Verse. 2611 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَكَذٰلِكَ اَنْزَلْنٰہُ اٰيٰتٍؚبَيِّنٰتٍ۝۰ۙ وَّاَنَّ اللہَ يَہْدِيْ مَنْ يُّرِيْدُ۝۱۶
Wakathalika anzalnahu ayatin bayyinatin waanna Allaha yahdee man yureedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» أي مثل إنزالنا الآية السابقة «أنزلناه» أي القرآن الباقي «آيات بينات» ظاهرات حال «وأن الله يهدي من يريد» هداه معطوف على هاء أنزلناه.

16

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {وَأَنَّ ٱللَّهَ} أي وكذلك أن الله {يَهْدِي مَن يُرِيدُ}، علّق وجود الهداية بإرادته؛ فهو الهادي لا هادِي سواه.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} ومثل ذلك الإِنزال. {أَنزَلْنَـٰهُ } أنزلنا القرآن كله. {ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات. {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى} ولأن الله يهدي به أو يثبت على الهدى. {مَن يُرِيدُ} هدايته أو إثباته أنزله كذلك مبيناً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } أي مثل إنزالنا الآية السابقة {أَنزَلْنَٰهُ } أي القرآن الباقي {ءَايَٰتٍ بَيّنَاتٍ } ظاهرات حال {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ } هداه معطوف على هاء أنزلناه.

القشيري

تفسير : {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: أي دلالات وعلامات نَصبَهَا الحقُّ سبحانه لعباده، فمن الآيات ما هو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ما هو تعريفات في أوقات المعاملات فما يجده العبد في حالاته من انغلاقٍِ، واشتداد قبضٍ، وحصول خسران، ووجوه امتحان.. لا شكَّ ولا مرية إذا أَخَلَّ بواجبٍ أو ألَمَّ بمحظور. أو تكون زيادة بَسْطٍ أو حلاوة طاعة، او تيسير عسيرٍ من الأمور، أو تجدد إنعامٍ عند حصول شيءٍ من طاعاته. ثم قد يكون آيات في الأسرار، هي خطابُ الحقِّ ومحادثةٌ معه، كما في الخبر:"حديث : لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يك في أمتي فعمر ". تفسير : ثم يقال الآيات ظاهِرةٌ، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اى مثل ذلك الانزال البديع المنطوى على الحكم البالغة {انزلناه} اى القرآن الكريم كله حال كونه {آيات بينات} واضحات الدلالة على معانيها اللطيفة {وان الله يهدى من يريد} محل الجملة الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف اى والامر ان الله تعالى يهدى بالقرآن ابتداء او يثبت على الهدى او يزيد فيه من يريد هدايته او تثبيته او زيادته وفى الحديث "حديث : ان الله يرفع بهذا الكتاب اقواما ويضع به آخرين"تفسير : اى يرفع بالقرآن درجة أقوام وهم من آمن به وعمل بمقتضاه ويحط به اقواما آخرين وهم من اعرض عنه ولم يحفظ وصاياه وكان نظر الصحابة رضى الله عنهم وشغلهم فى الاحوال والاعمال ولذا كانوا يتعلمون عشر آيات لا يجاوزونها الى غيرها حتى يعملوا بما فيها، قال في الاحياء مات النبى عليه السلام عن عشرين الفا من الصاحبة ولم يحفظ القرآن منهم الا ستة اختلف منهم فى اثنين فكان اكثرهم يحفظ السورة او السورتين وكان الذى يحفظ البقرة والانعام من علمائهم فالاشتغال بعلم القرآن والعمل بمقتضاه من علامات الهداية ولا بد من الاجتهاد آناء الليل واطراف النهار الى ان يحصل المقصود فان من راد ان يصل الى ماء الحياة يقطع الظلمات بلا فتور وجمود والملال من العلم واستماعه سبب الانقطاع عن طريق التحقيق واثر الحرمان من العناية والتوفيق شعر : دل ازشنيدن قرآن بكيردت همه وقت جو باطلان زكلام حقت ملوى جيست حديث : وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه انه قال جلست فى عصابة من ضعفاء المهاجرين وان بعضهم ليستتر ببعض من العى وقارىء يقرأ علينا اذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام رسول الله سكت القارىء فسلم ثم قال "ما كنتم تصنعون" قلنا كنا نستمع الى كتاب الله فقال "الحمد لله الذى جعل من امتى من امرت ان اصبر نفسى معهم" قال فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوههم له فقال "ابشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل اغنياء الناس بنصف يوم"تفسير : وذلك خمسمائة سنة وذلك لان الاغنياء يوقفون فى العرصات ويسألون من اين جمعوا المال وفيم صرفوه ولم يكن للفقراء مال حتى يوقفوا ويسألوا عنه ويعنى رسول الله بالفقراء الفقراء الصابرين الصالحين وبالاغنياء الاغنياء الشاكرين المؤدين حقوق اموالهم هذا ثم ان كون القرآن مشتملا على متشابهات وغوامض لا ينافى كون آياته بينات لانه ليس فيه ما لايعلم معناه لكن العلماء يتفاوتون في طبقات المعرفة هدانا الله واياكم الى ما هدى العلماء الراسخين اليه وشرفنا فى كل غامض بالاطلاع عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} الانزال فى بيان البعث مع البرهان الواضح على بيانه وفى بيان حال المجادل فى الله بغير دليل والعابد على حرفٍ من الدّين والمؤمن الثّابت على الدّين {أَنزَلْنَاهُ} اى القرآن {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات او موضحاتٍ لحال النّاس وصفات الله وخلفائه {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} عطف على كذلك بتقدير الّلام او عطف على الضّمير المفعول اى انزلنا اليك انّ الله يهدى من يريد، وفاعل يريد ضمير للموصول او الله.

الأعقم

تفسير : {وكذلك أنزلناه} يعني القرآن كله {آيات بيّنات} حجج على التوحيد والعدل {وأن الله يهدي} به الذين يعلم أنهم يؤمنون، وقيل: يهدي إلى طريق الجنة {إن الذين آمنوا} بمحمد وقبلوا دينه {والذين هادوا} وهم اليهود ونسبوا إلى اليهوديَّة من قولهم إنَّا هدنا إليك {والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا}، قال قتادة: الأديان ستة: خمسة للشيطان وواحد للرحمان، فالمؤمن من آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والكافر اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا {إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة} بين المحق والمبطل بأن بيَّن المحق من المبطل وينصف المظلوم من الظالم {إن الله على كل شيء شهيد} عالم بأحوالهم يجازي كل أحد بعمله {ألم تر أن الله} يعني ألم تر أيها السامع، وقيل: ألم تعلم، والرؤية بمعنى العلم، وقيل: الرؤية بالنظر، والأول أصح كأنه قيل: ألم تر بعقلك وقلبك أن الله يسبح {له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب}، قيل: تخضع له فيصرفها كما شاء قال الشاعر: شعر : تجمع بظل البليق في حجراته ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر تفسير : قيل: ما فيها من التسخير وآثار الصنعة يدعو إلى سجوده وعبادته فكأنه يسجد، وقيل: سجود المؤمن ما يفعله من العبادة، وسجود كل شيء سوى المؤمن سجود ظله حين تطلع الشمس وحين المغيب {وكثير من الناس} يسجد طوعاً وهم المؤمنون {وكثير حقّ عليه العذاب} بإبائه السجود {ومن يهن الله فما له من مكرم} من معزّ ينجيه من العذاب ويدخله الجنة {هذان خصمان اختصموا في ربهم} الآية نزلت في ستة نفر برزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعتبة وشيبة إبنا ربيعة والوليد بن عتبة عن أبي ذر وعطاء، وكان أبو ذر يقسم بالله أنها نزلت فيهم، وقيل: هم أهل الفرقان وأهل الكتاب اختصموا، وقالت كل فرقة: نحن أولى بالحق، وقيل: هم المؤمنون والكفار كلهم {فالذين كفروا قطّعت لهم ثياب من نار} قيل: تجعل ثياب نحاس من نار وهي أشد ما يكون {يُصبّ من فوق رؤوسهم الحميم} الماء الحار، عن ابن عباس: لو سقطت منه نطفة على جبال الدنيا لأذابتها {يصهر به ما في بطونهم} من الكبد والأفئدة والأمعاء والجلود {ولهم مقامع من حديد} سياط من حديد يضربون بها عقوبة لهم {كلما أرادوا} الخروج ضربتهم الخزنة بالمقامع، وفي الحديث: "حديث : لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" تفسير : وعن الحسن: أن النار تضربهم بلهَبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا {وذوقوا عذاب الحريق} الغليظ من النار.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} واي مثل ذلك الانزال أو انزالا ثابتا كذلك الانزال أو متعلق بما بعده * {أَنزَلَنَاهُ} أي القرآن الباقي اي انزلنا باقيه مثل انزال تلك الآيات النازلات كلها فانزلنا بمعنى ننزل أو المعنى انزلنا هذه الآيات مثل انزال سائر الآيات التي انزلنا وسمي بعض القرآن قرانا لانه اسم لكل الكتاب الكريم واسم لبعضه * {آيَات} حال {بَيِّنَاتٍ} واضحات * {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} يهدي من اراد في الازل هدايته لو ثبت المؤمن الذي اراد تثبيته على إيمانه. قال بعضهم: العطف على هاء انزلناه فالمصدر قدر منصوبا وقيل: قدر لام التعليل فالمحل نصب أو جر قولان أي ولان الله والعطف على كذلك. وقيل: يتعلق بمحذوف اي انزله كذلك لان الله {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُواْ} سموا (يهود) التهودهم عند قراءة التوراة. وقيل: لقوله انا هدنا اليك اي تبنا وقيل: لاتباعهم يهود ابن يعقوب وفيه نظر لانهم امة موسى. والظاهر ان هذا الاسم اطلق عليهم بعد مبعث موسى عليه السلام ويهودا متقدم بزمان طويل {وَالصَّابِئِينَ} من صبا يصبو صرف (العلة) لا يهمز وبهمزة قلبت حرف علة وحذف وقرئ بالهمز من صبأَ بالهمز وهم طائفة من اليهود وقيل: من النصارى وقيل: من المجوس. وعن ابن عباس بين اليهود والنصارى اخذوا من التوراة والانجيل. وقيل: بين اليهود والمجوس. هم يعبدون الملائكة ويقرأون الزبور ويصلون إلى القبلة ويقولون تكونت الاشياء من نور وظلام وسموا بذلك لانهم يصبئون من دين إلى دين. وقيل: لانهم لما أخذوا من التوراة والانجيل ما شاءوا قالوا اصبنا (الصائبين) اسم فاعل صاب لا اسم فاعل اصاب لان قيل انه اسم فاعل صاب الثلاثي بعد قلب الباء إلى موضع الالف وفي القاموس الصائبون يزعمون لانهم على دين نوح عليه السلام وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار {وَالنَّصَارَى} يأتي وجه تسميتهم ان شاء الله {وَالْمَجُوسَ} عبدة النار والشمس والنهر والنجوم وينكحون ذوات المحارم ويأكلون ميتات البهائم وهو اسم لا. رئيسهم الذي وضع لهم ذلك الدين القبيح ومعناه بالفارسية كثير شعر الاذنين واصله بالفارسية مكئوس بيمرة واو بعدها واو حذفت الهمزة أو الواو الاولى تخفيفا وكان ذلك الرئيس كذلك. وقيل: معناه صغير الاذنين وكان كذلك {وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عبدة الاصنام {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} بادخال من آمن وعمل صالحا الجنة وادخال هؤلاء الاخساء الكفرة النار أو المراد يفصل بين كل فريق وآخر وبين هذا وهذا من فريق واحد والمراد يدخل كلا المحل المعد له (وجيئ) بان في خبر ان الاولى زيادة في التأكيد كقول جرير:* شعر : ان الخليفة ان الله سربلة سربال ملك به ترجي الخواتيم تفسير : {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ} فهو عالم باحوالهم فيجازيهم عليها.

اطفيش

تفسير : {وكذلك} مثل إنزال هذا الحكم {أنزلناه} أى أنزلنا سائره {آيات} حال {بينات} واضحات {وأنَّ الله يهدى من يُريدُ} أى الأمر أن الله يهدى من يريد، أو أنزلناه كذلك، لأن الله يهدى من يريد، أو عطف على الهاء، فالمعنى أنزلنا أن الله يهدى من يريد، وهداية الله من ضلال أو إثبات على الهدى، أو زيادة فيه، والمراد الأول فقط، آى من يريد هدايته، وإلا لزم استعمال اللفظ فى معانيه أو فى حقيقة ومجازه.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الإنزال البديع المنطوي على الحكم البالغة {أَنزَلْنَـٰهُ} أي القرآن الكريم كله {ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ} واضحات الدلالة على معانيها الرائقة فالمشار إليه الإنزال المذكور بعد اسم الإشارة، ويجوز أن يكون المراد إنزال الآيات السابقة. وأياً ما كان ففيه أن القرآن الكريم في جميع أبوابه كامل البيان لا في أمر البعث وحده. ونصب {ءايَـٰتُ} على الحال من الضمير المنصوب، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ} بتقدير اللام وهو متعلق بمحذوف يقدر مؤخراً إفادة للحصر الإضافي أي ولأن الله تعالى يهدي به ابتداء أو يثبت على الهدى أو يزيد فيه من يريد هدايته أو ثباته أو زيادته فيها أنزله كذلك أو في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي والأمر أن الله يهدي الخ. وجوز أن يكون معطوفاً على محل مفعول {أَنزَلْنَـٰهُ} أي وأنزلنا أن الله يهدي الخ.

ابن عاشور

تفسير : لما تضمنت هذه الآيات تبيين أحوال الناس تجاه دعوة الإسلام بما لا يبقى بعده التباس عقبت بالتنويه بتبيينها، بأن شُبه ذلك التبيينُ بنفسه كناية عن بلوغه الغاية في جنسه بحيث لا يلحق بأوضح منه، أي مثلَ هذا الإنزال أنزلنا القرآن آيات بيّنات. فالجملة معطوفة على الجُمل التي قبلها عطف غرض على غرض. والمناسبة ظاهرة، فهي استئناف ابتدائي. وعطف على التنويه تعليل إنزاله كذلك بأن الله يهدي من يريد هديه أي بالقرآن. فلام التعليل محذوفة، وحذف حرف الجر مع (أن) مطّرد.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} (16) - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى القُرآنَ آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ (بَيِّنَاتٍ)، فِي لَفْظِها وَمَعْنَاهَا، لِتَكُونَ حُجَّةً مِنَ اللهِ عَلَى النَّاسِ، وَاللهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ، وَلَهُ الحِكْمَةُ التَّامَّةُ، والحُجَّةُ القَاطِعَةُ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله {أَنزَلْنَاهُ ..} [الحج: 16] أي: القرآن؛ لأن الضمير هنا كما ذكرنا مرجعه مُتعيِّن، وما دام مرجعه مُتعيناً فلا يحتاج لذكر سابق. والإنزال يحمل معنى العلو، فإنْ رأيتَ في هذا التشريع الذي جاءك في القرآن ما يشقُّ عليك أو يحولُ بينك وبين ما تشتهيه نفسك، فاعلم أنه من أَعْلى منك، من الله، وليس من مُسَاوٍ لك، يمكن أنْ تستدرك عليه أو تناقشه: لماذا هذا الأمر؟ ولماذا هذا النهي؟ فطالما أن الأمر يأتيك من الله فلا بُدَّ أن تسمع وتطيع ولا تناقش. ولنا أُسْوة في هذا التسليم بسيدنا أبي بكر لما قالوا له: إن صاحبك يقول: إنه أُسْرِي به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السماء، فما كان من الصِّديِّق إلا أنْ قال: إنْ كان قال فقد صدق، هكذا دون مناقشة، فالأمر من أعلى، من الله. وقلنا: إنك لو عُدْتَ مريضاً فوجدتَ بجواره كثيراً من الأدوية فسألته: لماذا كل هذا الدواء؟ قال: لقد وصفه الطبيب، فأخذت تعترض على هذا الدواء، وتذكر من تفاعلاته وأضراره وعناصره، وأقحمت نفسك في مسألة لا دَخْلَ لك بها. هذا قياس مع الفارق ومع الاعتراف بأخطاء الأطباء في وصف الدواء، لكن لتوضيح المسألة ولله المثل الأعلى، وصدق القائل: شعر : سُبْحانَ مَنْ يَرِثُ الطَّبِيبَ وطِبَّهُ ويُرِي المريض مَصَارِعَ الآسِينا تفسير : إذن: حجة كل أمر ليس أن نعلم حكمته، إنما يكفي أنْ نعلم الآمر به. ومعنى {آيَاتٍ ..} [الحج: 16] أي: عجائب {بَيِّنَاتٍ ..} [الحج: 16] واضحات. وسبق أنْ ذكرنا أنْ كلمة الآيات تُطلَق على معَانٍ ثلاثة: الآيات الكونية التي تُثبِت قدرة الله، وبها يستقر الإيمان في النفوس، ومنها الليل والنهار والشمس والقمر، والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل لإثبات صِدْق بلاغهم عن الله، والآيات التي يتكوَّن منها القرآن، وتُسمَّى "حاملة الأحكام". فالمعنى هنا {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ..} [الحج: 16] تحمل كلمة الآيات كُلَّ هذه المعاني، فآيات القرآن فيها الآيات الكونية، وفيها المعجزة، وهي ذاتها آيات الأحكام. ثم يقول سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [الحج: 16] وهذه من المسائل التي وقف الناس حولها طويلاً: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النحل: 93] وأمثالها تمسَّك بها مَنْ ليس لهم حَظٌّ من الهداية، يقولون: لم يُرِدِ الله لنا الهداية، فماذا نفعل؟ وما ذنبنا؟ وهذه وقفة عقلية خاطئة؛ لأن الوَقْفة العقلية تقتضي أنْ تذكر الشيء ومقابله، أما هؤلاء فقد نبَّهوا العقل للتناقض في واحدة وتركوا الأخرى، فهي - إذن - وَقْفة تبريرية، فالضال الذي يقول: لقد كتب الله عليَّ الضلال، فما ذنبي؟ لماذا لم يَقُلْ: الطائع الذي كتب الله له الهداية، لماذا يثيبه؟! فلماذا تركتم الخير وناقشتم في الشر؟ والمتأمل في الآيات التي تتحدث عن مشيئة الله في الإضلال والهداية يجد أنه سبحانه قد بيِّن مَنْ شاء أنْ يُضلّه، وبين مَنْ شاء أنْ يهديه، اقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 67] إذن: كُفْره سابق لعدم هدايته وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}تفسير : [المنافقون: 6] وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [القصص: 50]. إنما يهدي مَنْ آمن به، أما هؤلاء الذين اختاروا الكفر واطمأنوا إليه وركنوا، فإن الله تعالى يختم على قلوبهم، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، لأنهم أحبُّوه فزادهم منه كما زاد المؤمنين إيماناً: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى ..} تفسير : [محمد: 17]. والهداية هنا بمعنى الدلالة على الخير، وسبق أنْ ضربنا لها مثلاً، ولله تعالى المثَل الأعلى: هَبْ أنك تسلك طريقاً لا تعرفه، فتوقفتَ عند جندي المرور وسألته عن وجهتك فدلَّكَ عليها، ووصف لك الطريق الموصِّل إليها. لكن، هل دلالته لك تُلزمك أنْ تسلك الطريق الذي وُصِف لك؟ بالطبع أنت حُرٌّ تسير فيه أو في غيره. فإذا ما حفظتَ لرجل المرور جميلَهُ وشكرته عليه، ولمس هو فيك الخير، فإنه يُعينك بنفسه على عقبات الطريق، وربما ركب معك ليجتاز بك منطقة خطرة يخاف عليك منها. هذا معنى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. أما لو تعاليتَ على هذا الرجل، أو اتهمته بعدم المعرفة بمسالك الطرق، فإنه يدعُكَ وشأنك، ويضِنُّ عليك بمجرد النصيحة. وهكذا.. الحق - سبحانه وتعالى - دَلَّ المؤمن ودَلَّ الكافر على الخير، المؤمن رضي بالله وقَبِل أمره ونَهْيه، وحمد الله على هذه النعمة، فزاده إيماناً وأعانه على مشقة العبادة، وجعل له نوراً يسير على هَدْيه، أما الكافر فقد تركه يتخبّط في ظلمات كفره، ويتردد في متاهات العمى والضلال. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وكذلك لما فصلنا في هذا القرآن ما فصلنا، جعلناه آيات بينات واضحات، دالات على جميع المطالب والمسائل النافعة، ولكن الهداية بيد الله، فمن أراد الله هدايته، اهتدى بهذا القرآن، وجعله إماما له وقدوة، واستضاء بنوره، ومن لم يرد الله هدايته، فلو جاءته كل آية ما آمن، ولم ينفعه القرآن شيئا، بل يكون حجة عليه.