٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : القراءة: {ثَانِيَ عِطْفِهِ } بكسر العين الحسن وحده بفتح العين {لِيُضِلَّ } قرىء بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة {وَنُذِيقُهُ } بالنون وقرأ زيد بن علي أذيقه، المعاني في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن المراد بقوله: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } تفسير : [الحج: 3] من هم؟ على وجوه: أحدها: قال أبو مسلم الآية الأولى وهي قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ويتبع كل شيطان مريد واردة في الأتباع المقلدين وهذه الآية واردة في المتبوعين المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوعاً وبين ذلك قوله: {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة، فإن قيل: كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً؟ قلنا قد يجادل تصويباً لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد وثانيها: أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث، وهذه الآية في أبي جهل وثالثها: أن هذه الآية نزلت أيضاً في النضر وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وفائدة التكرير المبالغة في الذم وأيضاً ذكر في الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليداً بغير حجة، وفي الثانية مجادلته في الدين وإضلاله غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم. المسألة الثانية: الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن على ما مر تقريره. المسألة الثالثة: المراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله: { أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الحج: 71] وقوله: {أية : ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ هَـٰذَا } تفسير : [الأحقاف: 4] أما قوله: {ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ولي الجيد وقوله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. وأما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح حاله في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فيوم بدر روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما نزلت في النضر بن الحرث وأنه قتل يوم بدر، وأما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزي في الدنيا ما أمر المؤمنون بذمه ولعنه ومجاهدته وأما في الآخرة فقوله: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } ثم بين تعالى أن هذا الخزي المعجل وذلك العقاب المؤجل لأجل ما قدمت يداه، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب: الأول: دلت الآية على أنه إنما وقع في ذلك العقاب بسبب عمله وفعله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى استحال منه أن ينفك عنه، وحينما لا يخلقه الله تعالى استحال منه أن يتصف به، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك على خلاف النص. الثاني: أن قوله بعد ذلك {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } دليل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلاً استحق به ذلك العقاب وذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم. الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النظام، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة. الرابع: وهو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن عندهم صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم موقوفة على نفي الظلم فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور والجواب: عن الكل المعارضة بالعلم والداعي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } أي نيّر بيّن الحجة. نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في أبي جهل بن هشام؛ قاله ابن عباس. والمُعْظم على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما في فريق واحد، والتكرير للمبالغة في الذم؛ كما تقول للرجل تذمّه وتوبّخه: أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة؛ فكأنه قال: إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبّع كلّ شيطان مريد، والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هُدًى وكتاب منير؛ لِيُضل عن سبيل الله. وهو كقولك: زيد يشتمني وزيد يضربني؛ وهو تكرار مفيد؛ قاله القشيريّ. وقد قيل: نزلت فيه بضعَ عشرة آية. فالمراد بالآية الأولى إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوّة، وأن القرآن منزل من جهة الله. وقد قيل: كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله، وهذا جِدال في الله تعالى. «مَنْ» في موضع رفع بالابتداء. والخبر في قوله: «ومِنَ الناسِ». {ثَانِيَ عِطْفِهِ} نصب على الحال. ويتأوّل على معنيين: أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: هو النضر بن الحارث، لَوَى عنقه مَرَحاً وتعظُّماً. والمعنى الآخر: وهو قول الفراء ـ أن التقدير: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عِطْفه، أي مُعْرِضاً عن الذّكر؛ ذكره النحاس. وقال مجاهد وقتادة: لاوِياً عنقه كفراً. ابن عباس: مُعْرِضاً عما يُدْعَى إليه كفراً. والمعنى واحد. وروى الأوزاعيّ عن مَخْلد بن حسين عن هشام بن حسان عن ابن عباس في قوله عز وجل: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال: هو صاحب البدعة. المبرّد: العِطْف ما انثنى من العنق. وقال المفضّل: والعطف الجانب؛ ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه، أي في جوانبه. وعِطْفَا الرجل من لَدُنْ رأسه إلى وَرِكَيْه. وكذلك عِطْفَا كلّ شيء جانباه. ويقال: ثَنَى فلان عني عِطفه إذا أعرض عنك. فالمعنى: أي هو معرض عن الحق في جِدَاله ومُوَلٍّ عن النظر في كلامه؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} تفسير : [لقمان: 7]. وقوله تعالى: {أية : لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} تفسير : [المنافقون: 5]. وقوله: {أية : أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تفسير : [الإسراء: 83]. وقوله: {أية : ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ} تفسير : [القيامة: 33]. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن طاعة الله تعالى. وقرىء «لِيَضِل» بفتح الياء. واللام لام العاقبة؛ أي يجادل فيضل؛ كقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 28] أي فكان لهم كذلك. ونظيره {أية : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُواْ} تفسير : [النحل: 54 ـ 55]. {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي هوان وذلّ بما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة؛ كما قال: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } تفسير : [القلم: 10]الآية. وقوله تعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } تفسير : [المسد: 1]. وقيل: الخزي هاهنا القتل؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قتل النضر بن الحارث يوم بدر صَبْراً؛ كما تقدّم في آخر الأنفال. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي نار جهنم. {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر. وعبّر باليد عن الجملة؛ لأن اليد التي تفعل وتبطِش للجملة. و«ذلِك» بمعنى هذا، كما تقدّم في أوّل البقرة.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة بقوله: {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } على أنه لا سند له عن استدلال أو وحي، أو الأول في المقلدين وهذا في المقلدين، والمراد بالعلم العلم الفطري ليصح عطف الـ {هُدًى} والـ {كتاب عليه}.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ} ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع فقال: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ} أي: بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى. وقوله: {ثَانِىَ عِطْفِهِ} قال ابن عباس وغيره: مستكبراً عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: {ثَانِىَ عِطْفِهِ} أي: لاوي عنقه، وهي رقبته، يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استكباراً؛ كقوله تعالى: {أية : وَفِى مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }تفسير : [الذاريات: 38 - 39] الآية، وقال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} تفسير : [النساء: 61] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [المنافقون: 5] وقال لقمان لابنه: {أية : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} تفسير : [لقمان: 18] أي: تميله عنهم استكباراً عليهم، وقال تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [لقمان: 7] الآية. وقوله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قدلا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل. ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين، أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا، إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله. ثم قال تعالى: {لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله، لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي: يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} كقوله تعالى: {أية : خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيم ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تفسير : [الدخان: 47 - 50]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في أبي جهل {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى } معه {وَلاَ كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ } له نورٌ معه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِي ٱللَّهِ } أي في شأن الله، كقول من قال: إن الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله. قيل: نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في أبي جهل. وقيل: هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدلّ عليه اللفظ وإن كان السبب خاصاً. ومعنى اللفظ: ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة، و {بِغَيْرِ عِلْمٍ } في محل نصب على الحال، أي كائناً بغير علم. قيل: والمراد بالعلم هو: العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي. والأولى حمل العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغوي، وهو: الإرشاد. والمراد بالكتاب المنير هو: القرآن، والمنير: النير البين الحجة الواضح البرهان، وهو وإن دخل تحت قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر عند ذكر الملائكة، وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم. وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي، فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل العقلي ضرورياً كان أو استدلالياً، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه، وما ذكرناه أولى. قيل: والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى، أعني قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } تفسير : [الحج: 3] وبذلك قال كثير من المفسرين. والتكرير للمبالغة في الذمّ كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا؟ ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى، فكأنه قال: ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كلّ شيطان مريد بغير علم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ ليضل عن سبيل الله. وقيل: الآية الأولى في المقلدين اسم فاعل. والثانية في المقلدين اسم مفعول. ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال: إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم، والثانية عامة في كلّ إضلال وجدال. وانتصاب {ثَانِيَ عِطْفِهِ } على الحال من فاعل يجادل، والعطف: الجانب، وعطفا الرجل: جانباه من يمين وشمال، وفي تفسيره وجهان: الأوّل: أن المراد به من يلوي عنقه مرحاً وتكبراً، ذكر معناه الزجاج. قال: وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبراً. قال المبرد: العطف ما انثنى من العنق. والوجه الثاني: أن المراد بقوله: {ثَانِيَ عِطْفِهِ }: الإعراض، أي معرضاً عن الذكر، كذا قال الفراء والمفضل وغيرهما كقوله تعالى: {أية : وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } تفسير : [لقمان: 7]، وقوله: {أية : لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ }تفسير : [المنافقون: 5]، وقوله: {أية : أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } تفسير : [الإسراء: 83]، واللام في {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } متعلق بـ {يجادل} أي إن غرضه هو الإضلال عن السبيل وإن لم يعترف بذلك. وقرىء: "ليضلّ" بفتح الياء على أن تكون اللام هي لام العاقبة كأنه جعل ضلاله غاية لجداله، وجملة: {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} مستأنفة مبينة لما يحصل له بسبب جداله من العقوبة. والخزي: الذل، وذلك بما يناله من العقوبة في الدنيا من العذاب المعجل وسوء الذكر على ألسن الناس. وقيل: الخزي الدنيوي هو: القتل، كما وقع في يوم بدر {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي عذاب النار المحرقة. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من العذاب الدنيوي والأخروي، وهو مبتدأ خبره: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}، والباء للسببية، أي ذلك العذاب النازل بك بسبب ما قدّمته يداك من الكفر والمعاصي، وعبر باليد عن جملة البدن لكون مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب، ومحل أن وما بعدها في قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أنه سبحانه لا يعذب عباده بغير ذنب. وقد مرّ الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا نعيده. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } هذا بيان لشقاق أهل الشقاق. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: الحرف: الشك، وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، مثل حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقرّ، والذي يعبد الله على حرف قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب اضطراباً ويضعف قيامه فقيل للشاكّ في دينه: إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه على غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن؛ لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن على حرف. وقيل: الحرف: الشرط، أي ومن الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو قوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ } أي خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال، ومعنى {اطمأنّ به}: ثبت على دينه واستمرّ على عبادته، أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله أو ماله أو نفسه {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي ارتدّ ورجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، ثم بيّن حاله بعد انقلابه على وجهه فقال: {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةَ } أي ذهبا منه وفقدهما، فلا حظ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر وما أعدّه الله للصالحين من عباده. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس، والأعرج، والزهري، وابن أبي إسحاق: "خاسرا الدنيا والآخرة" على صيغة اسم الفاعل منصوباً على الحال. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى خسران الدنيا والآخرة وهو مبتدأ وخبره {هُوَ ٱلْخُسْرانُ ٱلْمُبِينُ } أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } أي هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر {يدعو من دون الله} أي يعبد متجاوزاً عبادة الله إلى عبادة الأصنام {ما لا يضرّه} إن ترك عبادته، {ولا ينفعه} إن عبده لكون ذلك المعبود جماداً لا يقدر على ضرّ ولا نفع، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الدعاء المفهوم من الفعل وهو يدعو، واسم الإشارة مبتدأ وخبره: {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } أي عن الحق والرشد، مستعار من ضلال من سلك غير الطريق فصار بضلاله بعيداً عنها. قال الفراء: البعيد: الطويل. {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } يدعو بمعنى: يقول، والجملة مقرّرة لما قبلها من كون ذلك الدعاء ضلالاً بعيداً. والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها؛ لأنه دخل النار بسبب عبادتها. وإيراد صيغة التفضيل مع عدم النفع بالمرّة للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي، أو ذلك من باب {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24] واللام هي: الموطئة للقسم، ومن موصولة أو موصوفة، و{ضرّه} مبتدأ خبره أقرب، والجملة صلة الموصول. وجملة: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ } جواب القسم. والمعنى: أنه يقول ذلك الكافر يوم القيامة لمعبوده الذي ضرّه أقرب من نفعه: لبئس المولى ولبئس العشير. والمولى الناصر، والعشير: الصاحب، ومثل ما في هذه الآية قول عنترة:شعر : يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم تفسير : وقال الزجاج: يجوز أن يكون {يدعو} في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة، أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، وعلى هذا يوقف على {يدعو}، ويكون قوله: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } كلاماً مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره {لبئس المولى}. قال: وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أوّل الكلام. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن يكون {يدعو} مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، أي يدعو ما لا يضرّه ولا ينفعه يدعو، مثل ضربت زيداً ضربت. وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم، واللام مقدّمة على موضعها، والتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، فمن في موضع نصب بـ {يدعو}، واللام جواب القسم و{ضرّه} مبتدأ، و{أقرب} خبره، ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير قول الشاعر:شعر : خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا تفسير : أي لخالي أنت. قال النحاس: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف، والمعنى: يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلٰهاً. قال النحاس: وأحسب هذا القول غلطاً عن محمد بن يزيد، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه لا يعمل فيما بعدها. وقال الفراء أيضاً والقفال اللام صلة، أي زائدة، والمعنى: يدعو من ضرّه أقرب من نفعه، أي يعبده، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام، وتكون اللام في: {لبئس المولى} وفي: {لبئس العشير} على هذا موطئة للقسم. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } لما فرغ من ذكر حال المشركين، ومن يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة، وأخبر أنه يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة، وقد تقدّم الكلام في جري الأنهار من تحت الجنات، وبيّنا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر؛ وإن أريد بها الأرض فلا بدّ من تقدير مضاف، أي من تحت أشجارها {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي يفعل ما يريده من الأفعال {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}. فيثيب من يشاء ويعذب من يشاء. {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } قال النحاس: من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء } أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء {ثُمَّ لْيَقْطَعْ } أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } وحيلته {مَا يَغِيظُ } من نصر النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظاً، ثم فسره بقوله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء } أي فليشدد حبلاً في سقف بيته {ثُمَّ لْيَقْطَعْ } أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً، والمعنى: فليختنق غيظاً حتى يموت، فإن الله ناصره ومظهره، ولا ينفعه غيظه، ومعنى {فلينظر هل يذهبن كيده} أي صنيعه وحيلته ما يغيظ، أي غيظه، و"ما" مصدرية. وقيل: إن الضمير في: {ينصره} يعود إلى من، والمعنى: من كان يظنّ أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه، وبه قال أبو عبيدة. وقيل: إن الضمير يعود إلى الدين، أي من كان يظنّ أن لن ينصر الله دينه. وقرأ الكوفيون بإسكان اللام في "ثم ليقطع". قال النحاس: وهذه القراءة بعيدة من العربية. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } أي: مثل ذلك الإنزال البديع أنزلناه آيات واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ } هدايته ابتداء أو زيادة فيها لمن كان مهدياً من قبل. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ثَانِيَ عِطْفِهِ } قال: لاوي عنقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسديّ وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {ثَانِيَ عِطْفِهِ } قال: أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: هو رجل من بني عبد الدار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه {ثَانِيَ عِطْفِهِ } قال: مستكبراً في نفسه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه بسند صحيح قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً نحوه، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن مردويه أيضاً من طريقه أيضاً عن أبي سعيد قال: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني أقلني، قال: "حديث : إن الإسلام لا يقال"تفسير : ، فقال: لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال: "حديث : يا يهوديّ، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة"تفسير : ، فنزلت {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ } قال: من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا والآخرة {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ } قال: فليربط بحبل {إِلَى ٱلسَّمَاء } قال: إلى سماء بيته السقف {ثُمَّ لْيَقْطَعْ } قال: ثم يختنق به حتى يموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه قال: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ } يقول: أن لن يرزقه الله {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء } فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } قال: فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... ثَانِيَ عِطْفِهِ} فيه وجهان: أحدهما: لاَوِي عنقه إعراضاً عن الله ورسوله، وهذا قول مجاهد، وقتادة. الثاني: معناه لاَوِي عنقه كِبْرا عن الإِجابة، وهذا قول ابن عباس. قال المفضل: والعِطف الجانب، ومنه قولهم فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه. قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث. {لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: تكذيبه للرسول وإعراضه عن أقواله. والثاني: فإذا أراد أحد من قومه الدخول في الإسلام أحضره وأقامه وشرط له وعاتبه وقال: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد، حكاه الضحاك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ...} الآية, الإشارة بقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} إلى القوم الذين تقدَّمَ ذكرُهُم، وكَرَّرَ هذه الآية؛ على جهة التوبيخ فكأنه يقول: فهذه الأمثال في غاية الوضوح، ومِنَ الناس مع ذلك مَنْ يجادل، و {ثَانِيَ}: حال من الضمير في {يُجَـٰدِلُ}. وقوله: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ؛ قاله ابنُ عباس وغيرُه؛ وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على: «يداك» فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ اللّه، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ. وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أَنَّ اللّه ليس بظلاَّمٍ للعبيد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية، جعل ابن عطية هذه الواو للحال، فقال: وكأنه يقول هذه الأمثال في غاية الوضوح، ومن الناس مع ذلك من يجادل (فكان الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف. قال أبو حيان: ولا يتخيل أن الواو في {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ}) واو حال، وعلى تقدير الجملة التي قدرها قبله لو كان مصرحاً بها فلا تتقدر بـ (إذ)، فلا تكون للحال، وإنما هي للعطف. قال شهاب الدين: ومنعه من تقديرها بـ (إذ) فيه نظر، إذ لو قدر لم يلزم منه محذور. قوله: "بِغَيْرِ عِلْم" يجوز أن يتعلق بـ "يُجَادِل"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل "يُجَادِلُ" أي: يجادل ملتبساً بغير علم، أي: جاهلاً. قوله: "ثَانِيَ عِطْفِه": حال من فاعل "يُجَادِل" أي: مُعْرِضاً، وهي إضافة لفظية نحو "مُمْطِرُنَا". والعامة على كسر العين، وهو الجانب كني به عن التكبر. والحسن بفتح العين، وهو مصدر بمعنى التعطف، وصفه بالقسوة. قوله: "لِيُضلَّ" متعلق إما بـ "يُجَادِلُ"، وإما بـ "ثاني عِطْفِه" وقرأ العامة بضم الياء في "يُضِلّ" والمفعول محذوف أي: ليضل غيره. وقرأ مجاهد وأبو عمرو في رواية بفتحها، أي: ليضل هو في نفسه. قوله: {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً مقارنة أي: مستحقاً ذلك، وأن تكون حالاً مقدرة، وأن تكون مستأنفة. وقرأ زيد بن علي "وأُذِيْقُه" بهمزة المتكلم، و"عَذَابَ الحَرِيْق" يجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته إذ الأصل العذاب الحريق أي: المحرق كالسميع بمعنى المسمع. فصل قال أبو مسلم: الآية الأولى واردة في الأتباع المقلدين، وهذه الآية واردة في المتبعة عن المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوع، وبين ذلك قوله: {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة. فإن قيل: كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً؟ قلنا: يجادل تصويباً لتقليده، وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد. وقيل: إن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحارث، وهو قول ابن عباس وفائدة التكرير المبالغة في الذم، وأيضاً: قد ذكر في الآية الأولى اتباعه تقليداً بغير حجة، (وفي الثانية مجادلته في الدين، وإضلاله غيره بغير حجة). والأول أقرب لما تقدم. ودلت الآية على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب حق حسن. والمراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر؛ لأنه يهدي إلى المعرفة، وبالكتاب المنير الوحي. والمعنى يجادل من غير مقدمة ضرورية، ولا نظريَّة ولا سمعيَّة فهو كقوله تعالى: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الحج: 71] ثم قال {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ثني العطف عبارة عن التكبر والخيلاء قال مجاهد وقتادة: لاوي عنقه. وقال عطية وابن زيد: معرضاً عما يدعى إليه تكبراً. والعطف الجانب وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي: يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً} تفسير : [لقمان: 7] وقوله {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} تفسير : [المنافقون: 5]. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} فمن ضم الياء فمعناه: ليضل غيره عن طريق الحق، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. ومن فتح الياء فالمعنى: ليضل هو عن دين الله. {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر، وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} ويقال له: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} والكلام في قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [الحج: 6] كالكلام في قوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ} وكذا قوله "وأنَّ اللَّهَ" يجوز عطفه على السبب، ويجوز أن يكون التقدير والأمر أن الله، فيكون منقطعاً عما قبله. قوله: "ظَلاَّم" مثال مبالغة. فإن قيل: إذا قلت: إن زيداً ليس بظلام لا يلزم منه نفي أصل الظلم، فإن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. فالجواب: أن المبالغة إنما جيء بها لتكثير محلها فإن العبيد جمع، وأحسن من هذا أن فَعَّالاً هنا للنسب أي: بذي ظلم لا للمبالغة. فصل قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مطالب: الأول: دلت على أن العبد إنما وقع في ذلك العذاب بسبب عمله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حين خلقه استحال منه أن لا يتصف به فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله، فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك خلاف النص. الثاني: أن قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} يدل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب، وهذا يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال لكفر آبائهم. الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النَّظَّام، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة. الرابع: أنه لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم، لأن عندهم صحة نبوة النبي - عليه السلام - موقوفة على نفي الظلم، فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور. وأجاب ابن الخطيب عن الكلّ بالمعارضة بالعلم والداعي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} قال: يضاعف الشيء وهو واحد. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ثاني عطفه} قال: هو المعرض من العظمة، إنما ينظر في جانب واحد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ثاني عطفه} قال: لاوي رأسه معرضاً مولياً لا يريد أن يسمع ما قيل له. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ثاني عطفه} قال: لاوي عنقه. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ثاني عطفه} قال: يعرض عن الحق {له في الدنيا خزي} قال: قتل يوم بدر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ثاني عطفه} أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ثاني عطفه} قال: هو رجل من بني عبد الدار. قلت: شيبة؟ قال: لا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثاني عطفه} يقول: يعرض عن ذكري. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثاني عطفه} قال: متكبراً في نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: بلغني أن أحدهم يُحْرَق في اليوم سبعين ألف مرة.
ابو السعود
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ} هو أبُو جهلٍ بنُ هشامٍ حسبَما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما، وقيل: هُو من يتصدَّى لإضلالِ النَّاسِ وإغوائِهم كائناً مَن كان كما أنَّ الأولَ من يُقلدهم على أنَّ الشَّيطانَ عبارةٌ عن المضلِّ المُغوي على الإطلاقِ {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلِّق بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضميرِ يجادلُ أي كائناً بغيرِ علمٍ والمرادُ العلمُ الضَّروريُّ كما أنَّ المرادَ بالهُدى في قوله تعالى: {وَلاَ هُدًى} هو الاستدلالُ والنَّظرُ الصَّحيحُ الهادي إلى المعرفةِ {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ} وحي مظهرٍ للحقِّ أي يجادل في شأنِه تعالى من غير تمسُّكٍ بمقدِّمةٍ ضروريةٍ ولا بحجَّةٍ نظريةٍ ولا ببرهانٍ سمعيَ كما في قوله تعالى: { أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الحج: 71] وأما ما قيلَ من أنَّ المرادَ به المجادلُ الأوَّلُ والتَّكريرُ للتَّأكيدِ والتَّمهيدِ لما بعدَهُ من بـيانِ أنَّه لا سندَ له من استدلالٍ أو وحيٍ فلا يُساعدُه النَّظمُ الكريمُ، كيفَ لا وإنَّ وصفَه باتِّباعِ كلِّ شيطانٍ موصوفٍ بما ذُكر يُغني عن وصفِه بالعراءِ عن الدَّليلِ العقليِّ والسِّمعيِّ. {ثَانِىَ عِطْفِهِ} حالٌ أخرى من فاعلِ يُجادل أي عاطفاً لجانبه وطاوياً كَشْحَه مُعرضاً متكبِّراً فإنَّ ثنْيَ العطفِ كنايةٌ عن التَّكبُّرِ. وقُرىء بفتحِ العينِ أي مانعاً لتعطُّفِه. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} متعلِّقٌ بـيجادلُ فإنَّ غرضَه الإضلالُ عنه وإن لم يعترفْ بأنَّه إضلالٌ. والمرادُ به إمَّا الإخراجُ من الهُدى إلى الضَّلالِ فالمفعولُ مَن يُجادلُه من المؤمنينَ أَو النَّاس جميعاً بتغليب المؤمنين على غيرِهم وإمَّا التَّثبـيتُ على الضَّلالِ أو الزِّيادةُ عليه مجازاً فالمفعولُ هم الكفرةُ خاصَّةً. وقُرىء بفتح الياءِ وجُعل ضلالُه غايةً لجدالِه من حيثُ إنَّ المرادَ به الضَّلالُ المبـينُ الذي لا هدايةَ له بعدَهُ مع تمكُّنِه منها قبلَ ذلك {لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} جملةٌ مستأنفةٌ مسُوقةٌ لبـيانِ نتيجةِ ما سلكَه من الطَّريقةِ أي يثبُت له في الدُّنيا بسببِ ما فعله خزيٌ وهُو ما أصابَه يومَ بدرٍ من القتلِ والصَّغَارِ {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي النَّارِ المُحرقةَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}[8] أي يخاصم في الدين بالهوى والقياس دون الاقتداء، فعند ذلك يضل الناس ويبتدع.
القشيري
تفسير : دليل الخطاب يقتضي جواز المجادلة في الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيِّه:{أية : وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] ومَنْ لم يُحْسِنْ مذهبَ الخَصْمِ وما يتعلق به من الشُبَهِ لم يمكنه الانفصال عن شُبْهَتهِ، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يُسْتَحَبُّ له أن يجادل الأقوياء منهم، وهذا يدل على وجوب تعلُّم علم الأصول، وفي هذا ردٌّ على مَنْ جَحَدَ ذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس من} هو ابو جهل {يجادل في الله} حال كون ذلك المجادل {بغير علم} ضرورى او بديهى فطرى {ولا هدى} استدلال ونظر صحيح هاد الى المعرفة، قال الكاشفى [وبادليلى كه راه نمايد بمقصد] {ولا كتاب منير} وحى مظهر للحق، قال الكاشفى [وبى كتابى روشن كه بدان صواب ازخطا ظاهر كردد] اى يجادل فى شأنه تعالى من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة نظرية ولا ببرهان سمعى بل بمحض التقليد والجدال بغير هذه الامور الثلاثة شهادة على المجادل بافراطه فى الجهل فى الله ويستحيل عليه بانهماكه فى الغى والضلال.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يُجادل في الله} أي: في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل: هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنًا من كان. حال كونه {بغير علم}، بل بجهل وهوىً. والمراد بالعلم: الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله: {ولا هُدىً}: هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة. {ولا كتابٍ منير} أي: وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي: يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي. حال كونه {ثانِيَ عِطْفِه} أي: لاويًا عُنُقَهُ عن طاعة الله؛ كبرًا وعُتوًا، أو عاطفًا بجانبه، وطاويًا كَشْحَهُ، معرضًا متكبرًا، فثنْي العطف كناية عن التكبر. وقرأ الحسن بفتح العين، أي: مانعًا تعطفه على المساكين؛ قسوةً. فعل ذلك الجدال {ليضلَّ عن سبيل الله} أي: ليضل الناس عن سبيل الله؛ فإنَّ غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر: بفتح الياء، أي: ليصير ضالاً عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي: ليرسخ في الضلالة أيّ رسوخ، {له في الدنيا خِزيٌ}: هوان وذُل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيانُ نتيجةِ ما سلكه من الطريقة، أي: يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، {ونُذِيقه يومَ القيامة عذابَ الحريق} أي: النار المحرقة. {ذلك} أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البُعد؛ للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل {بما قدمتْ يداك} أي: بسبب ما اقترفْتَهُ من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه؛ لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات؛ لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد. أو يقال له يوم القيامة: {ذلك بما قدمت يداك وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد}، فلا يأخذ أحدًا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر، أي: والأمر أنَّ الله ليس بمعذبٍ لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على "بما" فغير سديد، ولفظ المبالغة؛ لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا. قاله النسفي. وقِيل: {ظلام}: بمعنى: ذي ظلم، فتكون الصيغة للنَّسَبِ. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعًا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلاً عن كونه ظلمًا بالغًا؛ لأن الحق تعالى إنما يُظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلمًا؛ لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم. الإشارة: من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدًا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرًا وعتوًا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت. ويوم القيامة يُحشر صاغرًا كالذر، كما في الحديث. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر حال المذبذبين بعد ذكر حال المجادلين
الجنابذي
تفسير : {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ} جملة حاليّة او مستأنفة او معطوفة على مقدّرٍ مثل سابقتها، وتكريرها للاستغراق بكلّ منهما من جهة غير جهة الاخرى فتكون كلّ لافادة معنى غير مفاد الاخرى {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}. اعلم، انّ الانسان ذو مراتب وادراكه فى كلّ مرتبة غير الادراك الّذى فى المرتبة الاخرى فانّه فى مقام نفسه المحتجبة عن المعانى الغيبيّة لا يكون ادراكه الاّ بصور المعلومات المغايرة للمعلومات المحتملة للمطابقة لها ولعدم المطابقة وفى هذه المرتبة تسمّى ادراكاته بالتّصوّر والاوهام والشّكوك والظّنون والعلوم العاديّة والتّقليديّة واليقينيّة ولكن فى عرف الشّرع تسمّى جملة تصديقاته الظّنيّة واليقينيّة بالظنّون لما تكرّر سابقاً انّ العلوم فى تلك المرتبة لمّا كانت مغايرة للمعلومات ومنفكّة عنها وجائزاً زوالها كالظّنون تسمّى ظنوناً، فان كان ادراكه بجولان نفسه وترتيب مقدّمات وفكر ونظر من نفسه يسمّى علماً برهانيّاً، وان كان بالتّسليم والاخذ من الغير يسمّى تقليديّاً، والتّقليد امّا يكون بالاستماع من المقلّد او بمشاهدة كتاب منه، والى الثّلاثة اشار بقوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}، وقدّم العلم لانّه اشرف من التّقليد من حيث نفسه وان كان التّقليد من حيث الخروج عن الانانيّة والتّسليم اشرف منه فانّ العلم الحصولى لا يخلو من شوب الانانيّة الّتى هى نحو من التّفرعن وادّعاء الآلهة، وادّى العبارة بالهدى والكتاب المنير للاشعار بانّ التّقليد ان كان ممّن يصحّ تقليده بان يكون مجازاً من الله ومعلوماً صدقه يصحّ التّوسّل به والاعتماد عليه فى التّكلّم والجدال، وامّا ان كان ممّن لا يصحّ تقليده من امثاله واقرانه ومن آبائه ومعلّميه فلا يجوز الاعتماد عليه، ويجوز ان يراد بالكتاب المنير العلم الشّهودىّ الحضورىّ الّذى يكون فى مرتبة القلب والرّوح لصاحب الشّهود والعيان فانّ المشهود فى تلك المرتبة كالمكتوب الحاضر فى صفحة عند النّفس فى الاعيان، وعلى هذا يكون الاقسام الثّلاثة بترتيب الاشرف فالاشرف.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تكرير للتأكيد ولما تعلق به من الدلالة على انه لاستداله من استدال او وحى بقوله * {وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} مزيل لظلمة الجهل والعلم والعلم الضروري بدليل عطف الهدى والكتاب عليه. وقيل: الاولى في (المقلِّدين) بكسر اللام والثانية في (المقلَّدين) بفتحها.
اطفيش
تفسير : {ومنَ النَّاس من يجادل فى الله} أى فى صفاته من القدرة ونحوها وأفعاله من نحو البعث {بغَيْر علمٍ} كرر الآية تأكيداً لذم المجادل وهو الأخنس بن شريق عند محمد بن كعب، وأبو جهل عند ابن عباس، والنضر عند جماعة قلت: أو كلهم أو كررت لأن فى كل ما ليس فى الآخر، ويتخلص عن التكرير بجعل الواو للحال من محذوف، أى أوضحنا الأمر، والحال أن من الناس من بقى على الجدال، أو بجعل هذه فى النضر وابى جهل والأخنس، والألى فى اتباعهم لقوله تعالى: "أية : ويتبع كل شيطان مريد" تفسير : [الحج: 3] والشيطان والأخنس، والمراد بالعلم العلم بلا نظر وكسب {ولا هُدًى} علم بنظر، واستدلال موصل الى العلم {ولا كتابٍ} موحى من الله {مُنيرٍ} موضح لما أبهم، وهو الحجة السمعية، فليسوا على ضرورى ولا كسبى ولا سمعى.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت على ما روي عن محمد بن كعب في الأخنس بن شريق؛ وعلى ما روي عن ابن عباس في أبـي جهل، وعلى ما ذهب إليه جمع في النضر كالآية السابقة فإذا اتحد المجادل في الآيتين فالتكرار مبالغة في الذم أو لكون كل من الآيتين مشتملة على زيادة ليست في الأخرى، وقال ابن عطية: كررت الآية على جهة التوبيخ فكأنه قيل هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل إلى آخره فالواو هنا واو الحال وفي الآية المتقدمة واو العطف عطفت جملة الكلام على ما قبلها على معنى الإخبار لا للتوبيخ انتهى، وهو كما ترى. وفي «الكشف» أن الأظهر في النظم والأوفق للمقام كون هذه الآية في المقلدين بفتح اللام وتلك في المقلدين بكسر اللام فالواو للعطف على الآية الأولى، والمراد بالعلم العلم الضروري كما أن المراد بالهدى في قوله تعالى: {وَلاَ هُدًى} الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى المعرفة {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ} وحي مظهر للحق أي يجادل في شأنه تعالى شأنه من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة ولا ببرهان سمعي.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث}تفسير : [الحج: 5] كما عطفت جملة {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} على جملة {أية : ياأيها الناس اتقوا ربكم}تفسير : [الحج: 1]. والمعنى: إن كنتم في ريب من وقوع البعث فإنا نزيل ريبكم بهذه الأدلة الساطعة، فالناسُ بعد ذلك فريقان: فريق يوقن بهذه الدلالة فلا يبقى في ريب، وفريق من الناس يجادل في الله بغير علم وهؤلاء هم أيّمة الشرك وزعماء الباطل. وجملة {أية : لا ريب فيها}تفسير : [الحج: 7] معترضة بين المتعاطفات، أي ليس الشأن أن يُرتاب فيها، فلذلك نفي جنس الريب فيها، أي فالريب. والمعنيُّ بهذه الآية هو المعنيُّ بقوله فيما مضى {أية : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}تفسير : [الحج: 3]، فيكون المراد فريق المعاندين المكابرين الذين يجادلون في الله بغير علم بعد أن بلغهم الإنذار من زلزلة الساعة، فهم كذلك يجادلون في الله بغير علم بعد أن وضحت لهم الأدلة على وقوع البعث. ودافِعُهم إلى الجدال في الله عند سماع الإنذار بالساعة عدمُ علمهم ما يجادلون فيه واتباعهم وسواس الشياطين. ودافعهم إلى الجدال في الله عند وضوح الأدلة على البعث علم علمهم ما يجادلون فيه، وانتفاء الهُدى، وانتفاء تلقي شريعة من قبل، والتكبر عن الاعتراف بالحجة، ومحبةُ إضلال الناس عن سبيل الله. فيؤول إلى معنى أن أحوال هؤلاء مختلفة وأصحابها فريق واحد هو فريق أهل الشرك والضلالة. ومن أساطين هذا الفريق من عدّوا في تفسير الآية الأولى مثلُ: النضْر بن الحارث، وأبي جهل، وأُبيّ بن خلف. وقيل: المراد من هذه الآية بمن يجادل في الله: النضر بن الحارث. كُرر الحديث عنه تبييناً لحالتي جداله، وقيل المراد بمن يجادل في هذه الآية أبو جهل، كما قيل: إن المراد في الآية الماضية النضر بن الحارث فجعلت الآية خاصة بسبب نزولها في نظر هذا القائل. وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل: هو الأخنَس بن شَريق. وتقدم معنى قوله {بغير علم} في نظير هذه الآية. وقيل المراد بــــ {أية : من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}تفسير : [الحج: 3] المقلدون ــــ بكسر اللام ــــ من المشركين الذين يتّبعون ما تمليه عليهم سادة الكفر، والمراد بــــ {من يجادل في الله بغير علم ولا هدى} المقلّدون ــــ بفتح اللام ــــ أئمة الكفر. والهدى مصدر في معنى المضاف إلى مفعوله، أي ولا هُدى هو مَهدِي به. وتلك مجادلة المقلّد إذا كان مقلداً هادياً للحق مثل أتباع الرسل، فهذا دون مرتبَة من يجادل في الله بعلم، ولذلك لم يستغن بذكر السابِق عن ذكر هذا. والكتاب المُنير: كُتب الشرائع مثل: التوراة والإنجيل، وهذا كما يجادلُ أهلُ الكتاب قبل مجيء الإسلام المشركين والدهريين فهو جدال بكتاب منير. والمنير: المبين للحق. شبه بالمصباح المضيء في الليل. ويجيء في وصف {كتاب} بصفة {مُنير} تعريض بالنضر بن الحارث إذ كان يجادل في شأن الإسلام بالموازنة بين كتاب الله المنير وبين كتاب أخبار رُستم، وكتاب أخبار أسفنديار المظلمة الباطلة. والثّنْيُ: لَيُّ الشيء. يقال: ثنى عنان فرسه، إذا لواه ليدير رأس فرسه إلى الجهة التي يريد أن يوجهه إليها. ويطلق أيضاً الثّني على الإمالة. والعِطف: المنكب والجانب. و{ثاني عطفه} تمثيل للتكبر والخيلاء. ويقال: لوى جيدَه، إذا أعرض تكبراً. وهذه الصفة تنطبق على حالة أبي جهل فلذلك قيل إنه المراد هنا. واللام في قوله {ليُضل}لتعليل المجادلة، فهو متعلّق بــــ {يجادل}أي غرضه من المجادلة الإضلال. وسبيل الله: الدّين الحق. وقوله {ليُضل}ــــ بضم الياء ــــ أي ليُضلل الناسَ بجداله. فهذا المجادل يريد بجدله أن يوهم العامة بطلان الإسلام كيلا يتبعوه. وإفراد الضمير في قوله {عطفه}وما ذكر بعده مراعاةٌ للفظ (مَن) وإنْ كان معنى تلك الضمائر الجمع. وخزي الدنيا: الإهانة، وهو ما أصابهم من القتل يوم بَدر ومن القتل والأسر بعد ذلك. وهؤلاء هم الذين لم يسلموا بعدُ. وينطبق الخزي على ما حصل لأبي جهل يوم بدر من قتله بيد غلامين من شباب الأنصار وهما ابنا عفراء. وباعتلاء عبد الله بن مسعود على صدره وذبحه وكان في عظمته لا يخطر أمثال هؤلاء الثلاثة بخاطره. وينطبق الخزيُ أيضاً على ما حلّ بالنضر بن الحارث من الأسر يوم بدر وقتله صبراً في موضع يقال له: الأثَيْل قرب المدينة عقب وقعة بدر كما وصفته أخته قتيلة في رثائه من قصيدة:شعر : صبْراً يقاد إلى المنية متعَبا صبرَ المقيّد وهو عَانٍ مُوثق تفسير : وإذ كانت هذه الآية ونظيرتها التي سبقت مما نزل بمكة لا محالة كان قوله تعالى: {له في الدنيا خزي} من الإخبار بالغيب وهو من معجزات القرآن. وإذاقة العذاب تخييل للمكنيّة. وجملة {ذلك بما قدمت يداك} مقول قول محذوف تدل عليه صيغة الكلام وهي جملة مستأنفة، أو في موضع الحال من ضمير النصب في قوله تعالى {ونذيقه}. و{قدّمتْ} بمعنى: أسلفت. جعل كفره كالشيء الذي بعث به إلى دار الجزاء قبل أن يصِل هو إليها فوحده يوم القيامة حاضراً ينتظره قال تعالى: {أية : ووجدوا ما عملوا حاضراً}تفسير : [الكهف: 49]. والإشارة إلى العذاب والباءُ سببية. و(ما) موصولة. وعطف على (ما) الموصولة قوله تعالى: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} لأنه في تأويل مصدر، أي وبانتفاءِ ظلم الله العبيد، أي ذلك العذاب مسبب لهذين الأمرين فصاحبه حقيق به لأنه جزاء فساده ولأنه أثر عدل الله تعالى وأنه لم يظلمه فيما أذاقه. وصيغة المبالغة تقتضي بظاهرها نفي الظلم الشديد، والمقصود أن الظلم من حيث هو ظلم أمر شديد فصيغت له زنة المبالغة، وكذلك التزمت في ذكره حيثما وقع في القرآن، وقد اعتاد جمع من المتأخرين أن يجعلوا المبالغة راجعة للنفي لا للمنفي وهو بعيد.
الشنقيطي
تفسير : قال بعض أهل العلم: أن الآية الأولى التي هي {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}تفسير : [الحج: 3] نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم، اتباعاً لرؤسائهم، من شياطين الإنس والجن، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة إلى الضلال المتبوعين في ذلك، ويدل لهذا أنه قال في الأولى {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ} وقال في هذه {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} فتبين بذلك أنه مضل لغيره، متبوع في الكفر والضلال، على قراءة الجمهور بضم ياء يضل. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بفتح الياء، فليس في الآية دليل على ذلك، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله بغير علم، فأغنى عن إعادته هنا. وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بدون علم ضروري، حاصل لهم بما يجادلون به {وَلاَ هُدًى} أي استدلال، ونظر عقلي، يهتدي به العقل للصواب {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي وَحْي نير واضح، يعلم به ما يجادل به، فليس عنده علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وَحْي، فهو جاهل محض من جميع الجهات، وقوله {ثَانِيَ عِطْفِهِ} حال من ضمير الفاعل المستكن في: يجادل: أي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه: أي لاوي عنقه عن قبول الحق استكباراً وإعراضاً. فقوله: ثاني اسم فاعل ثَنْى الشيء إذا لواه، وأصل العطف الجانب، وعطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، تقول العرب: ثنى فلان عنك عطفه: تعني أعرض عنك. وإنما عبر العلماء هنا بالعنق فقالوا: ثاني عطفه: لاوي عنقه: مع أن العطف يشمل العنق وغيرها، لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإنسان، يلويها، ويصرف وجهه عن الشيء بليها. والمفسرون يقولون: إن اللام في قوله {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية، كقوله {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص: 8] الآية. ونحو ذلك لام العاقبة، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية، في معنى الحرف. وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص. ونقول هنا: إن الظاهر في ذلك: أن الصواب فيه غير ما ذكروا، وأن اللام في الجميع لام التعليل، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله في مواضع من تفسيره. وإيضاح ذلك: أن الله هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضاً عن الحق، واستكباراً. وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالاً مضلاً. وله الحكمة البالغة في ذلك، كقوله {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الكهف: 57] أي لئلا يفقهوه. وكذلك {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}تفسير : [القصص: 8] الآية: أي قدر الله عليهم أن يلتقطوه، لأجل أن يجعله لهم عدواً وحزناً. وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية: من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}تفسير : [لقمان: 7] وقوله تعالى {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}تفسير : [المنافقون: 5] وقوله تعالى {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}تفسير : [النساء: 61] وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه {أية : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}تفسير : [لقمان: 18] الآية أي لا تمل وجهك عنهم، استكباراً عليهم. وقوله تعالى عن فرعون {أية : وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ}تفسير : [الذاريات: 38-39] فقوله {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} بمعنى: ثنى عطفه. وقوله تعالى {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}تفسير : [فصلت: 51] الآية إلى غير ذلك من الآيات: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي ذل وإهانة. وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير: كأبي جهل بن هشام، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكباراً عن الحق وإعراضاً عنه عامله الله بنقيض قصده فأذله وأهانه. وذلك الذل والإهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة. وهذا المفهوم من هذه الآية دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى {أية : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيه}تفسير : [غافر: 56] وقوله في إبليس لما استكبر {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 13] والصغار: الذل والهوان، عياذاً بالله من ذلك، كما قدمنا إيضاحه. وقوله {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أين حرقه بالنار، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة: وسمى يوم القيامة: لأن الناس يقومون فيه له جل وعلا، كما قال تعالى {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المطففين: 4-6].
الواحدي
تفسير : {ومنَ الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في أبي جهلٍ {ولا هدىً} ليس معه من ربِّه رشادٌ ولا بيانٌ {ولا كتابٍ} له نورٌ. {ثاني عطفه} لاوي عنقه تكبُّراً {ليضل} الناس عن طاعة الله سبحانه باتِّباع محمَّد عليه السَّلام {له في الدنيا خزي} يعني: القتل ببدرٍ. {ذلك بما قدَّمت يداك} هذا العذاب بما كسبْتَ {وإنَّ الله ليس بظلام للعبيد} لا يعاقب بغير جرمٍ. {ومن الناس مَن يعبد الله على حرف} على جانبٍ لا يدخل فيه دخول مُتمكِّنٍ {فإن أصابه خير} خِصبٌ وكثرةُ مالٍ {اطمأنَّ به} في الدِّين بذلك الخصب {وإن أصابته فتنة} اختبارٌ بجدبٍ وقلَّة مالٍ {انقلب على وجهه} رجع عن دينه إلى الكفر. {يدعواْ من دون الله ما لا يضرُّه} إن عصاه {ولا ينفعه} إن أطاعه {ذلك هو الضلال البعيد} الذَّهاب عن الحقِّ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يجادل في الله: أي في شأن الله تعالى فينسب إلى الله تعالى ما هو منه براء كالشريك والولد والعجز عن إحياء الموتى، وهذا المجادل هو أبو جهل. بغير علم: أي بدون علم من الله ورسوله. ولا كتاب منير: أي ولا كتاب من كتب الله ذي نور يكشف الحقائق ويقرر الحق ويبطل الباطل. ثاني عطفه: أي لآوى عنقه تكبراً، لأن العطف الجانب من الإِنسان. له في الدنيا خزي: وقد أذاقه الله تعالى يوم بدر إذ ذبح هناك واحتز رأسه. بظلام للعبيد: أي بذي ظلم للعبيد فيعذبهم بغير ظلم منهم لأنفسهم. يعبد الله على حرف: أي على شك في الإِسلام هل هو حق أو باطل وذلك لجهلهم به وأغلب هؤلاء أعراب البادية. اطمأن به: أي سكنت نفسه إلى الإِسلام ورضي به. وإن أصابته فتنة: أي ابتلاء بنقص مال أو مرض في جسم ونحوه. إنقلب على وجهه: أي رجع عن الإِسلام إلى ما كان عليه من الكفر الجاهلي. ما لا يضره ولا ينفعه: أي صنماً لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عَبَدَه. لبئس المولى: أي قبح هذا الناصر من ناصر. ولبئس العشير: أي المعاشر وهو الصاحب الملازم. معنى الآيات: قوله تعالى: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} هذه شخصية ثانية معطوفة على الأولى التي تضمنها قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} تفسير : [الحج: 3] وهي شخصية النضر بن الحارث أحد رؤساء الفتنة في مكة، وهذِه الشخصية هي فرعون هذه الأمة عمرو بن هشام الملقب بأبي جهل يخبر تعالى عنه فيقول: {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} بل يجادل بالجهل وما أقبح جدال الجهل والجهَّال ويجادل في الله عز وجل يا للعجب أفيريد أن يثبت لله تعالى الولد والبنت والعجز والشركاء والشفعاء، ولا علم من وحي عنده، ولا من كتاب إلهي موحى به إلى أحد أنبيائه. وقوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} وصف له في حال مشيه وهو يجر رداءه مصعراً خده مائلا إلى أحد جنبيه كبراً وغروراً، وجداله لا لطلب الهدى أو لمجرد حب الإِنتصار للنفس بل ليضل غيره عن سبيل الله تعالى الذي هو الإِسلام حتى لا يدخلوا فيه فيكملوا ويسعدوا عليه في الحياتين. وقوله تعالى: {لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} أي ذل وهوان وقد ناله حيث قتل في بدر شر قتلة فقد احتز رأسه وفُصل عن جئته ونال منه الذين كان يسخر منهم ويعذبهم من ضعفة المؤمنين، وقوله تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} وقد أذاقه ذلك بمجرد أن قتل فروحه في النار ويوم القيامة يدخلها بجسمه وروحه وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي يقال له يوم القيامة ذلك الخزي والهوان وعذاب الحريق بما قدمت يداك من الشرك والظلم والمعاصي، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ}، وأنت منهم والله ما ظلمك بل ظلمت نفسك، والله متنزه عن الظلم لكمال قدرته وغناه وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} أي على شك هذه شخصية ثالثة عطفت على سابقتيها وهي شخصية بعض الاعراب كانوا يدخلون في الإِسلام لا عن علم واقتناع بل عن شك وطمع وهو معنى على حرف فإن أصابهم خير من مال وصحة وعافية اطمأنوا إلى الإِسلام وسكنت نفوسهم واستمروا عليه، وإن أصابتهم فتنة أي اختبار في نفس أو مال أو ولد انقلبوا على وجوههم أي ارتدوا عن الإِسلام ورجعوا عنه فخسروا بذلك الدنيا والآخرة فلا الدنيا حصلوا عليها ولا الآخرة فازوا فيها، قال تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي البين الواضح إذ لو بقوا على الإِسلام لفازوا بالآخرة، ولأخلف الله عليهم ما فقدوه من مال أو نفس، وقوله تعالى {يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ذلك المنقلب على وجهه المرتد يدعوا {مَا لاَ يَضُرُّهُ} أي صنماً لا يضره لو ترك عبادته {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} إن عبده وقوله تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي دعاء وعبادة ما لا يضر ولا ينفع ضلال عن الهدى والخير والنجاح والربح وبعيدٌ أيضاً قد لا يرجع صاحبه ولا يهتدي. وقوله: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} أي يدعو ذلك المرتد عن التوحيد إلى الشرك من ضره يوم القيامة أقرب من نفعه فقد يتبرأ منه ويحشر معه في جهنم ليكونا معاً وقوداً لها، قال تعالى: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} المعاشر والصاحب الملازم فذم تعالى وقبح ما كان المشركون يؤملون فيهم ويرجون شفاعتهم يوم القيامة، تنفيراً لهم من الشرك وعبادة غيره سبحانه وتعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قبح جدال الجاهل فيما ليس له به علم. 2- ذم الكبر والخيلاء وسواء من كافر أو من مؤمن. 3- عدم جدوى عِبَادةٍ صاحبُها شاك في نفعها غير مؤمن بوجوبها ومشروعيتها. 4- لا يصح دين مع الشك. 5- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين.
القطان
تفسير : بغير علم: بغير معرفة ولا مشاهدة حسّية. ولا هدى: ولا نظرٍ صحيح ولا عقل. ولا كتاب منير: ولا وحي. ثاني عطفه: جاء متكبرا مختالا. على حرف: على ناحية معينة، اذا رأى شيئا لا يعجبه عَدَل عنه. وأصل معنى الحرف الطرَف، وله معان كثيرة. فان أصابه خير: مالٌ وكثرة في الولد. فتنة: بلاءٌ ومحنة في نفسه او أهله او ماله. انقلب على وجهه: ارتد عن دينه. خسر الدنيا والآخرة: ضيّعهما. يدعو من دون الله ما لا يضره...: يعبد غير الله. المولى: الناصر. العشير: الصاحب المعاشر. {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}. ومع كل هذه الأدلة الواضحةِ فإن بعضَ الناس يجادل في الله وقدرته، وينكر البعثَ بغير معرفة، ولا برهان عقليّ على ما يقول، ولا وحي من عند الله ينير صحته. {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} تراه متكبراً مختالا بين الناس، مُعْرِضا عن قبول الحق، ليصدّ المؤمنين عن دينهم.. وهذا الصنفُ من الناس له في هذه الدنيا هوان وخِزي، وسيصلَى في الآخرة عذاب الجحيم. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو ورويس: ليَضِل بفتح الياء، والباقون: ليُضل بضم الياء. ثُم يبيّن الله سبب هذا الخزي المعجَّلِ والعذابِ المؤجل فقال: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ}. ويقال لهذا المتكبر المختال الضال: ذلك الذي تلقاه من خزي وعذاب بسببِ ضلالك وكبريائك، واللهُ لا يظلم أحدا. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} ومن الناس نوعٌ آخر لم يتمكن الإيمان من قلبه، فهو كأنه واقف على طرف غير ثابتٍ على حال، فهو مزعزع العقيدة، مضطرِب مذبذَب، يعبد الله على وجه التجربة. فان اصابه خيرٌ بقي مؤمنا، وإن أصابه شر من مرض او ضياعِ مال او فقد ولد - ترك دينه وارتدّ كافرا. خسِر الدنيا والآخرة... فخسر في الدنيا راحةَ البال والاطمئنان الى قضاء الله، كما خسر في الآخرة النعيم الذي وَعَدَ الله المؤمنين به. وذلك هو الخسران الذي لا خسران مثله. {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}. ان مثلَ هذا يعبد من دون الله أصناماً لا تضره ولا تنفعه. وأيُّ ضلالٍ وخسران اكبر من هذا الضلال، وابعد عن الهدى!! {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}. يدعو من دون الله من ضررُه أقربُ من نفعه، لبئس ذلك المولى ناصراً، ولبئس ذلك المعبودُ من صاحبٍ معاشر لا فائدة منه.. فأيُّ ناصرٍ ذلك الذي لا ينفع ولا يضر!!. بعد ان بين الله حال المشركين الضالين وما يعبدون من دون الله، ومصيرهم في الآخرة ذَكَر هنا ما يدّخره للمؤمنين، وهو خيرٌ من عَرَضِ الحياة الدنيا كله فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. ان الله يتفضّل على المؤمنين الذين عملوا صالح الأعمال، ويكافئهم لقاءَ إحسانهم، بدخول جناته التي تجري من تحت اشجارها الأنهار بسبب صدقهم وايمانهم وما قاموا به من جليل الاعمال. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من اكرامِ من يطيعه، وإهانةِ من يعصيه، ولا رادّ لحكمه، ولا مانع لقضائه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُجَادِلُ} {كِتَابٍ} (8) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ سَابِقَةٍ حَالَ الضَّالِينَ مِنَ الجَهَلَةِ المُقَلِّدِينَ لِمَنْ سِوَاهُم {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}تفسير : ذَكَرَ هُنَا حَالَ الدَّاعِينَ إِلَى الضَّلاَلَةِ مِنْ رُؤوسِ الكُفْرِ والبِدَعِ فَقَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمِ، وَبِدُونِ عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَبِدُونِ نَقْلٍ صَرِيحٍ مِنْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وإِنَّمَا يُجَادِلُ لِمُجَرَّدِ الرَّأي والهَوَى والعِنَادِ.
الثعلبي
تفسير : { ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحرث، كان كثير الجدال فكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ويزعم أنّ الله غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد تراباً. قال الله سبحانه {وَيَتَّبِعُ} في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ} قضي عليه، على الشيطان {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} اتّبعه {فَأَنَّهُ} يعني الشيطان {يُضِلُّهُ} يعني يضلّ من تولاه {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} وتأويل الآية: قضي على الشيطان أنّه يضلّ أتباعه ويدعوهم إلى النار. ثمّ ألزم الحجّة منكري البعث فقال عزَّ من قائل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ووالد البشر {مِّن تُرَابٍ} ثم ذرّيته {مِن نُّطْفَةٍ} وهو المنيّ وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} وهي الدم العبيط الجامد وجمعها علق {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} وهي لحمة قليلة قدر ما تمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}. قال ابن عباس وقتادة: تامّة الخلق وغير تامة. وقال مجاهد: مصوّرة وغير مصوّرة يعني السقط. قال عبد الله بن مسعود: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله عزّ وجلّ مَلَكاً فقال: يا رب مخلّقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلّقة مجّتها الأرحام دماً وإن قال: مخلّقة قال: يا ربّ فما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أُنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ فيقال له: انطلق إلى أُمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها. {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريفنا أطوار خلقكم. {وَنُقِرُّ} روي عن عاصم بفتح الراء على النسق، غيره: بالرفع على معنى ونحن نقرُ (في الأرحام) {مَا نَشَآءُ} فلا تمجّه ولا تسقطه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وقت خروجها من الرحم تامّ الخلق والمدّة {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} من بطون أُمهاتكم {طِفْلاً} صغاراً ولم يقل أطفالاً لأنّ العرب تسمّي الجمع باسم الواحد. قال الشاعر: إنّ العواذل ليس لي بأمير ولم يقل أُمَراء. وقال ابن جريج: تشبيهاً باسم المصدر مثل: عدل وزور، وقيل: تشبيهاً بالخصم والضيف. {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} كمال عقولكم ونهاية قواكم. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} قبل بلوغ الأشدّ {وَمِنكُمْ مَّن} يعمّر حتى {يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو الهرم والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}. ثمَّ بيَّن دلالة أُخرى للبعث فقال تعالى {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} يابسة دارسة الأثر من الزرع والنبات كهمود النار. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} المطر {ٱهْتَزَّتْ} تحرّكت بالنبات {وَرَبَتْ} أي زادت وأضعفت النبات بمجيء الغيث، وقرأ أبو جعفر: ربأت بالهمز، ومثله في حم السجدة أي ارتفعت وعلت وانتفخت، من قول العرب: ربا الرجل إذا صعد مكاناً مشرفاً، ومنه قيل للطليعة رئبة. {وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} صنف حسن {ذٰلِكَ} الذي ذكرت لتعلموا {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} والحق هو الكائن الثابت {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}. {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى} بيان وبرهان {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} نزلت في النضر بن الحرث {ثَانِيَ عِطْفِهِ} نصب على الحال. قال ابن عباس: مستكبراً في نفسه، تقول العرب: جاء فلان ثاني عطفه أي متجبّراً لتكبّره وتجبّره، والعطف: الجانب. الضحّاك: شامخاً بأنفه، مجاهد وقتادة: لاوياً عنقه، عطيّة وابن زيد: معرضاً عمّا يُدعى إليه من الكبر. ابن جريج: أي يعرض عن الحقّ نظيرها قوله سبحانه {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً} تفسير : [لقمان: 7] الآية. وقوله {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ}تفسير : [المنافقون: 5] الآية. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} عذاب وهوان وهو القتل ببدر. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} فيقال له يومئذ {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} وهذا وأضرابه مبالغة في إضافة الجرم إليه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} فيعذّبهم بغير ذنب وهو سبحانه على أي وجه تصرّف في عبده فإنّه غير ظالم، بل الظالم: المتعدّي المتحكّم في غير ملكه. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الآية. نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صحّ بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأنَّ إليه وقال: ما أصبت مذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرّت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلاّ شرّاً، فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله سبحانه {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} أي طرف واحد وجانب في الدين لا يدخل فيها على الثبات والتمكين، والحرف: منتهى الجسم، وقال مجاهد: على شكّ. وقال بعض أهل المعاني: يريد على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف مضطرباً فيه. وقال بعضهم: أراد على لون واحد في الأحوال كلّها يتّبع مراده، ولو عبدوا الله في الشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء لما عبدوا الله على حرف. وقال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} صحة في جسمه وسعة في معيشته {ٱطْمَأَنَّ بِهِ} أي رضي واطمأن إليه وأقام عليه. {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} بلاء في جسمه وضيق في معاشه وتعذّر المشتهى من حاله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} وقرأ حميد الأعرج ويعقوب: خاسر الدنيا بالألف على مثال فاعل، والآخرة خفضاً، على الحال. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} الضرر الظاهر {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ} إن عصاه {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} إن أطاعه بعد إسلامه راجعاً إلى كفره {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} ذهب عن الحق ذهاباً بعيداً. {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} اختلف النحاة في وجه هذه اللام فقال بعضهم: هي صلة مجازُها: يدعو من ضرّه أقرب من نفعه، وهكذا قرأها ابن مسعود، وزعم الفّراء والزجّاج أنّ اللام معناها التأخير تقديرها: يدعو والله لمن ضرّه أقرب من نفعه. وقال بعضهم: هذا على التأكيد معناه: يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه يدعو ثم حذفت يدعو الأخيرة اجتزاء بالأُولى، ولو قلت: تضرب لمن خيره أكثر من شرّه تضرب، ثمّ يحذف الأخير جاز. وحكي عن العرب سماعاً: أعطيتك لما غيره خير منه، وعنده لما غيره خير منه. وقيل: (يدعو لمَنْ ضرّه) من قوله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}، وموضع {ذٰلِكَ} نصب بـ (يدعو) كأنّه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: لَمَن ضرّه أقرب من نفعه، وتكون من في محل الرفع بالابتداء وخبره {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}. وقيل: يدعو بمعنى يقول، والخبر محذوف تقديره: لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه لبئس المولى الناصر، ولبئس العشير المعاشر، والصاحب والخليط يعني الوثن. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (*) مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} اختلفوا في المعنى بالهاء التي في قوله ينصره، فقال أكثر المفسّرين: عنى بها نبيّه صلى الله عليه وسلم قال قتادة: يقول: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيّه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} إلى سقف البيت فليختنق به حتى يموت {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} الحبل بعد الاختناق {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} صنيعه وحيلته {مَا يَغِيظُ} هذا قول أكثر أهل التأويل، وإنّما معنى الآية: فليصوّر هذا الأمر في نفسه وليس يختم لأنّه إذا اختنق ومات لا يمكنه القطع والنظر. قال الحسين بن الفضل: هذا كما تقول في الكلام للحاسد أو المعاند: إن لم ترض هذا فاختنق. وقال ابن زيد: السماء في هذه الآية هي السماء المعروفة بعينها، وقال: معنى الكلام: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيّه ويكايده في دينه وأمره ليقطعه عنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه فإنّ أصله في السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا العمل. وذُكر أنّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان تباطؤوا عن الإسلام وقالوا : نخاف أن لا يُنصَرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يؤوننا، فقال الله لهم: من استعجل من الله نصر محمد فليختنق، فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مذهب غيظه، فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدم نصره قبل حينه. وقال مجاهد: الهاء في ينصره راجعة إلى من، ومعنى الكلام: من كان يظن أن لن يرزقه اللّه في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى سماء البيت فليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خنقه أن لا يرزق، والنصر على هذا القول: الرزق، كقول العرب: من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله. قال أبو عبيد: تقول العرب: "أرض منصورة" أي ممطورة كأن الله سبحانه أعطاها المطر. وقال الفقعسي: شعر : وإنّك لا تعطي أمرءاً فوق حقّه ولا تملك الشقّ الذي الغيث ناصر تفسير : وفي قوله "ما يغيظ" لأهل العربيّة قولان: أحدهما: أنّها بمعنى الذي مجازه هل يذهبن كيده الذي يغيظه فحذف الهاء ليكون أخفّ. والثاني: أنّها مصدر، مجازه: هل يذهبن كيده غيظه. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (*) إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} يعني عبدة الأوثان، وقال قتادة: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} يحكم {بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} قال النحاة: "إن الله" خبر لقوله "إنّ الذين" كما تقول: إنّ زيداً ان الخير عنده لكثير، كقول الشاعر: شعر : إنّ الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : {أَلَمْ تَرَ} بقلبك وعقلك {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ}. قال مجاهد: سجودها: تحوّل ظلالها، وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلاّ يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حين يرجع إلى مطلعه. وقال أهل الحقائق: سجود الجماد وما لا يعقل ما فيها من ذلّة الخضوع والتسخير وآثار الصنعة والتصوير الذي يدعو العاقلين إلى السجود لله سبحانه، كما قال الشاعر: شعر : وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد تفسير : {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظلّه، قال مجاهد: وقيل: يسجد لله أي يخضع له ويقرّ له بما يقتضيه عقله ويضطره إليه، وإن كفر بغير ذلك من الأمور. قالوا: وفي قوله {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} واو العطف. وقال بعضهم: هو واو الاستئناف، معناه: وكثير حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود. حكى لي أبو القاسم بن حبيب عن أبي بكر بن عياش أنّه قال: في الآية إضمار مجازها: وسجد كثير من الناس، وأبى كثير حقّ عليه العذاب. {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} أي يهنه الله {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} قرأه العامة بكسر الراء، وقرأ إبراهيم بن أبي عيلة: فماله من مكرَم بفتح الراء أي إكرام كقوله سبحانه {أية : أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}تفسير : [الإسراء: 80] {أية : أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً}تفسير : [المؤمنون: 29] أي إدخالاً وإنزالاً. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تكلمنا في أول السورة عن الجدل بالعلم والموعظة الحسنة وقلنا: العلم إما علم بَدْهي أو علم استدلالي عقليّ، أو علم بالوحي من الله سبحانه، أما هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم بدهي {وَلاَ هُدًى ..} [الحج: 8] يعني: علم استدلالي عقلي، {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8] يعني: وحي من الله، فهؤلاء أهل سفسطة وجدل عقيم لا فائدة منه، وعلى العاقل حين يصادف مثل هذا النوع من الجدال أن لا يجاريه في سفسطته؛ لأنه لن يصل معه إلى مفيد، إنما عليه أنْ ينقله إلى مجال لا يحتمل السفسطة. ولنا في هذه المسألة مثَلٌ وقُدْوة بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حينما جادل النمرود، اقرأ قول الله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ..}تفسير : [البقرة: 258]. لقد اتبع النمرودُ أسلوب السَّفْسَطة حين قال {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..} تفسير : [البقرة: 258] لأنه ما فعل حقيقةَ الموت، ولا حقيقة الحياة، فأراد إبراهيم أن يُلجئه إلى مجال لا سفسطة فيه؛ لينهي هذا الموقف ويسدّ على خَصْمه باب اللدد والتهريج، فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ ..} تفسير : [البقرة: 258] وكانت النتيجة أنْ حَارَ عدو الله جواباً {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ..}تفسير : [البقرة: 258] أي: دُهِش وتحيَّر.
الجيلاني
تفسير : {ومِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الكفر والنسيان {مَن يُجَادِلُ} ويكابر {فِي} أوامر {ٱللَّهِ} وينكر مقدراته الماضية والآتية مع أنه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: دليل عقلي مسبوق بترتيب المعلومات اليقينية أو الظنية {وَلاَ هُدًى} أي: حدس، وكشف ملهم من عند الله ملقى في روعة {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8] دليل نقلي منسوب إلى الوحي، والإلهام بنور قلب من صدّق به، وأخذ بما فيه إيماناً واحتساباً، ومع أنه ليس له سند عقلي ولا نقلي ولا كشفي وشهودي، مُعِرِضٌ عن الدلائل والشواهد مع وضوحها وظهورها صارفاً عنان عزمه عن التأمل فيها. {ثَانِيَ عِطْفِهِ} يعني: لاوياً عنقه ومولياً جنبه عنها كبيراً وخيلاء على أصحاب الدلائل والبراهين وأرباب الكشف والشهود عتواً وعناداً، إنما فعل ما فعل من عدم الالتفات والتوجه نحو أهل الحق {لِيُضِلَّ} بفعله هذا ضعفاء الأنام {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي بيّنه الأنبياء وأوضحه الرسل بوحيه وإلهامه إليهم، وإنزال الكتب، والصحف عليهم {لَهُ} أي: لهذا المستكبر العاتي بسبب ضلاله وإضلاله {فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} هوان وهون وطرد ولعن ونهب وأسر {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بعد انقراض النشأة الأولى {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الحج: 9] المحرق الذي هو عذاب النار الذي لا عذاب أشد منها. وحين تعذيب الموكلين عليه إياه بالنار، أمرناهم أن يقولوا له على سبيل المثال التقريع والتوبيخ زجراً عليه: {ذٰلِكَ} الذي لحقك وينزل عليك من العذاب المخلد {بِمَا قَدَّمَتْ} وكسبت {يَدَاكَ} في النشاة الأولى، وعلى مقدار ما اقترفته من المعاصي والآثام بلا زيادة عليها عدلاً منَّا {وَ} اعلم أيها المسرف المبالغ في اقتراف الجرائم المستوجبة للعذاب {أَنَّ ٱللَّهَ} المتصف بالعدل القويم {لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ} [الحج: 10] يعني: ليس بمبالغٍ في جزاء الانتقام عنه مقدار الجرائم والآثام مثل مبالغته في جزاء الإنعام والإحسان تفضلاً وامتناناً. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على نسيان المنعم، وكفران نعمه {مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ} المنزه المستغنٍ عن إيمانه وعبادته {عَلَىٰ حَرْفٍ} أي: شاكاً منتظراً على طرف بلا جزم منه فيه، وطمأنينة كالذي يتمكن يوم الوغى على طرف الجيش متردداً منتظراً، إن أحس الظفر قرَّ في مكانه وتمكن، وإلا فرَّ، كذلك هذا المؤمن المتزلزل {فَإِنْ أَصَابَهُ} بعدما آمن وأسلم {خَيْرٌ} أي: شيء سُرُّه وينشطه {ٱطْمَأَنَّ بِهِ} وتمكن لأجله متفائلاً بالإيمان والإسلام {وَإِنْ أَصَابَتْهُ} بعد اختياره الإيمانَ والإسلام {فِتْنَةٌ} أي: بليةُ ومصيبةُ تُمِلْه {ٱنْقَلَبَ} ورجع {عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي: وجْهته وجِهَته التي تركها من الكفر متطيراً متشائماً بالإيمان والإسلام وبالجملة {خَسِرَ} ذلك المتزلزل المتذبذب {ٱلدُّنْيَا} بأنواع البليات والمصيبات {وَٱلأَخِرَةَ} بالحرمان عن درجات الجنان والخلود في دركات النيران بأنواع الخسران {ذٰلِكَ} الخسران المستوعب للنشأتين {هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الحج: 11] العظيم، لا خسران أعظم منه وأفحش، وكيف لا يخسر ذلك المردود المطرود. {يَدْعُواْ} ويعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ} المتصف بجميع أوصاف الكمال المستحق للعبادة والإطاعة استحقاقاً ذاتياً ووصفياً {مَا لاَ يَضُرُّهُ} أي: شيئاً، إن عصاه ولم يؤمن به لا يتأتى منه الضرب والانتقام {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} أي: إن أطاعه وعبده حق عبادته، لا يتأتى منه أن يثيبه ويغفر له ويحسن إليه {ذٰلِكَ} أي: الإطاعة والانقياد لشيء لا يرجى منه النفع والضر {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} [الحج: 12] عن الهداية والتوحيد بمراحل خارجة عن الحصر والتعديد. بل {يَدْعُو} ذلك الضال الغوي {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ} بسبب اتخاذه شريكاً معه في استحقاق العبادة جهلاً وعناداً، مع أنه الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية، ودخولُ المشرك في النار محقق، مقطوعُ به، فيكون ضره أقرب {مِن نَّفْعِهِ} الذي توهمه أن يشفع لأجله عند الله، والشفاعةُ عنده إنما هي بإذنه سبحانه أيضاً فثبت ألاَّ نفع له، واللهِ { لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ} المعين الناصر الشفيع الأصنام والأوثان الخسيسة {وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}[الحج: 13] أي: الكفار الذين يعبدونهم ويوالونهم ويتخذونهم أرباباً يطمعون منهم الشفاعة عند الله، من أن ترك المحقق المجزوم، وأخذ المعدوم الموهوم ما هو إلا كفر باطل وزيغ عاطل زائل. ربنا اهدنا بفضلك إلى سواء السبيل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المجادلة المتقدمة للمقلد، وهذه المجادلة للشيطان المريد، الداعي إلى البدع، فأخبر أنه { يُجَادِلُ فِي اللَّهِ } أي: يجادل رسل الله وأتباعهم بالباطل ليدحض به الحق، { بِغَيْرِ عِلْمٍ } صحيح { وَلا هُدًى } أي: غير متبع في جداله هذا من يهديه، لا عقل مرشد، ولا متبوع مهتد، { وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ } أي: واضح بين، أي: فلا له حجة عقلية ولا نقلية ، إن هي إلا شبهات، يوحيها إليه الشيطان { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } ومع هذا { ثَانِيَ عِطْفِهِ } أي: لاوي جانبه وعنقه، وهذا كناية عن كبره عن الحق، واحتقاره للخلق، فقد فرح بما معه من العلم غير النافع، واحتقر أهل الحق وما معهم من الحق، { لِيُضِلَّ } الناس، أي: ليكون من دعاة الضلال، ويدخل تحت هذا جميع أئمة الكفر والضلال، ثم ذكر عقوبتهم الدنيوية والأخروية فقال: { لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: يفتضح هذا في الدنيا قبل الآخرة، وهذا من آيات الله العجيبة، فإنك لا تجد داعيا من دعاة الكفر والضلال، إلا وله من المقت بين العالمين، واللعنة، والبغض، والذم، ما هو حقيق به، وكل بحسب حاله. { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي: نذيقه حرها الشديد، وسعيرها البليغ، وذلك بما قدمت يداه، { وَأَّن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):