٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال معبودهم، بن في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه، وأما معبودهم فلا يضر ولا ينفع. وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى: { أية : فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء:173] واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } قالوا: أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة (ما) للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } أجاب الكعبي عنه بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره. والجواب: أن قوله {ما يريد} أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص. أما قوله: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } فالهاء إلى ماذا يرجع؟ فيه وجهان: الأول: وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه والرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث ههنا عن أمرين: أحدهما: أنه من الذي كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدًا صلى الله عليه وسلم؟ والثاني: أنه ما معنى قوله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ }؟. أما البحث الأول: فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه الآية. وثانيها: قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا. وثالثها: أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه على أعدائه، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك. وأما البحث الثاني: فاعلم أن في لفظ السبب قولين: أحدهما: أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت، ومنهم من قال هو السماء في الحقيقة، فقالوا المعنى: من كان يظن أن لن ينصره الله، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه. وعلى هذا القول اختلفوا في القطع فقال بعضهم: سمى الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، وسمى فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ. وهذا قول الكلبي ومقاتل وقال ابن عباس رضي الله عنه: يشد الحبل في عنقه وفي سقف البيت، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ويهلك، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين. وقال آخرون: المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيداً، ولأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك، بل الغرض أن يكون ذلك صارفاً له عن الغيظ إلى طاعة الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا والاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت، لأن ذلك ممكن. أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين: الأول: كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة، ثم لينظر فإنه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئاً وهو قول أبي مسلم. والثاني: كأنه قال فليطلب سبباً يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله لنبيه، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله، فإذا كان ذلك ممتنعاً كان غيظه عديم الفائدة، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه، وهو في معنى قوله: { أية : فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [الأنعام: 35] مبيناً بذلك أنه لا حيلة له في الآيات التي اقترحوها القول الثاني: أن الهاء في قوله: {لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ } راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق. وقال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله. أي من يعطيني أعطاه الله، فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفه تعالى في قوله: { أية : وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } تفسير : [الحج: 11] فيبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقاً. أما قوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات. أما قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ } فقد احتج أصحابنا به فقالوا: المراد من الهداية، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله: {يَهْدِى مَن يُرِيدُ } دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه له. وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً. وثالثها: أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد:17] وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب: عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله: {يَهْدِي مَن يُرِيدُ } يقتضي عدم الوجوب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضاً. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء؛ فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله؛ لا أن فعل الرب معلل بفعل العبيد.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك الطالح لا دافع له ولا مانع.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك، وهدى هؤلاء، قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } من الفروض والنوافل {جَنَٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } من إكرام من يطيعه وإهانة من يعصيه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يرزقه الله، وهو قول مجاهد، والنصر الرزق، ومنه قول الأعشى. شعر : أبوك الذي أجرى عليّ بنصره فأنصب عني بعده كل قابل تفسير : والثالث: معناه أن لن يمطر أرضه، ومنه قول رؤبة: شعر : إني وأسطار سطران سطرا لقائل يا نصرَ نصرٍ نصرا تفسير : إني عبيدة: يقال للأرض الممطرة أرض منصورة. {فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} والنصر في الدنيا بالغلبة، وفي الآخرة بظهور الحجة. ويحتمل وجهاً آخر أن يكون النصر في الدنيا علو الكلمة، وفي الآخرة علو المنزلة. {فَلْيَمْدُدْ بِسبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} فيه تأويلان: أحدهما: فليمدد بحبل إلى سماء الدنيا ليقطع الوحي عن محمد ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ أي يذهب الكيد منه ما يغيظه من نزول الوحي عليه، وهذا قول ابن زيد. والثاني: فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه، ثم لِيخْنقَ به نفسه فلينظر هل يذهب ذلك بغيظه من ألا يرزقه الله تعالى، وهذا قول السدي.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر تبارك وتعالى حالة من يعبده {أية : على حرف} تفسير : [الحج: 11] وسفه رأيهم وتوعدهم بخسارة الآخرة عقب ذلك بذكر مخالفيهم من أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به من إدخاله إياهم الجنة، ثم أخذت الآية في توبيخ أولئك الأولين وإسلامهم إلى رأيهم، وإحالتهم على ما فيه عنتهم وليس فيه راحتهم كأنه يقول هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا أن الله تبارك وتعالى لن ينصر محمداً وأتباعه ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك، {فليمدد بسبب} وليختنق ولينظر هل يذهب بذلك غيظه، قال هذا المعنى قتادة وهذا على جهة المثل السائر قولهم دونك الحبل فاختنق، يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه، و"السبب" الحبل، و"النصر" معروف، إلا أن أبا عبيدة ذهب به إلى معنى الرزق كما قالوا أرض منصورة أي ممطورة وكما قال الشاعر: [الطويل] شعر : وإنك لا تعطي امرأً فوق حقه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره تفسير : وقال: وقف بنا سائل من بني أبي بكر فقال من ينصرني ينصره الله، و {السماء} على هذه الأقوال الهواء علواً فكأنه أراد سقفاً أو شجرة أو نحوه وقال ابن زيد {السماء} هي المعروفة، وذهب إلى معنى آخر كأنه قيل لمن يظن أن الله تعالى لا ينصر محمداً إن كنت تظن ذلك فامدد {بسبب إلى السماء} واقطعه إن كنت تقدر على ذلك فإن عجزت فكذلك لا تقدر على قطع سبب محمد صلى الله عليه وسلم إذ نصرته من هنالك والوحي الذي يأتيه. قال القاضي أبو محمد: و"القطع" على هذا التأويل ليس بالاختناق بل هو جزم السبب، وفي مصحف ابن مسعود "ثم ليقطعه" بهاء، والجمهور على أن القطع هنا هو الاختناق، وقال الخليل: وقطع الرجل إذا اختنق بحبل أو نحوه ثم ذكر الآية، وتحتمل الآية معنى آخر وهو أن يراد به الكفار وكل من يغتاظ بأن ينصره الله ويطمع أن لا ينصر قيل له من ظن أن هذا لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالة فليختنق هذا الظان غيظاً وكمداً ويؤيد هذا أن الطبري والنقاش قالا: ويقال نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا نخاف أن ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع، والمعنى الأول الذي قيل فيه للعابدين {أية : على حرف} تفسير : [الحج: 11] ليس بهذا ولكنه بمعنى من قلق واستبطأ النصر وظن أن محمداً لا ينصر فليختنق سفاهة إذ تعدى الأمر الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في {ينصره} عائد على {من} والمعنى من كان من المتقلقين من المؤمنين. ع والضمير في التأويل الذي ذكرناه في أن يراد الكفار لا يعود إلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وقالت فرقة: الضمير عائد على الدين والقرآن، وقرأ أبو عمرو وابن عامر "لِيقطع فلِينظر" بكسر اللام فيهما على الأصل وهي قراءة الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون اللام فيهما في لام الأمر في كل القرآن مع الواو والفاء و"ثم"، واختلف عن نافع وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وعيسى، ع أما الواو والفاء إذا دخلا على الأمر فحكى سيبويه أنهم يرونها كأنها من الكلمة، فسكون اللام تخفيف وهو أفصح من تحريكها، وأما "ثم" فهي كلمة مستقلة فالوجه تحريك اللام بعدها ع وقد رأى بعض النحويين الميم من "ثم" بمنزلة الواو والفاء، وقوله تعالى: {ما يغيظ} يحتمل أن تكون {ما} بمعنى الذي، وفي {يغيظ} عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، و"الكيد" هو مده السبب ع وأبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلاً ويكون "النصر" المعروف و"القطع" الاختناق و {السماء} الارتفاع في الهواء بسقف أو شجرة ونحوه فتأمله، وقوله تعالى: {وكذلك أنزلناه} إلى {شهيد} المعنى وكما وعدنا بالنصر وأمرنا بالصبر كذلك أنزلنا القرآن آية بينة لمن نظر واهتدى لا ليقترح معها ويستعجل القدر، وقال الطبري: المعنى وكما بينت حجتي على من جحد قدرتي على إحياء الموتى {كذلك أنزلناه} والضمير في {أنزلناه} عائد على القرآن، وجاءت هذه الضمائر هكذا لم يتقدم ذكر لشهرة المشار إليه نحو قوله تعالى: {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32] وغيره، وقوله تعالى: {وأن} في موضع خير الابتداء والتقدير والأمر أن الله يهدي من يريد، وهداية الله تعالى هي خلقه الرشاد والإيمان في نفس الإنسان، ثم أخبر الله تعالى عن فعله بالفرق المذكورين وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام وغيره، واليهود والصابئون وهم قوم يعبدون الملائكة ويستقبلون القبلة ويوحدون الله ويقرؤون الزبور قاله قتادة {والنصارى والمجوس} وهم عبدة النار والشمس والقمر، والمشركون وهم عبدة الأوثان، قال قتادة الأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن وخبر {إن} قوله تعالى الله {يفصل بينهم}، ثم دخلت {إن} على الخبر مؤكدة وحسن ذلك لطول الكلام فهي وما بعدها خبر {إن} الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية. بقول الشاعر: [البسيط] شعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : نقله من الطبري ع وليس هذا البيت كالآية لأن الخبر في البيت في قوله ترجى الخواتيم وإن الثانية وجملتها معترضة بين الكلامين، ثم تم الكلام كله في قوله تعالى: {القيامة} واستأنف الخبر عن {إن الله على كل شيء شهيد} عالم به وهذا خبر مستأنف للفصل بين الفرق وفصل الله تعالى بين هذه الفرق هو إدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إنّ الله يفعل ما يريد} أي بأوليائه وأهل طاعته من الكرامة وبأهل معصيته من الهوان قوله تعالى {من كان يظن أن لن ينصره الله} يعني نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم {في الدنيا} أي بإعلاء كلمته وإظهار دينه {والآخرة} أي وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه {فليمدد بسبب} أي بحبل {إلى السماء} أي سقف البيت على قول الأكثرين والمعنى ليشدّد حبلاً من سقف بيته فليختنق به حتى يموت {ثم ليقطع} أي الحبل بعد الاختناق وقيل ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً {فلينظر هل يذهبن كيده} أي صنيعه وحيلته {ما يغيظ} أي فليختنق غيظاً. وليس هذا على سبيل الحتم لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق ولكنه كما يقال للحاسد مت غيظاً وقيل المراد بالسماء السماء المعروفة والمعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله فإنّ أصله في السماء فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، ثم ليقطع عن النبي صلى الله علي وسلم الوحي الذي يأتيه فينظر هل يتهيّأ له الوصول إلى السماء بحيلة وهل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل فإذا كان ذلك ممتنعاً كان غيظه عديم الفائدة. وفي الآية زجر للكافر عن الغيظ فيما لا فائدة فيه. روي أنّ الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود محالفة فقالوا: لا يمكننا أن نسلم لأنّنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فتنقطع المحالفة بيننا وبين اليهود فلا يميرونا ولا يؤوونا وقيل النصر معناه الرزق. ومعنى الآية من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإنّ ذلك لا يجعله مرزوقاً تقول العرب من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله {وكذلك أنزلناه} يعني القرآن {آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} يعني عبدة الأوثان وقيل الأديان ستة واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان وهو ما عدا الإسلام {إن الله يفصل بينهم} أي يحكم بينهم {يوم القيامة} وقيل يفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد {إنّ الله على كل شيء شهيد} أي إنه علم بما يستحقه كل واحد منهم فلا يجزي في ذلك الفصل ظلم ولا حيف وقد تقدّم بسط الكلام على معنى هذه الآية في تفسير سورة البقرة. قوله عزّ وجلّ {ألم ترَ} أي لم تعلم وقيل ألم تر بقلبك {إنّ الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب} قيل سجود هذه الأشياء تحول ظلالهما وقيل ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجداً حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه وقيل معنى سجودها الطاعة فإنه ما من جماد إلاّ وهو مطيع لله تعالى خاشع ومسبح له كما وصفهم بالخشية والتسبيح: وهذا مذهب أهل السنة وهو أنّ هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف وهو السجود الذي كل خضوع دونه. فإن قلت هذا التأويل يبطله قوله {وكثير من الناس} فإن السجود بالمعنى الذي ذكر عام في الناس كلهم فإسناده إلى كثير من الناس يكون تخصيصاً من غير فائدة. قلت المعنى الذي ذكرته وإن كان عاماً في حق الكل إلاّ أن بعضهم تمرد وتكبّر وترك السجود في الظاهر فهذا وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره وأمّا المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره أيضاً فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر وقيل معنى الآية {ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض} ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول: بمعنى الانقياد, والثاني بمعنى الطاعة والعبادة. فإن قلت قوله من في السموات ومن في الأرض لفظ عموم فيدخل فيه الناس فلم قال وكثير من الناس. قلت لو اقتصر على ما تقدّم لأوهم أن كل الناس يسجدون طوعاً دون بعض وهم الذين قال فيهم {وكثير حق عليه العذاب} وهم الكفار أي حق عليهم العذاب بكفرهم وتركهم السجود ومع كفرهم وامتناعهم عن السجود تسجد ظلالهم لله عزّ وجلّ {ومن يهن الله فما له من مكرم} أي من يذله الله فلا يكرمه أحد {إنّ الله يفعل ما يشاء} أي يكرم الله بالسعادة من يشاء ويهين بالشقاوة من يشاء وقيل هو الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب. (فصل) هذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند تلاوتها أو سماع تلاوتها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. لما بين في الآية السالفة حال عباده المنافقين وحال معبودهم، وأن معبودهم لا ينفع ولا يضر بين هاهنا صفة عباده المؤمنين وصفة معبودهم، وأن عبادتهم حقيقة، ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة، التي من كمالها جمعها بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار، وبين أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى {أية : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 173]. واحتج أهل السنة في خلق الأفعال بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} قالوا: أجمعنا على أنه تعالى يريد الإيمان، ولفظة "ما" للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. وأجاب عنه الكعبي بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله (لا ما يريد أن يفعله) غيره. وأجيب: بأن هذا تقييد للعموم وهو خلاف النص. قوله: {مَن كَانَ يَظُنُّ}. "مَنْ" يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، والضمير في "يَنْصُرَهُ" الظاهر عوده على "مَنْ"، وفسر النصر بالرزق، وقيل يعود على الدين والإسلام فالنصر على بابه. قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج: أن الضمير في "يَنْصُرَهُ" يرجع إلى محمد - عليه السلام - يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، والرسول - عليه السلام - وإن لم يجر له ذكر في هذه الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله. قوله: "فَلْيَمْدُد" إما جزاء للشرط، أو خبر للموصول، والفاء للتشبيه بالشرط. والجمهور على كسر اللام من "ليَقْطَعْ"، وسكنها بعضهم كما يسكنها بعد الفاء والواو لكونهن عواطف، ولذلك أجروا "ثم" مجراهما في تسكين هاء (هو) و(هي) بعدها، وهي قراءة الكسائي ونافع في رواية قالون عنه. قوله: {هَلْ يُذْهِبَنَّ} الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافض، لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تعدى بـ "في". وقوله: {مَا يَغِيظُ} "ما" موصولة بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المستتر، و"ما" وصلتها مفعول بقوله: "يُذْهِبَنَّ" أي: هل يذهبن كيده الشيء الذي يغيظه، فالمرفوع في "يغيظه" عائد على الذي والمنصوب على {مَن كَانَ يَظُنُّ}. وقال أبو حيان: و"ما" في "مَا يَغِيظُ" بمعنى الذي والعائد محذوف أو مصدرية. قال شهاب الدين: كلا هذين القولين لا يصح، أما قوله: العائد محذوف فليس كذلك بل هو مضمر مستتر في حكم الموجود كما تقدم تقريره قبل ذلك، وإنما يقال: محذوف فيما كان منصوب المحل أو مجروره، وأما قوله: أو مصدرية فليس كذلك أيضاً، إذ لو كانت مصدرية لكانت حرفاً على الصحيح، وإذا كانت حرفاً لم يعد عليها ضمير وإذا لم يعد عليها ضمير بقي الفعل بلا فاعل، فإن قلت: أضمر في "يَغِيْظ" ضميراً فاعلاً يعود على {مَن كَانَ يَظُنُّ}. فالجواب: أن من كان يظن في المعنى مغيظ لا غائظ. وهذا بحث حسن. فصل المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب الحبل، والسماء سقف البيت هذا قول الأكثرين، أي: ليشدد حبلاً في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، ثم ليقطع الحبل بعد الاختناق. وقيل: سمي الاختناق قطعاً. وقيل: ليقطع، أي: ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} صنيعه وحيلته، أي: هل يذهبن كيده وحيلته غيظه. والمعنى: فليختنق غيظاً حتى يموت، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد إذا لم ترض بهذا فاختنق ومت غيظاً. وقا ابن زيد: المراد من السماء: السماء المعروفة. ومعنى الآية: من كان يظن أن لا ينصر الله نبيه، ويكيد في أمره ليقطعه عنه، فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل. فصل روي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا يُنصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود فلا يميروننا ولا يؤوونا فنزلت هذه الآية وقال مجاهد: النصر يعني الرزق، والهاء راجعة إلى "مَنْ" ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة: نزلت فيمن أساء الظن بالله - عز وجل - وخاف أن لا يرزقه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء البيت، {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ} فعله ذلك ما يغيظ وهو خِيفَة أن لا يُرزق. وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي من يعطيني أعطاه الله. قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة وعلى كل الوجوه فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه. قوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ} الكاف إما حال من ضمير المصدر المقدر، وإما نعت لمصدر محذوف على حسب ما تقدم من الخلاف، أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله "آيَاتٍ بَيِّنَات" فـ "آيات" حال. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي} يجوز في "أن" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة المحل، عطفاً على مفعول "أنزلناه"، أي: وأنزلنا أن الله يهدي من يريد، أي: أنزلنا هداية الله لمن يريد هدايته. الثاني: أنها على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بمحذوف والتقدير: ولأن الله يهدي من يريد أنزلناه، فيجيء في موضعها القولان المشهوران أفي محل نصب هي أم جر؟ وإلى هذا ذهب الزمخشري، وقال في تقديره: ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم يؤمنون أنزله كذلك مبيناً. الثالث: أنها في محل رفع خبراً لمبتدأ مضمر تقديره: والأمر أن الله يهدي من يريد. فصل قال أهل السنة: المراد من الهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة، أما الأول فغير جائز؛ لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله: {يَهْدِي مَن يُرِيدُ} دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي متعلقة بمشيئته سبحانه، ووضع الأدلة عند الخصم واجب، فيبقى أن المراد منه خلق المعرفة. قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار: هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه. وثانيها: أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإنابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً. وثالثها: أن يكون المراد أن الله يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا هدي ثبت على إيمانه كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد: 17]. وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله: إن الله يهدي من قَبِلَ لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي. وأجيب عن الأول بأن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة، وعن الثاني، من الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان، لأنهما عند الخَصْم واجبان على الله، وقوله: {يَهْدِي مَن يُرِيدُ} يقتضي عدم الوجوب.
التستري
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ}[14] قال: هم الذين صدقوا الله في السر والعلانية، واتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يبتدعوا بحال.
القشيري
تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: أي صَدَّقُوا ثم حقَّقُوا؛ فالإيمانُ ظاهِرُه التصديق وباطنه التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق. ويقال الإيمان انتسام الحق في السِّرِّ. ويقال الإيمان ما يوجب الأمان، ففي الحال يجب الإيمان وفي المآل يوجب الأمان، فمُعَجَّلُ الإيمان من (...) المسلمين، ومؤجَّلُه الخلاصُ من صحبة الكافرين الفاسقين. قوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلَّق به الإيمان. والجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة، فالمُؤَجَّلَة ثواب وتوبة، والمعَجَّلةُ أحوالٌ وقربة، قال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 46].
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار} بيان لكمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى اثر بيان سوء حال الكفرة. والجنة الارض المشتملة على الاشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها والنهر مجرى الماء الفائض فاسناد الجرى الى الانهار من الاسناد الحكمى كقولهم سال الميزاب اذ الجريان من اوصاف الماء لا من اوصاف النهر ووصف الجنات به دلالة على انها من جنس ما هو ابهى الاماكن التى يعرفونها لتميل اليها طباعهم كما قال الكاشفى [غايت نزهت باغ وبستان بآب روانست] {ان الله يفعل ما يريد} اى يفعل البتة كل ما يريده من اثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك لا دافع له ولا مانع. وفى الآيات اشارات، منها ان من يعبد الله على طبع وهو ورؤية عوض وطمع كرامات ومحمدة الخلق ونيل الدنيا فاذا اصابته امانيه سكن في العبادة واذا لم يجد شيأ منها ترك التحلى بتحلية الاولياء فخسرانه في الدنيا فقدان القبول والجاء عند الخلق وافتضاحه عندهم وسقوطه من طريق السنة والعبادة الى الضلالة والبدعة وخسرانه في الآخرة بقاؤه فى الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنيران البعد وايضا ان بعض الطالبين ممن لا صدق له ولا ثبات فى الطلب يكون من اهل التمنى فيطلب الله فى شك فان اصابه شىء مما يلائم نفسه وهواه او فتوح من الغيب اقام على الطلب فى الصحبة وان اصابه بلاء او شدة وضيق فى المجاهدات والرياضات وترك الشهوات ومخالفة النفس وملازمة الخدمة ورعاية حق الصبحة والتأدب بآداب الصحبة والتحمل من الاخوان انقلب على وجه يتبدل الافرار بالانكار والاعتراض والتسليم بالاباء والاستكبار والارادة بالارتداد والصحبة بالهجران خسر ماكان عليه من الدنيا وبتركه وخسر الآخرة بارتداده عن الطلب والصحبة، ومن هنا قال المشايخ مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة ذلك هو الخسران المبين فان من رده صاحب قلب يكون مردود القلوب كلها كما ان من قبله يكون مقبول الكل: قال الحافظ شعر : كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مباد كس كه درين نكته شك وريب كند شبان وادىء ايمن كهى رسد بمراد كه جندان سال بجان خدمت شعيب كند تفسير : يقول الفقير المسلمون صنفان صنف مشتغل بالجهاد الاصغر وصنف مشتغل بالجهاد الاكبر فضفعاء الصنف الاول يكونون على طرف الجيش والثانى على طرف الدين فان كان الامر على مرادهم اقبلوا والا ادبروا وفى ذلك خسارة لهم من جهة الدنيا والآخرة لانهم يغلبهم الكفار والنفس الامارة فى الدنيا ويفوت عنهم درجات السعداء فى الآخرة فلا يظفرون بغنيمة مطلقا فلا بد من الصبر على المشاق: وقال الشيخ سعدى فى وصف الاولياء شعر : خوشا وقت شوريد كان غمش اكر زخم بينند اكر مرهمش دما دم شراب الم در كشند وكر تلخ بينند دم در كشند نه تلخست صبرى كه برياد اوست كه تلخى شكرباشد ازدست دوست تفسير : ومنها ان من يعبد الله يعبد الضار والنافع الذى يصدر منه كل نفع وضر اما بواسطة الملائكة والانس والجمادات او بغير الواسطة واما من يعبد ماسواه تعالى فيعبد مالا يضر ومالا يفنع وذلك لان الملك او الانسان او الشيطان او شيأ من المخلوقات من فلك او كوكب او غيرها لا يقدر على خير أو شربنفسه او نفع او ضر بل كل ذلك اسباب مسخرة لا يصدر منها الا ما سخرت له وجملة ذلك بالاضافة الى القدرة الازلية كالقلم بالاضافة الى الكاتب فلبئس المولى ما عبده وطلبه من دون الله تعالى ولبئس لعشير اى ما عاشره من الدنيا وشهواتها، ومنها ان من يدخل الجنة من المؤمنين لا يدخل الجنة بمجرد الايمان التقليدى والاعمال الظاهرية بل يدخله الله بالايمان الحقيقى الذي كتبه بقلم العناية فى قلبه الذى من نتائجه الاعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الله يُدخلُ الذين آمنوا}، وتمكنوا من الإيمان، وعبدوا الله وحده في جميع الحالات، ولم يعبدوه على حرف، {وعملوا} الأعمال {الصالحات}، {جناتٍ تجري من تحتها} أي: من تحت قصورها {الأنهارُ} الأربعة. وهذا بيان حال المؤمنين العابدين له تعالى في جميع الحالات، وأنَّ الله تفضل عليهم، بما لا غاية وراءه، إثر بيان سوء حال الكفرة، من المجاهرين والمذبذبين، وأنَّ معبودهم لا ينفعهم، بل يضرهم مضرة عظيمة. ثم قال تعالى: {إِن الله يفعل ما يريد} من الأفعال المتقنة، المبنية على الحِكَم البالغة الرائقة، التي من جملتها: إثابة من آمن به، وصدّق رسوله، وعبده على كل حال، وعقابُ من أشرك به، وكذب رسول الله، أو عبده على حرف. وبالله التوفيق. الإشارة: إن الله يُدخل الذين آمنوا، واطمأنوا به، وعبدوه في جميع الحالات، وقاموا بعمل العبودية في كل الأوقات، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، إن الله يفعل ما يريد؛ فيقرب هذا، ويُبعد هذا، بلا سبب؛ "جَلَّ حُكْمُ الأزلِ أن يُضَافَ إلى العِلَلِ". وبالله التوفيق. ولما كان نفوذ هذا الوعيد من المشرعين وإنجاز وعد المؤمنين تصديقاً لرسوله
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} كان الاوفق بالمقابلة ان يقول: ومن النّاس من يؤمن بالله ويعمل الصّالحات لكنّه عدل الى هذه العبارة لافادة هذا المعنى وجزائهم بعبارةٍ واحدةٍ ولتشريفهم بالابتداء بجزائهم وبعدم جعلهم قريناً ومقابلاً لغيرهم من الاصناف الماضية كأنّهم اشرف من ان يذكروا مقابلين لهم والمراد بالايمان الايمان العامّ الّذى هو بمعنى الاسلام الّذى لا يحصل الاّ بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة فيكون العمل الصّالح اشارة الى البيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة والايمان الخاصّ الّذى لا يحصل الاّ بالبيعة الخاصّة، او المراد به الايمان الخاصّ فيكون العمل الصّالح اشارة الى العلم بما اخذ عليه فى بيعته فانّ الله يدخل الّذين آمنوا بالبيعة على يد علىٍّ (ع) ودخول الايمان فى قلبه وامتيازه عن غيره بحصول فعليّة الولاية فى وجوده {جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مرّ مراراً بيان كيفيّة جريان الانهار من تحت الجنّات {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} لا مانع له من مراده وقد مرّ هذه الآية مع تفصيلٍ تامٍّ فى بيانها عند قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} تفسير : [البقرة:253].
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الفرض والنفل {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنهَارُ} فهو المستحق للعبادة إذا كان ينفع العابد ويضر العاصي {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من اهانة العاصي أو تعذيبه واكرام العابد واثباته ألاّ رادّ لفعله.
اطفيش
تفسير : {إنّ الله يدْخِل الَّذين آمنوا وعملُوا الصالحات جنات} أشجاراً متكاثفة تجن ما تحتها أى تستره {تجرى من تَحْتها} تحت تلك الأشجار المعبر عنها بالجنة {الأنهار} وإن أريد بالجنة أرض دار السعداء قدر مضاف، أى من تحت أشجارها، وإن أريد الأرض والأشجار فالتحية اعتبار الجزء الذى تكون به الأرض جنة وهو الشجر، ويجوز رد الضمير فى تحتها بمعنى الشجر للجنات بمعنى الأرض على الاستخدام {إنَّ الله يَفْعل ما يُريدُ} تعليل جملى لما قبله، وتقرير له بأن ما يريده لا يتخلف، ومنه إثابة المؤمن وعقاب الكافر.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} استئناف لبيان كمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى وأنه تعالى يتفضل عليهم بالنعيم الدائم إثر بيان غاية سوء حال الكفرة. وجملة {تَجْرِى} الخ صفة لجنات فإن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها فجريان الأنهار من تحتها ظاهرة، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وإن جعلت عبارة عن مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل كما في «إرشاد العقل السليم». وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} تعليل لما قبله وتقرير بطريق التحقيق أي هو تعالى يفعله البتة كل ما يريده من الأفعال المتقنة اللائقة المبنية على الحكم الرائقة التي من جملتها إثابة من آمن به وصدق برسوله صلى الله عليه وسلم وعقاب من كفر به وكذب برسوله عليه الصلاة والسلام.
ابن عاشور
تفسير : هذا مقابل قوله {أية : ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}تفسير : [الحج: 9] وقوله: {أية : خسر الدنيا والآخرة}تفسير : [الحج: 11]. فالجملة معترضة، وقد اقتصر على ذكر ما للمؤمنين من ثواب الآخرة دون ذكر حالهم في الدنيا لعدم أهمية ذلك لديهم ولا في نظر الدين. وجملة {إن الله يفعل ما يريد} تذييل للكلام المتقدم من قوله{أية : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم}تفسير : [الحج: 8] إلى هنا، وهو اعتراض بين الجمل الملتئم منها الغرض. وفيها معنى التعليل الإجمالي لاختلاف أحوال الناس في الدنيا والآخرة. وفعْلُ الله ما يريد هو إيجاد أسباب أفعال العباد في سُنة نظام هذا العالم، وتبيينه الخير والشرّ، وترتيبه الثواب والعقاب، وذلك لا يحيط بتفاصيله إلا الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وعملوا الصالحات: أي الفرائض والنوافل وأفعال الخير. يفعل ما يريد: من إكرام المطيع وإهانة العاصي وغير ذلك من رحمه المؤمن وعذاب الكافر. أن لن ينصره الله: أي محمداً صلى الله عليه وسلم. فليمدد بسبب: أي بحبل. إلى السماء: اي سقف بينه وليختنق غيظاً. هل يذهبن كيده: أي في عدم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يغيظه. وكذلك أنزلناه: أي ومثل إنزالنا تلك الآيات السابقة أنزلنا القرآن. هادوا: أي اليهود. والصابئين: فرقة من النصارى. والمجوس: عبدة النار والكواكب. على كل شيء شهيد: أي عالم به حافظ له. معنى الآيات: بعدما ذكر تعالى جزاء الكافرين والمترددين بين الكفر والإِيمان أخبر أنه تعالى يدخل الذين آمنوا به وبرسوله ولقاء ربهم ووعده ووعيده وعملوا الصالحات وهي الفرائض التي افترضها الله عليهم والنوافل التي رغبهم فيها يدخلهم جزاء لهم على إيمانهم وصالح أعمالهم جنات تجري من تحتها الأنهار وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ومن ذلك تعذيبه من كفر به وعصاه ورحمة من آمن به وأطاعه وقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ} أي من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله ودينه وعباده المؤمنين فلذا هو يتردد ولم يؤمن ولم ينخرط في سلك المسلمين كبني أسد وغطفان فإنا نرشده إلى ما يذهب عنه غيظه حيث يسوءه نصر الله تعالى لرسوله وكتابه ودينه وعباده المؤمنين وهو أن يأتي بحبل وليربطه بخشبة في سقف بيته ويشده على عنقه ثم ليقطع الحبل، وينظر بعد هذه العملية الانتحارية هل كيده هذا يذهب عنه الذي يغيظه؟. وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي ومثل ذلك الإِنزال للآيات التي تقدمت في بيان قدرة الله وعلمه في الخلق وإحياء الأرض وإعادة الحياة بعد الفناء أنزلنا القرآن آيات واضحات تحمل الهدى والخير لمن آمن بها وعمل بما فيها من شرائع وأحكام وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} أي هدايته بأن يوفقه للنظر والتفكر فيعرف الحق فيطلبه ويأخذ به عقيدة وقولاً وعملاً. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهم المسلمون {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهم اليهود {وَٱلصَّابِئِينَ} وهم فرقة من النصارى يقرأون الزبور ويعبدون الكواكب {وَٱلنَّصَارَىٰ} وهم عبدة الصليب {وَٱلْمَجُوسَ} وهم عبدة النار والكواكب {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} وهم عبدة الأوثان هؤلاء جميعا سيحكم الله بينهم يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل أهل تلك الملل الباطلة النار هذا هو الفصل الحق فالأديان ستة دين واحد للرحمن وخمسة للشيطان فأهل دين الرحمن يدخلهم في رحمته، وأهل دين الشيطان يدخلهم النار مع الشيطان وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي عالم بكل شيء لا يخفى عليه شيء وسيجزى كل عامل بما عمل، ولا يهلك على الله إلا هالك فقد أنزل كتابه وبعث رسوله ورغب ورهب وواعد وأوعد والناس يختارون ما قدر لهم أو عليهم وسبحان الله العظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كل الأديان هي من وحي الشيطان وأهلها خاسرون إلا الإسلام فهو دين الله الحق وأهله هم الفائزون، أهله هم القائمون عليه عقيدة وعبادة وحكماً وقضاء. 2- إن الله ناصر دينه، ومكرم أهله، ومن غاظه ذلك ولم يرضه فليختنق. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 4- تقرير إرادة الله ومشيئته فهو تعالى يفعل ما يشاء ويهدي من يريد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} (14) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الشَّقَاءِ والضَّلاَلَةِ، عَطَفَ بِذِكْرِ الأَبْرَارِ السُعَدَاءِ الَّذِيْنَ آمَنَتْ قُلُوبُهُم، وصَدَّقُوا إِيْمَانَهُمْ بِأَفْعَالِهِمْ فَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ القُرُبَاتِ، وَتَرَكُوا المُنْكَرَاتِ، فَجَازَاهُم اللهُ عَلَى صِدْقِ إِيْمَانِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ بأَنْ أَوْرَثَهُم الدَّرَجَاتِ العُلْيَا فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ فِي الآخِرَةِ. وَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَضَلَّ أُولَئِكَ، وَهَدًى هَؤُلاءِ، قَالَ إِنَّ الأَمْرَ يَعُودُ إِلَيْهِ تَعَالَى فَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلَّم الحق - سبحانه وتعالى - عن الكفار وأهل النار ومَنْ يعبدون الله على حَرْف، كان لا بُدَّ أنْ يأتيَ بالمقابل؛ لأن النفس عندها استعداد للمقارنة والتأمل في أسباب دخول النار، وفي أسباب دخول الجنة، وهذا أَجْدى في إيقاع الحجة. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14] وقوله تعالى: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ..} تفسير : [التوبة: 82]. فذِكْر النعمة وحدها دون أنْ تقابلها النِّقْمة لا تُؤتِي الأثر المطلوب، لكن حينما تقابل النعمة بالنقمة وَسَلْب الضّر بإيجاب النفع فإنَّ كلاهما يُظهر الآخر؛ لذلك يقول تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} تفسير : [آل عمران: 185] فإنْ آمنتَ لا تُزَحْزح عن النار فقط - مع أن هذه في حَدِّ ذاتها نعمة - لكن تُزَحْزح عن النار وتدخل الجنة. والإيمان: عمل قلبي ومواجيد تطمئن بها النفس، لكن الإيمان له مطلوب: فأنت آمنتَ بالله، واطمأنَّ قلبك إلى أن الله هو الخالق الرازق واجب الوجود .. إلخ، فما مطلوب هذا الإيمان؟ مطلوب الإيمان أنْ تستمع لأوامره، لأنه حكيم، وتثق في قدرته لأنه قادر، وتخاف من بطشه لأنه جبار، ولا تيأس من بَسْطه لأنه باسط، ولا تأمن قبضه لأنه قابض. لقد آمنتَ بكل هذه القضايا، فحين يأمرك بأمر فعليك أنْ تستحضر حيثيات هذا الأمر، وأنت واثق أن ربك عز وجل لم يأمرك ولم يَنْهَكَ من فراغ، إنما من خلال صفات الكمال فيه سبحانه، أو صفات الجلال والجبروت، فاستحضر في كُلِّ أعمالك وفي كُلِّ ما تأتي أو تدع هذه الصفات. لذلك، جمعت الآية بين الإيمان والعمل الصالح: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ ..} [الحج: 14]. وفي سورة العصر: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..}تفسير : [العصر: 1-3] ليس ذلك وفقط إنما أيضاً: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. فالتواصي بالحق والصبر على الشدائد من الاستجابة لداعي الإيمان وثمرة من ثماره؛ لأن المؤمن سيتعرَّض في رحلة الحياة لفِتَن كثيرة قد تزلزله، وسيواجه سُخْرية واستهزاءً، وربما تعرَّض لألوان العذاب. فعليه إذن - أنْ يتمسَّك بالحق ويتواصى به مع أخيه، وعليه أن يصبر، وأنْ يتواصى بالصبر مع إخوانه، ذلك لأن الإنسان قد تعرض له فترات ضَعف وخَوَر، فعلى القوي في وقت الفتنة أنْ ينصحَ الضعيف. وربما تبدَّل هذا الحال في موقف آخر وأمام فتنة أخرى، فَمنْ أوصيْتَه اليوم بالصبر ربما يوصيك غداً، وهكذا يُثمِر في المجتمع الإيماني التواصي بالحق والتواصي بالصبر. إذن: تواصَوْا؛ لأنكم ستتعرضون لِهزَّات ليست هزَّات شاملة جامعة، إنما هزَّات يتعرض لها البعض دون الآخر، فإنْ ضعُفْتَ وجدتَ من إخوانك مَنْ يُواسيك: اصبر، تجلَّد، احتسب. وإياك أنْ تُزحزحك الفتنة عن الحق، أو تخرج عن الصبر، وهذه عناصر النجاة التي ينبغي للمؤمنين التمسك بها: إيمان، وعمل صالح، وتواصٍ بالحق، وتواصٍ بالصبر. وقوله سبحانه: {جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الحج: 14] الجنات: هي الحدائق والبساتين المليئة بأنواع المتَع: الزرع، والخضرة، والنضارة، والزهور، والرائحة الطيبة، وهذه كلها بنت الماء؛ لذلك قال {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الحج: 14] ومعنى: {مِن تَحْتِهَا ..} [الحج: 14] أن الماء ذاتيٌّ فيها، لا يأتيها من مكان آخر ربما ينقطع عنها، كما جاء في آية أخرى: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [التوبة: 100]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] لأنه سبحانه لا يُعْجِزه شيء، ولا يعالج أفعاله كما يعالج البشر أفعالهم {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] ولو تأملتَ هذه الآية لوجدتَ الشيء الذي يريده الله ويأمر بكونه موجوداً في الحقيقة، بدليل أن الله تعالى يخاطبه {أية : يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فهو - إذن - كائن فعلاً، وموجود حقيقةً، والأمر هنا إنما هو لإظهاره في عالم المشاهدة. ثم يقول سبحانه: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب الوعيد بالوعد: {إِنَّ ٱللَّهَ} الهادي لعباده إلى دار السلام {يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: سيقوا بالإيمان بالله، وتصدق رسله وكتبه {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} التي أمرهم سبحانه في كتبه وأجراهم على ألسنة رسله بالإتيان والامتثال بها، واجتبوا عن النوهي التي نهاهم سبحانه عنها {جَنَاتٍ} متنزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: المعارف والحقائق الجزئية المتجددة بتجددات الأمثال، وهي الرموز والإرشادات التي يتفطن بها العارف من ظواهر المظاهر المرتبطة بالشؤون والتجليات الإلهية وبالجملة {إِنَّ ٱللَّهَ} الموفق لخواص عباده {يَفْعَلُ} معهم {مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] من الصلاح والفوز بالنجاح، والتحقق بمقام الرضا وشرف اللقاء. ثم لما اعتقد المشركون من في قلبه عداوة راسخة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشيكمةُ شديدة، وغيظُ مفرط ألاَّ نصرَ ولا إعانة له من عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة كما زعمه ردَّ الله عليهم نصراً له وترويجاً لقوله، فقال: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ} ولن يعين رسوله صلى الله عليه وسلم لا {فِي ٱلدُّنْيَا} ولا في {وَٱلآخِرَةِ} بل ما ادعاه من نصر الله إياه في الدنيا والآخرة، إنما هو لإثبات دعوه وترويج مدعاه، وإلا فلا نصر له ولا ناصر، يقال للمنكر: إن شئت إزالة غيظك وحسدك عنه صلى الله عليه وسلم {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي: بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي: نحوها وارتفع معلقاً بالحبل إلى أن يتباعد من الأرض مسافة بعيدة {ثُمَّ} يقال له بعدما ارتفع من الأرض: {لْيَقْطَعْ} الحبل وانفصل عنه، فقطع فوقع {فَلْيَنْظُرْ} بعدما وقع {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} مكره وحيلته {مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] أي: غيظه برسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم. وباجملة ما يزول إنكار المنكرين، وغيظ المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذه الحيلة والكيد. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثلما نصرناه صلى الله عليه وسلم في وقائع كثيرة {أَنزَلْنَاهُ} أيضاً لتأييده ونصره {آيَاتٍ} أي: دلائل {بَيِّنَاتٍ} واضحات دالة على صدقة في دعواه النبوة والرسالة والتشريع العام والإرشاد التام {وَ} أنزلناه أيضاً على سبيل العظة والتعليم {أَنَّ ٱللَّهَ} الهادي للعباد، الموفق لهم إلى سبيل الرشاد {يَهْدِي} بعدما بينتَ لهم طريق الهداية والسداد بوحي الله إياك يا أكمل الرسل {مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] ويتعلق إرادته ومشئته سبحانه لهدايته ورشاده، ومن يتعلق بضلاله أضله. وبالجملة ما عليك إلا البلاغ، وعلى الله الهداية والرشاد، فلا تتعب نفسك في هداية من أحببت، {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص: 56] بل أمر الهداية والضلال إنما هو مفوض إلى الكبير المتعال. لذلك قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم الهادي للناس إلى توحيد الذات، والصفات، والأفعال جميعاً {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وهم الذين آمنوا بموسى عليه السلام الهادي لأمته إلى توحيد الصفات {وَٱلصَّابِئِينَ} الذين يدَّعون الاطلاع على سرائر الكواكب والأجرام العلوية {وَٱلنَّصَارَىٰ} وهم الذين يصدقون بعيسى عليه السلام الهادي لأمته إلى توحيد الأفعال {وَٱلْمَجُوسَ} الذين يدَّعون التمييز بين فاعل الخير وفاعل الشر {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} بالله المنزه عن الشريك، كلُ من هؤلاء المذكورين يدعي الحقية لنفسه، والباطل لغيره {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائرهم وضمائرهم {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} أي: بين من هو المحق منهم والمبطل {يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} وكيف لا يميز ويفصل سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي في الآفاق والأنفس {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] أي: حاضرُ مع كل شيء رقيب عليه، غير مغيب عنه أصلاً. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي ولم تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ} المظهر لجميع المظاهر {يَسْجُدُ} أي: يذلل ويخضع {لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من العلويات {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} من السفليات وخصوصاً معظمات الأجرام العلوية وهي {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ} ومعظمات الأجسام من السلفيات {وَ} هي {ٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَ} يسجد له أيضاً طوعاً {كَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على فطرة التوحيد، المخلوقين على استعداد الإيمان، وقابلية المعرفة والإيقان {وَكَثِيرٌ} منهم لانحرافهم عن الفطرة الأصلية بتقليد آبائهم ومعلميهم الذين يضلونهم عن سواء السبيل لذلك {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} وثبت له العقاب في لوح القضاء وحضرة العلم {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} وأسقط رتبته وحط درجته {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} معلٍّ رافع {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على استعدادات عباده وقابلياتهم {يَفْعَلُ} معهم {مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] على مقتضى علمه وخبرته. ثم لما تطاول نزاع اليهود مع المؤمنين وتمادى جدالهم وخصومتهم حيث قال اليهود: نحن أحق بالله منكم لتقدم ديننا، وشرف نبينا، وفضل كتابنا، وقال المؤمنون: نحن أحق منكم؛ لأن ديننا ناسخ جميع الأديان، ونبينا خاتم دائرة النبوة والرسالة، ومتمم مكارم الأخلاق، وكتابنا الجامع لما في الكتب السالفة الناسخة لبعض أحكامها أفضل من سائر الكتب، ونحن أيضاً لا ننكر نبياً من الأنبياء، وكتاباً من الكتب، وأنتم أنكرتم عيسى عليه السلام ودينه وكتابه وديننا ونبينا وكتابنا، مع أنه مذكورُ في كتابكم، وأنتم تعلمون حقيته وتنكرونه عناداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى المجادل بالباطل، وأنه على قسمين، مقلد، وداع، ذكر أن المتسمي بالإيمان أيضا على قسمين، قسم لم يدخل الإيمان قلبه كما تقدم، والقسم الثاني: المؤمن حقيقة، صدق ما معه من الإيمان بالأعمال الصالحة، فأخبر تعالى أنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وسميت الجنة جنة، لاشتمالها على المنازل والقصور والأشجار والنوابت التي تجن من فيها، ويستتر بها من كثرتها، { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } فما أراده تعالى فعله من غير ممانع ولا معارض، ومن ذلك، إيصال أهل الجنة إليها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):