٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} قال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء. {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ثم ليقطع النصر إن تهيّأ له. {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} وحيلته ما يغيظه من نصر النبيّ صلى الله عليه وسلم. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وكذا قال ابن عباس: إن الكناية في «ينصره الله» ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه؛ لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدّين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي من كان يظن ممن يعادي محمداً صلى الله عليه وسلم ومَن يعبد الله على حَرْف أنا لا ننصر محمداً فليفعل كذا وكذا. وعن ابن عباس أيضاً أن الهاء تعود على «من» والمعنى: من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق، فليقتل نفسه؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عَوْن الله. والنصر على هذا القول الرزق؛ تقول العرب: من ينصرني نصره الله؛ أي من أعطاني أعطاه الله. ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة؛ أي ممطورة. قال الفقعسيّ:شعر : وأنك لا تعطي امرءاً فوق حقه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره تفسير : وكذا روى ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: «من كان يظن أن لن ينصره الله» أي لن يرزقه. وهو قول أبي عبيدة. وقيل: إن الهاء تعود على الدّين؛ والمعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي بحبل. والسبب ما يتوصل به إلى الشيء. {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} إلى سقف البيت. ابن زيد: هي السماء المعروفة. وقرأ الكوفيون «ثم ليقطع» بإسكان اللام. قال النحاس: وهذا بعيد في العربية؛ لأن «ثم» ليست مثل الواو والفاء، لأنها يوقف عليها وتنفرد. وفي قراءة عبد الله «فليقطعه ثم لينظر هل يُذهبن كيدُه ما يغيظ». قيل: «ما» بمعنى الذي؛ أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه، فحذف الهاء ليكون أخف. وقيل: «ما» بمعنى المصدر؛ أي هل يذهبن كيدُه غيظَه.
البيضاوي
تفسير : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} كلام فيه اختصار والمعنى: أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه. وقيل المراد بالنصر الرزق والضمير لمن. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء ثُمَّ لْيَقْطَعْ } فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلىء غيظاً، أو المبالغ جزعاً حتى يمد حبلاً إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا اختنق، فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. وقيل فليمدد حبلاً إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانها فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه. وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر {لِيَقْطَعَ} بكسر اللام. {فَلْيَنظُرْ} فليتصور في نفسه. {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} فعله ذلك وسماه على الأول كيداً لأنه منتهى ما يقدر عليه. {مَا يَغِيظُ} غيظه أو الذي يغيظه من نصر الله. وقيل نزلت في قوم مسلمين استبطأوا نصر الله لاستعجالهم وشدة غيظهم على المشركين.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب، أي: بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء بيته {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} يقول: ثم ليختنق به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمداً من السماء {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ذلك عنه، إن قدر على ذلك، وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى، وأبلغ في التهكم، فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمداً وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه؛ فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } تفسير : [غافر: 51] الآية، ولهذا قال: {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} قال السدي: يعني: من شأن محمد صلى الله عليه وسلم وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيط؟ وقوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ} أي: القرآن {ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس، {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ} أي: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك {حديث : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـأَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23] أما هو، فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ } أي محمداً صلى الله عليه وسلم نبيَّه {فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ } بِحَبْل {إِلَى ٱلسَّمَاء } أي سقف بيته يشدّه فيه وفي عنقه {ثُمَّ لْيَقْطَعْ } أي ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في (الصحاح) {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } في عدم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم {مَا يَغِيظُ }ـه منها؟ المعنى فليختنق غيظاً منها، فلا بدّ منها.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَنصُرَهُ} من ظن أن الله ـ تعالى ـ لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم على أعدائه في الدنيا بالغلبة وفي الآخرة بظهور الحجة {فَلْيَمْدُدْ} بحبل إلى سماء الدنيا {لْيَقْطَعْ} عنه الوحي ثم لينظر هل يُذهب هذا الكيد منه ما يعطيه من نزول الوحي، أو ينصره الله ـ تعالى ـ يرزقه والنصر: الرزق، أو أن لن يمطر الله ـ تعالى ـ أرضه، يقال للأرض الممطورة منصورة {فَلْيَمْدُدْ} بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به فلينظر هل يذهب ما يغطيه من أن الله ـ تعالى ـ لا يرزقه.
البقاعي
تفسير : ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت، وكان هذا مفهماً لأن من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع إلا نفسه، ومن لا يرج ذلك أعرض عن الله سبحانه منقلباً على جهه فلم يضر إلا نفسه، ترجم عن حال هذا الثاني العابد على حرف بقوله: {من كان يظن} أي ممن أصابته فتنة {أن لن ينصره الله} ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله {في الدنيا والآخرة} فأعرض عنه انقلاباً على وجهه فإنه لا يضر إلا نفسه وإن ظن أنه لا يضرها {فليمدد بسبب} أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له {إلى السماء} التي يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما. ولما كان مده ذلك متعسراً أو متعذراً، عبر عما يتفرع عليه بأداة التراخي فقال: {ثم ليقطع} أي ليوجد منه وصل وقطع، أي ليبذل جهده في دفع القضاء والقدر عنه، وهي لام أمر عند من حركها بالكسر إفهاماً لشدة الحركة في المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل، وهم أبو عمرو وابن عامر وورش عن نافع ورويس عن يعقوب، أو أسكنها وهم الباقون {فلينظر} ببصره وبصيرته {هل يذهبن} وإن اجتهد {كيده ما يغيظ*} أي شيئاً يحصل له منه غيظ، أو يكون المعنى: فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلاً بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق، وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظاً - ونحو ذلك، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعاً صبر عليها كرهاً مع ما ناله من أسباب الشقاء. ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية، في هذه الأساليب العلية، هذا البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه، بين أنه معجز أيضاً بنظمه، فقال: {وكذلك} أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان حكمها وإظهار أسرارها {أنزلناه} أي الكلام كله بما لنا من العظمة الباهرة {آيات بينات} معجزاً نظمها، كما كان معجزاً حكمها. ولما كان الكلام بيناً في أن التقدير: ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن الله يضل من يريد، عطف عليه قوله: {وأن} أي وليعلم أن {الله} أي الموصوف بالإكرام، كما هو موصوف بالانتقام {يهدي} أي بآياته {من يريد*} أي لتبين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول: إذا كانت الآيات المرئية والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم المسببات عن أسبابها. ولما كان ذلك موجباً للسؤال، عن حال الفريقين: المهدي والضال، أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويراً لذلك اليوم بأليق صورة، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال: {إن الذين ءامنوا} أي من أيّ فرقة كانوا، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان، الذي هو أدنى وجوه الإيمان {والذين هادوا} أي انتحلوا اليهودية، على أيّ حال كانوا من إيمان أو كفران. ولما كان اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم كما مضى في المائدة، أتبعهم من شابهوه فقال: {والصابئين} ثم تلا بثاني فريقي أهل الكتاب فقال: {والنصارى} ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم بإلهين اثنين فقال: {والمجوس} وهم عبدة النار؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما فتح بأعمهم في الهدى فقال: {والذين أشركوا} لشموله كل شرك حتى الأصغر من الربا وغيره {إن الله} أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم الحاكمين {يفصل بينهم يوم القيامة} فيجازي كلاًَّ بعمله على ما يقتضيه في مجاري عاداتكم، ويقتص لبعضهم من بعض، ويميز الخبيث منهم من الطيب؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال {على كل شيء} من الأشياء كلها {شهيد*} فلا شيء إلا وهو به عليم، فهو لذلك على كل شيء قدير، كما مضى بيانه في {أية : وسع كل شيء علماً} تفسير : [طه: 98] في طه، وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الشهادة رؤية خبرة بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره، فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره، فيكون ميزان عدل بينه وبين غيره، فيحق له أن يكون ميزاناً بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143] وبحسب إحاطة علم الشهيد ترهب شهادته، ولذلك أرهب شهادة شهادة الله على خلقه {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله تفسير : [الأنعام: 19] ولما كان أيّما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان بالحقيقة لا شهيد إلا هو - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من كان يظن أن لن ينصره الله} قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً {في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب} قال: فليربط حبلاً {إلى السماء} قال: إلى سماء بيته السقف {ثم ليقطع} قال: ثم يختنق به حتى يموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من كان يظن أن لن ينصره الله} يقول: أن لن يرزقه الله {فليمدد بسبب إلى السماء} فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به {فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} قال: فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق؟ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه {من كان يظن أن لن ينصره الله} قال: أن لن يرزقه الله {فليمدد بسبب إلى السماء} قال: بحبل بيته {ثم ليقطع} ثم ليختنق {فلينظر هل يذهبن كيده} ذلك {ما يغيظ} قال: ذلك خيفة أن لا يرزق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكابد هذا الأمر ليقطعه عنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء {ثم ليقطع} أي عن النبي الوحي الذي يأتيه من الله إن قدر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً، فليجعل حبلاً في سماء بيته فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟... وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {من كان يظن أن لن ينصره الله} يقول: من كان يظن أن الله غير ناصر دينه {فليمدد بحبل إلى السماء} سماء البيت فليختنق {فلينظر} ما يرد ذلك في يده.
القشيري
تفسير : أي أنَّ الحقَّ - سبحانه - يرغم اعداءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ لم تَطبْ نفْسُه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتلْ نَفْسَه من الغيظ خَنْقاً، ثم لا ينفعه ذلك كما قيل: شعر : إنْ كنتَ لا ترضى بما قد ترى فدونَكَ الحَبْلَ به فاخْنق
اسماعيل حقي
تفسير : {من} شرطية: المعنى بالفارسية [هركه ازظانين بالله ظن السوء] {كان يظن} يتوهم {ان لن ينصره الله} أى محمد صلى الله عليه وسلم {فى الدنيا} باعلاء دينه وقهر اعدائه {والآخرة} باعلاء درجته والانتقام من مكذبيه يعنى انه تعالى ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن كان يظن من اعاديه وحساده خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه {فليمدد بسبب الى السماء} السبب الذى تصعد به النخل اى ليربط بحبل الى سقف بيته لان كل ما علاك فهو سماء {ثم ليقطع}، قال في القاموس قطع فلان الحبل اختنق ومنه قوله تعالى {ثم ليقطع} اى ليختنق انتهى وسمى الاختناق قطعا لان المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، وقال الكاشفى [بس ببرد آن رسن را تا بزمين افتد وبميرد] {فلينظر} المراد تقدير النظر وتصوره لان الامر بالنظر بعد الاختناق غير معقول اى فليتصور فى نفسه وليقدر النظر ان فعل {هل يذهبن كيده} فعل ذلك بنفسه وسماه كيدا لانه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره او على وجه الاستهزاء لانه لم يكدبه محسودة انما كادبه نفسه {ما يغيظ} الغيظ اشد غضب وهو الحرارة التى يجدها الانسان من فوران دم قلبه اى ما يغيظه من النصرة كلا يعنى انه لا يقدر على دفع النصرة وان مات غيظا كما قال، الحافظ شعر : كرجان بدهد سنك سيه لعل نكردد باطينت اصلى جه كندبد كهر افتاد تفسير : وفي الآية اشارة الى نفى العحز عن الله تعالى وانه فوق عباده وانه ينصر اولياءه ـ روى ـ عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال اقبل يهودى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد قال اين وصى محمد فاشار القوم الى ابى بكر رضى الله عنه فقال اسألك عن اشياء لا يعلمها الا نبى او وصى نبي فقال ابو بكر سل عما بدالك فقال اليهودى اخبرنى عما لا يعلم الله وعما ليس لله وعما ليس عند الله فقال ابو بكر هذا كلام الزنادقة وهمّ هو والمسلمون به فقال ابن عباس رضى الله عنهما ما انصفتم الرجل ان كان عندكم جوابه والا فاذهبوا به الى من يجيبه فانى سمعت رسول الله يقول لعلى رضى الله عنه "حديث : اللهم ايد قلبه وثبت لسانه"تفسير : فقام ابو بكر ومن حضره حتى اتوا عليا فافادوا له ذلك فقال اما مالا يعمله الله فذلكم يا معشر اليهود قولكم ان عزيرا ابن الله والله لا يعلم ان له ولدا واما ما ليس لله فليس له شريك و اما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم وعجز فقال اليهودى اشهد ان لا اله الا الله وانك وصى رسول الله ففرح المسلمون بذلك، واعلم ان الكفار ارادوا ان يطفئوا نور الله فاطفاهم الله حيث نصر حبيبه وانجز وعده وهزم الاحزاب وحده واما تشديد المحنة فى بعض الاحيان وتأخير النصرة فلحكم ومصالح فعلى العبد الصالح الراضى بالله تعالى ربا ان يصبر على اذى الاعداء وحسدهم فان الحق يعلو ولا يعلى وسيرجع الامر من المحنة الى الراحة فيكون اهل الايمان والاخلاص مستريحين ومن الراحة الى المحنة فيكون اهل الشرك والنفاق مستراحا منهم والله تعالى يفعل ما يريد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لا تظنوا أن الله غير ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل هو ناصر له في الدنيا والآخرة لا محالة، فمن كان {يظن أن لن ينصرهُ الله في الدنيا والآخرة}، ويغيظه ذلك من أعاديه وحُساده، ويفعل ما يدفع ذلك؛ من الخدع والمكائد، فليبالغ في استفراغ المجهود، وليجاوز كل حد معهود، فعاقبة أمره أن يختنق خنقًا من ضلال مساعيه، وعدم إنتاج مقدماته ومبادئه. {فليمدد بسبب إِلى السماء} أي: فليمدُد حبلاً إلى سقف بيته، {ثم ليقطع} أي: ليختنق، من قَطعَ: إذا اختنق؛ لأنه يقطع نفَسه بحبس مجاريه. أو: ليقطع من الأرض، بعد ربط الحبل في العنق وربطه في السقف. {فلينظر هل يُذهِبَنَّ كيدُه} أي: فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك؛ هل يذهب نصر الله الذي يغيظه بسبب فعله، وسمى فعله كيدًا، على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلا ما لَيْسَ بمُذهب لما يغيظه، فَتَحَصَّل أن الضمير في {ينصره} يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم ذكره صراحة، لكنه معهود؛ إذ الوحي إنما ينزل عليه. وقيل: يعود على {مَن}، والمعنى على هذا: من ظن - بسبب ضيق صدره، وكثرة غمه - أن لن ينصره الله، فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق، على هذا، القنوطُ والسخط من القضاء، وسوء الظن بالله تعالى، حتى يئس من نصره. قال ابن جزي: وهذا القول أرجح من الأول؛ لوجهين: أحدهما: أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف؛ لأنه، إذا أصابته فتنة، انقلب وقنط، حتى ظنّ أن لن ينصره الله. ويؤيده من فسّر {أن لن ينصره الله} أي: لن يرزقه؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله عزّ وجلّ، فيكون الكلام، على هذا، متصلاً بما قبله. ويؤيده أيضًا: قوله تعالى، قبله: {إن الله يفعل ما يريد} أي: الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني: أن الضمير في "ينصره"، على هذا، يعود على ما تقدّمه ذكر، دون الأول. هـ. وانظر ابن عطية والكواشي، ففيهما ما يدفع درك ابن جزي، ورده للأول، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة. ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلناه آيات} أي: ومثل ذلك الإنزال البديع، المنطوي على الحِكَم البالغة، أنزلناه، أي: القرآن الكريم كله، حال كونه {آيات بيناتٍ} واضحات الدلالة على معانيها الرائقة، {وأن الله يهدي} به {مَن يريد} هدايته؛ ابتداء، أو يثبته على الهُدى دوامًا، ومحل "أن": إما الجار، أي: ولأن الله يهدي، أو الرفع، أي: والأمر أن الله يهدي من يريد. الإشارة: من غلبته نفسُه، وملكته وأسرته في يدها؛ فدواؤه: الفزع إلى الله، والاضطرار إليه آناء الليل والنهار، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها: هو الفزع إلى أولياء الله، العارفين به، الذين سلكوا طريق التربية على يد شيخ كامل، فإذا ظفر بهم، فليلزم صُحبتهم، وليتبع طريقهم، وليسارع إلى فعل كل ما يشيرون به إليه، من غير تردد ولا توقف، فهم معناه، شرعًا، أم لا، فلا شك أن الله ينصره ويُؤيده، ويظفر بنفسه في أسرع مدة. وليس الخبر كالعيان، وجَرِّبْ... ففي التجريب علم الحقائق، وكذلك من ابتلي بالوسواس وخواطر السوء في أمر التوحيد، فليفزع إليه، حتى يقلعوا من قلبه عروق الشكوك والأوهام، وتذهب عنه الأمراض والأسقام، بإشراق شمس العرفان على قلبه، ويُفضي إلى طريق الذوق والوجدان، وغير هذا عناء وتعب، ولو فرض أنه يسكن عنه ذلك، فلا يذهب عنه بالكلية، فربما يهيج عليه في وقت الضعف، عند الموت، فلا يستطيع دفعه، فيلقى الله بقلب سقيم. والعياذ بالله. فإن قلت: هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب، فقد دللتني على عَنقاء مغرب؟ قلت: والله، إن حسنت الظن بالله وبعباد الله، واضطررت إليه اضطرار الظمآن إلى الماء، لوجدته أقرب إليك من كل شيء. والله، لقد وجدناهم وظفرنا بهم، على مناهج الجنيد وأضرابه، يُغنون بالنظر، ويسيرون بالمريد حتى يقول له: ها أنت وربك. والمنة لله. فمن ترك ما قلنا له، وآيس من الدواء، وظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمت غيظًا وقنطًا، فلا يضر إلا نفسه؛ لأن الله يهدي من يريد، فيوفقه للدواء، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قال من آمن بالقرآن الذي هو آيات بينات
الجنابذي
تفسير : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} اى من كان من النّاس يظنّ ان لن ينصره الله فيغيظه ذلك او من يطرؤ عليه ما يغيظه فيظنّ ان لن ينصره الله {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} اى بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} سماء بيته ليخنق نفسه {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} نفسه بالاختناق {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} فى اختناق نفسه {مَا يَغِيظُ} اى ما يغيظه او فليمدد بسبب اى حبلٍ الى السّماء الدّنيا فليجتهد فى الوصول الى السّماء ثمّ ليقطع اى ليستعمل تميزه فلينظر هل يذهبنّ كيده وحيلته ما يغيظ، او من كان من المؤمنين يظنّ ان لن ينصره الله محمّداً (ص) فيغيظ لذلك فليمدد بسببٍ الى سماء بيته لاختناق نفسه او السّماء الدّنيا لحيلة نصر محمّد (ص) ثمّ ليقطع نَفَسَهُ او ليميز فلينظر، او من كان من الكافرين او المنافقين يظنّ ان لن ينصره الله محمّداً (ص) وكان يغيظ لظنّ نصره فليمدد بسببٍ الى سماء بيته لاختناق نفسه، او الى السّماء الدّنيا لدفع نصره فلينظر (الى أخر الآية).
اطفيش
تفسير : {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فَى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} الهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الكلام حذف اي ان الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن كان يظن من حساده واعدائه ان الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه ويغيظه انه لا يظفر بمطلوبه {فَلْيَمْدُدِ} يده {بِسَبَبٍ} حل. وقال ابن هشام (سبب) مفعول (يمدد) زيدت فيه الباء {إِلَى السَّمَآءِ} سماء بيته مثلا وهو سقفه والسماء كل ما علاك واظلك أي فليستمض وسعه في ازالة غيظه وجزعه بان يفعل ما يفعله الممتلئ غيظا وجزعا حتى يعلق حبلا في عال كسقف وشجرة {ثُمَّ لِيَقْطَعْ} نفسه بحبس مجاريه بذلك الحبل فيموت أو من قطع اللازم بمعنى اختنق وهو قول الجمهور والخليل وسكن غير ورش وابن عامر وابي عمرو (اللام) وقيل المعنى ليقطع الحبل بعد الاختناق {فَلْيَنُظرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} في عدم نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمي فعله المذكور كيدا وضعا له موضع الكيد إذ لم يقدر على غيره أو استهزء لانه لم يكد به محسوده انما كاد نفسه {مَا يَغِيظُ} ما مصدريه والمصدر مفعول يذهب أو هي المفعول به على انها اسم موصول اي ما يغيظه وهو نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى مت يا حاسد محمد كمدا فانه لا محالة منصور والا فانه لا يمكنه قطع الحبل وتصور اذهاب الغيظ وعدمه في نفسه بعد اختناقه وموته وما ذلك الا كالمثل السائر (دونك الحبل فاختنق). وروي انها نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا: تخاف ان يصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع. وروي انه صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الاسلام وقالوا لا يمكننا لانا قد حالفنا اليهود فنخاف ان لن تنصر. وادعى بعضهم ان الروايتين دليل لتفسير الآية بما مر فقال مجاهد: نزل ذلك في قوم مؤمنين اشتد غيظهم وحنقهم على المشركين واستبطوا النصر وقيل: فيهم وفي قوم مشركين يريدون اتباعه ويخشون ان لا يثبت امره. وقيل: المعنى فليمدد إلى سماء الدنيا ما يتوصل به إليها فيجتهد في دفع نصره وقطع الوحي عنه أو يعجل النصر الذي استبطاه. وقيل: النصر الرزق والهاء لمن أي الرزق بيدي الله لا ينال الا بمشيئته ولا بد للعبد من الرضى فمن ظن ان الله غير رازقه وليس به صبر واستسلام فليخف نفسه جزعا أو يبلغ السماء الدنيا في تحصيل الرزق وقضية بني اسد وغطفان المذكورة تدل لهذا وهي رواية عن مجاهد.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كان يظن أنْ لَن ينْصُره الله} أى ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم عاد اليه الضمير، ولو لم يذكر لأن الكلام فيه وله ومعه، فهو كالجبل الشامخ الذى لا يشتبه، أو الهاء لمن أى من كان يظن أن لا ينصره الله، فيغتاظ لعدم نصره، فليخنق نفسه، والجمهور على أنها للنبى صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس والكلَبى، ومقاتل والضحاك، وقتادة وأبن زيد، السدى والزجاج، ويرجحه أن مشركى العرب لا يقرون بالآخرة، وهى مذكروة بقوله: {فى الدنيا والآخِرة} فكيف يطمعون أن ينصروا فيها، وفى الدنيا، اللهم إلا أن يطعموا على فرض أن تكون، أو يراد من أقربها منهم كأمية، أو يقال المراد اليهود، والصحيح أنها له صلى الله عليه وسلم فمن أقر بها أو فرضها، وظن أنه صلى الله عليه وسلم، لا ينصر فى الدنيا ولا فى الآخرة أو لا ينصر فى الدنيا، أو لا ينصر فى الآخرة {فليمدد بسبَب إلى السَّماءِ ثمَّ ليقْطَع فليْنظر هَل يُذهبنَّ كيدهُ ما يغيظُ} ينصر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ودينه واتباعه، ويثيبهم ويعاقب أعداءه دنيا وأخرى، ومن غلظ ذلك فليستفرغ جهده فى الكيد، فلن يصرفه عن ذلك لموعود لهم، فلا يبقى له إلا يقتل نفسه، فيرجع كيده عليه، والباء صلة فالمعنى فليمدد سبباً أى حبلاً، أو للإلصاق على معنى فليتمسك، والسماء سقف البيت، يعلق الحبل به، ويجعل عنقه فى ربقة منه، بحيث يختنق لعدم وصول رجله الى الأرض، ويقطع نفسه بفتح النون، والفاء أو أجله، فحذف المفعول، ولا يقدر فلقطع الحبل إذ لا فائدة فى قطعه، والنظر التدبر على سبيل الفرض فقط، لأن الميت لا تدبر له أو المأمور بالنظر غيره من الأحياء، فيكون ذلك تهكماً به، كما أن لفظ الكيد تهكم، أو ذلك تشبيه بالكيد، لأن هذا غاية ما يقدر. والكائد يأتى بغاية ما يقدر عليه، وذلك خلاف الظاهر، لأنهما أمران مقرونان، لا دليل على صرف أحدهما لغير ما صرف اليه الآخر، أو لينظر ذلك الماد للحبل قيل فعل ذلك، هل يقيده ذلك شيئاً لو فعله، أو السماء إحدى السموات، وهى الأولى يطلع إليها بحبل ليقطع الوحى أو النصر أو المسافة، وقيل الآية فى مسلمين استبطئوا النضر، فليختنقوا غيظاً، أو يطلعوا فيأتوا بالنصر، وقيل قوم من أسلم وغطفان أحبوا الإسلام، وخافوا من حلفائهم اليهود، واستبطئوا، وفى القولين أن الاستبطاء ليس نفياً للنصر بطريق الظن، نعم قريب منه، وما مصدرية أو اسم، أى ما يغيظه.
الالوسي
تفسير : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} الضمير في {يَنصُرَهُ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن ابن عباس والكلبـي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختاره الفراء والزجاج كأنه لما ذكر المجادل بالباطل وخذلانه في الدنيا لأنه لا يدلي بحجة ما ضرورية أو نظرية أو سمعية ولما يؤل إليه أمره من النكال، وفي الآخرة بما هو أطم وأطم ثم ذكر سبحانه مشايعيه وعمم خسارهم في الدارين ذكر في مقابلهم المؤمنين وأتبعه ذكر المجادل عنهم وعن دين الله تعالى بالتي هي أحسن وهو رسوله عليه الصلاة والسلام، وبالغ في كونه منصوراً بما لا مزيد عليه، واختصر الكلام دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم العلم الذي لا يشتبه وأن الكلام / فيه وله ومعه وأن ذكر غيره بتبعية ذكره، فالمعنى أنه تعالى ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرة بإعلاء درجته وإدخال من صدقه جنات تجري من تحتها الأنهار والانتقام ممن كذبه وإذاقته عذاب الحريق لا يصرفه سبحانه عن ذلك صارف ولا يعطفه عنه عاطف فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه وحساده ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ومباشرة ما يرده من المكايد فليبالغ في استفراغ المجهود وليتجاوز في الجهد كل حد معهود فقصارى أمره خيبة مساعيه وعقم مقدماته ومباديه وبقاء ما يغيظ على حاله ودوام شجوه وبلباله، وقد وضع مقام هذا الجزاء. قوله سبحانه: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} الخ أي فليمدد حبلاً {إِلَى ٱلسَّمَاء} أي إلى سقف بيته كما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ليختنق - كما فسره بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - من قطع إذا اختنق كان أصله قطع نفسه بفتحتين أو أجله ثم ترك المفعول نسياً منسياً فصار بمعنى اختنق لازم خنقه، وذكروا أن قطع النفس كناية عن الاختناق، وقيل المعنى ليقطع الحبل بعد الاختناق على أن المراد به فرض القطع وتقديره كما أن المراد بالنظر في قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } تقدير النظر وتصويره والا فبعد الاختناق لا يتأتى منه ذلك أي فليقدر في نفسه النظر هل يذهبن كيده غيظه أو الذي يغيظه من النصر، ويجوز أن يراد فلينظر الآن أنه إن فعل ذلك هل يذهب ما يغيظه، وجوز أن يكون المأمور بالنظر غير المأمور الأول ممن يصح منه النظر، وأن يكون الكلام خارجاً مخرج التهكم كما قيل إن تسمية فعله ذلك كيداً خارجة هذا المخرج، وقال جمع: إن إطلاق الكيد على ذلك لشبهه به فإن الكائد إذا كاد أتى بغاية ما يقدر عليه وذلك الفعل غاية ما يقدر عليه ذلك العدو الحسود، ونقل عن ابن زيد أن المعنى فليمدد حبلاً إلى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: ليقطع المسافة حتى يبلغ عنان السماء فيجهد في دفع نصره عليه الصلاة والسلام النازل من جهتها. وتعقبه المولى أبو السعود بأنه يأباه مساق النظم الكريم بيان أن الأمور المفروضة على تقدير وقوعها وتحققها بمعزل من إذهاب ما يغيظ، ومن البين أن لا معنى لفرض وقوع الأمور الممتنعة وترتيب الأمر بالنظر عليه لا سيما قطع الوحي فإن فرض وقوعه مخل بالمرام قطعاً، ونوقش في ذلك بما لا يخفى على الناظر نعم المعنى السابق هو الأولى، وأياً كان فمن يظن ذلك هم الكفرة الحاسدون له صلى الله عليه وسلم، وقيل: أعراب من أسلم وغطفان تباطؤ عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد عليه الصلاة والسلام فينقطع ما بيننا وبين حلفائنا من يهود فلا يقرونا ولا يؤونا، وقيل: قوم من المسلمين كانوا لشدة غيظهم من المشركين يستبطئون ما وعد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من النصر؛ والمعنى عليه وكذا على سابقه إن قيل إن أولئك الأعراب كانوا يستبطئون النصر أيضاً من استبطأ نصر الله تعالى وطلبه عاجلاً فليقتل نفسه لأن له وقتاً اقتضت الحكمة وقوعه فيه فلا يقع في غيره، وأنت تعلم بعد هذين القولين وإن ثانيهما أبعد. واستظهر أبوحيان كون ضمير {يَنصُرَهُ} عائداً على (من) لأنه المذكور وحق الضمير أن يعود على مذكور، وهو قول مجاهد وإليه ذهب بعضهم وفسر النصر بالرزق، قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله تعالى وقالوا: أرض منصورة أي ممطورة، وقال الفقعسي: شعر : / وإنك لا تعطي امرأً فوق حقه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره تفسير : أي معطيه وكأنه مستعار من النصر بمعنى العون. فالمعنى أن الأرزاق بيد الله تعالى لا تنال إلا بمشيئته فلا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله تعالى غير رازقه ولم يصبر ولم يستسلم فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقاً. والغرض الحث على الرضا بما قسم الله تعالى لا كمن يعبده على حرف وكأنه سبحانه لما ذكر المؤمنين عقيبهم على ما مر حذرهم عن مثل حالهم لطفاً في شأنهم. ولا يخلو عن بعد وإن كان ربط الآية بما قبلها عليه قريباً، وقيل: الضمير لمن والنصر على المتبادر منه والمعنى من كان يظن أن لن ينصره الله تعالى فيغتاظ لانتفاء نصره فليحتل بأعظم حيلة في نصر الله تعالى إياه وليستفرغ جهده في إيصال النصر إليه فلينظر هل يذهبن ذلك ما يغيظه من انتفاء النصر. ولا يخفى ما في وجه الربط على هذا من الخفاء. و(من) كما أشرنا إليه شرطية، وجوز أن تكون موصولة والفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط و{هَلْ يُذْهِبَنَّ} في محل نصب بينظر، وذكر أنه على إسقاط الخافض، وقرأ البصريون وابن عامر وورش (ثم ليقطع) بكسر لام الأمر والباقون بسكونها على تشبيه ثم بالواو والفاء لأن الجميع عواطف.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية غامض، ومُفادها كذلك. ولنبدأ ببيان موقعها ثم نتبعه ببيان معناها فإن بين موقعها ومعناها اتصالاً. فيحتمل أن يكون موقعها استئنافاً ابتدائياً أريد به ذكر فريق ثالث غير الفريقين المتقدمين في قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم}تفسير : [الحج: 8] الآية، وقوله: {أية : ومن الناس من يعبد الله على حرف}تفسير : [الحج: 11]. وهذا الفريق الثالث جماعة أسلموا واستبطأوا نصْر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجُّلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون. ويحتمل أن يكون موقعها تذييلاً لقوله: {أية : ومن الناس من يعبد الله على حرف}تفسير : [الحج: 11] الآية بعد أن اعتُرض بين تلك الجملة وبين هاته بجمل أخرى فيكون المراد: أن الفريق الذين يعبدون الله على حرف والمخبر عنهم بقوله: {أية : خسر الدنيا والآخرة}تفسير : [الحج: 11] هم قوم يظنون أن الله لا ينصرهم في الدنيا ولا في الآخرة إنْ بقُوا على الإسلام. فأما ظنهم انتفاء النصر في الدنيا فلأنهم قد أيسوا من النصر استبطاءً، وأما في الآخرة فلأنهم لا يؤمنون بالبعث ومن أجل هذا علق فعل {لن ينصره}بالمجرور بقوله {في الدنيا والآخرة} إيماء إلى كونه متعلق الخسران في قوله {أية : خسر الدنيا والآخرة}تفسير : [الحج: 11]. فإن عدم النصر خسران في الدنيا بحصول ضده، وفي الآخرة باستحالة وقوع الجزاء في الآخرة حسب اعتقاد كفرهم، وهؤلاء مشركون مترددون. ويترجح هذا الاحتمالُ بتغيير أسلوب الكلام، فلم يعطف بالواو كما عطف قوله {أية : ومن الناس من يعبد الله}تفسير : [الحج: 11] ولم تورد فيه جملة {ومن الناس} كما أوردت في ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا الفريق. فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله {من كان يظن} الخ إظهاراً في مقام الإضمار؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتَى بضمير ذلك الفريق فيقالَ بعد قوله: {أية : إن الله يفعل ما يريد}تفسير : [الحج: 14]، {فليمدد بسبب إلى السماء} الخ... عائداً الضميرُ المستتر في قوله {فليمدد}على {أية : مَن يعبد الله على حرف}تفسير : [الحج: 11]. والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لوجهين، أحدهما: بُعد معاد الضمير، وثانيهما: التنبيه على أنّ عبادته الله على حرف ناشئة عن ظنه أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة إن صمم على الاستمرار في اتباع الإسلام لأنه غير واثق بوعد النصر للمسلمين. وضمير النصب في {ينصره}عائد إلى {أية : من يعبد الله على حرف}تفسير : [الحج: 11] على كلا الاحتمالين. واسم {السماء}مرادٌ به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضاً أخذاً بما رواه القرطبي عن ابن زيد (يعني عبد الرحمان بن زيد بن أسلم) أنه قال في قوله تعالى: {فليمدد بسبب إلى السماء} قال: هي السماء المعروفة، يعني المُظِلة. فالمعنى: فليَنُط حبلاً بالسماء مربوطاً به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئاً من إزالة غيظه. ومفعول {يقطع}محذوف لدلالة المقام عليه. والتقدير: ثم ليقطعه، أي ليقطع السبب. والأمر في قوله {فليمدد بسبب إلى السماء} للتعجيز، فيعلم أن تعليق الجواب على حصول شرطٍ لا يقع كقوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا}تفسير : [الرحمن:33]. وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نُسجت على إيجاز بديع، شُبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارِهم الإسلام على حنَق، أو حالةُ تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم: عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سُبل الانفراج، فامدُدوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه حبلٌ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون غنى في شيء من أفعالهم، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في الآخرة. ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في الدنيا ومُرتابين في نَيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله ولا يكيد الدينَ وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم، ولعلّ هؤلاء من المنافقين. فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه من يعبد الله على حرف، والمناسبة ظاهرة. ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير {ينصره الله} عائداً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج. ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضاً بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط. قال تعالى: {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين}تفسير : [الأحزاب: 23ــــ24] الآية. والسبب: الحبل. وتقدم في قوله {أية : وتقطعت بهم الأسباب}تفسير : في[سورة البقرة: 166]. والقطع: قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس. و (مَا) مصدرية، أي غيظَهُ. والاستفهام بــــ {هل}إنكاري، وهو معلق فعلَ {فلينظر}عن العمل، والنظر قلبي، وسمي الفعلُ كيداً لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه. وقرأ الجمهور {ثم لْيَقطع} ــــ بسكون لام ــــ ليقطع وهو لام الأمر. فإذا كان في أول الكلمة كان مكسوراً، وإذا وقع بعد عاطف غير (ثُمّ) كان ساكناً مثل {أية : ولْتَكُنْ منكم أمّة}تفسير : [آل عمران: 104]. فإذا وقع بعد (ثُم) جاز فيه الوجهان. وقرأه ابن عامر، وأبو عمرو وورش عن نافع، وأبو جعفر ورويس عن يعقوب ــــ بكسر اللام ــــ.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير معروفة عند العلماء، وبعضها يشهد لمعناه قرآن. الأول: أن المعنى: من كان من الكفرة الحسدة له صلى الله عليه وسلم، يظن أن لن ينصره الله: أي أن لن ينصر الله نبيه محمداً صلى الله عليه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي بحبل إلى السماء: أي سماء بيته، والمراد به السقف: لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال: شعر : وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر تفسير : كما أوضحناه في سورة الحجر. والمعنى: فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق، لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه، ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} أي هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، في الدنيا والآخرة. والمعنى: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري: وسمي فعله كيداً، لأن وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه ا هـ منه. وحاصل هذا القول: أن الله يقول لحاسديه صلى الله عليه وسلم، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أن ربه لن ينصره: موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم، وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي. ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن: قوله تعالى. {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 119]. الوجه الثاني: أن المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، والحال أن النصر يأتيه صلى الله عليه وسلم من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك السبب، حتى يصعد إلى السماء، فيقطع نزول الوحي من السماء، فيمنع النصر عنه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنه وإن غاظه نصر الله لنبيه. فليس له حيلة، ولا قدرة على منع النصر، لأنه لا يستطيع الارتقاء إلى السماء ومنع نزول النصر منها عليه صلى الله عليه وسلم: وعلى هذا القول: فصيغة الأمر في قوله {فَلْيَمْدُدْ} وقوله {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} للتعجيز {لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ} ذلك الحاسد العاجز عن قطع النصر عنه صلى الله عليه وسلم: هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النَّبي صلى الله عليه وسلم، ما يغيظه من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنه إن أعمل كل ما في وسعه، من كيد النَّبي صلى الله عليه وسلم ليمنع عنه نصر الله، فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يذهب كيده ما يغيظه من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. ومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله تعالى {أية : أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ}تفسير : [ص: 10-11] وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة الحجر. ولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة: وهو أن الضمير في {لَّن يَنصُرَهُ} عائد إلى من في قوله تعالى {مَن كَانَ يَظُنُّ} وأن النصر هنا بمعنى الرزق، وأن المعنى: من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه، فليختنق، وليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، وليمت غيظاً وغماً، فإن ذلك لا يغير شيئاً مما قضاه الله وقدره، والذين قالوا هذا القول قالوا: إن العرب تسمي الرزق نصراً، وعن أبي عبيدة قال: وقف علينا سائل من بني بكر، فقال: من ينصرني نصره الله، يعني: من يعطيني أعطاه الله، قالوا: ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة: أي ممطورة، ومنه قول رجل من بني فقعس: شعر : وإنك لا تُعطي امرأً فوق حقِّه ولا تملك الشّق الذي ألغيت ناصره تفسير : أي معطيه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير ظاهر السقوط، كما ترى، والذين قالوا: إن الضمير في قوله {أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ} راجع إلى الدين، أو الكتاب، لا يخالف قولهم قول من قال: إن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن نصر الدين، والكتاب هو نصره صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى، ونصر الله له صلى الله عليه وسلم في الدنيا، بإعلائه كلمته، وقهره أعداءه، وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، ونحو ذلك كما قال تعالى {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}تفسير : [غافر: 51] فإن قيل: قررتم أن الضمير في ينصره، عائد إليه صلى الله عليه وسلم، وهو لم يجر له ذكر، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور. فالجواب: هو ما قاله غير واحد: من أنه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يجر له ذكر فالكلام دال عليه، لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها تليها {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [الحج: 14] الآية. هو الإيمان بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، والانقلاب عن الدين المذكور في قوله {أية : ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}تفسير : [الحج: 11] انقلاب عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} قرأه أبو عمرو، وابن عامر، وورش، عن نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر، وقرأه الباقون بإسكان اللام تخفيفاً.
الواحدي
تفسير : {مَنْ كان يظن أن لن ينصره الله} لن ينصر الله محمَّداً صلى الله عليه وسلم حتى يُظهره على الدِّين كلِّه فليمت غيظاً، وهو تفسير قوله: {فليمدد بسبب إلى السماء} أَيْ: فليشدد حبلاً في سقفه {ثمَّ ليقطع} أَيْ: ليَمُدَّ الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً {فلينظر هل يُذْهِبَنَّ كيده ما يغيظ} غيظه.
القطان
تفسير : بسبب: بحبل. الى السماء: الى مكان مرتفع. ثم ليقطع: ليختنق. فلينظر: فليقدّر في نفسه النظر. الذين هادوا: اليهود. والصابئين: وهم فرقتان: جماعة يوحنا المعمدان واسمُهم المندائيون، وصابئة حّران، الذين عاشوا زمنا في كنف الاسلام.. وسيأتي في الشرح التعريف بهم. المجوس: كلمة إيرانية، أهلُها أتباع زرادشت. وهم يقدّسون النار، والشمس والقمر، وقد انقرضت المجوسية او كادت بعد استيلاء المسلمين على فارس. الذين اشركوا: عبدةُ الأوثان. ألم تر: ألم تعلَم. {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}. من كان من الناس يحسَب أن الله لن ينصر نبيّه محمداً في الدنيا والآخرة فليقتلْ نفسه وينظر هل يُذهِب ذلك ما يجِدُ في صدره من الغيظ! وهناك من المفسّرين من يقول: من يفقد ثقته بنصر الله في الدنيا والآخرة، ويقنط من عون الله حين تشتد به المِحَن، فدُونَه فليفعل بنفسه ما يشاء؛ فليمدد بحبل الى السماء ويشنق نفسه به، ثم ينظر هل ينقذه تدبيره ذلك مما يغيظه. قراءات قرأ ابن عامر وابو عمرو ورويس: ثم لِيقطع فَلِينظر: بكسر اللام. والباقون: بسكون اللام. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ}. ومثلَ ما بينّا حجتنا الواضحة فيما سبق، أنزلنا القرآنَ كله على محمدٍ آياتٍ واضحة، واللهُ يهدي من أراد هدايته وارشاده الى سبل السلام. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. ان الذين آمنوا بالله وبرسلِه جميعا، واليهودَ، والصابئين (وهم فرقتان: جماعة المندائيين أتباع يوحنا المعمدان، وصابئة حَرّان. وقد ورد ذِكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارى، مما يؤذن بأنهم أهلُ كتاب. وقد فصّل تاريخهم وطقوسهم كل من الشهرستاني في "المِلل والنِحَل" والدمشقي في "نخبة الدهر في عجائب البحر". وهم قوم لهم طقوس، ويعدُّون بين الروحانيين الذي يقولون بوسائط بينَ الله والعالم، ويحرصون على تطهير أنفسِهم من دَنَس الشهوات، والارتقاء بها الى عالم الروحانيات. وهم يتطهرون بالماء إذا لمسوا جسداً، ويحرّمون الخِتان، كما يحرمون الطلاق إلا بأمر القاضي، ويمنعون تعدُّد الزوجات، ويؤدون ثلاث صلوات كل يوم. ولقد عاشوا متفرقين في العراق، وكان مركزهم الرئيسي حَرّان، ولغتهم السريانية، وكان منهم المترجمون والرياضيون والنباتيون في صدر الاسلام كما نبغ منهم شخصيات عديدة. ومنهم بقية في العراق في الوقت الحاضر. والنصارى أتباع سيدنا عيسى. والمجوس: الذين يقدّسون النار، ويقولون ان الخير من النور، والشر من الظلام، وهؤلاء تقريبا انقرضوا ولا يزال منهم بقية في الهند. والذين اشركوا هم عبدة الاوثان وهم كثيرون، ولا يزال منهم عدد هائل في عصرنا الحاضر، وهم منتشرون في افريقيا، وآسيا وكثير من البلدان... إن الله سيفصل بين هؤلاء جميعا يوم القيامة بإظهار المحقّ من المبطِل منهم، فهو مطّلع على كل شيء، عالمٌ بأعمال خلقه وما تكنّه ضمائرهم. تقدم في سورة البقرة 62 {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : فلم يذكر المجوس ولا الذين اشركوا. وفي سورة المائدة 69 {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ.... }تفسير : فلم يذكر المجوسَ ولا الذين أشركوا. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}. الخطاب لجميع الناس، وجعله "الطبري" لسيدنا محمد. وتفسيره: ألم تعلم أن هذه الخلائقَ جميعَها مسخَّرة لقدرة الله، منقادةٌ لإرادته، فتسجد له سجودا لا تطّلع أنتَ عليه، وكثيرٌ من الناس يؤمن بالله ويخضع لأوامره.. وبذلك استحقوا الجنة، فيما أعرض كثير منهم ولم يؤمن فاستحقوا العذاب، ومن يهنْه الله لسوءِ سلوكه فليس له من مكرِم، ان الله يفعل في خلقه ما يشاء، فهو لا يُسأل عما يفعل، فمن سلك طريق السلام سلم، ومن سلك طريق الهلاك هلك. هذه السجدة من عزائم السجود في القرآن فَيُسَنُّ للقارىء والمستمع ان يسجد عند تلاوتها او سماع تلاوتها.
د. أسعد حومد
تفسير : {َٱلآخِرَةِ} (15) - مَنْ كَانَ يَظُنُّ مِنَ الكُفَّارِ أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّداً، وَدِينَهُ، وَكِتَابَهُ، فَلْيَذْهَبْ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ بِرَبْطِ حَبْلٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لِيَخْنُقْ نَفْسَهُ بِهِ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِظَهُ، فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُهُ لاَ مَحَالَةَ. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي آيةٍ أُخْرَى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. تفسير : ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرْ هَذَا المَغِيظُ هَلْ يَشْفِي فِعْلُهُ هَذَا - أيْ خَنْقَ نَفْسِهِ بِحَبْلٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ - صَدْرَه مِنَ الغَيْظِ، وَهَلْ يُحَقِّقُ فِعْلُهُ هَذَا رَغْبَةَ نَفْسِهِ فِي أَنْ لاَ يَنْصُرَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم؟ كَلاَّ إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يُوصِلَهُ إِلَى غَايَتِهِ. يَنْصُرُهُ اللهُ - أي يَنْصُرُ اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّداً. بِسَبَبٍ إلَى السَّمَاءِ - بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ بَيْتِهِ. ثُمَّ ليَقْطَعْ - ثُمَّ لِيَخْنُقْ بِهِ نَفْسَهُ حَتَّى يَمُوتَ. كَيْدُهُ - صَنِيعُهُ بِنَفْسِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (يظنُّ) تفيد عِلْماً غير يقيني وغير مُتأكد، وسبق أنْ تكلَّمنا في نسبة القضايا، فهناك حكم محكوم به ومحكوم عليه، تقول: زيد مجتهد، فأنت تعتقد في نِسْبة الاجتهاد لزيد، فإنْ كان اعتقادك صحيحاً فتستطيع أنْ تُقدِّم الدَليل على صحته فتقول: بدليل أنه ينجح كل عام بتفوق. أما إذا اعتقد هذه القضية ولم يُقدِّم عليها دليلاً كأنْ سمع الناسَ يقولون: زيد مجتهد. فقال مثلهم، لكن لا دليلَ عنده على صِدْق هذه المقولة، كالطفل الذي نُلقّنه {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] هذه قضية واقعية يعتقدها الولد، لكن لا يستطيع أنْ يُقدِّم الدليل عليها إلا عندما يكُبر ويستوي تفكيره. فمن أين أخذ الطفل هذه القضية واعتقدها؟ أخذها من المأمون عليه: من أبيه أو من أستاذه ثم قلَّده. إذن: إنْ كانت القضية واقعة، لكِنْ لا تستطيع أنْ تقيم الدليل عليها فهي تقليد، فإنِ اعتقدتَ قضية واقعة، وأقمْتَ الدليل عليها، فهذا أسمْى مراتب العلم، فإنِ اعتقدتَ قضيةً غير واقعيةٍ، فهذا جهل. فالجاهل: مَنْ يعتقد شيئاً غير واقع، وهذا الذي يُتعِب الدنيا كلها، ويُشقي من حوله، لأن الجاهل الأميَّ الذي لا يعلم شيئاً، وليست لديه فكرة يعتقدها صفحة بيضاء، تستطيع أنْ تقنعه بالحقيقة ويقبلها منك؛ لأنه خالي الذهن ولا يعارضك. أما الجاهل صاحب الفكرة الخاطئة فيحتاج منك أولاً أنْ تُقنعه بخطأ فكرته حتى يتنازل عنها، ثم تُلقِي إليه بالفكرة الصواب. فإنْ تشككْتَ في النسبة بحيث استوت عندك نسبة الخطأ مع نسبة الصواب، فهذا هو الشَّكُّ، فلا تستطيع أنْ تجزم باجتهاد زيد، ولا بعدم اجتهاده، فإنْ غلب الاجتهاد فهو ظَنٌّ، فإنْ غلب عدم الاجتهاد فهو وَهْم. إذن: نسبة القضايا إما علم تعتقده: وهو واقع وتستطيع أنْ تقيمَ الدليل عليه، أو تقليد: وهو ما تعتقده وهو واقع، لكن لا تقدر على إقامة الدليل عليه، أو جهل: حين تعتقد شيئاً غير واقع، أو شك: حين لا تجزم بالشيء ويستوي عندك النفي والإثبات، أو ظن: حين تُرجِّح الإثبات، أو وهم: حين تُرجِّح النفي. فالظن في قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ ..} [الحج: 15] أي: يمرُّ بخاطره مجرد مرور أن الله لن ينصر محمداً، أو يتوهم ذلك - ولا يتوهم ذلك إلا الكفار - لأنهم يأملون ذلك في معركة الإيمان والكفر - مَنْ ظَنَّ هذا الظنَّ فعليه أنْ ينتهيَ عنه؛ لأنه أمر بعيد، لن يحدث ولن يكون. وقد ظَنَّ الكفار هذا الظن حين رَأَوْا بوادر نصر الإيمان وعلامات فوزه، فاغتاظوا لذلك، ولم يجدوا شيئاً يريح خاطرهم إلا هذا الظن. لذلك؛ يردُّ الله غيظهم عليهم، فيقول لهم: ستظلون بغيظكم؛ لأن النصر للإيمان ولجنوده مستمر، فليس أمامك إلا أنْ تجعل حبلاً في السماء وتربط عنقك به، تشنق نفسك حتى تقع، فإنْ كان هذا الكيد لنفسك يُنجيك من الغيظ فافعل: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15]. لكن ما الغيظ؟ الغيظ: نوع من الغضب مصحوب ومشُوب بحزن وأَسَىً وحَسْرة حينما ترى واقعاً يحدث أمام عينيك ولا يرضيك، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تفعل شيئاً تمنع به مَا لا يُرضيك. وهذه المادة (غيظ) موجودة في مواضع أخرى من كتاب الله، وقد استُعْملَتْ حتى للجمادات التي لا تُحِسُّ، اقرأ قول الله تعالى عن النار: {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ..} تفسير : [الملك: 8] وقال: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12] فكأن النار مغتاظة من هؤلاء، تتأهب لهم وتنتظرهم. والغَيْظ يقع للمؤمن والكافر، فحين نرى عناد الكفار وسُخريتهم واستهزاءهم بالإيمان نغتاظ، لكن يُذهب الله غيْظ قلوبنا، كما قال سبحانه: {أية : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ..}تفسير : [التوبة: 15]. أما غيْظ الكفار من نصْر الإيمان فسوف يَبْقى في قلوبهم، فربُّنا - سبحانه وتعالى - يقول لهم: ثقُوا تماماً أن الله لم يرسل رسولاً إلا وهو ضامن أنْ ينصره، فإنْ خطر ببالكم خلافُ ذلك فلن يُريحكم ويَشْفي غيظكم إلاّ أنْ تشنقوا أنفسكم؛ لذلك خاطبهم الحق سبحانه في آية أخرى فقال: {أية : قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 119]. ومعنى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ..} [الحج: 15] {فَلْيَمْدُدْ ..} [الحج: 15]: من مدَّ الشيء يعني: أطاله بعد أنْ كان مجتمعاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ..} تفسير : [الحجر: 19] فكلما تسير تجد أرضاً ممتدة ليس لها نهاية، وليس لها حافَّة. والسبب: الحبل، يُخرِجون به الماء من البئر، لكن هل يستطيع أحد أنْ يربط حبلاً في السماء؟ إذن: علَّق المسألة على محال، وكأنه يقول لهم: حتى إنْ أردتم شَنْق أنفسكم فلن تستطيعوا، وسوف تظلُّون هكذا بغيظكم. أو: يكون المعنى: {إِلَى ٱلسَّمَآءِ ..} [الحج: 15] يعني: سماء البيت وسقفه، كمَنْ يشنق نفسه في سَقْف البيت. ويمكن أن نفهم (السبب) على أنه أيّ شيء يُوصِّلك إلى السماء، وأيّ وسيلة للصعود، فيكون المعنى: خذوا أيّ طريقة تُوصِّلكم إلى السماء لتمنعوا عن محمد أسباب النصر؛ لأن نَصْر محمد يأتي من السماء فامنعوه، وهذه أيضاً لا يقدرون عليها، وسيظل غيظهم في قلوبهم. وتلحظ أننا نتكلم عن محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الآية لم تذكر شيئاً عنه، وكل ما جاء في الآية ضمير الغائب المفرد في قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ ..} [الحج: 15] والحديث مُوجَّه للكفار المغتاظين من بوادر النصر لركْب الإيمان، فقوله:{يَنصُرَهُ ..} [الحج: 15] ينصر مَنْ؟ لا بُدَّ أنه محمد، لماذا؟ قالوا: لأن الأسماء حينما تُطلَق تدلُّ على مَعَانٍ، فعندما تقول "سماء" نفهم المراد، وعندما تقول "قلب" نفهم، "نور" نعرف المراد. والأسماء إما اسم ظاهر مثل: محمد وعلي وعمر وأرض وسماء، وإما ضمائر تدل على هذه الأسماء الظاهرة مثل: أنا، أنت، هو، هم. والضمير مُبْهم لا يُعيِّنه إلا التكلُّم، فأنت تقول: أنا وكذلك غيرك يقول أنا أو نحن، فالذي يُعيِّن الضمير المتكلّم به حال الخطاب، فعُمدْة الفهم في الضمائر ذات المتكلم وذات المخاطب. فإن لم يكُنْ متكلّماً ولا مخاطباً فهو غائب، فمن أين تأتي بقرينة التعريف للغائب؟ حين تقول: هو، هي، هم. مَنِ المراد بهذه الضمائر؟ كيف تُعيِّنها؟ إنْ عيَّنْتَ المتكلم بكلامه، والمخاطب بمخاطبته، كيف تُعيِّن الغائب؟ قالوا: لا بُدَّ أنْ يسبقه شيء يدل عليه، كأن تقول: جاءني رجل فأكرمتُه، أكرمت مَنْ؟ أكرمت الرجل الذي تحدثتُ عنه، جاءتني امرأة فأكرمتُها، جاء قوم فلان فأكرمتهم. إذن: فمرجع الضمير هو الذي يدلُّ عليه. لكن لم يسبق ذِكْر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الضمير ليُعيِّنه ويدلُّ عليه، نعم لم يسبق ذِكْر لرسول الله، لكن تأمَّل المعنى: الكلام هنا عن النصر بين فريق الإيمان وعلى رأسه محمد صلى الله عليه وسلم، وفريق الكفر وعلى رأسه هؤلاء المعاندون، فالمقام مُتعيّن أنه لا يعود الضمير إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ..}تفسير : [القدر: 1]. فالضمير هنا مُتعيِّن، ولا ينصرف إلا إلى القرآن، ولا يتعين الضمير إلا إذا كان الخاطر لا ينصرف إلى غيره في مقامه. اقرأ: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] تلحظ أن الضمير سابق على الاسم الظاهر، فالمرجع متأخر، ومع ذلك لا ينصرف الضمير إلا إلى الله، فإذا قِيلَ: هو هكذا على انفراد لا يمكن أن ينصرف إلا لله عز وجل. كذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ..} تفسير : [النحل: 61]. على ظَهْر أيِّ شيء؟ الذِّهْن لا ينصرف في هذا المقام إلا إلى الأرض. وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] الاستفهام هنا مِمَّنْ يعلم، فهو استفهام للتقرير، ليِقُروا هم بأنفسهم أن غَيْظهم سيظلُّ كما هو، لا يشفيه شيء، وأنهم سيموتون بغيظهم، كما قال تعالى: {أية : قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ..}تفسير : [آل عمران: 119]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} معناه لَنْ يَرْزُقَهُ. وقالَ مَنْ كَانَ يَظُنُ أَنْ لَنْ يَنصُرَ الله تعالى محمداً صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلمَ في الدُّنيا والآخِرةِ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} فالسَّببُ: الحَبلُ. والسَّماءُ: سَماءُ البَيتِ: معناهُ سَقفُهُ. فليَختَفْ {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وأن دينه سيضمحل، فإن النصر من الله ينزل من السماء { فَلْيَمْدُدْ } ذلك الظان { بِسَبَبٍ } أي: حبل { إِلَى السَّمَاءِ } وليرقى إليها { ثُمَّ لِيَقْطَعْ } النصر النازل عليه من السماء. { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } أي: ما يكيد به الرسول، ويعمله من محاربته، والحرص على إبطال دينه، ما يغيظه من ظهور دينه، وهذا استفهام بمعنى النفي [وأنه]، لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله من الأسباب. ومعنى هذه الآية الكريمة: يا أيها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الساعي في إطفاء دينه، الذي يظن بجهله، أن سعيه سيفيده شيئا، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، فليس لك قدرة في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي، تتمكن به من شفاء غيظك، ومن قطع النصر عن الرسول -إن كان ممكنا- ائت الأمر مع بابه، وارتق إليه بأسبابه، اعمد إلى حبل من ليف أو غيره، ثم علقه في السماء، ثم اصعد به حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها النصر، فسدها وأغلقها واقطعها، فبهذه الحال تشفي غيظك، فهذا هو الرأي: والمكيدة، وأما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك أنك تشفي بها غيظك، ولو ساعدك من ساعدك من الخلق. وهذه الآية الكريمة، فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، أي: وسعوا مهما أمكنهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 663 : 3 : 6 - سفين عن أبي اسحاق عن التميمي عن بن عباس في قوله {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} قال من كان يظن ان لن ينصر الله محمداً صلعم، فليمدد بحبل في سماء بيته، فليختنق به. [الآية 15].
همام الصنعاني
تفسير : 1904- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ}: [الآية: 15]، نبيه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ}: [الآية: 15]، يقول بحبل إلى سماء البيت. {ثُمَّ لْيَقْطَعْ}: [الآية: 15]، يقول: ثم ليختنق، {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}: [الآية: 15].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):