٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : القراءة: قرى {حَقّ } بالضم وقرىء (حقاً) أي حق عليه العذاب حقاً وقرىء {مُّكْرِمٍ } بفتح الراء بمعنى الإكرام، واعلم أنه تعالى لما قال: { أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ } تفسير : [الحج:16] أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها. وثانيها: الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام. وثالثها: الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً. فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها. وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون، وأما أتباع المتنبىء فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم. فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة. أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } كما تقول إن أخاك، إن الدين عليه لكثير. قال جرير: شعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : المسألة الثانية: الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف. أما قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ } ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الرؤية ههنا الجواب: أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه. السؤال الثاني: ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه: أحدها: قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله: { أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11]، { أية : أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40]، { أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 74]، { أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44]، { أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } تفسير : [الأنبياء:79] والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه: أحدها: أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها: أن نقطع قوله: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن نقول تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً. الثاني: أن يكون قوله: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ }، والثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد. السؤال الثالث: قوله: { أنَّ اللَّهِ يَسْجُدُ لهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلأَرْضِ } لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } الجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب. القول الثاني: في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: { أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: { أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وهذا قول القفال رحمه الله. القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى: { أية : يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دٰخِرُونَ } تفسير : [النحل: 48] وهو قول مجاهد. وأما قوله: {كَثِيرٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } فقال ابن عباس في رواية عطاء (وكثير من الناس) يوحده (وكثير حق عليه العذاب) ممن لا يوحده، وروى عنه أيضاً أنه قال (وكثير من الناس) في الجنة. وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } مبتدأ وخبره محذوف، وقال آخرون: الوقف على قوله: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } ثم استأنف فقال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود. وأما قوله تعالى: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم، ثم بين بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام. {وَٱلصَّابِئِينَ} هم قوم يعبدون النجوم. {وَٱلنَّصَارَىٰ} هم المنتسبون إلى ملّة عيسى. {وَٱلْمَجُوسَ} هم عَبَدة النيران القائلين أن للعالم أصلين: نور وظلمة. قال قتادة: الأديان خمسة، أربعة للشيطان وواحد للرحمن. وقيل: المجوس في الأصل النجوس لتديّنهم باستعمال النجاسات؛ والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين، والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفًى. {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} هم العرب عبدة الأوثان. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} أي يقضي ويحكم؛ فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة. وقيل: هذا الفصل بأن يعرّفهم المحقَّ من المبطل بمعرفة ضرورية، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم، فلا يَعْزُب عنه شيء منها، سبحانه!، وقوله: «إن الله يفصل بينهم» خبر «إن» في قوله: «إن الذين آمنوا»؛ كما تقول: إن زيداً إنّ الخير عنده. وقال الفراء: ولا يجوز في الكلام إن زيداً إن أخاه منطلق؛ وزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة؛ أي من آمن ومن تهوّد أو تنصّر أو صبأ يفصِل بينهم، وحسابُهم على الله عز وجل. وردّ أبو إسحاق على الفراء هذا القول، واستقبح قوله: لا يجوز إن زيداً إن أخاه منطلق؛ قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و«إن» تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيداً هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول: إن زيداً إنه منطلق. وقال الشاعر:شعر : إن الخليفة إن الله سَرْبله سِربال عِزّ به تُرْجَى الخواتيم
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ } بالحكومة بينهم وإظهار المحق منهم على المبطل، أو الجزاء فيجازي كلا ما يليق به ويدخله المحل المعد له، وإنما أدخلت إن على كل واحد من طرفي الجملة لمزيد التأكيد. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } عالم به مراقب لأحواله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم، واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا، فعبدوا مع الله غيره، فإنه تعالى: {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } هم اليهود {وَٱلصَّٰبِئِينَ } طائفة منهم {وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيٰمَةِ } بإدخال المؤمنين الجنة وإدخال غيرهم النار {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ } من عملهم {شَهِيدٌ } عالم به علم مشاهدة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي بالله وبرسوله، أو بما ذكر من الآيات البينات {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } هم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى {وَٱلصَّـٰبِئِينَ } قوم يعبدون النجوم. وقيل: هم من جنس النصارى وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } هم المنتسبون إلى ملة عيسى {وَٱلْمَجُوسَ } هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن للعالم أصلين: النور والظلمة. وقيل: هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل: هم قوم يستعملون النجاسات. وقيل: هم قوم من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح. وقيل: إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } الذين يعبدون الأصنام، وقد مضى تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدّم هنالك النصارى على الصابئين، وأخّرهم عنهم هنا. فقيل: وجه تقديم النصارى هنالك: أنهم أهل كتاب دون الصابئين، ووجه تقديم الصابئين هنا: أن زمنهم متقدّم على زمن النصارى، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ } في محل رفع على أنها خبر لإنّ المتقدّمة. ومعنى الفصل: أنه سبحانه يقضي بينهم فيدخل المؤمنين منهم الجنة والكافرين منهم النار. وقيل: الفصل هو أن يميز المحقّ من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيدٌ } تعليل لما قبلها، أي أنه سبحانه على كل شيء من أفعال خلقه وأقوالهم شهيد لا يعزب عنه شيء منها، وأنكر الفراء أن تكون جملة {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } خبراً لإن المتقدّمة. وقال لا يجوز في الكلام: إن زيداً إن أخاه منطلق، وردّ الزجاج ما قاله الفراء، وأنكره وأنكر ما جعله مماثلاً للآية، ولا شك في جواز قولك: إن زيداً إن الخير عنده، وإن زيداً إنه منطلق، ونحو ذلك. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلاْرْضِ } الرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، أي ألم تعلم. والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتى منه الرؤية، والمراد بالسجود هنا هو: الانقياد الكامل، لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء جعلت كلمة من خاصة بالعقلاء، أو عامة لهم ولغيرهم، ولهذا عطف {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ } على من، فإن ذلك يفيد أن السجود هو الانقياد لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنما أفرد هذه الأمور بالذكر مع كونها داخلة تحت من، على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعداً في العادة، وارتفاع {كَثِيرٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } بفعل مضمر يدل عليه المذكور، أي ويسجد له كثير من الناس. وقيل: مرتفع على الابتداء وخبره محذوف وتقديره: وكثير من الناس يستحق الثواب، والأوّل أظهر. وإنما لم يرتفع بالعطف على من، لأن سجود هؤلاء الكثير من الناس هو سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدّم هو: الانقياد، فلو ارتفع بالعطف على من لكان في ذلك جمع بين معنيين مختلفين في لفظ واحد. وأنت خبير بأنه لا ملجىء إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم لا نفس السجود الخاص، فارتفاعه على العطف لا بأس به، وإن أبى ذلك صاحب الكشاف ومتابعوه، وأما قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } فقال الكسائي والفراء: إنه مرتفع بالابتداء وخبره ما بعده. وقيل: هو معطوف على كثير الأوّل، ويكون المعنى: وكثير من الناس يسجد وكثير منهم يأبى ذلك، وقيل: المعنى وكثير من الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب هكذا حكاه ابن الأنباري {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } أي من أهانه الله بأن جعله كافراً شقياً، فما له من مكرم يكرمه فيصير سعيداً عزيزاً. وحكى الأخفش والكسائي والفراء أن المعنى: ومن يهن الله فما له من مكرم، أي إكرام {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الأشياء التي من جملتها ما تقدّم ذكره من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة. {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ } الخصمان أحدهما أنجس الفرق: اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر: المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره. وقيل: المراد بالخصمين الجنة والنار. قالت الجنة: خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته. وقيل: المراد بالخصمين: هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين حمزة وعليّ وعبيدة، ومن الكافرين: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذرّ رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن عليّ أنه قال: فينا نزلت هذه الآية. وقرأ ابن كثير "هَـٰذَانِ" بتشديد النون، وقال سبحانه: {ٱخْتَصَمُواْ } ولم يقل: اختصما. قال الفراء: لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، ومعنى {فِي رَبّهِمْ } في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده، أو في جميع ذلك. ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله: {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } فقال: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } قال الأزهري: أي سوّيت وجعلت لبوساً لهم، شبهت النار بالثياب؛ لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه. وقيل: إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل: المعنى في الآية: أحاطت النار بهم. وقرىء: "قُطّعَتْ" بالتخفيف، ثم قال سبحانه: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } والحميم هو: الماء الحار المغلي بنار جهنم، والجملة مستأنفة أو هي خبر ثانٍ للموصول {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ } الصهر: الإذابة، والصهارة: ما ذاب منه، يقال: صهرت الشيء فانصهر، أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى: أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء {وَٱلْجُلُودُ } معطوفة على ما، أي ويصهر به الجلود والجملة في محل نصب على الحال. وقيل: إن الجلود لا تذاب، بل تحرق، فيقدّر فعل يناسب ذلك، ويقال: وتحرق به الجلود كما في قول الشاعر:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : أي وسقيتها ماء، ولا يخفى أنه لا ملجىء لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى. {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ }: المقامع جمع مقمعة ومقمع، قمعته: ضربته بالمقمعة، وهي قطعة من حديد. والمعنى: لهم مقامع من حديد يضربون بها، أي للكفرة، وسميت المقامع مقامع؛ لأنها تقمع المضروب، أي تذلـله. قال ابن السكيت: أقمعت الرجل عني إقماعاً: إذا اطلع عليك فرددته عنك {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } أي من النار {أُعِيدُواْ فِيهَا } أي في النار بالضرب بالمقامع، و {مِنْ غَمّ } بدل من الضمير في منها بإعادة الجارّ أو مفعول له، أي لأجل غمّ شديد من غموم النار {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } هو بتقدير القول، أي أعيدوا فيها؛ وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، أي العذاب المحرق، وأصل الحريق الاسم من الاحتراق، تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة واحتراقاً، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك الألم. قال الزجاج: وهذا لأحد الخصمين. وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } فبيّن سبحانه حال المؤمنين بعد بيانه لحال الكافرين. ثم بيّن الله سبحانه بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا } قرأ الجمهور {يحلون} بالتشديد والبناء للمفعول، وقرىء مخففاً، أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره. و"من" في قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ } للتبعيض، أي يحلون بعض أساور، أو للبيان، أو زائدة، و"من" في {مّن ذَهَبٍ } للبيان، والأساور: جمع أسورة والأسورة: جمع سوار. وفي السوار لغتان: كسر السين وضمها، وفيه لغة ثالثة، وهي أسوار. قرأ نافع وابن كثير وعاصم وشيبة {ولؤلؤاً} بالنصب عطف على محل {أساور} أي ويحلون لؤلؤاً، أو بفعل مقدّر ينصبه، وهكذا قرأ بالنصب يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر، وهذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف فإن هذا الحرف مكتوب فيه بالألف، وقرأ الباقون بالجرّ عطفاً على {أساور} أي يحلون من أساور ومن لؤلؤ، واللؤلؤ: ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أي جميع ما يلبسونه حرير كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرّماً عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس، وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه وينال ما يريده. {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي أرشدوا إليه، قيل: هو لا إلٰه إلا الله. وقيل: الحمد لله. وقيل: القرآن. وقيل: هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات. وقد ورد في القرآن ما يدلّ على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ }تفسير : [الزمر: 74]، {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 43]، {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } تفسير : [فاطر: 34]. ومعنى {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ }: أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱلصَّـٰبِئِينَ } قال: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون القبلة، ويقرؤون الزبور {وَٱلْمَجُوسَ } عبدة الشمس والقمر والنيران، {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } عبدة الأوثان {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } قال: الأديان ستة؛ فخمسة للشيطان، ودين الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: فصل قضاءه بينهم فجعل الخمسة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: الذين هادوا: اليهود، والصابئون: ليس لهم كتاب، والمجوس: أصحاب الأصنام، والمشركون: نصارى العرب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ } الآية نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قال عليّ: وأنا أوّل من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأخرجه البخاري وغيره من حديث عليّ. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس بنحوه، وهكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } قال: من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه، وفي قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } قال: النحاس يذاب على رؤوسهم، وقوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ } قال: تسيل أمعاؤهم {وَٱلْجُلُودُ } قال: تتناثر جلودهم. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن أبي هريرة؛ أنه تلا هذه الآية: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ } قال: يمشون وأمعاءهم تتساقط وجلودهم. وفي قوله: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالويل والثبور. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وأخرج أحمد، وأبو يعلى وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان»تفسير : . وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا }. وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»تفسير : . وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } قال: ألهموا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هدوا إلى الطيب من القول في الخصومة إذ قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد في الآية قال: القرآن {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ } قال: الإسلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله الذي قال: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10].
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } قيل: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن، والصابئون نوع من النصارى فلا تكون ستة {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ } في الأحوال والأماكن فلا يجازيهم جزاء واحداً ولا يجمعهم في موطن واحد. وخبر {إن الذين آمنوا} {إن الله يفصل بينهم} كما تقول «إن زيداً إن أباه قائم» {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } عالم به حافظ له فلينظر كل امرىء معتقده، وقوله وفعله وهو أبلغ وعيد {أَلَم تَرَ} ألم تعلم يا محمد علماً يقوم مقام العيان {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ } قيل: إن الكل يسجد له ولكنا لا نقف عليه كما لا نقف على تسبيحها قال الله تعالى: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }تفسير : [الإسراء: 44] وقيل: سمي مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له سجوداً له تشبيهاً لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، أو هو مرفوع على الابتداء {ومن الناس} صفة له والخبر محذوف وهو مثاب ويدل عليه قوله {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ } بالشقاوة {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } بالسعادة {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الإكرام والإهانة وغير ذلك، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول يفعل ما يشاء. {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ } أي فريقان مختصمان؛ فالخصم صفة وصف بها الفريق وقوله {ٱخْتَصَمُواْ } للمعنى و{هذان} للفظ والمراد المؤمنون والكافرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: رجع إلى أهل الأديان المذكورة: فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم {فِى رَبّهِمْ } في دينه وصفاته، ثم بين جزاء كل خصم بقوله {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهو فصل الخصومة المعنى بقوله {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} {قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } كأن الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثتهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، واختير لفظ الماضي لأنه كائن لا محالة فهو كالثابت المتحقق {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ } بكسر الهاء والميم، بصري، وبضمهما: حمزة وعلي وخلف، وبكسر الهاء وضم الميم: غيرهم {ٱلْحَمِيمُ } الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنهما: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. لما قال: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} تفسير : [الحج: 16] أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه. واعلم أن (إن) الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبراً لـ "أن" الأولى قال الزمخشري: وأدخلت "إنَّ" على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير: شعر : 3751- إنَّ الخَلِيفَة إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيم تفسير : قال أبو حيان: وظاهر هذا أنه شبه البيت بالآية، وكذلك قرنه الزجاج بالآية، ولا يتعين أن يكون البيت كالآية، لأن البيت يحتمل أن يكون (إن الخليفة) خبره (به ترجى الخواتيم) ويكون (إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ) جملة اعتراض بين اسم (إنَّ) وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} وحسن دخول "إن" على الجملة الواقعة خبراً لطول الفصل بينهما بالمعاطيف. قال شهاب الدين: قوله: فإنه يتعين قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} يعني أن يكون خبراً. ليس كذلك، لأن الآية محتملة لوجهين آخرين ذكرهما الناس: الأول: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: يفترقون يوم القيامة ونحوه، والمذكور تفسير له كذا ذكره أبو البقاء. والثاني: أن "إن" الثانية تكرير للأولى على سبيل التوكيد، وهذا ماش على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيداً أعيد معه ما اتصل به أو ضمير ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولاً، وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} خبراً لـ "إنَّ" الأولى كما ذكر. واختلف العلماء في المجوس، فقيل: قوم يعبدون النار، وقيل: الشمس والقمر وقيل: اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود شيئاً، وهم القائلون بأن للعالم أصلان، نور وظلمة، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل: نجوس - بالنون - فأبدلت ميماً. ومعنى {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} أي: يحكم بينهم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: عالم بما يستحقه كل منهم، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} الآية. قيل المراد بهذه الرؤية العلم، أي: ألم تعلم، وقيل: ألم تر بقلبك. والمراد بالسجود: قال الزجاج: أنها مطيعة لله تعالى كقوله تعالى للسماء والأرض {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]، {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 74]، {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء: 44]، {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} تفسير : [الأنبياء: 79]. والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع ما يحدثه الله تعالى فيها من غير امتناع أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. فإن قيل: هذا التأويل يبطله قوله تعالى {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}، فإن السجود بالمعنى المذكور عام في كل الناس، فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة. فالجواب من وجوه: الأول: أن السجود بالمعنى المذكور وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص، وإن كان ساجداً بذاته لا يكون ساجداً بظاهره، وأما المؤمن فإن ساجد بذاته وبظاهره، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها: أن نقطع قوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} عما قبله، ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد، والثاني بمعنى العبادة، وإنما فعلنا ذلك لقيام الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً. الثاني: أن يكون قوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب، لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}. والثالث: أن يبالغ في تكثير الحقوق بالعذاب، فيعطف "كثير" على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب. وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة، وفي حق الجمادات الانقياء (ومن ينكر ذلك فيقول: إن الله تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء الطاعة، وفي حق الجمادات الانقياد) فإن قيل: قوله: "وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي ٱلأَرْضِ" عام فيدخل فيه الناس، فلم قال {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} مرة أخرى؟ فالجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجد طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع من ذلك، وهم الذين حق عليهم العذاب وقال القفال: السجود هاهنا هو الخضوع والتذلل، بمعنى كونها معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء: 44]. وقال مجاهد: إنَّ سجود هذه الأشياء سجود ظلها لقوله تعالى: {أية : يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ} تفسير : [النحل: 48]. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حين يرجع إلى مطلعه. قوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}. فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره: ويسجد له كثير من الناس، وهذا عند من يمنع استعمال المشترك في معنييه، والجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء فلا يعطف {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} على ما قبله لاختلاف الفعل المسند إليهما في المعنى، ألا ترى أن سجود غير العقلاء هو الطواعية والإذعان لأمره، وسجود العقلاء هو هذه الكيفية المخصوصة. الثاني: أنه معطوف على (ما تقدمه) وفي ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: أن المراد بالسجود القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو الخضوع والطواعية، وهو من باب الاشتراك المعنوي. والتأويل الثاني: أنه مشترك اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث: أن السجود المسند للعقلاء حقيقة ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز على خلاف في هذه الأشياء مذكور في كتب الأصول. الثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون "كَثِيرٌ" مرفوعاً بالابتداء، وخبره محذوف وهو مثاب لدلالة خبر مقابله عليه وهو قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} كذا قدره الزمخشري، وقدره أبو البقاء مطيعون أو مثابون أو نحو ذلك. الرابع: أن يرتفع "كثير" على الابتداء أيضاً ويكون خبره "مِنَ النَّاسِ" أي من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون والمتقون. الخامس: أن يرتفع بالابتداء أيضاً ويبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف "كَثِيرٌ" على "كثير" ثم يخبر عنهم بـ {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}، ذكر ذلك الزمخشري كما تقدم. قال أبو حيان بعد أن حكى عن الزمخشري الوجهين الأخيرين قال: وهذان التخريجان ضعيفان. (ولم يبين وجه ضعفهما). قال شهاب الدين: أما أولهما فلا شك في ضعفه إذ لا فائدة طائلة في الإخبار بذلك، وأما الثاني فقد يظهر، وذلك أن التكرير يفيد التكثير وهو قريب من قولهم: عندي ألف وألف، وقوله: شعر : 3752- لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وَقَبْرٌ كُنْتَ أَكْرَمَهُمْ تفسير : وقرأ الزُّهري "وَالدَّواب" مخفف الباء، قال أبو البقاء: ووجهها أنَّه حذف الباء الأولى كراهية التَّضعيف والجمع بين ساكنين. وقرأ جناح بن حبيش: "وكَبِيرٌ" بالباء الموحدة. وقرئ "وَكَثِيرٌ حَقًّا" بالنصب، وناصبه محذوف وهو الخبر تقديره: وكثير حق عليه العذاب حقاً، و"العَذَابُ" مرفوع بالفاعلية. وقرئ "حُقَّ" مبنياً للمفعول. وقال ابن عطية: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم أي: وكثير حق عليه العذاب يسجد أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره. فقوله: معطوف على ما تقدم يعني عطف الجمل لا أنه هو وحده عطف على ما قبله بدليل أنه قدره مبتدأ وخبره قوله: يسجد. فصل قال ابن عباس في رواية عطاء: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} يوحده، {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} ممن لا يوحده، وروي عنه أنه قال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} في الجنة. وهذه الرواية تؤكد أن قوله {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} مبتدأ وخبره محذوف. وقال آخرون الوقف على قوله {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} ثم استأنف بواو الاستئناف فقال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}. (وأما قوله تعالى {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب) ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم مكرماً لهم. ثم بين بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إن الذين آمنوا} الآية. قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون القبلة ويقرأون الزبور {والمجوس} عبدة الشمس والقمر والنيران وأما {الذين أشركوا} فهم عبدة الأوثان {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} قال: الأديان ستة: فخمسة للشيطان ودين لله عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {إن الله يفصل بينهم} قال: فصل قضاءه بينهم فجعل الجنة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقالت الصابئة: نحن نعبد الملائكة من دون الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله. وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان من دون الله. فأوحى الله إلى نبيه ليكذِّبَ قولهم: {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الصمد: 1] إلى آخرها {أية : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} تفسير : [الإسراء: 111] وأنزل الله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس...} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: {الذين هادوا} اليهود، والصابئون، ليس لهم كتاب {والمجوس} أصحاب الأصنام والمشركون، نصارى العرب.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بما ذُكر من الآياتِ البـيِّناتِ بهدايةِ الله تعالى أو بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمن به فيدخلُ فيه ما ذُكر دخولاً أوليًّا {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ} قيل: هم قوم يعبدون النَّارَ، وقيل: الشَّمسَ والقمرَ، وقيل: هم قوم من النَّصارى اعتزلُوا عنهم ولبسوا المُسوح، وقيل: أخذُوا من دين النَّصارى شيئاً ومن دين اليَّهودِ شيئاً وهم القائلون بأنَّ للعالم أصلينِ نوراً وظلمة. {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} هم عَبَدة الأصنامِ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} في حيِّز الرِّفعِ على أنَّه خبرٌ لإنَّ السَّابقةِ، وتصدير طرفَيْ الجملتين بحرفِ التَّحقيق لزيادة التَّقديرِ والتَّأكيدِ، أي يقضي بـين المؤمنينَ وبـين الفرقِ الخمسِ المتَّفقةِ على ملَّةِ الكُفرِ بإظهار المحقِّ من المبطل وتوفيةِ كلَ منهما حقَّهُ من الجزاء بإثابة الأوَّلِ وعقاب الثَّاني بحسب استحقاقِ أفراد كلَ منهما وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} تعليل لما قبله من الفصل أي عالمٌ بكلِّ شيءٍ من الأشياء ومراقبٌ لأحواله ومن قضيَّتِه الإحاطةُ بتفاصيل ما صدرَ عن كلِّ فردٍ من أفراد الفرق المذكورةِ وإجراءُ جزائه اللاَّئقِ به عليه. وقولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} الخ، بـيان لما يُوجب الفصلَ المذكور من أعمال الفرقِ المذكورةِ مع الإشارةِ إلى كيفيَّتِه وكونه بطريقِ التَّعذيبِ والإثابة والإكرام والإهانة إثرَ بـيان ما يُوجبه من كونِه تعالى شهيداً على جميع الأشياء التي من جُملتها أحوالُهم وأفعالُهم والمراد بالرُّؤيةِ العلم عبَّر عنه بها إشعاراً بظهورِ المعلوم والخطاب لكلِّ أحدٍ ممَّن يتأتَّى منه الرُّؤيةُ بناء على أنَّه من الجلاءِ بحيث لا يخفى على أحدٍ. والمرادُ بالسُّجودِ هو الانقيادُ التَّامُّ لتدبـيره تعالى بطريق الاستعارةِ المبنيَّةِ على تشبـيهه بأكمل أفعالِ المكلَّفِ في باب الطَّاعةِ إيذاناً بكونه في أقصى مراتب التَّسخُّرِ والتَّذلُّلِ لا سجودُ الطَّاعةِ الخاصَّةِ بالعُقلاءِ سواءٌ جُعلتْ كلمةُ من عامةً لغيرهم أيضاً وهو الأنسبُ بالمقام لإفادته شمولَ الحكم لكلِّ ما فيهما بطريقِ القرارِ فيهما أو بطريق الجُزئيَّةِ منهما فيكون قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ} إفراداً لها بالذِّكرِ لشُهرتِها واستبعادِ ذلك منها عادةً، أو جُعلت خاصَّةً بالعقلاء لعدم شمول سجود الطَّاعةِ لكلِّهم حسبما يُنبىء عنه قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ} فإنَّه مرتفعٌ بفعل مضمرٍ يدلُّ عليه المذكور أي ويسجدُ له كثيرٌ من النَّاسِ سجود طاعةٍ وعبادةٍ ومن قضيَّتِه انتفاءُ ذلك عن بعضِهم، وقيل: هو مرفوعٌ على الابتداء حُذف خبرُه ثقةً بدلالة خبر قسميهِ عليه نحو حقَّ له الثَّوابُ، والأوَّلُ هو الأَولى لما فيه من التَّرغيبِ في السُّجودِ والطَّاعةِ. وقد جُوِّز أنْ يكونَ من النَّاسِ خبراً له أي من النَّاسِ الذين هم النَّاسُ على الحقيقةِ وهم الصَّالحون والمتَّقون وأنْ يكون قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ} معطوفاً على كثيرٌ الأول للإيذانِ بغاية الكثرةِ ثم يخبر عنهم باستحقاقِ العذابِ كأنَّه قيل: وكثيرٌ من النَّاسِ {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} أي بكفرِه واستعصائِه وقُرىء حُقَّ بالضمِّ وحقًّا أي حقَّ عليه العذابُ حقًّا {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} بأن كتبَ عليه الشَّقاوةَ حسبما علمه من صرفِ اختياره إلى الشرِّ {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} يُكرمه بالسَّعادةِ. وقُرىء بفتح الرَّاءِ على أنَّه مصدرٌ ميميٌّ {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} من الأشياء التي من جُملتها الإكرامُ والإهانةُ.
القشيري
تفسير : أصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الوليُّ والعدوُّ، والموحِّد والجاحد يُجْمَعُون يومَ الحشر، ثم الحقُّ - سبحانه - يعامِل كلاً بما وَعَدَه؛ إما بوصالٍ بلا مَدَى، أو بأحوالٍ بلا منتهى. الوقتُ واحد؛ وكلٌّ واحدٍ لما أُعِدَّ له وافد، وعلى ما خُلِقَ له وارد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين آمنوا} بكل ما يجب ان يؤمن به {والذين هادوا} دخلوا في اليهودية. قال الراغب الهود الرجوع برفق وصار فى التعارف التوبة قال تعالى {أية : انا هدنا اليك}تفسير : اى تبنا اليك، قال بعضهم اليهود فى الاصل هو من قولهم هدنا اليك وكان اسم مدح ثم صا ربعد نسخ شريعتهم لازمالهم وان لم يكن فيه معنى المدح كما ان النصارى فى الاصل من قوله {أية : من انصارى الى الله}تفسير : ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم {الصابئين} اى الذين صبأوا عن الاديان كلها اى خرجوا واختاروا عبادة الملائكة والكواكب من صبأ الرجل عن دينه اذا خرج عنه الى دين آخر قال الراغب الصابئون قوم كانوا على دين نوح وقيل لكل خارج من الدين الى دين آخر صابىء من قولهم صبأ ناب البعير اذا طلع {والنصارى} جمع نصران ونصرانة مثل الندامى جمع ندمان وندمانة ويستعمل بغير الياء فيقال رجل نصران وامرأة نصرانة {والمجوس}، قال في القاموس مجوس كصبور رجل صغير الاذنين وضع دينا ودعا اليه معرب "منج كوش" ورجل مجوسى جمعه مجوس كيهودى ويهودوهم عبدة النار وليسوا من اهل الكتاب ولذا لا تنكح نساؤهم ولاتؤ كل ذبائحهم وانما اخذت الجزية منهم لانهم من العجم لا لانهم من اهل الكتاب {والذين اشركوا} يعنى عبدة الاوثان {ان الله يفصل بينهم يوم القيامة} فى حيز الرفع على انه خبر لان السابقة اى يقضى بين المؤمنين وبين الفرق الخمس والمتفقة على ملة الكفر باظهار المحق من المبطل باثابة الاول وعقاب الثانى بحسب الاستحقاق بعنى ان الله تعالى يعامل كل صنف منهم يوم القيامة على حسب استحقاقه اما بالنعيم واما بالجحيم وبالوصال او بالفراق وعلم من الآية ان الاديان ستة واحد للرحمن وهو دين المؤمنين الذى هو الاسلام كما قال تعالى {أية : ان الدين عند الله الاسلام}تفسير : وخمسة للشيطان وهى ما عدا الاسلام لانها مما دعى اليها الشيطان وزينها فى اعين الكفرة {ان الله على كل شىء شهيد} [كواه وازهمه حال آكاه]، قال الامام الغزالي رحمه الله الشهيد يرجع معناه الى العلم مع خصوص اضافة فانه تعالى عالم الغيب والشهادة والغيب عبارة عما بطن والشهادة عما ظهر وهو الذى يشاهد فاذا اعتبر العلم المطلق فهو العليم مطلقا واذا اضيف الى الغيب والامور الباطنة فهو الخبير واذا اضيف الى الامور الظاهرة فهو الشهيد وقد يعتبر مع هذا ان يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم، وفى الآية وعيد وتهديد فعلى العاقل ان يذكر يوم الفصل والقضا ويجتهد فى الأعمال لتى يحصل بها الرضى: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : قيامت كه نيكان باعلى رسند ز قعر ثرا با ثريا رسند تراخود بما ند سرازننك بيش كه كردت بر آيد عملهاى خوبش برادر زكار بدان شرم دار كه درروى نيكان شوى شرمسار بناز وطرب نفس برورده كير با يام دشمن قوى كرده كير بكى بجة كرك مى بروريد جوبر ورده شدخواجه رابردريد بهشت اوستاند كه طاعت برد كرا نقد باشد بضاعت برد بى نيك مردان ببايد شتافت كه هركو سعادت طلب كرديافت وليكن تودنبال ديو خسى ندانم كه درصا لحان كى رسى سميبر كسى را شفاعتكرست كه بر جاده شرع بيغمبرست ره راست بايد نه بالاى راست كه كفارهم ازروى صورت جوماست تفسير : وأعلم ان الايمان والكفر اوصاف القلب وللقلب بابان علوى وسفلى فالعلوى يتصل الى الروح والسفلى الى النفس فاذا انسد الباب السفلى بالمخالفة الى النفس ينفتح الباب العلوى فتنصب المعارف الالهية من الروح الى القلب فيكون القلب منورا بانوار المعرفة ويتخلص من الحجب النفسانية واذا انسد الباب العلوى بسبب الاتباع الى النفس ينفتح الباب السفلى فتظهر فى القلب الوساوس الشيطانية وكل بدعة و هوى والدين الباطل انما يحصل من النفس والشيطان فمن اتبع هوى النفس ووساوس الشيطان ضل عن طريق الحق والدين المبين واتخذ الهه هواه فان الله تعالى يفصل بينه وبين المهتدى فانه كما ان الايمان والكفر لا يجتمعان في قلب فكذا اهلهما لا يجتمعون فى دار والبرزخ الفاصل بينهم وان كان موجوداً الآن على ماعرفه اهل المعرفة لكنه معنوى فاذا كان يوم القيامة يصير صوريا حسيا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إنَّ {الله يفصل}: خبر "إنَّ" الأولى. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين آمنوا} بما ذكر من الآيات البينات، أو بكل ما يجب الإيمان به - فيدخل ما ذكر دخولاً أوليًا - أي: آمنوا بذلك، بهداية الله وإرادته، {والذين هادوا والصابئين}، وهم قوم من النصارى، اعتزلوهم، ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئًا، ومن دين اليهود شيئًا، وهم القائلون بأن للعالم أصلين: نورًا وظلمة، ويعتقدون تأثير النجوم. {والمجوس} وهم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور، والشر من الظلمة، {والذين أشركوا}، وهم عبدة الأصنام؛ من العرب وغيرهم، فهذه ستة أديان، خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. {إِن الله يفصِلُ بينهم يوم القيامة}؛ في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاء واحدًا، ولا يجمعهم في موطن واحد. أو يحكم بين المؤمنين، وبين الفرق الخمسة المتفقة على ملة الكفر، بإظهار المحق من المبطل، فيُكْرم المحق ويهين المبطل، {إن الله على كل شيء شهيد} أي: عالم بكل شيء، مراقب لأحواله، حافظ له، مطلع على سره وعقده. ومن قضية الإحاطة بتفاصيل كل فرد من أفراد الفرق المذكورة: إجراء جزائه اللائق عليه، وهو أبلغ وعيد. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما يفصل اللهُ يوم القيامة بين الملل المستقيمة والفاسدة؛ يفصل أيضًا بين أرباب القلوب المستقيمة الصحيحة المعمورة بنور الله، وبين أرباب القلوب السقيمة الخاربة من النور، المعمورة بالظلمة من الوساوس والخواطر، فيرفع الأولين مع المقربين الصديقين، ويسقط الآخرين في أسفل سافلين، أو مع عامة أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثمَّ برهن على كونه شهيداً على الاشياء بسجودها له
الطوسي
تفسير : اقسم الله تعالى لأن {إن} يتلقى بها القسم، فأقسم تعالى {إن الذين آمنوا} بالله وصدقوا بوحدانيته وصدقوا أنبياءه {والذين هادوا} يعني اليهود {والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} مع الله غيره {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} فخبر {إن الذين آمنوا} قوله {إن الله يفصل} فدخل {إن} على الخبر تأكيداً، كما يقول القائل: إن زيداً إن الخير عنده لكثير، وقال جرير: شعر : إنَ الخليفة ان الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : وقال الفراء لا يجوز أن تقول: إن زيداً انه صائم لاتفاق الاسمين. قال الزجاج: يجوز ذلك، وهو جيد بالغ. ومعنى قوله {يفصل بينهم} يعني إن الله يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر الى العلم بصحة الصحيح ويبيض وجه المحق، ويسود وجه المبطل. والفصل هو التمييز بين الحق والباطل. وإظهار احدهما من الآخر. وقوله {إن الله على كل شيء شهيد} أي عالم بما من شأنه أن يشاهد، فالله تعالى يعلمه قبل أن يكون، لأنه علام الغيوب. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع المكلفين فقال {ألم تر} ومعناه ألم تعلم {أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} من العقلاء. ويسجد له {الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} فسجود الجماد هو ما فيه من ذلة الخضوع التي تدعو العارفين الى السجود، سجود العبادة لله المالك للامور، وسجود العقلاء هو الخضوع له تعالى والعبادة له. وقوله {من في السماوات ومن في الأرض} وإن كان ظاهره العموم، فالمراد به الخصوص إذا حملنا السجود على العبادة والخضوع، لأنا علمنا أن كثيراً من الخلق كافرون بالله تعالى. فلذلك قال {وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} ارتفع {كثير} بفعل مقدر، كأنه قال {وكثير} أبى السجود، فـ {حق عليه العذاب} دل عليه، لانهم يستحقون العقاب بجحدهم وحدانية الله، وإشراكهم معه غيره. وقيل: سجود كل شيء - سوى المؤمنين - سجود ظله حين تطلع الشمس وحين تغيب - فى قول مجاهد - كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس فى دورها عليه سجوداً. وقوله {وكثير حق عليه العذاب} يعني لا بائه السجود. وقيل: بل هو يسجد بما يقتضيه عقله من الخضوع، وإن كفر بغير ذلك من الامور، وأنشدنا في السجود بمعنى الخضوع قول الشاعر: شعر : بجمع تضل البلق في حجراته ترى الاكم فيها سجداً للحوافر تفسير : وقوله {ومن يهن الله فما له من مكرم} معناه من يهنه الله بالشقوة بادخاله جهنم {فما له من مكرم} بالسعادة بادخاله الجنة، لأنه الذي يملك العقوبة والمثوبه {إن الله يفعل ما يشاء} يعني يكرم من يشاء، ويهين من يشاء إذا استحق ذلك. وقوله {هذان خصمان} يعنى الفريقين من المؤمنين والكفار يوم بدر، وهم حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن أبي ربيعة، وعلي بن أبي طالب (ع) قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة - فى قول ابي ذر - وقال ابن عباس: هم اهل الكتاب، وأهل القرآن. وقال الحسن ومجاهد وعطاء: هم المؤمنون والكافرون {اختصموا في ربهم} لان المؤمنين قالوا بتوحيد الله وأنه لا يستحق العبادة سواه. والكفار اشركوا معه غيره، وانما جمع قوله {اختصموا} لأنه أراد ما يختصون فيه او أراد بالخصمين القبيلتين وخصومهم. ثم قال تعالى {فالذين كفروا} بالله وجحدوا وحدانيته {قطعت لهم ثياب من نار} ومعناه إن النار تحيط بهم كاحاطة الثياب التي يلبسونها. و {يصب من فوق رؤسهم الحميم} روي في خبر مرفوع: انه يصب على رؤسهم الحميم، فينفذ الى أجوافهم فيسلب ما فيها. والحميم الماء المغلي. وقيل: ثياب نحاس من نار تقطع لهم، وهي أشد ما يكون حمى. وقوله {يصهر به ما في بطونهم والجلود} فالصهر الاذابة. والمعنى يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤسهم ما في بطونهم من الشحوم وتساقط من حره الجلود. تقول: صهرت الالية بالنار إذا أذبتها، أصهرها صهراً قال الشاعر: شعر : تروي لقى ألقي في صفصف تصهره الشمس فما ينصهر تفسير : يعني ولدها، وتروي معناه أن تحمل له الماء في حوصلتها، فتصير له رواية كالبعير الذي يحمل عليه الماء، يقال: رويت للقوم إذا حملت لهم الماء. واللقي كل شيء ملقى من حيوان او غيره، وقال الآخر: شعر : شك السفافيد الشواء المصطهر تفسير : وقوله تعالى {ولهم مقامع من حديد} فالمقامع جمع مقمعة، وهي مدقة الرأس. ومثله المنقفة، قمعه قمعاً إذا ردعه عن الأمر. فالزبانية بأيديهم عمد من حديد يضربون بها رؤسهم إذا أرادوا الخروج من النار من الغم الذي يلحقهم، والعذاب الذي ينالهم ردوا بتلك المقاطع فيها وأعيدوا الى حالتهم التي كانوا فيها من العقاب. وقيل: يرفعهم زفيرها حتى إذا كادوا أن يخرجوا منها ضربوا بالمقامع، حتى يهووا فيها. وقيل: لهم ذوقوا عذاب الحريق، فالذوق طلب ادراك الطعم، فهو اشد لاحساسه عند تفقده وطلب ادراك طعمه. فأهل النار يجدون ألمها وجدان الطالب لادراك الشيء، والحريق الغليظ من النار المنتشر العظيم الاهلاك. وقيل: هو بمعنى محرق كأليم بمعنى مؤلم، فهؤلاء أحد الخصمين، والآخرون هم المؤمنون الذين وصفهم في الآية بعدها.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا بالبيعة على يد محمّد (ص) فانّ الايمان صار اسماً للاسلام فى بدو الاسلام لكون المسلم مشرفاً على الايمان {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} كانوا على اليهوديّة {وَٱلصَّابِئِينَ} الخارجين عن الدّين وهم الّذين عبدوا الكواكب، وقيل: انّهم يزعمون انّهم على دين نوحٍ (ع) {وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} الاصنام او غيرها بالله {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} اى يميّز {بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} وان كانوا فى الدّنيا متشابهين غير ممتازين وانّ الثّانية مع مدخولها خبر لانّ الاولى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} استيناف فى مقام التّعليل.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا} أي: اليهود تهوّدوا {وَالصَّابِئِينَ} هم قوم كانوا يعبدون الملائكة، ويقرأون الزبور {وَالنَّصَارَى} أي: تنصرّوا. وإنما يقال لهم نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة. {وَالمَجُوسَ} وهم عبدة الشمس والقمر والنار {وَالذِينَ أَشْرَكُوا} أي: عبدة الأوثان {إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} أي: فيما اختلفوا فيه في الدنيا، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل جميع هؤلاء النار، على ما أعد لكل قوم، وقد ذكرنا ذلك في سورة الحجر في قوله تعالى: (أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ) تفسير : [الحجر: 44]. قوله: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كل شيء، وشاهد كل شيء. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} يعني أن جميع من في السماوات يسجدون له، وبعض أهل الأرض، يعني الذين يسجدون له وكان الحسن لا يعدّ السجود إلا من المسلمين، ولا يعدّ ذلك من المشركين. وقال مجاهد: يسجد المؤمن طائعاً ويسجد كل كافر كارهاً. {وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ} كلها {وَالجِبَالُ} كلها {وَالشَّجَرُ} كلها {وَالدَّوَآبُّ} كلها. ثم رجع إلى صفة الإِنسان فاستثنى فيه فقال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} يعني المؤمنين {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ} يعني من لم يؤمن. قال الله عز وجل: {وَمَن يُهِنِ اللهُ} فيدخله النار {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} فيدخله الجنة {إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}. قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال بعضهم: اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن خير منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم النبيين، ونحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإِسلام فقال: {هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ...} إلى آخر الآية، وقال: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً...} إلى آخر الآية. ذكروا عن الحسن في قوله: {هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} قال: أهل الكتاب خصم والمؤمنون خصم؛ اختصموا، يعني جماعتهم، كل مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله وإن لم يلتقوا في الدنيا قط لاختلاف الملتين. أما المؤمن فوحد الله وعمل بفرائضه فأخبر الله بثوابه، وأما الكافر فألحد في الله وعبد غيره، فأخبر الله بعقابه. وقال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر. فأما الثلاثة من المؤمنين فعبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. قوله: {فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}. وقال في آية أخرى: (أية : سَرَابِيلُهُم)تفسير : أي: قمصهم (أية : مِّن قَطِرَانٍ) تفسير : [إبراهيم: 50] قال الحسن: القطران الذي يطلى به الإِبل. وقال مجاهد من صفر. قال الحسن: وهي من نار. قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ} وهو الحار الشديد الحر. {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ} أي: ويحرق به الجلود. وقال الحسن: أي: يقطع به. وقال مجاهد: يذاب به. وقال الكلبي: ينضج به. وهو كله نحو واحد. قال تعالى: (أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم) تفسير : [النساء: 56] وقال: (أية : ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ) تفسير : [أل عمران: 181].
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين آمنُوا} بما يقول محمد صلى الله عليه وسلم عنا {والَّذين هادُوا} أصحاب التوراة القائلين إنا هدنا إليك، أو المنتسبين الى يهوذا، فعرب بإهمال الذال {والصابئين} هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون الى الكعبه، ويقرءون الزبور، أو وقوم يزعمون أنهم على دين نوح، وقبلتهم من مهب الشمال، فليست الكعبة، وقيل قوم يصبون من دين الى دين، أو أخذوا مطائب التوراة والإنجيل، أو خرجوا من دين الى دين، وكانوا على عهد ابراهيم، وأفحمهم، قيل ومنهم عبدة الكواكب، ومنهم عبدة الأصنام. {والنصارى} قالوا نحن أنصار الله، أو نزلوا قرية تسمى ناصرة، {والمجوس} قال قتادة: هم ومن يعبدون الشمس والقمر والنيران، وقيل يعبدون الشمس والقمر، قيل يعبدون النيران، وقيل قوم اعتزلوا النصارى، ولبسوا المسوح، وقيل أخذوا من دين النصارى، وأخذوا من دين اليهود، وقالوا:؛ للعالم أصلان: نور وظلمة، وهم قبل اليهود والنصارى، وهم يعظمون النار، وأنزل عليهم كتاب فعاجلوه بالإنكار، فذهب، وأصل مجوس صغير الأذنين، أو نابت الشعر فيهما قيل هو معرب مكئوس، وقيل: معرب ميخ كوش، وقيل انه معرب موكوش، وأنه أطلق عليهم، لأنهم يرسلون شعورهم الى آذنهم. {والذَّين أشْركُوا} بعبادة الأصنام، أو غيرها فمن لمن يسم صابياً ولا مجوسياً، أو بإنكار الله أو بإهماله لم يخطر له، ولم يعبد غيره {إن الله يفصل بيْنهم يوم القيامة} بإدخال الذين آمنوا، واليهود التابعين للتوارة، والنصارى التابعين للتوراة، والنصارى التابعين للإنجيل الجنة وغيرهم، ومن أدرك القرآن ولم يؤمن والصابئين والمجوس والذين أشركوا النار، كل فى طبقة غير طبقات الآخرين، وجملة أن واسمها وخبرها خبر إن الأولى، ولا مانع من ذلك، فلا حاجة الى تقدير خبر للأولى، أى معرفون وحسن إعادة أن طول الفصل، ولا قبح ولو لم يطل نحو: إن زيداً إن أباه قائم {إن الله عَلى كل شَىء شهيدْ} حاضر له بعلمه، فالجملة تعليل جملى لقوله يفصل.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بما ذكر من المنزل بهداية الله تعالى أو بكل ما يجب أن يؤمن به ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ} هم على ما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور، وفي «القاموس» هم قوم يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار، وفي كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني ((أن الصابئة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام ويقال لمقابليهم الحنفاء وكانوا يقولون: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأمره وأحكامه جل شأنه إلى متوسط روحاني لا جسماني. ومدار مذاهبهم على التعصب للروحانيات وكانوا يعظمونها غاية التعظيم ويتقربون إليها ولما لم يتيسر لهم التقرب إلى أعيانها والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السبع السيارات وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات وصابئة الهند مفزعها الثواب، وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولاتغني [عنهم] شيئاً، والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام. وقد أفحم / إبراهيم عليه السلام كلتا الفرقتين وألزمهم الحجة. وذكر في موضع آخر أن ظهورهم كان في أول سنة من ملك طهمورث من ملوك الفرس))، ولفظ الصابئة عربـي من صبأ كمنع وكَرُمَ صبأً وصُبُوأً خرج من دين إلى آخر. {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ} هم على ما روي عن قتادة أيضاً قوم يعبدون الشمس والقمر والنيران، واقتصر بعضهم على وصفهم بعبادة الشمس والقمر، وآخرون على وصفهم بعبادة النيران. وقيل: هم قوم اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح. وقيل: قوم أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود شيئاً وهم قائلون بأن للعالم أصلين نوراً وظلمة. وفي كتاب «الملل والنحل» ما يدل على أنهم طوائف وأنهم كانوا قبل اليهود والنصارى وأنهم يقولون بالشرائع على خلاف الصابئة وأن لهم شبهة كتاب وأنهم يعظمون النار، وفيه أن بيوت النيران للمجوس كثيرة فأول بيت بناه أفريدون بيت نار بطوس، وآخر بمدينة بخارى هو بردسون، واتخذ بهمن بيتاً بسجستان يدعى كركو، ولهم بيت نار ببخارى أيضاً يدعى قبادان وبيت نار يسمى كونشه بين فارس وأصفهان بناه كيخسرد وآخر بقومش يسمى جرير وبيت نار كيكدر بناه في مشرق الصين، وآخر بأرجان من فارس اتخذه أرجان جد كشتاسف، وكل هذه البيوت كانت قبل زرادشت، ثم جدد زرادشت بيت نار بنيسا بعد كشتاسف أن تطلب النار التي كان يعظمها جم فوجدوها بمدينة خوارزم فنقلها إلى دارابجرد والمجوس يعظمونها أكثر من غيرها وكيخسرد، ولما غزا افراسياب عظمها وسجد لها. ويقال: إن أنوشروان هو الذي نقلها إلى كارشان فتركوا بعضها هناك وحملوا بعضها إلى نسا. وفي بلاد الروم على باب قسطنطينية بيت نار اتخذه شابور بن ازدشير فلم تزل كذلك إلى أيام المهدي. وبيت نار باسفيثا على قرب مدينة السلام لبوران بنت كسرى. وفي الهند والصين بيوت نيران أيضاً. والمجوس إنما يعظمون النار لمعان. منها أنها جوهر شريف علوي يظنون أن ذلك ينجيهم من عذاب نار يوم القيامة ولم يدروا أن ذلك السبب الأعظم لعذابهم اهـ. وفيه ما لا يخفى على من راجع التواريخ. وفي «القاموس» مجوس كصبور رجل صغير الأذنين وضع دِيناً ودعا إليه معرب ميج كوش. وفي «الصحاح» المجوسية نحلة والمجوسي نسبة إليها والجمع المجوس. قال أبو علي النحوي: المجوس واليهود إنما عرفا على حد يهودي ويهود ومجوسي ومجوس فجمع على قياس شعيرة وشعير ثم عرف الجمع بالألف واللام ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام عليهما لأنها معرفتان مؤنثان فجريا في كلامهم مجرى القبيلتين ولم يجعلا كالحيين في باب الصرف. وأنشد: شعر : أحار أريك برقاً هب وهنا كنار مجوس يستعر استعارا تفسير : انتهى. وذكر بعضهم أن مجوس معرب موكوش وأطلق على أولئك القوم لأنهم كانوا يرسلون شعور رؤوسهم إلى آذانهم. ونقل في «البحر» أن الميم بدل من النون، وأطلق ذلك عليهم لاستعمالهم النجاسات وهو قول لا يعول عليه. {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} المشهور أنهم عبدة الأوثان، وقيل ما يعمهم وسائر من عبد مع الله تعالى إلٰهاً آخر من ملك وكوكب وغيرهما ممن لم يشتهر باسم خاص كالصابئة والمجوس، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} في حيز الرفع على أنه خبر لإنَّ السابقة وأدخلت إن على كل واحد من / جزئي الجملة لزيادة التأكيد كما في قول جرير: شعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به تزجى الخواتيم تفسير : وقيل: خبر إن الأولى محذوف أي مفترقون يوم القيامة أو نحو ذلك مما يدل عليه قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} الخ فإن قولك: إن زيداً إن عمراً يضربه ردىء، والبيت لا يتعين فيه جعل الجملة المقترنة بأن خبراً بل يجوز أن تكون معترضة والخبر جملة به تزجى الخواتيم، ولا يخفى عليك بعد تسليم الرداءة أن الآية ليست كالمثال المذكور لطول الفاصل فيها، قال في «البحر»: وحسن دخول إن في الجملة الواقعة خبراً في الآية طول الفصل بالمعاطيف، وقال الزجاج: زعم قوم أن قولك: إن زيداً أنه قائم ردىء وأن هذه الآية إنما صلحت بتقدم الموصول ولا فرق بين الموصول وغيره في باب إن وليس بين البصريين خلاف في أن إن تدخل على كل مبتدأ وخبر فعلى هذا لا ينبغي العدول على الوجه المتبادر، والمراد بالفصل القضاء أي إنه تعالى يقضي بين المؤمنين والفرق الخمس المتفقة على الكفر بإظهار المحق من المبطل وتوفية كل منهما حقه من الجزاء بإثابة المؤمنين وعقاب الفرق الآخرين بحسب استحقاق أفراد كل منهما، وقيل: المراد أنه تعالى يفصل بين الفرق الست في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاءً واحداً بلا تفاوت بل يجزي المؤمنين بما يليق واليهود بما يليق بهم وهكذا ولا يجمعهم في موطن واحد بل يجعل المؤمنين في الجنة وكلاً من الفرق الكافرة في طبقة من طبقات النار. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} تعليل لما قبله من الفصل أي أنه تعالى عالم بكل شيء من الأشياء ومراقب لأحواله ومن قضيته الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة وإجراء جزائه اللائق به عليه.
ابن عاشور
تفسير : فذلكة لما تقدم، لأنه لما اشتملت الآيات السابقة على بيان أحوال المترددين في قبول الإسلام كان ذلك مثاراً لأن يتساءل عن أحوال الفرق بعضهم مع بعض في مختلف الأديان، وأن يسأل عن الدين الحق لأن كل أمة تدَّعي أنها على الحق وغيرها على الباطل وتجادل في ذلك. فبينت هذه الآية أن الفصل بين أهل الأديان فيما اختصموا فيه يكون يوم القيامة، إذ لم تفدهم الحجج في الدنيا. وهذا الكلام بما فيه من إجمال هو جار مجرى التفويض، ومثله يكون كناية عن تصويب المتكلم طريقته وتخطئته طريقة خصمه، لأن مثل ذلك التفويض لله لا يكون إلا من الواثق بأنه على الحق وهو كقوله تعالى: {أية : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}تفسير : [الشورى: 15] وذلك من قبيل الكناية التعريضية. وذِكر المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين تقدم في آية البقرة وآية العقود. وزاد في هذه الآية ذكر المجوس والمشركين، لأن الآيتين المتقدمتين كانتا في مساق بيان فضل التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر في كل زمان وفي كل أمة. وزيد في هذه السورة ذكر المجوس والمشركين لأن هذه الآية مسوقة لبيان التفويض إلى الله في الحكم بين أهل المِلل، فالمجوس والمشركون ليسوا من أهل الإيمان بالله واليوم الآخر. فأما المجوس فهم أهل دين يثبت إلهين: إلهاً للخير، وإلهاً للشرّ، وهم أهل فارس. ثم هي تتشعب شعباً تأوي إلى هذين الأصلين. وأقدم النِحَل المجوسية أسسها (كيومرث) الذي هو أول ملك بفارس في أزمنة قديمة يظن أنها قبل زمن إبراهيم عليه السلام، ولذلك يلقب أيضاً بلقب (جل شاه) تفسيره: ملك الأرض. غير أن ذلك ليس مضبوطاً بوجه علمي وكان عصرُ (كيومرث) يلقب (زروان) أي الأزل، فكان أصل المجوسية هم أهل الديانة المسماة: الزروانية وهي تثبت إلهين هما (يَزدَان) و(أهْرُمُن). قالوا: كان يَزدان منفرداً بالوجود الأزلي، وأنه كان نُورانياً، وأنه بقي كذلك تسعة آلاف وتسعين سنة ثم حدث له خاطر في نفسه: أنه لو حَدَث له منازع كيف يكون الأمر فنشأ من هذا الخاطر موجود جديد ظلماني سمي (أهْرُمُن) وهو إله الظلمة مطبوعاً على الشرّ والضرّ. وإلى هذا أشار أبو العلاء المعرّي بقوله في لزومياته:شعر : قال أناسٌ باطل زعمهُم فراقِبُوا الله ولاَ تَزعُمُنْ فكّرَ يَزدانُ على غِرّة فصيغ من تفكيره أهْرُمُن تفسير : فحدث بين (أهْرُمن) وبين (يزدان) خلاف ومحاربة إلى الأبد. ثمّ نشأت على هذا الدّين نحل خُصّت بألقاب وهي متقاربة التعاليم أشهرها نحلة (زَرَادَشْت) الذي ظهر في القرن السادس قبل ميلاد المسيح، وبه اشتهرت المجوسية. وقد سمي إله الخير (أهُورَا مَزْدَا) أو (أرمزد) أو (هرمز)، وسمي إله الشرّ (أهْرُمن)، وجعل إله الخير نوراً، وإله الشر ظلمة. ثم دعا الناس إلى عبادة النار على أنها مظهر إله الخير وهو النّور. ووسّع شريعة المجوسية، ووضع لها كتاباً سمّاه «زَندافستا». ومن أصول شريعته تجنّب عبادة التماثيل. ثم ظهرت في المجوس نِحلة «المَانوية»، وهي المنسوبة إلى (مَاني) الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير ملك الفرس بين سنة 238 وسنة 271م. وظهرت في المجوس نحلة (المزدكية)، وهي منسوبة إلى (مَزدك) الذي ظهر في زمن قُباذ بين سنة 487 وسنة 523م. وهي نحلة قريبة من (المانوية)، وهي آخر نحلة ظهرت في تطور المجوسيّة قبل الفتح الإسلامي لبلاد الفرس. وللمجوسية شبه في الأصل بالإشراك إلا أنها تخالفه بمنع عبادة الأحجار، وبأن لها كتاباً، فأشبهوا بذلك أهل الكتاب. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم: «حديث : سُنوا بهم سنة أهل الكتاب» تفسير : أي في الاكتفاء بأخذ الجزية منهم دون الإكراه على الإسلام كما يُكره المشركون على الدخول في الإسلام. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} تفسير : في [سورة النحل: 51]. وأعيدت (إنّ) في صدر الجملة الواقعة خبراً عن اسم (إنّ) الأولى توكيداً لفظياً للخبر لطول الفصل بين اسم (إن) وخبرها. وكون خبرها جملة وهو توكيد حسن بسبب طول الفصل. وتقدم منه قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً}تفسير : في[سورة الكهف: 30]. وإذا لم يطل الفصل فالتوكيد بإعادة (إن) أقل حُسناً كقول جرير:شعر : إنّ الخليفة أنّ الله سربلَه سِربال مُلك به تُزْجَى الخواتيم تفسير : ولا يحسن إذا كان مبتدأ الجملة الواقعة خبراً ضميرَ اسم (إنّ) الأولى كما تقول: إن زيداً إنه قائم، بل لا بد من الاختلاف ليكون المؤكد الثاني غير الأول فتقبل إعادة المؤكد وإن كان المؤكّد الأول كافياً. والفصل: الحكم، أي يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من تصحيح الديانة. وجملة {إن الله على كل شيء شهيد} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للإعلام بإحاطة علم الله بأحوالهم واختلافهم والصحيح من أقوالهم.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة} أَيْ: يحكم ويقضي، بأن يدخل المؤمنين الجنَّة، وغيرهم من هؤلاء الفرق النَّار. {إنَّ الله على كلِّ شيء شهيد} يريد: إنَّ اللَّهَ عالمٌ بما في قلوبهم. {ألم تر أنَّ الله يسجد له} يذلُّ له، وينقاد له {من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حقَّ عليه العذاب} وذلك أنَّ كلَّ شيءٍ منقادٌ لله عزَّ وجلَّ على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحَّه وعلى ما أسقمه، فالبَرُّ والفاجر، والمؤمن و الكافر في هذا سواءٌ {ومَنْ يهن الله} يذلَّه بالكفر {فما له من مكرم} أحدٌ يكرمه {إنَّ الله يفعل ما يشاء} يُهين من يشاء بالكفر، ويكرم مَنْ يشاء بالإِيمان.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَٱلصَّابِئِينَ} {وَٱلنَّصَارَىٰ} {ٱلْقِيامَةِ} (17) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَفْصِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الأَدْيَانِ المُخْتَلِفَةِ: مِنَ المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَدَّدَهُمْ، وأَنَّهُ سَيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالعَدْلِ، فَيُدْخِلُ مَنْ آمَنَ مِنهم بِهِ الجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بِهِ النَّارَ، وأنَّهُ تَعَالَى شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِهِمْ جَمِيعِهَا، حَفِيظٌ لأَِقْوَالِهِم، عَلِيمٌ بِسَرَائِرِهِم وَضَمَائِرِهِمْ. الصَّابِِئِينَ - عَبَدَةَ الكَوَاكِبِ أَوْ عَبَدَةَ المَلاَئِكَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ..} [الحج: 17] ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافاً ومعركة، ولو تتبعتَ الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في البقرة وفي المائدة. يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 62]. وفي المائدة يُقدِّم الصابئين على النصارى، وفي هذا الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [المائدة: 69]. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [الحج: 17] أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ ..} [الحج: 17] أي: اليهود، ثم النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون: فهؤلاء جماعة كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، ثم عبدوا الكواكب فَسُمُّوا الصابئة لخروجهم عن الدين الحق. أما المجوس: فهم عبدة النار، والذين أشركوا: هم المشركون عَبَدة الأصنام والأوثان. أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، قالوا: لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتَوْا بعقيدة غير عقيدته، فهم قِلَّة، لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني؛ لذلك حين يراعي السَّبْق الزمني يقول: {وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَى ..} [الحج: 17] وحين يراعي الكثرة والشهرة، يقول: {أية : وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ ..} تفسير : [البقرة: 62] فكلٌّ من التقديم أو التأخير مُراد لمعنى مُعيَّن. أما قوله: {أية : وَٱلصَّابِئُونَ ..}تفسير : [المائدة: 69] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسَّط مرفوعاً بين منصوبات؟ قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا جملة تامة، فهي مُؤخَّرة في المعنى، مُقدَّمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق. لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟ ينشأ الخلاف من أن قوماً يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلِّغ عن هذا الإله، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلاً بين المعتزلة وأهل السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون يُنكرونها، جماعة يقولون: الإنسان مُجْبَر في تصرفاته، وآخرون يقولون: بل هو مختار. وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعاً حَقٌّ. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدَّعُون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلاً. فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعاً بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدَّعاة، فهؤلاء كفار ضائعون. أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات، فمَنْ كان يهودياً قبل الإسلام، ومَنْ كان نصرانياً قبل الإسلام، فإن الله أجْرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام، فإنْ كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أنْ يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين. لذلك قال بعدها: {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 62]. فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعاً - اليهود والنصارى والمجوس والمشركين - حياة جديدة، وفُتِحَتْ لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد اليوم، حيث لزمهم جميعاً الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الإسلام تصفية (وأوكازيون إيماني) يجُبُّ ما قبله، وعفا الله عما سلف. والحق - سبحانه - حينما تكلم عن الأجيال السابقة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. لذلك نبَّه كُلٌّ من موسى وعيسى - عليهما السلام - بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وبشَّروا به، بدليل قول الله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89] والمراد اليهود والنصارى. وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجامعاً للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة. جاء الإسلام تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان لهم أجرهم كاملاً عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة الكافرة. أما إنْ حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] والفَصْل أن نعرف مَنِ المحقُّ ومَنِ المبطل، وهكذا جمعتْ الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف وبيَّنَتْ جزاء كل منهما. فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا: بالطبع فالحكم بينهم: هذا مُحِقٌّ وهذا مُبطِل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن واختلاف الجزاءات. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] لأن الله تعالى هو الحكَم الذي يفصل بين عباده، والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بُدَّ أن يكونوا عُدولاً، ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أنْ يميل عن الحق، فإن كان الحكم هو الله فلا حاجة لبيِّنة، ولا حاجةَ لشهود؛ لأنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ومن العجيب أن الحُكْم والفَصْل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحُكْمه سبحانه لا يُؤجَّل ولا يُتحَايل عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم. أما حُكْم البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطَّل تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يُؤجِّله شيء. إذن: المسألة لن تمرَّ هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك. ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن اختلاف أصناف بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} [الحج: 17] يشير إلى أنه تعالى يسأل كل صنف منهم يوم القيامة على حسب استحقاقه بما وعدهم إمَّا بالنعيم، وإمَّا بالجحيم وبالوصال، أو بالفراق، كما أعد لهم وعلى ما خلقهم، وهذا معنى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} [الحج: 17]. ثم قال عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] أو عالم بحال كل صنف منهم: كيف خلقهم، وفيما استمهلهم وأي مقام ومنزل أعدَّ لهم من منازل الجنة والنار ومن مقام الرب. وبقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} [الحج: 18] يشير إلى أن أهل العرفان يسجدون سجود العبادة بالإرادة والجماد ومن لا يعقل، ومن لا يدين يسجدون سجود خضوع للحاجة. وبقوله تعالى: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} [الحج: 18] يشير إلى: أهل النفاق وأهل الرياء والسمعة، فإن الله يفصل بين كل صنف منهم في الثواب والعقاب على قدر استحقاقهم {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} [الحج: 18] في الأزل بتقدير الشقاوة {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [الحج: 18] إلى الأبد بطريق الشفاعة له {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] من الأزل إلى الأبد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } كل يدعي أنه المحق. { فَالَّذِينَ كَفَرُوا } يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين. { قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } أي: يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم. { يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } الماء الحار جدا، يصهر ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره، { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } بيد الملائكة الغلاظ الشداد، تضربهم فيها وتقمعهم، { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا } فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، ويقال لهم توبيخا: { ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي: المحرق للقلوب والأبدان ، { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } ومعلوم أن هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع الرسل، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } أي: يسورون في أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب. { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس، والحلي الفاخر. وذلك بسبب أنهم { هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } أي: الصراط المحمود، وذلك، لأن جميع الشرع كله محتو على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح. أو: وهدوا إلى صراط الله الحميد، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه، لأنه يوصل صاحبه إلى الله، وفي ذكر { الحميد } هنا، ليبين أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم ومنته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: {أية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } تفسير : واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجود المخلوقات له، جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، الذي يشمل الحيوانات كلها، وكثير من الناس، وهم المؤمنون، { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } أي: وجب وكتب، لكفره وعدم إيمانه، فلم يوفقه للإيمان، لأن الله أهانه، { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } ولا راد لما أراد، ولا معارض لمشيئته، فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية لسلطانه، دل على أنه وحده، الرب المعبود، والملك المحمود، وأن من عدل عنه إلى عبادة سواه، فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا.
همام الصنعاني
تفسير : 1939- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ}: [الآية: 17]، قال الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون القبلة ويقرأون الزبور. {وَٱلْمَجُوسَ}: يعبدون الشمس والقمر. {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} يعبدون الأوثان، والأديان ستّة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):