Verse. 2629 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَلِكُلِّ اُمَّۃٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللہِ عَلٰي مَا رَزَقَہُمْ مِّنْۢ بَہِيْمَۃِ الْاَنْعَامِ۝۰ۭ فَاِلٰـہُكُمْ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ فَلَہٗۗ اَسْلِمُوْا۝۰ۭ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ۝۳۴ۙ
Walikulli ommatin jaAAalna mansakan liyathkuroo isma Allahi AAala ma razaqahum min baheemati alanAAami failahukum ilahun wahidun falahu aslimoo wabashshiri almukhbiteena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولكل أمة» أي جماعة مؤمنة سلفت قبلكم «جعلنا منسكا» بفتح السين مصدر وبكسرها اسم مكان: أي ذبحا قربانا أو مكانه «ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام» عند ذبحها «فإلهكم إله واحد فله أسلموا» انقادوا «وبشر المخبتين» المطيعين المتواضعين.

34

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} لما ذكر تعالى الذبائح بيّن أنه لم يُخْل منها أمة، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد؛ أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكاً. والمنسك الذبح وإراقة الدم؛ قاله مجاهد. يقال: نَسَك إذا ذبح يَنْسُك نَسْكاً. والذبيحة نسيكة، وجمعها نُسُك؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} تفسير : [البقرة: 196]. والنسك أيضاً الطاعة. وقال الأزهريّ في قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}: إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع، أراد مكَان نَسْك. ويقال: مَنْسَك ومَنْسِك، لغتان، وقرىء بهما. قرأ الكوفيون إلا عاصماً بكسر السين، الباقون بفتحها. وقال الفراء: المَنْسَك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر. وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي. وقال ابن عرفة في قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}: أي مذهباً من طاعة الله تعالى؛ يقال: نَسَك نَسْك قومه إذا سلك مذهبهم. وقيل: منسكاً عيداً؛ قاله الفرّاء. وقيل حجًّا؛ قاله قتادة. والقول الأول أظهر؛ لقوله تعالى: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له؛ لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه: فالإلٰه واحد لجميعكم، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له. قوله تعالى: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} معناه لحقّه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلِموا. ويحتمل أن يريد الاستسلام؛ أي له أطيعوا وانقادوا. قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} المخبِت: المتواضع الخاشع من المؤمنين. والخَبْت ما انخفض من الأرض؛ أي بشرهم بالثواب الجزيل. قال عمرو بن أوس: المخبِتون الذين لا يظلمون، وإذا ظُلموا لم يَنْتَصِروا. وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن ابن أبي نجيح: المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل.

البيضاوي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} ولكل أهل دين. {جَعَلْنَا مَنسَكًا} متعبداً أو قرباناً يتقربون به إلى الله، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر أي موضع نسك. {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ } دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه، علل الجعل به تنبيهاً على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود. {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون نعماً. {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أخلصوا التقرب أو الذكر ولا تشوبوه بالإِشراك. {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} المتواضعين أو المخلصين فإن الإِخبات صفتهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} قال: عيداً. وقال عكرمة: ذبحاً. وقال زيد بن أسلم في قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا}: أنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها. وقوله: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَـٰمِ} كما ثبت في "الصحيحين" عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود ــــ وهو نفيع بن الحارث ــــ عن زيد بن أرقم قال: قلت، أو قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «حديث : سنة أبيكم إبراهيم» تفسير : قالوا: ما لنا منها؟ قال: «حديث : بكل شعرة حسنة» تفسير : قال: فالصوف؟ قال: «حديث : بكل شعرة من الصوف حسنة» تفسير : وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه من حديث سلام بن مسكين به. وقوله: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي: معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] ولهذا قال: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي: أخلصوا، واستسلموا لحكمه وطاعته، {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس: المخبتين: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال الثوري: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له، وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خافت منه قلوبهم {وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} أي: من المصائب. قال الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن، {وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ} قرأ الجمهور: بالإضافة؛ السبعة وبقية العشرة أيضاً، وقرأ ابن السميفع: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} بالنصب. وعن الحسن البصري: {وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ} وإنما حذفت النون ههنا تخفيفاً، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة، ولكن على سبيل التخفيف، فنصبت، أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه، {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} أي: وينفقون مما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله؛ كما تقدم تفسيره في سورة براءة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } أي جماعة مؤمنة سلفت قبلكم {جَعَلْنَا مَنسَكًا } بفتح السين مصدر وبكسرها اسم مكان أي ذبحها قرباناً أو مكانه {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَٰمِ } عند ذبحها {فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ } انقادوا {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } المطيعين المتواضعين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلِكُلِّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حجاً، وهو قول قتادة. والثاني: ذبحاً، وهو قول مجاهد. والثالث: عيداً، وهو قول الكلبي والفراء، والمنسك في كلام العرب هو الموضع المعتاد، ومنه تسمية مناسك الحج، لاعتياد مواضعها. {لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} فيها وجهان: أحدهما: أنها الهدي، إذا قيل إن المنسك الحج. والثاني: الأضاحي، إذا قيل إن المنسك العيد. قوله عز وجل: {... وَبَشِّر الْمُخْبِتينَ} فيه تسعة تأويلات: أحدها:المطمئنين إلى ذكر إلههم، وهو قول مجاهد، ومنه قوله تعالى: {أية : فَتُخْبتْ لَهُ قُلُوبُهُم} تفسير : [الحج:54]. والثاني: معناه المتواضعين، وهو قول قتادة. والثالث: الخاشعين، وهو قول الحسن. والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع في الأخلاق والخشوع في الأبدان. والرابع: الخائفين، وهو معنى قول يحيى بن سلام. والخامس: المخلصين، وهو قول إبراهيم النخعي. والسادس: الرقيقة قلوبهم، وهو قول الكلبي. والسابع: أنهم المجتهدون في العبادة، وهو قول الكلبي ومجاهد. والثامن: أنهم الصالحون المطمئنون، وهو مروي عن مجاهد أيضاً. والتاسع: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلمواْ لم ينتصرواْ، وهو قول الخليل بن أحمد.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَنَسَكاً} حجاً، أو ذبحاً، أو وعيداً، والمنسك في كلامهم الموضع المعتاد، مناسك الحج لاعتياد مواضعها {بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} الهدى إن جعلنا المنسك الحج، أو الأضاحي إن جعلناه العيد {الْمُخْبِتِينَ} المطمئنين إلى ذكر الله ـ تعالى ـ أو المتواضعين، أو الخاشعين، الخشوع في الأبدان والتواضع في الأخلاق، أو الخائفين، أو المخلصين، أو الرقيقة قلوبهم، أو المجتهدون في العبادة، أو الصالحون المقلون، أو الذين لا يظلمون وإذا ظُلموا لم ينتصروا قاله الخليل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} [الآية: 34]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: المخبت الذى امتلأ قلبه من المحبة، وقصَّر طرفه عما دونه، كما أن الغريق شغله نفسه عن كل شىء سوى نفسه، كذلك المخبت شغله مولاه عن كل ما سواه. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى عن على بن موسى الرضا عن أبيه جعفر بن محمد رضى الله عنهم فى قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال: من أطاعنى ثم خافنى فى طاعتى وتواضع لأجلى بَشّر من اضطرب قلبه شوقًا إلى لقائى، وبَشّر من ذكرنى بالنـزول فى جوارى، وبشر من دمعت عيناه خوفًا لهجرى بشرهم "حديث : إن رحمتى سبقت غضبى ". تفسير : وقال أيضًا: بشر أمتك بالشفاعة. وقال أيضًا: بشر المشتاقين إلىَّ بالنظر إلى وجهى. وقال أيضًا: المخبتين فى التواضع كالأرض تحمل كل قدر، وتوارى كل نجس وخبث.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ}. الشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف، ثم هم فيها مختلفون: فقومٌ هم أصحاب التضعيف، فيما أوجب عليهم وجعل لهم، وقومٌ هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وُعَد لهم. قوله {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ} وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام: منها معرفتهم إنعام الله بذلك عليهم.. وذلك من حيث الشكر، ثم يذكرون اسمه على ما وفّقَهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يُثيبهم. قوله جلّ ذكره: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}. أي اسْتَسلموا لِحُكمه بلا تعبيسٍ ولا استكراهٍ من داخل القلب. والإسلام يكون بمعنى الإخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال، ثم تصفية الأنفاس. {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}: الإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة. ومنْ أماراتِ الإخباتِ كمالُ الخضوع بشرط دوام الخشوع، وذلك بإطراق السريرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولكل امة} من الامم لا لبعض منهم دون بعض فالتقديم للتخصيص {جعلنا منسكا} متعبدا وقربانا يتقربون به الى الله تعالى والمراد به اراقة الدماء لوجه الله تعالى. والمعنى شرعنا لكل امة مؤمنة ان ينسكوا له تعالى يقال نسك ينسك نسكا ونسوكا ومنسكا بفتح السين اذا ذبح القربان {ليذكروا اسم الله} خاصة دون غيره ويجعلوا نسكهم لوجهه الكريم علل الجعل به تنبيها على ان المقصود الاصلى من المناسك تذكر المعبود {على ما رزقهم من بهيمة الانعام} عند ذبحها وفى تبيين البهيمة باضافتها الى الانعام تنبيه على ان القربان يجب ان يكون من الانعام واما البهائم التى ليست من الانعام كالخيل والبغال والحمير فلايجوز ذبحها فى القرابين. وفى التأويلات النجمية ولكل سالك جعلنا طريقة ومقاما وقربة على اختلاف طبقاتهم فمنهم من يطلب الله من طريق المعاملات ومنهم من يطلبه من باب المجاهدات ومنهم من يطلبه به ليتمسك كل طائفة منهم فى الطلب بذكر الله على ما رزقهم من قهر النفس وكسر صفاتها البهيمية والانعامية فانهم لا يظفرون على اختلاف طبقاتهم بمنازلهم ومقاماتهم الا بقهر النفس وكسر صفاتها فيذكرون الله بالحمد والثناء على ما رزقهم من قهر النفس من العبور على المقامات والوصول الى الكمالات {فالهكم اله واحد} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الجعل المذكور والخطاب للكل تغليبا اى فالهاكم اله منفرد يمتنع ان يشاركه شىء فى ذاته وصفاته والا لاختل النظام المشاهد فى العالم {فله اسلموا} اى فاذا كان الهكم اله واحد فاجعلوا التقرب او الذكر سالما له اى خالصا لوجهه ولا تشوبوه بالاشراك وبالفارسية [بس مرورا كردن نهيد وقربانرا بشرك آميخته مسازيد]. وفى التأويلات النجمية والاسلام يكون بمعنى الاخلاص والاخلاص تصفية الاعمال من الآفات ثم تصفية الاخلاق من الكدورات ثم تصفية الاحوال من الالتفاتات ثم تصفية الانفاس من الاغيار {وبشر المخبتين} المتواضعين والمخلصين فان الخبث هو المطمئن من الارض وحقيقة المخبت من صار فى خبت الارض ولما كان الاخبات من لوازم التواضع والاخلاص صح ان يجعل كناية عنهما، قال الكاشفى [وبشارت ده اى محمد فروتنانرا بيزركى آن سرا ياترسكارانرا برحمت بى منتهى. سلمى قدس سره فرموده كه مزدة ده مشتاقانرا بسعادت لقاكه هيج مزده ازين فرح آفزاى ترنيست بس درصفت مخبتين ميفرمايد]

الجنابذي

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} يعنى لا بدع فى الأضحيّة كما يقوله العجم وتنكر اذى الحيوان ولا فى مناسك الحجّ كما يقول من لا خبرة له: انّ هذه الافعال ليست من افعال العقلاء، ولا فى مطلق العبادات كما يقوله المتصوّفة الاباحيّة لانّا جعلنا لكلّ امّةٍ منسكاً خاصّاً من القرابين والاضحيّات ومن المناسك المخصوصة فى ايّامٍ مخصوصةٍ او من العبادات والاوامر والنّواهى القالبيّة والقلبيّة والرّياضات البدنيّة والنّفسيّة {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} قد مرّ بيان لبهيمة الانعام فى اوّل سورة المائدة، والتّعليل به للاشعار بانّ المقصود من جميع العبادات وجميع الانتفاعات والالتذاذات هو تذكّر المعبود لا غير {فَإِلَـٰهُكُمْ} يعنى ان كان متعبّداتكم متخالفاتٍ فلا ينبغى لكم التّخالف والتّباغض بسبب انّ الهكم {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} وهذا يقتضى الاتّفاق لا الاختلاف {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} اى انقادوا او اجعلوا انفسكم ذوات سلامة من الآفات او القيود الّتى تورثكم اللّجاج والعناد {وَبَشِّرِ} خطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب فيكون فى معنى وبشّروا عطفاً على اسلموا اى اسلموا له وبشّروا {ٱلْمُخْبِتِينَ} من الخبت بمعنى المكان المتّسع او من الخبيت بمعنى الحقير ولعلّ التّوصيف بالاوصاف الآتية كان باعتبار المعنيين وفسّر بالخاشعين باعتبار تحقير النّفس وبالمطمئنّ الى الله باعتبار معنى الاتّساع.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي: حجاً وذبحاً {لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}. وقد فسّرناه في الآية الأولى. قوله: {فَإِلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} يقوله للمشركين. قوله: {وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ} تفسير الحسن أن المخبتين هم الخاشعون. والخشوع المخافة الثابتة في القلب. وقال بعضهم: المخبتون المطمئنون بالإِيمان كقوله: (أية : فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)تفسير : [الحج: 54] أي: خافت قلوبهم، أي: فتطمئن قلوبهم. وقال: (أية : الذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ) تفسير : [الرعد: 28].

اطفيش

تفسير : {وَلِكُلِ أُمَّةٍ} لكل أهل دين قبلكم من المؤمنين أو المراد مطلق الامم مؤمنة أو مشركة فالمؤمنة نفعها نسكها والمشركة ان نسكت لم ينفعها {جَعَلْنَا مَنسَكاً} مصدر ميمي أي عبادة أو تقربا إلى الله بقربان يذبحونه أو حجا. وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين على انه اسم مكان اي موضع طاعة وعبادة أو موضع ذبح أو حج وموضع الحج مكة ويجوز تفسير المفتوح بالمكان ايضا بل الفتح فيه هو القياس لان مضارعه مضموم العين فتح عين الماضي أو ضم ولم يرد مصدره الا بالفتح على القياس وظاهر بعض ورود الكسر فيه {لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} عند النحر أو الذبح هذا دليل على كون المنسك في امر الحج وخص الانعام لان غيرها لا يجوز في الحج ولا في قرابين الاولين. قيل: سميت البهيمة بهيمة لانها لا تتكلم وفي التعليل اشعار بان المقصود من المناسك تذكر المعبود. {فَإِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فلا تذكروا على الذبح الا اسمه ولا تعبدوا سواه {فَلَهُ أَسْلِمُوا} اخضعوا واخشعوا وانقادوا واخلصوا التقرب والذكر فانه الرازق لا غيره أو (اسلموا) بمعنى آمنوا وتعديته باللام لما مر {وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ} المتواضعين لله بالطاعة والاخلاص والخشوع والاطمئنان بالايمان و (الخبت) المطمئن من الارض بانخفاض واستواء. وعن الحسن (المخبت) الخاشع وقال عمر وابن أويس: (المخبتون) الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتضروا.

اطفيش

تفسير : {ولكلِّ أمَّة جَعَلنا مَنْسكاً} عطف على قوله تعالى: "أية : لكم فيها منافع" تفسير : [الحج: 33] قيل أو على من يعظم الخ، والمنسك اسم مكان ميمى أى موضع النسك، أى مذهبا من طاعته تعالى أو مصدر ميمى أى نفس النسك، والنسك العبادة مطلقا، وقيل المراد هنا الذبح تقربا إلى الله عز وجل، وقال قتادة الحج {ليذْكُروا اسْم الله} خاصة لقوله: {فإلهكم إله واحد} وقوله: "أية : فاجَتنبُوا الرِّجس من الأوثان" تفسير : [الحج: 30] {على ما رزَقَهُم مِنْ بهيمَةِ الأنعام} عند ذبحها، {فإلهكُم إلهٌ واحِدٌ} لأن إلهكم إله واحد ترتيب للإسلام على وحدانيته {فلهُ أسْلمُوا وبشِّر المُخْبتين} المطمئنين بالإسلام اطمئنانا يترتب عليه التواضع، وانتفاء الظلم منهم للناس، وعدم الانتصار إذا ظلمهم غيرهم، والرضا بقضاء الله سبحانه، والاجتهاد فى العبادة من الإخبات وهو نزول الخبث وهو ما اطمأن من الأرض، وفى ذلك مناسبة للحاج.

الالوسي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا} عطف على قوله سبحانه {أية : لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ}تفسير : [الحج: 33] أو على قوله تعالى: { أية : وَمَن يُعَظّمْ } تفسير : [الحج:32] الخ وما في البين اعتراض على ما قيل، وكأني بك تختار الأول؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام عليه عند نظير الآية، والمنسك موضع النسك إذا كان اسم مكان أو النسك إذا كان مصدراً، وفسره مجاهد هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى فجعله مصدراً وحمل النسك على عبادة خاصة وهو أحد استعمالاته وإن كان في الأصل بمعنى العبادة مطلقاً وشاع في أعمال الحج. وقال الفراء: المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير وبر وفسره هنا بالعيد، وقال قتادة: هو الحج. وقال ابن عرفة {مَنسَكًا} أي مذهباً من طاعته تعالى. واختار الزمخشري ما روي عن مجاهد وهو الأوفق أي شرع لكل أهل دين أن يذبحوا له تعالى على وجه التقرب لا لبعض منهم، فتقديم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص. وقرأ الأخوان وابن سعدان وأبو حاتم عن أبـي عمرو ويونس ومحبوب وعبد الوارث {منسكًا} بكسر السين، قال ابن عطية وهو في هذا شاذ ولا يجوز في القياس ويشبه أن يكون الكسائي سمعه من العرب، قال الأزهري: الفتح والكسر / فيه لغتان مسموعتان. {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} خاصة دون غيره تعالى كما يفهمه السياق والسباق، وفي تعليل الجعل بذلك فقط تنبيه على أن المقصود الأهم من شرعية النسك ذكره عز وجل {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام فلا يجوز بالخيل ونحوها. والفاء في قوله تعالى: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} قيل للتعليل وما بعدها علة لتخصيص اسم الله تعالى بالذكر، والفاء في قوله سبحانه: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} لترتيب ما بعدها من الأمر بالإسلام على وحدانيته عز وجل، وقيل: الفاء الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها أيضاً فإن جعله تعالى لكل أمة من الأمم منسكاً يدل على وحدانيته جل وعلا، ولا يخفى ما في وجه الدلالة من الخفاء، وتكلف بعضهم في بيانه بأن شرع المنسك لكل أمة ليذكروا اسم الله تعالى يقتضي أن يكون سبحانه إلٰهاً لهم لئلا يلزم السفه ويلزم من كونه تعالى إلٰهاً لهم أن يكون عز وجل واحداً لأنه لا يستحق الألوهية أصلاً من لم يتفرد بها فإن الشركة نقص وهو كما ترى. وفي «الكشف» لما كانت العلة لقوله سبحانه: {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} ذكر اسمه تعالى على المناسك ومعلوم أن الذكر إنما يكون ذكراً عند مواطأة القلب اللسان وذكر القلب إشعار بالتعظيم جاء قوله تعالى: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} مسبباً عنه تسبباً حسناً. واعترض بقوله تعالى: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} لأنه يؤكد الأمر بالإخلاص ويقوي السبب تقوية بالغة ويؤكد أيضاً كون الذكر هو المقصود من شرعية النسك انتهى، وهو يشعر بأن الفاء الأولى للاعتراض والفاء الثانية للترتيب. ولعل ما ذكر أولاً أظهر، وأما ما قيل من أن الفاء الأولى للتعليل والمعلل محذوف والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإلٰه فإن إلٰهكم إلٰه واحد فمما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى الجليل كما لا يخفى، وإنما قيل: {إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} ولم يقل واحد لما أن المراد بيان أنه تعالى واحد في ذاته كما أنه واحد في إلٰهيته؛ وتقديم الجار على الأمر للقصر، والمراد أخلصوا له تعالى الذكر خاصة واجعلوه لوجهه سالماً خالصاً لا تشوبوه بإشراك. {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} خطاب له صلى الله عليه وسلم، والمخبتون المطمئنون كما روي عن مجاهد أو المتواضعون كما روي عن الضحاك وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون الناس وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال سفيان: هم الراضون بقضاء الله تعالى. وقال الكلبـي: هم المجتهدون في العبادة، وهو من الإخبات وأصله كما قال الراغب: نزول الخبت وهو المطمئن من الأرض، ولا يخفى حسن موقع ذلك هنا من حيث إن نزول الخبت مناسب للحاج.

ابن عاشور

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَـٰمِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ} عطف على جملة{أية : ثم محلها إلى البيت العتيق}تفسير : [الحج: 33]. والأمة: أهل الدين الذين اشتركوا في اتباعه. والمراد: أنّ المسلمين لهم منسك واحد وهو البيت العتيق كما تقدم. والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ جعلوا لأصنامهم مناسك تشابه مناسك الحج وجعلوا لها مواقيت ومذابح مثل الغَبْغَب مَنحر العُزّى، فذكرهم الله تعالى بأنه ما جعل لكل أمّة إلاّ منسكاً واحداً للقربان إلى الله تعالى الذي رزق الناس الأنعام التي يتقربون إليه منها فلا يحق أن يُجعل لغير الله منسك لأنّ ما لا يخلق الأنعام المقرّب بها ولا يرزقها الناسَ لا يسْتحق أن يُجعل له منسكٌ لِقربانها فلا تتعدد المناسك. فالتنكير في قوله {منسكاً} للإفراد، أي واحداً لا متعدداً، ومحلّ الفائدة هو إسناد الجعل إلى ضمير الجلالة. وقد دل على ذلك قوله: {ليذكروا اسم الله} وأدلّ عليه التفريع بقوله {فإلهكم إله واحد}. والكلام يفيد الاقتداء ببقيّة الأمم أهل الأديان الحق. و{على}يجوز أن تكون للاستعلاء المجازي متعلقة بــــ {يذكروا اسم الله} مع تقدير مضاف بعدَ {على}تقديره: إهداء ما رزقهم، أي عند إهداء ما رزقهم، يعني ونحرها أو ذبحها. ويجوز أن تكون {على}بمعنى: لام التعليل. والمعنى: ليذكروا اسم الله لأجل ما رزقهم من بهيمة الأنعام. وقد فرع على هذا الانفرادُ بالإلهية بقوله: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا} أي إذ كان قد جعل لكم منسكاً واحداً فقد نبهكم بذلك أنه إله واحد، ولو كانت آلهة كثيرة لكانت شرائعها مختلفة. وهذا التفريع الأول تمهيد للتفريع الذي عقبه وهو المقصود، فوقع في النظم تغيير بتقديم وتأخير. وأصل النظم: فلله أسلموا، لأن إلهكم إله واحد. وتقديم المجرور في {فله أسلموا} للحصر، أي أسلموا له لا لغيره. والإسلام: الانقياد التام، وهو الإخلاص في الطاعة، أي لا تخلصوا إلا لله، أي فاتركوا جميع المناسك التي أُقيمت لغيرِ الله فلا تنسكوا إلاّ في المنسك الذي جعله لكم، تعريضاً بالرد على المشركين. وقرأ الجمهور {مَنسَكاً} ــــ بفتح السين ــــ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ــــ بكسر السين ــــ، وهو على القراءتين اسم مكان للنَّسْك، وهو الذبح. إلا أنه على قراءة الجمهور جارٍ على القياس لأن قياسه الفتح في اسم المكان إذ هو من نسك ينسك ــــ بضمّ العين ــــ في المضارع. وأما على قراءة الكسر فهو سماعي مثل مَسجد من سجد يسجد، قال أبو عليّ الفارسي: ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب. {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِين ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} اعتراض بين سوق المنن، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحاب هذه الصفات هم المسلمون. والمُخْبِت: المتواضع الذي لا تكبُّر عنده. وأصل المخبت مَن سلك الخَبْت. وهو المكان المنخفض ضد المُصعد، ثم استعير للمتواضع كأنه سلك نفسه في الانخفاض، والمراد بهم هنا المؤمنون، لأنّ التواضع من شيمهم كما كان التكبّر من سمات المشركين قال تعالى: {أية : كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}تفسير : [غافر: 35]. والوَجل: الخوف الشديد. وتقدّم في قوله تعالى: {أية : قال إنا منكم وجلون}تفسير : في[سورة الحجر: 52]. وقد أتبع صفة {المخبتين}بأربع صفات وهي: وجل القلوب عند ذكر الله، والصّبر على الأذى في سبيله، وإقامة الصلاة، والإنفاق. وكلّ هذه الصفات الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود مَن جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا يجد ما ينفق منه وإنما المقصود مَن لم يُخِل بواحدة منها عند إمكانها. والمراد من الإنفاق الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأنّ ذلك هو دأب المخبتين. وأما الإنفاق على الضيف والأصحاب فذلك مما يفعله المتكبرون من العرب كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين}تفسير : [البقرة: 180]. وهو نظير الإنفاق على الندماء في مجالس الشراب. ونظير إتمام الإيسار في مواقع الميسر، كما قال النّابغة:شعر : أني أتمم أيساري وأمنحهم مثنَى الأيادي وأكسوا الجفنة الأُدما تفسير : والمراد بالصبر: الصبر على ما يصيبهم من الأذى في سبيل الإسلام. وأما الصبر في الحروب وعلى فقد الأحبّة فمما تتشرك فيه النفوس الجلْدة من المتكبرين والمخبتين. وفي كثير من ذلك الصبر فضيلة إسلامية إذا كان تخلقاً بأدب الإسلام قال تعالى: {أية : وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 155ــــ156] الآية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين: أي المتواضعين لله المطمئنين الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت قلوبهم: أي خافت من الله جل وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من الأذى، ومتعلق التبشير محذوف لدلالة المقام عليه أي بشرهم بثواب الله وجنته. وقد بين في موضع أخر: أن الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: هم المؤمنون حقاً وكونهم هم المؤمنين حقاً، يجعلهم جديرين بالبشارة المذكورة هنا. وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الأنفال: 2] الآية. وأمره في موضع آخر أن يبشر الصابرين على ما أصابهم مع بيان بعض ما بشروا به، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 155-157]. واعلم: أن وجل القلوب عند ذكر الله أي خوفها من الله عند سماع ذكره لا ينافي ما ذكره جل وعلا، من أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكر الله كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28] ووجه الجمع بين الثناء عليهم بالوجل الذي هو الخوف عند ذكره جل وعلا، مع الثناء عليهم بالطمأنينة بذكره، والخوف والطمأنينة متنافيان هو ما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وهو أن الطمأنينة بذكر الله تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، وصدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فطمأنينتهم بذلك قوية لأنها لم تتطرقها الشكوك، ولا الشبه والوجل عند ذكر الله تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن الهدى، وعدم تقبل الأعمال، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}تفسير : [آل عمران: 8] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 60] وقال تعالى: {أية : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ".

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 34- ليست هذه الفرائض التى تتعلق بالحج خاصة بكم، فقد جعلنا لكل جماعة مؤمنة قرابين يتقرَّبون بها إلى الله، ويذكرون اسمه ويعظِّمونه عند ذبحها شكراً له على ما أنعم عليهم، ويسره لهم من بهائم الإبل والبقر والغنم، والله الذى شرع لكم ولهم إله واحد، فأسْلِمُوا له - وحده - أمركم وأخلصوا له عملكم، ولا تشركوا معه أحداً، وَبَشِّر - أيها النبى - بالجنة والثواب الجزيل المخلصين لله من عباده. 35- الذين إذا ذكر الله اضطربت قلوبهم من خشيته وخشعت لذكره، والذين صبروا على ما أصابهم من المكاره والمتاعب استسلاماً لأمره وقضائه، وأقاموا الصلاة على أكمل وجوهها، وأنفقوا بعض أموالهم التى رزقهم الله إياها فى سبيل الخير. 36- وقد جعلنا ذبح الإبل والبقر فى الحج من أعلام الدين ومظاهره، وإنكم تتقربون بها إلى الناس، ولكم فيها خير كثير فى الدنيا بركوبها وشُرْب لبنها، وفى الآخرة بالأجر والثواب على ذبحها وإطعام الفقراء منها، فاذكروا اسم الله عليها حال كونها مصطفة مُعَدَّة للذبح خالية من العيب. فإذا تم لكم ذبحها فكلوا بعضها إن أردتم، وأطعموا الفقير القانع المتعفف عن السؤال، والذى دفعته حاجته إلى ذل السؤال، وكما سخَّرنا كل شئ لما نريده منه سخرناها لنفعكم، وذللناها لإرادتكم لتشكرونا على نعمنا الكبيرة عليكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: منسكاً: أي ذبائح من بهيمة الأنعام يتقربون بها إلى الله تعالى، ومكان الذبح يقال له منسك. فله أسلموا: أي انقادوا ظاهراً وباطناً لأمره ونهيه. وبشر المخبتين: أي المطيعين المتواضعين الخاشعين. وجلت قلوبهم: أي خافت من الله تعالى أن تكون قصَّرتْ في طاعته. والبدن : جمع بدنة وهي ما يساق للحرم من إبل وبقر ليذبح تقرباً إلى الله تعالى. من شعائر الله: أي من أعلام دينه، ومظاهر عبادته. صوآف: جمع صافَّة وهي القائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى. فإذا وجبت جنوبها: أي بعد أن تسقط على جنوبها على الأرض لا روح فيها. القانع والمعتر: القانع السائل والمعتر الذي يتعرض للرجل ولا يسأله حياء وعفة. كذلك سخرناها: أي مثل هذا التسخير سخرناها لكم لتركبوا عليها وتحملوا وتحلبوا. لعلكم تشكرون: أي لأجل أن تشكروا الله تعالى بحمده وطاعته. لن ينال الله لحومها: أي لا يرفع إلى الله لحم ولا دم، ولكن تقواه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. لتكبروا الله على ما هداكم: أي تقولون الله أكبر بعد الصلوات الخمس أيام التشريق شكراً له على هدايته إياكم. وبشر المحسنين: أي الذين يريدون بالعبادة وجه الله تعالى وحده ويؤدونها على الوجه المشروع. معنى الآيات: ما زال السياق في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يكملهم ويسعدهم في الدارين فقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي ولكل أمة من الأمم السابقة من أهل الإِيمان والإِسلام جعلنا لهم مكان نسك يتعبدوننا فيه ومنسكاً أي ذبح قربان ليتقربوا به إلينا، وقوله: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} أي شرعنا لهم عبادة ذبح القربان لحكمة: وهو أن يذكروا اسمنا على ذبح ما يذبحون ونحر ما ينحرون بأن يقولوا بسم الله والله أكبر. وقوله تعالى: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي فمعبودكم أيها الناس معبود واحد {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} وجوهكم وخصوه بعبادتكم ثم قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} برضواننا ودخول دار كرامتنا ووصف المخبتين معرفاً بهم الذين تنالهم البشرى على لسان رسول الله فقال {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} لهم أو بينهم {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خافت شعوراً بالتقصير في طاعته وعدم أداء شكره والغفلة عن ذكره {وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} من البلاء فلا يجزعون ولا يتسخطون ولكن يقولون إنا لله وإنا إليه راجعون، {وَٱلْمُقِيمِي} الصلاة أي بأدائها في أوقاتها في بيوت الله مع عباده المؤمنين ومع كامل شرائطها وأركانها وسننها {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} مما قل أو كثر ينفقون في مرضاة ربهم شكراً لله على ما آتاهم وتسليماً بما شرع لهم وفرض عليهم. وقوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} أي الإِبل والبقر مما يُهدى إلى الحرم جعلنا ذلكم من شعائر ديننا ومظاهر عبادتنا، {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} عظيم وأجر كبير عند ربكم يوم تلقوه إذ ما تقرب متقرب يوم عيد الأضحى بأفضل من دم يهرقه في سبيل الله وعليه {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} اي قولوا بسم الله والله أكبر عند نحرها، وقوله: {صَوَآفَّ} أي قائمة على ثلاثة معقولة اليد اليسرى، فإذا نحرتموها ووجبت أي سقطت على جنوبها فوق الأرض ميتة {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ} الذي يسألكم {وَٱلْمُعْتَرَّ} الذي يتعرض لكم ولا يسألكم حياءاً، وقوله تعالى: {سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} أي مثل ذلك التسخير الذي سخرناهم لكم فتركبوا وتحلبوا وتذبحوا وتأكلوا سخرناهم لكم من أجل أن تشكرونا بالطاعة والذكر. وقوله تعالى في آخر آية في هذا السياق وهي [37] قوله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} أي لن يرفع إليه لحم ولا دم ولن يبلغ الرضا منه، ولكن التقوى بالإِخلاص وفعل الواجب والمندوب وترك الحرام والمكروه هذا الذي يرفع إليه ويبلغ مبلغ الرضا منه. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي كذلك التسخير الذي سخرها لكم لعلَّة أن تكبروا الله على ما هداكم إليه من الإِيمان والإِسلام فتكبروا الله عند نحر البدن وذبح الذبائح وعند أداء المناسك وعقب الصلوات الخمس أيام التشريق. وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} أمر الله تعالى رسوله والمبلغ عنه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يبشر باسمه المحسنين الذين أحسنوا الإِيمان والإِسلام فوحدوا الله وعبدوه بما شرع وعلى نحو ما شرع متبعين في ذلك هدى رسوله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات 1- ذبح القربان مشروع في سائر الأديان الإِلهية وهو دليل على أنه لا إله إلا الله إذ وحدة التشريع تدل على وحدة المشرع. وسر مشروعية ذبح القربان هو أن يذكر الله تعالى، ولذا وجب ذكر اسم الله عند ذبح ما يذبح ونحر ما ينحر بلفظ بسم الله والله أكبر. 2- تعريف المخبتين أهل البشارة السارة برضوان الله وجواره الكريم. 3- وجوب ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام. 4- بيان كيفية نحر البدن، وحرمة الأخذ منها قبل موتها وخروج روحها. 5- الندب إلى الأكل من الهدايا ووجوب إطعام الفقراء والمساكين منها. 6- وجوب شكر الله على كل إنعام. 7- مشروعية التكبير عند أداء المناسك كرمي الجمار وذبح ما يذبح وبعد الصلوات الخمس أيام التشريق. 8- فضيلة الإِحسان وفوز المحسنين ببشرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدٌ} {ٱلأَنْعَامِ} (34) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ مِنَ الأَدْيَانِ السَّالِفَةِ ذَبْحاً يَذْبَحُونَهُ، وَدَماً يُرِيقُونَهُ (مَنسَكاً) عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ ذَلِكَ لَهُمْ لِكَيْ يَذْكُرُوا اللهَ حِينَ ذَبْحِها، وَيَشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِم مِنَ الخَيْرِ والصِّحَّةِ والأَنْعَامِ. ثُمَّ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِأََنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بالأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مَعْبُودَكُمْ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ العِبَادَاتُ بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ والأَمْكِنَةِ، وَنَسَخَ بَعْضُها بَعْضاً، فالمَقْصُودُ مِنْهَا جَمِيعاً عِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَه الكَريمَ بِأنْ يُبَشِّرَ عِبَادَه الخَاضِعِينَ المُسْتَكينِينَ (المُخْبِتِينَ) لَهُ بِمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ. المَنْسَكُ - العِبَادَةُ مُطْْلقاً، ثُمَّ أُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَى شَعَائِرِ الحَجِّ وَيُرَادُ بِهَا هُنَا الذَّبْحُ وَإِرَاقَةُ الدَّم تَقَرُّباً إِلَى اللهِ. المُخْبِتِينَ - المُطْمَئِنِّينَ، المُتَواضِعِينَ للهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المنسك: هو العبادة، كما جاء في قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ..} تفسير : [الأنعام: 162]. ومعنى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ..} [الحج: 34] لأن الشعائر والمناسك والعبادات ليس من الضروري أنْ تتفق عند جميع الأمم، بل لكل أمة ما يناسبها، ويناسب ظَرْفها الزمني والبيئي. لذلك، فإن الرسل لا تأتي لتُغير القواعد والأسس التي يقوم عليها الدين؛ لأن هذه القواعد وهذه الأسس ثابتة في كل رسالات السماء، لا تتبدل ولا تتغير بتغيُّر الرسل. يقول تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..}تفسير : [الشورى: 13]. هذا في الأصول العَقَدية الثابتة، أما في الفرعيات فنرى ما يصلح المجتمع، وما يناسبه من طاعات وعبادات. ثم يُبيِّن الحق سبحانه الحكمة من هذه المناسك: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ..} [الحج: 34] أي: يذكروا الله في كل شيء، ويشكروه على كل نعمة ينالونها من بهيمة الأنعام. لذلك نذكر الله عند الذبح نقول: بسم الله، الله أكبر، لماذا؟ لأن الذبح إزهاق روح خلقها الله، وما كان لك أنْ تزهقها بإرادتك، فمعنى "بسم الله والله أكبر" هنا أنني لا أزهق روحها من عندي، بل لأن الله أمرني وأباحها لي، فالله أكبر في هذا الموقف من إرادتك، ومن عواطفك. ونرى البعض يأنف من مسألة الذَّبْح هذه، يقول: كيف تذبحون هذا الحيوان أو هذه الدجاجة؟ يدَّعي الرحمة والشفقة على هذه الحيوانات، لكنه ليس أرحم بها من خالقها، وما ذبحناها إلا لأن الله أحلَّها، وما أكلناها إلا بسم الله، بدليل أن ما حرمه الله علينا لا نقرب منه أبداً. وهل أنا أكرم القطة عن الأرنب، فأذبح الأرنب وأترك القطة؟ وهل احترم الكلب عن الخروف؟ أبداً، المسألة مسألة تشريع وأمر ثبت عن الله، فَعَليَّ أنْ أُعظِّمه وأُطيعه. وقوله تعالى: {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ..} [الحج: 34] الرزق يعني: أنه تعالى أوجدها لك، وملكك إياها، وذَلَّلها لك فاستأنسْتها وسخّرها لك فانتفعتَ بها، ولولا تسخيره ما انقادتْ لك بقُوتك وقدرتك. ثم يقول سبحانه: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [الحج: 34] يعني: إنِ اختلفت الشرائع من أمة لأمة فإيَّاك أنْ تظنَّ أن هذا من إله، وهذا من إله آخر، إنما هو إله واحد يشرِّع لكل أمة ما يناسبها وما يصلحها؛ لأن التشريعات السماوية تأتي علاجاً لآفات اجتماعية. والأصل الأصيل هو إيمان بإله واحد فاعل قادر مختار، يُبلِّغ عنه رسول بمعجزة تُبيِّن صدقه في التبليغ عن الله. هذا أصل كل الديانات السماوية، كذلك قواعد الدين وأساسياته واحدة مُتفق عليها، فالسرقة والزنا وشهادة الزور.. إلخ كلها مُحرَّمة في كل الأديان. لكن، هناك أمور تناسب أمة، ولا تناسب أخرى، والمشرِّع للجميع إله واحد، الناس جميعاً من لَدُن آدم وإلى أنْ تقومَ الساعة عياله، وهم عنده سواء، لذلك يختار لكلٍّ ما يُصلحه. ألا ترى ربَّ الأسرة كيف يُنظِّم حياة أولاده - ولله المثَل الأعلى - فيقول: هذا يفعل كذا، وهذا يفعل كذا، وإذا جاء الطعام قال: هذا يأكل كذا وكذا لأنه مريض مثلاً، لا يناسبه طعام الآخرين، ويأمر الأم أنْ تُعِدَّ لهذا المريض ما يناسبه من الطعام. ذلك لأنه رَاعٍ للجميع مسئول عن الجميع، وعليه أنْ يراعيَ مصلحة كل واحد منهم على حِدَة. إذن: اختلاف التشريعات في هذه المسائل الجزئية بين الأمم لا يعني تعدُّد الآلهة كلاَّ وحاشا لله، بل هو إله واحد، يعطي عباده كُلاً على حسب حاجته، كي يتوازنَ المجتمع ويستقيم حاله. نذكر أنه كان عند طبيب الوحدة الصحية دورقان، في كل منهما مزيج معين، وكان يعطي كل المرضى مع اختلاف أمراضهم من هذين النوعين فقط؛ لذلك كانت عديمة الجدوى، أما الآن فالطبيب الماهر لا بُدَّ أن يُجري على مريضه الفحوص والتحاليل اللازمة ليقف على مرضه بالتحديد، ثم يصف العلاج المناسب لهذه الحالة بمقادير دقيقة تُبرئ المرض ولا تضرُّ المريض من ناحية أخرى .. كذلك الأمر في اختلاف الشرائع السماوية بين الأمم. وما دام أن إلهكم إله واحد، وما دُمْتم عنده سواء، وليس منكم مَنْ هو ابنٌ الله، ولا بينه وبين الله قرابة. إذن: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ ..} [الحج: 34] يعني: أَسلِموا كل أموركم لله، فإنْ أمر فعظِّموا أمره، وخذوه على الرَّحْب والسَّعَة، فإنْ ترك مجالاً لاختيارك فاصنع ما تشاء. ولا تنسَ أن الله تعالى أعطاك فرصة للترقِّي الإيماني، وللترقِّي الإحساني، وفتح لك مجال الإحسان إنْ أردتَ. ثم يقول سبحانه: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] المخبت: في المعنى العام: يعني الإنسان الخاشع الخاضع المتواضع لكل أوامر الله، والمعنى الدقيق للمخبت: هو الذي إذا ظُلم لا ينتصر لنفسه، عملاً بقول الله تعالى : {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] هكذا بلام التوكيد. أما في وصية لقمان لولده: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [لقمان: 17] بدون توكيد لماذا؟ قالوا: لأن لقمان يوصي ولده بالصبر على ما أصابه، والمصائب قسمان: مصيبة تصيب الإنسان، وله فيها غريم هو الذي أوقع به المصيبة، وهذه يصاحبها غضب وسعار للانتقام، ومصيبة تصيب الإنسان وليس له غريم كالمرض مثلاً، فإنْ كان له غريم فالصبر أشدُّ، لذلك احتاج إلى التوكيد، على خلاف المصيبة التي ليس أمامك فيها غريم، فهي من الله فالصبر عليها أهونُ من الأولى. ومع ذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - للنفس البشرية منافذ تُنفِّس من خلالها عن نفسها، حتى لا يختمر بداخلها الغضب، فيتحول إلى حقد وضغينة، قد تؤدي إلى أكثر مما وقع بك؛ لذلك أباح لك الرد لكن حبَّبك في مَرَاقٍ أخرى، هي أجدى لك، فقال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. وهذه مراحل ثلاث، تختار منها بحَسْب فَهْمك عن الله وقُربْك منه: الأولى: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ..} تفسير : [آل عمران: 134] يعني: تكظم غيظك في نفسك، دون أنْ تترجم هذا الغيظ إلى عمل نزوعيّ فتنتقم، فالغيظ - إذن - مسألة وجدانية في القلب، وموجود في مواجيد نفسه، وهذه مرحلة. الثانية: {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 134] يعني: لا ينتقم، ولا حتى يجعل للغَيْظ مكاناً في نفسه، فيُصفِّيها من مشاعر الحَنَق والغيظ راضياً. الثالثة: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] وهي أعلى المراتب، وهي ألا تكتفي بالعفو، بل وتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك، والبعض يقول: هذا ضد طباع البشر، نعم هي ضد طباع البشر العاديين، لكن الذين يعرفون الجزاء، ويعرفون أنهم بذلك سيكونون في حضانة ربهم يهون عليهم هذا العمل، بل ويُحبون الإحسان إلى مَنْ أساء. لذلك؛ فالحسن البصري - رضوان الله عليه - لما بلغه أنَّ شخصاً نال منه في أحد المجالس - وكان الوقت بواكير الرُّطَب - أرسل خادمه إليه بطبق من الرطب، وقال له: بلغني أنك أهديْتَ إليَّ حسناتك بالأمس. ومعلوم أن الحسنات أغلى وأثمن بكثير من طبق الرُّطَب. ومن هنا يقولون: ما أعجب من الذي يُسيء إلى مَنْ أساء إليه، لأنه أعطاه حسناته، وهي خلاصة عمله، فكيف يُسِيء إليه؟! وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُحدِث توازناً في المجتمع، ويقضي على دواعي الحقد وأسباب الضغائن في النفس البشرية، فحين تُحسِن إلى مَنْ يُسِيء إليك فإنك تجتثّ جذور الكُرْه والحِقْد من نفسه، كما قال سبحانه وتعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34] فقد أخرجتَ خَصْمك من قالب الخصومة، إلى قالب الولاية والمحبة. فالمخْبِت المتواضع لله. أما غير المخبِت فتراه متكبراً (يتفرعن) على مَنْ حوله، ويرى نفسه أعظم من الجميع، ولو أنه استحضر جلال ربه لخشع له، وتواضع وانكسر لخَلْقه، فالتكبر دليل غفلة عن عظمة الله، كأنه لم يشهد خالقه. إذن: تستطيع أن تقول أن الإخبات على نوعين: إخبات لله بالخضوع والخشوع والتعظيم لأوامره، وإخبات لخَلْق الله، بحيث لا ينتصر لظلمه ولا يظلم، إنما يتسامح ويعفو؛ لأنه يعلم جيداً أنه إذا ظُلِم من مخلوق تعصَّب له الخالق. ولك أن تنظر إلى أولادك إذا ظلم أحدهم الآخر فإلى مَنْ تنحاز، ومع مَنْ تتعاطف؟ لا شك أنك ستميل إلى المظلوم، وتحنو عليه، وتريد أنْ تُعوِّضه عَمَّا لحقه من الظلم، حتى إن الظالم ليندم على ظُلْمه؛ لأنه ميَّز أخاه المظلوم عليه، وربما تمنى أنْ يكونَ هو المظلوم لا الظالم. كذلك حال المخبِت يرى أن الخَلْق جميعاً عيال الله، وأن أحبّهم إليه أرأفهم بعياله؛ لذلك يعفو عَمَّن ظلمَه، ويترك أمره لله رب الجميع، كما أن المظلوم إذا رَدَّ الظلم فإنه يَردُّه بقوته ومقدرته هو، إنما إنْ ترك الردَّ لله جاء الردُّ على مقدار قوته سبحانه. مَلْحظ آخر ينبغي أن يتنبه له المظلوم قبل أن يُفكِّر في الانتقام، وهو: مَنْ يدريك لعلك ظلمتَ أنت أيضاً دون أنْ تدري، لعل للناس عندك مظالم لا تشعر بها، وليست في حُسبْانك، فالمسألة - إذن - لك وعليك. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم دعوتَ على مَنْ ظلمك ". تفسير : وهذا مباح لك بقوله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ..}تفسير : [النساء: 148] يعني: أعطيناك فرصة أنْ تدعو على من ظلمك. ثم يقول سبحانه: "حديث : ودعا عليك مَنْ ظلمتَه، فإنْ شئتَ أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت أخَّرتكُما للآخرة فيسعكُما عَفْوي ". تفسير : فالمخبت يستحضر هذا كله، ويركن إلى العفو والتسامح؛ ليأخذ رَبَّه عز وجل في صفه؛ لذلك يقولون: لو علم الظالم ما أعدَّه الله للمظلوم من الكرامة لضَنَّ عليه بالظلم. فحين ترى المظلوم يعفو عنك ويتسامح معك، فلا تظن أنك أخضعته لك، إنما هو خضع لله الذي سيرفعه عليك، ويُعْلي رأسه عليك في يوم من الأيام. لذلك من أنماط السلوك السوي إذا تشاجر اثنان يقول أحد العقلاء: لكما أب نرد عليه، أو لكما كبير نرجع إليه في هذه الخصومة. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} [الآية: 34]. يعني: إِهراقة الدماءِ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} [الآية: 34]. قال: المطمئنين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {صَوَآفَّ} [الآية: 36]. قال: قائمة أَو صواف. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الآية: 36]. يقول: إِذا سقطت إِلى الأَرض. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلْقَانِعَ}: الطامع. (الْمُعْتَرَّ): الذي يعتر عن البدن من غني أَو فقير [الآية: 36]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}. قال: خرج ناس مؤمنون مهاجرون من مكة إلى المدينة فاتبعهم كفار قريش، فأَذن الله لهم في قتالهم، فأَنزل الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} [الآية: 39]. فقاتلوهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الآية: 40]. يقول: يدفع بعضهم بعضاً في الشهادة، وفي الحق وفي مثل هذا. يقول: لولا هذا لأُهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الصوامع": صوامع الرهبان، والبيع "والكنائس" والصلوات والمساجد لأَهل الكتاب وأَهل الإِسلام بالطريق [الآية: 40. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الآية: 45]. قال: يعني بالقصة. انبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [الآية: 51]. يعني: مبطئين. يقول: يبطئون عن اتباع محمد، صلى الله عليه وسلم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذَا تَمَنَّىٰ} [الآية: 52]. قال: يعني إِذا قال.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} معناه المُطيعون. وقال: المُتواضعونَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولكل أمة من الأمم السالفة جعلنا منسكا، أي: فاستبقوا إلى الخيرات وتسارعوا إليها، ولننظر أيكم أحسن عملا والحكمة في جعل الله لكل أمة منسكا، لإقامة ذكره، والالتفات لشكره، ولهذا قال: { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } وإن اختلفت أجناس الشرائع، فكلها متفقة على هذا الأصل، وهو ألوهية الله، وإفراده بالعبودية، وترك الشرك به ولهذا قال: { فَلَهُ أَسْلِمُوا } أي: انقادوا واستسلموا له لا لغيره، فإن الإسلام له طريق إلى الوصول إلى دار السلام. { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده ، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده، { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } من البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره، { وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ } أي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي بـ { من } المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه. فيا أيها المرزوق من فضل الله، أنفق مما رزقك الله، ينفق الله عليك، ويزدك من فضله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 682 : 22 : 17 - سفين عن سعيد بن مسروق عن عكرمة {وَلِكُلِّ (أُمَّةٍ) جَعَلْنَا مَنسَكاً} قال، ذبايح هم ذابحوها. [الآية 34]. 683 : 23 : 25 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال، المطمينين. [الآية 34].

همام الصنعاني

تفسير : 1931- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}: [الآية: 34]، قال: هم المتواضعون. أنبأنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}: [الآية: 34]، قال: المخبتون، المتواضعون.