٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} هذه رؤية القلب؛ أي ألم تر بقلبك وعقلك. وتقدّم معنى السجود في «البقرة»، وسجود الجماد في «النحل». {وَٱلشَّمْسُ} معطوفة على «مَن». وكذا {وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}. ثم قال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} وهذا مشكل في الإعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل؛ مثل {أية : وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الإنسان: 31]؟ فزعم الكسائي والفرّاء أنه لو نصب لكان حسناً، ولكن اختِير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود؛ فيكون ابتداء وخبراً، وتم الكلام عند قوله «وكثير من الناس». ويجوز أن يكون معطوفاً، على أن يكون السجود التذلُّلَ والانقيادَ لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوّة وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيراً حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله: «والدّوابُّ» ثم ابتدأ فقال: «وكثير من الناس» في الجنة «وكثير حق عليه العذاب». وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب؛ ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجداً لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القُشَيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس؛ فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة «يۤس» عند قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} تفسير : [يۤس: 38]. وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنًى. قوله تعالى: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس: إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه. وحكى الأخفش والكسائي والفراء «وَمَنْ يُهنِ اللَّهُ فما له من مُكْرَمٍ» أي إكرام.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} يتسخر لقدرته ولا يتأتى عن تدبيره، أو يدل بذلته على عظمة مدبره، ومن يجوز أن يعم أولي العقل وغيرهم على التغليب فيكون قوله: {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ } إفراداً لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها. وقرىء {وَٱلدَّوَابّ } بالتخفيف كراهة التضعيف أو الجمع بين الساكنين. {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } عطف عليها إن جوز إعمال اللفظ الواحد في كل واحد من مفهوميه، وإسناده باعتبار أحدهما إلى أمر وباعتبار الآخر إلى آخر، فإن تخصيص الكثير يدل على خصوص المعنى المسند إليهم، أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه خبر قسيمه نحو حق له الثواب، أو فاعل فعل مضمر أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة. {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } بكفره وإبائه عن الطاعة، ويجوز أن يجعل «وكثيراً» تكريراً للأول مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب أن يعطف به على الساجدين بالمعنى العام موصوفاً بما بعده. وقرىء{حَقّ} بالضم و «حقاً» بإضمار فعله. {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ } بالشقاوة {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } يكرمه بالسعادة، وقرىء بالفتح بمعنى الإِكرام. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الإِكرام والإِهانة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به؛ كما قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} تفسير : [النحل: 48] وقال ههنا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي: من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير {أية : وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء: 44] وقوله: {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ} إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة {أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ} تفسير : [فصلت: 37] الآية، وفي "الصحيحين" عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أتدري أين تذهب هذه الشمس؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت» تفسير : وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه في حديث الكسوف: «حديث : إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له».تفسير : وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، وأما الجبال والشجر، فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل، وعن ابن عباس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة، رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه". وقوله: {وَٱلدَّوَآبُّ} أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من راكبها. وقوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: يسجد لله طوعاً مختاراً متعبداً بذلك {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} أي: ممن امتنع وأبى واستكبر {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال: قيل لعلي: إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله كما يشاء، أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث يشاء أو حيث شئت؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك، لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار» تفسير : رواه مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرىء قالا: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: «حديث : نعم، فمن لم يسجد بهما، فلا يقرأهما» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به. وقال الترمذي: ليس بقوي، وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه. وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن عامر بن جشب عن خالد بن معدان رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين» تفسير : ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا، يعني: من غير هذا الوجه، ولا يصح. وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع قال: حدثني أبو الجهم: أن عمر سجد سجدتين في الحج، وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان، فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ } أي يخضع له بما يراد منه {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } وهم المؤمنون بزيادة على الخضوع في سجود الصلاة {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } وهم الكافرون لأنهم أبَوا السجود المتوقف على الإِيمان {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ } يُشْقِه {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } مُسْعِد {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } من الإِهانة والإِكرام.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَن يُهِن اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكرمٍ} فيه وجهان: أحدهما: ومن يهن الله فيدخله النار فما له من مكرم فيدخله الجنة. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} من ثواب وعقاب، وهذا قول يحيى بن سلام. والثاني: ومن يهن الله بالشقوة فما له من مكرم بالسعادة. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءَ} من شقوة،وهذا قول الفراء وعلي بن عيسى. ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً: ومن يهن الله بالإِنتقام فما له من مكرم بالإنعام، إن الله يفعل ما يشاء من إنعام وانتقام.
ابن عطية
تفسير : {ألم تر} تنبيه رؤية القلب، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جمع لله وخضوعها، وذكر في الآية كل ما عبد الناس إذ في المخلوقات أعظم مما قد ذكر كالرياح والهواء فـ {من في السماوات} الملائكة، {ومن في الأرض} من عبد من البشر، {والشمس} كانت تعبدها حمير وهو قوم بلقيس، والقمر كانت كنانة تعبده قاله ابن عباس، وكانت تميم تعبد الدبران، وكانت لخم تعبد المشتري، وكانت طيِّىء تعبد الثريا وكانت قريش تعبد الشعرى، وكانت أسد تعبد عطارد، وكانت ربيعة تعبد المرزم، {والجبال والشجر} منها النار وأصنام الحجارة والخشب، {والدواب} فيها البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه، و"السجود" في هذه الآية هو بالخضوع والانقياد للأمر كما قال الشاعر "ترى الأكم فيه سجداً للحوافر". وهذا مما يتعذر فيه السجود المتعارف، وقال مجاهد: سجود هذه الأشياء هو بظلالها، وقال بعضهم سجودها هو بظهور الصنعة فيها. ع: هذا وهو وإنما خلط هذه الآية بآية التسبيح وهناك يحتمل أن يقال هي بآثار الصنعة، وقوله تعالى: {وكثير حق عليه العذاب} يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم، أي {وكثير حق عليه العذاب} يسجد، أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء مقطوعاً مما قبله وكأن الجملة معادلة لقوله {وكثير من الناس} لأن المعنى أنهم مرحومون بسجودهم ويؤيد هذا قوله تعالى بعد ذلك {ومن يهن الله} الآية وقرأ جمهور الناس "من مكرِم" بكسر الراء، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على معنى من موضع كرامة أو على أنه مصدر كمدخل، وقرأ الجمهور "والدوابّ" مشددة الباء، وقرأ الزهري وحده بتخفيف الباء وهي قليلة ضعيفة وهي تخفيف على غير قياس كما قالوا ظلت وأحست وكما قال علقمة: [البسيط] شعر : كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم بسبا الكتان ملثوم تفسير : أردا بسبائب الكتان وأنشد أبو علي في مثله: [الكامل] شعر : حتى إذا ما لم أجد غير الشر كنت أمرأً من مالك بن جعفر تفسير : وهذا باب إنما يستعمل في الشعر فلذلك ضعفت هذه القراءة وقوله تعالى: {هذان خصمان} الآية، اختلف الناس في المشار إليه بقوله {هذان} فقال قيس بن عباد وهلال بن يساف: نزلت هذه الآية في المتبارزين يوم بدر وهو ستة: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، وأقسم أبو ذر على هذا القول ع ووقع أن الآية فيهم في صحيح البخاري، وقال ابن عباس: الإشارة إلى المؤمنين وأهل الكتاب وذلك أنه وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود نحن أقوم ديناً منكم ونحو هذا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: المخاصمة بين الجنة والنار، وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وعاصم والكلبي: الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم ع وهذا قول تعضده الآية، وذلك أنه تقدم قوله {وكثير من الناس} المعنى هم مؤمنون ساجدون، ثم قال {وكثير حق عليه العذاب} ثم أشار الى هذين الصنفين بقوله {هذان خصمان} والمعنى أن الإيمان وأهله والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى قيام الساعة بالعدواة والجدال والحرب، وقوله تعالى: {خصمان} يريد طائفتين لأن لفظة خصم هي مصدر يوصف به الجمع والواحد ويدل على أنه أراد الجمع قوله {اختصموا} فإنها قراءة الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة "اختصما في ربهم" وقوله {في ربهم} معناه في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل أن يريد في رضاء ربهم وفي ذاته، ثم بين حكمي الفريقين فتوعد تعالى الكفار بعذاب جهنم، و {قطعت} معناه جعلت لهم بتقدير، كما يفصل الثوب، وروي أنها من نحاس وقيل ليس شيء من الحجارة والفلز أحر منه إذا حمي، وروي في صب {الحميم} وهو الماء المغلي أنه تضرب رؤوسهم بـ "المقامع" فتنكشف أدمغتهم فيصب {الحميم} حينئذ، وقيل بل يصب الحميم أولاً فيفعل ما وصف، ثم تضرب بـ"المقامع" بعد ذلك، و {الحميم} الماء المغلي، و {يصهر} معناه يذاب، وقيل معناه يعصر وهذه العبارة قلقة، وقيل معناه ينضج ومنه قول الشاعر "تصهره الشمس ولا ينصهر" وإنما يشبه فيمن قال يعصر. أنه أراد الحميم يهبط كل ما يلقى في الجوف ويكشطه ويسلته، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلته ويبلغ به قدميه ويذيبه، ثم يعاد كما كان، وقرأ الجمهور "يصهر" وقرأت فرقة "يصَهّر" بفتح الضاد وشد الهاء، و"المِقمعة" بكسر الميم مقرعة من حديد يقمع بها المضروب، وقوله: {أرادوا} روي فيه أن لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار فيريدون الخروج فيضربون بـ"المقامع" وتردهم الزبانية و"من" في قوله {منها} الابتداء الغاية، وفي قوله {من غم} يحتمل أن تكون لبيان الجنس ويحتمل أن تكون لابتداء غاية أيضاً وهي بدل من الأولى. وقوله: {وذوقوا} هنا محذوف تقديره ويقال لهم: {ذوقوا} و {الحريق} فعيل بمعنى مفعل أي محرق، وقرأ الجمهور "هذان" بتخفيض النون وقرأ ابن كثير وحده "هذانّ" بتشديد النون، وقرأها شبل وهي لغة لبعض العرب في المبهمات، كاللذان، وهذان وقد ذكر ذلك أبو علي.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ} بإدخال النار {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} يدخله الجنة {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} من ثواب وعقاب، أو من يهنه بالشقاء فلا مُكرم له بالسعادة {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} من شقاوة وسعادة.
البقاعي
تفسير : ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالاً على أنه على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يريد، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه، فاقتضى ذلك قيوميته، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ذلك في جواب من كأنه سأل فهي في معنى العلة، فقال: {ألم تر أن الله} أي الحائز لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص {يسجد له} أي يخضع منقاداً لأمره مسخراً لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في السماوات}. ولما كان في السياق مقتضياً للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ذكر الفصل بين جميع الفرق، أكد بإعادة الموصول فقال: {ومن في الأرض} إن أخلت غير العاقل فبالتغليب، وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب الأولى. ولما ذكر ما يعم العاقل وغيره، أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأن كلاًّ منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال: {والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، والشعرى لخم، والثريا طيىء وعطارداً أسداً، والمرزم ربيعة - قاله أبو حيان. ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال: {والجبال} أي التي تنحت منها الأصنام {والشجر} التي عبد بعضها {والدواب} التي عبد منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله، ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل - أن أمره لها هو مراده منها. ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في قوله {ومن في الأرض} دخولاً أولياً، وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو الموافق للأمر، لا الموافق للإرادة المجردة عن الأمر، قال دالاً على إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم بعد إدخالهم في السجود الإدارة وتعميمهم: {وكثير من الناس} أي يسجد سجوداً هو منه عبادة شرعية فحق له الثواب {وكثير} أي منهم {حق عليه العذاب} بقيام الحجة عليه بكون لم يسجد، فجحد الأمر الذي من جحده كان كافراً وإن كان ساجداً عابداً بالمعنى اللغوي الذي هو الجري مع المراد، وعلى القول بأن هذا في تقدير عامل من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من الاستخدام الذي يعلو فيه ضمير على لفظ مراد منه معنى آخر، والآية من الاحتباك: إثبات السجود في الأول دليل على انتفائه في الثاني، وذكر العذاب في الثاني دليل على حذف الثواب في الأول. ولما علم بهذا أن الكل جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سبباً لإسعاد السعيد منهم وإشقاء الشقي، لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما بينهم، كان المعنى: فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين، فعطف عليه: {ومن يهن الله} أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره {فما له من مكرم} لأنه لا قدرة لغيره أصلاً، ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن السياق لإظهار القدرة، وإظهارها في الإهانة أتم، مع أن أصل السياق للتهديد؛ ثم علل أن الفعل له لا لغيره بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {يفعل ما يشاء*} أي كله، فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم يكن فاعلاً لما يشاء، فصح أنه لا فعل لغيره، قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي نا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه أنه قيل له: إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وقد مر في سورة يوسف عند {أية : إن الحكم إلا لله عليه توكلت}تفسير : [يوسف: 67] ما ينفع هنا. ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصاً فقال: {هذان} أي الساجد والجاحد من جميع الفرق {خصمان} لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف. ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: {اختصموا} أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة، قال: {في ربهم} أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون، لم يختصموا بسبب غيره أصلاً، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه "أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم، ولذلك قال رضي الله عنه: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة" أخرجه البخاري في صحيحه، ولعله رضي الله عنه أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أشبّهم. ولما ذكر خصومتهم وشرطها، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال: {فالذين كفروا} منابذين لأمر ربهم {قطعت} تقطيعاً لا يعلم كثرته إلا الله، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره {لهم} الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره {ثياب من نار} تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون الثياب في الدنيا تعاظماً وتكبراً حال كونهم {يصب} إذا دخلوها {من فوق رؤوسهم الحميم*} أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه، واستأنف الإخبار عنه بقوله: {يصهر} أي يذاب، وأصله المخالطة الشديدة {به} من شدة حرارته {ما في بطونهم} من شحم وغيره {والجلود*} فيكون أثره في البطن والظاهر سواء {ولهم مقامع} جمع مقمعة بكسر ثم فتح، وهي عمود حديد يضرب به الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده رداً عنيفاً، ثم نفى المجاز بقوله: {من حديد*} أي يقمعون بها {كلما أرادوا} أي كلهم فالبعض بطريق الأولى {أن يخرجوا منها} أي من تلك الثياب أو من النار. ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من التقوى للكفار، المنابذين لها بكل اعتبار، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ونذارة للأعداء - قوله زيادة على ما في السجدة: {من غم} عظيم لا يعلم قدر عظمه إلا الله {أعيدوا}، كل من {فيها} كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً - قاله الحسن، أو أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا، وذلك أشد في العذاب، مقولاً لهم: ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها {وذوقوا عذاب الحريق*} أي العذاب البالغ في الإحراق.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات} الآية. قال: سجود ظل هذا كله {وكثير من الناس} قال: المؤمنون {وكثير حق عليه العذاب} قال: هذا الكافر سجود ظله وهو كاره. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: سجود كل شيء فيئه، وسجود الجبال فيئها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الثوب يسجد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ما في السماء من شمس ولا قمر ولا نجم، إلا يقع ساجداً حتى يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى معلمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا فاء الفيء لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يطوف بالبيت ويبكي، فإذا هو طاوس! فقال: عجبت من بكائي؟ قلت: نعم. قال: ورب هذه البنية، إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: مر رجل على عبدالله بن عمرو وهو ساجد في الحجر وهو يبكي فقال: أتعجب أن أبكي من خشية الله وهذا القمر يبكي من خشية الله...؟ وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس رضي الله عنه في الآية قال: لم يستثن من هؤلاء أحداً، حتى إذا جاء ابن آدم استثناه فقال {وكثير من الناس} قال: والذي أحق بالشكر هو أكثرهم. وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والخلعي في فوائده، عن علي أنه قيل له: إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة. فقال له علي: يا عبدالله، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟ قال: بل لما يشاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟ قال: بل حيث شاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم...} إلى قوله {ان الله يفعل ما يريد} نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعليّ بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة. قال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي من طريق قيس بن عبادة، عن علي رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: فيهم نزلت {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تكلموا نعرفكم. قال: أنا علي، وهذا حمزة، وهذا عبيدة. فقالوا: أكفاء كرام! فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله. فقال عتبة: هلم للمبارزة. فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزة عتبة فقتله، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله. فأنزل الله {هذان خصمان...}. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه. فقا أبو جهل بن هشام: لقد امتلأت رعباً. فقال عتبة: ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه. قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: "ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم. فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلسوا... قوموا يا بني هاشم. فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم. قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب... أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كفء كريم! فقال علي: أنا علي بن أبي طالب... فقال: كفء كريم! فقال عبيدة. أنا عبيدة بن الحارث... فقال عتبة: كفء كريم! فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة، وأخذ عبيدة الوليد. فأما حمزة، فأجاز على شيبة، وأما علي فاختلفا ضربتين[ ]، فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله. قال: فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابه: لنا العزى ولا عزى لكم، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فأنزل الله {هذان خصمان اختصموا في ربهم...} . وأخرج عبد بن حميد عن لاحق بن حميد قال: نزلت هذه الآية يوم بدر {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. ونزلت {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى قوله {وهدوا إلى صراط الحميد} في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث. وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فكان ذلك خصومتهم في ربهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم وقال المسلمون: إن كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإسلام على من ناوأهم فأنزل الله {هذان خصمان اختصموا في ربهم...} إلى قوله {عذاب الحريق}. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله {قطعت لهم ثياب من نار} من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي اشتد بأحر منه. وفي قوله {يصب من فوق رؤوسهم الحميم} قال: النحاس يذاب على رؤوسهم. وفي قوله {يصهر به ما في بطونهم} قال: تسيل أمعاؤهم والجلود، قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عضو بحياله. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي، أنه قرأ قوله {قطعت لهم ثياب من نار} قال: سبحان من قطع من النار ثياباً. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كسي أهل النار والعري كان خيراً لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيراً لهم. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدمه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكليتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه يكرهه فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفدغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه. فذلك قوله {يصهر به ما في بطونهم والجلود}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن سعيد ابن جبير قال: إذا جاء أهل النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختنست جلود وجوههم، فلو أن ماراً يمر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم بها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد سقطت عنه الجلود و {يصهر به ما في بطونهم} يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يضربون. بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالويل والثبور. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يصهر به ما في بطونهم والجلود} قال: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم. وفي قوله {ولهم مقامع من حديد} قال: يضربون بها فيقع كل عضو على حياله. وأخرج ابن الأنباري والطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {يصهر} قال: يذاب {ما في بطونهم} إذا شربوا الحميم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: شعر : سخنت صهارته فظل عثانه في شيطل كعب به تتردد وظل مرتثياً للشمس تصهره حتى إذا الشمس قامت جانباً عدلاً تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {يصهر به ما في بطونهم والجلود} قال: يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {يصهر به ما في بطونهم} قال: يذاب إذابة. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة {يصهر به} قال: يذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله {يصهر به} قال: يذاب كما يذاب الشحم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {ولهم مقامع} قال: مطارق. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان، ما أقلوه في الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان ". تفسير : وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها. ثم قرأ {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها}. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر القاري، أنه قرأ هذه الآية {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} فبكى وقال: أخبرني زيد بن أسلم في هذه الآية ان أهل النار في النار لا يتنفسون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض في الآية قال: والله ما طمعوا في الخروج؛ لأن الأرجل مقيدة والأيدي موثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها. وأخرج البخاري ومسلم عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". تفسير : وأخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب في الآخرة". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" تفسير : . قال ابن الزبير من قبل نفسه: ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: {ولباسهم فيها حرير}. وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}[18] قال: سجود هذه الأشياء معرفتها بالحق بالتذلل والانقياد له.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [الآية: 18]. قال السَّيارى: من قدر الله عليه الإهانة فى السبق لا يقدر أحد على كرامته؛ لأن لباس الحق لا يزول ولا يحول، وهو على الدوام.
القشيري
تفسير : أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجودَ دلالة وشهادة. شعر : وفي كل شيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنه واحدُ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} من اهانه الله فى الازل يقهره لا يكون عزيز العمل ولا يعزه غيره عزيزا اذ العزة كله لله قال الله ان العزة لله جميعا وقال اسيادى من قدر الله عليه الاهانة فى السبق لا يقدر احد على كرامته لان لباس الحق لا يزول ولا يحول وهو على الدوام.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} ألم تعلم يا من من شأنه العلم {ان الله يسجد له من فى السموات ومن فى الارض} اى ينقاد لتدبيره ومشيئته الملائكة والجن والانس مطيعا او عاصيا وذلك لان السجود اما سجود باختيار وهو للانسان وبه يستحق الثواب واما سجود تسخير وهو للانسان والحيوان والنبات شبه الانقياد باكمل افعال المكلف فى باب الطاعة وهو السجود ايذانا بكمال التسخير والتذلل وانما حمل على المعنى المجازى اذ ليس فى كفرة الانس ومردة الجن والشياطين وسائر الحيوانات والجمادات سجود طاعة وعبادة وهو وضع الجبهة على الارض خصوصا لله تعالى {والشمس والقمر والنجوم} بالسير والطلوع والغروب لمنافع العباد {والجبال} باجراء الينابيع وانبات المعادن {والشجر} بالظل وحمل الثمار ونحوها {والدواب} [جهار بايان] اى بعجائب التركيب ونحوها فكل شىء ينقاد له سبحانه على ما خلقه وعلى ما رزقه وعلى ما اصحه وعلى اما اسقمه فالبر والفاجر والمؤمن والكافر فى هذا سواء {وكثير من الناس} اى ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة فهو مرتفع بمحذوف لا بالمذكور والا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. قال فى التأويلات اهل العرفان يسجدون سجود عبادة بالارادة والجماد ومالا يعقل ومن لا يدين يسجدون سجود خضوع للحاجة، قال الكاشفى [همه ذرات عالم مرخدايرا خاضع وخاشعئد بدلالت حال كه افصح است ازدلالت مقال] شعر : درنكر تابينى ازعين شهود جلمه ذرات جهانرا درسجود تفسير : {وكثير} من الناس {حق} ثبت {عليه العذاب} بسبب كفره وابائه عن الطاعة، قال الكاشفى [اين سجده ششم است باتفاق علما ازسجدات قرآن، درفتوحات اين را سجدة مشاهد واعتبار كفته اندكه ازهمه اشياغير آدميانرا تبعيض نكرد بس بنده بايدكه مبادرت نمايد بسجده تااز كثير اول باشد كه ازاهل سجده واقترا بندنه زكثير ثاني كه مستحق عذاب وعقابند] شعر : ذوق سجده وطاعتى بيش خدا خوشتر باشد زصد دولت ترا تفسير : يقول الفقير الكثير الاول كثير فى نفسه قليل بالنسبة الى الكثير الثانى اذ اهل الجمال اقل من اهل الجلال وهو الواحد من الالف وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان الواحد على الحق هو السواد الاعظم وعن بعضهم قليل اذا عدوا كثير اذا شدوا اى اظهروا الشدة {ومن} [وهر كرا] {يهن الله} يهنه الله: بالفارسية [خوار كرداند] بان كتب عليه الشقاوة فى الازل حسبما علمه من صرف اختياره الى الشر {فما له من مكرم} يكرمه بالسعادة الى الابد {ان الله يفعل مايشاء} من الاكرام والاهانة من الازل الى الابد، قال الامام النيسابورى رحمه الله فى كشف الاسرار جعل الله الكفار اكثر من المؤمنين ليريهم انه مستغن عن طاعتهم كما قال (خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لأربح عليهم) وقيل ليظهر عز المؤمنين فيما بين ذلك لان الاشياء تعرف باضدادها والشىء اذا قل وجوده عز ألا ترى ان المعدن لعزته صار مظهرا للاسم العزيز وقيل ليرى الحبيب قدرته بحفظه بين اعدائه الكثيرة كما حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واحد واهل الارض اعداد كله ليتبين ان النصر من عند الله والقليل يغلب الكثير بعونه وعنايته ومن اكرمه بالغلبة لا يهان بالخذلان البتة، فان قيل ان رحمته سبقت وغلبت غضبه فيقتضى الامر ان يكون اهل الرحمة اكثر من اهل الغضب واهل الغضب تسع وتسعون من كل الف واحد يؤخذ للجنة كما ورد فى الصحيح وورد "حديث : اهل الرحمة كشعرة بيضاء فى جلد الثور الاسود"تفسير : ، قلنا هذه الكثرة بالنسبى الى بنى آدم واما أهل الرحمة بالنسبة ا ليهم والى الملائكة والحور والغلمان فاكثر من اهل الغضب والتحقيق ان المقصود من النشآت كلها ظهرو الانسان الكامل وهو احد كالالف فالناس عشرة أجزاء فتسعة الاعشار كفار والواحد مؤمنون ثم المؤمنون عشرة فتسعة عصاة وواحد مطيعون ثم المطيعون عشرة فتسعة اهل الزهد وواحد اهل العشق ثم اهل العشق عشرة فتسعة اهل البرزخ والفرقة وواحد اهل المنزل والوصلة فهو اعز من الكبريت الاحمر المسك الاذفر وهو الذى اكرمه الله بكرامة لم يكرم بها احدا من العالمين فلو ان اهل العالم اجتمعوا على اهانته ما قدروا اذله العز الحقيقى لانه اذل نفسه بالفناء في الله وهو مقام السجود الحقيقى فاعزه الله ورفعه ألا ترى الى قوله (من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة) اى من اغضب واذى واهان واحدا من اوليائى فقد ظهر وخرج بالمحاربة لى والله ينصر اولياءه فيكون المبارز مقهورا مهانا بحيث لا يوجد له ناصر ومكرم شعر : اهل حق هر كز نمى باشد مهان اهل باطل خوار باشد درجهان
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم ترَ}، أيها السامع، أو من يتأتى منه الرؤية، أي: رؤية علم واستبصار، أو: يا محمد، علمًا يقوم مقام العيان، {أنَّ الله يسجد له} أي: ينقاد إليه انقيادًا تامًا {مَن في السماواتِ} من الملائكة، {ومن في الأرض} من الإنس والجن والملائكة. ويحتمل أن تكون "من"؛ عامة للعاقل وغيره، فيدخل كل ما في السماوات من عجائب المصنوعات، وكل ما في الأرض من أنواع المخلوقات. ويكون قوله: {والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ}، من عطف الخاص على العام؛ لاستبعاد ذلك منها عادة. ويُحتمل أن يكون السجود على حقيقته، ولكن لا نفقه ذلك، كما لا نفقه تسبيحهم. ونقل الكواشي عن أبي العالية: (ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر، إلا يقع ساجدًا حين تغيب، ثم لا ينصرف حتى يُؤذن له). وذكر في صحيح البخاري: "حديث : أن الشمس لا تطلع حتى تسجد وتستأذن"تفسير : . وقال مجاهد: (سجود الجبال والشجر والدواب: تَحَوُّلُ ظِلاَلِها). أو سجودُها: طاعتها؛ فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، يُسبح له. شَبَّه طاعتها له وانقيادها لأمره بسجود المكلف الذي كلٌّ خضوعٌ دونه. {وكثيرٌ من الناس} يسجد لله تعالى سجود طاعة وعبادة، {وكثيرٌ حقَّ عليه العذابُ}؛ حيث امتنع من هذا السجود، الذي هو سجود عبادة؛ لكفره وعتوه. قال ابن عرفة قوله: {وكثير}: يحتمل كونه مبتدأ، ويكون في الآية حذف المقابل، أي: وكثير من الناس مثاب، وكثير حق عليه العذاب. فلا يرد سؤال الزمخشري. هـ. وقدَّره غيرُه: وكثير من الناس يسجدون، وكثير يأبى السجود؛ فحق عليه العذاب. وقيل: وكثير حق عليه العذاب بإنكاره النبوة، وإن سجد للصانع؛ كالفلاسفة واليهود والنصارى. هـ. {ومَن يُهِنِ اللهُ}؛ بأن صرفته الشقاوة عن الانقياد لأمره الشرعي، {فما له من مُكرمٍ} بالسعادة، أو يوم القيامة، بل يذل ويهان، {إن الله يفعل ما يشاء} في ملكه؛ يُكرم من يشاء بفضله، ويُهين من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه. اللهم أكرمنا بطاعتك ومحبتك، واجعلنا منقادين لأمرك وحكمك، ونعّمنا بحلاوة شهودك ومعرفتك، إنك على كل شيء قدير. هكذا يُدعى في هذه السجدة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد تجلى الحق جلّ جلاله بأسرار ذاته لباطن الأشياء، وبأنوار صفاته لظاهرها، فتعرف لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته، فعرفه كلُّ شيء، ولذلك سجد له وسبح بحمده. وفي الحِكَم: "أنت الذي تَعَرَّفْتَ لكل شيء، فما جَهِلَكَ شيءٌ". فظواهر الأواني ساجدة لأسرار المعاني، وخاضعة للكبير المتعالي، ولا يفقه هذا إلا من خاض بحر المعاني، ولم يقف مع حس الأواني، ولم يمتنع من الانقياد والخضوع لجلال الحق وكبريائه في الظاهر والباطن، إلا من أهانه الله من عُصاة بني آدم. ومن يُهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء. ثمَّ بين الفصل الذي يفصل به يوم القيامة بين المؤمنين والكفرة
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً او مرتبط بسابقه جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل للتّمييز بين الفرق المختلفة ولقدرته على كلّ شيءٍ كأنّه قيل: هل يقدر على التّمييز بين النّفوس الكثيرة المتشابهة مع كثرتها وشدّة تشابهها؟- فقال: يقدر على ذلك لانّك ترى كلّ النّفوس البشريّة بل كلّ الموجودات العلويّة والسّفليّة مع كثرتها وتشابهها مسخّرةً له ساجدةً له، والخطاب لمحمّدٍ (ص) وحينئذٍ يكون الرّؤية على معناها والاستفهام للانكار والتّقرير على المنفىّ، او الخطاب لغير معيّنٍ ويكون الاستفهام للتّوبيخ يعنى لا ينبغى لك ان لا ترى {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} اى يخضع غاية الخضوع، والخضوع فى كلٍّ بحسبه، وغاية الخضوع للمختارين ان يخرجوا من اراداتهم واختياراتهم وانانيّاتهم، ويدخلوا تحت اختيار المسجود له وانانيّته، ولمّا كان السّقوط على التّراب ظهور ذلك الخروج سمّى سجدة الصّلٰوة سجوداً، ولمّا كان كلّ الموجودات بفطرة وجودها مسخّرةً تحت امر الحقّ تعالى كان الكلّ ساجدةً له بفطرة وجودها فيسجد له {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} جملة تكونياً واختياراً {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تماماً تكويناً وبعضهم اختياراً ايضاً {وَٱلشَّمْسُ} بجريها {وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ} مطلق ما ينبت من الارض او خصوص ماله ساق كما هو معناه اللّغوىّ {وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} عطف على من فى السّموات فيكون المعنى وكثير من النّاس اختياراً، او مبتدءٌ خبره ما بعده والجملة معطوف على جملة الم تر {وَكَثِيرٌ} ابتداء كلامٍ على ان يكون كثير من النّاس من عطف المفرد، او تكرير وتأكيد للاوّل {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} خبر للاوّل او الثّانى {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} جملة معطوفة او حاليّة {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} فى مقام التّعليل قد مضى فى سورة البقرة عند قوله تعالى {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} بيان تامٌّ لهذه الآية.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَٰوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} اي الم تعلم ان الله يخضع له من في السماوات ومن في الارض لا يخرج واحد عن حكمه فيرد الاسقام إذا جاءته أو المكاره أو يعجل ما يحب قبل اجله. {وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ} ذكر ذلك اما استعمالا (لمن) العقلاء فقط فلم تشمل ذلك وإما عطفا لخاص على عام بان استعمل (من) في العاقل وغيره وهذا لشهرة هذه الافراد فيما قيل قبل واستبعاد ذلك منها؟ قلت: انما يستبعد منها سجود الانحناء لا عدم الامتناع عن حكمه تعالى في ذاتها قبل شبه مطاوعة الاشياء بالسجود الذي كل خضوع دونه ومن اجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز ومن اجاز بين معنييه اجاز ان المراد بالسجود سجود الانحناء في جانب الملائكة والمؤمنين سجود خضوع الاجساد في جانب الذوات. وما قبلها والمشركين فان اجسادهم خاضعة في ذاتها ولو كانوا يستعملونها في المعاصي وكانت القلوب كافرة بل قد روي ان الارواح كلها تسجد غير روح الجنب ولك ان تريد بالسجود القدر الموجود في سجود الانحناء وهو الخضوع في جانب الساجد وخضوع غير الساجد ولكل سجود بمعنى خضوع. وقرئ و(الدواب) بترك التشديد كراهة للتضعيف والجمع بين الساكنين. وقيل: سجود تلك الاشياء تحول ظلالها. وقيل: ما في السماء نجم الا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه وكان الحسن لا يعد السجود من المسلمين. وعن مجاهد يسجد المؤمن طوعا والكافر كرها {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} هم المؤمنون عطف خاص على عام الجزية سواء قلنا السجود فيما ذكر سجود مطاوعة وعدم الامتناع عما اراد الله في الذوات أو الخضوع العام لهذا المذكور وللخضوع الواقع بالانحناء أو خضوع الارواح أو جمعا بين الحقيقة والمجاز أو بين معنيين ولك ان تجعل (كثير) فاعلا لمحذوف أو مبتدأ وخبره محذوف اي ويسجد له كثير من الناس سجود الانحناء أو كثير يسجد له أو كثير من الناس (ثياب) ويدل لهذا * {وَكَثِيرٌ حَقَّ} وقرئ بالبناء للمفعول * {عَلَيْهِ العَذَابُ} وقرئ حقا عليه العذاب أي حق العذاب عليه حقا. ويجوز كون (كثير) الثاني معطوفا على الاول وما بعده خبر الاول والعطف للمبالغة فمن حق عليه العذاب وهم الكفرة. ويجوز عطف (كثير) الثاني على ما تقدم بالمعنى العام في السجود اعني مطلق الخضوع للجسم وعدم الامتناع فيكون (حق) الخ صفة له * {وَمَن يُهِنِ اللَّهِ} بالشقاوة {فَمَالَهُ مِن مُّكْرِمٍ} بالاسعاد وقرئ بفتح الراء على انه مصدر ميمي بمعنى الاكرام. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} من الاكرام والاهانة.
اطفيش
تفسير : {ألَم تَرَ} ألم تعلم يا من يتأتى منه العلم، والآية بيان لقوله: "أية : إن الله يفصل بينهم" تفسير : [الحج: 17] بتعذيب فريق بعمله، وإهانته وإصابة آخر بعمله وإكرامه، أو تقرير لقوله: " شهيد" أو تفريع على اختلاف الكفرة مع وجود الصارف الى الإيمان {أن الله يسْجُد له من فى السَّماوات ومن فى الأرض} ينقادون له فى خلقه إياهم، وتصرفه فيهم لا يتعارصون، أو السجود مجاز عن دلالة لسان حال الأشياء بذلتها، وافتقارها على صانعها وعظمته عز وجل، ومن عمت العقلاء وغيرهم فعطف قوله: {والشَّمسْ والقَمْر والنجوم والجبالُ والشَّجَر والدواب} عطف خاص على عام لشهرة هذا الخاص، واستبعاد الجاهل إذا عانه بالسجود، ولأنه عبد من دون الله، عبدت حِمْير الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وقرش الشعرى، وطيئ الثرياء، وأسد عطارد، وبيعة المرزم، وأكثر العرب الأصنام المنحوتة من الحجر، وقد ذكر الجتال وغطفان العزى، وهى شجرة وقد ذكر الشجر، ومن الناس من عبد البقر وقد ذكر الدواب {وكثيرٌ من النَّاس} فاعل المحذوف، أى ويسجد له كثير من الناس سجود الصلاة والتلاوة والشكر والدعاء، دل عليه يسجد، ولو اختلف معناهما لحصول الملازمة والمناسبة، لأن فى سجود العبادة سجود الانقياد، فهو كقولك زيداً ألبست غلامه أى أكرمت زيداً، وعمراً ضربت غلامه، أى أهنت عمراً، فليس كقولك: زيد ضارب بالعصا، وعمرو، تريد وعمرو ضارب أى مسافر فضلا عن أن يمنع، ولك العطف بلا تقدير، فما المعنى يسجد له بالانقياد الناس كلهم وغيرهم، وكثير منهم بالانقياد بسجود الوجه أيضاً، بل قد أجاز بعض استعمال المشترك فى معنييه، وبعض استعمال للفظ فى حقيقته ومجازه، ويجوز تقدير: وكثير من الناس حق له الثواب مقابلة لقوله: {وكثير حقَّ عليه العَذاب} ويبعد التفسر بقولك وكثير من الناس والمعتبرين لتقواهم وصلاحهم، غير المتقى، كأنه ليس من الناس كما تقول زيد الرجل تريد الكمال على أن يكون كثير مبتدأ خبره حق عليه العذاب، أى لا يسجد، فالمعنى وكثير من الناس يسجد عبادة، وكثير لا يسجد فعبر عنه بحق عليه العذاب، وهؤلاء لازمه وسببه، ويجوز على بعد عطف كثير على كثير، على أن حق الخ نعت الثانى، وكلاهما ساجد عبادة، لكن الثانى سبقت له الشقاوة، أو يسجد لله، ويسجد للأصنام، والكلام على الجن كالكلام علىالإنس، لأن الصواب القول بأنهم مكلفون، وزعم بعض أن الناس الجن، وورد فى كلام العرب نحو جاء ناس من الجن. {ومََن يُهن الله} بالخذلان والشقوة لعمله {فمالَه مِنْ مُكرم} يسعده {إنَّ الله يفْعَل ما يشاءُ} من إكرام وإهانة وغيرهما.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} الخ بيان لما يوجب الفصل المذكور من أعمال الفرق مع الإشارة إلى كيفيته وكونه بطريق التعذيب والإثابة والإكرام والإهانة، وجوز أن يكون تنويراً لكونه تعالى شهيداً على كل شيء، وقيل: هو تقريع على اختلاف الكفرة واستبعاد له لوجوب الصارف، والمراد بالرؤية العلم والخطاب لكل من يتأتى منه ذلك. والمراد بالسجود دخول الأشياء تحت تسخيره تعالى وإرادته سبحانه وقابليتها لما يحدث فيها عز وجل، وظاهر كلام الآمدي أنه معنى حقيقي للسجود. وفي «مفردات الراغب» السجود في الأصل التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله تعالى وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد وذلك ضربان سجود باختيار يكون للإنسان وبه يستحق الثواب وسجود بتسخير يكون للإنسان وغيره من الحيوانات والنباتات... وخص في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة وما جرى مجراه من سجود التلاوة وسجود الشكر انتهى. وذكر بعضهم أنه كما خص في الشريعة بذلك خص في عرف اللغة به. وقال ابن كمال: إن حقيقته على ما نص عليه في «المجمل» وضع الرأس، وقال العلامة الثاني: حقيقته وضع الجبهة لا الرأس حتى لو وضع الرأس من جانب القفا لم يكن ساجداً، وعلى هذين القولين على علاتهما قيل السجود هنا مجاز عن الدخول تحت تسخيره تعالى والانقياد لإرادته سبحانه. وجوز أن يكون مجازاً عن دلالة لسان حال الأشياء بذلتها وافتقارها على صانعها وعظمته جلت عظمته، ووجه التنوير على هذا ظاهر وكذا التقريع على الاختلاف. و {مِنْ} إما خاصة بالعقلاء وإما عامة لهم ولغيرهم بطريق التغليب وهو الأولى لأنه الأنسب بالمقام لإفادته شمول الحكم / لكل ما فيها بطريق القرار فيهما أو بطريق الجزئية منهما، ويكون قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَابُّ} إفراداً لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها بحسب الظاهر في بادىء النظر القاصر كما قيل أو لأنها قد عبدت من دون الله تعالى إما باعتبار شخصها أو جنسها. فالشمس عبدتها حمير والقمر عبدته كنانة وعبد الدبران من النجوم تميم، والشعرى لخم وقريش، والثريا طيِّىء، وعطارداً أسد والمرزم ربيعة، وعبد أكثر العرب الأصنام المنحوتة من الجبال. وعبدت غطفان العزى وهي سمرة واحدة السمر شجر معروف، ومن الناس من عبد البقر. وقرأ الزهري وابن وثاب {ٱلدَّوَابّ} بتخفيف الباء. وخص ابن جني في «المحتسب» هذه القراءة بالزهري، وقال: لا أعلم من خففها سواه وهو قليل ضعيف قياساً وسماعاً لأن التقاء الساكنين على حده وعذره كراهة التضعيف ولذا قالوا في ظللت ظلت وقالوا جان بالتخفيف وذكر له نظائر كثيرة. وقوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ} قيل مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس سجود الطاعة المعروف. واعترض بأنه صرح في «المغني» بأن شرط الدليل اللفظي على المحذوف أن يكون طبقه لفظاً ومعنى أو معنى لا لفظاً فقط فلا يجوز زيد ضارب وعمرو على أن خبر عمرو محذوف وهو ضارب من الضرب في الأرض أي مسافر والمذكور بمعناه المعروف. وأجاب الخفاجي بأن ما ذكر غير مسلم لما ذكره النحاة من أن المقدر قد يكون لازماً للمذكور نحو زيداً ضربت غلامه أي أهنت زيداً ولا يكون مشتركاً كالمثال المذكور إلا أن يكون بينهما ملاءمة فيصح إذا اتحدا لفظاً وكان من المشترك وبينهما ملازمة تدل على المقدر ولذا لم يصح المثال المذكور انتهى، وعطفه بعضهم على المذكورات قبله وجعل السجود بالنسبة إليه بمعنى السجود المعروف وفيما تقدم بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة على عظمة الصانع جل شأنه. واستدل بذلك على جواز استعمال المشترك في معنييه أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والجواب ما علمت، ولا يجوز العطف وجعل السجود في الجميع بمعنى الدخول تحت التسخير أو الدلالة على العظمة لأن ذلك عام لجميع الناس فلا يليق حينئذٍ ذكر {كَثِيرٍ} وغير العام إنما هو السجود بالمعنى المعروف فيفيد ذكر {كَثِيرٍ} إذا أريد أن منهم من لم يتصف بذلك وهو كذلك، وما قيل: إنه يجوز أن يكون تخصيص الكثير على إرادة السجود العام للدلالة على شرفهم والتنويه بهم ليس بشيء إذ كيف يتأتى التنويه وقد قرن بهم غير العقلاء كالدواب. وقال ابن كمال: تمسك من جوز حمل المشترك في استعمال واحد على أكثر من معنى بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} الآية بناءً على أن المراد بالسجود المنسوب إلى غير العقلاء الانقياد لتعذر السجود المعهود في حقه ومن المنسوب إليهم ما هو المعهود دون الانقياد لأنه شامل للكل غير مخصوص بالكثير ولا متمسك لهم في ذلك لأن كلاً من التعليلين في معرض المنع، أما الأول فلأن حقيقة السجود وضع الرأس ولا تعذر في نسبته إلى غير العقلاء ولا حاجة إلى إثبات حقيقة الرأس في الكل لأن التغليب سائغ شائع، وأما الثاني فلأن الكفار لا سيما المتكبرين منهم لا حظ لهم من الانقياد لأن المراد منه الإطاعة بما ورد في حقه من الأمر تكليفياً كان أو تكوينياً على وجه ورد به الأمر وتقدير فعل آخر في هذا المقام من ضيق العطن كما لا يخفى على أرباب الفطن انتهى. وفيه القول بجواز العطف / على كلا معنى السجود وضع الرأس والانقياد وبيان فائدة تخصيص الكثير على الثاني، ولا يخفى أن المتبادر من معتبرات «كتب اللغة» أن السجود حقيقة لغوية في الخضوع مطلقاً وأن ما ذكره من حديث التغليب خلاف الظاهر وكذا حمل الانقياد على ما ذكره، وقد أخذ رحمه الله تعالى كلا المعنيين من «التوضيح» وقد أسقط مما فيه ما عنه غنى، وما زعم أنه من ضيق العطن هو الذي ذهب إليه أكثر القوم وعليه يكون {مِنَ ٱلنَّاسِ} صفة {كَثِيرٍ} وأورد أنه حينئذٍ يرد أن سجود الطاعة المعروف لا يختص بكثير من الناس فإن كثيراً من الجن متصف به أيضاً، وكونهم غير مكلفين خلاف القول الأصح. نعم يمكن أن يقال: إنهم لم يكونوا مأمورين بالسجود عند نزول الآية وعلى مدعيه البيان، والقول بأنه يجوز أن يراد بالناس ما يعم الجن فإنه يطلق عليهم حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ليس بشيء. ومن الناس من أجاب عن ذلك بأن يسجد المقدر داخل في الرؤية وقد قالوا: المراد بها العلم والتعبير بها عنه للإشعار بظهور المعلوم وظهور السجود بمعنى الدخول تحت التسخير في الأشياء المنسوب هو إليها مما لا سترة عليها وكذا ظهوره بمعنى السجود المعروف في كثير من الناس، وأما في الجن فليس كذلك فلذا وصف الكثير بكونه من الناس. وتعقب بأن الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} لمن يتأتى منه ذلك ولا سترة في ظهور أمر السجود مطلقاً بالنسبة إليه. ورد بأن مراد المجيب أن سجود الجن ليس بظاهر في نفس الأمر ومع قطع النظر عن المخاطب كائناً من كان ظهور دخول الأشياء المذكورة أولاً تحت التسخير بخلاف سجود كثير من الناس فإنه ظاهر ظهور ذلك في نفس الأمر فخص الكثير بكونه من الناس ليكون الداخل في حيز الرؤية من صقع واحد من الظهور في نفس الأمر. وقيل المقام يقتضي تكثير الرائين لما يذكر في حيز الرؤية والتخصيص أوفق بذلك فلذا خص الكثير بكونهم من الناس والكل كما ترى، والأولى أن يقال: تخصيص الكثير من الناس بنسبة السجود بالمعنى المعروف إليهم على القول بأن كثيراً من الجن كذلك للتنويه بهم، ولا يرد عليه ما مر لأنه لم يقرن بهم في هذا السجود غير العقلاء فتأمل، وقيل: إن {كَثِيرٍ} مرفوع على الابتداء حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حق له الثواب ويفيد الكلام كثرة الفريقين؛ والأول أولى لما فيه من الترغيب في السجود والطاعة للحق المعبود، وجوز أن يكون {كَثِيرٍ} مبتدأ و {مِنَ ٱلنَّاسِ} خبره والتعريف فيه للحقيقة والجنس أي وكثير من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون المتقون، وقال الراغب: قد يذكر الناس ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزاً، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه والمخصص للمبتدأ النكرة أنه صفة محذوف بالحقيقة على أن المعادلة من المخصصات إذا قلت رجال مكرمون ورجال مهانون لأنه تفصيل مجمل فهو موصوف تقديراً ولأن كلاً من المقابلين موصوف بمغايرة الآخر فهذا داخل في الوصف المعنوي، وأن يكون {كَثِيرٍ} مبتدأ و {مِنَ ٱلنَّاسِ} صفته وقوله تعالى: {وَكَثِيرٌ} معطوف عليه وقوله سبحانه: {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} أي ثبت وتقرر خبر، ويكون الكلام على حد قولك: عندي ألف وألف أي ألوف كثيرة ومثله شائع في كلامهم فيفيد كثرة من حق عليه العذاب من الناس، وهذان الوجهان بعيدان، وقال في «البحر»: ضعيفان. والظاهر أن {كَثِيرٍ} الثاني مبتدأ والجملة بعده خبره وقد أقيمت مقام لا يسجد فكأنه قيل ويسجد كثير من / الناس ولا يسجد كثير منهم، ولا يخفى ما في تلك الإقامة من الترهيب عن ترك السجود والطاعة، ولا يخفى ما في عدم التصريح بتقييد الكثير بكونه من الناس مما يقوي دعوى أن التقييد فيما تقدم للتنويه، وحمل عدم التقييد ليعم الكثير من الجن خلاف الظاهر جداً. وجوز أن يكون معطوفاً على من والسجود بأحد المعنيين السابقين وجملة {حَقّ} الخ صفته ويقدر وصف لكثير الأول بقرينة مقابله أي حق له الثواب و {مِنَ ٱلنَّاسِ} صفة له أيضاً، ولا يخفى ما فيه، وقرىء {حق} بضم الحاء و {حقاً} أي حق عليه العذاب حقاً فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة. {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} بأن كتب الله تعالى عليه الشقاء حسبما استعدت له ذاته من الشر، و(من) مفعول مقدر ليهن {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} يكرمه بالسعادة. وقرأ ابن أبـي عبلة {مكرم} بفتح الراء على أنه مصدر ميمي كما في «القاموس» أي مما له إكرام، وقيل اسم مفعول بمعنى المصدر ولا حاجة إلى التزامه، وقيل يجوز أن يكون باقياً على ما هو الشائع في هذه الصيغة من كونه اسم مفعول، والمعنى ما له من يكرم ويشفع فيه ليخلص من الإهانة. ولا يخفى بعده {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} من الأشياء التي من جملتها الإكرام والإهانة، وهذا أولى من تخصيص ما بقرينة السياق بهما.
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة لابتداء استدلال على انفراد الله تعالى بالإلهية. وهي مرتبطة بمعنى قوله {أية : يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه}تفسير : [الحج: 12] إلى قوله: {أية : لبئس المولى ولبئس العشير}تفسير : [الحج: 13] ارتباط الدليل بالمطلوب فإنّ دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقِلها وجمادها شاهدة بتفرد الله بالإلهية. وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه. وما وقع بين هاتين الجملتين استطرادٌ واعتراضٌ. والرؤية: علمية. والخطاب لغير معين. والاستفهام إنكاريّ. أنكر على المخاطبين عدم علمهم بدلالة أحوال المخلوقات على تفرد الله بالإلهية. ويجوز أن يكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والاستفهام تقريرياً، لأنّ حصول علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك متقرّر من سورة الرعد وسورة النحل. وقد تقدم الكلام على معنى هذا السجود في السورتين المذكورتين. وقد استعمل السجود في حقيقته ومجازه، وهو حسن وإن أباه الزمخشري، وقد حققناه في المقدمة التاسعة، لأن السجود المثبت لكثير من الناس هو السجود الحقيقي، ولولا إرادة ذلك لما احترس بإثباته لكثير من الناس لا لجميعهم. ووجه هذا التفكيك أن سجود الموجودات غير الإنسانية ليس إلا دلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فاستعير السجود لحالة التسخير والانطياع. وأما دلالة حال الإنسان على عبوديته لله تعالى فلما خالطها إعراض كثير من الناس عن السجود لله تعالى، وتلبّسهم بالسجود للأصنام كما هو حال المشركين غطّى سجودهم الحقيقي على السجود المجازي الدال على عبوديتهم لله لأن المشاهدة أقوى من دلالة الحال فلم يثبت لهم السجود الذي أثبت لبقيّة الموجودات وإن كان حاصلاً في حالهم كحال المخلوقات الأخرى. وجملة {وكثير حق عليه العذاب} معترضة بالواو. وجملة {حق عليه العذاب} مكنّى بها عن ترك السجود لله، أي حق عليهم العذاب لأنهم لم يسجدوا لله، وقد قضى الله في حكمه استحقاق المشرك لعذاب النار. فالذين أشركوا بالله وأعرضوا عن إفراده بالعبادة قد حق عليهم العذاب بما قضى الله به وأنذرهم به. وجملة {ومن يهن الله فما له من مكرم} اعتراض ثان بالواو. والمعنى: أن الله أهانهم باستحقاق العذاب فلا يجدون من يكرمهم بالنصر أو بالشفاعة. وجملة {إن الله يفعل ما يشاء} في محل العلة للجملتين المعترضتين لأن وجود حرف التوكيد في أول الجملة مع عدم المنكر يمحّض حرفَ التوكيد إلى إفادة الاهتمام فنشأ من ذلك معنى السببية والتعليل، فتغني (أنّ) غناء حرف التعليل أو السببية. وهذا موضع سجود من سجود القرآن باتفاق الفقهاء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} إلى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 18- ألم تعلم - أيها العاقل - أن الله يخضع لتصريفه مَنْ فى السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس يؤمن بالله ويخضع لتعاليمه فاسْتَحقُّوا بذلك الجنة، وكثير منهم لم يؤمن به ولم ينفذ تعاليمه فاستحقوا بذلك العذاب والإهانة، ومن يطرده الله من رحمته ويهنه لا يقدر أحد على إكرامه، إن الله قادر على كل شئ، فهو يفعل ما يريد. 19- هذان فريقان من الناس تنازعوا فى أمر ربهم، وما يليق به، وما لا يليق، فآمن به فريق، وكفر فريق، فالذين كفروا أعد الله لهم يوم القيامة ناراً تحيط بهم من كل جانب، كما يحيط الثوب بالجسد، ولزيادة تعذيبهم تصب الملائكة على رءوسهم الماء الشديد الحرارة. 20- فينفذ إلى ما فى بطونهم فيذيبها كما يذيب جلودهم. 21- وأُعدت لهم أعمدة من حديد. 22- كلما حاولوا الخروج من النار من شدة الغم والكرب ضربتهم الملائكة بها وردتهم حيث كانوا، وقالت لهم: ذوقوا عذاب النار المحرقة جزاء كفركم. 23- أما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة فإن الله يدخلهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ينعمون فيها صنوف النعيم، وتزينهم الملائكة بأساور الذهب وباللؤلؤ، أما لباسهم المعتاد فمن حرير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تر بقلبك فتعلم. يسجد له: أي يخضع ويذل له بوضع وجهه على الأرض بين يدي الرب تعالى. من في السماوات: من الملائكة. والدواب: من سائر الحيوانات التي تدب على الأرض. حق عليه العذاب: وجب عليه العذاب فلا بد هو واقع به. ومن يهن الله: أي يُشقِه في عذاب مهين. فماله من مكرم: أي ليس له من مكرم أي مسعد ليسعده، وقد أشقاه الله. معنى الآية الكريمة: يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {أَلَمْ تَرَ} أيها الرسول بقلبك فتعلم {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الملائكة {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} من الجن والدواب {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} وهم المؤمنون المطيعون وكثير أي من الناس حق عليهم العذاب أي وجب لهم العذاب وثبت، فهو لا يسجد سجود عبادة وقربة لنا أما سجود الخضوع فظلالهم تسجد لنا بالصباح والمساء، وقوله تعالى: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} أي ومن أراد الله إشقاءه وعذابه فما له من مكرم يكرمه بِرَفْع العذاب عنه وإسعاده في دار السعادة وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} فمن شاء أهانه ومن شاء أكرمه فالخلق خلقه وهو المتصرف فيهم مطلق التصرف فمن شاء أعزه، ومن شاء أذله فعلى عباده أن يرجعوا إليه بالتوبة سائلين رحمته مشفقين من عذابه فهذا أنجى لهم من عذابه وأقرب إلى رحمته. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- تقرير ربوبية الله وألوهيته. 2- سجود المخلوقات بحسب ذواتها، وما أراد الله تعالى منها. 3- كل شيء خاضع لله إلا الإِنسان فأكثر أفراده عصاة له متمردون عليه وبذلك استوجبوا العذاب المهين. 4- التالي لهذه الآية والمستمع لتلاوته يسن لهم أن يسجدوا لله تعالى إذا بلغوا قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (18) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ وَحْدَهُ الذي يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ يَسْجُدُ لِعَظَمَتِهِ كُلُّ شَيء فِي الوُجُودِ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، لأَِنَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الموجُودَاتِ، وَمُدَبِّرُهَا، وَمُنْشِئُها، والمَلاَئِكَةُ والشَّمْسُ والقمرُ والمخْلُوقَاتُ كُلُّهَا مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَدَوَابٍّ وَطُيُورٍ... تَسْجُدُ للهِ، وَيَسْجُدُ للهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ طَوْعاً واخْتِيَاراً وَتَعَبُّداً بذَلِكَ السُّجُودِ، وَيَكُونُ سُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ فالجِبَالُ والشَّجَرُ تَسْجُدُ بِظِلاَلِها. وَكَثِيرٌ مِنَ البَشَرِ يَمْتَنِعُونَ عنِ السُّجودِ للهِ اسْتِكْبَاراً وَإِباءً، فَيَحِقُّ عَلَيْهِمْ عَذَابُ اللهِ. وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَيَكْتُبْ لَهُ الشَّقَاءَ لِسُوءِ اسْتِعْدَادِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ. وَمَنْ حَقَّ عَليهِ العَذابُ فَقَدْ حَقَّ عَليهِ الهَوانُ، وَلا كَرَامةَ إِلا بِإِكْرَامِ اللهِ، وَلا عِزَّةَ إِلا بِعِزَّةِ اللهِ، وَاللهُ المُتَصَرِّفُ بِالكَوْنِ وَالخَلْقِ، يَفْعَل مَا يَشَاءُ، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَهُ الحِكْمَةُ فِيمَا يَفْعَلُ. يَسْجُد لَهُ - يَخْضَعُ لَهُ وَيَنْقَادُ. حَقَّ عَليهِ - ثَبَتَ وَوَجَبَ عَلَيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ ..} [الحج: 18] يعني: ألم تعلم؛ لأن السُجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه. وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل. وكل جنس من هذه الأجناس يخدم ما هو أعلى منه، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل مَا في كون الله مُسخَّر لخدمة الإنسان، وفي الخبر: "يا ابن آدم خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُكَ من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عَمَّنْ أنت له". فكان على الإنسان أن يفكر في هذه الميْزة التي منحه ربه إياها، ويعلم أن كل شيء في الوجود مهما صَغُر فله مهمة يؤديها، ودَوْر يقوم به. فأَوْلَى بك أيها الإنسان وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة، وأن يكون لك دور في الحياة فلستَ بأقلَّ من هذه المخلوقات التي سخَّرها الله لك، وإلاَّ صِرْت أقلّ منها وأدنى. إن كانت مهمة جميع المخلوقات أنْ تخدمك لأنك أعلى منها، فانظر إلى مهمتك لمَنْ هو أعلى منك، فإذا جاءك رسول من أعلى منك ليُنبِّهك إلى هذه المهمة كان عليك أن تشكره؛ لأنه نبَّهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به، وإلى مَنْ يجب عليك الاتصال به دائماً لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبداً؛ لأنه يُوضِّح لك مسائل كثيرة هي مَحَلٌّ للبحث العقلي. وكان على العقل البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه: ألك قدرة عليها؟ لقد خدمتْكَ منذ صِغَرِك قبل أنْ تُوجِّه إليها أمراً، وقبل أنْ توجدَ عندك القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء، كان عليك أنْ تتنبه إلى القوة الأعلى منك ومن هذه المخلوقات، القوة التي سخَّرَتْ الكون كله لخدمتك، وهذا بَحْث طبيعي لا بُدَّ أن يكون. هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأبَّ عليك، ولم تتخلف يوماً عن خدمتك، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما: أقالت الشمس يوماً: إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف، فلن أطلع عليهم اليوم؟! الأرض: هل ضنَّتْ في يوم على زارعها؟ الريح: هل توقفتْ عن الهبوب. وكلها مخلوقات أقوى منك، ولا قدرةَ لك عليها، ولا تستطيع تسخيرها، إنما هي في قبضة الله - عز وجل - ومُسخَّرة لك بأمره سبحانه، ولأنها مُسخَّرة فلا تتخلف أبداً عن أداء مهمتها. أما الإنسان فيأتي منه الفساد، ويأتي منه الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار. البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجوداً على حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} تفسير : [النور: 41]. فلكل مخلوق مهما صَغُر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدتَ اختلافاً بين الناس باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره. فإذا كان السجود يختلف بهذه الصورة في الجنس الواحد حَسْب حاله وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟ وإذا كان هذا حال السجود في الإنسان، فهل ننتظر مثلاً أن نرى سجود الشمس أو سجود القمر؟! ما دام الحق - سبحانه وتعالى - قال إنها تسجد، فلا بُدَّ أن نؤمن بسجودها، لكن على هيئة لا يعلمها إلا خالقها عز وجل. بالله، لو جلس مريض يصلي على مقعد أو على الفراش، أتعرف وهو أمامك أنه يسجد؟ إذن: كيف نطمع في معرفة كيفية سجود هذه المخلوقات؟ ومن معاني السجود: الخضوع والطاعة، فمَنْ يستبعد أن يكون سجود هذه المخلوقات سجوداً على الحقيقة، فليعتبر السجود هنا للخضوع والانقياد والطاعة، كما تقول على إنسان متكبر: جاء ساجداً يعني: خاضعاً ذليلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. إذن: لك أن تفهم السجود على أيِّ هذه المعاني تحب، فلن تخرج عن مراده سبحانه، ومن رحمة الله أنْ جعل هذه المخلوقات خاضعة لإرادته، لا تنحلّ عنها أبداً ولا تتخلف، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. ونحن نتناقل الآن، ونروي بعض حوارات السالكين وأهل المعرفة وأصحاب الفيوضات الذين فَهِموا عن الله وتذوَّقوا لذَّة قُرْبه، وكانوا يتحاورون ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار، إنما للترقي في القرب من الله. جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فَمِ أحدهم نَخْمة يريد أنْ يبصقها، وبدتْ عليه الحيرة، وهو ينظر هنا وهناك فقال لَه صاحبه: أَلْقِها واسترحِ، فقال: كيف وكلما أردتُ أنْ أبصقها سمعت الأرض تُسبِّح فاستحيْتُ أنْ أُلقيها على مُسبِّح، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه - وقد افتعل البَصْق وقال: مُسبِّح في مُسبِّح. إذن: فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح، ويعترفون به، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله، وما لديك من فَهْم وإدراك يكون تلقِّيك وتقبُّلك لمثل هذه الأمور الإيمانية. والحق - سبحانه وتعالى - حين قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ..} [الحج: 18] معلوم أن مَنْ في السماوات هم الملائكة ولسنْا منهم، لكن نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة، فلماذا قال بعدها: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} [الحج: 18]. كلمة: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} [الحج: 18] تُبيّن أن لنا قهريةً وتسخيراً وسجوداً كباقي أجناس الكون، ولنا أيضاً منطقة اختيار. فالكافر الذي يتعوَّد التمرُّد على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر، ويأمره بالطاعة فيعصي، فلماذا لا يتمرد على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إنْ أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت إنْ حَلَّ به؟ إذن: الإنسان مُؤتمِر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن، وكثير حَقَّ عليه العذاب. لكن، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - الخَلْق جميعاً مُسخَّرين؟ قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل، إنما لا تُثبت لله المحبوبية، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حُرَّا مختاراً في أنْ تُؤمنَ أو تكفر فتختار الإيمان، وأنْ تكون حُراً وقادراً على المعصية، لكنك تطيع. وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أن عندك عبدين، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلاً، وتترك الآخر حُراً، فإن ناديتَ عليهما أجاباك، فأيهما يكون أطْوعَ لك: المقهور المجبر، أم الحر الطليق؟. إذن: التسخير والقهر يُثبت القدرة، والاختيار يُثبت المحبة. والخلاف الذي حدث من الناس، فكثير منهم آمن، وكثير منهم حَقَّ عليه العذاب، من أين هذا الاختلاف يا رب؟ مما خلقتُه فيك من اختيار، فمَنْ شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فكأن كفر الكافر واختياره؛ لأن الله سَخَّره للاختيار، فهو حتى في اختياره مُسخَّر. أما قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ..} [الحج: 18] يعني: باختياراتهم، وكان المفروض أن يقول في مقابلها: وقليل، لكن هؤلاء كثير، وهؤلاء كثير أيضاً. ومعنى: {حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} [الحج: 18] حقَّ: يعني ثبتَ، فهذا أمر لا بُدَّ منه، حتى لا يستوي المؤمن والكافر: {أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [القلم: 35] إذن: لا بُدَّ أنْ يعاقب هؤلاء، والحق يقتضي ذلك. وقوله سبحانه: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] لأن أحقيَّة العذاب من مُساوٍ لك. قد يأتي مَنْ هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُيئَّسُ هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد. فمَنْ أراد الله إهانته فلن يُكرمه أحد، لابنُصْرته ولا بالشفاعة له، فالمعنى: {وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ ..} [الحج: 18] أي: بالعذاب الذي حَقَّ عليه وثبت {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ..} [الحج: 18] يعني: يكرمه ويُخلِّصه من هذا العذاب، كذلك لا يوجد مَنْ يُعِزه؛ لأن عِزَّته لا تكون إلا قَهْراً عن الله، وهذا مُحَال، أو يكون بشافع يشفع له عند الله، ولا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه سبحانه. لذلك، نقول: إن الحق سبحانه يُجير على خَلْقه ولا يُجَار عليه، يعني: لا أحد يقول لله: هذا في جواري؛ لذلك ذيَّلَ الآية بقوله تعالى: {ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18]. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):