٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : القراءة: روي عن الكسائي {خَصْمَانِ } بكسر الخاء، وقرىء {قُطّعَتْ } بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ رُدُّواْ فِيهَا } الحسن {يُصْهَرُ } بتشديد الهاء للمبالغة، وقرىء {وَلُؤْلُؤاً } بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر ههنا كيفية اختصامهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ }، والجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: {هَـٰذَانِ } للفظ واختصموا للمعنى كقوله: { أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ } تفسير : [محمد:16]. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الخصمين وجوهاً: أحدها: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة {فِى رَبّهِمْ } أي في ذاته وصفاته وثانيها: روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم وثالثها: روى قيس ابن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة. ورابعها: قال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله: {هَـٰذَانِ } كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة، وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الحج: 17] أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكماً فبين الله تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة: أحدها: قوله: {قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: { أية : لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } تفسير : [الأعراف: 41] عن أنس، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى: { أية : سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } تفسير : [إبراهيم: 5] وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: { أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الكهف: 99]، { أية : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } تفسير : [ق: 21] لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع. وثانيها: قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهمْ ٱلْحَمِيمُ } يصهر به ما في بطونهم والجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، (يصهر) أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله: { أية : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 15]. وثالثها: قوله: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } المقامع السياط وفي الحديث «حديث : لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها» تفسير : وأما قوله: {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا } فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه: أحدها: المسكن، وهو قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }، وثانيها: الحلية، وهو قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة. وثالثها: الملبوس وهو قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }، ورابعها: قوله: {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } وفيه وجوه: أحدها: أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله: { أية : وَمَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً } تفسير : [إبراهيم: 24] وقوله: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10] وهو صراط الحميد لقوله: { أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الشورى: 52]، وثانيها: قال السدي (وهدوا إلى الطيب من القول) هو القرآن. وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده. ورابعها: أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام، وهو معنى قوله: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24] وعندي فيه وجه. خامس: وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله: {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ } والتعبير عنها هو المراد من قوله: {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} خرّج مسلم عن قيس بن عُبَاد قال: سمعت أبا ذَرٍّ يُقسم قَسَماً إنّ «هذان خصمان اختصموا في ربهم» إنها نزلت في الذين بَرَزُوا يوم بدر: حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بن الحارث رضي الله عنهم وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيات الثلاث على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين؛ وسمّاهم، كما ذكر أبو ذر. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأوّل من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة؛ يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه؛ ذكره البخاري. وإلى هذا القول ذهب هلال بن يَساف وعطاء بن يَسار وغيرهما. وقال عكرمة: المراد بالخصمين الجنة والنار؛ اختصمتا فقالت النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة خلقني لرحمته. قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديثٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اِحتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه: أنت عذابي أعذب بِك من أشاء وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها»تفسير : . خرّجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ابن عباس أيضاً: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم كتاباً، ونبيُّنا قبل نبيّكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وتركتموه وكفرتم به حسداً؛ فكانت هذه خصومتَهم، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قول قتادة، والقول الأوّل أصح رواه البخاري عن حَجّاج بن مِنْهال عن هُشيم عن أبي هاشم عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُباد عن أبي ذر، ومسلمٌ عن عمرو بن زُرَارة عن هُشيم، ورواه سليمان التيميّ عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُباد عن عليّ قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر «هذان خصمان اختصموا في ربهم ـ إلى قوله ـ عذاب الحريق». وقرأ ابن كثير «هذانّ خصمان» بتشديد النون من «هذان». وتأوّل الفرّاء الخصْمَين على أنهما فريقان أهل دينين، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود والنصارى، اختصموا في دين ربهم؛ قال: فقال: «اختصموا» لأنهم جمع، قال: ولو قال «اختصما» لجاز. قال النحاس: وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل التفسير؛ لأن الحديث في هذه الآية مشهور، رواه سفيان الثَّوْرِي وغيره عن أبي هاشم عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُباد قال: سمعت أبا ذَرٍّ يُقسم قَسَماً إن هذه الآية نزلت في حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس. وفيه قول رابع أنهم المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا؛ قاله مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رَبَاح وعاصم بن أبي النَّجُود والكلبي. وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم. وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء؛ إذ قال به قوم وأنكره قوم. {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني من الفِرق الذين تقدم ذكرهم. {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ} أي خِيطت وسُوِّيت؛ وشبّهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب. وقوله: {قُطِّعَتْ} أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار؛ وذُكر بلفظ الماضي لأن ما كان من أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقَّق؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116] أي يقول الله تعالى. ويحتمل أن يقال قد أعدّت الآن تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار. وقال سعيد بن جبير: «من نار» من نحاس؛ فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في «قطران» وليس في الآنية شيء إذا حَمِي يكون أشدّ حَرًّا منه. وقيل: المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم؛ فصارت من هذا الوجه ثياباً لأنها بالإحاطة كالثياب؛ مثل {أية : وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً} تفسير : [النبأ: 10]. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} أي الماء الحار المُغَلَّى بنار جهنم. وروى الترمذيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الحميم ليُصَبّ على رؤوسهم فينفذ الحمِيم حتى يَخْلُص إلى جوفه فيَسْلِت ما في جوفه حتى يَمْرُق من قدميه وهو الصَّهْر ثم يعاد كما كان»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. {يُصْهَرُ} يذاب. {بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} والصَّهر إذابة الشحم. والصُّهارة ما ذاب منه؛ يقال: صَهَرْت الشيء فانصهر؛ أي أذبته فذاب، فهو صهير. قال ابن أحمر يصف فرخ قَطاة:شعر : تَرْوِي لَقًى أُلْقِيَ في صَفْصفٍ تَصْهره الشمسُ فما يَنْصَهِرْ تفسير : أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك. {وَٱلْجُلُودُ } أي وتُحرق الجلود، أو تُشوى الجلود؛ فإن الجلود لا تذاب، ولكن يُضَمّ في كل شيء ما يليق به؛ فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريداً، إي والله ولبنا قارصاً؛ أي وسقاني لبناً. وقال الشاعر:شعر : عَـلَـفـتـهـا تـبـنـاً ومـاء بـاردا تفسير : {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} أي يُضربون بها ويدفعون؛ الواحدة مِقْمَعة، ومِقْمَع أيضاً كالمِحْجَن، يضرب به على رأس الفيل. وقد قَمَعته إذا ضربته بها. وقمعته وأقمعته بمعنًى؛ أي قهرته وأذللته فانقمع. قال ابن السِّكيت: أقمعت الرجلَ عنّي إقماعاً إذا طلع عليك فرددته عنك. وقيل: المقَامع المطارق، وهي المرازب أيضاً. وفي الحديث: «حديث : بيد كل مَلَك من خَزنة جهنم مِرْزَبَة لها شُعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفاً»تفسير : . وقيل: المقامع سياط من نار، وسُمّيت بذلك لأنها تقمع المضروب؛ أي تذلّله.
البيضاوي
تفسير : {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} أي فوجان مختصمان. ولذلك قال: {ٱخْتَصَمُواْ } حملاً على المعنى ولو عكس لجاز، والمراد بهما المؤمنون والكافرون. {فِى رَبّهِمْ} في دينه أو في ذاته وصفاته. وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقال اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبياً قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسداً فنزلت. {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فصل لخصومتهم وهو المعني بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ }تفسير : [الحج: 17] {قُطّعَتْ لَهُمْ } قدرت لهم على مقادير جثثهم، وقرىء بالتخفيف. {ثِيَابٌ مّن نَّارِ } نيران تحيط بهم إحاطة الثياب. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ ٱلْحَمِيمُ } حال من الضمير في {لَهُمْ } أو خبر ثان، والحميم الماء الحار.
ابن كثير
تفسير : ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدر، لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب: أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} وكذا روى العوفي عن ابن عباس. وقال شعبة عن قتادة في قوله: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} قال: مصدق ومكذب. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون. وقال عكرمة: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة. وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن، ولهذا قال: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ} أي: فصلت لهم مقطعات من النار، قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي، {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ} أي: إذا صب على رؤوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة. وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد عن أبي السمح عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» تفسير : ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال: حسن صحيح، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم عن ابن المبارك به. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه، تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه، فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ}. وقوله: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان، ما أقلوه من الأرض» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو ضرب الجبل بمقمع من حديد، لتفتت، ثم عاد كما كان، ولو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا» تفسير : وقال ابن عباس في قوله: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون بالثبور. وقوله: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها. وقوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} كقوله: {أية : وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [السجدة: 20] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَانِ خَصْمَانِ } أي المؤمنون خصم والكفار الخمسة خصم، وهو يطلق على الواحد والجماعة {ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبّهِمْ } أي في دينه {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ } يلبسونها، يعني أحيطت بهم النار {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رءُوسِهِمْ ٱلْحَمِيمُ } الماء البالغ نهاية الحرارة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} والخصمان ها هنا فريقان، وفيهما أربعة أقاويل: أحدها: أنهما المسلمون والمشركون حين اقتتلوا في بدر، وهذا قول أبي ذر، وقال محمد بن سيرين: نزلت في الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر ثلاثة من المشركين فقتلوهم. والثاني: أنهم أهل الكتاب قالوا: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. ونحن خير منكم، فقال المسلمون كتابنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتم الأنبياء. ونحن أولى بالله منكم، وهذا قول قتادة. والثالث: أنهم أهل الإِيمان والشرك في اختلافهم في البعث والجزاء، وهذا قول مجاهد، والحسن، وعطاء. والرابع: هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لنقمته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، وهذا قول عكرمة. {فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعْتَ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} معناه أن النار قد أحاطت بها كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم، فصارت من هذا الوجه ثياباً، لأنها بالإِحاطة كالثياب. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ} ها هنا هو الماء الحار، قال الشاعر: شعر : كأن الحميم على متنها إذا اغترفته بأطساسها جُمان يحل على وجنةٍ علته حدائد دوّاسها تفسير : وضم الحميم إلى النار وإن كانت أشد منه لأنه ينضج لحومهم، والنار بانفرادها تحرقها، فيختلف به العذاب فيتنوع، فيكون أبلغ في النكال. وقيل إنها نزلت في ثلاثة من المسلمين قتلوا ثلاثة من المشركين يوم بدر حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة، وعليّ بن أبي طالب قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة. قوله تعالى: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يحرق به وهو قول يحيى بن سلام. والثاني: يقطع به، وهو قول الحسن. والثالث: ينضج به، وهو قول الكلبي ومنه قول العجاج: شعر : شك السفافيد الشواء المصطهرْ تفسير : والرابع: يذاب به، وهو قول مجاهد، مأخوذ من قولهم: صهرت الألية إذا أذبتها، ومنه قول ابن أحمر: شعر : تروي لقى ألقى في صفصفٍ تصهره الشمس فما ينْصهِر تفسير : {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} والمقامع: جمع مقمعة، والمقمعة ما يضرب به الرأس لا يعي فينكب أو ينحط.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَصْمَانِ} المسلمون المشركون لما اقتتلوا ببدر، أو نزلت في ثلاثة مسلمين بارزوا ثلاثة من المشركين فقتلوهم، أو أهل الكتاب قالوا: نبينا وكتابنا قد تقدما نبيكم وكتابكم ونحن خير منكم وقال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء ونحن أولى بالله منكم، أو المؤمنون والمشركون اختلفوا في البعث والجزاء، أو الجنة والنار اختصمتا فقالت النار خلقني الله ـ تعالى ـ لنقمته وقالت الجنة: خلقني الله ـ تعالى ـ لرحمته قاله عكرمة {قُطِّعَتْ} عبّر بتقطيع الثياب عن إحاطة النار بهم إحاطة الثوب بلابسه {الْحَمِيمُ} الماء الحار لأنه ينضج لحومهم والنار تحرقها، قيل نزلت في مبارزي بدر فقتل حمزة عتبة بن ربيعة، وقتل علي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وقتل عبيدة بن الحارث شيبة بن ربيعة.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} أي جادلوا في دينه وأمره واختلفوا في هذين الخصمين فروي عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يقسم قسماً أن هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم} نزلت في الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد من عتبة أخرجاه في الصحيحين (خ) عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة. قال قيس بن عبادة فيهم نزلت {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال هم الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة. قال محمد بن إسحاق: خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا رهط من الأنصار فقالوا حين انتسبوا أكفاء كرام ثم نادى مناديهم يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب"تفسير : فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم فذكروا أنفسهم قالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد ابن عتبة فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة وعلي الوليد واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان كلاهما أثبت صاحبه فكرّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا واحتملا عبيدة إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخها يسيل. فلما أتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيداً يا رسول الله قال: بلى فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حياً لعلم أنا أحق بما قال منه حيث يقول: شعر : ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل تفسير : وقال ابن عباس: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب قال أهل الكتاب نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم حسداً فهذه خصومتهم في ربهم وقيل هم المؤمنون والكافرون من أي ملة كانوا فالمؤمنون خصم والكفار خصم وقيل الخصمان الجنة والنار (ق) عن أبي هريرة قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : تحاجت الجنة والنار فقال النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقطهم"تفسير : زاد في رواية "حديث : وغزاتهم فقال الله عزّ وجلّ للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنّما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط قط فهنالك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم ربك من خلقه أحداً. وأما الجنة فإنّ الله تعالى ينشىء لها خلقاً"تفسير : وللبخاري "حديث : اختصمت الجنة والنار"تفسير : وهذا القول ضعيف والأقوال الأولى أولى بالصحة لأن حمل الكلام على ظاهره أولى وقوله هذان كالإشارة إلى سبب تقدم ذكره وهو أهل الأديان الستة وأيضاً فإنه ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته وذكر مآل الخصمين فقال تعالى: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حراً منه وسمي باسم الثياب. لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب وقيل يلبس أهل النار مقطعات من نار {يصب من فوق رؤوسهم الحميم} أي الماء الحار الذي انتهت حرارته {يصهر به} أي يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم {ما في بطونهم} من الشحوم والأحشاء {والجلود} عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنّ الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ حتى يخلص إلى جوف أحدهم، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان"تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح {ولهم مقامع من حديد} يعني سياط من حديد وهي الجزر من الحديد. وفي الخبر "حديث : لو وقع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض"تفسير : {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} يعني كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم {أعيدوا فيها} يعني ردوا إليها بالمقامع. قيل إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد فيهوون فيها سبعين خريفاً {وذوقوا عذاب الحريق} يعني تقول لهم الملائكة ذلك والحريق بمعنى المحرق فهذا وصف حال أحد الخصمين وهم الكفار وقال تعالى في وصف الخصم الآخر وهم المؤمنون {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} وهو الإبريسم الذي حرم لبسه على الرجال في الدنيا. عن معاوية هو جد بهز بن حكيم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد"تفسير : . أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح (ق) عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"تفسير : عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (ق) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"تفسير : . قوله تعالى {وهدوا} من الهداية يعني أرشدوا {إلى الطيب من القول} قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل هو لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله وقيل إلى القرآن وقيل هو قول أهل الجنة {أية : والحمد لله الذي صدقنا وعده}تفسير : [الزمر: 74] {وهدوا إلى صراط الحميد} يعني إلى دين الله وهو الإسلام والحميد هو الله المحمود في أفعاله.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ...} الآية، نزلت هذه الآيةُ في المتبارزين يوم بدر، وهم سِتَّةُ نفر: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعبيدة ابنُ الحارث (رضي اللّه عنهم) بَرَزُوا لعتبةَ بنِ ربيعة، والوليد بن عتبة، وشيبة بن ربيعة، قال علي بن أبي طالب: أنا أَوَّلُ مَنْ يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي اللّه تعالى، وأقسم أَبو ذَرٍّ على هذا القولِ ووقع في «صحيح البخاريِّ» (رحمه اللّه تعالى): أَنَّ الآيةَ فِيهم، وقال ابن عباس: الإِشارة إلى المؤمنين وأَهْلِ الكتاب؛ وذلك أَنَّهُ وقع بينهم تخاصم، فقالتِ اليهودُ: نحن أقدمُ دِيناً منكُم، ونحو هذا؛ فنزلت الآية، وقال مجاهد وجماعة: الإِشارة إلى المؤمنين والكُفَّارِ على العموم. قال * ع *: وهذا قولَ تَعْضُدُهُ الآية؛ وذلك أنه تَقَدَّمَ قولُه: {وَكَثِير مِن ٱلنَّاسِ} المعنى: هم مؤمنون ساجدون، ثم قال تعالى: {وَكَثِير حَق عَلَيهِ ٱلعَذَاب}، ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} والمعنى: أَن الإيمانَ وأهله، والكفرَ وأهله ـــ خصمان مذ كانا إلى يوم القيامة بالعداوة والجدال والحرب، وخصم مصدر يُوصَفُ به الواحد والجمع، ويَدُلُّ على أَنه أراد الجمع قوله: {ٱخْتَصَمُواْ}؛ فإنه قراءة الجمهور وقرأ ابن أبي عبلة: «اخْتَصَمَا». * ت *: وهذه التأويلاتُ مُتَّفِقَاتٌ في المعنى، وقد ورد أَنَّ أَوَّلَ ما يُقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء، ومن المعلوم أَنَّ أَوَّلَ مبارزة وقعت في الإسلام مبارزة عَليٍّ وأصحابه، فَلاَ جَرَمَ كانت أَوَّلَ خصومة وحكومة يوم القيامة؛ وفي «صحيح مسلم» عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ المَقْضِيِّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلاَئِقِ»تفسير : وفي رواية: «حديث : المَقْضِيِّ بَيْنَهُمْ».تفسير : وقوله: {فِي رَبِّهِم} أي: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل في رِضَى ربهم وفي ذاته. وقال * ص *: {فِي رَبِّهِم} أي: في دين ربهم، انتهى، ثم بَيَّنَ سبحانه حكم الفريقين، فتوعَّدَ تعالى الكُفَّارَ بعذابه الأليم، و {قُطِّعَتْ} معناه جُعِلَتْ لهم بتقدير كما يُفَصَّلُ الثوبُ، وروي: أَنَّها من نُحَاسٍ، و {يُصْهَرُ} معناه: يُذَابُ، وقيل: معناه: ينضج؛ قيل: إن الحميم بحرارته يُهْبِطُ كلَّ ما في الجوف ويكشطه، ويسلته، وقد روى أبو هريرةَ نحوَهُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنَّهُ يُسْلِتُهُ، وَيَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ، وَيُذِيبُهُ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ».تفسير : وقوله سبحانه: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} رُوِيَ فيه: أَنَّ لهب النار إذا ارتفع رفعهم؛ فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون الخروج، فتردهم الزَّبَانِيَةُ بمقامعِ الحديد، وهي المقارع.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} الآية. لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله، ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم. والخصم: في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالباً، وعليه قوله تعالى {أية : نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ} تفسير : [ص: 21]. ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث، وعليه هذه الآية. ولما كان كل خصم فريقاً يجمع طائفة قال "اختصموا" بصيغة الجمع كقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9] فالجمع مراعاة للمعنى وقرأ ابن أبي عبلة "اختصما" مراعاة للفظ وهي مخالفة للسواد. وقال أبو البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فيمن ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء. و"اخْتَصَمُوا" إنما جمع حملاً على المعنى لأن كل خصم تحته أشخاص. وقال الزمخشري: الخَصْم صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: "هَذَانِ" للفظ، و"اختَصَمُوا" للمعنى، كقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ} تفسير : [محمد: 16]، ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يراد المؤمنون والكافرون. قال شهاب الدين: إن عنى بقوله: أن خصماً صفة بطريق الاستعمال المجازي فمسلم، لأن المصدر يكثر الوصف به، وإن أراد أنه صفة حقيقية فخطأه ظاهر لتصريحهم بأن نحو رجل خَصْم مثل رجل عَدْل، وقوله: "هذان" للفظ. أي: إنما أشير إليهم إشارة المثنى، وإن كان في الحقيقة المراد الجمع باعتبار لفظ الفوجين والفريقين ونحوهما. وقوله: كقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ} تفسير : [محمد: 16] إلى آخره فيه نظر، لأن في تيك الآية تقدم شيء له لفظ ومعنى وهو "من"، وهنا لم يتقدم شيء له لفظ ومعنى. وقوله تعالى: {فِي رَبِّهِمْ} أي: في دين ربهم،، فلا بد من حذف مضاف أي جادلوا في دينه وأمره. وقرأ الكسائي في رواية عنه "خصمان" بكسر الخاء. واحتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ}. وأجيب بأن المعنى جمع كما تقدم. فصل اختلفوا في تفسير الخَصْمَيْن، فقيل: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم، وطائفة الكفار وجماعتهم، وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عاس: رجع أهل الأديان الستة "في رَبِّهِم" أي في ذاته وصفاته. وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تكتمونه، وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم. وقيل: هو ما روى قيس بن عباد عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن المغيرة. وقال علي - رضي الله عنه - أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله. وقال عكرمة: هما الجنة والنار. قالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله على محمد خبرهما. والأقرب هو الأول؛ لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره. وقوله: "هَذَانِ" كالإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهم الأديان الستة المذكورون في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} تفسير : [الحج: 17]. وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب واليهود من حيث قالوا في نبيهم وكتابهم ما حكينا فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل على أن قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الحج:17] أراد به الحكم، لأن ذلك التخاصم يقتضي أن الواقع بعده حكماً. فبين تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم ثلاثة أمور: أحدها: قوله: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ}، وهذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الحج: 17] قاله الزمخشري. وعلى هذا فيكون "هَذَانِ خَصْمَانِ" معترضاً، والجملة من "اخْتَصَمُوا" حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من "خَصْمَان" وقرأ الزعفراني في اختياره "قُطِعَتْ" مخفف الطاء، والقراءة المشهورة تفيد التكثير وهذه تحتمله. والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41]، وقال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب. وقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار. قوله: "يُصَبُّ" هذه الجملة تحتمل أن تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن تكون حالاً من الضمير في "لَهُمْ"، وأن تكون مستأنفة. والحميم الماء الحار الذي انتهت حرارته، قال ابن عباس: لو قطرت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. قوله: "يُصْهَر" جملة حالية من الحميم، والصهر الإذابة، يقال: صَهَرْتُ الشحم، أي: أذبته، والصهارة الألية المذابة، وصهرته الشمس: أذابته بحرارتها، قال: شعر : 3753- تَصْهَرُه الشَّمْسُ وَلاَ يَنْصَهِر تفسير : وسمي الصِّهْرُ صِهْراً لامتزاجه بأصهاره تخيلاً لشدة المخالطة. وقرأ الحسن في آخرين "يُصَهِّر" بفتح الصاد وتشديد الهاء مبالغة وتكثيراً لذلك، والمعنى: أن الحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم يذيب ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء. قوله: "والجُلُود" فيه وجهان: أظهرهما: عطفه على "ما" الموصولة، أي: يذيب الذي في بطونهم من الأمعاء، ويذاب أيضاً الجلود، أي يذاب ظاهرهم وباطنهم. والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: يحرق الجلود. قالوا: لأن الجلد لا يذاب إنما ينقبض وينكمش إذا صلي بالنار، وهو في التقدير كقوله: شعر : 3754- عَلَفْتُهَا تِبْناً (وَمَاءً بَارِداً) 3755- وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] فإنه على تقدير: وسقيتها ماء، وكحلن العيون، واعتقدوا الإيمان. قوله: "وَلَهُمْ مَقَامِعُ" يجوز في هذا الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على "الذين كفروا"، وفي اللام حينئذ قولان: أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى (على) كقوله: "وَلَهُمُ اللَّعْنَة" وليس بشيء. والوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق الكلام، وفيه بعد. "مِنْ حَدِيد" صفة لـ "مَقَامِعُ"، وهي مِقْمَعَة بكسر الميم، لأنها آلة القمع، يقال: قمعه يقمعه: إذا ضربه بشيء يزجره به، ويذله، والمقمعة: المطرقة، وقيل: السوط، أي: سياط من حديد، وفي الحديث "حديث : لَوْ وُضِعَتْ مِقْمَعَةٌ مِنْهَا في الأَرْضِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا الثَّقَلاَنِ (مَا أَقَلّوهَا) ". تفسير : قوله: "كُلَّمَا أَرَادُوا". "كُلّ" نصب على الظرف، وتقدم الكلام في تحقيقها في البقرة، والعامل فيها هنا قوله: "أُعِيدُوا". و"مِنْ غَمٍّ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من الضمير في "منها" بإعادة العمل بدل اشتمال كقوله: {أية : لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ} تفسير : [الزخرف: 33]، ولكن لا بد في بدل الاشتمال من رابط، فقالوا: هو مقدر تقديره: من غمها. والثاني: أنه مفعول له، ولما نقص شرط من شروط النصب جر بحرف السبب. وذلك الشرط هو عدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الخروج غير فاعل الغم، فإن الغم من النار والخروج من الكفار. واعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج، والمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها. ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضُرِبُوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً. قوله: "وَذُوقُوا" منصوب بقول مقدر معطوف على "أُعِيدُوا" أي: وقيل لهم: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، أي: المُحْرِق مثل الأليم والوجيع. قال الزجاج: هو لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. قوله: "يُحَلَّوْنَ" العامة على ضم الياء وفتح اللام مشددة من حلاه يُحَلِّيه إذا ألبسه الحليّ. وقرئ بسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وهو بمعنى الأول كأنهم عدوه تارة بالتضعيف وتارة بالهمزة. قال أبو البقاء: من قولك: أُحْلي أي: أُلبس الحلي هو بمعنى المشدد. وقرأ ابن عباس بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام مخففة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من حَلِيَت المرأة تَحْلَى فهي حال، وكذلك حَلِيَ الرجل فهو حال، إذا لبسا الحلي (أو صارا ذوي حليّ). الثاني: أنه من حَلِيَ بعيني كذا يحلى إذا استحسنه، و"من" مزيدة في قوله "من أساور" قال: فيكون المعنى: يستحسنون فيها الأساور الملبوسة ولما نقل أبو حيان هذا الوجه عن أبي الفضل الرازي قال: وهذا ليس بجيد، لأنه جعل حلي فعلاً متعدياً، ولذلك حكم بزيادة (من) في الواجب، وليس مذهب البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز، لأنه لا يحفظ بهذا المعنى إلا لازماً، فإن كان بهذا المعنى كانت "من" للسبب، أي بلباس أساور الذهب يُحَلّون بعين من رآهم أي يحلى بعضهم بعين بعض. وهذا الذي نقله عن أبي الفضل قاله أبو البقاء، وجوز في مفعول الفعل وجهاً آخر فقال: ويجوز أن يكون من حلي بعيني كذا إذا حسن، وتكون "من" مزيدة، أو يكون المفعول محذوفاً و"مِنْ أَسَاوِرَ" نعت له. فقد حكم عليه بالتعدي ليس إلا، وجوز في المفعول الوجهين المذكورين. والثالث: أنه من حلي بكذا إذا ظفر به، فيكون التقدير: يُحَلَّوْنَ بأساور، و"من" بمعنى الباء، ومن مجيء حلي بمعنى ظفر قولهم: لم يَحْلَ فلان بطائل أي: لم يظفر به. واعلم أن حلي بمعنى لبس الحلي أو بمعنى ظفر من مادة الياء لأنها من الحلية وأما حلي بعيني كذا، فإنه من مادة الواو؛ لأنه من الحلاوة، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}. في من الأولى ثلاثة أوجه: أحدها: أنها زائدة كما تقدم تقريره عن الرازي وأبي البقاء، وإن لم يكن من أصول البصريين. الثاني: أنها للتبعيض أي: بعض أساور. الثالث: أنها لبيان الجنس قاله ابن عطية، وبه بدأ وفيه نظر، إذ لم يتقدم شيء مبهم وفي "مِنْ ذَهَبٍ" لابتداء الغاية، وهي نعت لأساور. كما تقدم. وقرأ ابن عباس "مِنْ أسور" دون ألف ولا هاء، وهو محذوف من "أساور" كما قالوا: جندل والأصل جنادل. قال أبو حيان: وكان قياسه صرفه، لأنه نقص بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنعه الصرف. قال شهاب الدين: فقد جعل التنوين في جندل المقصور من جنادل تنوين صرف، وقد نصَّ بعض النحاة على أنه تنوين عوض، كهو في جوارٍ وغواشٍ وبابهما والأساور جمع سوار. قوله: "ولُؤْلُؤاً" قرأ نافع وعاصم بالنصب، والباقون بالخفض. فأما النصب ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: ويؤتون لؤلؤاً، ولم يذكر الزمخشري غيره، وكذا أبو الفتح حمله على إضمار فعل. الثاني: أنه منصوب نسقاً على موضع "مِنْ أَسَاوِرَ" وهذا كتخريجهم "وَأَرْجُلَكُم" بالنصب عطفاً على محل "برؤوسكم"، ولأن {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} في قوة: يلبسون أساور، فحمل هذا عليه. الثالث: أنه عطف على "أَسَاوِرَ"، لأن "من" مزيدة فيها كما تقدم. الرابع: أنه معطوف على ذلك المفعول المحذوف، التقدير يحلون فيها الملبوس من أساور ولؤلؤاً فـ "لُؤلُؤاً" عطف على الملبوس. وأما الجر فعلى وجهين: أحدهما: عطفه على "أَسَاوِر". والثاني: عطفه على "مِنْ ذَهَب"، (لأنَّ السوار يتخذ من اللؤلؤ أيضاً بنظم بعضه إلى بعض. فقد منع أبو البقاء أن يعطف على "ذَهَب"). قال: لأنَّ السوار لا يكون من اللؤلؤ في العادة. قال شهاب الدين: بل قد يتخذ منه في العادة السوار. واختلف الناس في رسم هذه اللفظة في الإمام فنقل الأصمعي أنها في الإمام "لؤلؤ" بغير ألف بعد الواو. ونقل الجحدري أنها ثابتة في الإمام بعد الواو وهذا الخلاف بعينه قراءة وتوجيهاً جارٍ في حرف فاطر أيضاً. وقرأ أبو بكر في رواية المعلى بن منصور عنه "لؤلؤاً" بهمزة أولاً وواواً آخراً وفي رواية يحيى عنه عكس ذلك. وقرأ الفياض "ولولياً" بواو أولاً وياء آخراً، والأصل "لؤلؤاً" أبدل الهمزتين واوين، فبقي في آخر الاسم واو بعد ضمة، ففعل فيها ما فعل بأدل جمع دلو بأن قلبت الواو ياء والضمة كسرة. وقرأ ابن عباس "وَليلياً" بياءين فعل ما فعل الفياض ثم أتبع الواو الأولى للثانية في القلب وقرأ طلحة "وَلُولٍ" بالجرِ عطفاً على المجرور قبله، وقد تقدم، والأصل وَلُولُو بواوين ثم أعل إعلال أَدْلٍ. واللؤلؤ قيل: كبار الجوهر، وقيل: صغاره. قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي أنهم يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم والمعنى أنه تعالى يوصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا. قال عليه السلام "حديث : مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرة، فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه ". تفسير : قوله: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}. يجوز أن يكون "من القول" حالاً من "الطيب"، وأن يكون حالاً من الضمير المستكن فيه. و"من" للتبعيض أو للبيان. قال ابن عباس: الطيب من القول: شهادة أن لا إله إلا الله، ويؤيد هذا قوله: {أية : مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} تفسير : [إبراهيم: 24] وقوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} تفسير : [فاطر: 10]. وهو صراط الحميد، لقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله. وقال السدي: هو القرآن. وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو قول أهل الجنة: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} تفسير : [الزمر: 74]. {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} إلى دين الله وهو الإسلام، و"الحميد" هو الله المحمود في أفعاله.
ابو السعود
تفسير : {هَـٰذَانِ} تعيـينٌ لطرفَيْ الخصامِ وإزاحةٌ لما عسى يتبادرُ إلى الوهمِ من كونِه بـين كل واحدةٍ من الفرقِ الستِّ وبـين البواقي وتحريرٌ لمحلِّه أي فريق المؤمنينَ وفريقُ الكفرةِ المنقسمُ إلى الفرقِ الخمسِ {خَصْمَانِ} أي فريقانِ مختصمانِ وإنما قيل: {ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبّهِمْ} حملاً على المعنى أي اختصمُوا في شأنِه عزَّ وجلَّ، وقيل في دينه، وقيل ذاته وصفاته والكّل من شؤونه تعالى فإنَّ اعتقادَ كل من الفريقينِ بحقيَّةِ ما هُو عليه وبُطلانِ ما عليه صاحبُه وبناءَ أقوالِه وأفعالِه عليه خصومةٌ للفريقِ الآخرِ وإنْ لم يجرِ بـينهما التَّحاورُ والخصامُ، وقيل: تخاصمتِ اليَّهودُ والمؤمنونَ فقالتِ اليَّهودُ: نحنُ أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتاباً ونبـيُّنا قبل نبـيِّكم، وقال المؤمنون: نحنُ أحقُّ بالله منكُم آمنَّا بمحمَّدٍ وبنبـيِّكم وبما أَنزل الله من كتابٍ وأنتمُ تعرفون كتابَنا ونبـيَّنا ثم كفرتُم به حسداً فنزلت {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفصيل لما أُجمل في قوله تعالى: {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} {قُطّعَتْ لَهُمْ} أي قُدِّرت على مقاديرِ جُثثهم، وقُرىء بالتَّخفيفِ {ثِيَابٌ مّن نَّارِ} أي نيرانٍ هائلةٍ تحيطُ بهم إحاطةَ الثِّيابِ بلابسِها {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ ٱلْحَمِيمُ} أي الماءُ الحارُّ الذي انتهتْ حرارتُه، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: لو قطرت قطرةٌ منها على جبال الدُّنيا لأذابتَها. والجملةُ مستأنفةٌ أو خبرٌ ثانٍ للموصولِ أو حالٌ من ضميرِ لهم {يُصْهَرُ بِهِ} أي يُذاب {مَا فِى بُطُونِهِمْ} من الأمعاءِ والأحشاءِ، وقُرىء يُصهَّر بالتَّشديدِ {وَٱلْجُلُودُ} عطف على مَا وتأخيرُه عنه إمَّا لمراعاة الفواصلِ أو للإشعارِ بغاية شدَّةِ الحرارةِ بإيهامِ أنَّ تأثيرَها في الباطنِ أقدمُ من تأثيرِها في الظَّاهرِ مع أنَّ ملابستَها على العكسِ والجملةُ حالٌ من الحميمُ. {وَلَهُمْ} للكفرةِ أي لتعذيبهم وأجلِهم {مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} جمع مِقْمعةٍ وهي آلةُ القمعِ. {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي أشرفُوا على الخروجِ من النَّار ودَنَوا منه حسبما يُروى أنَّها تضربُهم بلهيبها فترفعُهم حتَّى إذا كانُوا في أعلاها ضُربوا بالمقامعِ فهوَوا فيها سبعينَ خريفاً {مِنْ غَمّ} أي من غمَ شديدٍ من غمومِها وهو بدلُ اشتمالٍ من الهاء بإعادة الجارِّ والرابط محذوفٌ كما أُشير إليه أو مفعولٌ له للخروج {أُعِيدُواْ فِيهَا} أي في قعرِها بأنْ رُدُّوا من أعاليها إلى أسافلِها من غيرِ أنْ يُخرجوا منها {وَذُوقُواْ} على تقدير قولٍ معطوفٍ على أعيدوا أي وقيل لهم: {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي الغليظَ من النَّارِ المنتشر العظيم الإهلاك.
القشيري
تفسير : أما الذين كفروا فلهم اليومَ لباسُ الشرْكِ وطِرازُه الحرمان، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان. وفي الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران، قال تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. أمَّا أصحابُ الإيمانِ فلِباسُهم اليومَ التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشِّرْكِ ثم مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكونِ إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله وفي الآخرة لِباسُهم فيها حريرٌ، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد؛ فلا حالَ ولا مقامَ ولا منزلةَ ولا محل وهم الغُرَبَاءُ، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رِقِّ كل ما لَحِقهُ التكوين.
اسماعيل حقي
تفسير : {هذان} اى فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم الى الفرق الخمس {خصمان} اى فريقان مختصمان {اختصموا} [جنك كردند وجدل نمودند] {في ربهم} في شأنه او فى دينه او فى ذاته وصفاته والكل من شؤنه فان اعتقاد كل من الفريقين بحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء اقواله وافعاله عليه خصوصة للفريق الآخر وان لم يجر بينهما التحاور والخصام شعر : اهل دين حق وانواع ملل مختصم شد بى زبان اندر علل تفسير : {فالذين كفروا} تفصيل لما اجمل فى قوله يفصل بينهم يوم القيامة {قطعت لهم} التقطيع [باره باره كردن] ولمراد هنا قدرت على مقادير جثتهم {ثياب من نار} اى نيران هائلة تحيط بهم احاطة الثياب بلابسها {يصب} [ريخته ميشود] صب الماء اراقته من اعلى {من فوق رؤسهم الحميم} اى الماء الحار الذى انتهت حراته لو قطرت قطرة منه على جبال الدنيا لاذابتها، قال الراغب الحميم الماء الشديد الحرارة وسمى العرق حميما على التشبيه واستحمّ الفرس عرق وسمى الحمام حماما اما لانه يعرق واما لما فيه من الماء الحار والحمى سميت بذلك اما لما فيها من الحرارة المفرطة واما لما يعرض فيها من الحميم اى العرق واما لكونها من امارات الحمام اى الموت
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خصمان}: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: {اختصموا}؛ بالجمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {هذان خصمان} أي: مختصمان {اختصموا} أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: (راجع إلى أهل الأديان المذكورة)؛ فالمؤمنون خَصْمٌ، وسائرُ الخمسة خصمٌ، تخاصموا {في ربهم} أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويُبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون؛ فقالت اليهودُ: نحن أحق بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به؛ حسدًا. وكان أبو ذر يُقسِمُ أنها نزلَتْ في ستة نفر من قريش، تبارَزوا يوم بَدر؛ حمزةُ وعليٌّ، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعةَ، والوليدُ. وقال عليّ رضي الله عنه: إني لأوَّلُ من يجثو بين يدَيِ الله يوم القيامة؛ للخُصومة. هـ. ثم بيَّن الفصل بينهم، المذكور في قوله: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة}، فقال: {فالذين كفروا} بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، {قُطِّعَت لهم ثيابٌ من نار} أي فصّلت وقُدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبَّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه. {يُصَبُّ من فوق رؤوسهم الحميمُ} أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: "لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها". {يُصهَرُ}: يُذاب {به} أي: بالحميم، {ما في بطونهم} من الأمعاء والأحشاء، {والجلودُ} تذاب أيضًا، فيُؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بُدلت. وتقديم ما في الباطن؛ للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. {ولهم مقامعُ من حديدٍ} أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سيَاط من حديد، يُضربون بها. {كُلما أرادوا أن يخرجوا منها} أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما رُويَ: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضُربوا بالمقامع، فَهَوَوْا فيها سبعين خريفًا. وقوله: {من غَمّ}: بدل اشتمال من ضمير {منها}؛ بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها {أُعيدوا فيها} أي: في قعرها، بأن رُدوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، {و} قيل لهم: {ذُوقوا عذابَ الحريق} أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: {إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار}، وغيَّر الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عزّ وجلّ، وتصدير الجملة بحرف التأكيد؛ إيذانًا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارًا لمزيد العناية بحال المؤمنين، {يُحلَّون فيها} من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى {من أساورَ} أي: بعض أساور: جمع سوار، {من ذهبٍ} للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، {ولؤلؤًا}، من جَرَّهُ: عَطَفَهُ على {ذهب}، أو {أساور}، ومَنْ نَصَبَهُ: فعلى محل {من أساور}، أي: ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، أو بفعل محذوف، أي: ويُؤْتَوْنَ لؤلؤًا. {ولباسُهُم فيها حريرٌ}: أبريسِمْ، وغيَّر الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرًا؛ لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غَنِيُّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أيُّ لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودًا بالذات. انظر أبا السعود. {وهُدُوا إِلى الطيب من القول}، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فَاطِر: 10]. {وهُدُوا إِلى صراط الحميد} أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم اللهُ في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يُرى في دار الدنيا، ولا تُمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يُرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموسُ العرفان، فتُغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كُلف أن يرى غيره لم يستطع؛ إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: (مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه). وفي مناجاة الحكم العطائية: "إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان). وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنِّه وكرمه. ثمَّ شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج
الجنابذي
تفسير : {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال من يجادل فى الله والمؤمنين الّذين يجادلون الكفّار معهم فى الله؟- فقال: هذان خصمان والخصم فى الاصل مصدر يطلق على المؤنّث والمذكّر والمثنّى والمجموع، او هو وصف كذلك وقد يثنّى ويجمع كما هنا {ٱخْتَصَمُواْ} اى تجادلوا {فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنى الّذين يجادلون فى الله بغير علمٍ {قُطِّعَتْ} كناية عن الخياطة واستعمله ههنا تهكّماً واستهزاءً {لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ} واتى بالماضى للاشعار بتحقّق وقوعه {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} الحميم الماء الحارّ والماء البارد ضدّ.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قَال: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالَى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ}. فَالَّذِيْنَ آمَنُوا: عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيْدُ. يَوْمَ بَدْرٍ.
فرات الكوفي
تفسير : {هذان خَصْمانِ اخْتَصَموا في ربّهم فالذين كفروا قُطِّعَتْ لهم ثياب من نار... وذوقوا عذاب الحريق* إِنّ الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات... وهدوا إِلى صراط الحميد19-24} فرات قال: حدّثني عبد السلام بن مالك وسعيد بن الحسن بن مالك معنعناً: عن السدي [قال. ر، خ]: حديث : {هذان خصمان اختصموا في ربهم} الآيتين نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وفي عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة بارزهم يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "هؤلاء الثلاثة يوم القيامة كواسطة القلادة في المؤمنين وهؤلاء الثلاثة كواسطة القلادة في الكفار" . تفسير : فرات قال: حدّثني أحمد بن الحسن بن إِسماعيل بن صبيح معنعناً: عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر {هذان خصمان اختصموا في ربهم} وهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. قال: حدّثني عبيد بن عبد الواحد معنعناً: عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر قال: لما كان يوم بدر برز عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة فقال عتبة: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا فقام فئة [ب، ر: فتية] من الأنصار فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: اجلسوا قد أحسنتم فلما رأى حمزة أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم.أ،ب] يريد شيئاً قام حمزة ثم قال علي ثم قام عبيدة عليهم البيض قال: تكلموا يا أهل البيض نعرفكم فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب وقال علي: أنا علي بن أبي طالب وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقالوا: أكفاء كرام، فتبارز حمزة عتبة فقتله حمزة وبارز علي الوليد فقتله علي وبارز عبيدة شيبة فانعض كل واحد منهما فمال عليه علي فأجهز [ن: فأجاز] عليه واحتمل عبيدة أصحابه وكانوا هؤلاء من المسلمين كواسطة القلادة من القلادة وكانوا هؤلاء من المشركين كواسطة القلادة من القلادة فنزلت هذه الآيات [ر، ب: الآية]: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} حتى بلغ {فذوقوا عذاب الحريق} فهذا في هؤلاء المشركين ونزلت {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} حتى بلغ {إِلى صراط الحميد} فهذا في هؤلاء المسلمين.
اطفيش
تفسير : {هَذَانِ} وشدد ابن كثير النون ومكن حرف العلة قبله وكذا في و(اللذان) يأتيانها وفي ان (هذان) وفي هاتين وفي ارنا اللذين {خَصْمَانِ} اي فريقان يختصمان فالتثنية نظرا للفظ وجمع في قوله {اخْتَصَمُواْ فَي رَبِّهِم} نظرا للمعنى ولو عكس لصح. وقرأ ابن ابي عبلة اختصما والخصم في الاصل مصدر. وروي عن الكسائي خصمان بكسر الخاء والمراد (المؤمنون والكافرون اختصموا في دين ربهم أو ذاته وصفاته). وروي ان اليهود؛ قيل: والنصارى قالوا للمؤمنين: نحن أحق بالله منكم واقدم كتابا ونبيا وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وانتم تعرفون كتابنا ونبينا وكفرتم بهما حسدا. وروي انهم قالوا: نحن أحق بالله كتابا ناسخا لكتابكم ونبينا خاتم النبيين فقضى الله - جل وعلا - للمؤمنين بقوله إلى (الله يدخل الذين آمنوا) الخ وعلى الكفار بقوله (فالذين كفروا) إلى آخره. قال الشيخ هود رحمه الله قال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين تبارزوا يوم بدر فأما المؤمنون فعبيدة بن الحارث وحمزة وعلي واما المشركين فعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبه. قلت: روى قومنا عن قيس بن عمار انه سمع ابا ذر يحلف انها نزلت في الستة وحلف على انه أول من بحثوا يوم القيامة للخصومة وأول ما يقضى به يوم القيامة بين الناس الدماء وأول مبارزة وقعت في الاسلام مبارزة علي واصحابه فهي أول خصومة يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : نحن الآخرون في الدنيا والاولون في القضاء يوم القيامة " تفسير : روي انهحديث : خرج عتبة بن ربيعة وابن اخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعوا للمبارزة فخرج فتية من الانصار عوف ومعاذ ابنا الحارث واسم امهما عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا من انتم؟ فقال: رهط من الانصار فقالوا: ما لنا بكم من حاجة ثم نادى مناديهم يا محمد اخرج الينا اكفياءنا من قومنا فقال: صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث قم يا حمزة قم يا علي ولما دنوا منهم قالوا من انتم؟ فتسموا لهم فقالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة وكان لسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد وقتله فقتله تفسير : وقال في فتح الباري بارز حمزة عتبة وعبيدة شيبة وعلي الوليد قتله وقتل حمزة عتبة واختلف عبيدة وشيبة بضربتين وقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال حمزة وعلي عليه فقتلاه واحتملا عبيدة بل اعاناه على قتله. وروى ابو داود من علماء الاندلس ان حمزة لعتبة وعلي لشيبة وأثخن كل من عبيدة والوليد صاحبه أي اكثر جراحته ومال حمزة وعلي إلى الوليد فقتلاه واحتملا عبيدة وصح بعضهم ان عليا للوليد بانهما شابان والاربعة شيوخ. وروى حديث : ان عبيدة قطعت رجله فقال يا رسول الله بعد ما جاءوا به إليه والدم يسيل الست شهيداً؟ فقال: بلى؛ فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم اني احق بما قال منه تفسير : حيث قال: شعر : ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن ابنائنا والخلايل تفسير : وقبله ابيات منها متصلا به* شعر : كذبتم وبيت الله نبري محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل تفسير : وبعده ابيات منها متصلا به قال: شعر : وينهض قوم في الحديد إليكم نهوض الوفايا تحت ذات الصلاصل تفسير : وزعم البخاري وغيره ان الخصمين الجنة والنار. عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم حديث : تحاجت الجنة والنار قالت النار أوترت بالمتكبرين والمتجبرين فقالت الجنة فما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس فقال الله لها انت رحمتي ارحم بك من اشاء وقال للنار انما انت عذابي اعذب بك من اشاء تفسير : ولكل كما ملاها {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ} التشديد للمبالغة. وقرئ بالتخفيف {لَهُمْ ثِيابٌ مِن نَّارٍ} تجعل النار محيطة بهم كما يشتمل الثوب على لابسه. وقيل: تجعل لهم ثياب من نار على قدر اجسادهم ويجوز انه اراد لكل واحد منهم ثيابا بعضها فوق بعض من النار. وقال سعيد بن جبير: ثياب من نار وثياب من نحاس مذاب وليس من الآنية شئ إذا احمى اشد حرا منه ولما كان من نحاس النار. قيل: من النار أو لانه محمي بالنار أو لانه احر كالنار {يُصَبٌ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ} الماء الحار غاية.
اطفيش
تفسير : {هذان خصمان} الفريق المؤمن والفريق الكافر الشامل للخمس، قاله ابن عباس رضى الله عنهما، ومجاهد وعطاء، والحسن عاصم والكلبى، وأخرج ابن جرير، وابن مردوية عن ابن عباس أنهما اليهود المؤمنون، وأخرج البخارى ومسلم، والترمذى وابن ماجه، والطبرانى وغريهم، عن أبى ذر رضى الله عنه: إنه كان يقسم أن الآية فى الثلاثة: حمزة وعبيدة بن الحارث وعلى، والثلاثة المحاربين لهم يوم بدر: عتبة وشيبة ابنى ربيعة، والوليد بن عتبة، وقيل الجنة النار، واعترض الأقوال الثلاثة بقوله تعالى: {اختصموا فى ربهم} لأن اختصام الجنة والنار، بأن النار تقول: خلقنى الله للأقوياء الجبارين، والجنة تقول: خلقنى الله لأحبابه، والثلاثة قاتلوا الثلاثة بلا خصام، واليهود قالوا: نحن أفضل لقدم ديننا ونبينا، والمؤمنون قالوا: نحن أفضل لأنا آمنا بنبيكم وكتابكم، وكما آمنا بنبينا وكتابنا، وأنتم كفرتم بهما حسداً، وليس شىء من ذلك اختصاماً فى الله، وقد يجاب بأنه يستلزم الخصام فى الله. {فالَّذين كفروا قُطِّعت} شدد للمبالغة {لَهْم ثيابٌ من نارٍ} طبقات منها متراكمة على قدر أجسامهم، كتراكم الثياب بعض على بعض، وليس فى ذلك استعارة تمثيلية، بل الاستعارة فى ثياب فقط، وعن سعيد بن جبير: أن الثياب قطع من نحاس مذاب، وإذا حمى فى النار النحاس فلا شىء أحر منه، وهى كسوة قبيحة كما قال وهب: يكسى أهل النار والعرى خير لهم، ثم إن كانت تلك الطبقات أو ذلك النحاس مقطعة قبل نزول الآية، فالماضى على حقيقته فى المضى، ونفس التقطيع، وإلا أريد بالتقطيع القضاء بها، أو اعدادها فى اللوح المحفوظ وعلمه تعالى، فالماضى على حقيقته فى المضى مجاز فى التعبير عن الأعداد أو الفضاء بالمسبب واللازم عن السبب والملزوم، والنار والجنة، وجدتا الآن، وليس فى ذلك تعبير بالماكى لتحقق وقوعه على أنه لا مانع من أنهما موجودتان، التقطيع مؤخر الى يوم القيامة، فيكون عبر بالماضى فتحقق الوقوع بعد، اللام للاستحقاق، أو للفائدة تهكماً بهم: أو على التعليل على حذف مضاف، أى لتعذيبهم، وكذا فى قوله: "أية : ولهم مقامع" تفسير : [الحج: 21] ويضعف أن تكون فيهما بمعنى على. {يُصبُّ مِنْ فوق رءوسهم الحميمُ} الماء البالغ النهاية فى الحرارة إذا طلبوا الماء للشرب أو خطر فى بالهم، لو سقط منه نقطة على جبال الدنيا كلها لإذابتها، ذكره ابن عباس وهو المشهور، وقال سعيد بن جبير: النحاس المذاب، وذكر من بيانا لشديد الصب، بأنه يعم الفوق كله، وتلويحا الى أنه ينتهى أثره الى أسفله، والجملة مستأنفة، أو حال مقدرة من هاء لهم، لأن الصلب لم يوجد الآن، ولو وجد التقطيع أو خبر ثان للذين.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبّهِمْ} تعيين لطرفي الخصام وتحرير لمحله فالمراد بهذان فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى الفرق الخمس. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وعطاء بن أبـي رباح والحسن وعاصم والكلبـي ما يؤيد ذلك وبه يتعين كون الفصل السابق بين المؤمنين ومجموع من عطف عليهم، ولما كان كل خصم فريقاً يجمع طائفة جاء {ٱخْتَصَمُواْ} بصيغة الجمع. وقرأ ابن أبـي عبلة {اختصما} مراعاة للفظ {خَصْمَانِ} وهو تثنية خصم؛ وذكروا أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد المذكر وغيره، قال أبو البقاء: وأكثر الاستعمال توحيده فمن ثناه وجمعه حمله على الصفات والأسماء، وعن الكسائي أنه قرأ {خصمان} بكسر الخاء، ومعنى اختصامهم في ربهم اختصامهم في شأنه عز شأنه، وقيل في دينه، وقيل في ذاته وصفاته والكل من شؤونه تعالى واعتقاد كل من الفريقين حقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء أقواله وأفعاله عليه يكفي في تحقق خصومته للفريق الآخر ولا يتوقف عن التحاور. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: تخاصمت المؤمنون واليهود فقالت اليهود: نحن أولى بالله تعالى وأقدم منكم كتاباً ونبياً قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله تعالى آمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله تعالى من كتاب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً فنزلت. وأخرج جماعة عن قتادة نحو ذلك. واعترض بأن الخصام على هذا ليس في الله تعالى بل في أيهما أقرب منه عز شأنه، وأجيب بأنه يستلزم ذلك وهو كما ترى. وقيل عليه أيضاً: إن تخصيص اليهود خلاف مساق الكلام في هذا المقام. وفي «الكشف» قالوا: إن هذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس من أن الآية ترجع إلى أهل الأديان الستة في التحقيق لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن أبـي ذر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} (إلى قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } تفسير : [الحج: 14]) / نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر هم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث وعلي بن أبـي طالب وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وأنت تعلم أن هذا الاختصام ليس اختصاماً في الله تعالى بل منشؤه ذلك فتأمل ولا تغفل. وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان. وفي الكلام كما قال غير واحد تقسيم وجمع وتفريق فالتقسيم {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} - إلى قوله تعالى - {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} والجمع {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الحج: 17] إلى قوله تعالى:{هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبّهِمْ} [الحج: 19] والتفريق في قوله سبحانه: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ} الخ أي أعد لهم ذلك، وكأنه شبه إعداد النار المحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم ففي الكلام استعارة تمثيلية تهكمية وليس هناك تقطيع ولا ثياب حقيقة، وكأن جمع الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم وكون بعضها فوق بعض. وجوز أن يكون ذلك لمقابلة الجمع بالجمع والأول أبلغ، وعبر بالماضي لأن الإعداد قد وقع فليس من التعبير بالماضي لتحققه كما في { أية : نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الكهف: 99]. وأخرج جماعة عن سعيد بن جبير أن هذه الثياب من نحاس مذاب وليس شيء حمي في النار أشد حرارة منه فليست الثياب من نفس النار بل من شيء يشبهها وتكون هذه الثياب كسوة لهم وما أقبحها كسوة. ولذا قال وهب: يكسى أهل النار والعري خير لهم. وقرأ الزعفراني في اختياره {قطعت} بالتخفيف والتشديد أبلغ. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} أي الماء الحار الذي انتهت حرارته، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو سقط من الحميم نقطة على جبال الدنيا لأذابتها، وفسره ابن جبير بالنحاس المذاب، والمشهور التفسير السابق، ولعله إنما جىء بمن ليؤذن بشدة الوقوع؛ والجملة مستأنفة أو خبر ثان للموصول أو في موضع الحال المقدرة من ضمير {لَهُمْ}.
ابن عاشور
تفسير : مقتضى سياق السورة واتصال آي السورة وتتابعها في النزول أن تكون هذه الآيات متصلة النزول بالآيات التي قبلها فيكون موقع جملة {هذان خصمان} موقع الاستئناف البياني. لأن قوله {أية : وكثير حق عليه العذاب}تفسير : [الحج: 18] يثير سؤال من يسأل عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى، فجاءت هذه الجملة لتفصيل ذلك، فهي استئناف بياني. فاسم الإشارة المثنى مشير إلى ما يفيده قوله تعالى: {أية : وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب}تفسير : [الحج: 18] من انقسام المذكورين إلى فريقين أهل توحيد وأهل شرك كما يقتضيه قوله: {أية : وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب}تفسير : [الحج: 18] من كون أولئك فريقين: فريق يسجد لله تعالى، وفريق يسجد لغيره. فالإشارة إلى ما يستفاد من الكلام بتنزيله منزلة ما يشاهد بالعين، ومثلها كثير في الكلام. والاختصام: افتعال من الخصومة، وهي الجدل والاختلاف بالقول يقال: خاصمه واختصما، وهو من الأفعال المقتضية جَانبين فلذلك لم يسمع منه فعل مجرد إلا إذا أريد منه معنى الغلب في الخصومة لأنه بذلك يصير فاعله واحداً. وتقدم قوله تعالى: {أية : ولا تكن للخائنين خصيماً}تفسير : في[سورة النساء: 105]. واختصام فريقي المؤمنين وغيرهم معلوم عند السامعين قد ملأ الفضاءَ جلبتُه، فالإخبار عن الفريقين بأنهما خصمان مسوق لغير إفادة الخبر بل تمهيداً للتفصيل في قوله {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار}. فالمراد من هذه الآية ما يعمّ جميع المؤمنين وجميع مخالفيهم في الدّين. ووقع في «الصحيحين» عن أبي ذرّ: أنه كان يُقسِم أنَّ هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم} نزلت في حمزة وصاحبيه عليّ بن أبي طالب وعتبةَ بن الحارث الذين بارزوا يوم بدر شَيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليدَ بن عتبة. وفي «صحيح البخاري» عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمان للخصومة يوم القيامة. قال قيس بن عُبادة: وفيهم نزلت {هذان خصمان اختصموا في ربهم}. قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي، وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. وليس في كلام عليّ أنّ الآية نزلت في يوم بدر ولكن ذلك مدرج من كلام قيس بن عُبادة، وعليه فهذه الآية مدنيّة فتكون {هذان}إشارة إلى فريقين حاضرين في أذهان المخاطبين فنُزّل حضورُ قصتهما العجيبة في الأذهان منزلة المشاهدة حتى أعيد عليها اسم الإشارة الموضوع للمشاهد، وهو استعمال في كلام البُلغاء، ومنه قول الأحنف بن قيس: «خرجتُ لأنصر هذا الرجل» يريد عليّ بن أبي طالب في قصة صفّين. والأظهر أن أبا ذر عنى بنزول الآية في هؤلاء أن أولئك النفر الستة هم أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم، فعبر بالنزول وهو يريد أنهم ممن يقصد من معنى الآية. ومثل هذا كثير في كلام المتقدمين. والاختصام على الوجه الأول حقيقي وعلى الوجه الثاني أطلق الاختصام على المبارزة مجازاً مرسلاً لأن الاختصام في الدين هو سبب تلك المبارزة. واسم الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة إذا اتحدت خصومتهم كما في قوله تعالى: {أية : وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب}تفسير : [ص: 21] فلمراعاة تثنية اللفظ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة في قوله تعالى: {اختصموا في ربهم}. ومعنى {في ربهم} في شأنه وصفاته، فالكلام على حذف مضاف ظاهر. وقرأ الجمهور {هاذان} ــــ بتخفيف النون ــــ. وقرأه ابن كثير ــــ بتشديد النون ــــ وهما لغتان. والتقطيع: مبالغة القطع، وهو فصل بعض أجزاء شيء عن بقيته. والمراد: قطع شُقّة الثوب. وذلك أنّ الذي يريد اتخاذ قميص أو نحوه يقطع من شقة الثوب ما يكفي كما يريده، فصيغت صيغة الشدة في القطع للإشارة إلى السرعة في إعداد ذلك لهم فيجعل لهم ثياب من نار. والثياب من النار ثياب محرقة للجلود وذلك من شؤون الآخرة. والحميم: الماء الشديد الحرارة. والإصهار: الإذابة بالنار أو بحرارة الشمس، يقال: أصْهره وصهّره. وما في بطونهم: أمعاؤهم، أي هو شديد في النفاذ إلى باطنهم. والمقامع: جمع مِقمعة ــــ بكسر الميم ــــ بصِيغة اسم آلة القَمع. والقمع: الكف عن شيء بعنف. والمقمعة: السوط، أي يُضربون بسياط من حديد. ومعنى {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} أنهم لشدة ما يغمهم، أي يمنعهم من التنفس، يحاولون الخروج فيُعَادون فيها فيحصل لهم ألم الخيبة، ويقال لهم: ذوقوا عذاب الحريق. والحريق: النار الضخمة المنتشرة. وهذا القول إهانة لهم فإنهم قد علموا أنهم يذوقونه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أنواع عذاب أهل النار، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، وجاء مبيناً في آيات أخر من كتاب الله، فقوله هنا {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ} أي قطع الله لهم من النار ثياباً، وألبسهم إياها تنقد عليهم كقوله فيهم {أية : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ}تفسير : [إبراهيم: 50] والسرابيل: هي الثياب التي هي القمص، كما قدمنا إيضاحه، وكقوله {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41] والغواشي: جمع غاشية: وهي غطاء كاللحاف، وذلك هو معنى قوله هنا {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ} وقوله تعالى هنا {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} ذكره أيضاً في غير هذا الموضع كقوله {أية : ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 48-49] والحميم: الماء البالغ شدة الحرارة، وكقوله تعالى {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ}تفسير : [الكهف: 29] الآية. وقوله هنا {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} أي يذاب بذلك الحميم، إذا سقوه فوصل إلى بطونهم، كل ما في بطونهم من الشحم والأمعاء وغير ذلك، كقوله تعالى {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 15] والعرب تقول: صهرت الشيء فانصهر، فهو صهير: أي أذبته فذاب، ومنه قول ابن أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض: شعر : تروي لقي ألْقى في صَفْصَفٍ تَصْهره الشَّمْس فما يَنْصَهِرْ تفسير : أي تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، ولا يذوب، وقوله: والجلود الظاهر أنه معطوف على "ما" من قوله {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} التي هي نائب فاعل يصهر، وعلى هذا الظاهر المتبادر من الآية، فذلك الحميم يذيب جلودهم، كما يذيب ما في بطونهم. لشدة حرارته. إذ المعنى: يصهر به ما في بطونهم، وتصهر به الجلود. أي جلودهم، فالألف واللام قامتا مقام الإضافة، وقال بعض أهل العلم: والجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على تصهر، وتقديره: وتحرق به الجلود، ونظير ذلك في تقدير العامل المحذوف الرافع الباقي معموله مرفوعاً بعد الواو قول لبيد في معلقته: شعر : فعلا فروعُ الأَيْهقَانِ وأطفَلت بالْجَلهَتَيْنِ ظباؤُهَا ونَعامُهَا تفسير : يعني: وباض نعامها، لأن النعامة لا تلد الطفل، وإنما تبيض، بخلاف الظبية فهي تلد الطفل، ومثاله في المنصوب قول الآخر: شعر : إذا ما الغانياتُ برزْنَ يوماً وزجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا ترى منَّا الأيور إذا رأَوْهَا قِياماً راكِعيِنَ وساجِدينا تفسير : يعني زججن الحواجب، وأكحلن العيون وقوله: شعر : ورَأيْت زوجَك في الوَغَى متقلِّداً سيفاً ورمْحاً تفسير : أي وحاملاً رمحاً، لأن الرمح لا يتقلد، وقول الآخر: شعر : تراه كأن الله يجدعُ أنفَه وعينيه إنْ مولاه ثَابَ له وفْر تفسير : يعني: ويفقأ عينيه، ومن شواهده المشهورة قول الراجز. شعر : علَفْتها تِبناً وماءً بارداً حتى شتت همالةً عيناها تفسير : يعني: وسقيتها ماء بارداً، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحشر: 9] الآية: أي وأخلصوا الإيمان، أو ألفوا الإيمان، ومثال ذلك في المخفوض قولهم: ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة: أي ولا كل سوداء تمرة، وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وهـــــي انفــــــردت بعطف عامل مُزال قَدْ بَقي معمولُه دفعاً لوهْمٍ اتُّقى تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} المقامع: جمع مقمعة بكسر الميم الأولى، وفتح الميم الأخيرة، ويقال: مقمع بلا هاء، وهو في اللغة: حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل: وهي في الآية مرزاب عظيمة من حديد تضرب بها خزنة النار رؤوس أهل النار، وقال بعض أهل العلم: المقامع: سياط من نار، ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من الحديد لتصريحه تعالى بذلك، وقوله تعالى {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّار} [الحج: 19] الآية نزل في المبارزين يوم بدر، وهم: حمزة بن عبدالمطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وفي أقرانهم المبارزين من الكفار وهم: عتبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، وأخوه شيبة بن ربيعة، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما.
الواحدي
تفسير : {هذا خصمان} يعني: المؤمنين والكافرين {اختصموا في ربهم} في دينه {فالذين كفروا قطعت لهم ثيابٌ من نار} يلبسون مقطَّعات النِّيران {يصبُّ من فوق رؤوسهم الحميم} ماءٌ حارٌّ، لو سقطت منه نقطٌ على جبال الدُّنيا أذابتها. {يصهر} يُذاب {به} بذلك الماء {ما في بطونهم} من الأمعاء {والجلود} وتنشوي جلودهم فتسَّاقط. {ولهم مقامع} سياطٌ {من حديد}. {كلما أرادوا أن يخرجوا منها} من جهنَّم {من غمّ} يصيبهم {أعيدوا فيها} ردُّوا إليها بالمقامع، {و} تقول لهم الخزنة: {ذوقوا عذاب الحريق} النَّار، وقال في الخصم الذين هم المؤمنون: {إنَّ الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات...} الآية، وهي مفسَّرةٌ في سورة الكهف. {وهدوا} أُرشدوا في الدُّنيا {إلى الطيب من القول} وهو شهادة أن لا إله إلا الله {وهدوا إلى صراط الحميد} دين اللَّهِ المحمود في أفعاله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات خصمان: خصم مؤمن وخصم كافر كل واحد يريد أن يخصم صاحبه. اختصموا في ربهم: أي في دينه. قطعت لهم ثياب: أي فصلت لهم ثياب على قدر أجسامهم. يصهر به ما في بطونهم: أي يذاب بالحميم وهو الماء الحار من شحوم وغيرها. مقامع من حديد: جمع مقمعة وهي آلة من حديد كالمجن. وذوقوا عذاب الحريق: أي يقال لهم توبيخاً وتقريعاً: ذوقوا عذاب النار. ولؤلؤا: أي أساروا من لؤلؤ محلاة بالذهب. إلى الطيب من القول: هو شهادة أن لا إله إلا الله. إلى صراط الحميد: أي إلى الإِسلام إذ هو طريق الله الموصل إلى رضاه وجنته. معنى الآيات: قوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} الخصم الأول المسلمون والثاني أهل الشرك والكفر {ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} أي في دينه تعالى كل خصم يدعي أنه على الدين الحق، وماتوا على ذلك وفصل الله تعالى بينهم يوم القيامة {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم أهل الدين الباطل ادخلوا النار وفصلت لهم ثياب من نار {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} أي الماء الحار المنتهي في الحرارة، {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ} من لحم وشحم، {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} يضربون بها و {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي من النار بسبب ما ينالهم من غم عظيم {أُعِيدُواْ فِيهَا} أي تجبرهم الزبانية على العودة إليها ولم تمكنهم من الخروج منها، ويقولون لهم: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي لا تخرجوا منها وذوقوا عذاب الحريق. فهذا جزاء الخصم الكافر، وأما الخصم المؤمن فهذا جزاؤه وهو في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي أساور من لؤلؤ محلاة بالذهب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا} أي في الجنة {حَرِيرٌ} وقوله تعالى: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} في الدنيا وهو لا إله إلا الله وسائر الأذكار والتسابيح وكل كلام طيب، {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} وهذا الطريق الموصل إلى رضا ربهم وهو الإِسلام، وكل ذلك بتوفيق ربهم الذي آمنوا له وبرسوله وأطاعوه بفعل محابه وترك مساخطه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إثبات حقيقة هي أن المؤمن خصم الكافر والكافر خصم المؤمن في كل زمان ومكان حيث إنّ الآية نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث هذا الخصم المؤمن، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهذا الخصم الكافر وذلك أنهم تقاتلوا يوم بدر بالمبارزة ونصر الله الخصم المؤمن على الكافر. 2- بيان جزاء كل من الكافرين والمؤمنين في الدار الآخرة. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوال الآخرة وما للناس فيها. 4- بيان الطيب من القول وهو كلمة التوحيد وذكر الله تعالى. 5- بيان صراط الحميد وهو الإِسلام جعلنا الله من أهله.
القطان
تفسير : خصمان: واحدُهما خصم وهو المنازع. قطعت لهم: قدرت، فصلت لهم وهي الأوْلى. الحميم: الماء المغلي. يصهر به: يذاب به. مقامع: واحدتها مِقمعة بكسر الميم الاولى، خشبة او حديدة يُضرب بها الانسان على رأسه ليذلّ ويهان. الحريق: المحرِق: أساور: الإسوار والسوار هو الحلية التي تلبس في المعصم، جمعها أسورة، وجمع الجمع أساور وأساورة. هدوا: ارشدوا. الطيب من القول: الكلام اللطيف الرقيق. الصراط الحميد: الطريق المحمود. العاكف: المقيم. البادي: الطارىء القادم عليها. الالحاد: الانحراف، والعدول عن القصد. بظلم: بغير حق. {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ..... }. إن أهلَ الأديان الستة الذين سبق ذِكرهم فريقان: فريق المؤمنين وفريق الكافرين، جادلوا في دين الله، وتنازعوا في أمر ربهم، وكل فريقٍ يعتقد أن الّذي عليه هو الحقّ. فالذين كفروا أُعدّت لهم نيرانٌ تحيط بهم كأنها ثياب قُدِّرت على أجسامهم، ولزيادة تعذيبهم تصبُّ الملائكة على رؤوسهم الماء المغلي، فينفذ إلى بطونهم فيذيبُ أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم. ولتعذيبهم سياطٌ من حديد، تضرب بها رؤوسهم، يُقمعون بها كلّما حاولوا الهروب من جهنم والخروج منها من شدة الغم. وتردّهم الملائكةُ الى جهنم، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار المحرِقة جزاءَ كفركم. ويرى جماعة من المفسرين ان هذه الآياتِ نزلت يوم بَدْرٍ، وان المراد بالخَصْمَين: حمزة ابن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنهم وهم المؤمنون، وعتبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة وهم الكافرون، وهؤلاء اول من تبارزوا يوم بدر. فقد روى ابن جرير الطبريّ في تفسيره أن أبا ذَرٍّ رضي الله عنه كان يُقسم ان هذه الآيات نزلت في المتبارزين يوم بدر. وفي الصحيحَين عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه انه قال: فينا نزلتْ هذه الآيات، وأنا أولُ من يجثو في الخصومة على رُكبتيه بين يدي الله يوم القيامة.. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وبعد ان بين الله سوء حال الكافرين أردفَ ذلك ببيانِ ما يناله المؤمنون من الكرامة من المسكن والحِلية والمَلْبس وحسن القول والعمل {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}تفسير : [القمر:55]. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. أما الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمالَ الصالحة، فإن الله تعالى أعدَّ لهم نعيماً مقيماً في جنات الخُلد، تجري من تحت قصورِها وأشجارها الأنهار، ويتمتعون فيها بالحليّ من الذهب واللؤلؤ، ويلبسون افخر أنواع الحرير. قراءات قرأ نافع وعاصم: ولؤلؤا بالنصب. والباقون: ولؤلؤ بالجر. {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}. وزيادةً في ما اسبغ الله عليهم من النعيم، يتعاملون فيما بينهم بالكلام الليِّن الطيب، والعشرةِ المحمودة بمحبة وسلام. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. ان الّذين كفروا بالله ورسوله، ويمنعون الناسَ أن يدخلوا في دين الله وأن يصِلوا الى المسجد الحرام الذي جعله الله لجميع الناس، سواء المقيمُ فيه والطارىء الذي جاء قاصداً له من مكان بعيد - يجازيهم اللهُ على ذلك بالعذابِ الشديد.... وكذلك يجازي من ينحرف عن الحق، ويميل إلى الظلم في الحَرَمِ ويعذّبه عذاباً أليما. روى ابن عباس رضي الله عنهما: ان الآية نزلت في أبي سفيانَ وأصحابه من قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه عامَ الحُدَيبية عن المسجد الحرام، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل.
د. أسعد حومد
تفسير : {رُءُوسِهِمُ} (19) - تَجَادَلَ أهْلُ الأَدْيَانِ فِي دِينِ اللهِ فَكُلُّ فَرِيقٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا هُوَ عَلَيهِ هُوَ الحَقُّ، وأَنَّ مَا عَليهِ خَصْمُهُ هُوَ البَاطِلُ، وَبَنَى عَلى ذلِكَ جَميعَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ نَوعاًَ مِنَ الخُصُومَةِ، واللهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَجْزِيهِمْ عَلى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وَلا يَظْلِمُ أحَداً مِنْهُمْ شَيئاً، فَأَمَّا الكَافِرُونَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أُعِدَّتْ لهُمْ نِيرانٌ تُحيطُ بِهِمْ وَكَأَنَّها مُقَطَّعَاتٌ مِنَ الثِّيَابِ قُدَّتْ عَلَى قَدْرِ أَجْسَادِهِمْ، وَيُصَبُّ المَاءُ الشَّدِيدُ الحَرَارَةِ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ فَيَشْوِي وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ، وَيُذِيبُ أَمْعَاءَهُمْ. خَصْمَانِ - المُؤْمِنُونَ وَالكَافِرُونَ عَامَّةً. الحَمِيمُ - المَاءُ الشَّدِيدُ الحَرَارَةِ وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّهُ النُّحَاسُ المُذَابُ.
الثعلبي
تفسير : {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} أي في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بوصف المصدر فلذلك قال: اختصموا، نظيرها {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [ص: 21]. واختلف المفسّرون في هذين الخصمين من هما؟ فروى قيس بن عبّاد أنّ أبا ذرّ الغفاري كان يقسم بالله سبحانه أُنزلت هذه الآية في ستّة نفر من قريش تبادروا يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وعبيدة بن الحارث، قال: وقال علي: إنّي لأوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإلى هذا القول ذهب هلال بن نساف وعطاء بن يسار. وقال ابن عباس: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً ونبيّنا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنّا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنّا بنبيّكم وبما أنزل الله سبحانه من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، وكان ذلك خصومتهم في ربّهم. وقال مجاهد وعطاء أبن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلّهم من أيّ ملّة كانوا. وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله سبحانه وتعالى لعقوبته، وقالت الجنّة: خلقني الله عزّ وجلّ لرحمته، فقد قصّ الله عليك سبحانه من خبرهما ما تسمع، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو سعيد بن حمدون رحمه الله بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال: حدَّثنا محمد بن يحيى الذهلي وعبد الرَّحْمن بن بشر العبدي وأحمد بن يوسف السلمي قالوا: حدَّثنا عبد الرزاق بن همام الحميري قال: أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : تحاجّت الجنة والنار فقالت النار: أوثرتُ بالمتكبّرين المتجبّرين،وقالت الجنة: لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله سبحانه للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أُعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحد منكما ملؤها، فأما النار فإنّهم يُلقون فيها وتقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحداً. وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً . تفسير : ثم بيّن مآل الخصمين وحال أهل الدارين فقال سبحانه وتعالى {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}. قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس من نار، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} الماء الحار. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جنبه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان تفسير : {يُصْهَرُ} يذاب، يقال: صهرت الألية والشحم بالنار أذبتها، أصهرها صهراً، قال الشاعر: شعر : تروي لقىً ألقى في صفصف تصهره الشمس ولا ينصهر تفسير : ومعنى الآية: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء وتنشوي جلودهم منه فتتساقط. {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ} سياط {مِنْ حَدِيدٍ} واحدتها مقمعة، سمّيت بذلك لأنّها يُقمع بها المضروب أي يذلّل. {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} ردّوا إليها. روى الأعمش عن أبي ظبيان قال: ذُكر أنّهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي مَن فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج منها فيعذبهم الخزّان فيها ويعيدونهم إليها بالمقامع ويقولون لهم {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي المحرق مثل الأليم والوجيع، والذوق: حاسة يحصل منها إدراك الطعم، وهو ها هنا توسّع، والمراد به إدراكهم الآلام. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وهي جمع سوار {وَلُؤْلُؤاً}. قرأ عاصم وأهل المدينة ها هنا وفي سورة الملائكة: ولؤلؤاً بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤاً، واستدلّوا بأنّها مكتوبة في جميع المصاحف بالألف ها هنا. وقرأ الباقون بالخفض عطفاً على الذهب، ثمَّ اختلفوا في وجه إثبات الألف فيه، فقال أبو عمرو: أُثبتت الألف فيه كما أُثبتت في قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها فيه للهمزة لأنَّ الهمزة حرف من الحروف، وأمّا يعقوب فإنّه قرأها هنا بالنصب وفي سورة فاطر بالخفض رجوعاً إلى المصحف؛ لأنّه كُتب في جميع المصاحف ها هنا بالألف وهناك بغير ألف. {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (*) وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقال ابن زيد: لا إله إلاّ الله والله أكبر والحمد لله، نظيرها قوله سبحانه {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر: 10] {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} إلى دين الله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ} فعطف بالمستقبل على الماضي لأنّ الصدّ بمعنى دوام الصفة لهم، ومعنى الآية: وهم يصدّون ومن شأنهم الصدّ، نظيرها قوله {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28] وقيل: لفظه مستقبل، ومعناه الماضي، أي: وصدّوا عن سبيل الله {وَٱلْمَسْجِدِ} يعني عن المسجد {ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ} خلقناه وبنيناه {لِلنَّاسِ} كلّهم لم نخصّ منهم بعضاً دون بعض {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ} المقيم {فِيهِ وَٱلْبَادِ} الطاري المنتاب إليه من غيره. وقرأ عاصم برواية حفص ويعقوب برواية روح: سواء بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأنّ الجعل يتعدّى إلى مفعولين. وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبره. وتمام الكلام عند قوله {لِلنَّاسِ}. واختلف العلماء في معنى الآية: فقال قوم: سواء العاكف فيه والباد في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وحقّ الله الواجب عليهما فيه، وإليه ذهب مجاهد. وقال آخرون: هما سواء في النزول به فليس أحدهما بأحقّ يكون فيه من الآخر. وحرّموا بهذه الآية كراء دور مكّة وكرهوا إجارتها في أيام الموسم. قال عبد الله بن عمر: سواء أكلت محرماً أو كراء دار مكة. وقال عبد الرَّحْمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحقّ بمنزله منهم فكان الرجل إذا وجد سعة نزل، ففشا فيهم السرق، وكلّ إنسان يسرق من ناحيته فاصطنع رجل باباً فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنّما جعلته ليحترز متاعهم وهو قوله {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}. قال: البادي فيه كالمقيم ليس أحد أحقّ بمنزله من أُحد إلاّ أن يكون سبق إلى منزل، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وابن جبير وابن زيد وباذان قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل، والقول الأول أقرب إلى الصواب. أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه قال: حدَّثنا صفوان بن الحسين قال: حدَّثنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: سمعت أبا إسماعيل الترمذي بمكة سنة ستين ومائتين قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: جالست الشافعي بمكة فتذاكرنا في كراء بيوت مكة، وكان يرخّص فيه، وكنت لا أرخّص فيه، فذكر الشافعي حديثاً وسكت، وأخذت أنا في الباب، أسرد فلمّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسية: مرد كما لاني هست قرية بمرو، فعلم أني راطنت صاحبي بشيء هجّنته فيه، فقال لي: أتناظر؟ قلتُ: وللمناظرة جئت، فقال: قال الله سبحانه وتعالى {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} نسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها.؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "حديث : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وهل ترك عقيل لنا من رباع"تفسير : ؟نسب الدار إلى أربابها أو غير أربابها وقال لي: اشترى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه دار السجن من مالك أو غير مالك؟ فلمّا علمت أنّ الحجة لزمتني قمت. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} أي في المسجد الحرام {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} يعني إلحاداً بظلم وهو الميل إلى الظلم، والباء فيه زائدة كقوله: تنبت بالدهن أي تنبت الدهن. قال الفرّاء: وسمعت أعرابياً من ربيعة وسألته عن شيء فقال: أرجو بذلك يريد أرجو ذلك. وقال الشاعر: شعر : بواد يمان ينبت الشت صدره وأسفله بالمرخ والشبهان تفسير : أي المرخ. وقال الأعشى: شعر : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا بين المراجل والصريح الأجرد تفسير : بمعنى ضمنت رزق عيالنا أرماحنا وقال آخر: شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : واختلفوا في معنى الآية، فقال مجاهد وقتادة {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} هو الشرك أن يعبد فيه غير الله سبحانه وتعالى. وقال آخرون: هو استحلال الحرام وركوب الآثام فيه. قال ابن مسعود: ما من رجل يهمّ بسيّئة فيكتب عليه، ولو أنّ رجلاً بعدن أو ببلد آخر يهمّ أن يقتل رجلاً بمكّة، أو يهمّ فيها بسيّئة ولم يعملها إلاّ أذاقه الله العذاب الأليم. وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه ما لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وهذا القول معنى قول الضحاك وابن زيد. أخبرنا أحمد بن أُبي قال: أخبرنا المغيرة بن عمرو قال: حدَّثنا المفضل بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن يوسف قال: حدَّثنا أبو قرّة قال: ذكر سفيان عن ليث عن مجاهد أنّه قال: تُضاعف السيئات بمكّة كما تضاعف الحسنات. ابن جريج: هو استحلال الحرام متعمّداً، عن حبيب بن أبي ثابت: احتكار الطعام بمكة، بعضهم: هو كل شيء كان منهيّاً عنه من القول والفعل حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله. وروى شعبة: عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر أنّه كان له فسطاطان أحدهما في الحلّ والآخر في الحرم، فإن أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كّنا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلاّ والله وبلى والله. {وَإِذْ بَوَّأْنَا} وطّأنا. قال ابن عباس: جعلنا، الحسن: أنزلنا، مقاتل بن سليمان: دللناه عليه، ابن حبان: هيأنا، نظيره {أية : تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 121] {أية : وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 74] وقوله {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} تفسير : [العنكبوت: 58]. {لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} والمكان جوهر يمكن أن يثبت عليه غيره، كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره، وأراد بالبيت الكعبة. {أَن لاَّ تُشْرِكْ} يعني أمرناه وعهدنا إليه أن لا تشرك {بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} يعني المصلّين { وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة خَصْم من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثنى والجمع، وكذلك المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [ص: 21]. ويقول تعالى: {أية : خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [ص: 22]. والمراد بقوله: {خَصْمَانِ ..} [الحج: 19] قوله تعالى: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18] والخصومة تحتاج إلى فَصْل بين المتخاصمين، والفَصْل يحتاج إلى شهود، لكن إنْ جاء الفَصْل من الله تعالى فلن يحتاج إلى شهود {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79]. وإنْ جاء عليهم بشهود من أنفسهم، فإنما لإقامة الحجة ولتقريعهم، يقول تعالى: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ..}تفسير : [فصلت: 21]. فإنْ قلتَ: كيف تشهد الجوارح على صاحبها يوم القيامة وهي التي فعلت؟ نقول: هناك فَرْق بين عمل أريده وعمل أؤديه، وأنا أبغضه وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالقائد الذي يأمر جنوده، وعليهم أنْ يُطيعوه حتى إنْ كانت الأوامر خاطئة، فإنْ رجعوا إلى القائد الأعلى حكَوْا له مَا كان من قائدهم؛ ذلك لأن القائد الأعلى جعل له ولاية عليهم، وألزمهم طاعته والائتمار بأمره. فالخالق - عز وجل - جعل لإرادة الإنسان ولاية على جوارحه، فالفعل - إذن - للإرادة، وما الجوارح إلا أداة للتنفيذ. فحينما تريد مثلاً أنْ تقوم، مجرد أن تريد ذلك تجد نفسك قائماً دون أنْ تفكر في حركة القيام أو العضلات التي تحركتْ لتؤدي هذا العمل، مع أنها عملية مُعقَّدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء، وأنت نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله، وهل في قيامك أمرتَ الجوارح أنْ تتحرَّك فتحركتْ؟ فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة، أفلا يكون أوْلى من هذا أنْ ينفعل خَلْق الله لإرادة الله؟ إذن: العمدة في الأفعال ليستْ الجوارح وإنما الإرادة، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أنْ يُعطِّل جارحة من الجوارح عطّل الإرادة الآمرة، وقطعها عن الجارحة، فإذا هي مشلولة لا حركةَ فيها، فإنْ أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع، لماذا؟ لأنه لا يعلم الأبعاض التي تُحرِّك هذه الجارحة، ولو سألتَ أعلم الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي: ما الحركة الآلية التي تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جِلْسته؟ ولن يستطيع أحد أنْ يصفَ لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة. أما لو نظرتَ مثلاً إلى الحفَّار، وهو يُؤدِّي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدتَ صبياً يشغله باستخدام بعض الأزرار، ويستطيع أنْ يصِفَ لك كل حركة فيه، وما الآلات التي تشترك في كل حركة. فَقُلْ لي بالله: ما الزر الذي تضغط عليه لتحرك يدك أو ذراعك؟ ما الزر الذي تُحرِّك به عينيك، أو لسانك، أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد؛ لأن الله تعالى خلقك، وجعل لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك، فلا تستبعد أنْ تنفعل المخلوقات لله - عز وجل - إنْ أراد منها أنْ تفعلَ. حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض، إنما العذاب للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان إذا تعرَّض لألم شديد لا يستريح منه لا أنْ ينام، فإذا استيقظ عاوده الألم، إذن: فالنفس هي التي تألم وتتعذَّب لا الجوارح. والحق سبحانه هو الذي يفصل بين هذيْن الخصميْن، كما قال سبحانه في آية أخرى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ..}تفسير : [الحج: 17]. لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه: أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ومعي عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب. هؤلاء في جانب وفي الجانب المقابل: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. لماذا؟ لأن بين هؤلاء كانت أول معركة في الإسلام، وهذه أول خصومة وقعتْ فيه، ذلك لأنهم في معركة بدر أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً للمبارزة، وكانت عادتهم في الحروب أنْ يخرج أقوياء القوم وأبطالهم للمبارزة بدل أنْ يُعذِّبوا القوم ويشركوا الجميع في القتال، ويُعرِّضوا أرواح الناس جميعاً للخطر. ومن ذلك ما حدث بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - في موقعة صِفِّين حيث قال علي لمعاوية: ابرز إليَّ يا معاويةُ، فإنْ غلبتني فالأمر لك، وإنْ غلبتُك فاجعل الأمر لي، فقال عمرو بن العاص وكان في صفوف معاوية: والله، يا معاوية لقد أنصفك الرجل، وفي هذا حَقْنٌ لدماء المسلمين في الجانبين. فنظر معاوية إلى عمرو وقال: والله يا عمرو ما أردْتَ إلا إن أبرز له فيقتلني، ويكون لك الأمر من بعدي، وما دُمْتَ قد قلتَ ما قلتَ فلا يبارزه غيرك فاخرج إليه. فقام عمرو لمبارزة علي، لكن أين عمرو من شجاعة علي وقوته؟ وحمل عليٌّ على عمرو حملة قوية، فلما أحسَّ عمرو أن علياً سيضربه ضربة تميته لجأ إلى حيلة، واستعمل دهاءه في صَرْف عليٍّ عنه، فكشف عمرو عن عورته، وهو يعلم تماماً أن علياً يتورع عن النظر إلى العورة، وفعلاً تركه علي وانصرف عنه، ونجا عمرو بحيلته هذه. وقد عبَّر الشاعر عن هذا الموقف فقال: شعر : وَلاَ خَيْرَ في رَدِّ الرَّدَى بِدَنيَّةٍ كَما رَدَّهَا يَوْماً بِسَوْأَتِهِ عَمْرُو تفسير : ويقول الشريف الرضي - وهو من آل البيت - في القصيدة التي مطلعها: شعر : أرَاكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْر أَما لِلْهَوَى أَمْر عليْكَ ولاَ نَهْيُ بَلَى أَنَا مُشْتَاقٌ وعِنْدي لَوْعَةٌ وَلكِنْ مِثْلي لاَ يُذَاعُ لَهُ سِرُّ تفسير : وفيها يقول: شعر : وَإنَّا أُنَاسٌ لاَ تَوسُّطَ بَيْنَنَا لَنَا الصَّدْرُ دُون العَالَمينَ أو القَبْرُ تفسير : نعود إلى بدر، حيث اعترض الكفار حينما أخرج لهم رسول الله بعض رجال الأنصار فقالوا: هؤلاء نكرات من الأنصار، نريد أن تُخرِج لنا أَكْفَاءنا من رجال قريش، فأخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وحمزة وعبيد بن الحارث بن عبد المطلب، وأخرجوا هم عتبة وشيبة والوليد، وكان ما كان من نُصْرة المسلمين وهزيمة المشركين. وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه: {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [آل عمران: 123]. إذن: فبدر كانت فَصْلاً دنيوياً بين هذيْن الخصْمين، ويبقى فَصْل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي: "أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل". ومعنى: {ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ..} [الحج: 19] أي: بسبب اختلافهم في ربهم، ففريقٌ يؤمن بوجود إله، وفريقٌ يُنكره، فريق يُثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني: انقسموا بين إيمان وكفر. ثم يُفصِّل القول: {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} [الحج: 19]. {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ..} [الحج: 19] كأن النار تفصيل على قَدْر جسومهم إحكاماً للعذاب، ومبالغةً فيه، فليس فيها اتساع يمكن أنْ يُقلِّل من شِدَّتها، وليست فضفاضة عليهم. ثم {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} [الحج: 19] والحميم: الماء الذي بلغ منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه مُحْرِقاً من شِدَّة حَرّه، ولكَ أنْ تتصور ماءً يَغليه ربنا عز وجل!! وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب؛ لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول لمنفعة الجسم، يقول تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. فالإذاقة ليستْ في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كُلَّ أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغةً في العذاب.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أهل السعادة وأهل الشقاوة، ذكر هنا ما دار بينهم من الخصومة في دينه وعبادته، ثم ذكر عظم حرمة البيت العتيق وبناء الخليل له، وعظم كفر هؤلاء المشركين الذين يصدون الناس عن سبيل الله والمسجد الحرام. اللغَة: {يُصْهَرُ} الصهر: الإِذابة صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب {مَّقَامِعُ} المقامع: السياط جمع مقمعة سميت بذلك لأنها تقمع الفاجر {ٱلْعَاكِفُ} المقيم الملازم {وَٱلْبَادِ} القادم من البادية {بَوَّأْنَا} أنزلنا وهيأنا وأرشدنا {رِجَالاً} جمع راجل وهو الماشي على قدميه {ضَامِرٍ} الضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر {تَفَثَهُمْ} التفث في اللغة: الوسخ والقذر قال الشاعر: شعر : حفوا رءوسهم لم يحلقوا تفثاً ولم يسلُّـوا لهم قملاً وصئباناً تفسير : قال الثعلبي: أصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك {ٱلْمُخْبِتِينَ} المخبت: المتواضع الخاشع لله. التفسِير: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ} أي هذان فريقان مختصمان فريق المؤمنين المتقين، وفريق الكفرة المجرمين {ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} أي اختلفوا وتنازعوا من أجل الله ودينه قال مجاهد: هم المؤمنون والكافرون، فالمؤمنون يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الله {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} أي فصلت لهم ثيابٌ من نار على قدر أجسادهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار قال القرطبي: شبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب ومعنى {قُطِّعَتْ} خيطت وسويت، وذكر بلفظ الماضي لأن الموعود منه كالواقع المحقق {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} أي يصب على رءوسهم الماء الحار المغلي بنار جهنم {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ} أي يذاب به ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء مع الجلود قال ابن عباس: لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها وفي الحديث "حديث : إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان" تفسير : قال الإِمام الفخر: والغرض أن الحميم إذا صب على رءوسهم كان تأثيره في الباطن مثل تأثيره في الظاهر، فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 15] {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} أي ولهم مطارق وسياط من الحديد يضربون بها ويدفعون وفي الحديث"حديث : لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها"تفسير : {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} أي كلما أراد اهل النار الخروج من النار من شدة غمها ردوا إلى أماكنهم فيها قال الحسن: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي ويقال لهم : ذوقوا عذاب جهنم المحرق الذي كنتم فيه تكذبون، ولما ذكر تعالى ما أعد للكفار من العذاب والدمار، ذكر ما أعده للمؤمنين من الثواب والنعيم فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي يدخل المؤمنين الصالحين في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار العظيمة المتنوعة {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} أي تلبسهم الملائكة في الجنة الأساور الذهبية كحلية وزينة يتزينون بها {وَلُؤْلُؤاً} أي ويحلون باللؤلؤ كذلك إكراماً من الله لهم {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي ولباسهم في الجنة الحرير، ولكنه أعلى وأرفع مما في الدنيا بكثير {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي أرشدوا إلى الكلام الطيب والقول النافع إذ ليس في الجنة لغوٌ ولا كذب {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} أي إلى صراط الله وهو الجنة دار المتقين، ثم عدد تعالى بعض جرائم المشركين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي جحدوا بما جاء به محمد عليه السلام ويمنعون المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام لأداء المناسك فيه قال القرطبي: وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية، وإنما قال {وَيَصُدُّونَ} بصيغة المضارع ليدل على الاستمرار فكأن المعنى: إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله ونظيره قوله {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28] {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي الذي جعلناه منسكاً ومتعبداً للناس جميعاً سواء فيه المقيم الحاضر، والذي يأتيه من خارج البلاد {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} أي ومن يرد فيه سوءاً أو ميلاً عن القصد أو يهم فيه بمعصية {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي نذقه أشد أنواع العذاب الموجع قال ابن مسعود: لو أن رجلاً بِعدَنَ همَّ بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً وقال مجاهد: تُضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} أي واذكر حين أرشدنا إبراهيم وألهمناه مكان البيت {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} أي أمرناه ببناء البيت العتيق خالصاً لله قال ابن كثير: أي ابنه على اسمي وحدي {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي طهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يعبد الله فيه بالطواف والصلاة قال القرطبي: والقائمون هم المصلون، ذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} أي ونادِ في الناس داعياً لهم لحج بيت الله العتيق قال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال يا رب: وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي الإِبلاغ فصعد إبراهيم على جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار فحجوا، فأجابه من كان في أصلاب الرجال، وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} أي يأتوك مشاة على أقدامهم أو ركباناً على كل جمل هزيل قد أتعبه وأنهكه بعد المسافة {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} أي تأتي الإِبل الضامرة من كل طريق بعيد قال القرطبي: ورد الضمير إلى الإِبل {يَأْتِينَ} تكرمةً لها لقصدها الحج مع أربابها كما قال {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمةً لها حين سعت في سبيل الله {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} أي ليحضروا منافع لهم كثيرة دينية ودنيوية قال الفخر الرازي: وانما نكَّر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} أي ويذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله في أيام النحر شكراً لله على نعمائه وعلى ما رزقهم وملكهم من الأنعام وهي: الإِبل والبقر والغنم والمعز قال الرازي: وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي ذكر اسمه تعالى عند الذبح وأن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان {فَكُلُواْ مِنْهَا} أي كلوا من لحوم الأضاحي {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} أي أطعموا منها البائس الذي أصابه بؤس وشدة، والفقير الذي أضعفه الإِعسار قال ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك، ثيابه نقية ووجهه وجه غني {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} أي ثم بعد الذبح ليزيلوا وسخهم الذي أصابهم بالإِحرام وذلك بالحلق والتقصير وإزالة الشعث وقص الشارب والأظافر {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} أي ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر طاعةً لله {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي ليطوفوا حول البيت العتيق طواف الإِفاضة وهو طواف الزيارة الذي به تمام التحلل، والعتيق: القديم سمي به لأنه أول بيت وضع للناس {ذٰلِكَ} أي الأمر والشأن ذلك قال الزمخشري: كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} أي من يعظم ما شرعه الله من أحكام الدين ويجتنب المعاصي والمحارم {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} أي ذلك التعظيم خير له ثواباً في الآخرة {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي أحللنا لكم جميع الأنعام إلا ما استثني في الكتاب المجيد كالميتة والمنخنقة وما ذبح لغير الله وغير ذلك {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن عبادتها وتعظيمها {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} أي واجتنبوا شهادة الزور {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} أي مائلين إلى الحق مسلمين لله غير مشركين به أحداً {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} تمثيل للمشرك في ضلاله وهلاكه أي ومن أشرك بالله فكأنما سقط من السماء فتخطفه الطير وتمزقه كل ممزق {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} أي ذلك ما وضحه الله لكم من الأحكام والأمثال ومن يعظم أمور الدين ومنها أعمالُ الحج والأضاحي والهدايا {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} أي فإن تعظيمها من أفعال المتقين لله قال القرطبي: أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب وفي الحديث "حديث : التقوى هٰهنا"تفسير : وأشار إلى صدره {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي لكم في الهدايا منافع كثيرة من الدر والنسل والركوب إلى وقت نحرها {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي ثم مكان ذبحها في الحرم بمكة أو منى، وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم كقوله تعالى {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95] {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي شرعنا لكل أُمة من الأمم السابقة من عهد إبراهيم مكاناً للذبح تقرباً لله قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} أي أمرناهم عند الذبح أو يذكروا اسم الله وأن يذبحوا لوجهه تعالى {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} أي شكراً لله على ما أنعم به عليهم من بهيمة الأنعام من الإِبل والبقر والغنم، بين تعالى انه يجب أن يكون الذبح لوجهه تعالى وعلى اسمه لأنه هو الخالق الرازق لا كما كان المشركون يذبحون للأوثان {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي فربكم أيها الناس ومعبودكم إله واحد لا شريك له { فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي فأخلصوا له العبدة واستسلموا لحكمه وطاعته {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} أي بشر المطيعين المتواضعين الخاشعين بجنات النعيم، ثم وصف تعالى المخبتين بأربع صفات فقال {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي إذا ذكر الله خافت وارتعشت لذكره قلوبهم لإِشراق أشعة جلاله عليها فكأنهم بين يديه واقفون، ولجلاله وعظمته مشاهدون {وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} أي يصبرون في السراء والضراء على الأمراض والمصائب والمحن وسائر المكاره {وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ} أي الذين يؤدونها في أوقاتها مستقيمةً كاملة مع الخشوع والخضوع {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي ومن بعض الذي رزقناهم من فضلنا ينفقون في وجوه الخيرات {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} أي والإِبل السمينة - سميت بدناً لبدانتها وضخامة أجسامها - جعلناها من أعلام الشريعة التي شرعها الله لعباده قال ابن كثير: وكونها من شعائر الدين انها تُهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قال ابن عباس: نفعٌ في الدنيا وأجرٌ في الآخرة {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} أي اذكروا عند ذبحها اسم الله الجليل عليها حال كونها صواف أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي فإذا سقطت على الأرض بعد نحرها، وهو كنايةٌ عن الموت {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} أي كلوا من هذه الهدايا وأطعموا القانع أي المتعفف والمعتر أي السائل قاله ابن عباس، وقال الرازي: الأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي مثل ذلك التسخير البديع جعلناها منقادة لكم مع ضخامة اجسامها لكي تشكروا الله على إنعامه {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} أي لن يصل إليه تعالى شيء من لحومها ولا دمائها {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي ولكن يصل إليه التقوى منكم بامتثالكم أوامره وطلبكم رضوانه {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي كرره للتأكيد أي كذلك ذللها لكم وجعلها منقادة لرغبتكم لتكبروا الله على ما أرشدكم إليه من أحكام دينه {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي بشر المحسنين في أعمالهم بالسعادة والفوز بدار النعيم. البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِيجاز {ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} أي في دين ربهم فهو على حذف مضاف. 2- الاستعارة {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} استعارة عن إحاطة النار بهم كما يحيط الثوب بلابسه. 3- الطباق بين {ٱلْعَاكِفُ.. وَٱلْبَادِ} لأن العاكف المقيم في المدينة والباد القادم من البادية. 4- التأكيد بإعادة الفصل {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} للعناية بشأن كل استقلالاً، ويسمى في علم البديع الإِطناب. 5- التشبيه التمثيلي {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. 6- الجناس الناقص {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}. 7- الطباق بين {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} لأنه القانع المتعفف والمعتر السائل. 8- السجع اللطيف مثل {عَميِقٍ}، {سَحِيقٍ}، {ٱلْعَتِيقِ} ومثل {ٱلْمُحْسِنِينَ}، {ٱلْمُخْبِتِينَ}. تنبيه: لم يؤاخذ الله تعالى أحداً من خلقه على الهم بالمعصية إلا في المسجد الحرام {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} لأنه المكان المقدس الذي يجب أن يكون فيه الإِنسان نقي القلب، طاهر النفس، صافي السريرة، خالصاً بكليته لله، فمن ينتهك حرمة الملك في حماه جدير بالجحيم والعذاب الأليم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} قال زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالخَصمانُ الذين اختلفوا فِي رَبّهم: من الكُفارِ عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مُناف، والوليدُ بن عتبة بن ربيعة. ومن المؤمنين عَليُ بن أبي طالب عليه السَّلامُ، وحمزةُ بن عبد المطلب، وعبيدةُ بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. بَرزَ بَعضُهم إلى بَعضٍ؛ فكانوا من الفَريقين مَوضعَ القِلادةِ من النَّحرِ. تفسير : وقوله تعالى: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} معناه النُّحاسُ يُذابُ عَلَى رءُوسِهِمْ.
الجيلاني
تفسير : أوردَ سبحانه في كتابه قصتهما وحكم بينهما فقال سبحانه: {هَـٰذَانِ} الفوجان؛ يعني: المؤمنين واليهود {خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} مع وحدة ذاته وشمول تربيته وألوهيته لجميع البرايا {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله المتوحد بذاته وأثبتوا له شركاً، وفرقوا بين كبته ورسله بالإقرار والإنكار، والتصديق والتكذيب {قُطِّعَتْ} أي: أعدت وهيئت {لَهُمْ ثِيَابٌ} وملابس متخذة {مِّن نَّارٍ} شبهها بالثبات لإحاطتها وشمولها ومع ذلك {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} [الحج: 19] الماء الحار البالغ نهاية الحرارة. بحيث {يُصْهَرُ} ويذاب {بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} من الشحوم وغيرها {وَ} كذا يذاب به {ٱلْجُلُودُ} [الحج: 20]. {وَلَهُمْ} أي: لردهم ودفعهم زجراً وقهراً {مَّقَامِعُ} سياط مصنوعة {مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21] بيد مَن ءوكل عليه من الزبانية {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} أي: من النار {مِنْ غَمٍّ} وَهَمٍّ وكآبة، عرض لهم من شدة العذاب، فطلبوا الخروج تخفيفاً، وترويحاً حين التقطهم اللهب إلى الطرف الأعلى منها {أُعِيدُواْ فِيهَا} زجراً ضاربين عليهم بالمقامع {وَ} قائلين لهم {ذُوقُواْ} أيها المصرون على الكفر والعناد، المسرفون المفسدون بأنواع الفجور والفساد {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الحج: 22] المحرق أكبادكم بدل ما تبردونها بالسحت والرشى. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على أهل الإيمان بالتجليات الحبّية الجمالية {يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله مخلصين {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقبولة عنده المقربة إليه {جَنَّاتٍ} وحدائق ذات بهجة ترويحاً لهم وتفريحاً، وانشراحاً لصدورهم، وتفريحاً لغمومهم حيث {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} المُذهِبة للهموم الفارجة للكروب {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} تذهيباً وتزينناً لظواهرهم من عكوس بواطنهم {مِنْ أَسَاوِرَ} متخذة {مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} بها يرصع أساورهم {وَلِبَاسُهُمْ} دائماً {فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] تلييناً لبشرتهم وتكميلاً لترفههم وتنعمهم. {وَ} لا يقتصر عليهم فيها على تزيين الظاهر وتفريح الباطن، بل {هُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} ليتصفوا بالصدق والتصديق، ويداوموا على شكر الله بقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وبقولهم: الحمد لله الذي هدانا لهذا، {وَ} بعدما تصفوا بالصدق والعدالة في الأقوال والأفعال {هُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} [الحج: 24] الذي هو التوحيد المسقط للإضافات مطلقاً، سمي به لاستحقاقه الحمد لذاته. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيد الله وأعرضوا عن شعائر دينه {وَ} مع ذلك هم {يَصُدُّونَ} ويصرفون الناس أيضاً {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ومعالم الهدى واليقين لا في وقت دون وقت بل دائماً مستمراً {وَ} خصوصاً عن {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الذي منه الصد والمنع مطلقاً؛ لأنه {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ} قبله {لِلنَّاسِ} كافة، وفرضنا عليهم الطواف حولها من استطاع منهم إليها سبيلاً، ولهذا ما صارت مكة ومن حولها ملكاً لأحد، بل صار الكل فيها {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ} المقيم {فِيهِ وَٱلْبَادِ} المسافر الوارد عليه {وَمَن يُرِدْ} ويقصد سواءاً بالنسبة إليه من صدود وغيره مع أنه مقيم {فِيهِ} وصدر ذلك عنه {بِإِلْحَادٍ} وميل مقرون {بِظُلْمٍ} أي: عن قصد وعمد لا عن خطأ وسهوٍ ونسيان {نُّذِقْهُ} بمجرد قصده الذي لم ينته إلى الفعل والصدور {مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] مؤلم فجيع.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الخصمين المتنازعين بقوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] فأمَّا اختصام النفس: ففي انقطاعها عن الله تعالى وحرمانها عنه، وأمَّا اختصام الروح مع النفس: ففي انقطاعهما إلى الله ورجوعهما إليه. {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الحج: 19] من أرباب النفس بانقطاعهم عن الله ودينه بإتباعهم الهوى وطلب الشهوات الدنياوية، ومن أصحاب الروح بإعراضهم عن الله ورد دعوة الأنبياء {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} [الحج: 19] بتقطيع خياط الفناء على قدهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} [الحج: 19] أي: حميم الشهوات النفسانية {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 20] أي: يذاب ويخرج ما في قلوبهم من الأخلاق الحميدة الروحانية {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21] أي: الأخلاق الذميمة النفسانية {كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} [الحج: 22] أي: من نار القطيعة وسعير الشهوات من غم أصابهم من خوف سوء عاقبة أمرهم {أُعِيدُواْ فِيهَا} [الحج: 22] بمقامع الأخلاق الذميمة، واستيلاء الحرص والأمر، وقيل لهم: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الحج: 22] أي: عذاب ما أحرقت منكم نار الشهوات من الاستعدادات الحسنة. ثم أخبر عن حال الروح ومتابعيه من النفوس بالإيمان والأعمال الصالحة، وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} [الحج: 23] أي: يحليهم بحلية الأسرار والحقائق والحكم البالغة، {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] أي: شعارهم ودثارهم الأخلاق الحميدة والصدق في العبودية {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [الحج: 24] وهو الإخلاص في قوله: لا إله إلا الله والعمل به {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} [الحج: 24] وهو الطريق إلى الله تعالى، فإن الحميد هو الله تعالى.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 664 : 4 : 5 - سفين عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال، سمعت أبا ذر يقسم بالله، لنزلت هذه الآية في ستة من قريش: حمزة ابن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، هذان خاصمان (اختصموا) في ربهم الى آخر الآية. [الآية 19].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} [19] 361 - أخبرنا محمدُ بن بشارٍ، نا عبدُ الرحمنِ، نا سُفيان، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مجلزٍ، عن قيس بن عُبادٍ. قال: سمعتُ أبا ذرٍّ يُقسمُ لقد نزلت هذه الآيةُ {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} في عليٍّ وحمزة وعُبيد بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعُتبة بن ربيعة والوليد بن عُتبة اختصموا يوم بدرٍ - خالفهُ سُليمان التَّيميُّ. 362 - أنا هِلالُ بن بشرٍ، نا يوسفُ بن يعقوب، نا سُليمان التَّيميُّ، عن أبي مجلزٍ، عن قيس بن عُباد، عن عليٍّ عليه السلامُ قال: فينا نزلت هذه الآيةُ في مُبارزتنا يوم بدرٍ {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ}.
همام الصنعاني
تفسير : 1905- حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن التيمي عن أبيه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عُباد، عن علي بن أبي طالب، وقال مرة عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، عن علي بن أبي طالب، قال: إني لأول، أو قال: أنا أول من يجثو للخُصُومة بين يدي الله يوم القيامة، قال قيس: وفيهم أنزلت في الذين تبارزوا يوم بدر {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} [الآية: 19]، في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحرث، وفي عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):