هو الحق: أي الإِله الحق الذي لا إله سواه، فعبادة الله حق وعبادة غير الله باطل. وأن الساعة آتية: أي القيامة. يبعث من في القبور: أي يحييهم ويخرجهم من قبورهم أحياء كما كانوا قبل موتهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى بعض أحوال القيامة وأهوالها، وكان الكفر بالبعث الآخر هو العائق عن الاستجابة للطاعة وفعل الخير نادى تعالى الناس مرة أخرى ليعرض عليهم أدلة البعث العقلية لعلهم يؤمنون فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ} أي في شك وحيرة وقلق نفسي من شأن بعث الناس أحياء من قبورهم بعد موتهم وفنائهم لأجل حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا فإليكم ما يزيل شككم ويقطع حيرتكم في هذه القضية العقدية وهو أن الله تعالى قد خلقكم من تراب أي خلق أصلكم وهو أبوكم آدم من تراب وبلا شك، ثم خلقكم أنتم من نطفة أي ماء الرجل وماء المرأة وبلا شك، ثم من علقة بعد تحول النطفة إليها ثم من مضغة بعد تحول العلقة إليها وهذا بلا شك أيضاً، ثم المضغة إن شاء الله تحويلها إلى طفل خلقها وجعلها طفلاً، وإن لم يشأ ذلك لم يخلقها وأسقطها من الرحم كما هو معروف ومشاهد، وفعل الله ذلك من أجل أن يبين لكم قدرته وعلمه وحسن تدبيره لترهبوه وتعظموه وتحبوه وتطيعوه وقوله: {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي ونقر تلك المضغة المخلقة في الرحم إلى أجل مسمى وهو ميعاد ولادة الولد وانتهاء حمله ونخرجكم طفلاً أي أطفالاً صغاراً لا علم لكم ولا حلم، ثم ننميكم ونربيكم بما تعلمون من سننا في ذلك {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} أي تمام نماء أبدانكم وعقولكم {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} قبل بلوغه أشده لأن الحكمة الإِلهية اقتضت وفاته ومنكم من يعيش ولا يموت حتى يرد إلى أرذل العمر فيهرم ويخرف ويصبح كالطفل لا يعلم بعد علمٍ كان له قبل هرمه شيئاً هذا دليل البعث وهو دليل عقلي منطقي وبرهان قوي على حياة الناس بعد موتهم إذ الذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة يوجب العقل قدرته على إحيائهم بعد موتهم، إذ ليست الإِعادة بأصعب من البداية. ودليل عقلي آخر هو ما تضمنه قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ} أيها الإِنسان {هَامِدَةً} خامدة ميتة لا حراك فيها ولا حياة فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء من السماء {ٱهْتَزَّتْ} أي تحركت {وَرَبَتْ} أي ارتفعت وانتفخت تربتها وأخرجت من النباتات المختلفة الألوان والطعوم والروائح {مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} جميل المنظر حسنه، أليس وجود تربة صالحة كوجود رحم صالحة وماء المطر كماء الفحل وتخلق النطفة في الرحم كتخلق البذرة في التربة وخروج الزرع حياً نامياً كخروج الولد حياً نامياً وهكذا إلى حصاد الزرع وموت الإِنسان فهذان دليلان عقليان على صحة البعث الآخر وأنه كائن لا محالة وفوق ذلك كله إخبار الخالق وإعلامه خلقه بأنه سيعيدهم بعد موتهم فهل من العقل والمنطق أو الذوق أن نقول له لا فإنك لا تقدر على ذلك قولة كهذه قذرة عفنة لا يود أن يسمعها عقلاء الناس وأشرافهم. ولما ضرب تعالى هذين المثالين أو ساق هذين الدليلين على قدرته وعلمه وحكمته المقتضية لإِعادة الناس أحياء بعد الموت والفناء للحساب والجزاء قال وقوله الحق {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي الرب الحق والإِله المعبود الحق، وما عداه فباطل {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} ومن شك فليراجع الدليلين السابقين في تدبر وتعقل فانه يسلم لله تعالى ما أخبر به عن نفسه في قوله ذلك {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} الخ. هداية الآيات من هداية الآيات 1- تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء على الأعمال يوم القيامة. 2- بيان تطور خلق الإِنسان ودلالته على قدرة الله وعلمه وحكمته. 3- الاستدلال على الغائب بالحاضر المحسوس وهذا من شأن العقلاء فإن المعادلات الحسابية والجبرية قائمة على مثل ذلك. 4- تقرير عقيدة التوحيد وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {خَلَقْنَاكُمْ} (5) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُنْكِرِ للبَعْثِ وَالمَعَادِ، ذَكر هُنا الدَّليلَ عَلَى قُدْرَتِهِ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بدْئِهِ الخَلْقَ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ يَا أَيُّها النَّاسُ تَشُكُّونَ فِي قُدْرَتِنَا عَلَى بَعْثِ الأَمْوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَخَلْقِهِمْ خَلْقاً جَدِيداً، فَانْظُرُوا إِلى مَبْدَإِ خَلْقِكُمْ لِيَزُولَ شَكُّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا أَنَّ القَادِرَ عَلَى خَلْقِكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ عَدَمٍ، هُوَ أَقْدَرُ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِكُمْ ثَانِيةً، لأَِنَّ الإِعَادَةَ أَسْهَلُ مِنَ الابْتِدَاءِ، فَقَدْ خَلَقْنَا أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلْنَا نَسْلَهُ يُخْلَقُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - أَيْ مِنْ نُطْفَةٍ - ثُمَّ تُصْبِحُ النُّطْفَةُ عَلَقَةً حَمرَاءَ، ثُمَّ تُصْبِحُ العَلَقَةُ مُضْغَةً، ثُمَّ تَبْدأُ المُضْغَةُ فِي التَّشَكُّلِ، وَتَبْدُو مَلاَمِحُ الرَّأسِ والأطْرَافِ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ المُضْغَةَ قَدْ تُسْقِطُهَا المَرْأَةُ قَبْلَ اكْتِمَالِ مُدَّةِ الحَمْلِ - أَيْ قبْلَ اكْتِمَالِ خَلْقِها - وَقَدْ تَبْقَى هَذِه المُضْغَةُ حَتَّى اكْتِمَالِ خَلْقِها، فَتُخْرَجُ طِفْلاً ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَفِي سَمْعِهِ، وَبَصَرِه، وَحَوَاسِّهِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ اللهُ القُوَّةَ شَيئاً فَشيئاً، فَيَبْلُغُ أشُدَّهُ وَيَتَكَامَلُ فِي قُوَّتِهِ، ثُمَّ يَتَزَايَدُ فَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ. وَمِنَ النَّاسِ مَن يُتَوفَّى فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَصِلُ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ والضَعْفِ فِي القُوَّةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وَيُصِيبُهُ الخَرَفُ، وَضَعْفُ الذَّاكِرَةِ، فَإِذَا هُوَ بَعْدَ القُوَّةِ والاكْتِمَالِ يَرْتَدُّ طِفْلاً فِي وَعْيِهِ وَمَدَارِكِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَيَنْسَى عِلْمَهُ فَلاَ يَعُودُ يَذْكُرُ مِنْهُ شَيئاً (لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً). وَيَسُوقُ اللهُ تَعَالَى دَلِيلاً آخَرَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ المَوْتَى، وَهُوَ إِحْيَاءُ الأرْضِ المَيِّتَةِ الهَامِدَةِ التي لاَ نَبْتَ فِيهَا، فَإِذَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهَا المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ تَحَرَّكَتْ بالنَّبَاتِ، وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَرَبَتْ وارْتَفَعَ التُّرَابُ الذي عَلَى سَطْحِهَا مِنْ حَرَكَةِ النَّبَاتِ تَحْتَهُ ثُمَّ أَنْبَتَت الأَرْضُ نَبَاتاً حَسَنَ المَنْظَرِ، طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، يُبْهِجُ العُيونَ النَّاظِرَةَ إِلَيْهِ. هَامِدَةً - سَاكِنَةً أَوْ مَيِّتَةً يَابِسَةً. بَهِيجٍ - يُبْهِجُ النَّفْسَ بِمَرْآهُ. عَلَقَةً - قِطْعَةَ دَمٍ جَامِدةِ. مُضْغَةً - قِطْعَةَ لَحْمٍ بَقَدْرِ مَا يُمْضَغُ. مُخَلَّقَةٍ - مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ مُصَوَّرَةٍ. رَبَتْ - ارْتَفَعَ فَوْقَهَا التُّرَابُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ ..} [الحج: 5]. الريب: الشك. فالمعنى: إنْ كنتم شاكِّين في مسألة البعث، فإليكم الدليل على صِدْقه {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ..} [الحج: 5] أي: الخَلْق الأول، وهو آدم عليه السلام، أما جمهرة الناس بعد آدم فخُلِقوا من (نطفة) حية من إنسان حي. والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول مرة في خَلْق الإنسان: {مِّن تُرَابٍ ..} [الحج: 5]، ومرة {أية : مِن مَّآءٍ ..} تفسير : [الطارق: 6]، و {أية : مِّن طِينٍ ..} تفسير : [الأنعام: 2]، و {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ..}تفسير : [الحجر: 26]، و {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14] وهذه التي دعتْ المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن، يقولون: من أيِّ هذه الأشياء خُلِقْتم؟ وهذا الاعتراض ناشىء من عدم فَهْم لغة القرآن، فالتراب والماء والطين والحمأ المسنون والصلصال، كلها مراحل متعددة للشيء الواحد، فإذا وضعتَ الماء على التراب صار طيناً، فإنْ تركتَ الطين حتى يتخمّر، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أنْ تُميِّز عنصراً فيه عن الآخر. وهذا عندما يعطَنُ وتتغير رائحته يكون هو الحمأ المسنون، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار، ومنه خلق اللهُ الإنسان وصوَّره، ونفخ فيه من روحه، إذن: هذه مراحل للشيء الواحد، ومرور الشيء بمراحل مختلفة لا يُغيِّره. ثم تكلم سبحانه عن الخَلْق الثاني بعد آدم عليه السلام، وهم ذريته، فقال: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ..} [الحج: 5] والنطفة في الأصل هي قطرة الماء العَذْب، كما جاء في قول الشاعر: شعر : بَقَايَا نِطَافٍ أودَعَ الغيمُ صَفْوَهَا مُثقَّلَةُ الأرجَاء زُرْقُ الجَوانبِ تفسير : ولا تظهر زُرْقة الماء إلا إذا كان صافياً لا يشوبه شيء، وكذلك النطفة هي خلاصة الخلاصة، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية الاحتراق، وعملية الأيض أي: الهدم والبناء بصفة مستمرة ينتج عنها خروج الفضلات المختلفة من الجسم: فالبول، والغائط، والعرق، والدموع، وصَمْغ الأذن، كلها فضلات ناتجة عن احتراق الطعام بداخل الجسم حيث يمتص الجسم خلاصة الغذاء، وينقلها إلى الدم. ومن هذه الخلاصة يُستخلص منيُّ الإنسان الذي تؤخذ منه النطفة، فهو - إذن - خلاصة الخلاصة في الإنسان، ومنه يحدث الحمل، ويتكَّون الجنين، وكأن الخالق - عز وجل - قد صَفَّاها هذه التصفية ونقَّاها كل هذا النقاء؛ لأنها ستكون أصْلاً لأكرم مخلوقاته، وهو الإنسان. وهذه النطفة لا تنزل من الإنسان إلا في عملية الجماع، وهي ألذُّ متعة في وجود الإنسان الحيِّ، لماذا؟ لو تأملتَ متعة الإنسان ولذاته الأخرى مثل: لذة الذَّوْق، أو الشم، أو الملمس، فهي لذَّاتٌ معروفة محددة بحاسَّة معينة من حواس الإنسان، أمّا هذه اللذة المصاحبة لنزول المنيِّ أثناء هذه العملية الجنسية فهي لذة شاملة يهتز لها الجسم كله، ولا تستطيع أنْ تُحدِّد فيها منطقة الإحساس، بل كل ذرة من ذرات الجسم تحسها. لذلك أمرنا ربنا - عز وجل - أن نغتسل بعد هذه العملية؛ لأنها شغلتْ كل ذرة من ذرات تكوينك، وربما - عند العارفين بالله - لا تغفل عن الله تعالى إلا في هذه اللحظة؛ لذلك كان الأمر بالاغتسال بعدها، هذا قول العلماء. أما أهل المعرفة عن الله وأهل الشطح وأهل الفيوضات فيقولون: إن الله خلق آدم من طين، وجعل نَسْله من هذه النطفة الحية التي وضعها في حواء، ثم أتى منها كل الخَلْق بعده، فكأن في كل واحد منا ذرة من أبيه آدم؛ لأنه لو طرأ على هذه الذرة موت ما كان نَسْلٌ بعد آدم، فهذه الذرة موجودة فيك في النطفة التي تلقيها ويأتي منها ولدك، وهي أصْفى شيء فيك؛ لأنها الذرة التي شهدتْ الخَلْق الأول خَلْق أبيك آدم عليه السلام. وقد قرّبنا هذه المسألة وقلنا: لو أنك أخذت سنتيمتراً من مادة ملونة، ووضعته في قارورة ماء، ثم أخذتَ ترجُّ القارورة حتى اختلط الماء بالمادة الملونة فإن كل قطرة من الماء بها ذرة من هذه المادة، وهكذا لو ألقيتَ القارورة في برميل .. الخ. إذن: فكل إنسان مِنّا فيه ذرة من أبيه آدم عليه السلام، هذه الذرة شهدتْ خَلْق آدم، وشهدتْ العهد الأول الذي أخذه الله على عباده في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. لذلك؛ يُسمِّي الله تعالى إرسال الرسل بَعْثاً فيقول: {أية : بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41] بعثه: كأنه كان موجوداً وله أَصْل في رسالة مباشرة من الله حين أخذ العهد على عباده، وهم في ظَهْر آدم عليه السلام، كما يخاطب الرسول بقوله: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : [الغاشية: 21] أي: مُذكِّر بالعهد القديم الذي أخذناه على أنفسنا. لذلك اقرأ الآية: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. هذا في مرحلة الذَّرِّ قبل أنْ يأتي الهوى في النفوس {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 172-173]. إذن: بعث الله الرسل لتُذكِّر بالعهد الأول، حتى لا تحدث الغفلة، وحتى تقيم على الناس الحجة. ثم يقول تعالى: {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ..} [الحج: 5] سمِّيت النطفة علقة؛ لأنها تعلَقُ بالرحم، يقول تعالى في آية أخرى: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}تفسير : [القيامة: 37-38]. فالمنيُّ هو السائل الذي يحمل النطفة، وهي الخلاصة التي يتكوَّن منها الجنين، والعَلَقة هنا هي البُويْضَة المخصَّبة، فبعد أنْ كان للبويضة تعلُّق بالأم، وللحيوان المنوي (النطفة) تعلُّق بالأب، اجتمعا في تعلُّق جديد والتقيَا ليتشبَّثا بجدار الرحم، وكأن فيها ذاتية تجعلها تعلَق بنفسها، يُسمُّونها (زيجوت). ومنها قولهم: فلان هذا مثل العلقة إذا كان ملازماً لك. بعد ذلك تتحول العلقة إلى مضغة {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ ..} [الحج: 5] والمضغة: هي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمضغ من الطعام، وهو خليط من عِدَّة أشياء، كما لو أكلتَ مثلاً قطعة لحم مع ملعقة خضار مع ملعقة أرز، وبالمضغ يتحوّل هذا إلى خليط، ذلك لأن جسم الإنسان لا يتكَّون من عنصر واحد، بل من ستة عشر عنصراً. هذه المضغة {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ..} [الحج: 5] معنى مخلقة يعني: يظهر عليها هيكل الجسم، وتتشكَّل على صورته، فهذه للرأس، وهذه للذراع، وهذه للرِّجْل وهكذا، يعني تخلَّقتْ على هيئة الإنسان. أما غير المخلَّقة، فقد عرفنا مؤخراً أنها الخلايا التي تُعوِّض الجسم وتُرقِّعه إذا أصابه عَطَب فهي بمثابة (احتياطي) لإعادة تركيب ما تلف من أنسجة الجسم وترميمها، كما يحدث مثلاً في حالة الجُرْح فإنْ تركتَه لطبيعة الجسم يندمل شيئاً فشيئاً، دون أنْ يتركَ أثراً. نرى هذا في أولاد الفلاحين، حين يُجرح الواحد منهم، أو تظهر عنده بعض الدمامل، فيتركونها لمقاومة الجسم الطبيعية، وبعد فترة تتلاشى هذه الدمامل دون أنْ تتركَ أثراً على الإطلاق؛ لأنهم تركوا الجسم للصيدلية الربانية. أما إذا تدخَّلنا في الجُرْح بمواد كيماوية أو خياطة أو خلافه فلا بُدَّ أن يترك أثراً، فترى مكانه لامعاً؛ لأن هذه المواد أتلفت مسام الجسم؛ لذلك نجد مثل هذه الأماكن من الجسم قد تغيرتْ، ويميل الإنسان إلى حَكِّها (وهرشها)؛ لأن هذه المسام كانت تُخرِج بعض فضلات الجسم على هيئة عرق، فلما انسدت هذه المسام سببت هذه الظاهرة. هذا كله لأننا تدخَّلْنا في الطبيعة التي خلقها الله. إذن: فمعنى {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ..} [الحج: 5] هي الصيدلية التي تُعوِّض وتُعيد بناء ما تلف من جسم الإنسان. ثم يقول سبحانه: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الحج: 5] أي: نُوضِّح لكم كل ما يتعلَّق بهذه المسألة {وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ ..} [الحج: 5] وهي المضْغة التي قُدِّر لها أنْ تكون جنيناً يكتمل إلى أنْ يولد؛ لذلك قال:{إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الحج: 5] أو نسقطه ميتاً قبل ولادته. فإنْ قلتَ: وما الحكمة من خَلْقه وتصويره، إنْ كان قد قُدِّر له أنْ يموت جنيناً؟ نقول: لنعرف أن الموت أمر مُطْلق لا رابطَ له ولا سِنّ، فالموت يكون للشيخ كما يكون للجنين في بطن أمه، ففي أيِّ وقت ينتهي الأجل. وقوله تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ..} [الحج: 5] قال: {نُخْرِجُكُمْ ..} [الحج: 5]بصيغة الجمع ولم يقُلْ: أطفالاً إنما {طِفْلاً ..} [الحج: 5] بصيغة المفرد، لماذا؟ قالوا: في اللغة ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، فطفل هنا بمعنى أطفال، وقد وردتْ أطفال في موضع آخر في قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ..}تفسير : [النور: 59]. وكما تقول هذا رجل عَدْل، ورجال عَدْل. وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يتكلم عن الأصنام فيقول: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ..}تفسير : [الشعراء: 77] ولم يقُلْ: أعداء. وحينما تكلم عن ضَيْفه قال: {أية : هَؤُلآءِ ضَيْفِي ..}تفسير : [الحجر: 68] ولم يقل: ضيوفي، إذن: المفرد هنا يُؤدِّي معنى الجمع. ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ ..} [الحج: 5] وهكذا، ينقلنا السياق من الطفولة إلى المرحلة النهائية من عمر الإنسان، وسبق أنْ تحدَّثنا عن مراحل عمر الإنسان، وأنه يمر بمرحلة الرُّشْد: رُشْد البنية حين يصبح قادراً على إنجاب مثله، ورُشْد العقل حين يصبح قادراً على التصرّف السليم، ويُحسن الاختيار بين البدائل. ثم تأتي مرحلة الأشد: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ..}تفسير : [الأحقاف: 15] يعني: نضج نُضْجاً من حوادث الحياة أيضاً. ثم يقول تعالى : {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ..} [الحج: 5] وأرذل العمر يعني رديئه، حين تظهر على الإنسان علامات الخَوَر والضعف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ..} [الحج: 5] لأنه ينسى، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله. وإذا بلغ الرجل أرذلَ العمر يعود من جديد إلى مرحلة الطفولة تدريجياً، فيحتاج لمَنْ يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي، كما تأخذ بيد الطفل الصغير، فإذا تكلّم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم الكلام.. وهكذا في جميع شئونه. لذلك يقولون: الزواج المبكر أقرب طريق لإنجاب (والد) يعولُك في طفولة شيخوختك، ولم يقُلْ: ولداً؛ لأنه سيقوم معك فيما بعد بدوْر الوالد، يقولون: لحق والده يعني سنُّهما متقارب. لكن، لماذا يُرَدُّ بعضنا إلى أرذل العمر دون بعض؟ الحق سبحانه جعلها نماذج حتى لا نقول: يا ليت أعمارنا تطول؛ لأن أعمار الجميع لو طالتْ إلى أرذَلِ العمر لأصبح الأمر صعباً علينا، فمن رحمة الله بنا أنْ خلق الموت. ثم يقول تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]. أي: كما كان خَلْق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مُضْغة مُخلَّقة وغير مُخلَّقة، ثم أخرجه طفلاً، وبلغ أَشُدَّهُ، ومنهم مَنْ مات، ومنهم مَنْ يُرَدُّ إلى أرذَل العمر، كذلك الحال في الأرض: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ..} [الحج: 5]. هامدة: ساكنة، ومنه قولنا للولد كثيرالحركة: اهمد {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ ..} [الحج: 5] أي: تحركتْ ذراتُها بالنبات بعد سكونها. والاهتزاز: تحرُّك ما كنت تظنه ثابتاً، وليس ما كان ثابتاً في الواقع؛ لأن لكل كائن حركة في ذاته، حتى قطعة الحديد الجامدة لها حركة بين ذراتها، لكن ليس لديْك من وسائل الإدراك ما تدرك به هذه الحركة. ولو تأملت المغناطيس لأدركتَ هذه الحركة بين ذراته، فحين تُدلِّك القضيب الممغنط وتُمرِّره على قضيب آخر غير مُمغنط في اتجاه واحد، فإنه يكتسب منه المغناطيسية، وتمرير المغناطيس في اتجاه واحد معناه تعديل للذرات لتحمل شحنة واحدة سالبة أو موجبة، فإن اختلف اتجاه الدَّلْك فإن الذرات أيضاً تختلف. إذن: في الحديد - رمز الصلابة والجمود - حركة وحياة تناسبه، وإنْ خُيِّل إليك أنه أصمُّ جامد في ظاهره. لذلك نقول {هَامِدَةً ..} [الحج: 5] يعني: ساكنة في رَأْي العلم، حيث لا نباتَ فيها ثم {ٱهْتَزَّتْ ..} [الحج: 5] يعني: زادتْ ورَبَتْ وتحركتْ لإخراج النبات، إنما هي في الحقيقة لم تكُنْ ساكنة مُطْلقاً؛ لأن فيها حركة ذاتية بين ذراتها. ومعنى: {وَرَبَتْ ..} [الحج: 5] أي: زادت عن حجمها، كما تزيد حبة الفول مثلاً حين تُوضَع في الماء، وتأخذ حظها من الرطوبة، وكذلك في جميع البقول، وهذه الزيادة في حجم الحبة هي التي تفلقها إلى فلقتين في عملية الإنبات، ويخرج منها زبان يتجه إلى أعلى فيكون الساق الذي يبحث عن الهواء، وإلى أسفل فيكون الجذر الذي يبحث عن الماء. وتظل هاتان الفلقتان مصدرَ غذاءٍ للنبتة حتى تقوى، وتستطيع أنْ تمتصَّ غذاءها من التربة، فإذا أدَّتْ هاتان الفلقتان مهمتهما في تغذية النبتة تحوَّلتَا إلى ورقتين، وهما أول ورقتين في تكوين النبتة. كذلك، نلاحظ في تغذية النبات أنه لا يأخذ كُلَّ غذائه من التربة، إنما يتغذى بنسبة ربما 90 بالمائة من غذائه من الهواء، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة إذا نظرتَ إلى إصيص به زرع، فسوف تجد ما نقص من التربة كمية لا تُذكَر بالنسبة لحجم النبات الذي خرج منها. وحين تتأمل جذر النبات تجد فيه آية من آيات الله، فالجذر يمتد إلى أن يصل إلى الرطوبة أو الماء، حتى إذا وصل إلى مصدر غذائه توقَّف، ولك أن تنظر مثلاً إلى (كوز الحلبة) فسوف تجد الجذور غير متساوية في الطول، بحسب بُعد الحبة عن مصدر الرطوبة. {وَرَبَتْ ..} [الحج: 5] أي: زادت وانتفشتْ، كما يحدث في العجين حين تضع فيه الخميرة {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]. هذه صورة حيَّة واقعية نلاحظها جميعاً عياناً: الأرض تكون جرداء ساكنة، لا حركةَ فيها، فإذا ما نزل عليها الماء تغيرتْ وتحركتْ ذراتها وتشققتْ عن النبات، ولو حتى بالمطر الصناعي، كما نرى في عرفة مثلاً ينزل عليها المطر الصناعي فيخضرُّ الوادي، لكن حينما ينقطع الماء يعود كما كان لعدم موالاة الماء، ولو واليتَ عليها بالماء لصارت غابات وأحراشاً وبساتين كالتي نراها في أوروبا. والمطر لا يحتاج أنْ تُسوَّى له الأرض؛ لأنه يسْقِي المرتفع والمنخفض على السواء، على خلاف الأرض التي تسقيها أنت لا بُدَّ أن تُسوِّيها للماء حتى يصل إليها جميعاً. فإذا أنزل الله تعالى المطر على الأرض الجدباء الجرداء تراها تتفتق بالنبات، فمن أين جاءت هذه البذور؟ وكيف لم يُصِبْها العطب، وهي في الأرض طوال هذه الفترات؟ الأرض هي التي تحفظها من العطب إلى أن تجد البيئة المناسبة للإنبات، وهذا النبات الذي يخرج من الأرض دون تدخُّل الإنسان يسمونه (عِذْى). أما عن نَقْل هذه البذور في الصحراء وفي الوديان، فهي تنتقل بواسطة الريح، أو في رَوَث الحيوانات. ومعنى: {مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] الزوج: البعض يظن الزوج يعني الاثنين، إنما الزوج كلمة مفردة تدل على واحد مفرد معه مِثْله من جنسه، ففي قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 45] فكل منهما زوج، وكما نقول: زوج أحذية يعني فردة حذاء معها فردة أخرى مثلها، ومثلها كلمة توأم يعني مولود معه مثله فكل واحد منهما يسمى (توأم) وهما معاً (توأمان) ولا نقول: هما توأم. وهنا مظهر من مظاهر دِقَّة الأداء القرآني: {مِن كُلِّ زَوْجٍ..} [الحج: 5] لأن كل المخلوقات، سواء أكانت جماداً أو نباتاً أو حيواناً، لا بُدَّ فيه من ذكر وأنثى، هذه الزوجية قال الله فيها: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..} تفسير : [الذاريات: 49] حتى في الجماد الذي نظنه جماداً لا حركةَ فيه، يتكَّون من زوجين: سالب وموجب في الكهرباء، وفي الذرة، وفي المغناطيس، فكلُّ شيء يعطي أعلى منه، فلا بُدَّ فيه من زوجيْن. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى حينما عالج هذه المسألة عالجها برصيد احتياطي في القرآن، يقول سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. فقوله سبحانه: {أية : وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] رصيد عالٍ لما سيأتي به العلم من اكتشافات تثبت صِدْق القرآن على مَرِّ الأيام، ففي الماضي عرفنا الكهرباء، وأنها سالب وموجب فقلنا: هذه مما لا نعلم، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم، وهذا وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم. إذن: خُذْها قضية عامة: كل شيء يتكاثر إلى أعلى منه، فلا بُدَّ ان فيه زوجية. فقوله تعالى: {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] فالزوج من النبات مفرد معه مثله، وهذا واضح في لقاح الذكر والأنثى، هذا اللقاح قد يكون في الذكر وحده، أو في الأنثى وحدها كما في النخل مثلاً، وقد يكون العنصران معاً في النبات الواحد كما في سنبلة القمح أو في كوز الذرة. ولو تأملت نبات الذرة لوجدتَ له في أعلاه (شوشة) بها حبيبات دقيقة تحمل لقاح الذكورة، وفي منتصف العود يخرج الكوز، وبه شعيرات تصل كل شعرة منها إلى حبة من حبات الذرة المصطفة على الكوز، وهذه تحمل لقاح الأنوثة، فإذا هبَّتْ الريح هزَّتْ أعلى العود فتساقطت لقاحات الذكورة على هذه الشعيرات فلقحتها؛ لذلك نرى الحبة التي لا يخرج منها شعرة إلى خارج الغلاف تضمر وتموت؛ لأنها لم تأخذ حظها من اللقاح. ومعنى: {بَهِيجٍ} [الحج: 5] من البهجة، فالمراد: الشيء حسن المنظر والجميل الذي يجذب الأنظار إليه، وبهجة النظر إلى النبات شائعة لا تقتصر على مَنْ يملكه بخلاف الأكل منه، فحين تمر ببستان أو حديقة تتمتع بمنظرها وجمال ألوانها وتُسَرُّ برائحتها. وفي النفس الإنسانية ملكات تتغذى على هذه الخضرة، وعلى هذه الألوان وتنبسط لهذا الجمال، ولو لم تكُنْ تمتلكه. لذلك الحق - سبحانه وتعالى - ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: أية : {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 99] أي: أن النظر مشاع للجميع، ثم بعد ذلك اتركوا الخصوصيات لأصحابها، تمتَّعوا بما خلق الله، ففي النفس ملكَات أخرى غير الطعام. واقرأ أيضاً قوله تعالى في الخيل: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} تفسير : [النحل: 6] فليست الخيل لحمل الأثقال وفقط، وإنما فيها جمال وأُبَّهة، تُرضِي شيئاً في نفوسكم، وتُشْبِع ملكَة من ملكاتها. ثم يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فالمُّخَلقةُ: ما خَرَجَ تَاماً. وغَيرُ مُّخلقةٍ: مَا كَانَ سِقطاً. فإِذا بَلغتْ مُضْغَةً نَكَستْ فِي الخَلقِ الرابعِ. فكانتْ نَسمةٌ. وإنْ كَانت غَيرَ مُّّخلقةٍ قَذِفَتْها الأَرحامُ دماً. تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} معناه الحُزنُ وذِهابُ العَقلِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} معناه يابسةٌ لاَ نباتَ لَهَا. والهَامدُ الدَّارسُ. تفسير : وقوله تعالى: {زَوْجٍ بَهِيجٍ} معناه حَسِنٌ وقال: بَهِجٌ.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المنهمكون في الغفلة والنسيان المنغمسون بلوازم الحدوث والإمكان، المفضية إلى أنواع العصيان والطغيان {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} شك وتردد {مِّنَ} أمر {ٱلْبَعْثِ} وإمكان وقوعه، ومن قدرتنا إلى إعادة المعدوم بلا سبق الهيولى والزمان، حتى يزول ريبكم، ويرتفع شككم {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} وقدرنا وجودكم أولاً {مِّن تُرَابٍ} جماد، لا مناسبة بينكم وبينه أصلاً، إذ هو أصل النطفة ومادة المنيّ، إذ المنيّ إنما يحصل من الأغذية المتكونة من التراب {ثُمَّ} قدرناكم ثانياً {مِن نُّطْفَةٍ} مصبوبة في الأرحام حاصلة في أجزاء الغذاء {ثُمَّ} صورناكم {مِنْ عَلَقَةٍ} أي: دمٍ منعقد من المنيّ المصبوب في الرحم {ثُمَّ} عيّنا أركان أجسامكم {مِن مُّضْغَةٍ} أي: لحم متكون من الدم المنعقد {مُّخَلَّقَةٍ} كاملة الخلقة سوية الأجزاء بلا عيب ولا نقصان، قابلة الفطرة للمعرفة والهداية والرشد التام {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} ناقصة الخلقة معيوبة الأجزاء، منحطة عن درجة الكمال كل تلك التبديلات والتغييرات منَّا دليل على كما قدرتنا وإرادتنا ووثوق حكمنا وتدبيراتنا إما أظهرناها {لِّنُبَيِّنَ} ونظهر {لَكُمْ} كمال قدرتنا المتعلقة على جميع المقدورات المتحققة، والمقدرة على السوية بلا فتور وقصور. {وَ} بالجملة {نُقِرُّ} ونثبت الولد {فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} ونريد ثبوته ذكراً أو أنثى، مبدِّلين مغيرين من صورة إلى أخرى مراراً كثيرة، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} سميناه وعيناه في حضرة علمنا لتسويته وتعديله {ثُمَّ} بعدما سويناه وعدلنا أركان جسمه على الوجه الذي تقتضيه حكمتنا، ونفخنا فيه من روحنا؛ إذ نفخُنا الروح فيه علة غائية لإيجاده وإظهاره {نُخْرِجُكُمْ} أي: كلا منكم من بطون أمهاتكم {طِفْلاً} محتاجاً إلى الرضاعة والحضانة {ثُمَّ} نربيكم بأنواع التربية والتغذية، ونقوي مزاجكم ومشاعركم على التدريج {لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} أي: كمال رشدكم وقوتكم الجسمانية، وتثمروا من المعارف والحقائق ما جبلتم لأجلها إن وفقوا من قبلنا {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} بعدما بلغ أشده ورشده أو قبل بلوغه {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو سن الكهولة والهرم المستلزم للخرافة ونقصان العقل وضعف القوى والآلات {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ} متعلق منه بمعلوم مخصوص {شَيْئاً} من أمارات ذلك المعلوم وصار عنده كأنه لم يلتفت إليه قط لغلبة الغفلة والنسيان عليه وسقوط الحفظ والإدراك عنه، كل ذلك إنما هو لإظهار قدرتنا الكاملة، وإرادتنا التامة الشامة {وَ} لا تتعجب من كمال قدرتنا، ومتانة صنعتنا، وحكمتنا أمثال هذا، أما {تَرَى} أيها الرائي {ٱلأَرْضَ} الممهدة المبسوطة كيف كانت {هَامِدَةً} يابسة متينة جامدة بعيدة عن الرطوبة والخضرة كالرماد {فَإِذَآ أَنزَلْنَا} وقت تعلق قدرتنا وإرادتنا بإحيائها ونضارتها {عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} المشتمل على خاصة الحياة {ٱهْتَزَّتْ} وتحركت اهتزازاً شوقياً {وَرَبَتْ} وارتفعت من حضيض الخمود والجمود طالباً الخروج إلى فضاء الهواء والعروج إلى غاية ما أعد له من الكمال {وَ} بعد حركتها وارتفاعها متشوقة {أَنبَتَتْ} وأظهرت بإقدارنا إياها {مِن كُلِّ زَوْجٍ} نوع وصنف مما يخرج من الأرض {بَهِيجٍ} [الحج: 5] رائق عجيب، وهذا من أوضح الدلائل والبراهين عند ذوي النهى واليقين على البعث، وإعادة المعدوم، وجميع المعتقدات الأخروية. {ذٰلِكَ} المذكور من إيجاد المقدورات التي تستبعدها العقول السخيفة والأحلام الردية الضعيفة {بِأَنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {هُوَ ٱلْحَقُّ} الثابت المحقق المقصور على الحقية والثبوت لا متحقق في الوجود سواه، ولا معبود يُعبد بالحق إلا هو {وَأَنَّهُ} سبحانه بخصوصه المقتدر هو الحي القيوم المحيي {يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} بالإرادة والاختيار {وَأَنَّهُ} بذاته وأسمائه وصفاته هو القادر بالاستقلال {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل تحت قدرته وحيطة حضرة علمه وإرادته بالاستقلال {قَدِيرٌ} [الحج: 6] بلا فتور وقصور ولا تزلزل وعثور. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة المعهودة من عنده {آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} إذ هي من جملة مقدورات الله التي قدر وجودها في لوح قضائه وحضرة علمه {وَأَنَّ ٱللَّهَ} المتصرف بالاستقلال والاختيار {يَبْعَثُ} يوم الحشر {مَن فِي ٱلْقُبُورِ} [الحج: 7] من النفوس الخيرة والشريرة، ثم يحاسبهم ويجازيهم على مقتضى حسابه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ } أي: شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب. أحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده، فقال فيه: { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ } وذلك بخلق أبي البشر آدم عليه السلام، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } أي: مني، وهذا ابتداء أول التخليق، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي: تنقلب تلك النطفة، بإذن الله دما أحمر، { ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ } أي: ينتقل الدم مضغة، أي: قطعة لحم، بقدر ما يمضغ، وتلك المضغة تارة تكون { مُخَلَّقَةٍ } أي: مصور منها خلق الآدمي، { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } تارة، بأن تقذفها الأرحام قبل تخليقها، { لِنُبَيِّنَ لَكُمْ } أصل نشأتكم، مع قدرته تعالى، على تكميل خلقه في لحظة واحدة، ولكن ليبين لنا كمال حكمته، وعظيم قدرته، وسعة رحمته. { وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي : ونقر، أي: نبقي في الأرحام من الحمل، الذي لم تقذفه الأرحام، ما نشاء إبقاءه إلى أجل مسمى، وهو مدة الحمل. { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من بطون أمهاتكم { طِفْلا } لا تعلمون شيئا، وليس لكم قدرة، وسخرنا لكم الأمهات، وأجرينا لكم في ثديها الرزق، ثم تنتقلون طورا بعد طور، حتى تبلغوا أشدكم، وهو كمال القوة والعقل. { وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى } من قبل أن يبلغ سن الأشد، ومنكم من يتجاوزه فيرد إلى أرذل العمر، أي: أخسه وأرذله، وهو سن الهرم والتخريف، الذي به يزول العقل، ويضمحل، كما زالت باقي القوة، وضعفت. { لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا } أي: لأجل أن لا يعلم هذا المعمر شيئا مما كان يعلمه قبل ذلك، وذلك لضعف عقله، فقوة الآدمي محفوفة بضعفين، ضعف الطفولية ونقصها، وضعف الهرم ونقصه، كما قال تعالى: {أية : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ } تفسير : والدليل الثاني، إحياء الأرض بعد موتها، فقال الله فيه: { وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً } أي: خاشعة مغبرة لا نبات فيها، ولا خضر، { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ } أي: تحركت بالنبات { وَرَبَتْ } أي: ارتفعت بعد خشوعها وذلك لزيادة نباتها، { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ } أي: صنف من أصناف النبات { بَهِيجٍ } أي: يبهج الناظرين، ويسر المتأملين، فهذان الدليلان القاطعان، يدلان على هذه المطالب الخمسة، وهي هذه. { ذَلِكَ } الذي أنشأ الآدمي من ما وصف لكم، وأحيا الأرض بعد موتها، { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: الرب المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وعبادته هي الحق، وعبادة غيره باطلة، { وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى } كما ابتدأ الخلق، وكما أحيا الأرض بعد موتها، { وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } كما أشهدكم من بديع قدرته وعظيم صنعته ما أشهدكم. { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا } فلا وجه لاستبعادها، { وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } فيجازيكم بأعمالكم حسنها وسيئها.
همام الصنعاني
تفسير : 1900- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}: [الآية: 5]، قال: تامة وغير تامَّة. 1901- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}: [الآية: 5]، قال: حسنت وَعُرِفَ الغَيْث في رَبْوِهَا {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}: [الآية: 5]، يقول حسن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):