٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : القراءة: قرىء {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي حرف عبدالله {مِنْ ضَرُّهُ } بغير لام، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } وفي تفسير الحرف وجهان: الأول: ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني: قوله: {عَلَىٰ حَرْفٍ } أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه. وهذا هو المراد {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى: { أية : مذبذبين بَيْنَ ذٰلِكَ } تفسير : [النساء: 143] وكقوله: { أية : فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } تفسير : [النساء: 141]. المسألة الثانية: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة وثانيها: وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل وثالثها: قال أبو سعيد الخدري: «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري وولدي ومالي. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة» تفسير : فنزلت هذه الآية. وأما قوله: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى: { أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء:35]، والجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله: { أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } تفسير : [الفجر: 15] ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له. فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه، وإن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل. السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟ والجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة. السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ } كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح. أما قوله تعالى: {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةَ } فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ }. أما قوله: {يَدْعُو مِن دون ٱللَّهِ مَالا يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى أن: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ }، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله. أما قوله تعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. القول الثاني: أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: { أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36] فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها. وثالثها: كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة: إن ضرركم أعظم من نفعكم. المسألة الثانية: اختلف النحويون في إعراب قوله: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ }. أما قوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ } فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ } والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} «من» في موضع رفع بالابتداء، والتمام «انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ» على قراءة الجمهور «خَسِر». وهذه الآية خبر عن المنافقين. قال ابن عباس: يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما أوحي إليه ارتدّ شيبة بن ربيعة. وقال أبو سعيد الخُدْرِيّ: حديث : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله؛ فتشاءم بالإسلام فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: أقِلْني! فقال: «إن الإسلام لا يُقال» فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: «يا يهوديّ إن الإسلام يَسْبِك الرجال كما تَسْبِك النارُ خَبَث الحديد والفضة والذهب»؛ فأنزل الله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}تفسير : . وروى إسرائيل عن أبي حُصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «ومن الناس من يعبد الله على حَرْف» قال: كان الرجل يَقْدَم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونُتِجت خيله قال هذا دين صالح؛ فإن لم تلد امرأته ولم تُنْتَج خيله قال هذا دِين سَوْء. وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يَقْدَمون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيُسلِمون؛ فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدّة ارتدّوا. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. وقال ابن زيد وغيره: نزلت في المنافقين. ومعنى {عَلَىٰ حَرْفٍ} على شكّ؛ قاله مجاهد وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. وحرفُ كل شيء طَرَفه وشَفِيره وحدّه؛ ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدّد. وقيل: «على حرف» أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السرّاء دون الضرّاء؛ ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. وقيل: «على حرف» على شرط؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره: ادع لي ربّك أن يرزقني مالاً وإبلاً وخيلاً وولداً حتى أومِن بك وأعدِل إلى دينك؛ فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنّى؛ ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رَزَقه به بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} يريد شرط. وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه. وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حَرْف ليس داخلاً بكلّيته؛ وبيّن هذا بقوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} صحةُ جسم ورَخاء معيشة رَضي وأقام على دينه. {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أي خلاف ذلك مما يختبر به {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر. {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهرِيّ وابن أبي إسحاق ـ وروي عن يعقوب ـ «خاسِرَ الدنيا» بألف، نصباً على الحال، وعليه فلا يوقف على «وجهه». وخسرانه الدنيا بأن لا حظّ له في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } على طرف من الدين لاَ ثَبَاتَ له فيه كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر وإلا فر. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } روي أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سوياً وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شراً وانقلب. وعن أبي سعيد أن يهودياً أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإِسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني فقال«حديث : إن الإِسلام لا يقال»تفسير : فنزلت. {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد، وقرىء «خاسراً» بالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير تنصيصاً على خسرانه أو على أنه خبر محذوف. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ } إذ لا خسران مثله.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد وقتادة وغيرهما: {عَلَىٰ حَرْفٍ}: على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف الجبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر، وإلا انشمر. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح، فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ} الآية. وقال العوفي عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة، وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، رضي به، واطمأن إليه، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} والفتنة: البلاء، أي: وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً، وذلك الفتنة، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق، إن صلحت له دنياه، أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه، وتغيرت، انقلب، فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر. وقال مجاهد في قوله: {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي: ارتد كافراً. وقوله: {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَٰنُ ٱلْمُبِينُ} أي: هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة. وقوله: {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها، ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}. وقوله: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة، فضرره محقق متيقن. وقوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} قال مجاهد: يعني: الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى، يعني: ولياً وناصراً، {وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب {مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}. وقول مجاهد: إن المراد به الوثن، أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } أي شك في عبادته، شبه بالحالّ على حرف جبل في عدم ثباته {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } صحة وسلامة في نفسه وماله {ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } محنة وسقم في نفسه وماله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي رجع إلى الكفر {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا } بفوات ما أمِلَه منها {وَٱلأَخِرَةِ } بالكفر {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ } البيّن.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني على وشك وهو قول مجاهد، لكونه منحرفاً بين الإِيمان والكفر. والثاني: على شرط، وهو قول ابن كامل. والثالث: على ضعف في العبادة كالقيام على حرف، وهو قول علي بن عيسى. ويحتمل عندي تأويلاً رابعاً: أن حرف الشي بعضه، فكأنه يعبد الله بلسانه ويعصيه بقلبه. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} وهذا قول الحسن. الثاني: أن ذلك نزل في بعض قبائل العرب وفيمن حول المدينة من أهل القرى، كانوا يقولون: نأتي محمداً فإن صادفنا خيراً اتبعناه، وإلا لحقنا بأهلنا، وهذا قول ابن جريج، فأنزل الله تعالى: {فإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأنَّ بِهِ}. ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: اطمأن بالخير إلى إيمانه. الثاني: اطمأنت نفسه إلى مقامه. {وَإِن أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أي محنة في نفسه أو ولده أو ماله. {انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} يحتمل عندي وجهين: أحدهما: رجع عن دينه مرتداً. الثاني: رجع إلى قومه فزعاً. {خَسِرَ الدُّنْيَا والآخرة} خسر الدنيا بفراقه، وخسر الآخرة بنفاقه. {ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانِ الْمُبِينُ} أي البيِّن لفساد عاجله وذَهَاب آجله. قوله عز وجل: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئسْ الْعَشِيرُ} يعني الصنم، وفيه وجهان: أحدهما: أن المولى الناصر، والعشير الصاحب، وهذا قول ابن زيد. والثاني: المولى المعبود، والعشير الخليط، ومنه قيل للزوج عشير لخلطته مأخوذ من المعاشرة.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية نزلت في أعراب وقوم لا يقين لهم كان أحدهم اذا أسلم فاتفق له اتفاقات حسان من نمو ماله وولد ذكر يرزقه وغير ذلك قال هذا دين جيد وتمسك به لهذه المعاني، وإن كان الأمر بخلاف، تشاءم به وارتد كما صنع العرنيون وغيرهم، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقوله تعالى: {على حرف} معناه على انحراف منه عن العقيدة البيضاء او على شفى منها معدى للزهوق، و"الفتنة": الاختبار، وقوله تعالى: {انقلب على وجهه} عبارة للمولي عن الأمور وخسارته {الدنيا والآخرة}، أما {الدنيا} فبالمقادير التي جرت عليه، وأما {الآخرة} فبارتداده وسوء معتقده، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج "خاسراً الدنيا والآخرة" نصباً على الحال، وقوله تعالى: {ما لا يضره} يريد الأوثان، ومعنى {يدعو} يعبد، ويدعو أيضاً في ملماته، واختلف الناس في قوله تعالى: {يدعو لمن ضره} فقالت فرقة من الكوفيين اللام مقدمة على موضعها وإنما التقدير "يدعو من لضره"، ويؤيد هذا التأويل أن عبدالله بن مسعود قرأ "يدعو من ضره" وقال الأخفش {يدعو} بمعنى يقول، و {من} مبتدأ و {ضره} مبتدأ، و {أقرب} خبره، والجملة صلة، وخبر {من} محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب منه نفعه إله وشبه هذا، يقول عنترة: "يدعون عنتر والرماح كأنها" ع وهذا القول فيه نظر فتأمل إفساده للمعنى إذ لم يعتقد الكافر قط أن ضر الأوثان أقرب من نفعها واعتذار أبي علي هنا مموه، وأيضاً فهو لا يشبه البيت الذي استشهد به، وقيل المعنى في {يدعو} يسمى، وهذا كالقول الذي قبله، إلا أن المحذوف آخراً مفعول تقديره إلهاً، وقال الزجاج يجوز أن يكون {يدعو} في موضع الحال وفيه هاء محذوفة والتقدير ذلك هوالضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد {يدعو} فيكون قوله ذلك موصلاً بقوله {ذلك هو الضلال البعيد} ويكون {يدعو} عاملاً في قوله {ذلك} ع كون {ذلك} بمعنى الذي غير سهل وشبهه المهدوي بقوله تعالى: {أية : وما تلك بيمينك يا موسى} تفسير : [طه: 17] وقد يظهر في الآية أن يكون قوله {يدعو} متصلاً بما قبله، ويكون فيه معنى التوبيخ كأنه قال {يدعو} من لا يضر ولا ينفع. ثم كرر {يدعو} على جهة التوبيخ غير معدى إذ عدي أول الكلام ثم ابتدأ الإخبار بقوله {لمن ضره} واللام مؤذنة بمجيء القسم والثانية التي في {لبئس} لام القسم وإن كان أبو علي مال إلى أنها لام الابتداء والثانية لام اليمين، ويظهر أيضاً في الآية أن يكون المراد يدعو من ضره ثم علق الفعل باللام وصح أن يقدر هذا الفعل من الأفعال التي تعلق وهي أفعال النفس كظننت وخشيت، وأشار أبو علي إلى هذا ورد عليه، و {العشير} القريب المعاشر في الأمور، وذهب الطبري إلى أن المراد بالمولى والعشير هو الإنسان الذي يعبد الله على حرف ويدعو الأصنام، والظاهر أن المراد بـ {المولى} و {العشير} هو الوثن الذي ضره أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَرْفٍ} ميل، أو متحرفاً بين الإيمان والكفر، أو على ضعف في العبادة كقائم على حرف، نزلت في المنافق يعبد الله ـ تعالى ـ بلسانه ويعصيه بقلبه "ح"، أو في ناس من القبائل وفيمن حول المدينة كانوا يقولون نأتي محمداً فإن صادفنا عنده خيراً اتبعناه وإلا لحقنا بأهالينا {الْخُسْرَانُ} لذهاب الدنيا والآخرة.
النسفي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة وهو حال أي مضطرباً {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } صحة في جسمه وسعة في معيشته {ٱطْمَأَنَّ } سكن واستقر {بِهِ } بالخير الذي أصابه أو بالدين فعبد الله {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } شر وبلاء في جسده وضيق في معيشته {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } جهته أي ارتد ورجع إلى الكفر كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه. قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة مهاجرين وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سوياً وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شراً وانقلب عن دينه {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةَ } حال «وقد» مقدرة دليله قراءة روح وزيد {خاسر الدنيا والآخرة} والخسران في الدنيا بالقتل فيها وفي الآخرة بالخلود في النار {ذٰلِكَ } أي خسران الدارين {هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ } الظاهر الذي لا يخفى على أحد. {يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يعني الصنم فإنه بعد الردة يفعل كذلك {مَا لاَ يَضُرُّهُ } إن لم يعبده {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } إن عبده {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } عن الصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...} الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم؛ كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك ـــ قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد؛ كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس وغيره. وقوله: {عَلَىٰ حَرْفٍ} معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ: {عَلَىٰ حَرْفٍ}: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، انتهى. وقوله: {يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ} يريد الأوثانَ، ومعنى {يَدْعُواْ}: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: {لَمَن ضَرُّهُ}: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في {لَبِئْسَ}: لام القسم، و{ٱلْعَشِيرُ}: القريب المُعَاشِرُ في الأُمور. وفي الحديث في شأن النساء: «حديث : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» تفسير : يعني الزوج. قال أبو عمر بن عبد البر: قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}. انتهى من «التمهيد»، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ...} الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ اللّه تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟ قال هذا المعنى قتادة، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فَاخْتَنِقْ»، و {ٱلسَّمَاءِ} على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ»، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق. قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً؛ هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد؛ فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف ـــ ليس بهذا؛ ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً؛ إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع اللّه، وقال مجاهد: الضمير في {يَنصُرَهُ} عائدٌ على {مَنْ} والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين،، وما في قوله: {ما يغيظ} بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً؛ فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن. وقوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} مُعَادِلٌ له، ويؤيد هذا قوله تعالى بعد هذا: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} الآية.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الآية. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة: نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصحَّ بها جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكثر ماله قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيراً واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه، وقَلَّ مالُه قال ما أصبت منذ دخلت هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}. قال أكثر المفسرين: أي: على شك، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه. وقيل: على انحراف، أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف العسكر إن رأى خيراً ثبت وإلا فرَّ. و"عَلَى حَرْف" حال من فاعل "يَعْبُد" أي: متزلزلاً. ومعنى "عَلَى حَرْفٍ" أي على شك أو على انحراف أو على طرف الدين لا في وسطه. فصل لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه أعقبه بذكر المنافقين فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف العسكر، فإن أحس بغنيمة قرّ وإلا فَرّ، وهذا هو المراد بقوله {فَإن أصَابَهُ خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه}. قال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه، {فإن أصابه خير} صحة في جسمه وسَعَة في معيشته "اطمأن به" وسكن إليه، {وإن أصابته فتنة} بلاء في جسده وضيق في معيشته {انقلب على وجهه} ارتد ورجع إلى ما كان عليه من الكفر. فصل ذكروا في السبب وجوهاً: الأول: ما تقدم. والثاني: قال الضحاك: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس، قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصابنا خير عرفنا أنه حق، وإن كان غير ذلك عرفنا أنه باطل. الثالث: قال أبو سعيد الخدري: حديث : أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فقال: يا رسول الله أقلني فإني ما أصبت من ديني هذا خيراً ذهب بصري ومالي وولدي. فقال عليه السلام: "إنَّ الإسْلاَمَ لاَ يُقَالُ، إنَّ الإسْلاَمَ يَسْبِكُ كَمَا تَسْبِكُ النَّارُ خَبَثَ الحَدِيد والذَّهَبَ والفِضَّةَ" تفسير : ونزلت هذه الآية. وهاهنا إشكال، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن هذه السور مكيَّة إلا ست آيات ذكروها أولها {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ} تفسير : [الحج: 19] إلى قوله {أية : صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [الحج: 24] ولم يعدوا هذه الوقائع (التي ذكروها في سبب نزول هذه الآية مع أنهم يقولون إن هذه الوقائع) إنما كانت بالمدينة كما تقدم النقل عنهم. فإن قيل: كيف قال: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ} والخير أيضاً فِتْنَةٌ، لأنه امتحان. قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35]. فالجواب: مثل هذا كثيرٌ في اللغة، لأن النعمة بلاء وابتلاء قال تعالى {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} تفسير : [الفجر: 15] ولكن إنما يطابق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له؛ فلذلك وردت الآية على ما يعتقده. فإن قيل: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب. فالجواب أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره، فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة. فإن قيل: مقابل الخير هو الشر فلما قال {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ} كان يجب أن يقول: وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ. فالجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى: وإن أصابه شرٌّ بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح. قوله: {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ} قرأ العامة "خسر" فعلاً ماضياً، وهو يحتمل ثلاثة أوجه: الاستئناف، والحالية من فاعل "انْقَلَبَ"، ولا حاجة إلى إضمار (قد) على الصحيح. والبدلية من قوله "انقلب" كما أبدل المضارع من مثله في قوله {أية : يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ} تفسير : [الفرقان: 68، 69]. وقرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن والجحدري في آخرين "خَاسِر" بصيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، وهو توكيد كون الماضي في قراءة العامة حالاً وقرئ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فاعلاً بـ "انقلب"، ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: انقلب خاسر الدنيا والآخرة، والأصل: انقلب هو. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو خاسر. وهذه القراءة تؤيد الاستئناف في قراءة المضي على التخريج الثاني. وحق من قرأ "خاسر" رفعاً ونصباً أن يجر "الآخرة" لعطفها على "الدنيا" المجرورة بالإضافة. ويجوز أن يبقى النصب فيها، إذ يجوز أن تكون الدنيا منصوبة، وإنما حذف التنوين من "خاسر" لالتقاء الساكنين نحو قوله: شعر : 3750- وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلا تفسير : فصل معنى خسرانه الدنيا هو أن يخسر العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما خسران الآخرة فيفوته الثواب الدائم، ويحصل له العقاب الدائم، و{ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}. قوله: {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ} إن عصاه ولم يعبده، {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} إن أطاعه وعبده، و{ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} عن الحق والرشد وهذه الآية تدل على أن الآية الأولى لم ترد في اليهود؛ لأنهم ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام. والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى الرسول على وجه النفاق. قوله: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ}. فيه عشرة أوجه، وذلك أنه إما أن يجعل "يَدْعُو" متسلطاً على الجملة من قوله: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} أو لا، فإن جعلناه متسلطاً عليها كان فيه سبعة أوجه: الأول: أنّ "يَدْعُو" بمعنى يقول، واللام للابتداء و"من" موصولة في محل رفع بالابتداء، و"ضَرُّه" مبتدأ ثان، و"أَقْرَب" خبره، وهذه الجملة صلة للموصول، وخبر الموصول محذوف تقديره: يقول للذي ضره أقرب من نفعه: إله، أو إلهي، ونحو ذلك، والجملة كلها في محل نصب بـ "يَدْعُو" لأنه بمعنى يقول، فهي محكية به. وهذا قول أبي الحسن وعلى (هذا فيكون قوله: "لَبِئْسَ المَوْلَى" مستأنفاً ليس داخلاً في المحكي قبله، لأن الكفار لا يقولون في أصنامهم ذلك). (ورد بعضهم هذا الوجه بأنه فاسد المعنى) إذ الكافر لا يعتقد في الأصنام أنَّ ضرّها أقرب من نفعها البتة. الثاني: أنَّ "يَدْعُو" مشبه بأفعال القلوب، لأن الدعاء لا يصدر إلا عن اعتقاده وأفعال القلوب تعلق فـ "يَدْعُو" معلق أيضاً باللام، و"لَمَنْ" مبتدأ موصول، والجملة بعدة صلة، وخبره محذوف على ما مر في الوجه قبله، والجملة في محل نصب كما يكون كذلك بعد أفعال القلوب. الثالث: أن يضمن "يَدْعُو" معنى يزعم، فتعلق كما تعلق، والمعنى. والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله. الرابع: أنَّ الأفعال كلها يجوز أن تعلق قلبية كانت أو غيرها، فاللام معلقة لـ "يَدْعُو" وهو مذهب يونس، فالجملة بعده والكلام فيها كما تقدم. الخامس: أن "يَدْعُو" بمعنى يسمي، فتكون اللام مزيدة في المفعول الأول، وهو الموصول وصلته، ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره: يسمي الذي ضره أقرب من نفعه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس: أن اللام مزالة من موضعها، والأصل: يدعو من لضره أقرب، فقدمت من تأخر. وهذا قول الفراء. ورد هذا بأن ما في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول. السابع: أن اللازم زائدة في المفعول به وهو "من" التقدير: يدعو من ضره أقرب، فـ "من" موصولة والجملة بعدها صلتها، والموصول هو المفعول بـ "يدعو" زيدت فيه اللام كزيادتها في قوله: "رَدِفَ لَكُمْ" في أحد القولين ورد هذا بأن زيادة اللام إنما تكون إذا كان العامل فرعاً أو تقدم المفعول. وقرأ عبد الله "يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ" بغير لام الابتداء، وهي مؤيدة لهذا الوجه. وإن لم نجعله متسلطاً على الجملة بعده كان فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن "يَدْعُو" الثاني توكيد لـ "يدعو" الأول فلا معمول له، كأنه قيل: (يدعو يدعو) من دون الله الذي لا يضره ولا ينفعه، فعلى هذا تكون الجملة من قوله {ذلك هو الضلال} معترضة بين المؤكد والمؤكد، لأن فيها تشديداً وتأكيداً، ويكون قوله: "لَمَنْ ضَرُّهُ" كلاماً مستأنفاً، فتكون اللام للابتداء، و"مَنْ" موصولة، و"ضَرُّهُ" مبتدأ، و"أقرب" خبره، والجملة صلة، و"لَبِئْسَ" جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. الثاني: أن يجعل "ذلك" موصولاً بمعنى الذي، و"هو" مبتدأ، و"الضلال" خبره، والجملة صلة له، وهذا الموصول مع صلته في محل نصب مفعولاً بـ "يَدْعُو"، أي: يَدْعُو الذي هو الضلال وهذا منقول عن أبي علي الفارسي. وليس هذا ماش على رأي البصريين إذ لا يكون عندهم من أسماء الإشارة موصول إلا "ذا" بشروط تقدم ذكرها. (وأما الكوفيون فيجيزون في أسماء الإشارة مطلقاً) أن تكون موصولة، وعلى هذا فيكون {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ} مستأنفاً على ما تقدم. الثالث: أن يجعل "ذَلِكَ" مبتدأ و"هُوَ" جوزوا فيه أن يكون بدلاً أو فصلاً أو مبتدأ، و"الضلال" خبر "ذَلِكَ" أو خبر "هُوَ" على حسب الخلاف في "هُوَ" و"يَدْعُو" حال، والعائد منه محذوف تقديره: يدعوه وقدروا هذا الفعل الواقع موقع الحال بـ (مدعوًّا). قال أبو البقاء: وهو ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه. وكأن وجهه أن "يدعو" مبني للفاعل فلا يناسب أن يقدر الحال الواقعة موقعه اسم مفعول بل المناسب أن يقدر اسم فاعل، فكان ينبغي أن يقدروه داعياً، ولو كان التركيب يدعى مبنياً للمفعول لحسن تقديرهم: مدعو، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد يضرب، كيف يقدرونه بضارب لا بمضروب. فصل اختلفوا في المراد بقوله: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ}. قيل: المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم، لأنه يصح منهم أن يضروا، ويؤيد هذا أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذ الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. وقيل المراد الأوثان، ثم أجابوا عن التناقض بوجوه: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها، ولكن عبادتها سبب الضرر، وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها كقوله تعالى: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [إبراهيم: 36] فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذلك هنا نفى الضرر عنهم في الآية الأولى، بمعنى كونها فاعلة، وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وثانيها: كأنه سبحانه بيَّن في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ثم قال في الآية الثانية: ولو سلمنا كونها ضارة نافعة لكان ضرها أكثر من نفعها. وثالثها: أن الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها لا نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة إن ضركم أعظم من نفعكم. قوله: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} المولى هو الناصر، والعشير الصاحب والمعاشر. والمخصوص بالذم محذوف تقديره: لبئس المولى ولبئس العشير ذلك المدعو. واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق، لأنه لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله الذي هو خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء بقوله تعالى: {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ} والمراد ذم ما انتصروا بهم.
البقاعي
تفسير : ولما بين قسمي المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحاً. وأفهم المؤمن المخلص، عطف على ذلك المذبذب فقال: {ومن الناس} ولذلك عبر بالناس الذي مدلولة الاضطراب والتردد دون أن يضمر {من يعبد الله} أي يعمل على سبيل الاستمرار والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته {على حرف} فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره، لا استقرار له، وكالذي على طرف من العسكر، فإن رأى غنيمة قر، وإن توهم خوفاً طار وفر، وذلك معنى قوله: {فإن أصابه خير} أي من الدنيا {اطمأن به} أي بسببه، وثبت على ما هو عليه {وإن أصابته فتنة} أي مصبية ولو قلت - بما يشير إليه التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأة للناس {انقلب على وجهه} لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطاً لا رجوع له بعد إليه ولا حركة له معه، فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز، والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعاً متمكناً، وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه، فإنه إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء حمد وصبر، فكل قضاء الله له خير. ولما كان انقلاب هذا مفسداً لآخرته بما ناله من الوزر، وغير نافع له في استدراك ما فاته من الدنيا، كانت فذلكة ذلك قوله: {خسر الدنيا} أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تفسير : [المائدة: 66] "حديث : إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" تفسير : {والآخرة} بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع: ثم عظم مصيبته بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم {هو} أي لا غير {الخسران المبين*} ورى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله: {يدعوا} أي يعبد حقيقة أومجازاً مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة {أية : وإياك نستعين}تفسير : [الفاتحة: 5]. ولما كان كل ما سوى الله دونه، نبه على ذلك بقوله: {من دون الله} أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال. ولما كان المتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار، وأما الفعل الذي يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك، فإنه لا قدرة على الانفكاك عنه فلا حمد لفاعله، نبه على ذلك بقوله: {ما لا يضره} أي بوجه من الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه. ولما قدم الضر لأنه من الأعذار المقبوله في ارتكاب الخطأ، أتبعه النفع قطعاً لكل مقال فقال: {وما لا ينفعه} بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن وجد منه، ولو أسقطت "ما" من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر والنفع معاً حتى أن من ادعى ما انتفى عنه أحدهما لم يذم {ذلك} أي الفعل الدال على أعظم السفه وهو دعاء شيء انتفى عنه القدرة على النفع، أو شيء انتفى عنه القدرة على الضر {هو} أي وحده {الضلال البعيد*} عن الحق والرشاد الذي أوصل إلى فياف مجاهل لا يتأتى الرجوع منها، وذلك لأن الأول لو ترك عبادته ما قدر على منع إحسانه، والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ولا يترك ضره، فعبادتهما عبث، لأنه استوى فعلها وتركها. ولما كان الإحسان جالباً للانسان، من غير نظر إلى مورده، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، بين أن ما قيل في جانب النفع إنما هو على سبيل الفرض فقال: {يدعوا} ولما كان ما فرض أولاً فيما عبر عنه بـ "ما" قد يكون غير عاقل، فيكون ما صدر منه لعدمه العقل، أزال هذا الإبهام بقوله: {لمن} أي زاعماً أن من {ضره} ولو بعبادته الموجبة لأعظم الشقاء {أقرب من نفعه} الذي يتوقع منه - إله. ولما كانت الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر على حد سواء، لقدرته على كل منهما باختياره، وكان العشير لا يصلح إلا إن كان مأمون العاقبة، وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير قادر عليه، أو في جانب النفع فكذلك، وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ضره أقرب من رجاء نفعه، استحق غاية الذم فلذلك استأنف تعالى وصفه بقوله معبراً في ذمه بالأداة الموضوعة لمجامع الذم: {لبئس المولى} لكونه ليس مرجو النفع كما هو مخشي الضر {ولبئس العشير*} لكونه ليس مأمون الضر فهو غير صالح لولاية ولا لعشرة بوجه. ولما أفهم ما تقدم أن هذا الإله المدعو إليه قادر على كل من النفع والضر بالاختبار، وأن تجويز الوقوع لكل منهما منه على حد سواء، نبه على ذلك بقوله مستأنفاً: {إن الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص {يدخل الذين آمنوا} برسله وما دعت إليه من شأنه {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان بعد ما ضرهم في الدنيا بأنواع المعايب، تطهيراً لهم مما اقترفوه من الزلات، وأهوتهم إليه الهفوات {جنات تجري من تحتها} أي من أيّ مكان أردت من أرضها {الأنهار} ولما كان هذا أمراً باهراً دل على سهولته بقوله: تصريحاً بما أفهمه السياق من وصف الاختيار: {إن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يفعل ما يريد*} من كل نفع وضر.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به؛ وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير. فأنزل الله {ومن الناس من يعبد الله على حرف}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان أحدهم إذا قدم المدينة - وهي أرض وبيئة - فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن اليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً؛ وإن رجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً. وذلك الفتنة. وأخرج ابن مردويه من طريق عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: حديث : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أقلني. فقال: إن الإسلام لا يقال. فقال: لم أصب في ديني هذا خيراً. ذهب بصري ومالي ومات ولدي...! فقال: يا يهودي، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة"تفسير : . ونزلت: {ومن الناس من يعبد الله على حرف}. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال: على شك. وفي قوله {فإن أصابه خير} قال: رخاء وعافية {اطمأن به} قال: استقر {وإن أصابته فتنة} قال: عذاب ومصيبة {انقلب على وجهه} قال: ارتد على وجهه كافراً. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال: كان الرجل يأتي المدينة مهاجراً، فإن صح جسمه وتتابعت عليه الصدقة وولدت امرأته غلاماً وأنتجت فرسه مهراً، قال: والله لنعم الدين وجدت دين محمد صلى الله عليه وسلم هذا، ما زلت أعرف الزيادة في جسدي وولدي؛ وإن سقم بها جسمه واحتبست عليه الصدقة وأزلقت فرسه وأصابته الحاجة وولدت امرأته الجارية، قال: والله لبئس الدين دين محمد هذا، والله ما زلت أعرف النقصان في جسدي وأهلي وولدي ومالي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال: على شك {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} يقول: إن أصاب خصباً وسلوة من عيش وما يشتهي، اطمأن إليه وقال: أنا على حق وأنا أعرف الذي أنا عليه {وإن أصابته فتنة} أي بلاء {انقلب على وجهه} يقول: ترك ما كان عليه من الحق فأنكر معرفته، خسر الدنيا والآخرة. يقول: خسر دنياه التي كان لها يحزن وبها يفرح ولها يسخط ولها يرضى، وهي همه وسدمه وطلبته ونيته، ثم أفضى إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها خيراً {فذلك هو الخسران المبين}. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يدعو من دون الله ما لا يضره} إن عصاه في الدنيا {وما لا ينفعه} إن أطاعه وهو الصنم {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} يقول: ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا {لبئس المولى} يقول: الصنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد {لبئس المولى ولبئس العشير} قال: الصاحب.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} [11] قال: المؤمن وجه بلا قفا، كرّار غير فرّار، تراه يجاهد في دين الله وطاعته، من إقامة توحيده واقتدائه بنبيه، وإدامة التضرع، واللجأ إلى الله رجاء الاتصال به من موضع الاقتداء، كما روى زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أمتي إلا دخل الجنة إلا من أبى، قلنا: ومن الذي يأبى ذلك؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى أن يدخل الجنة ". تفسير : قوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ}[11] يعني الذي يتبع الهوى إن رضي قلبه وفرحت نفسه بعاجل حظها اطمأن به، وإلا رجع إلى ما يدعوه الهوى من الكفر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} [الآية: 11]. قال الواسطى رحمة الله عليه: على رهن ارتهنه فاطمأن إليه كذلك. قال يحيى بن معاذ: الناس من مخافة فضيحة الدنيا وقعوا فى فضيحة الآخرة، ومن أجل نفوسهم أهلكوا أنفسهم بنفوسهم. وقال بعضهم: على طمع أن يرى ثواب عمله، أو يجازى على قدر أعماله، منهم يرى فضله وأفعاله. وقال بعضهم: المغرور من غرته رؤية فعله فظن أنه يصل بعمل إلى ربه، ولا يرى فضل الله عليه أن وفقه لخدمته، أو يسر عليه سبيل طاعته، فعبد الله على طمع الثواب طالبًا منه ثواب أعماله. قوله تعالى: {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} [الآية: 11]. قال بعضهم: الخسران فى الدنيا ترك الطاعات، ولزوم المخالفات، والخسران فى الآخرة: كثرة الخصوم والتبعات. قال بعضهم: خسران الدنيا تضييع الأوقات، وخسران الآخرة بالسكون إلى الجنان، والاشتغال بها.
القشيري
تفسير : يعني يكون على جانبٍ، غير مخلص... لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جَحْداً يبين الشقاق؛ فإنْ أصابه أَمْنٌ وخير ولِينٌ اطمأن به وسَكَنَ إليه، وإن أصابته فتنةٌ أو نالته محنة ارتدَّ على عقبيه ناكساً،وصار لِمَا أظهر من وفاقه عاكساً. ومَنْ كانت هذه صفته فقد خسر في الدارين، وأخفق في المنزلتين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} على طمع وهوى ورؤية عرض وطمع كرامات ومحمدة الخلق ونيل الدنيا فاذا اصابته امانيه سكن فى العابدة واذا لم يجد شيئا منها ترك التخلى بحلية الاولياء قال تعالى فى وصفه {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} ثم بين خافى الدنيا والأخرة بقوله {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ} خسرانه فى الدنيا فقدان القبول ----- عند الخلق وافتضاحه عنهم وسقوطه من طريق السنة والعبادة الى الضلالة والبدعة ---- الأخرة بقاؤه فى الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنيان البعد قال الواسطى يعبد الله على حرف على رهن واطمان اليه قال بعضهم على طمع ان يرى ثواب عمله او يحازى على قدر اعماله قال بعضهم الخسران فى الدنيا ترك الطاعات ولزموا المخالفات والخسران فى الأخرة كثرة الخصوم والتبعات وقالت رابعة فى قوله ومن الناس من يعبد الله على حرف كيف يكون ما منك اليه عوضا لما منه اليك وما منك اليه لا يكون الا بما منه اليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس} ـ روى ـ ان الآية نزلت فى اعاريب قدموا المدينة وكان احدهم اذا صح بدنه ونتجت فرسه مهريا سريا وولدت امرأته ولدا وكثر ماله وماشيته قال ما اصبت منذ دخلت فى دينى هذا الاخير او اطمأن وان كان الامر بخلافه قال ما اصبت الا شرا وانقلب فقال تعالى وبعض الناس {من يعبد الله} حال كونه {على حرف} اى على طرف من الدين لا فى وسطه وقلبه فلا ثبات له فيه كالذى ينحرف على طرف الجيش فان احسن بظفر قر والا فر فالحرب الطرف والناحية وصف الدين بما هو من صفات الاجسام على سبيل الاستعارة التمثيلية، قال الراغب حروف الهجاء اطراف الكلمة الرابطة بعضها ببعض {فان اصابه} [بس اكر برسد اورا] {خير} اى دينوى من الصحة والسعة {اطمأن} في الدين {به} بذلك الخير والاطمئنان السكون بعد الانزعاج، قال الكاشفى [آرام كيرد بدين وثابت شود برآن بسبب آن جيز] انتهى اي ثبت على ما كان عليه ظاهرا الا باطنا اذ ليس له اطمئنان المؤمنين الراسخين {وان اصابته فتنة} اى شىء يفتن به من مكروه يعتريه فى نفسه او اهله او ماله فالمراد بالفتنة ما يستكرهه الطبع ويثقل على النفس والا لما صح ان يجعل مقابلا للخير لانه ايضا فتنة وامتحان وان اصابه شر مع انه المقابل للخير لان ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه بل هو سبب القربة ورفع الدرجة وبشرط التسليم والرضى بالقضاء {انقلب على وجهه} الانقلاب الانصراف والرجوع والوجه بمعنى الجهة والطريقة اى ارتد ورجع الى الكفر، قال الكاشفى [بر كردد برروى خود يعنى ازجهتى كه آمده بدان جهت عود كند مراد آنست كه مرتد كردد واز دين اسلام دست بردارد]، يقول الفقير قوله في بحر العلوم تحول عن وجهه فانكب فرجع الى ماكان عليه من الكفر يشير الى ان على بمعنى عن كما ذهب اليه بعضهم فى قوله تعالى {أية : وما من دابة في الارض الا على الله رزقها}تفسير : حيث فسره بالجهة التى اقبل اليها وهى الاسلام {خسر الدنيا والآخرة} فقدهما وضيعهما بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد والاظهر ان خسران الدنيا ذهاب اهله حيث اصابته فتنة وخسران الآخرة الحرمان من الثواب حيث ذهب الدين ودخل النار مع الداخلين كما قال الكاشفى [زيان كرد در دنياكه بمراد نرسد وزيان دراد درآخت كه عملهاى اونابو شد] {ذلك} [زيان هردو سراى] {هو الخسران المبين} [آنست زيان هويدا جه برهمه عقلا ظاهر است زيان ازان عظيم ترنيست] شعر : نه مال ونه اعمال نه دنيا ونه دين لامعه صدق ونه انوار يقين درهر دوجهان منفعل وخوار وحزين البته زيانى نبود بدتر ازين تفسير : قال بعضهم الخسران في الدنيا ترك الطاعات ولزوم المخالفات والخسران فى الآخرة كثرة الخصوم والتبعات.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لَمَن ضره}: قال ابن عطية: جرى فيه إشكال؛ وهو دخول اللام على "مَنْ"، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه؛ أحدها: أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال: يدعو مَنْ لَضَرُّهُ أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها: أنَّ {يدعوا} تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: {لَمَن ضره}، فمن مبتدأ، وخبره: {لبئس المولى} - قلت -: وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها: أن معنى {يدعو}: يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. هـ. قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو: أن مفعول {يدعو} محذوف، ويكون ضميرًا يعود على الضلال، وجملة: {يدعو}: حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي: حال كونه مدعوًا له، ويكون قوله: {لمن ضره} مستأنفًا مبتدأ، خبره: {لبئس المولى}. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يعبد الله على حَرْفٍ} أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرَّ، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس: "كان الرجل يَقدمُ المدينة، فإن ولدت امرأتُهُ غلامًا ونُتجَتْ خَيْلُه، قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تَلِد امرأته، ولم تنتج خيلُه، قال: هذا الدين سُوء". وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالاً مجملاً، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني: مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر أسلم إسلامًا ضعيفًا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا...} الآية. ثم كمَّل حال المذبذب بقوله: {فإِن أصابه خيرٌ} أي: دنيوي؛ من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، {اطمأن به} أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرًا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. {وإِن أصابته فتنةٌ}: بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، {انقلب على وجهه} أي: ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونتجَتْ فَرَسُه مُهْرًا سريًا، وولدت امرأته غلامًا سويًا، وكَثُرَ مالُه وماشيته، قال: ما أصبتُ، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرًا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال: ما أصبتُ إلا شرًّا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أَنَّ يهُوديًا أَسْلَمَ فَأَصابَتْهُ مَصَائبُ، وتَشَاءَمَ بالإِسْلامِ، فَأَتَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَال: أَقِلْنِي، فقال: "حديث : إنَّ الإسْلاَمَ لا يُقالُ"تفسير : فَنَزلت. {خَسِرَ الدنيا والآخرة}: فَقَدَهُما، وضيعهما؛ بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب: خاسر، على حال. {ذلك هو الخسران المبين}؛ الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله. ثم بيَّن وجه خسرانه بقوله: {يدعو} أي: يعبد {مِن دون الله} أي: متجاوزًا عنه تعالى، {ما لا يضرُّه} إذا لم يعبده، {وما لا ينفعه} إذا عبده. {ذلك} الدعاء {هو الضلالُ البعيد} أي: التلف البعيد عن الحق. {يدعو} أي: يعبد {لَمَن ضَرُّهُ} أي: الصنم الجامد الذي ضرره {أقربُ من نفعه}. وقرأ ابن مسعود: "يدعو من ضره"، بحذف اللام. أو: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي: وهنا إشكال: وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب: أن الضر المنفي أولاً يُراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئًا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يُراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. هـ. {لبئس المولى} أي: الناصر، {ولبئس العَشِيرُ} أي: الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لِمَنْ ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن الناس من يعبد الله على حرف؛ على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تُسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي: حالة واحدة، فإن أصابه خير؛ كقوة ونشاط وورود حال؛ اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة؛ كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة. خسران الدنيا: ما يفوته من عزّ الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة: ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين - فالواجب على العبد أن يكون عبدًا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالاً على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة. قال بعضهم: سيروا إلى الله عَرْجَى ومكاسير. وفي الحكم: "إلهي؛ قد علمتُ، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء". وقال أيضًا: "لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء". فكن عبد المحوِّل، ولا تكن عبد الحال، فالحال تَحُولُ وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدًا لله، ولا تكن عبدًا لغيره. شعر : لِكَلِّ شَيء إن فارقْتَهُ عِوَضٌ وَلَيْسَ لله إنْ فَارقَْتَ مِنْ عِوَض ثمَّ شفع الحق تعالى بضد ما ذكره قبل
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وابو عمرو، ورويس، وورش {ثم ليقطع} ثم {أية : ليقضوا} تفسير : - بسكون اللام - فيهما، ووافقهم قنبل فى {ثم ليقضوا}. الباقون بسكون اللام. معنى قوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي فى الناس من يوجه عبادته إلى الله على ضعف في العبادة، كضعف القيام على حرف جرف، وذلك من اضطرابه فى استيفاء النظر المؤدي الى المعرفة. فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها، ولا يعمل فى حلها. والحرف والطرف والجانب نظائر. والحرف منتهى الجسم، ومنه الانحراف الانعدال الى الجانب. وقلم محرف قد عدل بقطعته عن الاستواء إلى جانب، وتحريف القول هو العدول به عن جهة الاستواء، فالحرف معتدل الى الجانب عن الوسط. وقال مجاهد: معنى على حرف على شك. وقال الحسن: يعبد الله على حرف يعني المنافق يعبده بلسانه دون قلبه. وقيل على حرف الطريقة لا يدخل فيها على تمكين. وقوله {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه} قال ابن عباس: كان بعضهم إذا قدم المدينة فان صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن اليه، وإن اصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، قال ما اصبت منذ كنت على ديني هذا إلا شراً. وكل ذلك من عدم البصيرة. وقيل: انها نزلت في بني أسد كانوا نزلوا حول المدينة. و {الفتنة} - ها هنا - معناه المحنة بضيق المعيشة، وتعذر المراد من أمور الدنيا. ثم اخبر الله تعالى أن من هذه صفته على خسران ظاهر، لانه يخسر الجنة، وتحصل له النار. ثم اخبر عن من ذكره انه {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} يعني الاصنام والاوثان، لانها جماد لا تضر ولا تنفع، فانه يعبدها دون الله. ثم قال تعالى {ذلك هو الضلال البعيد} يعني عبادة ما لا يضر ولا ينفع من العدول عن الصواب، والانحراف عن الطريقة المستقيمة الى البعيد عن الاستقامة. و "ذلك" فى موضع نصب بـ {يدعو} ومعناه (الذي) كأنه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعوه. وقوله {يدعو لمن} مستأنف على ما ذكره الزجاج. وقوله {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} يعني يدعو هذه الاصنام التي ضررها أقرب من نفعها، لان الضرر بعبادتها عذاب النار، والنفع ليس فيها. وإنما جاز دخول اللام في {لمن ضره} لأن {يدعو} معلقة، وإنما هي تكرير للأولى، كأنه قال: يدعو - للتأكيد - للذي ضره أقرب من نفعه يدعو. ثم حذفت {يدعو} الأخيرة اجتزاء بالأولى. ولا يجوز قياساً على ذلك ضربت لزيد، ولو قلت بدلا من ذلك يضرب لمن خيره اكثر من شره يضرب، ثم حذفت الخبر جاز. والعرب تقول عندي لما غيره هو خير منه، كأنه قال للذي غيره خير منه عندي، ثم حذف الخبر من الثاني، والابتداء من الاول، كأنه قال عندي شيء غيره خير منه وعلى هذا يقال: اعطيك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. وقيل: في خبر (لمن ضرره) أنه {لبئس المولى}. وقيل: يدعو بمعنى يقول. والخبر محذوف. وتقديره يقول لمن ضره أقرب من نفعه: هو آلهة، قال عنترة: شعر : يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم تفسير : اي يقولون يا عنتر، وقيل تقدر اللام التأخر، وإن كانت متقدمة. والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه. وقوله {لبئس المولى ولبئس العشير} فالمولى هو الولي، وهو الناصر الذي يولي غيره نصرته إلا أنها نصرة سوء، والعشير الصاحب المعاشر أي المخالط - فى قول ابن زيد - وقال الحسن: المولى - ها هنا - الولي. وقيل: ابن العم اي بئس القوم لبني عمهم بما يدعونهم اليه من الضلال. وقيل: اللام لام اليمين، والتقدير يدعو وعزتي لمن ضره أقرب من نفعه. ثم اخبر تعالى انه {يدخل الذين آمنوا} بالله وأقروا بواحدانيته وصدقوا رسله {وعملوا} الاعمال {الصالحات} التي امرهم بها {جنات} أي بساتين {تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد} من ذلك لا اعتراض عليه فى ذلك. ثم قال {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} فالهاء في قوله {ينصره الله} قال ابن عباس وقتادة: عائدة الى النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمعنى من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه ولا يعينه على عدوه، ويظهر دينه فليمت غيظاً. والنصرة المعونة - فى قول قتادة - وقال مجاهد والضحاك: أن الكناية عائدة الى (من) والمعنى إن من ظن أن لا ينصره الله. وقال ابن عباس: النصرة - ها هنا - الرزق. والمعنى من ظن ان الله تعالى لا يرزقه، والعرب تقول: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. وقال الفقعسي: شعر : وإنك لا تعط امرءاً فوق حظه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره تفسير : اي معطيه وجايده، ويقال نصر الله أرض فلان أي جاد عليها بالمطر وقوله {فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع} قيل في معنى {السماء} قولان: احدهما - قال ابن عباس: اراد سقف البيت. والسبب الحبل. وقال ابن زيد: الى السماء سماء الدنيا والسبب المراد به الوحي الى النبي (صلى الله عليه وسلم) {ثم ليقطع} الوحي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمعنى من ظن أنه لا يرزقه الله على وجه السخط لما اعطى {فليمدد} بحبل الى سماء بيته واضعاً له في حلقه، على طريق كيد نفسه ليذهب غيظه به. وهذا مثل ضربه الله لهذا الجاهل. والمعنى مثله مثل من فعل بنفسه هذا، فما كان إلا زائداً فى بلائه. وقيل: هذا مثل رجل وعدته وعداً، ووكدت على نفسك الوعد، وهو يراجعك. لا يثق بقولك له، فتقول له: فاهب فاختنق، يعني اجهد جهدك فلا ينفعك، وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين نفروا من اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) خيفة من المشركين يخشون أن لا يتم له أمره. وقرأ ابن مسعود {يدعو من ضره أقرب من نفعه} بلا لام. الباقون باثبات اللام، ووجهه أن (من) كلمة لا يبين فيها الاعراب فاستجازوا الاعتراض باللام دون الاسم الذي يبين فيه الاعراب، ولذلك قالت العرب: عندي لما غيره خير منه. وقد يجوز أن يكون {يدعو} الثانية من صلة الضلال البعيد، ويضمر في يدعو الهاء. ثم يستأنف الكلام باللام. ولو قرئ بكسر اللام كان قوياً. قال الفراء: كأن يكون المعنى يدعو الى ما ضره أقرب من نفعه، كما قال تعالى {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا} تفسير : أي الى هذه إلا انه لم يقرأ به احد. وقوله {وكذلك أنزلناه} اي مثل ما ذكرنا من الادلة الواضحة أنزلناه {آيات} واضحات، لان {الله يهدي من يريد} منه فعل الطاعات ويدله عليها.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الحرف الطّرف والجانب، شبّه العابد الشّاكّ فى امره المتزلزل فى عبادته بالغازى الغير العازم على القتال الشّاكّ المتزلزل من امر الغلبة الّذى يكون دائماً على طرف من الجنود فان كان فتح وغلبة يوافق الجند والاّ يفرّ وصحّ تفسيره بالشّاكّ فى الله وبمن اقرّ بالله وشكّ فى محمّدٍ (ص)، وبمن تزلزل فى امره وترقّب الخير والشّرّ بحسب دنياه كما قال {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} والمراد بالخير الخيرات البدنيّة وبالفتنة الشّرور البدنيّة، ويجوز ان يراد بالحرف الكسب يعنى من النّاس من يعبد الله مشتملاً على كسب منه للدّنيا والخيرات البدنيّة فى عبادته يعنى يجعل عبادته وسيلةً لدنياه فان اصابها اطمأنّ والاّ انقلب مكبّاً على وجهه {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} خسر بمعنى ضلّ وصار مغبوناً وباع بنقصان رأس المال ونقص المال مثل اخسر فى الاخير، ونصب الدّنيا والآخرة على الظّرفيّة فى الجميع، او على الظّرفيّة فى غير الاخير وعلى كونه مفعولاً به فى الاخير، او على التّشبيه بالمفعول به فى الجميع، او فى غير الاخير مثل حسن الوجه بنصب الوجه، وخسرانه فى دنياه بانفاد عمره الّذى هو بضاعته الثّمينة بلا عوضٍ فانّ العوض فى الدّنيا هو التّلذّذ بمناجاة الله وفراغ القلب عمّا يشوّشه وطهارته عن الحقد والحسد والبخل وسائر الرّذائل، وفى الآخرة نعيمها وجنّاتها ورضوان من الله وهو اكبر، وهذا العابد محروم من الكلّ، على انّه لا يستلذّ بمستلذّاته الحيوانيّة ايضاً فى الدّنيا لعدم اطمينانه واضطرابه فى كلّ حال {ذٰلِكَ} الخسران الّذى هو الحرمان عن مستلذّات الانسان فى الدّنيا والآخرة، وعن مستلذّات الحيوان {هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ} اى من دون اذن الله او من للتّبعيض والظّرف مستقرّ حال من قوله {مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} لانّ مدعوّه ومعبوده فى الحقيقة هوى نفسه وهو يزعم انّه يعبد الله فى طرف من الدّين وهوى نفسه لا يقدر على ضرّه ولا على نفعه والآية تعريض بمن اقرّ بمحمّد (ص) ورسالته ولم يقرّ بقوله فى علىٍّ (ع) ولا بعلىٍّ (ع) {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} نسبة البعد الى الضّلال مجاز عقلىّ والحصر ههنا وفى قوله ذلك هو الخسران المبين حقيقىّ او ادّعائىّ.
الأعقم
تفسير : {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الآية نزلت في ناس من المنافقين كان بعضهم إذا قدم المدينة مهاجراً وصح جسمه ونتجت فرسه مهراً وولدت امرأته غلاماً وكثرت ماشيته رضي به واطمأن اليه وقال: ما أصبت مذ دخلت في هذا الدين إلاَّ خيراً، وإن أصابه وجع باطن وولدت امرأته جارية وذهب ماله قال: ما أصبت من يوم دخلت في هذا الدين إلاَّ شراً، فنزلت الآية {ومن الناس من يعبد} عن ابن عباس، وقيل: نزلت في المنافقين لأنهم يمدحون الدين في وقت ويذمونه في وقت، وقيل: نزلت في بني أسد جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسألوه أفضاله فإن أعطاهم قالوا: نعم الدين هذا، وإن منعهم قالوا: نرجع إلى الشرك، الحرف والطرف والجانب نظائر ومنه حرف السيف {فإن أصابه خير} في بدنه وسعة في معيشته {اطمأن به} أي شكر {وإن أصابته فتنة} بلاء في جسمه وضيق في معاشه {انقلب على وجهه} أي رجع إلى ما كان عليه {خسر الدنيا والآخرة} أي ذهب حظه في الدارين من العز والكرامة {ذلك هو الخسران المبين} الظاهر {يدعو} من يعبد الله على حرف {ما لا يضره وما لا ينفعه} يعني الأوثان لا ينفع إن أطاعه ولا يضر إن عصاه {ذلك هو الضلال البعيد} أي الذاهب عن الحق {يدعو لمن ضرُّه أقرب من نفعه}، قيل: الأصنام، وقيل: الرؤساء لأنها لا تنفع وعبادتها تضر {لبئس المولى ولبئس العشير} المولى الناصر، والعشير الصاحب النافع، ثم بيَّن تعالى ما ينال باتباع أمره إذا كان من تقدّم باتباعهم الضلال فقال سبحانه: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنَّات تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت أشجارها وأبنيتها {إن الله يفعل ما يريد} فيجازي كل أحد بعمله، وقيل: نزول قوله: {من كان يظن أن لن ينصره الله} الآية نزلت في أسد وغطفان تنافلوا عن الإِسلام وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد فيقطع الذي بيننا وبين اليهود من الحلف فلا يميرونا، قال جار الله: هذا كلام قد دخله اختصار، والمعنى أن الله ناصر رسوله {في الدنيا والآخرة} الآية فمن كان يظن حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه فليستقص وسعه ويستفرغ جهده في إزالة ما يعطيه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مدَّ حبلاً إلى سماء بيته فاختنق {فلينظر} ويتصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يعطيه، وسمي الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه، وسمي فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكيد به محسوده إنما كاد به نفسه، وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء المظلمة، وليصعد عليه فليقطع الوحي أن ينزل، وقد فسر النصر بالرزق، وقيل: معناه أن الأرزاق من الله لا ينال إلا بمشيئته، ولا بدّ للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظن أن الله غير رازقه وليس به صبر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، قال في الحاكم: من كان يظن أن الله لا ينصر نبيّه وأنه يتهيَّأ له أن يغلب نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {فليمدد بسبب إلى السماء} أي ليطلب شيئاً يصل به إلى السماء فيقطع نصر الله لنبيَّه على أعدائه، وإنما ذكر السماء لأن النصر يأتيه من قبل السماء ومن قبل الملائكة.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} طرف من الدين لا ثبات له فهو في شك واضطراب لا في وسط الدين وقلبه كالذي يكون على طرف جبل أو كالذي يكون على طرف العسكر ان احسّ بظفر وغنيمة (قر وإلا فر) كما قال عز وعلا {فَإِنَ أَصَابَهُ خَيْرَ اطْمَأَنَ} رضي وسكن * {بِهِ} وقال انا منكم الخير المال والصحة في النفس والولد * {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} ابتلاء في مال أو نفس أو ولد {انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} رجع إلى الكفر؛ شبه الارتداد بالانكباب على الوجه. قيل: نزلت هذه الآية في أعاريب قدموا المدينة فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرءته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته فقال: ما اصبت مذ دخلت في ديني الا خيرا واطمئنان وان كان الامر بخلافه قال ما اصبت الا شرا وانقلب. وعن أبي سعيد الخدري ان رجلا من اليهود اسلم فاصابته مصائب فتشاءم بالاسلام فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقلني فقال ان الاسلام لا يقال فنزلت. والاول قول ابن عباس {خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَةَ} فعل ومفعول وفاعل مستتر اما خسران الدنيا فبذهاب نعمته واما خسران الآخرة فلعدم صبره فيثاب ولحبوط عمله بالارتداد قال ابن هشام وفيها قراءة غريبة وهي {خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَةَ} بخفض (الآخرة) عطفا على الدنيا المخفوض على اضافة خسر إليه على ان خسر صفة مشبة كفهم وفطن منصوب على الحال لا ماض مبني على الفتح. وقرأ الاعرج (خاسر الدنيا والآخرة) بالخفض على اضافة اسم الفاعل. وقرأ بعض (خاسرا) بالتنوين ونصب ما بعده وبعضهم (خاسر) بالرفع والاضافة على انه فاعل انقلب وضعا للظاهر موضع المضمر أو خبر لمحذوف أي هو (خاسر الدنيا والآخرة) فليس فيه ذلك الوضع {ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ الْمُبِينُ} إذ لا خسران مثله ووجه (الخسران) ما عداه من الخسران كاللاخسران لعظمه.
اطفيش
تفسير : {ومن النَّاس مَنْ يعبُد الله علَى حَرفٍ} طرف من الدين بلا تشبث، وتوغل فيه، وفى حرف استعارة مفردة إذ شبه حاله فى الدين بطرف الشىء، وليست الجملة استعارة مركبة تمثيلية، لأن قوله يعبد الله حقيقة على أصله، وإنما يجوز ذكر المشبه فى الجملة التى يقال لها كناية، فانه يجوز إرادة الحقيقة وغيرها فيها، ولو كان المعنى انه كالذى فى ظرف الجيش إن احسّ بظفر فر، وإلا فر كما فسر ذلك بقوله سبحانه: {فإن أصابه خيرٌ} كالرخاء والعافية والولد والمال والصحة مما يشتهيه، أو لم يخطر بباله {اطمأن به} ثبت على ذلك الطرف من الدين {وإن أصابَتْه فِتنةٌ} كغلاء ومرض وخسارة وموت ولد مما يفتن به. {انْقَلب على وجْهِه} رجع الى الشرك، شبه لرجوع اليه بالانكباب على الوجه، أو بالذهاب الى الجهة المقابلة لوجهه ولو حفرة أو بئراً أو سبخة أو جبلا أو حريقاً كالمنهزم من حرب قلقا، فهو مقابل لاطمأن، وفى الانقلاب على الوجه استعارة اشتق منها، انقلب، قال ابن عباس: كان الرجل يقدم المدينة فان ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله فقال: هذا دين صالح وإلا قال، دين سوء، وضعف ابن حجر ما روى عن أبى سعيد، أسلم يهودى فذهب بصره وماله وولده، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقلنى أصبت بالإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإسلام لا يقال الإسلام يسبك الرجل كما تسبك النار خبث الذهب والفضة والحديد" تفسير : فنزلت الآية، ووجه ضعفه أن اليهود لا تعبد الأصنام، وقد ذكرت فى قوله: "أية : يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه" تفسير : [الحج: 12] إلا أن يقال ما لرهبانهم، إذ كانوا معهم كألاصنام، وهو خلاف الأصل، ولو عبر بمن بعد أيضا. وقيل عن ابن عباس: نزلت فى شبيب بن ربيعة أسلم قبل ظهروه صلى عليه وسلم، وارتد بعد ظهوره وعن الحسن فى المنافقين {خَسِر الدنْيا والآخرِة} فاته ما يسره فيهما مستأنف، أو دل من نقلب على وجهه بدل الشىء من الشىء، أو عطف بيان على جوازه فى الجمل، أو حال من ضمير إنقلب، ولو لم تكن فيه قد. وتقدر {ذلك الخسران البعيد} جداً، أو الانقلاب البعيد جداً، ولا يصح ما قيل إشارة البعد لكون المشار اليه غير مذكور صريحاً، لأن ذكر انقلب وخسر ذكر له {هو الخْسران المُبِين} لا يشك فيه.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} شروع في [بيان] حال المذبذبين أي ومنهم من يعبده تعالى كائناً على طرف من الدين لا ثبات له فيه كالذي يكون في طرف الجيش فإن أحس بظفر قرّ وإلا فرّ ففي الكلام استعارة تمثيلية، وقوله تعالى: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} الخ تفسير لذلك وبيان لوجه الشبه، والمراد من الخير الخير الدنيوي كالرخاء والعافية والولد أي إن أصابه ما يشتهي {ٱطْمَأَنَّ بِهِ} أي ثبت على ما كان عليه ظاهراً لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين الذين لا يزحزحهم عاصف ولا يثنيهم عاطف. {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أي شيء يفتن به من مكروه يعتريه في نفسه أو أهله أو ماله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} أي مستولياً على الجهة التي يواجهها غير ملتفت يميناً وشمالاً ولا مبال بما يستقبله من حرار وجبال، وهو معنى قوله في «الكشاف»: طار على وجهه وجعله في «الكشف» كناية عن الهزيمة، وقيل هو هٰهنا عبارة عن القلق لأنه في مقابلة {ٱطْمَأَنَّ}، وأياً ما كان فالمراد ارتد ورجع عن دينه إلى الكفر. أخرج البخاري وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: كان الرجل يقدم المدينة فإذا ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء، وأخرج ابن مردويه عن أبـي سعيد قال: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم من الإسلام فأتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني فقال عليه الصلاة والسلام: إن الإسلام لا يقال فقال: لم أصب من ديني هذا خيراً ذهب بصري ومالي ومات ولدي فقال صلى الله عليه وسلم: يا يهودي الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة فنزلت هذه الآية، وضعف هذا ابن حجر، وقيل: نزلت في شيبة بن ربيعة أسلم قبل ظهوره عليه الصلاة والسلام وارتد بعد ظهوره وروي ذلك عن ابن عباس، وعن الحسن أنها نزلت في المنافقين. {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} جملة مستأنفة أو بدل من {ٱنْقَلَبَ} كما قال أبو الفضل الرازي أو حال من فاعله بتقدير قد أو بدونها كما هو رأي أبـي حيان، والمعنى فقد الدنيا والآخرة وضيعهما حيث فاته ما يسره فيهما. وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب والجحدري وابن مقسم {خاسر} بزنة فاعل منصوباً على الحال لأن إضافته لفظية، وقرىء {خاسر} بالرفع على أنه فاعل {ٱنْقَلَبَ } وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ليفيد تعليل انقلابه بخسرانه، وقيل: إنه من التجريد ففيه مبالغة، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو خاسر، والجملة واردة على الذم والشتم. {ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الخسران، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في غاية ما يكون، وقيل إن أداة البعد لكون المشار إليه غير مذكور صريحاً {هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ} أي الواضح كونه خسراناً لا غير.
ابن عاشور
تفسير : هذا وصف فريق آخر من الذين يقابلون الأمر بالتقوى والإنذار بالساعة مقابلة غير المطمئن بصدق دعوة الإسلام ولا المُعرض عنها إعراضاً تاماً ولكنهم يضعون أنفسهم في معرض الموازنة بين دينهم القديم ودين الإسلام. فهم يقبلون دعوة الإسلام ويدخلون في عداد متبعيه ويرقبون ما ينتابهم بعد الدخول في الإسلام فإن أصابهم الخيَر عقب ذلك عَلموا أن دينهم القديم ليس بحق وأنّ آلهتهم لا تقدر على شيء لأنها لو قدرت لانتقمت منهم على نبذ عبادتها وظنوا أن الإسلام حق، وإن أصابهم شرّ من شرور الدنيا العارضة في الحياة المسببة عن أسباب عادية سخطوا على الإسلام وانخلعوا عنه. وتوهموا أن آلهتهم أصابتهم بسوء غضباً من مفارقتهم عبادتها كما حكى الله عن عَاد إذ قالوا لرسولهم {أية : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}تفسير : [هود: 54]. فالعبادة في قوله تعالى {من يعبد الله على حرف} مراد بها عبادة الله وحده بدليل قوله تعالى: {أية : يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه}تفسير : [الحج: 12]. والظاهر أن هذه الآية نزلت بالمدينة، ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس في قوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن وَلدت امرأته غلاماً ونُتجت خيله قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دينُ سُوءٍ. وفي رواية الحسن: أنها نزلت في المنافقين يعني المنافقين من الذين كانوا مشركين مثل: عبد الله بن أبي بن سلول، وهذا بعيد لأنّ أولئك كانوا مبطنين الكفر فلا ينطبق عليهم قوله {فإن أصابه خير اطمأن به}. وممن يصلح مثالاً لهذا الفريق العرنيُّون الذين أسلموا وهاجروا فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يلحقوا براعي إبل الصدقة خارج المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحوا فلمّا صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذّود وفَروا، فألحق بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الطلبَ في أثرهم حتى لحقوا بهم فأمر بهم فقتلوا. وفي حديث «الموطأ»: حديث : أن أعرابياً أسلم وبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصابه وعكٌ بالمدينة، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقيله بَيعته فأبى أن يقيله، فخرج من المدينة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -«المدينة كالكير تنفي خبَثها وينصَع طيبها» تفسير : فجعله خبثاً لأنه لم يكن مؤمناً ثابتاً. وذكر الفخر عن مقاتل أن نفراً من أسد وغَطفان قالوا: نخاف أن لا ينصر الله محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا فنزل فيهم قوله تعالى: {أية : من كان يظن أن لن ينصره الله}تفسير : [الحج: 15] الآيات. وعن الضحاك: أن الآية نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم: عيينة بن حِصن والأقرع بن حَابِس والعبّاس بن مِرداس قالوا: ندخل في دين محمد فإن أصبْنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل. وهذا كله ناشىء عن الجهل وتخليط الأسباب الدنيوية بالأسباب الأخروية، وجعل المقارنات الاتفاقية كالمعلومات اللزومية. وهذا أصل كبير من أصول الضلالة في أمور الدين وأمور الدنيا. ولنعم المعبّر عن ذلك قوله تعالى {خسر الدنيا والآخرة} إذ لا يهتدي إلى تطلب المسببات من أسبابها. وحَرف الشيء طَرفه وجَانبه سواء كان مرتفعاً كحرف الجبل والوادي أم كان مستوياً كحرف الطريق. ويطلق الحرف على طرف الجيش ويجمع على طِرَف بوزن عِنب قال في «القاموس»: ولا نظير له سوى طَللٍ وطِلَل. وقوله تعالى: {يعبد الله على حرف} تمثيل لحال المتردد في عمله، يريد تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جَبَل أو حرف وادٍ فهو متهيّىء لأن يزِل عنه إلى أسفله فينقلب، أي ينكَب. ومعنى اطمأن: استقر وسكن في مكانه. ومصدره الاطمئنان واسم المصدر الطُمَأنينة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : في[سورة البقرة: 260]. والمعنى: استمر على التوحيد فرحاً بالخير الذي أصابه، واستقرار مثل هذا على الإيمان يصيره مؤمناً إذا زال عنه التردد. وحال هؤلاء قريب من حال المؤلّفة قلوبهم. والانقلاب: مطاوع قلبه إذا كبّه، أي ألقاه على عكس ما كان عليه بأن جعل ما كان أعلاه أسفله كما يُقلب القالب ــــ بفتح اللام ــــ. فالانقلاب مستعمل في حقيقته، والكلام تمثيل. وتفسيرنا الانقلاب هنا بهذا المعنى هو المناسب لقوله {على وجهه} أي سقط وانكب عليه، كقول امرىء القيس:شعر : يكب على الأذقان دوح الكنهبل تفسير : وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم -«حديث : إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا كبّهُ الله على وجهه».تفسير : وحرف الاستعلاء ظاهر وهو أيضاً الملائم لتمثيل أول حاله بحال من هو على حرف. ويطلق الانقلاب كثيراً على الانصراف من الجهة التي أتاها إلى الجهة التي جاء منها، وهو مجاز شائع وبه فسر المفسرون. ولا يناسب اعتباره هنا لأن مثله يقال فيه: انقلب على عقبيه لا على وجهه، كما قال تعالى: {أية : إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}تفسير : [البقرة: 143] إذ الرجوع إنما يكون إلى جهة غير جهة الوجه. والفتنة: اضطراب الحال وقلق البال من حدوث شر لا مدفع له، وهي مقابل الخير. وجملة {خسر الدنيا والآخرة} بدل اشتمال من جملة {انقلب على وجهه}. وجملة {ذلك هو الخسران المبين} معترضة بين جملة {انقلب على وجهه} وجملة {أية : يدعو من دون الله}تفسير : [الحج: 12] التي هي في موضع الحال من ضمير {انقلب}أي أسقط في الشرك. والخسران: تلف جزء من أصل مال التجارة، فشبه نفع الدنيا ونفع الآخرة بمال التاجر الساعي في توفيره لأن الناس يرغبون تحصيله، وثني على ذلك إثبات الخسران لصاحبه الذي هو من مرادفات مال التجارة المشبه به، فشبه فوات النفع المطلوب بخسارة المال. وتعليق الخسران بالدنيا والآخرة على حذف مضاف. والتقدير خسر خير الدنيا وخير الآخرة. فخسارة الدنيا بسبب ما أصابه فيها من الفتنة، وخسارة الآخرة بسبب عدم الانتفاع بثوابها المرجوّ له. والمبين: الذي فيه ما يبين للناس أنه خسران بأدنى تأمل. والمراد أنه خسران شديد لا يخفى. والإتيان باسم الإشارة لزيادة تمييز المسند إليه أتم تمييز لتقرير مدلوله في الأذهان. وضمير {هو} ضمير فصل، والقصر المستفاد من تعريف المسند قصر ادعائي. ادعي أن ماهية الخسران المبين انحصرت في خسرانهم، والمقصود من القصر الادعائي تحقيق الخبر ونفي الشك في وقوعه. وضمير الفصل أكد معنى القصر فأفاد تقوية الخبر المقصور.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - وَمِنَ النَّاسِ صِنْفٌ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإِيْمَانُ مِنْ قَلْبِهِ، بَلْ هُوَ مُتَزَعْزِعُ العَقِيدَةِ، تَتَحَكَّمُ مَصَالِحُهُ فِي إِيْمَانِهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ رَخَاءٌ وَسَعَةُ عَيْشٍ، رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَاسْتَبْشَرَ بالدِّينِ فَعَبَدَ الله، وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ وَبَلاَءٌ، وَضِيقُ عَيْشٍ، ارْتَدَّ وَرَجََعَ إِلَى الكُفْرِ فَخَسِرَ فِي الدُّنْيَا رَاحَةَ الاطْمِئْنَانِ إِلَى قَضَاءِ اللهِ وَنَصَرِهِ، كَمَا خَسِرَ فِي الآخِرَةِ النَّعِيمَ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعضِ الأَعْرَابِ الذينَ كَانُوا يَأتُونَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُسْلِمُونَ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلاَدِهِم فإِنْ وَجَدُوا عَامَ غَيْثٍ وَخِِصْبٍ، وَعَامَ وِلاَدٍ حَسَنٍ قَالُوا: إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ. وإِنْ وَجَدُوا عَامَ جَدْبٍ، وَعَامَ وِلاَدِ سُوءٍ، قَالُوا: مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). وَهَذِهِ الآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى المُنَافِقِ الذي إِنْ صَلَحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى العِبَادَةِ، وإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَت انْقَلَبَ كَافِراً فَلاَ يُقِيمُ عَلَى العِبَادَةِ إِلاَّ لِمَا صَلَحَ مِنْ دُنْيَاهُ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوْ ضِيْقٌ تَرَكَ دِيْنَهُ، وَرَجَعَ إِلَى الكُفْرِ، وَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}، فَلاَ يَحْصُلُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى شَيءٍ. وَأَمَّا الآخِرَةُ فَقَدْ كَفَرَ بالله العَظِيمِ، فَهو فِيهَا فِي غَايَةِ الشَّقَاءِ والإِهَانَةِ، وَلِهذا قَالَ تَعَالَى:{ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي الخَسَارَةُ العظِيمةُ والصَفْقَةُ الخَاسِرَةُ عَلَى حَرْفِ - علَى شَكٍّ وَقَلَقٍ وَتَزَلْزُلٍ فِي الدِّينِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ..} [الحج: 11] العبادة: أنْ تطيع الله فيما أمر فتنفذه، وتطيعه فيما نهى فتجتنبه، بعض الناس يعبد الله هذه العبادة طالما هو في خير دائم وسرور مستمر، فإذا أصابه شَرٌّ أو وقع به مكروه ينقلب على وجهه {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ..} [الحج: 11]. والحق سبحانه يريد من عبده أنْ يُقبل على عبادته في ثبات إيمان، لا تزعزعه الأحداث، ولا تهز إيمانه فيتراجع، ربك يريدك عبداً له في الخير وفي الشر، في السراء وفي الضراء، فكلاهما فتنة واختبار، وما آمنتَ بالله إلا لأنك علمتَ أنه إله حكيم عادل قادر، ولا بد أنْ تأخذ ما يجري عليك من أحداث الحياة في ضوء هذه الصفات. فإنْ أثقلتْك الحياة فاعلم أن وراء هذه حكمة إنْ لم تكن لك فلأولادك من بعدك، فلعلهم إنْ وجدوك في سعة وفي خير طَمِعُوا وفسدوا وطَغَوْا، ولعل حياة الضيق وقِلَّة الرزق وتعبك لتوفر متطلبات الحياة يكون دافعاً لهم. واقرأ قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7] وقوله تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 35]. لا بُدَّ أنْ تعرف هذه الحقائق، وأنْ تؤمن بحكمة ربك في كل ما يُجريه عليك، سواء أكان نعيماً أو بُؤْساً، فإنْ أصابك مرض أقعدك في بيتك فَقُلْ: ماذا حدث خارج البيت، أبعدني الله عنه وعافاني منه؟ فلعل الخير فيما تظنه شراً، كما قال تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 216]. وقد أجرى علماء الإحصاء إحصاءات على بعض بيوتنا، فوجدوا الإخوة في البيت الواحد، وفي ظروف بيئية واحدة وأب واحد، وأم واحدة، حتى التعليم في المدرس على مستوى واحد، ومع ذلك تجد أحد الأبناء مستقيماً ملتزماً، وتجد الآخر على النقيض، فلمَّا بحثوا في سبب هذه الظاهرة وجدوا أن الولد المستقيم كانت فترة تربيته وطفولته في وقت كان والده مريضاً ويلازم بيته لمدة ست سنوات، فأخذ هذا الولد أكبر قِسْط من الرعاية والتربية، ولم يجد الفرصة للخروج من البيت أو الاختلاط برفاق السوء. وفي نموذج آخر لأحد الأبناء المنحرفين وجدوا أن سبب انحرافه أن والده في فترة تربيته وتنشئته كان تاجراً، وكان كثير الأسفار، ومع ذلك كان يُغْدِق على أسرته، فتربَّى الولد في سَعَة من العيش، بدون مراقبة الأب. وفي نموذج آخر وجدوا أخوين: أحدهما متفوق، والآخر فاشل، ولما بحثوا أسباب ذلك رغم أنهما يعيشان ظروفاً واحدة وجدوا أن الابن المتفوق صحته ضعيفة، فمال إلى البيت والقراءة والاطلاع، وكان الآخر صحيحاً وسيماً، فمال إلى حياة الترف، وقضى معظم وقته خارج البيت. والأمثلة في هذا المجال كثيرة. إذن: فالابتلاءات لها مغانم، ومن ورائها حِكَم؛ لأنها ناشئة وجارية عليك بحكمة ربك وخالقك، وليست من سَعْيك ولا من عمل يدك، وما دامت كذلك فارْضَ بها، واعبد الله بإخلاص وإيمان ثابت في الخير وفي الشر. ومعنى: {يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ..} [الحج: 11] والحرف: هو طرف الشيء، كأن تدخل فتجد الغرفة ممتلئة فتجلس على طرف في آخر الجالسين، وهذا عادةً لا يكون معه تمكُّن واطمئنان، كذلك مَنْ يعبد الله على حرف يعني: لم يتمكَّن الإيمان من قلبه، وسرعان ما يُخرِجه الابتلاء عن الإيمان، لأنه عبد الله عبادةً غير متمكنة باليقين الذي يصدر عن المؤمن بإله حكيم فيما يُجريه على عبده. والآية لم تترك شيئاً من هواجس النفس البشرية سواء في الخير أو في الشر. وتأمل قول الله تعالى: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ..} [الحج: 11] وكذلك: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ..} [الحج: 11] فأنت لا تقول: أصبتُ الخيرَ، إنما الخير هو الذي أصابك وأتاك إلى بابك، فأنت لا تبحث عن رزقك بقدر ما يبحث هو عنك؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ..}تفسير : [الطلاق: 2-3]. ويقول أهل المعرفة: رِزْقك أعلم بمكانك منك بمكانه، يعني يعرف عنوانك أما أنت فلا تعرف عنوانه، بدليل أنك قد تطلب الرزق في مكان فلا تُرزَق منه بشيء، وقد ترى الزرع في الحقول زاهياً تأمل فيه المحصول الوفير، وتبني عليه الآمال، فإذا بعاصفة أو آفة تأتي عليه، فلا تُرزَق منه حتى بما يسدُّ الرَّمَق. ولنا عبرة ومثَلٌ في ابن أُذَيْنة حين ضاقت به الحال في المدينة، فقالوا له: إن لك صحبة بهشام بن عبد الملك الخليفة الأموي فاذهب إليه ينالك من خير الخلافة، وفعلاً سافر ابن أذينة إلى صديقه، وضرب إليه أكباد الإبل حتى الشام، واستأذن فأَذن له، واستقبله صاحبه، وسأله عن حاله فقال: في ضيق وفي شدة. وكان في مجلس الخليفة علماء فقال له: يا عروة ألست القائل - وكان ابن أُذَيْنَة شاعراً: شعر : لَقَد عَلِمت ومَا الإسْرَافُ مِنْ خُلُقِي أَنَّ الذي هُوَ رِزْقي سَوْفَ يأْتِينِي؟ تفسير : وهنا أحسَّ عروة أن الخليفة كسر خاطره، وخَيَّب أمله فيه، فقال له: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، لقد ذكَّرت مني ناسياً، ونبَّهْتَ مني غافلاً، ثم انصرف. فلما خرج ابن أُذيْنة من مجلس الخليفة، وفكَّر الخليفة في الموقف وأنَّب نفسه على تصُّرفه مع صاحبه الذي قصد خَيْره، وكيف أنه رَدَّه بهذه الصورة، فأراد أنْ يُصلِح هذا الخطأ، فأرسل إليه رسولاً يحمل الهدايا الكثيرة، إلا أن رسول الخليفة كلما تبع ابن أُذَيْنة في مكان وجده قد غادره إلى مكان آخر، إلى أنْ وصل إلى بيته، فطرق الباب، وأخبره أن أمير المؤمنين قد ندم على ما كان منه، وهذه عطاياه وهداياه. وهنا أكمل ابن أُذيْنة بيته الأول، فقال: شعر : أسْعَى لَهُ فَيُعَنِّيني تطلُّبه وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لاَ يُعنِّيني تفسير : كذلك نلحظ في هذه الآية: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ..} [الحج: 11] ولم يقابل الخير بالشر، إنما سماها (فتْنَة) أي: اختبار وابتلاء؛ لأنه قد ينجح في هذا الاختبار فلا يكون شراً في حَقِّه. ومعنى: {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ..} [الحج: 11] يعني: عكس الأمر، فبعد أنْ كان عابداً طائعاً انقلب إلى الضِّدِّ فصار عاصياً {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ..} [الحج: 11] وخسْران الإنسان لعبادته خسران كبيرٌ لا يُجْبَر ولا يُعوِّضه شيء؛ لذلك يقول بعدها: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الحج: 11] فهل هناك خُسْران مبين، وخسران غير مبين؟ نعم: الخسران هو الخسارة التي تُعوَّض، أما الخسارة التي لا عِوضَ لها فهذه هي الخسران المبين الذي يلازم الإنسان ولا ينفكُّ عنه، وهو خُسْران لا يقتصر على الدنيا فقط فيمكن أنْ تُعوِّضه أو تصبر عليه، إنما يمتد للآخرة حيث لا عِوضَ لخسارتها ولا صَبْر على شِدَّتها. فالخسران المبين أي: المحيط الذي يُطوِّق صاحبه. لذلك نقول لمن فقد عزيزاً عليه، كالمرأة التي فقدت وحيدها مثلاً: إنْ كان الفقيد حبيباً وغالياً فبيعوه غالياً وادخلوا به الجنة، ذلك حين تصبرون على فَقْده وتحتسبونه عند الله، وإنْ كنتم خسرتم به الدنيا فلا تخسروا به الآخرة، فإنْ لطَمْنا الخدود وشَقَقْنَا الجيوب، واعترضنا على قَدَر الله فيه فقد خسرنَا به الدنيا والآخرة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن ". تفسير : والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء مرتبة من مراتب الإيمان، ومرحلة من مراحل اليقين في نفس المؤمن، وهي بداية وعَتَبة يتلوها مراحل أخرى ومراقٍ، حَسْب قوة الإيمان. اسمع إلى هذا الحوار الذي دار بين أهل المعرفة من الزُّهَّاد، وكيف كانوا يتباروْنَ في الوصول إلى هذه المراقي الإيمانية، ويتنافسون فيها، لا عن مُبَاهاة ومفاخرة، إنما عن نية خالصة في الرُّقي الإيماني. يسأل أحد هؤلاء المتمكِّنين صاحبه: كيف حال الزهاد في بلادكم؟ فقال: إن أصابنا خير شكرنا، وإن أصابنا شَرٌّ صبرنا، فضحك الشيخ وقال: وما في ذلك؟! إنه حال الكلاب في بَلْخ. أما عندنا: فإنْ أصابنا خير آثرنا، وإنْ أصابنا شَرٌّ شكرنا. وهذه ليست مباهاة إنما تنافس، فكِلاَ الرجلين زاهد سالك لطريق الله، يرى نفسه محسوباً على هذا الطَريق، فيحاول أنْ يرتقيَ فيه إلى أعلى مراتبه، فإياك أنْ تظن أن الغاية عند الصبر على البلاء والشُّكْر على العطاء، فهذه البداية وبعدها منازل أعْلَى ومَراقٍ أسمى لمن طلبَ العُلاَ، وشمَّر عن ساعد الجد في عبادة ربه. انظر إلى أحد هؤلاء الزُّهَّاد يقول لصاحبة: أَلاَ تشتاق إلى الله؟ قال: لا، قال مُتعجباً: وكيف ذلك؟ قال: إنما يُشتاق لغائب، ومتى غاب عني حتى أشتاق إليه؟ وهكذا تكون درجات الإيمان وشفافية العلاقة بين العبد وربه عز وجل. ثم يقول الحق سبحانه عن هذا الذي يعبد الله على حرف: {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} [الآية: 11]. قال: يعني: على شك. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا أدم، قال: نا ورقاءُ عن أبي أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ}. يعني: رخاءً {ٱطْمَأَنَّ بِهِ} يعني: استقر {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ}. يعني: عذاباً ومصيبة {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}. يقول: ارتد على وجهه كافراً [الآية: 11]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} [الآية: 13]. يعني: الوثن.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} معناه عَلَى شَكٍّ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} [الحج: 11] يشير إلى بعض الطالبين من لا صدق له ولا ثبات في الطلب، فيكون من أهل التمني بطلب الله على شك، فإن أصابه خير مما يلائم نفسه وهواه أو فتوحاً من الغيب أطمأن به، وأقام على الطالب في الصحبة، وإن أصابته فتنة بلاء وشدة وضيق في المجاهدات أو الرياضات، وترك الشهوات، ومخالفة الناس، وملازمة الخدمة، ورعاية حق الصحبة، والتأدب بآداب الصحبة، والتأمل عن الإخوان انقلب على وجهه بتبديل الأقوال والإنكار، والاعتراض، والتسليم بالإباء، والاستكبار، والإرادة بالارتداد، والصحبة بالهجران {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} [الحج: 11] أي: خسر ما كان عليه من الدنيا بتركها، وخسر الآخرة بالارتداد عن الطلب والصحبة. ومن هنا قال المشايخ مرتد الطريقة أخسر من مرتد الشريعة: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الحج: 11] فإن من رده قلب صاحب قلب يكون مردود القلوب كلها؛ وذلك لأنه {يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الحج: 12] أي: يعبد ويطلب ما سوى الله تعالى {مَا لاَ يَضُرُّهُ} [الحج: 12] في الآخرة إن تركه {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} [الحج: 12] إن طلبه {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} [الحج: 12] أي: جعله بعيداً من الله تعالى {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} [الحج: 13] أي: يطلب من ضرره في الآخرة {أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} [الحج: 13] أي: أكثر من الانتفاع به في الدنيا {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ} [الحج: 13] ما عبدوه وما طلبوه غير الحق {وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} [الحج: 13] ما عاشروه في الدنيا وشهواتها. ثم أخبر عن أهل الجنات والدرجات بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الحج: 14] يشير إلى أنه من يدخل الجنة بمجرد الإيمان التقليدي والأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] أي: يوفق للإيمان الحقيقي والعمل الصالح من يريد ويشاء، كقوله تعالى: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الإنسان: 31]. وبقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [الحج: 15] يشير إلى أن من كان ظنه بالله ظن السوء بألاَّ ينصره في الدنيا على الكفار، وفي الآخرة بألاَّ يدخل الجنة، فإنه من الظانين بالله ظن السوء، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له جهنم، وساءت مصيراً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباني عن الله تعالى: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء" تفسير : يعني: من ظن بي خيراً أصابه خيراً، ومن ظن بي شرّاً أصابه شر، وفي رواية أخرى قال الله تعالى: "حديث : فليطلب طريقاً إلى السماء، ثم ليقطع صادقاً تقديري في الأزل ونزول أحكامي من السماء، فلينظر هل يذهبن كيده؟" تفسير : أي: هل نقطع كيده في إبطال أحكامي النازلة من السماء مما يغيظ؟ أي: سبب غيظه وكذلك؛ أي: كذا ما قررنا من بطلان سعي في إبطال أحكامنا {أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } [الحج: 16] أي: دلالات واضحات إليك يا محمد {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] إلى الجنة من يشاء، وفيه إشارة أخرى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] من الهداية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ } أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } من حصول مكروه، أو زوال محبوب { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } أي: ارتد عن دينه، { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ } أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } أي: الواضح البين. { يَدْعُو } هذا الراجع على وجهه { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ } وهذا صفة كل مدعو ومعبود من دون الله، فإنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، { ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ } الذي قد بلغ في البعد إلى حد النهاية، حيث أعرض عن عبادة النافع الضار، الغني المغني ، وأقبل على عبادة مخلوق مثله أو دونه، ليس بيده من الأمر شيء بل هو إلى حصول ضد مقصوده أقرب، ولهذا قال: { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ } فإن ضرره في العقل والبدن والدنيا والآخرة معلوم { لَبِئْسَ الْمَوْلَى } أي: هذا المعبود { وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } أي: القرين الملازم على صحبته، فإن المقصود من المولى والعشير، حصول النفع، ودفع الضرر، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فإنه مذموم ملوم.
همام الصنعاني
تفسير : 1903- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}: [الآية: 11]، قال: على شك {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ}: [الآية: 11]، يقول: فأن كثر ماله، وكثرت ماشيته اطمأن وقال: لم يُصِبْني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير. {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ}: [الآية: 11]، يقول: إن ذهب ماله، وذهبت ماشيته، {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):