Verse. 2601 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

ذٰلِكَ بِاَنَّ اللہَ ہُوَالْحَقُّ وَاَنَّہٗ يُـحْيِ الْمَوْتٰى وَاَنَّہٗ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۶ۙ
Thalika bianna Allaha huwa alhaqqu waannahu yuhyee almawta waannahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض «بأن» بسبب أن «الله هو الحق» الثابت الدائم «وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير».

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها على وَفْق اقتداره واختياره في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ ـ إلى قوله ـ بَهِيجٍ }. قال بعد ذلك: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ }. فنبّه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجوداً حقاً فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخَّر مصرّف. والحق الحقيقيّ: هو الموجود المطلق الغنيّ المطلق؛ وأن وجود كلّ ذي وجود عن وجوب وجوده؛ ولهذا قال في آخر السورة: {أية : وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ} تفسير : [الحج: 62]. والحق الموجود الثابت الذي لا يتغيّر ولا يزول، وهو الله تعالى. وقيل: ذو الحق على عباده. وقيل: الحق بمعنى في أفعاله. وقال الزجاج: «ذلِك» في موضع رفع؛ أي الأمر ما وُصف لكم وبُيّن. {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي لأن الله هو الحق. قال: ويجوز أن يكون «ذلك» نصباً؛ أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق. {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} أي بأنه {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وبأنه قادر على ما أراد. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ} عطف على قوله: «ذلِك بِأن الله هو الحق» من حيث اللفظ، وليس عطفاً في المعنى؛ إذ لا يقال فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، بل لابد من إضمار فعل يتضمنه؛ أي وليعلموا أن الساعة آتية {لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي لا شك. {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} يريد للثواب والعقاب.

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من خلق الإِنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره: {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به تتحقق الأشياء. {وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى} وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة. {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لأن قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على سواء، فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور من بدء خلق الإِنسان إلى آخر إحياء الأرض {بِأَنَّ } بسبب أن {ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } الثابت الدائم {وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰكُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ }.

النسفي

تفسير : {ذٰلِكَ } مبتدأ خبره {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم حاصل بهذا وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود {وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } كما أحيا الأرض {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } قادر {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ } أي أنه حكيم لا يخلف الميعاد وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } في صفاته فيصفه بغير ما هو له. نزلت في أبي جهل {بِغَيْرِ عِلْمٍ } ضروري {وَلاَ هُدًى } أي استدلال لأنه يهدي إلى المعرفة {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } أي وحي والعلم للإنسان من أحد هذه الوجوه الثلاثة {ثَانِىَ عِطْفِهِ } حال أي لاوياً عنقه عن طاعة الله كبراً وخيلاء. وعن الحسن: {ثاني عطفه} بفتح العين أي مانع تعطفه إلى غيره {لِيُضِلَّ } تعليل للمجادلة. {ليضل} مكي وأبو عمرو {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } أي القتل يوم بدر {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي جمع له عذاب الدارين {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } فلا يأخذ أحداً بغير ذنب ولا بذنب غيره وهو عطف على {بما} أي وبأن الله. وذكر الظلام بلفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع وهو العبيد، ولأن قليل الظلم منه مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منا.

الخازن

تفسير : فقال تعالى: {ذلك} أي ذكرنا ذلك لتعلموا {بأن الله هو الحق} وإن هذه الأشياء دالة على وجود الصانع {وأنّه يحيي الموتى} أي إنه إذا لم يستبعد منه إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات {وأنه على كل شيء قدير} أي من كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور} أي ما ذكر من الدلائل لتعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها وأنّها حق وأنّ البعث بعد الموت حق قوله تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} يعني النضر بن الحرث {ولا هدى} أي ليس معه من الله بيان ولا رشاد {ولا كتاب منير} أي ولا كتاب من الله له نور {ثاني عطفه} أي لاوي جنبه وعنقه متبختراً لتكبّره معرضاً عما يدعى إليه من الحق تكبّراً {ليضل عن سبيل الله} أي عن دين الله {له في الدنيا خزي} أي عذاب وهوان وهو أنه قتل يوم بدر صبراً هو وعقبة بن أبي معيط {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك} أي يقال له ذلك {بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} أي فيعذبهم بغير ذنب والله تعالى على أي وجه أراد يتصرف في عبده فحكمه عدل وهو غير ظالم. قوله عزّ وجلّ {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهراً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله، قال هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيراً واطمأن له وإن صابه مرض وولدت امرأته جارية ولم تلد فرسه وقل ماله قال ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلاّ شراً فينقلب عن دينه وذلك هو الفتنة فأنزل الله تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه نحو حرف الجبل والحائط الذي غير مستقر فقيل للشاك في الدين أنه يعبد الله على حرف لأنه لم يدخل فيه على الثبات والتمكن. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم على سكينة وطمأنينة ولو عبدوا الله بالشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف وقيل هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قبل {فإن أصابه خير} أي صحة في جسمه وسعة في معيشته {اطمأن به} أي رضي به وسكن إليه {وإن أصابته فتنة} أي بلاء في جسمه وضيق في معيشته {انقلب على وجهه} أي ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر {خسر الدنيا والآخرة} أي خسر في الدنيا العز والكرامة ولا يبقى دمه وماله مصوناً. وقيل خسر في الدنيا ما كان يؤمل والآخرة بذهاب الدين والخلود في النار {ذلك هو الخسران المبين} أي الظاهر {يدعو من دون الله ما لا يضره} إن عصاه ولم يعبده {وما لا ينفعه} أي إن أطاعه وعبده {ذلك هو الضلال البعيد} أي عن الحق والرشد {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} فإن قلت قد قال الله تعالى الآية الأولى {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} وقال في هذه الآية {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} وهذا تناقض فكيف الجمع بينهما. قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم وذلك أنّ الله تعالى قال في الآية الأولى: ما لا يضره أي لا يضره ترك عبادته وقوله لمن ضره أي ضر عبادته وقيل: إنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها وقيل: إن الله تعالى سفه الكافر حيث عبد جماداً لا يضر ولا ينفع وهو يعتقد بجهله وضلاله أنه ينتفع به حين يستشفع وقيل الآية في الرؤساء وهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا وينفعوا وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أنّ الأوثان لا تضر ولا تنفع وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الأوثان لزم التناقض فثبت أنهم الرؤساء بدليل قوله {لبئس المولى ولبئس العشير} أي الناصر والمصاحب المعاشر.

البقاعي

تفسير : ولما قرر سبحانه هذين الدليلين، رتب عليهما ما هو مطلوب والنتيجة فقال على طريق التعليل: {ذلك} أي الذي تقدم من الأمر بالتقوى، والترهيب من جلال الله بالحشر، والاستدلال عليه بالتصرف في تطوير الإنسان والنبات إلى ما في تضاعيفه من أنواع الحكم وأصناف اللطائف {بأن} أي بسبب أن تعلموا أن {الله} أي الجامع لأوصاف الكمال {هو} أي وحده {الحق} أي الثابت أتم الثبات، بحيث يقتضي ذلك أنه يكون كل ما يريد، فإنه لا ثبات مع العجز {وأنه يحيي الموتى} أي القادر على ذلك بأنه - كما سيأتي - هو العلي الكبير {وأنه على كل شيء} من الخلق وغيره {قدير*} {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} تفسير : [يس: 82] {وأن الساعة} التي تقدم التحذير منها، وهي وقت حشر الخلائق كلهم {آتية لا ريب فيها} بوجه من الوجوه لما دل عليها مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من لا مرد لقوله، وهو حكيم فلا يخلف ميعاده، ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده بغير حساب {وأن الله} لما له من الجلال والحكم {يبعث} بالإحياء {من في القبور*} لحضوره والفصل بينهم فيها في كل ما اختلفوا فيه لأن ذلك من العدل الذي أمر به، وبه يظهر كثير من صفاته سبحانه أتم الظهور، والحاصل أن المراد أنه سبحانه قال ما تقدم وفعل ما ذكر من إيجاد الإنسان والنبات في هذه الأطوار ليعلم أنه قادر على هذه الأمور وعلى كل شيء {ومن} أي فمن الناس الذين كانوا قد وقفوا عن الإيمان قبل هذا البيان من آمن عند سماع هذه القواطع، ومن {الناس} وهم ممن اشتد تكاثف طبعه {من يجادل} أي بغاية جهده {في الله} أي في قدرته وما يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل لهه ولا خفاء فيه {بغير علم} أتاه عن الله على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون كتاباً أو غيره {ولا هدى} أرشده إليه من عقله أعم من كونه بضرورة أو استدلال {ولا كتاب منير*} صح لديه أنه من عند الله، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل {ثاني عطفه} أي رخي البال معرضاً متكبراً متماثلاً لاوياً عنقه لذلك كما قال تعالى {أية : وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً}تفسير : [لقمان: 7] والعطف في الأصل الجانب وموضع الميل. ولما دل السياق على أنه أكثف الأقسام طبعاً، عبر عن قصده بقوله: {ليضل} أي غيره {عن سبيل الله} إفهاماً لذلك، لأن هذا لا يقصده عاقل، فالقسم الأول تابع ضال، وهذا داع لأهل الضلال، هذا على قراءة الضم للجمهور، وعلى قراءة الفتح لابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب بخلاف عنه من ضل، تكون من باب التهكم كما تقدم غير مرة، أي إنه من الحذق بحيث لا يذهب عليه أن هذا ضلال، فما وصل إليه إلا بقصده له. ولما ذكر فعله وثمرته، ذكر ما أعد له عليه فقال: {له في الدنيا خزي} اي إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه "حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه" {ونذيقه} أي بما لنا من العظمة {يوم القيامة} الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت {عذاب الحريق*} أي بجعله يحس بألم العذاب بالحريق كما يحس الذائق بالشيء كما أحرق قلوب المهتدين بجداله بالباطل، ويقال حقيقة أو مجازاً: {ذلك} أي العذاب العظيم {بما} أي بسبب ما {قدمت يداك} أي بعملك، ولكنه جرت عادة العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل، وإضافة ما يؤدي إليهما أنكأ {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له الكمال كله {ليس بظلام} أي بذي ظلم ما {للعبيد*} ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري عاداتكم ظلماً أولاً بتسوية المحسن بالمسيء، وثانياً بترك الانتصار للذين عادوك فيه وأذيتهم من أجله، ويجوز أن تكون الصيغة للمبالغة لتفهم أنه لو تركه لكان الظلم، وذلك في غاية البعد عن حكمته و... نفي أصل الظلم من آياته الباهرة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن معاذ بن جبل قال‏:‏ من علم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة‏. وأخرج الخطيب وابن عساكر عن عائشة عن أبي بكر‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: إذا صلى الصبح مرحباً بالنهار الجديد والكاتب والشهيد، اكتبا‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏‏.‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الدين كما وصف، والكتاب كما أنزل، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم في تاريخه عن أنس رفعه‏:‏ ‏"‏من قال في كل يوم أربع مرات‏:‏ أشهد أن الله هو الحق المبين، وأنه يحيي ويميت، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، صرف الله عنه السوء‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} كلامٌ مستأنفٌ جيء به إثرَ تحقيقِ حقِّيةِ البعث وإقامةِ البُرهان عليه من العالَمينِ الإنسانيِّ والنباتيِّ لبـيانِ أنَّ ذلك من آثارِ أُلوهيتِه تعالى وأحكامِ شؤونِه الذَّاتيةِ والوصفيةِ والفعليةِ وأنَّ ما ينكرون وجودَه بل إمكانه من إتيانِ السَّاعةِ والبعثِ من أسبابِ تلك الآثارِ العجيبةِ التي يُشاهدونها في الأنفس والآفاقِ ومبادي صدورِها عنه تعالى. وفيه من الإيذانِ بقوَّة الدَّليلِ وأصالةِ المدلُولِ في التَّحقُّقِ وإظهارِ بُطلان إنكارِه ما لا يخفى فإنَّ إنكارَ تحقُّق السَّببِ مع الجزمِ بتحقُّقِ المُسبَّبِ ممَّا يقضي ببُطلانِه بديهةَ العقولِ. والمرادُ بالحقِّ هو الثَّابتُ الذي يحقُّ ثبوتُه لا محالة لكونِه لذاتِه لا الثَّابتُ مطلقاً و(ذلك) إشارةٌ إلى ما ذُكر من خلقِ الإنسانِ على أطوارٍ مختلفةٍ وتصريفِه في أحوالٍ مُتباينةٍ وإحياءِ الأرضِ بعد موتِها، وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِه في الكمالِ وهو مبتدأٌ خبرُه الجارُّ والمجرورُ أي ذلك الصُّنعُ البديع حاصلٌ بسبب أنَّه تعالى هو الحقُّ وحده في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه المحقِّقُ لما سواه من الأشياءِ {وَأنَهُ يُحْىِ ٱلمَوْتَىٰ} أي شأنُه وعادته إحياؤُها وحاصلُه أنَّه تعالى قادرٌ على إحيائها بَدْءاً وإعادةً وإلاَّ لما أحيا النُّطفةَ والأرضَ الميتةَ مراراً بعد مرارٍ. وما تُفيده صيغةُ المضارعِ من التَّجددِ إنَّما هو باعتبارِ تعلُّقِ القُدرةِ ومتعلقها لا باعتبارِ نفسِها. {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} أي مبالغٌ في القدرة وإلاَّ لما أوجد هذه الموجوداتِ الفائتةَ للحصرِ التي من جُملتها ما ذُكر. وأمَّا الاستدلالُ على ذلك بأنَّ قدرته تعالى لذاتِه الذي نسبته إلى الكلِّ سواءٌ فلمَّا دلَّتِ المشاهدةُ على قدرتِه على إحياءِ بعض الأمواتِ لزم اقتدارُه على إحياءِ كلِّها فمنشؤُه الغفولُ عما سيقَ له النَّظمُ الكريمُ من بـيانِ كونِ الآثارِ الخاصَّةِ المذكورةِ من فروعِ القُدرةِ العامةِ التَّامةِ ومسبَّباتِها، وتخصيصُ إحياءِ الموتى بالذِّكرِ مع كونِه من جُملةِ الأشياءِ المقدُورِ عليها للتَّصريحِ بما فيه النِّزاعُ والدَّفعُ في نحو المنكرينَ وتقديمُه لإبرازِ الاعتناءِ به. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ} أي فيما سيأتي. وإيثارُ صيغةِ الفاعلِ على الفعلِ للدِّلالةَ على تحقُّقِ إتيانِها وتقرره البتةَ لاقتضاءِ الحكمة إيَّاه لا محالةَ وتعليله بأنَّ التَّغيُّرِ من مقدمات الانصرامِ وطلائعِه مبنيٌّ على ما ذُكر من الغفولِ. وقولُه تعالَى: {لاَ رَيْبَ فِيهَا} إمَّا خبرٌ ثانٍ لأنَّ أو حالٌ من ضميرِ السَّاعةِ في الخبرِ ومعنى نفيِ الرَّيبِ عنها أنَّها في ظهور أمرِها وضوح دلائلِها التَّكوينيَّةِ والتَّنزيليَّةِ بحيثُ ليس فيها مظنَّةُ أنْ يُرتابَ في إتيانِها حسبما مرَّ في مطلعِ سورةِ البقرةِ. والجملةُ عطفٌ على المجرورِ بالباء كما قبلها من الجُملتينِ داخلةٌ مثلهما في حيِّزِ السَّببـيةِ وكذا قولُه عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ} لكنْ لا من حيثُ أن إتيانَ السَّاعةِ وبعثَ الموتى مؤثِّرانِ فيما ذُكر من أفاعيلِه تعالى تأثيرَ القُدرة فيها بل من حيثُ إنَّ كُلاًّ منهما سببٌ داعٍ له عزَّ وجلَّ بموجبِ رأفتِه بالعبادِ المبنيَّةِ على الحكمِ البالغةِ إلى ما ذُكرَ من خلقِهم ومن إحياءِ الأرضِ الميتة على نمطٍ بديعٍ صالحٍ للاستشهادِ به على مكانِهما ليتأمَّلوا في ذلكَ ويستدلُّوا به على وقوعِهما لا محالة ويصدقوا بمَا ينطق بهما من الوحيِ المُبـينِ وينالُوا به السَّعادةَ الأبديَّةَ ولولا ذلكَ لما فعل تعالى ما فعل بل لما خلق العالم رأساً وهذا كما تَرَى من أحكام حقِّيته تعالى في صفاتِه وكونها في غايةِ الكمالِ وقد جُعل إتيانُ السَّاعةِ وبعث مَنْ في القبورِ لكونهما من روادفِ الحكمةِ كناية عن كونِه تعالى حكيماً كأنَّه قيل ذلك بسببِ أنَّه تعالى قادرٌ على إحياءِ المَوْتى وعلى كلِّ مقدورٍ وأنَّه حكيمٌ لا يُخلف ميعادَه وقد وُعد بالسَّاعةِ والبعث فلا بُدَّ أنْ يفي بما وعد، وأنتَ خبـيرٌ بأن مآله الاستدلالُ بحكمته تعالى على إتيان السَّاعة والبعثِ وليس الكلامُ في ذلكَ بل إنَّما هُو في سببـيتهما لما مرَّ من خلقِ الإنسانِ وإحياء الأرضِ فتأمَّل وكُن على الحقِّ المبـين. وقيل: قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ} ليس معطُوفاً على المجرورِ بالباء، ولا داخلاً في حيِّز السببـية بل هو خبرٌ والمبتدأ محذوفٌ لفهم المَعْنى. والتَّقديرُ والأمرُ أنَّ السَّاعةَ آتيةٌ وأنَّ الثَّانيةَ معطوفةٌ على الأُولى، وقيل: المَعْنى ذلك لتعلمُوا بأنَّ الله هو الحقُّ الآيتين.

القشيري

تفسير : الله هو الحقُّ، والحق المطلق الوجود، وهو الحق أي ذو الحق. {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} أي الأرض التي أصابتها وَحْشَةُ الشتاء يحييها وقتَ الربيع. ويقال يحيي النفوسَ بتوفيق العبادات، ويحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات. ويقال يحيي أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم. ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميلِ الرضا وسكونِ الجأش عند جريان التقدير.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك بأن الله} اى ذلك الصنع البديع وهو خلق الانسان على اطوار مختلفة وتصريفه في اطوار متباينة واحياء الارض بعد موتها حاصل بسبب انه تعالى {هو الحق وانه يحيي الموتى} أي شأنه وعادته احياؤها وحاصله انه تعالى قادر على احيائها بدأ واعادة والا لما احي النطفة والارض الميتة مرارا بعد مرار {وانه على كل شىء قدير} مبالغ في القدرة والا لما اوجد هذه الموجودات.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى ان الذي ذكرناه انما دللنا به لتعلم ان {الله هو الحق} وانه الواحد الذي لا يستحق العبادة سواه، ومن اعتقده كذلك، فمعتقده على ما هو به، وهو محق، والحق هو ما كان معتقده على ما أعتقده {وأنه يحيي الموتى} لأن من قدر على انشاء الخلق إبتداء ونقله من حال الى حال على ما وصف، فانه يقدر على إعادته حياً بعد كونه ميتاً، ويعلم ايضاً انه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدوراً له، واصل الوصف بالحق من قولهم: حقه يحقه حقاً، وهو نقيض الباطل. والفرق بين الحق والعدل أن العدل جعل الشيء على قدر ما تدعوا اليه الحكمة، والحق فى الأصل جعل الشيء لما هو له في ما تدعو اليه الحكمة غير انه نقل الى معنى مستحق لصفات التعظيم، فالله تعالى لم يزل حقاً أي انه لم يزل مستحقاً لمعنى صفة التعظيم بأنه الاله الواحد الذي هو على كل شيء قدير. ثم اخبر تعالى ان فى جملة الناس من يخاصم {ويجادل في الله} وصفاته {بغير علم} بل للجهل المحض {ولا هدى} أي ولا حجة {ولا كتاب منير} أي ولا حجة كتاب ظاهر، وهذا يدل ايضاً على ان الجدال بالعلم صواب، وبغير العلم خطأ، لأن الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق، وبغير العلم يدعو الى الاعتقاد بالباطل، ولذلك قال تعالى {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : وقوله {ثاني عطفه} نصب على الحال يعني الذي يجادل بغير علم يثني عطفه. قال مجاهد وقتادة: يلوي عنقه كبراً. وقيل انها: نزلت فى النضر بن الحارث ابن كلدة - ذكره ابن عباس -. وقوله {ليضل عن سبيل الله} من فتح الياء، معناه يفعل هذا ليضل عن طريق الحق المؤدي الى توحيد الله. ومن ضم الياء اراد انه يفعل ذلك ليضل غيره. ثم اخبر تعالى ان من هذه صفته {له في الدنيا خزي} وأنه يذيقه {عذاب الحريق} يوم القيامة أي العذاب الذي يحرق بالنار. ثم قال {ذلك بما قدمت يداك} أي يقول الله تعالى عند نزول العذاب به {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} ومعناه إن ما يفعل بالظالم نفسه من عذاب الحريق جزاء على ما كسبت يداه، فذكر اليدين مبالغة في إضافة الجرم اليه، وهذا يدل على أن ذكر اليدين قد يكون لتحقيق الاضافة. وقوله {وإن الله} اي ولان الله {ليس بظلام للعبيد} وإنما ذكره بلفظ المبالغة، وإن كان لا يفعل القليل من الظلم لامرين: احدهما - انه خرج مخرج الجواب للمجبرة، ورداً عليهم، لأنهم ينسبون كل ظلم في العالم اليه تعالى، فبين أنه لو كان، كما قالوا لكان ظلاماً وليس بظالم. والثاني - أنه لو فعل أقل قليل الظلم لكان عظيماً منه، لانه يفعله من غير حاجة اليه، فهو أعظم من كل ظلم فعله فاعله لجاجته اليه.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} المذكور من تقليبات النّطفة وطروحاتها واماتاتها واحياءاتها وحيٰوة الارض بعد موتها بانزال الماء عليها {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} يعنى بانّ للعالم مبدءً قادراً عليماً حكيماً ذا عنايةٍ ورأفةٍ بخلقه ولولا ذلك المبدء لما وقع هذه التّقليبات الّتى يعجز عن ادراك دقائقها وادراك نضد اسبابها الحكماء العقلاء {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} يعنى بسبب انّ عادته تعالى احياء الموتى اىّ ميّتٍ كان فاذا لم يدع الارض الميتة ولا النّطفة الميتة ويحييهما فكيف يدع الانسان الّذى هو اشرف الكلّ ولا يحييه بعد موته {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يعنى ذلك بسبب انّ شيمته احياء الموتى مع انّه قادر على ذلك فلا يدع البتّة الانسان ميّتاً.

الهواري

تفسير : قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ} والحق اسم من أسماء الله. {وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: أن الذي أخرج من هذه الأرض الهامدة الميّتة ما أخرج من النبات قادر على أن يحيي الموتى. قال عز وجل: {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: لا شك فيها {وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ}. قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: المشرك يلحد في الله، فيجعل معه الآلهة يعبدها بغير علم أتاه من الله {وَلاَ هُدىً} أتاه منه. {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي: قضى بعبادة الأوثان.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من بدء خلق الانسان اطوارا واحياء الارض بالانبات وذا مبتدأ خبره {بِأَنَّ اللَّهُ هُوَ الْحَقُّ} الثابت الموجود الدائم والباء سببية * {وَأَنَّهُ يُحْيي المَوْتَى} والا لم يقدر على احياء النطفة والارض * {وَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن قدر على احياء بعض الاموات لزم اقتداره على احياء الكلأ إذ هو قادر لذاته قدرة مستوية في الأشياء.

اطفيش

تفسير : {ذلك} الأمر البعيد المرتبة العالى هو خلق الإنسان أطواراً، والإنبات بأنواع بهيجة {بأنَّ الله} أى ثابت بأن الله الخ والباء سببية، وإن قدرنا الخبر كوناً خاصاً أى مشعر بأن الله الخ لم تكن سببية، ولكن لكون الخاص لا يحذف إلا لدليل، وقدر بعضهم ذلك ليعلموا أن الله إلخ {هُو الحقّ} الثابت وحده ثبوتاً لا يحصل لغيره، لا شاركه أحد فى فعل، ولا فى قول فهو القادر على البعث، كما لا ينكره من عرف الولادة والنبات إلا عناداً أو إهمالا لعقله {وأنَّه يُحْيى المَوْتى} شأنه تكرير إحياء الأشياء الموتى كالأرض الميتة والنطفة والأطوار بعدها. وعزير وحماره وغيرهما، كما فى قوله تعالى: "أية : ثم أحياهم" تفسير : [البقرة: 243] وكيف لا يقدر على إحياء الموتى يوم القيامة {وأنه على كُلِّ شىءٍ قَدِير} قدرة بليغة، إذ لم يقل قادر، وفيه مناسبة الفواصل كما قدم على كل للفاصلة، وإبراز تعميم القدرة.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} كلام مستأنف جيء به إثر تحقيق حقية البعث وإقامة البرهان عليه على أتم وجه لبيان أن ما ذكر من خلق الإنسان على أطوار مختلفة وتصريفه في أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد موتها الكاشف عن حقية ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية وأن ما ينكرونه من إتيان الساعة والبعث من أسباب تلك الآثار العجيبة المعلومة لهم ومبادي صدورها عنه تعالى، وفيه من الإيذان بقوة الدليل وأصالة المدلول في التحقق وإظهار بطلان إنكاره ما لا يخفى فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم بتحقق المسبب مما يقضي ببطلانه بديهة العقول فذلك إشارة إلى خلق الإنسان على أطوار مختلفة وما معه الإفراد باعتبار المذكور وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الكمال وهو / مبتدأ خبره الجار والمجرور، والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق ثبوته لا محالة لكونه لذاته لا الثابت مطلقاً فوجه الحصر ظاهر أي ما ذكر من الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء. {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} أي شأنه وعادته تعالى شأنه إحياء الموتى، وحاصله أنه تعالى قادر على إحيائها بدءاً وإعادة وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرة بعد مرة وما تفيده صيغة المضارع من التجدد إنما هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار نفسها لأن القدم الشخصي ينافي ذلك. {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} أي مبالغ في القدرة وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة للحصر التي من جملتها ما ذكر، وتخصيص إحياء الموتى بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع والدفع في نحو المنكرين، وتقديمه لإبراز الاعتناء به.

ابن عاشور

تفسير : فذلكة لما تقدم، فالجملة تذييل. والإشارة بــــ {ذلك} إلى ما تقدم من أطوار خلق الإنسان وفنائه، ومن إحياء الأرض بعد موتها وانبثاق النبت منها. وإفراد حرف الخطاب المقترن باسم الإشارة لإرادة مخاطب غير معيّن على نسق قوله {أية : وترى الأرض هامدة}تفسير : [الحج: 5] على أن اتصال اسم الإشارة بكاف خطاب الواحد هو الأصل. والمجرور خبر عن اسم الإشارة، أي ذلك حصل بسبب أن الله هو الحق الخ... والباء للسببية فالمعنى: تَكوّن ذلك الخلق من تراب وتطَور، وتكوّن إنزال الماء على الأرض الهامدة والنبات البهيج بسبب أنّ الله هو الإله الحق دون غيره. ويجوز أن تكون الباء للملابسة، أي كان ذلك الخلق وذلك الإنبات البهيج ملابساً لحقيّة إلهيّة الله. وهذه الملابسة ملابسة الدليل لمدلوله، وهذا أرشق من حمل الباء على معنى السببية وهو أجمع لوجوه الاستدلال. والحق: الثابت الذي لا مراء فيه، أي هو الموجود. والقصر إضافي، أي دون غيره من معبوداتكم فإنها لا وجود لها، قال تعالى: {أية : إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}تفسير : [الحج: 23] وهذا الاستدلال هو أصل بقية الأدلة لأنه نقضٌ للشرك الذي هو الأصل لجميع ضلالات أهله كما قال تعالى: {أية : إنما النسيء زيادة في الكفر}تفسير : [التوبة: 37]. وأما بقية الأمور المذكورة بعد قوله {ذلك بأن الله هو الحق}، فهي لبيان إمكان البعث. ووجه كون هذه الأمور الخمسة المعدودة في هذه الآية ملابسة لأحوال خلق الإنسان وأحوال إحياء الأرض أن تلك الأحوال دالة على هذه الأمور الخمسة: إما بدلالة المسبب على السبب بالنسبة إلى وجود الله وإلى ثبوت قدرته على كل شيء، وإما بدلالة التمثيل على الممثَّل والواقعِ على إمكان نظيره الذي لم يقع بالنسبة إلى إحياء الله الموتى، ومجيء الساعة، والبعثِ. وإذا تبين إمكان ذلك حق التصديق بوقوعه لأنهم لم يكن بينهم وبين التصديق به حائل إلا ظنهم استحالته، فالذي قدر على خلق الإنسان عن عدم سابق قادر على إعادته بعد اضمحلاله الطارىء على وجوده الأحْرَى، بطريقة. والذي خلق الأحياء بعد أن لم تكن فيها حياةٌ يمكنه فعل الحياة فيها أو في بقيّة آثارها أو خلق أجسام مماثلة لها وإيداع أرواحها فيها بالأولى. وإذا كان كذلك علم أن ساعة فناء هذا العالم واقعة قياساً على انعدام المخلوقات بعد تكوينها، وعُلم أن الله يعيدها قياساً على إيجاد النسل وانعدام أصله الحاصل للمشركين في وقوع الساعة منزّل منزلة العدم لانتفاء استناده إلى دليل. وصيغة نفي الجنس على سبيل التنصيص صيغة تأكيد، لأن (لاَ) النافية للجنس في مقام النفي بمنزلة (إنّ) في مقام الإثبات ولذلك حملت عليها في العمل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} إلى قوله {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 6، 7- ذلك الذى تقدم من خلْق الإنسان وإنبْات الزرع شاهد بأن الله هو الإله الحق، وأنه الذى يحيى الموتى عند بعثهم كما بدأهم، وأنه القادر على كل شئ، وأنَّ القيامة آتية لا شك فيها تحقيقاً لوعده، وأن الله يحيى من فى القبور ببعثهم للحساب والجزاء. 8- ومع ما تقدم، فبعض الناس يُجادل فى الله وقدرته، وينكر البعث على غير أساس علمى أو إلهام صادق، أو كتاب مُنَزَّل من الله يستبصر به. فجداله لمجرد الهوى والعناد. 9- وهو مع ذلك يلوى جانبه تكبّراً وإعراضاً عن قبول الحق. وهذا الصنف من الناس سيصيبه خزى وهوان فى الدنيا بنصر كلمة الحق، ويوم القيامة يعذبه الله بالنار المحرقة. 10- ويقال له: ذلك الذى تَلْقاه من خزى وعذاب إنما كان بسبب افترائك وتكبرك، لأن الله عادل لا يظلم، ولا يُسَوِّى بين المؤمن والكافر، والصالح والفاجر، بل يجازى كلاً منهم بعمله. 11- ومن الناس صنف ثالث لم يتمكن الإيمان من قلبه، بل هو مزعزع العقيدة، تتحكم مصالحه فى إيمانه، إن أصابه خير فرح به واطمأن، وإن أصابته شدة فى نفسه أو ماله أو ولده ارتد إلى الكفر، فخسر فى الدنيا راحة الاطمئنان إلى قضاء الله ونصره، كما خسر فى الآخرة النعيم الذى وعده الله للمؤمنين الثابتين الصابرين، ذلك الخسران المزدوج هو الخسران الحقيقى الواضح.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُحْيِـي} (6) - وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَبْدَأَ خَلْقِ الإِنْسَانِ مِنْ تُرابٍ، وَتَطَوُّرَ الجَنِيْنِ فِي مَرَاحِلِ تَكَوُّنِهِ، وَتَطَوُّرَ الطِفْلِ فِي مَرَاحِلِ حَيَاتِهِ، وَانْبِعَاثَ الحَيَاةِ فِي الأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَهُمُودِهَا، لِيَدُلَّ النَّاسَ عَلَى أَنَّ الذي فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ الحَقُّ الذي لاَ شَكَ فِيهِ، وأنَّ مَا يَعْبُدُوْنَ مِنْ دُونِهِ بَاطِلٌ، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ المُطَّرِدَةِ فَلاَ تَخْتَلِفُ وَلاَ تَتَخَلَّفُ. فَكَمَا أَحْيَا اللهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، بَإِنْزَالِ المَطَرِ عَلَيْهَا، وَأَنْبَتَ فِيهَا الزُّرُوعَ والنَّبَاتَ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن ما حدث في خَلْق الإنسان تكويناً، وما حدث في إنبات الزرع تكويناً ونماءً، يردُّ هذا كله إلى أن الله تعالى {هُوَ ٱلْحَقُّ ..} [الحج: 6] فلماذا أتى بالحق ولم يقُلْ الخالق؟ قالوا: لأن الخالق قد يخلق شيئاً ثم يتخلى عنه، أمّا الله - سبحانه وتعالى - فهو الخالق الحق، ومعنى الحق أي: الثابت الذي لا يتغير، كذلك عطاؤه لا يتغير، فسوف يظل سبحانه خالقاً يعطيك كل يوم؛ لأن عطاءه سبحانه دائم لا ينفد. وإذا نظرتَ إلى الوجود كله لوجدته دورة مكررة، فالله عز وجل قد خلق الأرض وقدَّر فيها أقواتها، فمثلاً كمية الماء التي خلقها الله في الكون هي هي لم تَزِدْ ولم تنقص؛ لأن للماء دورة في الحياة، فالماء الذي تشربه طوال حياتك لا يُنقص في كمية الماء الموجودة؛ لأنه سيخرج منك على صورة فضلات ليعود في دورة الماء في الكون من جديد. وهكذا في الطعام الذي تأكله، وفي الوردة الجميلة الطرية التي نقطفها، كل ما في الوجود له دورة يدور فيها، وهذا معنى: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10]. فمعنى: {ٱلْحَقُّ ..} [الحج: 6] هنا الثابت الذي لا يتغير في الخَلْق وفي العطاء. فلا تظن أن عطاء الله لك شيء جديد، إنما هو عطاء قديم يتكرر لك ولغيرك. ثم يقول تعالى: {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الحج: 6] كما قُلْنا في الآية السابقة: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ..} [الحج: 5] أي: ساكنة لا حياةَ فيها، والله وحده القادر على إحيائها؛ لذلك نجد علماء الفقه يُسمُّون الأرض التي نصلحها للزراعة (إحياء الموات) فالله تعالى هو القادر وحده على إحياء كل ميت؛ لذلك يقول بعدها: {وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6] وما دام الأمر كذلك وما دُمْتم تشاهدون آية إحياء الموات في الأرض الميتة فلا تنكروا البعث وإعادتكم بعد الموت. فيقول تعالى: {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفيه أنموذج من البعث، وذلك لعلموا {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} [الحج: 6] في الإلهية {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} [الحج: 6] كما أحيى ميتة الأرض الهامدة، وأنه على كل شيء قدير {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} [الحج: 7] وهي أوان البعث {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} [الحج: 7] فيه إشارة إلى: إنه تعالى باعث كل [مقبور] مقدر له بالخروج من قبور العدم. ثم أخبر عن حرج ضلال أهل الجدال بقوله تعالى: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى} [الحج: 8] يشير إلى أن من الذاكرين من يجادل في معرفة الله، ودفع الشبهة، وبيان الطريق إلى الله تعالى بالعلم بالله عز وجل، وهدى بنبيه صلى الله عليه وسلم ويشاهد نص {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8] يظهر بنوره الحق من الباطل، فهو محمود كما أن جدال المنافق والمرائي، وأهل الأهواء والبدع المتكبر {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحج: 9] عن الحق فيضل {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الحج: 9] في عاقبة أمره، ويضل الخلق بالشبهات والتمويهات مذموم {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج: 9] عند أهل البصيرة. وبقوله تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الحج: 9] يشير إلى أن الأهواء والبدع {أية : مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الفرقان: 43] من أهل المعاصي عذاب الحريق في الدنيا بناء الشهوات وعقائد السوء، ولكنه نائم بنوم القطيعة لا يذوق ألم الحرقة، فإذا مات انتبه ويذيقه الله ألم عذاب الحريق، ويقول الله تعالى: الغافل الساهي ذلك بما قدَّمت يداك تتبع الشهوات، أو استيفاء اللذات وأكل الحرام كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10]، وقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حفت النار بالشهوات" {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [آل عمران: 182] بل العبيد ظلاَّمون لأنفسهم كما قال الله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40] بأن يضعوا العبادة والطلب في غير موضعه.