٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: البدن جمع بدنة كخشب وخشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال: « حديث : البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة » تفسير : ولأنه قال: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة. المسألة الثانية: قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة، وابن أبي إسحق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرىء بالنصب والرفع كقوله: { أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يس:39] والله أعلم. المسألة الثالثة: إذا قال لله عليَّ بدنة، هل يجوز له نحرها في غير مكة؟ قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة، ولو قال: لله عليَّ جزور، أنه يذبحه حيث شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدي فإنه تعالى قال: { أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة:95] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ } فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي، أجاب أبو حنيفة رحمه الله بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن. أما قوله تعالى: {جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ } فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدى في الحج جاز أن يقول {جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ } أما قوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } فالكلام فيه ما تقدم في قوله: { أية : لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ } تفسير : [الحج: 33] وإذا كان قوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع، أما قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك، أما قوله: {صَوَآفَّ }، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرىء صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشركون، وعن عمرو ابن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الإطلاق عند الوقف، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه، وأما قوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها {فَكُلُواْ مِنْهَا } وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ } القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعاً إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع. أما قوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ } فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } والمراد لكي تشكروا. قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، والكلام عليه قد تقدم غير مرة. أما قوله تعالى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم، ومعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10]. المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم. المسألة الثالثة: كلهم قرأوا {يَنَالَ ٱللَّهَ } ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل. ثم قال: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ } كما قال من قبل { أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } تفسير : [الحج: 34] والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.
القرطبي
تفسير : فيها عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ} وقرأ ابن أبي إسحاق «والبُدُن» لغتان، واحدتها بَدَنة. كما يقال: ثمرة وثُمُر وثُمْر، وخشبة وخُشُب وخُشْب. وفي التنزيل: «وكان له ثُمُر» وقرىء «ثمْر» لغتان. وسميت بَدَنة لأنها تَبْدُن، والبدانة السِّمن. وقيل: إن هذا الاسم خاص بالإبل. وقيل: البُدْن جمع «بَدَن» بفتح الباء والدال. ويقال: بَدُن الرجل «بضم الدال» إذا سَمِن. وبدّن «بتشديدها» إذا كبِر وأسنّ. وفي الحديث: «إني قد بدّنت» أي كبِرت وأسننت. وروي «بَدُنْت» وليس له معنى؛ لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم، ومعناه كثرة اللحم. يقال: بَدُن الرجل يبدُن بُدْناً وبَدانة فهو بادن؛ أي ضخم. الثانية: اختلف العلماء في البُدْن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا؛ فقال ابن مسعود وعطاء والشافعيّ: لا. وقال مالك وأبو حنيفة: نعم. وفائدة الخلاف فيمن نذر بَدَنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة؛ فهل تجزيه أم لا؛ فعلى مذهب الشافعيّ وعطاء لا تجزيه. وعلى مذهب مالك تجزيه. والصحيح ما ذهب إليه الشافعيّ وعطاء؛ «حديث : لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة»»تفسير : الحديث. فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبَدَنة يدلّ على أن البقرة لا يقال عليها بدنة؛ والله أعلم. وأيضاً قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يدل على ذلك؛ فإن الوصف خاص بالإبل. والبقر يضجع ويذبح كالغنم؛ على ما يأتي. ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة، والضخامة توجد فيهما جميعاً. وأيضاً فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل؛ حتى تجوز البقرة في الضحايا عن سبعةٍ كالإبل. وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعيّ على ذلك، وليس ذلك في مذهبنا. وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة، وهو قول شاذ. والبُدْن هي الإبل التي تُهْدَى إلى الكعبة. والهَدْي عامّ في الإبل والبقر والغنم. الثالثة: قوله تعالى: {مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} نصٌّ في أنها بعض الشعائر. وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} يريد به المنافع التي تقدم ذكرها. والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة. الرابعة: قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} أي انحروها على اسم الله. و«صوافّ» أي قد صفّت قوائمها. والإبل تُنحر قياماً معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل؛ يقال: صَفَن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثَنَى سُنْبُك الرابعة؛ والسّنبك طرف الحافر. والبعير إذا أرادوا نحره تُعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعريّ «صَوَافِيَ» أي خوالص لله عز وجل لا يشركون به في التسمية على نحرها أحداً. وعن الحسن أيضاً «صوافٍ» بكسر الفاء وتنوينها مخفّفةً، وهي بمعنى التي قبلها، لكن حذفت الياء تخفيفاً على غير قياس و«صوافَّ» قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها؛ من صفّ يَصُفّ. وواحد صوافّ صافة، وواحد صوافي صافية. وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي «صوافِن» بالنون جمع صافنة. ولا يكون واحدها صافناً؛ لأن فاعلاً لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس عليها؛ وهي فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وخالف وخوالف. والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعَقْل لئلا تضطرب. ومنه قوله تعالى: {أية : ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} تفسير : [صۤ: 31]. وقال عمرو بن كُلْثوم:شعر : تركنا الخيلَ عاكفةً عليه مقلَّدةً أعنَّتَها صُفُونَا تفسير : ويروى:شعر : تظل جيادُه نَوْحاً عليه مقلَّدةً أعنَّتَها صُفُونَا تفسير : وقال آخر:شعر : ألِف الصُّفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : وقال أبو عمرو الجَرْمِيّ: الصافن عرق في مقدم الرجل، فإذا ضرب على الفرس رفع رجله. وقال الأعشى:شعر : وكلّ كُمَيْت كجذع السَّحو ق يَرْنُو القِناء إذا ما صَفَنْ تفسير : الخامسة: قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصوافّ فقال: تقيّدها ثم تصفها. وقال لي مالك بن أنس مثله. وكان العلماء على استحباب ذلك؛ إلا أبا حنيفة والثّوريّ فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياماً. وشذّ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة. والصحيح ما عليه الجمهور؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} معناه سقطت بعد نحرها؛ ومنه وَجَبت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زياد بن جُبير أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بَدَنته باركةً فقال: ابعثها قائمة مقيَّدة سنةَ نبيّكم صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه كانوا ينحرون البَدَنة معقولة اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائمها. السادسة: قال مالك: فإن ضَعُف إنسان أو تخوّف أن تنفلت بَدَنته فلا أرى بأساً أن ينحرها معقولة. والاختيار أن تُنحر الإبل قائمة غير معقولة؛ إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تُعَرْقَب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها. ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب. وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أَيْده فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها، فلما أسنّ كان ينحرها باركة لضعفه، ويمسك معه الحربة رجل آخرُ، وآخر بِخطامها. وتضجع البقر والغنم. السابعة: ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع. وكذلك الأضحيّة لا تجوز قبل الفجر. فإذا طلع الفجر حل النحر بمِنًى، وليس عليهم انتظار نحر إمامهم؛ بخلاف الأضحيّة في سائر البلاد. والمنحر مِنًى لكل حاج، ومكة لكل معتمِر. ولو نحر الحاج بمكة والمعتمرُ بمنًى لم يَحْرَج واحد منهما، إن شاء الله تعالى. الثامنة: قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط. قال قيس بن الخَطِيم:شعر : أطاعت بنو عوف أميراً نهاهُم عن السِّلْم حتى كان أوّل واجبِ تفسير : وقال أوْس بن حَجَر: شعر : ألم تكسف الشمسُ والبدرُ والـ ـكواكبُ للجبل الواجب تفسير : فقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة. كنّى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنّى عن النحر والذبح بقوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا}. والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح. قال الشاعر:شعر : فتركته جَزَرَ السباعِ يَنُشْنَه ما بين قُلّة رأسه والمِعْصَمِ تفسير : وقال عنترة:شعر : وضـربـت قَـرْنَـيْ كبـشـهـا فَتَـجـدّلا تفسير : أي سقط مقتولاً إلى الجَدالة، وهي الأرض؛ ومثله كثير. والوُجوب للجَنْب بعد النحر علامة نزف الدّم وخروج الروح منها، وهو وقت الأكل، أي وقت قرب الأكل؛ لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ. ولا تسلخ حتى تَبْرُد لأن ذلك من باب التعذيب؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق. التاسعة: قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر معناه الندب. وكل العلماء يستحبّ أن يأكل الإنسان من هَدْيه، وفيه أجر وامتثال؛ إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هَدْيهم كما تقدّم. وقال أبو العباس بن شُريح: الأكل والإطعام مستحبان، وله الاقتصار على أيهما شاء. وقال الشافعي: الأكل مستحب والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه، وهذا فيما كان تطوّعاً؛ فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئاً حسبما تقدّم بيانه. العاشرة: قوله تعالى: {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} قال مجاهد وإبراهيم والطبريّ: قوله: «وأطعِموا» أمر إباحةٍ. و«القانِع» السائل. يقال: قَنَع الرجل يَقْنَع قنوعاً إذا سأل، بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل، يقنَع قناعة فهو قَنِع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل؛ مثل حمِد يحمَد، قَناعة وقَنَعا وقَنَعانا؛ قاله الخليل. ومن الأوّل قول الشّماخ:شعر : لمَالُ المرء يُصلِحْه فيُغْنِي مَفاقِرَه أعفُّ من القُنُوع تفسير : وقال ابن السِّكيت: من العرب من ذكر القُنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا والتعفّف وترك المسألة. وروي عن أبي رجاء أنه قرأ «وأطعِموا القَنِع» ومعنى هذا مخالف للأوّل. يقال: قَنِع الرجل فهو قَنِع إذا رضي. وأما المعترّ فهو الذي يُطيف بك يطلب ما عندك، سائلاً كان أو ساكتاً. وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ ومجاهد وإبراهيم والكلبيّ والحسن بن أبي الحسن: المعتّر المعترض من غير سؤال. قال زهير:شعر : على مُكْثِرِيهم رزقُ من يعتريهمُ وعند المُقِلّين السماحةُ والبَذْلُ تفسير : وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع الفقيرُ، والمعتر الزائر. وروي عن الحسن أنه قرأ «والمعترِيَ» ومعناه كمعنى المعتر. يقال: اعترّه واعتراه وعرّه وعرَّاه إذا تعرّض لما عنده أو طلبه؛ ذكره النحاس.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلْبُدْنَ} جمع بدنة كخشب وخشبة، وأصله الضم وقد قرىء به وإنما سميت بها الإِبل لعظم بدنها مأخوذة من بدن بدانة، ولا يلزم من مشاركة البقرة لها في أجزائها عن سبعة بقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة»تفسير : تناول اسم البدنة لها شرعاً. بل الحديث يمنع ذلك وانتصابه بفعل يفسره. {جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ } ومن رفعه جعله مبتدأ. {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى. {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } منافع دينية ودنيوية. {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } بأن تقولوا عند ذبحها الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. {صَوَافَّ } قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرىء «صوافن» من صفن الفرس إذا قام على ثلاث. وعلى طرف حافر الرابعة لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرىء «صوافنا» بإبدال التنوين من حرف الإِطلاق عند الوقف و «صوافي» أي خوالص لوجه الله، و «صوافي» بسكون الياء على لغة من يسكن الياء مطلقاً كقولهم: أعط القوس باريها. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت. {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ } الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ويؤيده قراءة «القنع»، أو السائل من قنعت إليه قنوعاً إذا خضعت له في السؤال. {وَٱلْمُعْتَرَّ } والمعترض بالسؤال، وقرىء «والمعتري» يقال عره وعراه واعتره واعتراه. {كَذٰلِكَ } مثل ما وصفنا من نحرها قياماً. {سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ } مع عظمها وقوتها حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لبانها. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } إنعامنا عليكم بالتقرب والإِخلاص.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إليه، كما قال تعالى: {أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [المائدة: 2] الآية، قال ابن جريج: قال عطاء في قوله: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مِّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ} قال: البقرة والبعير، وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري، وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل (قلت): أما إطلاق البدنة على البعير. فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً؛ كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة؛ كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزىء البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في "مسند الإمام أحمد" و"سنن النسائي" وغيرهما، فالله أعلم. وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي: ثواب في الدار الآخرة، وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق دم. وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً» تفسير : رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه، وقال سفيان الثوري: كان أبو حاتم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول لكم: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}. وعن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» تفسير : رواه الدارقطني في "سننه". وقال مجاهد: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قال: أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها. وقوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف، أتى بكبش فذبحه، فقال: «حديث : باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عباس عن جابر قال: ضحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: «حديث : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته» تفسير : ثم سمى الله وكبَّر وذبح. وعن علي بن الحسين عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى، اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس، أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «حديث : اللهم هذا عن أمتي جميعها: من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ» تفسير : ثم يؤتى بالآخر، فيذبحه بنفسه، ثم يقول: «حديث : هذا عن محمد وآل محمد» تفسير : فيطعمهما جميعاً للمساكين، ويأكل هو وأهله منهما، رواه أحمد وابن ماجه. وقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} قال: قياماً على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، وكذلك روي عن مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو هذا. وقال ليث عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى، قامت على ثلاث، وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه. وقال الضحاك: تعقل رجل واحدة، فتكون على ثلاث. وفي "الصحيحين" عن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، رواه أبو داود. وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار: أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن، وانحر من شقها الأيسر. وفي "صحيح مسلم" عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: {صوافِنَ} أي: معقلة قياماً. وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: من قرأها: صوافن، قال: معقولة، ومن قرأها: صواف، قال: تصف بين يديها، وقال طاوس والحسن وغيرهما: "فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفيَ" يعني: خالصة لله عز وجل، وكذا رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: صوافي: ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم. وقوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني: سقطت إلى الأرض، وهو رواية عن ابن عباس، وكذا قال مقاتل بن حيان. وقال العوفي عن ابن عباس: فإذا وجبت جنوبها، يعني: نحرت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فإذ وجبت جنوبها، يعني: ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها. وقد جاء في حديث مرفوع: «حديث : لا تعجلوا النفوس أن تزهق» تفسير : وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن قرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب: أنه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في "صحيح مسلم": «حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» تفسير : وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وقوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} قال بعض السلف: قوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب، وهو وجه لبعض الشافعية. واختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي عن ابن عباس: القانع: المستغني بما أعطيته، وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك، ويلم بك أن تعطيه من اللحم، ولا يسأل، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القانع: المتعفف، والمعتر: السائل، وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه. وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: القانع: هو الذي يقنع إليك ويسألك، والمعتر: الذي يعتريك يتضرع ولا يسألك، وهذا لفظ الحسن. وقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل، ثم قال: أما سمعت قول الشماخ:شعر : لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فيُغْني مَفاقرَهُ أعفُّ من القُنوعِ تفسير : قال: يغني من السؤال، وبه قال ابن زيد. وقال زيد بن أسلم: القانع: المسكين الذي يطوف، والمعتر: الصديق والضعيف الذي يزور، وهو رواية عن ابنه عبد الله بن زيد أيضاً. وعن مجاهد أيضاً: القانع: جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك، والمعتر: الذي يعتريك من الناس، وعنه: أن القانع هو الطامع، والمعتر هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، وعن عكرمة نحوه، وعنه: القانع: أهل مكة، واختار ابن جرير أن القانع هو السائل؛ لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعتراء، وهو الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله منها، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}. وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: «حديث : إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم»تفسير : . وفي رواية: «حديث : فكلوا وادخروا وتصدقوا»تفسير : . وفي رواية: «حديث : فكلوا وأطعموا وتصدقوا»تفسير : . والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} تفسير : [الحج:28] ولقوله في الحديث: «حديث : فكلوا وادخروا وتصدقوا»تفسير : فإن أكل الكل، فقيل: لا يضمن شيئاً، وبه قال ابن سريج من الشافعية. وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل: يضمن نصفها، وقيل: ثلثها. وقيل: أدنى جزء منها، وهو المشهور من مذهب الشافعي. وأما الجلود، ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي: «حديث : فكلوا وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها» تفسير : ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم. (مسألة) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك، فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس هو من النسك في شيء» تفسير : أخرجاه، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك؛ لما جاء في "صحيح مسلم": وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام. وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم، فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر، إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم. وأما أهل الأمصار، فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام، والله أعلم. ثم قيل: لا يشرع بالذبح إلا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار؛ لتيسر الأضاحي عندهم، وأما اهل القرى، فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع، وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي؛ لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيام التشريق كلها ذبح» تفسير : رواه أحمد وابن حبان. وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول غريب. وقوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول تعالى: من أجل هذا {سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ} أي: ذللناها لكم، أي: جعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 71 ــــ 73] وقال في هذه الآية الكريمة: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْبُدْنَ } جمع (بَدَنَةَ) وهي: الإِبل {جَعَلْنَٰهَا لَكُمْ مّن شَعَٰئِرِ ٱللَّهِ } أعلام دينه {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } نفع في الدنيا كما تقدّم، وأجرٌ في العقبى {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } عند نحرها {صَوَافَّ } قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } سقطت إلى الأرض بعد النحر، وهو وقت الأكل منها {فَكُلُواْ مِنْهَا } إن شئتم {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقانِعَ } الذي يقنع بما يُعطَى ولا يَسأل ولا يتعرّض {وَٱلْمُعْتَرَّ } السائل أو المتعرّض {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك التسخير {سَخَّرْنَٰهَا لَكُمْ } بأن تُنحر وتركب، وإلا لم تطق {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } إنعامي عليكم.
الشوكاني
تفسير : قرأ ابن أبي إسحاق: "وَٱلْبُدْنَ" بضم الباء والدال، وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان، وهذا الاسم خاص بالإبل. وسميت بدنة؛ لأنها تبدن، والبدانة: السمن. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على غير الإبل، والأوّل أولى لما سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل، ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل. وقال ابن كثير في تفسيره: واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين: أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً كما صح في الحديث {جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ } وهي ما تقدّم بيانه قريباً {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي منافع دينية ودنيوية كما تقدّم {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } أي على نحرها ومعنى {صَوَافَّ } أنها قائمة قد صفت قوائمها، لأنها تنحر قائمة معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري: "صوافي" أي خوالص لله لا تشركون به في التسمية على نحرها أحداً، وواحد صوافّ صافة، وهي قراءة الجمهور. وواحد صوافي صافية، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر ومحمد بن علي: "صوافن" بالنون جمع صافنة. والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ }تفسير : [صۤ: 31]، ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا تفسير : وقال الآخر:شعر : ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } الوجوب: السقوط،أي فإذا سقطت بعد نحرها، وذلك عند خروج روحها {فَكُلُواْ مِنْهَا } ذهب الجمهور أن هذا الأمر للندب {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ } هذا الأمر قيل: هو للندب كالأوّل، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج. وقال الشافعي وجماعة: هو للوجوب. واختلف في القانع من هو؟ فقيل: هو السائل، يقال: قنع الرجل بفتح النون يقنع بكسرها إذا سأل، ومنه قول الشماخ:شعر : لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعفّ من القنوع تفسير : أي السؤال، وقيل: هو المتعفف عن السؤال المستغني ببلغة، ذكر معناه الخليل. قال ابن السكيت: من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة. وبالأوّل قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وروي عن ابن عباس. وبالثاني قال عكرمة وقتادة. وأما المعترّ، فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن: أنه الذي يتعرّض من غير سؤال. وقيل: هو الذي يعتريك ويسألك. وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع: الفقير، والمعترّ: الزائر. وروي عن ابن عباس: أن كليهما الذي لا يسأل، ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعترّ الذي يتعرّض لك ولا يسألك. وقرأ الحسن: "والمعترّى" ومعناه كمعنى المعترّ ومنه قول زهير:شعر : على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل تفسير : يقال: اعترّه واعتراه وعرّه وعراه: إذا تعرّض لما عنده أو طلبه، ذكره النحاس {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ } أي مثل ذلك التسخير البديع سخرناها لكم، فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها. وتنتفعون بها بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهرها والحلب لها ونحو ذلك {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم. {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } أي لن يصعد إليه ولا يبلغ رضاه ولا يقع موقع القبول منه لحوم هذه الإبل التي تتصدّقون بها ولا دماؤها التي تنصب عند نحرها من حيث إنها لحوم ودماء {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ } أي يبلغ إليه تقوى قلوبكم، ويصل إليه إخلاصكم له وإرادتكم بذلك وجهه، فإن ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه. وقيل: المراد: أصحاب اللحوم والدماء، أي: لن يرضى المضحون والمتقرّبون إلى ربهم باللحوم والدماء، ولكن بالتقوى. قال الزجاج: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به، وحقيقة معنى هذا الكلام تعود إلى القبول، وذلك أن ما يقبله الإنسان يقال: قد ناله ووصل إليه، فخاطب الله الخلق كعادتهم في مخاطبتهم {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } كرّر هذا للتذكير، ومعنى {لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } هو قول الناحر: الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها. وذكر هنا التكبير. للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير: وصفه سبحانه بما يدلّ على الكبرياء، ومعنى {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ }: على ما أرشدكم إليه من علمكم بكيفية التقرّب بها، و"ما" مصدرية، أو موصولة {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ } قيل: المراد بهم: المخلصون. وقيل: الموحدون. والظاهر أن المراد بهم: كل من يصدر منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: البدن ذات الجوف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ليس البدن إلا من الإبل. وأخرجوا عن الحكم نحوه. وأخرجوا عن عطاء نحو ما قال ابن عمر. وأخرج ابن أبي شيبة عن، سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرباحي عن أبيه قال: أوصى إليّ رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ابن عباس فقلت له: إن رجلاً أوصى إليّ وأوصى ببدنة، فهل تجزىء عني بقرة؟ قال: نعم، ثم قال: ممن صاحبكم؟ فقلت: من بني رباح، فقال: ومتى اقتنى بنو رباح البقر إلى الإبل؟ وهم صاحبكم، إنما البقر للأسد وعبد القيس. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الأضاحي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال: سألت ابن عباس عن قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل: بسم الله والله أكبر. وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {صَوَافَّ } قال: قياماً معقولة، وفي الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلاً قد أناخ بدنته وهو ينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنّة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: في قراءة ابن مسعود: "صوافن" يعني: قياماً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {فَإِذَا وَجَبَتْ } قال: سقطت على جنبها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: نحرت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: {ٱلْقَـٰنِعَ }: المتعفف {وَٱلْمُعْتَرَّ }: السائل. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: القانع الذي يقنع بما آتيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القانع: الذي يقنع بما أوتي، والمعترّ: الذي يعترض. وأخرج عنه أيضاً قال: القانع الذي يجلس في بيته. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه عنه، أنه سئل عن هذه الآية، فقال: أما القانع: فالقانع بما أرسلت إليه في بيته، والمعترّ: الذي يعتريك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: القانع: الذي يسأل، والمعترّ: الذي يتعرض، ولا يسأل. وقد روي عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال مختلفة، والمرجع المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم في تفسير ذلك. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء فينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا }. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ} في البدن ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الإِبل، وهو قول الجمهور. والثاني: أنها الإِبل، والبقر، والغنم، وهو قول جابر، وعطاء. والثالث: كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل، والبقر، والغنم، وهو شاذ حكاه ابن الشجرة، وسميت بُدْناً لأنها مبدنة في السمن، وشعائر الله تعالى دينه في أحد الوجهين، وفروضه في الوجه الآخر. وتعمق بعض أصحاب الخواطر فتأول البُدْن أن تطهر بدنك من البدع، والشعائر أن تستشعر بتقوى الله وطاعته، وهو بعيد. {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} فيه تأويلان: أحدهما: أي أجر، وهو قول السدي. والثاني: منفعة فإن احْتِيجَ إلى ظهرها رُكبَ، وإن حُلِبَ لَبَنُها شُرِبَ، وهو قول إبراهيم النخعي. {فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوآفَّ} وهي قراءة الجمهور، وقرأ الحسن: صوافي، وقرأ ابن مسعود: صوافن. فتأول صواف على قراءة الجمهور فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مصطفة، ذكره ابن عيسى. والثاني: قائمة لتصفّد يديها بالقيود، وهو قول ابن عمر. والثالث: معقولة، وهو قول مجاهد. وتأويل صوافي، وهي قراءة الحسن: أي خالصة لله تعالى، مأخوذ من الصفوة. وتأويل صوافن وهي قراءة ابن مسعود: أنها مصفوفة، وهو أن تَعقِل إحدى يديها حتى تقف على ثلاث، مأخوذ من صفن الفرس إذا ثنى إحدى يديه حتى يقف على ثلاث، ومنه قوله تعالى: {الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} وقال الشاعر: شعر : الف الصفون مما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسـيراً تفسير : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبهُا} أي سقطت جنوبها على الأرض، ومنه وجب الحائط إذا سقط، ووجبت الشمس إذا سقطت للغروب، وقال أوس بن حجر: شعر : ألم تكسف الشمس ضوء النهار والبـدر للجبل الواجب تفسير : {فَكُلُواْ مِنْهَا} فيه وجهان: أحدهما: أن أكله منها واجب إذا تطوع بها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة. والثاني: وهو قول الجمهور أنه استحباب وليس بواجب، وإنما ورد الأمر به لأنه بعد حظر، لأنهم كانواْ في الجاهلية يحرمون أكلها على نفوسهم. {وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ والْمُعْتَرَّ} فيهم أربعة تأويلات: أحدها: أن القانع السائل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل، وهذا قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومنه قول الشماخ: شعر : لمالُ المرء يصلحه فيغني مفاقِرَه أعف من القُنُوع تفسير : أي من السؤال. والثاني: أن القانع الذي يقنع ولا يسأل، والمعتر الذي يسأل، وهذا قول قتادة، ومنه قول زهير: شعر : على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحةُ والبذلُ تفسير : والثالث: أن القانع المسكين الطوّاف، والمعتر: الصديق الزائر، وهذا قول زيد بن أسلم، ومنه قول الكميت: شعر : إما اعتياداً وإما اعتراراً تفسير : والرابع: أن القانع الطامع، والمعتر الذي يعتري البُدْنَ ويتعرض للحم لأنه ليس عنده لحم، وهذا قول عكرمة، ومنه قول الشاعر: شعر : على الطارق المعتر يا أم مالك إذا ما اعتراني بين قدري وصخرتي
ابن عطية
تفسير : البدن جمع بدنة وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة، قاله عطاء وغيره وسميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن، وقيل بل هذا الاسم خاص بالإبل، وقالت فرقة {البدن} جمع بَدَن بفتح الدال والباء ثم اختلفت، فقال بعضها {البدن} مفرد اسم جنس يراد به العظيم السمين من الإبل والبقر، ويقال للسمين من الرجال بدن، وقال بعضها {البدن} جمع بدنة كثمرة وثمر، وقرأ الجمهور "والبدْن" ساكنة الدال، وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وابن أبي إسحاق "البدُن" بضم الدال، فيحتمل أن يكون جمع بدنة كثمر، وعدد الله تعالى في هذه الآية نعمته على الناس في هذه {البدن}، وقد تقدم القول في "الشعائر"، و"الخير" قيل فيه ما قيل في المنافع التي تقدم ذكرها والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة، وقوله، {عليها} يريد عند نحرها، وقرأ جمهور الناس "صوافَّ" بفتح الفاء وشدها جمع صافَّة أي مصطفة في قيامها، وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري وشقيق وسليمان التيمي والأعرج "صوافي" جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى لا شركة فيها لشيء كما كانت الجاهلية تشرك، وقرأ الحسن أيضاً "صوافٍ" بكسر الفاء وتنوينها مخففة وهي بمعنى التي قبلها لكن حذفت الياء تخفيفاً على غير قياس وفي هذا نظر، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر محمد بن علي "صوافن" بالنون جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، والصافن من الخيل الرافع لفراهيته إحدى يديه وقيل إحدى رجليه ومنه قوله تعالى: {أية : الصافنات الجياد} تفسير : [ص: 31]. وقال عمرو بن كلثوم: شعر : تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا تفسير : و {وجبت}، معناه سقطت بعد نحرها، ومنه وجبت الشمس، ومنه قول أوس بن حجر: ألم تكسف الشمس والبدر والكواكب للجبل الواجب، وقوله {كلوا} ندب، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، وقال مجاهد وإبراهيم والطبري: هي إباحة، و {القانع}، السائل يقال قنَع الرجل يقنع قنوعاً إذا سأل، بفتح النون في الماضي، وقنِع بكسر النون يقنع قناعة فهو قنع إذا تعفف واستغنى، قاله الخليل ومن الأول قول الشماخ: شعر : لَمَالُ المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع تفسير : فمحرور القول من أهل العلم قالوا {القانع} السائل {والمعتر} المتعرض من غير سؤال، قاله محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن، وعكست فرقة هذا القول، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال {القانع} المستغني بما أعطيه {والمعتر} المتعرض، وحكي عنه أنه قال {القانع} المتعفف {والمعتر} السائل، وحكي عن مجاهد أنه قال {القانع} الجار وإن كان غنياً، وقرأ أبو رجاء "القنع" فعلى هذا التأويل معنى الآية أطعموا المتعفف الذي لا يأتي متعرضاً والمتعرض، وذهب أبو الفتح بن جني إلى أنه أراد القانع فحذف الألف تخفيفاً وهذا بعيد لأن توجيهه على ما ذكرته آنفاً أحسن وإنما يلجأ إلى هذا إذا لم توجد مندوحة، وقرأ أبو رجاء وعمرو بن عبيد "المعتري" والمعنى واحد، وروي عن أبي رجاء "والمعتر" بتخفيف الراء وقال الشاعر: [الطويل] شعر : لعمرك ما المعتر يغشى بلادنا لنمنعه بالضائع المتهضم تفسير : وذهب ابن مسعود إلى أن الهدي أثلاث، وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أطعم {القانع والمعتر} ثلثاً، والبائس الفقير ثلثاً، وأهلي ثلثاً، وقال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع وهذا كله على جهة الاستحسان لا على الفرض، ثم قال {كذلك} أي كما أمرناكم فيها بهذا كله {سخرناها لكم}، {ولعلكم}، ترجّ في حقنا وبالإضافة إلى نظرنا، وقوله، {ينال} عبارة مبالغة وتوكيد وهي بمعنى لن يرتفع عنده ويتحصل سبب ثواب، وقال ابن عباس إن أهل الجاهلية كانوا يضرجون البيت بالدماء فأراد المؤمنون فعل ذلك فنهى الله عن ذلك ونزلت هذه الآية، والمعنى ولكن ينال الرفعة عنده والتحصيل حسنة لديه، {التقوى}، أي الإخلاص والطاعات، وقرأ مالك بن دينار والأعرج وابن يعمر والزهري "تنال وتناله"، بتاء فيهما، والتسمية والتكبير على الهدي والأضحية هو أن يقول الذابح باسم الله والله أكبر، وروي أن قوله {وبشر المحسنين}، نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تقدم في التي قبلها فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْبُدْنَ} الإبل عند الجمهور، أو الإبل والبقر، أو ذوات الخف من الإبل والبقر والغنم حكاه ابن شجرة سميت بدناً لأنها مُبدنة بالسمن {شَعَائِرِ اللَّهِ} معالم دينه، أو فروضه {فِيهَا خَيْرٌ} أجر، أو ركوبها عند الحاجة وشرب لبنها عند الحلب {صَوَآفَّ} مصطفة، أو قائمة تصفُّ بين أيديها بالقيود، أو معقولة، قرأ الحسن "صوافي" أي خالصة لله ـ تعالى ـ من الصفوة، ابن مسعود "صوافن" معقولة إحدى يديها فتقوم على ثلاث، صفن الفرس ثنى إحدى يديه وقام على ثلاث وقال: شعر : ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} سقطت إلى الإرض، وجب الحائط سقط، وجبت الشمس غربت {فَكُلُواْ} يجب الأكل من المتطوع به، أو يستحب عند الجمهور ولا يجب، كانوا في الجاهلية يحرمون أكلها على أنفسهم. {الْقَانِعَ} السائل و {وَالْمُعْتَرَّ} المتعرّض بغير سؤال "ح" أو القانع الذي لا يسأل والمعتر يعتري فيسأل، أو القانع المسكين الطَّوَّاف والمعتر الصديق الزائر، أو القانع: الطامع، والمعتر الذي يعتري بالبدن ويتعرض للحم لأنه ليس عنده لحم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} البُدْنُ: جمع بدنة، وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة؛ قاله عطاء وغيره، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأَنها تبدن، أي: تسمن. وقيل: بل هذا الاسم خاصٌّ بالإبل، والخير هنا قيل فيه ما قيل في المنافع التي تَقدَّم ذكرُها، والصوابُ عُمُومُه في خير الدنيا والآخرة. وقوله: {عَلَيْهَا} يريد عند نَحْرِها، و {صَوَآفَّ}، أي: مُصْطَفَّةً، وقرأ ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل؛ لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل {أية : ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} تفسير : [ص:31]، و«وجبت» معناه: سقطت. وقوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا}: نَدْبٌ، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإِنسان من هديه، وفيه أَجْرٌ وامتثالٌ؛ إذْ كان أهل الجاهليَّةِ لا يأكلون من هديهم، وتحرير القول في {ٱلْقَانِعَ}: أنَّهُ السائل و {وَٱلْمُعْتَرَّ} المُتَعَرِّضُ من غير سؤال؛ قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وعكست فرقة هذا القول، فحكى الطبريُّ عن ابن عباس أنَّهُ قال: القَانِعُ: المُسْتَغني بما أعطيته، والمعترُّ: هو المتعرض, وحكي عنه أَنَّهُ قال: القَانِعُ: المُتَعَفِّفُ، والمُعترُّ: السائل. قال * ع *: يُقَالُ: قَنَعَ الرجلُ - بفتح النون - يَقْنَعُ قُنُوعاً فهو قَانِعٌ إذا سأل؛ فالقانع: هو السائل بفتح النون في الماضي، وقَنِعَ - بكسر النون - يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واستغنى ببلغته؛ قاله الخليل بن أحمد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} الآية. العامة على نصب "البُدْنَ" على الاشتغال، ورجح النصب وإن كان محوجاً للإضمار على الرفع الذي لم يحوج إليه، لتقدم جملة فعلية على جملة الاشتغال وقرئ برفعها على الابتداء والجملة بعدها الخبر والعامة أيضاً على تسكين الدال. وقرأ الحسن ويروى عن نافع وشيخه أبي جعفر بضمها، وهما جمعان لبدنة نحو ثَمَرة وثُمُر وثُمْر، فالتسكين يحتمل أن يكون تخفيفاً من المضموم وأن يكون أصلاً وقيل: البُدُن والبُدْن جمع بَدَن، والبَدَن جمع بَدَنَة نحو خشبة وخشب ثم يجمع خشباً على خُشْب وخُشُب. وقيل: البُدْن اسم مفرد لا جمع يعنون اسم الجنس. وقرأ ابن أبي إسحاق: "البُدُنّ" بضم الباء والدال وتشديد النون وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنه قرأ كالحسن فوقف على الكلمة وضعف لامها، كقولهم: هذا فرج ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك ويحتمل أن يكون اسماً على فُعُلّ كعُتُلّ. وسميت البدنة بدنة، لأنها تبدن أي تسمن. وهل تختص بالإبل؟ الجمهور على ذلك، قال الزمخشري: والبدن جمع بدنة سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألحق البقر بالإبل حين قال: "حديث : البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ" تفسير : فجعل البقر في حكم الإبل، فصارت البدنة متناولة في الشريعة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل، وعليه تدل الآية. وقيل: لا تختص بالإبل، فقال الليث: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير، وما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة. وقال عطاء وغيره: ما أشعر من ناقة أو بقرة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن البقر فقال: "حديث : وهَلْ هِيَ إِلاَ مِنَ البُدْن" تفسير : (وقيل: البدن يراد به العظيم السن من الإبل والبقر). ونقل النووي في تحرير ألفاظ التنبيه عن الأزهري أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم. ويقال للسمين من الرجال، وهو اسم جنس مفرد. قوله: {مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} هو المفعول الثاني للجعل بمعنى التصيير. وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} الجملة حال من هاء "جَعَلْنَاهَا"، وإما من "شَعَائِرِ اللَّهِ" وهذان مبنيان على أن الضمير في "فِيْهَا" هل هو عائد على "البُدْن" أو على "شعائر الله"، والأول قول الجمهور. قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ}. نصب "صَوَافَّ" على الحال، أي مصطفة جنب بعضها إلى بعض. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم "صَوَافِي" جمع صافية، أي: خالصة لوجه الله تعالى. وقرأ عمرو بن عبيد كذلك إلا أنه نون الياء فقرأ "صَوَافِياً". واستشكلت من حيث إنه جمع متناه، وخرجت على وجهين: أحدهما: ذكره الزمخشري: وهو أن يكون التنوين عوضاً من حرف الإطلاق عند الوقف، يعني أنه وقف على "صَوافِي" بإشباع فتحة الياء فتولد منها ألف، يسمى حرف الإطلاق، ثم عوض عنه هذا التنوين، وهو الذي يسميه النحويون تنوين الترنم. والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف ما لا ينصرف. وقرأ الحسن "صَوَافٍ" بالكسر والتنوين، وجهها أنه نصبها بفتحة مقدرة فصار حكم هذه الكلمة كحكمها حالة الرفع والجر في حذف الياء وتعويض التنوين نحو هؤلاء جوار، ومررت بجوار وتقدير الفتحة في الياء كثير كقولهم: شعر : 3765- أَعْطِ القَوْسَ بَارِيْهَا تفسير : وقوله: شعر : 3766- كَأَنَّ أَيْدِيْهِنَّ بِالقَاعِ القَرِقْ أَيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الوَرِقْ تفسير : وقول الآخر: شعر : 3767- وَكَسَوْتُ عَارٍ لَحْمَه تفسير : ويدل على هذه قراءة بعضهم "صَوَافِيْ" بياء ساكنة من غير تنوين نحو رأيت القاضي يا فتى. بسكون الياء. ويجوز أن يكون سكن الياء في هذه القراءة للوقف ثم أجرى الوصل مجراه. وقرأ العبادلة ومجاهد والأعمش "صَوَافِنَ" بالنون جمع صافنة، وهي التي تقوم على ثلاثة وطرف الرابعة أي: على طرف سنبكه، لأن البدنة تعلق إحدى يديها، فتقوم على ثلاثة إلا أن الصوافن إنما يستعمل في الخيل كقوله: "الصَّافِنَاتُ الجِيَاد" كما سيأتي، فيكون استعماله في الإبل استعارة. فصل سميت البدنة بدنة لعظمها يريد الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال: بَدَنَ الرجل بُدْناً وبَدَانَةً: إذا ضَخُم، فأما إذا أسن واسترخى يقال: بَدَّنَ تَبْدِيْناً. {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} أي: من أعلام دينه، سميت شعائر، لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هَدْي. {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} النفع في الدنيا والأجر في العقبى. {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} عند نحرها "صَوَافَّ" أي قياماً على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك لما روى زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال مجاهد: الصواف إذا علقت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث. قال المفسرون: قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} فيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، وهو أن يقال عند النحر: باسم الله والله أكبر ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. والحكمة في اصطفافها ظهور كثرتها للناظر فتقوى نفوس المحتاجين، ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً، وإعلاء اسم الله وشعائر دينه. فصل إذا قال: لله عليَّ بدنة، هل يجوز نحرها في غير مكة؟ قال أبو حنيفة ومحمد يجوز وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة. واتفقوا في من نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة. ومن قال: لله عليَّ جزور أنه يذبحه حيث شاء. وقال أبو حنيفة: البدنة بمنزلة الجزور، فوحب أن يجوز له نحرها حيث يشاء، بخلاف الهدي فإنه قال: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي. واحتج أبو يوسف بقوله: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي. وأجاب أبو حنيفة بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم، فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن. قوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض. وأصل الوجوب السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، ووجب الجدار: أي سقط، ومنه الواجب الشرعي كأنه وقع علينا ولزمنا. قال أوس بن حجر: شعر : 3768- أَلَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسِ شَمْسُ النَّهَا ر والبَدْرُ لِلْجَبَلِ الوَاجِبِ تفسير : قوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} أمر إباحة {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} اختلفوا في معناهما، فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل. والمعتر الذي يسأل. قال الأزهري: قال ابن الأعرابي: يقال: عَرَوْتُ فلاناً وأعْتَرَيْتُه وعَرَرْتَه واعْتَرَرْته: إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه. قال أبو عبيدة: روى العوفي عن ابن عباس: القانع الذي لا يتعرض ولا يسأل، والمعتر الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل. فعلى هذين التأويلين يكون القانع من القناعة، يقال: قَنِعَ قَنَاعَةً: إذا رضي بما قسم له. وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل. وقيل: القانع الراضي بالشيء اليسير من قَنِعَ يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قانع. والقنع بغير ألف هو السائل. ذكره أبو البقاء. وقال الزمخشري القانع السائل من قَنَعْتُ وكَنَعْتُ إذا خضعت له وسألته قنوعاً، والمُعتَرّ: المتعرض بغير سؤال أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال من قَنِعْتُ قَنَعاً وقَنَاعَةً، والمعتر المتعرض للسؤال. انتهى. وفرق بعضهم بين المعنيين بالمصدر فقال: "قَنَعَ يَقْنَع قُنُوعاً" أي: سأل، وقناعةً أي: تعفف ببلغته واستغنى به، وأنشد للشماخ: شعر : 3769- لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحه فيُغْنِي مَفَاقِرهُ أَعَفُّ مِنَ القُنُوْعِ تفسير : وقال ابن قتيبة: المعتر المتعرض من غير سؤال، يقال: عَرّهُ واعْتَرّهُ وَعَرَاهُ واعْتَرَاهُ أي: أتاه طالباً معروفه، قال: شعر : 3770- لَعَمْرُكَ مَا المُعْتَرُّ يَغْشَى بِلاَدَنَا لِنَمْنَعَهِ بِالضَّائِعِ المُتَهَضِّمِ تفسير : وقول الآخر: شعر : 3771- سَلِي الطَّارِقَ المُعْتَرَّ يا أُمَّ مَالِكٍ إِذَا ما اعْتَرَانِي بَيْنَ قِدْرِي وَمَجزَرِي تفسير : وقرأ أبو رجاء: "القَنِعَ" دون ألف، وفيها وجهان: أحدهما: أن أصلها القانع فحذف الألف كما قالوا: مِقْوَل، ومِخْيَط وجَنَدِل وعُلَبِط في مِقْوَال، ومِخْيَاط، وجَنَادِل، وعُلاَبِط. والثاني: أن القانع هو الراضي باليسير، والقَنِع السائل كما تقدم تقريره. قال الزمخشري: والقنع الراضي لا غير. وقرأ الحسن: "والمُعْتَرِي" اسم فاعل من اعْتَرَى يَعْتَرِي وقرأ إسماعيل ويروى عن أبي رجاء والحسن أيضاً "والمُعْتَرِ" بكسر الراء اجتزاء بالكسر عن لام الكلمة. وقرئ "المُعْتَرِي" بفتح التاء، قال أبو البقاء: وهو في معناه أي: في معنى "المُعْتَر" في قراءة العامة. قال بعضهم: والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر: هو الذي يعترض ويطالب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً. وقال ابن زيد: القانع المسكين، والمعتر الذي ليس بمسكين، ولا يكون له ذبيحة، ويجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم. قوله: "كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا". الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك المصدر، أي مثل وصفنا ما وصفنا من نحرها قياماً سخرناها لكم نعمة منا لتتمكنوا من نحرها. "لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون" لكي تشكروا إنعام الله عليكم. قوله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا} العامة على القراءة بياء الغيبة في الفعلين، لأن التأنيث مجازي، وقد وجد الفصل بينهما. وقرأ يعقوب بالتاء فيهما اعتباراً باللفظ. وقرأ زيد بن عليّ {لُحُومَهَا وَلاَ دِمَاءَها} بالنصب والجلالة بالرفع، "وَلكِنْ يُنَالُهُ" بضم الياء على أن القائم مقام الفاعل "التَّقْوَى". و"مِنْكُم" حال من التقوى، ويجوز أن يتعلق بنفس "يناله". فصل لما كانت عادة الجاهلية إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله عزَّ وجلَّ فأنزل الله هذه الآية {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا}. قال مقاتل: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها. {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي ولكن يرفع إليه منكم الأعمال الصالحة، وهي التقوى والإخلاص وما أريد به وجه الله. فصل قالت المعتزلة: دلَّت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به فعله دون الجسم الذي ينحره. وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أمره. وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه، وجب أن يكون تقواه فعلاً له، وإلا كان تقواه بمنزلة اللحوم. ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى، وصاحب الكبيرة غير مُتَّقٍ، فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له. والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم. وأما الرابع: فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً، ولكنه مُتَّقٍ فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص، فوجب أن تكون طاعته مقبولة، وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم. قوله: "كَذَلِكَ سَخَّرهَا" الكاف نعت مصدر أو حال من ذلك المصدر "وَلِتُكَبِّرُوا" متعلق به أي إنما سخرها كذلك لتكبروا الله، وهو التعظيم بما يفعله عند النحر وقبله وبعده. و{عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} متعلق بالتكبير، عُدِّي بعلى لتضمنه معنى الشكر على ما هداكم أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، ثم قال بعده على سبيل الوعد لمن امتثل أمره "وَبَشِّر المُحْسِنِيْن" كما قال من قبل "وَبَشِّر المُخْبِتِيْن" قال ابن عباس: المحسنين الموحدين. والمحسن الذي يفعل الحسن من الأعمال فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.
البقاعي
تفسير : ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها، وكانت الإبل أعظمها خلقاً، وأجلها في أنفسهم أمراً، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين معبراً بالاسم الدال على عظمها، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم الماضية، فقال عاطفاً على قوله {جعلنا منسكاً} أو يكون التقدير والله أعلم: فأشركناكم مع الأمم الماضية في البقر والغنم {والبدن} أي الإبل أي المعروفة بعظم الأبدان - {جعلناها} أي بعظمتنا، وزاد في التذكير بالعظمة بذكر الاسم العلم فقال: {لكم من شعائر الله} أي أعلام دين الملك الأعظم ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها الإشعار، وهو أن يطعن بحديدة في سنامها، تمييزاً لما يكون منها هدياً عن غيره. ولما نبه على ما فيها من النفع الديني، نبه على ما هو أعم منه فقال: {لكم فيها خير} بالتسخير الذي هو من منافع الدنيا، والتقريب الذي هو من منافع الآخرة؛ روى الترميذي وحسنه وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً" تفسير : والدارقطني في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد " تفسير : ولما ذكر ما فيها، سبب عنه الشكر فقال: {فاذكروا اسم الله} أي الذي لا سمي له {عليها} أي على ذبحها بالتكبير، حال كونها {صواف} قياماً معقلة الأيدي اليسرى، فلولا تعظيمه بامتثال شرائعه، ما شرع لكم ذبحها وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم جرماً وأقوى {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت سقوطاً بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلاً، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع "حديث : ولا تعجلوا النفس أن تزهق"تفسير : وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ذلك. ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل ممنها للأمر بتقريبها لله تعالى، قال نافياً لذلك: {فكلوا منها} إذا كانت تطوعاً إن شئتم الأكل، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها قرباناً {وأطعموا القانع} أي المتعرض للسؤال بخضوع وانكسار {والمعتر} أي السائل، وقيل: بالعكس، وهو قول الشافعي رحمه الله، قال في كتاب اختلاف الحديث: والقانع هو السائل، والمعتر هو الزائر والمار، قال الرازي في اللوامع: وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين تدل على الإقبال على الشيء، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس، فالقانع: السائل، لإقباله على من يساله، والقانع: الراضي الذي لا يسأل، كأنه مقبل على الشيء الذي هو راض به. ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على هذه الكيفية مع قوتها وكبرها أمراً باهراً للعقل عند التأمل، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه فقال: {كذلك} أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار {سخرناها} بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك {لكم} وذللناها ليلاً ونهاراً مع عظمها وقوتها، ولو شئنا جعلناها وحشية {لعلكم تشكرون*} أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره، فتوقعوا الشكر بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم، ولا تحلوا إلا ما أحل، وتشهدوا منها ما حث على إهدائه، وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم. ولما حث على التقرب بها مذكوراً اسمه عليها، وكان من مكارم الأخلاق، وكان أكثرهم يفعله، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم، ويشرحون اللحم، ويضعونه حوله، زاعمين أن ذلك قربة، وقد كان بعض ذلك شرعاً قديماً، نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال: {لن ينال} أي يصيب ويبلغ ويدرك. ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه، كان تقديم اسمه على الفاعل أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر، فقال معبراً بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار: {الله} أي رضا الملك الذي له صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر {لحومها} المأكوله {ولا دماؤها} المهراقة {ولكن يناله التقوى} أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن تقي صاحبها سخط الله، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال اموامر التي هي نهايات لذلك، الكائنة {منكم} الحاملة على التقرب التي بها يكون له روح القبول، المحصلة للمأمول؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى. فإذا نالته سبحانه النية قبل العمل فتلقى اللقمة "فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل جبل" "ووقع الدم منه بمكان" فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات لذات الروح، فقد تفيد النية من غير عمل كما قال صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ما معناه. "حديث : إن بالمدينة رجالاً ما نزلنا منزلاً ولا قطعنا وادياً إلا كانوا فيه حبسهم العذر"تفسير : ولا يفيد العمل بغير نية، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمداً والله الموفق؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبهاً على ما أوجب عليهم به فقال: {كذلك} أي التسخير العظيم {سخرها} أي الله الجامع لصفات الكمال {لكم} بعظمته وغناه عنكم {لتكبروا}. ولما ذكر التكبير، صوره بالاسم الأعظم فقال: {الله} وضمن التكبير فعل الشكر، فكان التقدير: شاكرين له {على ما هداكم} أي على هدايتكم له والأمور العظيمة التي هداكم إليها. ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة، وكان السياق لأجل ما تقدم من شعائر الحج، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق، ذكرها مشيراً إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير: فأنذر أيها الداعي المسيئين: {وبشر المحسنين*} أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى. ولما ذكر سبحانه الحج المذكر للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في غزوة بدر، وذكر ما يفعل فيه من القربات، عظم اشتياق النفوس إلى ذلك وتذكرت علو المشركين الذي يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ومنعهم لمن أراد هذه الأفعال، على هذه الأوصاف الخالصة، والأحوال الصالحة، وفتنتهم له، فأجابها سبحانه عن هذا السؤال بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {يدافع عن الذين آمنوا} لأنهم بدخولهم في الإيمان لم يكونوا مبالغين في الخيانة ولا في الكفر فهو يحبهم، فكيف بالمحسنين الذين ختمت بهم الآية السالفة، أي فيظهرهم على عدوهم - هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف، وفي قراءة الباقين مبالغة بإخراج الفعل على المغالبة، فكأنه قال: بشرهم بأن الله يدفع عنهم، ولكنه تعالى أظهر الأوصاف ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير، فعبر بالفعل الماضي ترغيباً، أي لكل من أوقع هذا الوصف في الخارج إقياعاً ما دفع عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {لا يحب} أي لا يكرم كما يفعل المحب {كل خوان} في أمانته، مانع لعباده من بيته الذي هو للناس سواء العاكف فيه والبادي {كفور} لنعمته بالتقرب إلى غيره، فهو يفعل مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلاً، لا يصححها بذكر الله وحده، ولا يجملها بالإحسان، وأتى بالصفتين على صيغة المبالغة لأن نقائص الإنسان لا يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة، لأنه يخون نفسه بالعزم أولاً، والفعل ثانياً وغيره من الخلق ثالثاً، وكذا يخون نفسه ربه سبحانه وهكذا في الكفر وغيره، ولما كانت الخيانة منبع النقائص، كانت المبالغة فيها أكثر.
السلمي
تفسير : قوله عزَّ ذكره: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} [الآية: 36]. قال أبو بكر الوراق: الحكمة فى البدن وما ذكر الله من شعائره فيه وحصول الخيرية، وهو تطهير بدنك من جميع البدع والمخالفات، وقتلها بسيوف الخوف والخشية، وأن تجعل التقوى شعارها، والرضا دثارها فإذا فعلت ذلك كان لك فيه أوائل الخيرات وهو أن يفتح لك السبيل إلى الله وإلى الخيرات، وينور قلبك اليقين ويطهر سرك عن طلب كل شىء سوى الله.
القشيري
تفسير : أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحَمْل عليها (وشرب ألبانها وأكل لحومها والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخِلْقَتِها كيف سُخِّرتْ للناس على قوتها وصورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان في البروكِ عند الحَمْل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل عنها وصبرها على العطش في الأسفار، وعلى قليل العَلَف، ثم ما في طبْعهِا من لُطفِ الطبع، وحيث تستريح بالحُدَاءِ مع كثافة صورتها إلى غير ذلك. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}: أي سقطت على وجه الأرض في حال النَّحْرِ فأطعموا القانع الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس، والمُعْتَرَّ الذي هو في تَحَمَّله مُتَحَمِّلٌ، ولمواضِع فاقته كاتم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} فهى اشارة الى ----الذين بالمجاهدات --- بالرياضات عن المخالفات وفداء الوجود للمشاهدات حتى لا يبقى للعارف فى طريقه حظ من حظوظ وبقى الله مفردا من جميع الخلائق قال اوراق الحكمة فى البدن وما ذكر الله من شعايره فيه وحول الخيرية هو تطهير بذلك من جميع البدع والمخالفات وقتلها بسيوف الخوف والخشية وان تجعل التقوى شعارها والرضا دثارها فاذا فعلت ذلك كان لك فيه اوائل الخيرات وهو ان يفتح لك السبيل الى الله وينور قلبك بنور اليقين وطهر سرك عن طلب شئ سوى الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {والبدن} منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقوله تعالى {أية : والقمر قدرناه}تفسير : جمع بدنة وهى الابل والبقر ممايجوز فى الهدى والاضاحى سميت بها لعظم بدنها، قال فى بحر العلوم البدنة فى اللغة من الابل خاصة وتقع على الذكر والانثى واما فى الشريعة فللابل والبقر لاشتراكهما فى البدانة ولذا الحق عليه السلام البقر بالابل فى الاجزاء عن السبعة، وفى القاموس البدنة محركة من الابل والبقر كالاضحية من الغنم تهدى الى مكة للذكر والاثنى، قال الكاشفى [وشتران و كاوان كه براى هدى رانده آيد] {جعلناها لكم من شعائر الله} اى من اعلام دينه التى شرعها الله مفعول ثان للجعل ولكم ظرف لغو متعلق به واضيف الشعائر الى اسم الله تعظيما لها كبيت الله فان المضاف الى العظيم عظيم وقد سبق معنى الشعائر: وبالفارسية [ساختيم آنها يعنى كشتن آنها شمارا از نشانهاى دين خدايرا تعالى] {لكم فيها} فى البدن {خير} نفع كثير فى الدنيا واجر عظيم فى العقبى، وفيه اشارة الى قربان بهيمة النفس عند كعبة القلب وانه من اعلام الدين وشعار اهل الصدق فى الطلب وان الخير فى قربانها وذبحها بسكين الصدق شعر : ظاهرش مرك وبباطن زنده كى طاهرش ابترنهان بايندكى تفسير : {فاذكروا اسم الله عليها} بان تقولوا عند ذبحها "الله اكبر لا اله الا الله والله اكبر اللهم منك واليك" اى هى عطاء منك ونتقرب بها اليك {صواف} كناية عن كونها قائمات لان قيام الابل يستلزم ان تصف ايديها وارجلها جمع صافة. والمعنى حال كونها قائمات قد صففن ايديهن وارجلهن معقولة الايدى اليسرى، والآية دلت على ان الابل تنحر قائمة كما قال الكاشفى [صواف درحالتى كه برباى ايستاده باشند وشتررا ايستاده ذبح كردن سنت است] {فاذا وجبت جنوبها} يقال وجب الحائط يجب وجبة اذا سقط، قال فى التهذيب الوجب [بيفتادن ديوار] وغيره والمعنى سقطت على الارض هو كناية عن الموت، قال الكاشفى [بس جون بيفتد برزمين يهلوهاى مذبوحان وروح از ايشان بيرون رود] {فكلوا منها} اى من لحومها ان لم يكن دم الجناية والكفارة والنذر كما سبق والامر للاباحة {واطعموا} الامر للوجوب {القانع} اى الراضى بما عنده وبما يعطى من غير مسألة {والمعتر} الاعترار التعرض للسؤال من غير ان يسأل كما قال فى القاموس المعتر الفقير المعترض للمعروف من غير ان يسأل انتهى يقال اعتره وعررت بك حاجتى والعر الجرب الذى يعر البدن اى يعترضه، قال الكاشفى [درزاد المسير آورده كه قانع فقير مكة است ومعتر درويش آفاقى] {كذلك} مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله صواف {سخرناها لكم} ذللناها لمنافعكم: وبالفارسية [رام كردانيم] مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا تستعصى عليكم حتى تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحسبونها صافة قوائمها ثم تطعنون فى لباتها اى مناحرها من الصدور ولولا تسخير الله لم تطق ولم تكن اعجز من بعض الوحوش التى هى اصغر منها جرما واقل قوة {لعلكم تشكرون} لتشكروا انعامنا عليكم بالتقرب والاخلاص ولما كان اهل الجاهلية ينضحون البيت اى الكعبة بدماء قرابينهم ويشرحون اللحم ويضعونه حوله زاعمين ان ذلك قربة قال تعالى نهيا للمسلمين.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {لن تنال الله لحومها ولكن تناله} بالتاء فيهما. الباقون بالياء فيهما. وقد مضى ذكر نظائره. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "أذن" بفتح الالف "يقاتلون" بكسر التاء. وقرأ نافع وحفص "أذن" بضم الألف "يقاتلون" بفتح التاء. وقرأ ابو عمرو، وابو بكر عن عاصم "أذن" بضم الالف "يقاتلون" بكسر التاء. وقرأ ابن عامر "أذن" بفتح الألف "يقاتلون" بفتح التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {إن الله يدفع، ولولا دفع الله} بغير ألف فى الموضعين الباقون "يدافع"، {ولولا دفاع الله} باثبات الألف في الموضعين. وقرأ أهل الكوفة وإبن كثير وابو جعفر "لهدمت" بتخفيف الدال. الباقون بتشديدها، وهما لغتان. والتشديد للتكثير. قال الحسن: هدمها تعطيلها، فاذا هدمت مواضع الصلاة فكأنهم هدموا الصلاة. وقيل: إن الصلوات بيوت النصارى، يسمونها صلوتاً، وقال أبو العالية الصلوات بيوت الصابئين وانشد: شعر : اتق الله والصلوت فدعها إن فى الصوم والصلوت فساداً تفسير : يريد بيت النصارى ومعنى الصوم - فى البيت - ذرق النعام. {ودفع الله، ودفاع الله} [لغتان والأغلب أن يكون (فعال) بين اثنين. وقد يكون للواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل] وقال ابن عمر: دفاع الله، ويدافع: لحن. ومن فتح الالف فى {أذن} وكسر التاء فى {يقاتلون} فالمعنى أذن الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا من ظلمهم، وكذلك المعنى فى قراءة الباقين. ومعنى {بأنهم ظلموا} أي من أجل انهم ظلموا. يقول الله تعالى {والبدن جعلناها} فنصب البدن بفعل مضمر يدل عليه {جعلناها} ومثله {أية : والقمر قدرناه} تفسير : فيمن نصب القمر والبدن جمع بدنة، وهي الابل المبدنة بالسمن. قال الزجاج: يقولون: بدنت الناقة إذا سمنتها. ويقال لها بدنة من هذه الجهة. وقيل: أصل البدن الضخم، وكل ضخم بدن. وبدن بدناً إذا ضخم، وبدن تبديناً، فهو بدن، ثقل لحمه للاسترخاء كما يثقل الضخم. والبدنة الناقة، وتجمع على بدن وبدن. وتقع على الواحد والجمع قال الراجز: شعر : على حين تملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا وحلق رأسي وافياً مغضورا وبدناً مدرعاً موفورا تفسير : قال عطاء: البدن البقرة والبعير. وقيل: البدنة إذا نحرت علقت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر، وعند أصحابنا تشد يداها الى إبطيها، وتطلق رجلاها. والبقر تشد يداها ورجلاها ويطلق ذنبها، والغنم تشد يداها ورجل واحدة وتطلق الرجل الأخرى. وقوله {جعلناها لكم من شعائر الله} معناه جعلناها لكم فيها عبادة لله بما في سوقها الى البيت وتقليدها بما ينبئ أنها هدي. ثم نحرها للاكل منها واطعام القانع والمعتر. وقيل {من شعائرالله} معناه من معالم الله {لكم فيها خير} أي منافع في دينكم ودنياكم، مثل ما فسرناه. وقوله {فاذكروا اسم الله عليها صواف} أمر من الله أن يذكر اسم الله عليها إذا إقيمت للنحر، صافة. وصواف جمع صافة، وهي المستمرة في وقوفها على منهاج واحد، فالصف استمرار جسم يلي جسماً على منهاج واحد. والتسمية إنما تجب عند نحرها دون حال قيامها. وقوله {فإذا وجبت جنوبها} معناه وقعت لنحرها، والوجوب الوقوع، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا وقعت فى المغيب للغروب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا وقع فيه ما يضطرب به. ووجب الفعل إذا وقع ما يلزم به فعله. ووجبت المطالبة إذا وقع ما يدعو الى قبولها. ووجب البيع إذا وقع. وقال أوس ابن حجر: شعر : ألم تكسف الشمس والبدر وال كواكب للجبل الواجب تفسير : أي الواقع، وقرئ "صواف" على ثلاثة أوجه: صواف بمعنى مصطفة، وعليه القراء "وصوافي" بمعنى خالصة لله وهي قراءة الحسن و "صوافن" بمعنى معلقة فى قيامها، بازمتها وهي قراءة ابن مسعود، وهو مشتق من صفن الحصان إذا ثنى احدى يديه حتى قام على ثلاث، ومنه قوله {أية : الصافنات الجياد} تفسير : قال الشاعر: شعر : الف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : والصافن من الخيل الذي يقوم على ثلاث، ويثني سنبك الرابعة. وقوله {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} فقال قوم: الاكل والاطعام واجبان. وقال آخرون: الاكل مندوب والاطعام واجب. وقال قوم: لو اكل جميعه جاز، وعندنا يطعم ثلثه، ويعطى ثلثه القانع والمعتر. ويهدي الثلث الباقى. والقانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ان تطعمه من اللحم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المعتر الذي يسأل، والقانع الذي لا يسأل، وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع الذي يسأل قال الشماخ: شعر : لمال المرئ يصلحه فيغني مفاقره أعف من الفنوع تفسير : أي من السؤال. وقال الحسن: المعتر يتعرض، ولا يسأل. وقال مجاهد: القانع جارك الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس. ويقال: قنع الرجل الى فلان قنوعاً إذا سأل قال لبيد: شعر : وأعطاني المولى على حين فقره إذا قال الصبر حلتي وقنوعي تفسير : وقنعت بكسر النون اقنع قناعة وقناعاً إذا اكتفيت. وقوله {كذلك سخرناها لكم} أي مثل ذلك ذللنا هذه الأنعام لكم تصرفوها على حسب اختياركم، بخلاف السباع الممتنعة بفضل قوتها، لكي تشكروه على نعمه التي أنعم بها عليكم. ثم قال تعالى {لن ينال الله لحومها...} والمعنى لن يتقبل الله اللحوم، ولا الدماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها، بأن يوجب فى مقابلتها الثواب. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها، ولا دماؤها، ولكن ينالها التقوى منكم. ثم قال {كذلك سخرها لكم} يعني الأنعام {لتكبروا الله على ما هداكم} أي لتعظموه ثم تشكروه على هدايته إياكم الى معرفته وطريق ثوابه. وقيل: معناه لتسموا الله تعالى على الذباحة. وقيل: لتكبروا الله فى حال الاحلال بما يليق به في حال الاحرام. ثم قال تعالى {وبشر المحسنين} يا محمد، الذين يفعلون الأفعال الحسنة وينعمون على غيرهم. ثم قال {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} أي نصرهم ويدفع عنهم عدوهم، تارة بالقهر، وأخرى بالحجة {إن الله لا يحب كل خوان كفور} إخبار منه تعالى أنه لا يحب الخوان، وهو الذي يظهر النصيحة، ويضمر الغش للنفاق، أو لاقتطاع المال. وقيل: إن من ذكر اسم غير الله على الذبيحة، فهو الخوان، والكفور هو الجحود لنعم الله وغمط آياديه. ثم اخبر انه {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} قيل: إن هذه الآية نزلت في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من أوطانهم، فلما قووا، أمره الله بالجهاد، وبين أنه أذن لهم في قتال من ظلمهم واخرجهم من أوطانهم. ومعنى {بأنهم ظلموا} أي من أجل أنهم ظلموا. ثم أخبر أنه {على نصرهم لقدير} ومعناه انه سينصرهم. قال الجبائي: لا فائدة له الا هذا المعنى. وهذه الآية اول آية نزلت في الأمر بالقتال. ثم بين حالهم فقال {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} بل ظلماً محضاً {إلا أن يقولوا ربنا الله} والمعنى الا أن يقولوا الحق، فكأنه قال الذين أخرجوا بغير حق، الا الحق الذي هو قولهم ربنا الله. وقال سيبويه {إلا} بمعنى (لكن) وتقديره لكنهم يقولون: ربنا الله، فهو استثناء منقطع، وهو كقولك ما غضبت عليّ إلا أني منصف، وما تبغض فلاناً إلا أنه يقول الحق، أي جعلت ذلك ذنبه. وقال الفراء: تقديره إلا بأن يقولوا، فتكون (أن) فى موضع الجر. ثم قال {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع} فى أيام شريعة موسى {وبيع} في ايام شريعة عيسى {ومساجد} فى ايام شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) - في قول الزجاج - وقال مجاهد: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وهو قول قتادة. وعن مجاهد ايضاً ان البيع كنائس اليهود. وقال الضحاك: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوتاً. وقيل مواضع صلوات المسلمين مما في منازلهم. وقيل: الصلوات أراد بها المصليات، كما قال {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : وأراد المساجد، والظاهر انه أراد نفس الصلاة لا يقر بها سكران. وقيل تقديره: وتركت صلوات - ذكره الاخفش - وقوله {يذكر فيها اسم الله كثيراً} يعني في المساجد والمواضع التي ذكرها. ثم قال {ولينصرن الله من ينصره} أي من نصر أولياء الله، ودفع عنهم فان الله ينصره، ويدفع عنه. ويجوز أن يكون المراد: من ينصر دين الله ويذب عنه فان الله ينصره {إن الله لقوي عزيز} أي قادر قاهر، لا ينال أحد منه ما لا يريده، ولا يتعذر عليه من يريد ضره. وقال الحسن: إن الله يدفع عن هدم مصليات أهل الذمة بالمؤمنين. وقرأ عاصم الجحدري "وصلوت" بالتاء - فى رواية هارون - وقال غيره: صلوت بالتاء والصاد واللام مضمومتان، وقال: هي مساجد للنصارى. وقرأ الضحاك (صلوث) بثلاث نقط، وقال: هي مساجد اليهود. وهذه شواذ لا يقرأ بها، ولا يعرف لها فى اللغة اصل.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْبُدْنَ} البدن بالضّمّ والسّكون والبدن بالتّحريك والبدن ككتب جمع البدنة كالخشبة وهى سمينة من النّوق الّتى تهدى الى مكّة او من النّوق والبقر {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} من جملة علائم دينه او مناسك بيته {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} مثل لكم فيها منافع {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} اى قياماً للنّحر مقيّدة على سنّة محمّدٍ (ص) وهى ان تعقل احدى يديها وتقول على ثلاثٍ او ان تربط يداها ما بين الرّسغ الى الرّكبة {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} سقطت على الارض كناية عن خروج الرّوح منها {فَكُلُواْ مِنْهَا} ولو بقدر اكلة وليس الامر للوجوب فهو امّا للاستحباب او الاباحة فانّ القوم فى الجاهليّة كانوا يحرّمون الاكل منها، وقيل الامر للوجوب {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ} الّذى يقنع بما اعطى وبما فى يده ولا يسأل {وَٱلْمُعْتَرَّ} اى المعترى الّذى يتعرّض للمعروف ولا يسأل {كَذٰلِكَ} التّسخير للذّبح والاكل {سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} فى سائر منافعكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة تسخيرها او لتذكّروا انعامنا عليكم فتشكرونا على جميع نعمنا.
اطفيش
تفسير : {وَالْبُدْنَ} مفرده بدنة وأصله ضم الدال سكنت تخفيفا كذا قيل. والصحيح؛ إن الاسكان اصل لا انتقال عن ضم. وقرأ الحسن بضم الدال كالباء كثمرة وثمر. وقرأ ابن ابي اسحاق كذلك وبتشديد النون على لفظ الوقف فان من العرب من يقف بالتشديد فيقول: (جاء خالد) باسقاط التنوين وتشديد الدال والنصب على الاشتغال واختير لتقدم الفعل في قوله: (ولكل أمة جعلنا منسكا). وقرئ بالرفع على الابتداء والمراد الابل وسمي الجمل والناقة بدنة لعظمها لقول: (بدن زيد) أي عظم بدنه وسمن ولما الحق النبي صلى الله عليه وسلم البقر بالابل في الاجزاء عن سبعة وكانت كالابل في الاجزاء شاع تسميتها باسم الابل وهو البدن ويدل على ان البدن اسم للابل خاصة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تجزي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة"تفسير : وقول جابر بن عبدالله: اشتركنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة فنحرنا معه عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. والاصل في العطف التغاير. وقال عطا وغيره: ان البدنة تعم الابل والبقر لغة وشرعا. ويحتمل اختلاف اللغات وذلك الاشتراك ثابت عندنا وعند الحنفية والجمهور وهو قول ابن عمر وانس وابن عباس وعطا والحسن وطاووس. ومنع بعضهم ذلك ولا يجزي للصيد إذا لزمت له الاّ بدنة تامة له وما تقدم من الاشتراك فانما هو في السنة فصاعداً من البقر والثنية فصاعداً من الابل وجذعتها عن خمسة وجذعة البقر عن ثلاثة وثنيتها عن خمسة واقل من ذلك لا شركة فيه {جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَآئِرِ اللَّهِ} اي اعلام دينه وأضيفت إلى الله تعظيما لها {لّكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} فيه ما في قوله: (لكم فيها منافع) ومن شأن الحاج ان يحرص على ما فيه منفعة دينية وخير ديني بشهادة الله وكان لبعض السلف تسعة دنانير لم يملك غيرها فاشترى بها بدنة فقيل له: فقال: سمعت ربي يقول (لكم فيها خير) {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} عند نحرها أو ذبحها {صَوَآفَّ} قائمة على ثلاثة معقولة اليد اليسرى. وقيل: اليمنى وذلك سنة أو (صواف) المصطفة وكل واحدة قد صففت يديها ورجليها. والصحيح ما ذكرت من عقل اليسرى لئلا تمشي فتضر الناس بالدم وعقلها يمنع مشيها لضعفها بالنحر والذبح يضعفه. وقد قرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر (صوافن) من صفن الفرس قام على ثلاث ورفع الاخرى قليلا بل وقف على طرف مقدمها وبين وقوف الفرس كذلك وعقل يسري البدنة شبه. وقرأ عمر بن عبيد (صوافنا) بالتنوين لجواز صرف مفاعل في السعة أو بنون عوضا عن حرف الاطلاق عند الوقف زائدة عن نون (صوافن). وقرأ الحسن (صوافي) أي خوالص لوجه الله بفتح الياء وقرى باسكانها على لغة من يسكن الياء في النصب كالرفع والجر في السعة ومنه في الشعر. شعر : يا باري القوس بريا لست تحسنها لا تفسدنها واعطي القوس باريها تفسير : واستحب عطاء النحر والذبح في حال البروك لئلا تؤذي الناس بالدم ورأى بعضهم ابن عمر ينحرها باركة وكل ذكر لله يجزي. وذبح صلى الله عليه وسلم كبشين وجههما للقبلة وقال: "حديث : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أَنا من المشركين وقال إِن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأَنا من المسلمين بسم الله والله اكبر اللهم منك ولك " تفسير : وعن محمد وامته وقوله وأنا من المسلمين ليس من الآية واستحب بعض ان يمسح على ظهر الضحية ويقول: اللهم هذا قرباني وهذه ضحيتى فاقبلها مني ثم يذبح ويستحب ان يلي الانسان ذبح ضحيته وكان أبو موسى الاشعري يأمر بناته ان يذبحن اضاحيهن بايديهن ولا باس بذبح الغير لها ويكره ان يذبحها كتابي ويزال الجلال لئلا يختضب بالدم. ووقت ذبح الضحية من وقت صلاة العيد إلى الزوال من اليوم الرابع. وقيل: إلى غروبه وهو قول الشافعي. ومن ذبح قبل الصلاة فلحم قدمه لاهله ولا صلاة عيد على أهل منى. وقيل: وقته يوم النحر الا ما كان بمعنى فوسعوا له إلى الزوال من اليوم الثالث ان لم يجد الغنم أو تسعرت عليه. وقيل: يوم النحر ويومان بعده وهو قول مالك وأبي حنيفة واحمد. والخلف في جواز الذبح في الليل من تلك الايام ايضا على الاختلاف فيها. وعن بعضهم يصدق ثلث الضحية للارحام ويجوز لغيرهم ويؤكل ثلث ويدخر ثلث. واوجبت الظاهرية صدقة ثلث وأكل ثلث وادخار ثلث. وعن بعض العلماء لا بد من كل شيء منها ويصدق الباقي أو يدخر بعضه. ومن سرقت ضحيته بعد الذبح اجزته ولا يبيع لحمها ويكره بيع ما سوى اللحم والشحم كالجلد والشعر وغيرها الا ان بيع وتصدق بثمنه فلا كراهة. وقيل: لا يجوز بيعه. وقيل: يجوز بالعرض. وقيل: يجوز ايضا بالدراهم {فَإِذَا وَجَبَتْ} سقطت على الارض حز قيام أو قعود {جُنُوبُهَا} وذلك كناية عن موتها بذهاب الروح منها بحيث يجوز السلخ فلو قطع منها قبل الموت فسدت وكذا ان اعلنها عليه لقطع عرقوبها أو غيره أو بغير القطع وكان القاسم بن محمد يكره ان تعرقب {فَكُلُوا مِنْهَا} اباحة أو ندبا أو وجوبا خلاف. وزعم بعض ان العلماء كلهم يستحبون الاكل منها {وَأَطْعِمُواْ القَانِعَ} الحريص السائل من قنع بفتح النون بـ (قنع) بفتحها ايضا وهذا قول مجاهد والحسن وغيرهما وهو المشهور {وَالْمُعْتَرَّ} المعترض للعطاء بلا سؤال هذا هو المشهور. وقيل: القانع المتعفف المستغني يقعد في بيته لا يسأل ولا يتعرض ويرضى بما اصاب من (قنع) بكسر النون بـ (قنع) بفتحها والمعتر المعترض بالسؤال وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما فيما حكاه الطبري ونسبه الشيخ هود رحمه الله لمجاهد ويدل له قراءة بعضهم (القانع والسائل) وقراءة أبي رجا العطار (ذي القنع المعتر) والقنع بغير الف المتعفف الراضي المذكور لا غير وقرأ الحسن (والمعتري) يقال عره وعراه واعتره بمعنى اعرضه. وروي عن ابن عباس ان (القانع) المتعفف الراضي لا يسأل ولا يتعرض والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل. وقيل: (القانع) المسكين المعتر الذي ليس بمسكين ولم تكن له ذبيحة فهو يجيئ من له ذبيحة قصد اللحم {كَذَلِكَ} مثل ذلك التسخير ومثل ما وصفنا من نحرها قياما {سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} من عظمها وقوتها حتى تأخذوها منقادة وتعلقوها وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنوا في لباتها ولولا تسخير الله لم تطيقوها ولم تكن باعجز من بعض الوحوش التي هي اصغر منها وأقل قوة الا تراها إذا لم يسخرها الله كيف تهرب ولا يقدر عليها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لتشكروا انعامنا عليكم بالتقرب بها والاخلاص (فعلى التعليل).
اطفيش
تفسير : {والبُدْنَ} جمع بدنة بقرة أو بعير ذكر أو أنثى، تنحر بمكة هديا كالضحية من الغنم، وسميت لأنها تسمن، ثم تهدى فهى عظيمة البدن، روى مسلم عن جابر: كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل، والبقرة فقال: هى من البدن وعن مجاهد والحسن ليست منها، روى أبو داود عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" تفسير : ويجمع بأن الأصل والأكثر استعمالها فى الإبل، وقل فى البقر أو هى منها حكما فى الأجر لا لغة {جعلناها لكم من شعائر الله} علامات دينه {لكم فيها خير} دنيوى ودينى عند ابن عباس، وعن السدى دينى {فاذْكُروا اسْم الله عَليْها} عند النحر باسم الله، والله أكبر، اللهم منك ولك، وقال أبو حيان: الله أكبر لا اله الا الله، والله أكبر اللهم منك وإليك. {صوافّ} كل واحدة قائمة صفت ثلاثة أرجل، وتعقل اليد اليسرى عند الجمهور كما يفعله النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبى شيبة، وأبو داود عن ابن ساقط الصحابى، وعن ابن عمر اليمنى، وعن عطاء أيهما شئت، وهو حال من مجرور على {فإذا وََجبَت جُنُوبها} سقطت علىالأرض كناية عن الموت، أو وجبت ثبتت بلا تحرك جنب منها، وذلك موتها، ولم تجر عادة بذبح البقر قائمة، بل مضطجعة، وقلما نحر البعير مضطجعا عند الأوائل فترجح أن البُدن الإبل. {فكُلُوا منْها} ثلثا ومنه الادخار للأكل {وأطْعمُوا القانع} ثلثا والمراد الجنس فشمل القانعين وما فوقهما، وهو الراضى بما يعطى، ولا يسأل أو بما عنده، والفعل قنع يقنع كفرحت أفرح أو هو الساتر لفقره بعدم السؤال كالقناع الساتر للرأس {والمُعْترّ} ثلثا والمراد الجنس، وهو التعرض للسؤال، وهو يسأل: وقيل القانع السائل، والفعل كسألت الله أسأله كقوله: شعر : وما خنت ذا عهد وأبت بعهده ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا تفسير : والمعتر المتعرض بلا سؤال، وعن سعيد بن جبير، القانع أهل مكة، والمعتر غيرهم، وعن مجاهد الجار، ولو غنيا، وقيل الصديق الزائر، والصحيح الأول والقسمة بالثلث لابن مسعود، وقيل عن محمد بن جعفر من ذرية فاطمة للقانع، المعتر ثلث والأهلى ثلث، واللبائس الفقير ثلث، ويروى ادخر ثلثا، وكل ثلثا وتصدق ثلثا، وعن سعيد بن المسيب للبائس الفقير، والقانع والمعتر ثلاثة أرباع، ولك الربع قيل وهو مضطرب، ولا يأكل مما هو كفارة. {كذلك} التسخير لها الذى شاهدتم حتى قويتم على عقلها ونحرها مع قوتها {سخرناها لكم} أثبتناها بعد، ويبعد أن المعنى سخرناها لكم كما أمرناكم بذلك، وإنَّما قلت ما ذكر، لأنه لا يشبه الشىء بنفسه، أو أولى من ذلك أن يقال: سخرناها لكم على الكيفية التى شاهدتم {لعلَّكُم تشْكُرون} إنعامنا بالتقرب مخلصين، ونفعها لكم، ولا حاجة لله بها كما قال: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} فينتفع بها، أو لن تصيب رضا الله، بها تصيبونه بالتقوى كما قال: {ولكن يناله التَّقوى منْكُم} بجعلها من حلال، وإخلاصها وقيل أرادوا بسط اللحم حول الكعبة، ونضحها بالدم تعظيما لها كالجاهلية، فنزلت الآية {كذلك سخَّرها لَكُم} كرره تذكيرا للنعمة، كقوله: أنعمت عليكم أنعمت عليكم فانتبهوا، وتعليلا بقوله عز وجلّ: {لتكبِّروا الله} لتعتقدوا كبرياءه لقدرته على ما لا يقدر الخلق عليه، فتوحدوه بصفاته وأفعاله، أو لتقولوا الله أكبر عند الإحلالُ أو التذكية {عَلى ما هداكم} ما مصدرية، والتقدير على هدايته إياكم متعلق بتكبروا لتضمنه معنى تشكروا أو تحمدوا، أو التقدير لتكبروا الله شاكرين، أو حامدين على هدايته إياكم أو على للتعليل. {وبشِّر المحسْنِين} العابدين الله بتوحيدهم له، والإخلاص فى قولهم، وفعلهم كأنهم يشاهدونه حاشاه عن إمكان مشاهدته.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ} أي من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى، والبدن جمع بدنة وهي كما قال الجوهري: ناقة أو بقرة تنحر بمكة. وفي «القاموس» هي من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة وتطلق على الذكر والأنثى وسميت بذلك لعظم بدنها لأنهم كانوا يسمنونها ثم يهدونها، وكونها من النوعين قول معظم أئمة اللغة وهو مذهب الحنفية فلو نذر نحر بدنة يجزئه نحر بقرة عندهم وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب، وأخرج عبد بن حميدة وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لا تعلم البدن إلا من الإبل والبقر. وفي «صحيح مسلم» عن جابر رضي الله تعالى عنه كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل والبقرة فقال: وهل هي إلا من البدن. وقال صاحب «البارع» من اللغويين: إنها لا تطلق على ما يكون من البقر، وروي ذلك عن مجاهد والحسن وهو مذهب الشافعية فلا يجزي عندهم من نذر نحر بدنة نحر بقرة، وأيد بما رواه أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة » تفسير : فإن العطف يقتضي المغايرة وفيما يأتي آخراً تأييد لذلك أيضاً، والظاهر أن استعمال البدنة فيما يكون من الإبل أكثر وإن كان أمر الإجزاء متحداً. ولعل مراد جابر بقوله في البقرة وهل هي إلا من البدن أن حكمها حكمها وإلا فيبعد جهل السائل بالمدلول اللغوي ليرد عليه بذلك، ويمكن أن يقال فيما روي عن ابن عمر: أن مراده بالبدن فيه البدن الشرعية، ولعله إذا قيل باشتراكها بين ما يكون من النوعين يحكم العرف أو نحوه في التعيين فيما إذا نذر الشخص بدنة ويشير إلى ذلك ما أخرجه ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرياحي عن أبيه قال: أوصى إليَّ رجل وأوصى ببدنة فأتيت ابن عباس فقلت له: إن رجلاً أوصى إلي وأوصى ببدنة فهل تجزي عني بقرة؟ قال: نعم ثم قال: ممن صاحبكم؟ فقلت: من رياح قال: ومتى اقتنى بنو رياح البقر إلى الإبل وَهِم صاحبكم إنما البقر لأسد وعبد القيس فتدبر. وقرأ الحسن وابن أبـي إسحاق وشيبة وعيسى {البدن} بضم الباء والدال، قيل وهو الأصل كخشب وخشبة وإسكان الدال تخفيف منه، ورويت هذه القراءة عن نافع وأبـي جعفر وقرأ ابن أبـي إسحاق أيضاً بضم الباء والدال وتشديد النون فاحتمل أن يكون اسماً مفرداً بنى على فعل كعتل واحتمل أن يكون التشديد من التضعيف الجائز في الوقف وأجري الوصل مجرى الوقف، والجمهور على نصب {البدن} على الاشتغال أي وجعلنا البدن جعلناها، وقرىء بالرفع على الابتداء، وقوله تعالى: {لَكُمْ} ظرف متعلق بالجعل، و {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} في موضع المفعول الثاني له. وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي نفع في الدنيا وأجر في الآخرة كما روي عن ابن عباس وعن السدي الاقتصار على الأجر جملة مستأنفة مقررة لما قبلها. {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} بأن تقولوا عند ذبحها بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك. وقد أخرج ذلك / جماعة عن ابن عباس، وفي «البحر» بأن يقول عند النحر: الله أكبر لا إلٰه إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. {صَوَافَّ} أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن فهو جمع صافة ومفعوله مقدر. وقرأ ابن عباس وابن عمر وابن مسعود والباقر ومجاهد وقتادة وعطاء والكلبـي والأعمش بخلاف عنه {صوافن} بالنون جمع صافنة وهو إما من صفن الرجل إذا صف قدميه فيكون بمعنى صواف أو من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وطرف سنبك الرابعة لأن البدنة عند الذبح تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وعقلها عند النحر سنة، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه رأى رجلاً قد أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم». والأكثرون على عقل اليد اليسرى، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن ابن سابط رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعقلون يد البدنة اليسرى وينحرونها قائمة على ما بقي من قوائمها. وأخرج عن الحسن قيل له: كيف تنحر البدنة؟ قال: تعقل يدها اليسرى إذا أريد نحرها، وذهب بعض إلى عقل اليمنى؛ فقد أخرج ابن أبـي شيبة أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى، وقيل لا فرق بين عقل اليسرى وعقل اليمنى، فقد أخرج ابن أبـي شيبة أيضاً عن عطاء قال: اعقل أي اليدين شئت. وأخرج جماعة عن ابن عمر أنه فسر {صَوَافَّ } بقائمات معقولة إحدى أيديهن فلا فرق في المراد بين صواف وصوافن على هذا أصلاً، لكن روي عن مجاهد أن الصواف على أربع والصوافن على ثلاث. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وشقيق وسليمان التيمي والأعرج {صوافي} بالياء جمع صافية أي خوالص لوجه الله عز وجل لا يشرك فيها شيء كما كانت الجاهلية تشرك، ونون الياء عمر وبن عبيد وهو خلاف الظاهر لأن {صوافي} ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وخرج على وجهين، أحدهما: أنه وقف عليه بألف الإطلاق لأنه منصوب ثم نون تنوين الترنم لا تنوين الصرف بدلاً من الألف، وثانيهما أنه على لغة من يصرف ما لا ينصرف لا سيما الجمع المتناهي ولذا قال بعضهم: شعر : والصرف في الجمع أتى كثيراً حتى ادعى قوم به التخييرا تفسير : وقرأ الحسن أيضاً {صَوَافَّ} بالتنوين والتخفيف على لغة من ينصب المنقوص بحركة مقدرة ثم يحذف الياء فأصل {صَوَافَّ } صوافي حذفت الياء لثقل الجمع واكتفى بالكسرة التي قبلها ثم عوض عنها التنوين ونحوه: شعر : ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا تفسير : وقد تبقى الياء ساكنة كما في قوله: شعر : يا باري القوس برياً ليست تحسنها لا تفسدنها وأعط القوس باريها تفسير : وعلى ذلك قراءة بعضهم {صوافي} بإثبات الياء ساكنة بناءً على أنه كما في القراءة المشهورة حال من ضمير {عَلَيْهَا} ولو جعل كما قيل بدلاً من الضمير لم يحتج إلى التخريج على لغة شاذة. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت. وظاهر ذلك مع ما تقدم من الآثار يقتضي أنها تذبح وهي قائمة، وأيد به كون البدن من الإبل دون البقر لأنه لم تجر عادة بذبحها قائمة وإنما تذبح مضطجعة وقلما شوهد نحر / الإبل وهي مضطجعة {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ} أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ولا تعرض لها، وعليه حمل قول لبيد: شعر : فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع تفسير : {وَٱلْمُعْتَرَّ} أي المعترض للسؤال من أعتره إذا تعرض له، وتفسيرهما بذلك مروي عن ابن عباس وجماعة، وقال محمد بن كعب ومجاهد وإبراهيم والحسن والكلبـي: {ٱلْقَـٰنِعَ} السائل كما في قول عدي بن زيد: شعر : وما خنت ذا عهد وأيت بعهده ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعاً تفسير : {وَٱلْمُعْتَرَّ} المعترض من غير سؤال، فالقانع قيل على الأول من قنع يقنع كتعب يتعب قنعاً إذا رضي بما عنده من غير سؤال، وعلى الثاني من قنع يقنع كسأل يسأل لفظاً ومعنى قنوعاً. وعلى ذلك جاء قول الشاعر: شعر : العبد حر إن قنع والحر عبد إن قنع فاقنع ولا تطمع فما شيء يشين سوى الطمع تفسير : فلا يكون {ٱلْقَـٰنِعَ} على هذا من الأضداد لاختلاف الفعلين، ونص على ذلك الخفاجي حاكماً بتوهم من يقول بخلافه. وفي «الصحاح» نقل القول بأنه من الأضداد عن بعض أهل العلم ولم يتعقبه بشيء، ونقل عنه أيضاً أنه يجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطي قل أو كثر ويقبله ولا يرد فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا، وإلى كون قنع بالكسر بمعنى رضي وقنع بالفتح بمعنى سأل ذهب الراغب وجعل مصدر الأول قناعة وقنعاناً ومصدر الثاني قنوعاً. ونقل عن بعضهم أن أصل ذلك من القناع وهو ما يغطى به الرأس فقنع بالكسر لبس القناع ساتراً لفقره كقولهم: خفي إذا لبس الخفاء وقنع إذا رفع قناعه كاشفاً لفقره بالسؤال نحو خفي إذا رفع الخفاء، وأيد كون القانع بمعنى الراضي بقراءة أبـي رجاء {ٱلْقَـٰنِعَ} بوزن الحذر بناءً على أنه لم يرد بمعنى السائل بخلاف القانع فإنه ورد بالمعنيين والأصل توافق القراءات، وعن مجاهد {ٱلْقَـٰنِعَ} الجار وإن كان غنياً وأخرج ابن أبـي شيبة عنه وعن ابن جبير أن القانع أهل مكة والمعتر سائر الناس، وقيل: المعتر الصديق الزائر، والذي اختاره من هذه الأقوال أولها. وقرأ الحسن {والمعتري} اسم فاعل من اعترى وهو واعتر بمعنى. وقرأ عمرو وإسماعيل كما نقل ابن خالويه {المعتر} بكسر الراء بدون ياء، وروى ذلك المقري عن ابن عباس، وجاء ذلك أيضاً عن أبـي رجاء وحذفت الياء تخفيفاً منه واستغناءً بالكسرة عنها. واستدل بالآية على أن الهدي يقسم أثلاثاً ثلث لصاحبه وثلث للقانع وثلث للمعتر وروي ذلك عن ابن مسعود، وقال محمد بن جعفر رضي الله تعالى عنهما بقسمته أثلاثاً أيضاً إلى أنه قال: أطعم القانع والمعتر ثلثاً والبائس الفقير ثلثاً وأهلي ثلثاً وفي القلب من صحته شيء. وقال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع وكأنه عد القانع والمعتر والبائس الفقير ثلاثة وهو كما ترى، قال ابن عطية: وهذا كله على جهة الاستحسان لا الفرض، وكأنه أراد بالاستحسان الندب فيكون قد حمل كلا الأمرين في الآية على الندب. وفي «التيسير» أمر {كُلُواْ} للإباحة ولو لم يأكل جاز وأمر {أطعموا} للندب ولو صرفه كله لنفسه لم يضمن شيئاً، وهذا في كل هدي نسك ليس بكفارة وكذا الأضحية، وأما الكفارة فعليه التصدق بجميعها فما أكله / أو أهداه لغني ضمنه. وفي «الهداية» يستحب له أن يأكل من هدي التطوع والمتعة والقران وكذا يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا وهو قول بنحو ما يقتضيه كلام ابن عطية في كلا الأمرين. وأباح مالك الأكل من الهدي الواجب إلا جزاء الصيد والأذى والنذر، وأباحه أحمد إلا من جزاء الصيد والنذر، وعند الحسن الأكل من جميع ذلك مباح وتحقيق ذلك في كتب الفقه. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله تعالى: {صَوَافَّ} {سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ } مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا تستعصي عليكم حتى إنكم تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها ولولا تسخير الله تعالى لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرماً وأقل قوة وكفى ما يتأبد من الإبل شاهداً وعبرة. وقال ابن عطية: كما أمرناكم فيها بهذا كله سخرناها لكم ولا يخفى بعده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ولكل أمة جعلنا منسكاً}تفسير : [الحج: 34] أي جعلنا منسكاً للقربان والهدايا، وجعلنا البدن التي تُهدى ويتقرب بها شعائرَ من شعائر الله. والمعنى: أنّ الله أمر بقربان البُدْن في الحجّ من عهد إبراهيم - عليه السلام - وجعلها جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحجّ. وأمر بالتطوع بها فوعد عليها بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجَعل الإلهي يُمناً وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر الله، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة {لكم}. والبدن: جمع بَدنَة بالتحريك، وهي البعير العظيم البَدن. وهو اسم مأخوذ من البَدانة، وهي عِظم الجثّة والسمن، وفعله ككرم ونصر، وليست زنة بدنة وصفاً ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف، وجمعه بُدْن. وقياس هذا الجمع أن يكون مضموم الدال مثل خُشُب جمع خشبة، وثُمرُ جمع ثَمرة، فتسكين الدال تخفيف شائع، وغلب اسم البدنة على البعير المعيّن للهدي. وفي «الموطأ»: عن أبي هُريرة «حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبْها ويلك في الثانية أو الثالثة» تفسير : فقول الرجل: إنها بدنة، متعين لإرادة هديه للحجّ. وتقديم {البُدن}على عامله للاهتمام بها تنويهاً بشأنها. والاقتصار على البدن الخاصِ بالإبل لأنها أفضل في الهَدي لكثرة لحمها، وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنّة، واسم ذلك هَدي. ومعنى كونها من شعائر الله: أنّ الله جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها حرمة. وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلّم بها بعير الهَدْي في جلده إشعاراً. قال مالك في «الموطأ»: «كان عبد الله بن عمر إذا أهدى هدْياً من المدينة قلّده وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يُشعره... يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر...» بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر. وقد عدها في جملة الحرمات في قوله: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي} في سورة العقود (2). وتقديم {لكم}على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم، وتقديم {فيها}على متعلّقه وهو {خير}للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه من الفوائد. والخير: النّفع، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع الفقراء بلحومها وجلودها وجِلالها ونعالها وقَلائدها. وما يحصل للمُهدين وأهلهم من الشبع من لحمها يوم النّحر، وخير الآخرة من ثواب المُهدين، وثواب الشكر من المعطَيْن لحومَها لربّهم الذي أغناهم بها. وفرع على ذلك أن أمَرَ الناس بأن يذكروا اسم الله عليها حين نحرها. وصوافّ: جمع صافّة. يقال: صف إذا كان مع غيره صفّا بأن اتّصل به. ولعلّهم كانوا يصفُّونها في المنحر يوم النّحر بمِنى، لأنه كان بمِنى موضع أُعدّ للنحر وهو المنحَر. وقد ورد في حديث مسلم حديث : عن جابر بن عبدالله في حجّة الوداع قال فيه: «ثم انصرف رسول الله إلى المنحرَ فنحر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بيده ثلاثاً وستين بَدنة جعل يطعنها بحَربة في يده ثم أعطى الحربة عليّاً فنحر ما غَبَر، أي ما بقي وكانت مائة بدنة»تفسير : وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة. وانتصب {صوافّ} على الحال من الضمير المجرور في قوله {عليها}. وفائدة هذه الحال ذكر محاسن من مَشاهد البُدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالاً. وقريب منه قوله تعالى: {أية : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}تفسير : [الصف: 4]. ومعنى {وجبت} سقطت، أي إلى الأرض، وهو كناية عن زوال الروح التي بها الاستقلال. والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعاً إلى الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر مِن هديه، وكذلك الخير الحاصل من ثواب الآخرة. والأمر في قوله {فكلوا منها} مجمل، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأنّ المكلف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه. وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المُهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب. واختلف الفقهاء في الأكل من لحوم الهدايا الواجبة. فقال مالك: يباح الأكل من لحوم الهدايا الواجبة، وهو عنده مستحبّ ولا يؤكل من فدية الأذى وجزاءِ الصيد ونذر المساكين، والحُجّة لمالك صريح الآية. فإنها عامة إلا ما قام الدّليل على منعه وهي الثلاثة الأشياء المستثناة. وقال أبو حنيفة: يأكل من هدي التمتّع والقِران، ولا يأكل من الواجب الذي عيّنه الحاج عند إحرامه. وقال الشافعي: لا يأكل من لحوم الهدايا بحالٍ مستنداً إلى القياس، وهو أن المُهدي أوجب إخراج الهدي من ماله فكيف يأكل منه. كذا قال ابن العربي. وإذا كان هذا قصارى كلام الشافعي فهو استدلال غير وجيه ولفظ القرآن ينافيه لا سيما وقد ثبت أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من لحوم الهدايا بأحاديث صحيحة. وقال أحمد: يؤكل من الهدايا الواجبة إلاّ جزاء الصيد والنذر. وأما الأمر في قوله: {وأطعموا القانع والمعتر} فقال الشافعي: للوجوب، وهو الأصح. قال ابن العربي وهو صريح قول مالك. وقلت: المعروف من قول مالك أنه لو اقتصر المُهدي على نحر هديه ولم يتصدق منه ما كان آثماً. والقانع: المتصف بالقنوع، وهو التذلل. يقال: قنَع من باب سَأل. قُنوعاً ــــ بضم القاف ــــ إذا سأل بتذلّل. وأما القناعة ففعلها من باب تَعِب ويستوي الفعل المضارع مع اختلاف الموجب. ومن أحسن ما جمع من النظائر ما أنشده الخفاجي:شعر : العَبْد حرّ إن قَنِع والحر عبد إن قنَع فاقنَع ولا تقنَع فما شيء يشين سوى الطمَع تفسير : وللزمخشري في «مقاماته»: «يا أبا القاسم اقنَع من القَناعة لا من القنوع، تستغْن عن كل مِعْطَاءٍ ومنوع». وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «والقانع هو الفقير». والمعتَرّ: اسم فاعل من اعترّ، إذا تعرّض للعطاء، أي دون سؤال بل بالتعريض وهو أن يحضر موضع العطاء، يقال: اعترّ، إذا تعرّض. وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «وسمعت أنّ المعترّ هو الزائر، أي فتكون من عرا إذا زار» والمراد زيارة التعرض للعطاء. وهذا التفسير أحسن ويرجحه أنه عطف {المعترّ}على {القانع}، فدل العطف على المغايرة، ولو كانا في معنى واحد لما عطف عليه كما لم يعطف في قوله {أية : وأطعموا البائس الفقير}تفسير : [الحج: 28]. وجملة {وكذلك سخرناها لكم} استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع الناس. والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخّرها للناس مع ضعف الإنسان وقوّة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها بالإشعار ثم بالطعن. ولولا أنّ الله أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت أعجزَ من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخّر له. وقوله {كذلك}هو مثل نظائره، أي مثلَ ذلك التسخير العجيب الذي ترونه كان تسخيرها لكم. ومعنى {لعلكم تشكرون} خلقناها مسخرة لكم استجلاباً لأن تشكروا الله بإفراده بالعبادة. وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشرك موضع الشكر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}. قد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم بأنواعها الثمانية، وأمر بإطعام البائس الفقير منها. وأمر بالأكل من البدن وإطعام القانع والمعتر منها، وما كان من الإبل فهو من البدن بلا خلاف. واختلفوا في البقرة، هل هي بدنة، وقد قدمنا الحديث الصحيح: أن البقرة من البدن، وقد قدمنا أيضاً ما يدل على أنها غير بدنة، وأظهرهما أنها من البدن، وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها عندي: أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم ومنه قول الشماخ: شعر : لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع تفسير : يعني أعف من سؤال الناس، والطمع فيهم، وأن المعتر هو الذي يعتري متعرضاً للإعطاء من غير سؤال وطلب، والله أعلم وقد قدمنا حكم الأكل من أنواع الهدايا والضحايا، وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. قوله كذلك: نعت لمصدر: أي سخرناها أي البدن لكم تسخيراً كذلك: أي مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون: أي ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا عليها، لأنها أقوى منكم ألا ترى البعير، إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به. وقوله هنا: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قد قدمنا مراراً أن لعل تأتي في القرآن لمعان أقربها. اثنان: أحدهما: أنها بمعناها الأصلي، الذي هو الترجي والتوقع، وعلى هذا فالمراد بذلك خصوص الخلق لأنهم هم الذي يترجى منهم شكر النعم من غير قطع، بأنهم يشكرونها أو لا ينكرونها لعدم علمهم بما تؤول إليه الأمور، وليس هذا المعنى في حق الله تعالى لأنه عالم بما سيكون فلا يجوز في حقه جل وعلا إطلاق الترجي والتوقع لتنزيهه عن ذلك، وإحاطة علمه بما ينكشف عنه الغيب، وقد قال تعالى لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44] أي على رجائكما وتوقعكما أنه يتذكر أو يخشى، مع أن الله عالم في سابق أزله أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، فمعنى لعل بالنسبة إلى الخلق، لا إلى الخالق جل وعلا. المعنى الثاني: هو ما قدمنا من أن بعض أهل العلم، قال: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}تفسير : [الشعراء: 129] قال: فهي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان لفظة لعل للتعليل معروف في كلام العرب. وقد قدمناه موضحاً مراراً وقد قدمنا من شواهده العربية قول الشاعر: شعر : فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق تفسير : يعني كفوا الحروب لأجل أن نكف، وإذا علمت أن هذه الآية الكريمة بين الله فيها أن تسخيره الأنعام لبني آدم نعمة من إنعامه، تستوجب الشكر لقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. فاعلم: أنه بين هذا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 71-73] وقوله في آية يس: هذه: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} كقوله في آية الحج {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى قريباً: {أية : سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}تفسير : [الحج: 37] الآية، وقد قدمنا معنى شكر العبد لربه وشكر الرب لعبده، مراراً بما أغنى عن إعادته هنا والتسخير التذليل.
الواحدي
تفسير : {والبدن} الإبل والبقر {جعلناها لكم من شعائر الله} أعلام دينه {لكم فيها خيرٌ} النَّفع في الدُّنيا، والأجر في العقبى {فاذكروا اسم الله} وهو أن يقول عند نحرها: الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر {صواف} قائمةً معقولة اليد اليسرى {فإذا وجبت جنوبها} سقطت على الأرض {فكلوا منها وأطعموا القانع} الذي يسألك {والمعتر} الذي يتعرَّض لك ولا يسألك. {كذلك} الذي وصفنا {سخرناها لكم} يعني: البدن {لعلَّكم تشكرون} لكي تطيعوني. {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} كان المشركون يُلطِّخون جدار الكعبة بدماء القرابين، فقال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} أَيْ: لن يصل إلى الله لحومها ولا دماؤها {ولكن يناله التقوى منكم} أَيْ: النِّيَّةُ والإِخلاص وما أريد به وجه الله تعالى. {لتكبروا الله على ما هداكم} إلى معالم دينه {وبشر المحسنين} المُوحِّدين. {إن الله يدفع} غائلة المشركين عن المؤمنين {إنَّ الله لا يحب كل خوَّانٍ} في أمانته {كفور} لنعمته، وهم الذين تقرَّبوا إلى الأصنام بذبائحهم. {أُذِنَ للذين يقاتلون} يعني: المؤمنين، وهذه أوَّلُ آيةٍ نزلت في الجهاد والمعنى: أُذن لهم أن يُقاتلوا {بأنهم ظلموا} بظلم الكافرين إيَّاهم {وإنَّ الله على نصرهم لقدير} وعدٌ من الله تعالى بالنَّصر. {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} يعني: المهاجرين {إلاَّ أن يقولوا ربنا الله} أَيْ: لم يُخرجوا إلاَّ بأن وحَّدوا الله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} لولا أن دفع الله بعض النَّاس ببعض {لهدِّمت صوامع وبيعٌ} في زمان عيسى عليه السَّلام {وصلوات} في أيَّام شريعة موسى عليه السَّلام، يعني: كنائسهم وهي بالعبرانيَّة صلوتا {ومساجد} في أيام شريعة محمَّد صلى الله عليه وسلم {ولينصرنَّ الله من ينصره} يعني: مَنْ نصر دين الله نصره الله على ذلك {إن الله لقوي} على خلقه {عزيز} منيعٌ في سلطانه.
القطان
تفسير : البدن: بضم الباء جمع بدنة، وهي الناقة او البقرة التي تنحر بمكة أيام الحج. وتطلق اللفظة على الذكر والانثى. صوافّ: قائمات قد صُفت أيديهن وأرجلهن، مفردها: صافَّة. وجبت جنوبها: سقطت على الأرض عند نحرها. القانع: الراضي بما يعطى له من غير سؤال. المعتّر: الذي يتعرض للسؤال ويطلب الصدقات من الناس. بعد ان حثّ الله على التقرب بالأنعام كلّها، وبين ان ذلك من تقوى القلوب - خصّ من بينها الإبلَ والبقر لأنها أعظمُها خَلقا وأكثرها نفعا، وأغلاها قيمة. {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وقد جعلنا تقديم الإبل والبقر هدايا في الحجّ من شعائِرِ الدِّين ومظاهره، ولكم فيها خيرٌ كثير، ركوبها وشُرب ألبانها ولكم في الآخرة أجرٌ وثواب بإطعام الفقراء منها. فإذا صُفَّت للذبح فاذكُروا اسمَ الله عليها. فإذا تم ذبحها وسقطت على الأرض، فكُلوا بعضاً منها، وتصدّقوا على الفقير القانع المتعفف الذي لا يسأل، والفقيرِ الذي يسأل. وكذلك سخّرناها لكم وذلّلناها لإرادتكم لتشكرونا على نِعمنا التي لا تحصى عليكم. ثم بين الله تعالى أن عملكم هذا ينفع الفقراء والمحتاجين، والله غنيٌّ عن ذلك كله فقال: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ}. اعلموا أن الله تعالى غنيّ عن العالمين، ولا يصله شيءٌ من هذه الأضاحي والهدايا والصدقات، وهو لا يريد منكم مجرد التظاهرِ بالذبح وإراقة الدماء، لكنّه ينال رضاه تقواكم وإخلاصُ نواياكم. وهذا سخّرها لكم لتشكروه على هدايتكم لمعالم دينه، ومناسك حجّه. وبشِّر أيها النبي المحسِنين الذين أحسنوا أعمالهم بثواب عظيم وجنةٍ عرضُها السماوات والارض. قراءات قرأ يعقوب: لن تنال الله لحومها، ولكن تناله، بالتاء، والباقون بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَعَلْنَاهَا} {شَعَائِرِ} {سَخَّرْنَاهَا} (36) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى نَحْرَ الأَنْعَامِ فِي الحَجِّ شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، يَتَقَرَّبُ النَّاسُ بِها إِلَى اللهِ، وَجُعِلَتْ فِيهَا الخَيْرَاتُ للنَّاسِ، وَهِيَ حَيَّةٌ تُرْكَبُ وَتُحْلَبُ، وَهِيَ ذَبِيحَةٌ تُهْدَى وَتُطْعَمُ. فَجَزَاءُ مَا جَعَلَ اللهُ الأَنْعَامَ خَيْراً للنَّاسِ، فَعَلَيْهِم أَنْ يَذْكُروا اسْمَ اللهِ عَلَيْها حِينَ ذَبْحِها، وَأَنْ يَتَوَجَّهُوا بِها إِلَيه وَهِيَ تُهَيَّأ لِلذَّبْحِ بَصَفِّ قَوَائِمِهَا، فَإِذَا نُحِرَتْ وَمَاتَتْ، واطْمَأَنَّتْ جُنُوبُها عَلَى الأَرْضِ (وَجَبَتْ) أَكَلَ مِنْهَا أَصْحَابُها اسْتِحْسَاناً واسْتِحْباباً، وأَطْعَمُوا مِنْها الفَقِيرَ القَانِعَ الذي لا يَسْأَلُ، والفَقِيرَ المُعْتَرَّ الذي يَتَعَرَّضُ للسُّؤالِ. فَهَذه البُدْنُ سَخَّرَهَا اللهُ للنَّاسِ لِيَشْكُرُوهُ عَلَى مَا قَدَّرَ فِيهَا مِنَ الخَيْرِ، وهِي حَيَّةٌ وَهِيَ مَذْبُوحَةٌ. شَعَائِرَ اللهِ - أَعْلاَمَ شَرِيعَتِه فِي الحَجِّ. البُدْن - الإِبْلُ المُهْداةَ إِلَى البَيْتِ لتُنْحَرَ عِنْدَهُ (وَقِيلَ إِنَّهَا تَشْمَلُ البَقَرَ أَيْضاً). وَجَبَتْ جُنُوبُها - سَقَطَتْ عَلَى الأرْضِ بَعْدَ النَّحْرِ واسْتَقَرَّتْ. القَانِعُ - الفَقِيرُ الذي لا يَتَعَرَّضُ للسُّؤَالِ. المُعْتَرُّ - الفَقِيرُ الذي يَتَعَرَّضُ للسُّؤَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في النفقة مِمَّا رزقكم الله تكلَّم في النفقة في البُدْن، والبُدْن: جمع بَدَنة، وهي الجمل أو الناقة، أو ما يساويهما من البقر، وسمَّاها بَدَنة إشارة إلى ضرورة أنْ تكون بدينة سمينة وافرة، ولا بُدَّ أنْ تراعي فيها هذه الصفة عند اختيارك للهَدْي الذي ستُقدمه لله، واحذر أن تكون من أولئك الذين يجعلون لله ما يكرهون، إنما كُنْ من الذين قال الله لهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 267]. وقوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ..} [الحج: 36] أي: اذكروا الله بالشكر على أنْ وهبها وذلَّلها لكم، واذكروا اسم الله عليها حين ذَبْحها. ومعنى {صَوَآفَّ ..} [الحج: 36] يعني: واقفةً قائمة على أرْجُلها، لا ضعفَ فيها ولا هُزَال، مصفوفة وكأنها في معرض أمامك. وهذه صفات البُدْن الجيدة التي تناسب هذه الشعيرة وتليق أنْ تُقدَّمْ هَدْياً لبيت الله. ومعنى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ..} [الحج: 36] وجبَ الشيء وجباً يعني: سقط سقوطاً قوياً على الأرض، ومعلوم أن البَدَنة لا تُذبح وهي مُلْقاة على الأرض مثل باقي الأنعام، وإنما تُنْحر وهي واقفة، فإذا ما نُحِرَتْ وقعتْ على الأرض وارتمتْ بقوة من بدانتها. {فَكُلُواْ مِنْهَا ..} [الحج: 36] وقلنا: إن الأكل لا يكون إلا من الهَدْي المحض والتطوع الخالص الذي لا يرتبط بشيء من مسائل الحج، فلا يكون هَدْيَ تمتُّع أو قِرَان، ولا يكون جِبْراً لمخالفة، ولا يكون نَذْراً .. إلخ. وعِلَّة الأمر بالأكل من الهَدْي؛ لأنهم كانوا يتأففون أنْ يأكلوا من المذبوح للفقراء، وكأن في الأمر بالأكل منها إشارة لوجوب اختيارها مما لا تعافه النفس. ومعنى: {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ..} [الحج: 36] القانع: الفقير الذي يتعفَّف أنْ يسأل الناس، والمعترّ: الفقير الذي يتعرَّض للسؤال. ثم يقول سبحانه: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ..} [الحج: 36] يعني: سخّرناها لكم، ولو في غير هذا الموقف، لقد سخَّرها الله لكم منذ وُجِد الإنسان؛ لذلك عليكم أنْ تشكروا الله على أنْ أوجدها وملّككم إياها، وتشكروه على أنْ سخَّرها وذلَّلها لكم، وتشكروه على أنْ هداكم للقيام بهذا المنسك، وأداء هذه الشعيرة وعمل هذا الخير الذي سيعود عليكم بالنفع في الدنيا وفي الآخرة. ثم يقول الحق سبحانة: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : [1] التقرب إلى الله بالهدي الأضاحي التحليل اللفظي {وَٱلْبُدْنَ}: جمع بدنة وهي اسم للواحد من الإبل، ذكراً أو أنثى، وسميت بذلك لعظم بدنها، وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير الذي يهدى للكعبة. {صَوَآفَّ}: جمع صافة وهي التي قد صُفَت قوائمها للذبح، والبعير ينحر قائماً. ومن قرأ (صوافن) فالصافن التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فهو الصافن. {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}: أي سقطت جنوبها، والجُنُوبُ جمع جَنْب وهو الشق، أي إذا سقطت على الأرض يقال: وجب الحائط وجبةً إذا سقط، ووجب القلب وجيباً إذا تحرك من فزع، وسقوط الجنوب كناية عن الموت ومفارقة الروح بعد الذبح. {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}: القانع الراضي بما قدّر الله له من الفقر والبؤس، العفيف الذي لا يتعرض لسؤال الناس، مأخوذ من قنع يقنع إذا رضي. وأمّا المعْترّ فهو الذي يتعرض لسؤال الناس، فهو كالمعتري الذي يعتري الأغنياء ويذهب إليهم المرة بعد المرة، وقيل بالعكس، القانع: السائل، والمعتر الذي لا يسأل الناس. قال ابن عباس: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل، واختاره الفرّاء. وجه الارتباط بالآيات السابقة ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أن طريق التقوى إنما هو في تعظيم شعائر الله والالتزام بما شرعه من الأحكام وقد امتنّ الله على عباده بأن جعل لهم البُدْن يسوقونها إلى مكة قٌربة عظيمة، حيث جعلها شعيرة من شعائر الله، وعلماً من أعلام دينه، ودليلاً على طاعته، ففي سوقها للحرم ونحرها هناك خيرٌ عظيم، وثواب كبير، يناله أصحابها في الآخرة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لقد جعلنا لكم - أيها المؤمنون - الإبل من شعائر دين الله، لكم فيها عبادة لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها، لكم فيها النفع في الدنيا، والأجر في الآخرة، فاذكروا اسم الله عند نحرها، قائماتٍ قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ، فإذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها، وسكنت حركتها، فكلوا منها وأطعموا السائل المحتاج، والمعتر الذي يتعرض للسؤال ولا يسأل، مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون، سخرناها وذلّلناها لكم مع قوتها وعظم أجسامها، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحرٍ وركوب، وحلبٍ وغير ذلك من وجوه المنافع، ولولا تسخيرها لكم لم تقدروا عليها لأنها أقوى منكم، فاشكروا الله على نعمه وآلائه التي لا تعد ولا تحصى. ثم بيّن الله تعالى في الآية الثانية أنه جلا وعلا لا يصل إليه شيء من لحوم هذه الأضاحي والقرابين التي يهدونها لبيته الحرام، ويذبحونها تقرباً إليه، فلا شيء من هذا يصل إلى الله أو يرضيه، وإنما يرضيه جلّ وعلا امتثال الأمر منكم وطاعته وتقواه، فالأعمال إنما تكون مقبولة بمقدار التقوى والإخلاص فيها، وبدون التقوى والإخلاص تكون أشبه بصور أجسام لا روح فيها ولا حياة، فلا يظن أحد أنه ينال ثواب الله باللحم يقطعه وينشره، ولا بالدم يلطخ به الكعبة الطاهرة، فعل أهل الشرك في الجاهلية وإنما ينال ذلك بتقوى الله، والبعد عن مثل تلك الأعمال التي تجافي روح الإسلام وطهارته. ثمّ ختم الله تعالى هذه الآية بتذكير المؤمنين بوجوب شكره وتعظيمه على ما سخّر لهم من الأنعام، يتقربون بها إلى المولى جل وعلا، فيأكلون من لحومها، ويتصدقون ببعضها، لينالوا الأجر من الله والثواب العظيم، وليبشرهم بالفضل العميم في جنات النعيم. سبب النزول روي عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما أن جماعة من المسلمين كانوا قد همّوا أن يفعلوا بذبائحهم فعل أهل الجاهلية، يقطعون لحومها وينشرونها حول الكعبة، وينضحون على الكعبة من دمائها، فلما أسلموا وعزموا على ذلك نزلت الآية الكريمة تزجرهم عن هذا الفعل، وترشدهم إلى ما هو الأجدرُ بهم والأليق. وجوه القراءات قرأ الجمهور {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} جمع صافّة، وقرئ (صوافن) جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث قوائم والرابعة مرفوعة، وقرئ (صوافي) جمع صافية بمعنى خالصة لله تعالى. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا} البُدنَ: مفعول مقدم لجعلنا مثل قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ} تفسير : [يس: 39] وقرئ برفعها (والبُدنُ) على الابتداء. ثانياً: قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} الجار والمجرور خبر مقدم و(خيرٌ) مبتدأ مؤخر. ثالثاً: قوله تعالى: {صَوَآفَّ} منصوب على الحال وهو حال من المفعول البدن. رابعاً: قوله تعالى: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} كذلك: نعتٌ لمصدرٍ محذوف تقديره سخرناها لكم تسخيراً كذلك التسخير العجيب، وعلى هذا تكون الكاف صلة، ويصح أن تكون على معناها مفيدة للتشبيه ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: بيّن الباري جل وعلا أن تسخيره الأنعام لبني آدم، نعمةٌ من إنعامه تستوجب الشكر وقد جاء هذا الامتنان على العباد (مجملاً) في هذه الآية {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} وجاء التفصيل في آيات أخرى كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 71-73] وكقوله: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 5-7]. اللطيفة الثانية: المراد من قوله تعالى: {مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله لعباده، وإضافتها إلى الله جلّ وعلا للتعظيم مثل {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 73]، و(بيت الله) وإنما كانت هذه البُدنُ من الشعائر، لأن الغرض منها التقرب إلى الله بالهدايا والضحايا وغيرها من وجوه البر والإحسان. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} إشارة لطيفة إلى أنّ الإبل لا تذبح ذبحاً وإنّما تُنحر نحراً، وأنّ المطلوب عند نحرها أن تكون قائمة قد صُفّت أيديها وأرجلها، فإنّ ذلك هو الطريق الأمثل في ذبح الإبل كما وضحته السنة النبوية المطهرة. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل تطلق البُدن على الإبل والبقر؟ اتفق العلماء على أن البُدن اسم للواحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى، فهي تطلق على الإبل باتفاق، وقد اشتهر في الشرع إطلاقها على البعير يهدى إلى الكعبة، واختلفوا هل تطلق البدنة على البقرة؟ باعتبار أنها تجزئ في الهَدْي والأضحية عن سبعة كالبعير على مذهبين: أولاً - مذهب الحنفية: أن البدنة تطلق على البقرة كما تطلق على البعير، فهي من قبيل المشترك في المعنيين، فمن نذر بدنةً أجزأته بقرة فهي مثلها في اللفظ والحكم، وبهذا قال (عطاء) و(سعيد بن المسيّب) واستدلوا بما يلي: 1 - روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "كنّا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلاّ من البُدن"؟ ب - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لا نعلم البُدن إلا من الإبل والبقر. ثانياً - مذهب الشافعية: أما الشافعية فقالوا: لا تطلق البدن بالحقيقة إلاّ على الإبل، وإطلاقها على البقر إنما يكون مجازاً، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبهذا قال (مجاهد). ودليلهم ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "حديث : تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" تفسير : قالوا: فهذا يدل على ما قلنا لأن العطف يقتضي المغايرة. والظاهر أن اسم البدنة حقيقة في الإبل لقوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} فالإبل هي التي تنحر واقفة بخلاف البقر فإنها تذبح ذبحاً، وقول جابر: وهل هي إلا من الإبل؟ وقول ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر، فمحمولٌ على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما، وهذا شيء غير اشتراك اللفظ بينهما والله أعلم. الحكم الثاني: ما هو الأفضل في الهدي والأضاحي. أجمع العلماء على أن الهدي لا يكون إلا من النعم (الإبل، البقر، الغنم، الماعز) وأن الذكر والأنثى بالنسبة للأضاحي والهدي سواءٌ، واتفقوا على أن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم على هذا الترتيب، لأن الإبل أنفع للفقراء لعظمها، والبقر أنفع من الشاة كذلك، وأقل ما يجزئ عن الواحد شاةٌ، والبدنةُ تجزئ عن سبعة وكذلك البقرة. واختلفوا في الأفضل للشخص الواحد: هل يُهدي سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة، أو يهدي شاةً؟ والظاهر أن الاعتبار إنما يكون بما هو أنفع للفقراء، وهذا هو الأصح. ومما يدل على أن البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة ما رواه جابر رضي الله عنه أنه قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ. وللمرء أن يهدي للحرم ما يشاء من النعم، وقد أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائةً من الإبل، وكان هديه عليه السلام هدي تطوع. الحكم الثالث: الأكل من لحوم الهدي. أمر الله تعالى بالأكل من لحوم الهدي في قوله جل ثناؤه {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} تفسير : [الحج: 28] وهذا الأمر يتناول بظاهره (هدي التمتع) و(هدي التطوع) والهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض المحظورات في الحج أو العمرة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك على عدة أقوال نلخّصها فيما يلي: 1 - ذهب أبو حنيفة وأحمد إلى جواز الأكل من هدي التمتع، وهدْي القِران، وهدي التطوع، ولا يأكل من دم الجزاء. وقال مالك رحمه الله: يأكل من هدي التمتع، والقِران، والهدي الذي ساقه لفساد حجه أو لفوات الحج، ومن الهدي كله إلا فدية الأذى، وجزاء الصيد، وما نذره للمساكين. وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز الأكل من الهدي الواجب مثل دم الجزاء، وجزاء الصيد، وهدي التمتع والقِران، وإفساد الحج، وكذلك ما كان نذراً أوجبه على نفسه. أمّا كان تطوعاً فله أن يأكل منه ويُهدي، ويتصدّق، فأباح الأكل من هدي التطوع فحسب. ومبنى الخلاف بين الجمهور والإمام الشافعي في (هدي التمتع) أنّ الدم الواجب عندهم دم شكر فيباح له أن يأكل منه، وعنده أنه دم جزاء فلا يباح الأكل منه والتفصيل في كتب الفروع. وقد استدل الإمام الشافعي على وجوب إطعام الفقراء من الهدايا بقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} وقوله: {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} تفسير : [الحج: 28]. وقال أبو حنيفة: إن الإطعام مندوب، لأنها دماء نُسُك فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام وهو الندب. الحكم الرابع: وقت الذبح ومكانه. اختلف العلماء في وقت ذبح الهدي. فعند الشافعي: أن وقت ذبحه يوم النحر، وأيام التشريق (الثاني والثالث والرابع) من أيام عيد الأضحى، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وكلّ أيام التشريق نحرٌ" تفسير : فإن فات وقته ذبح الهدي الواجب قضاءً وأثم بالتأخير. وعند مالك وأحمد أن وقت ذبح الهدي - سواءً كان واجباً أم تطوعاً - أيام النحر (الأول والثاني والثالث) من أيام عيد الأضحى، ولا يصح الذبح في اليوم الرابع. ووافق الحنفية مذهب مالك وأحمد بالنسبة لهدي التمتع والقران، وأما النذر، والكفارات، والتطوع فيذبح في أي وقت كان. وحكي عن النخي: أن وقت الذبح يمتد من يوم النحر، إلى آخر ذي الحجة. وأما مكان الذبح - سواءً كان واجباً أم تطوعاً - فهو الحرم لقوله تعالى: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95] وقوله: {أية : وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ} تفسير : [البقرة: 196] ومَحِلّه هو الحرم فيجوز أن يذبح في أي مكان من الحرم، في مكة ومنى وغيرها من حدود الحرم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مِنى منحرٌ، وكلّ المزدلفة موقفٌ، وكلّ فِجاج مكة طريق ومنحر ". تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - تعظيم الهدي والتقرب به إلى الله من شعائر الدين الإسلامي. 2 - الهدي والأضحية لا تكون إلاّ من الأنعام (الإبل والبقر والغنم). 3 - الأفضل في الإبل النحرُ، وفي البقر والغنم الذبحُ. 4 - في إراقة دماء الهدي نفع الفقير، والحصولُ على مرتبة التقوى. 5 - النسك بالأضاحي فيه إحياء لذكرى (الفداء) لإسماعيل مع أبيه الخليل عليهما السلام حين أمر بذبح ولده في المنام. خاتمة البحث: حكمة التشريع جعل الباري - تباركت أسماؤه - الهَدْي والأضاحي من شعائر دين الله، يذبحها المسلم ليتقرب بها إلى ربه جلّ وعلا وينال مغفرته ورضوانه، ولتكون تكفيراً لما جنته يداه من الذنوب والآثام، وليتعودّ على الإخلاص في القول والفعل والعمل، فالمؤمن إنما يذبح على اسم الله، وبأمره جل وعلا، ألاّ يذكر معه اسم غيره، ولا يتوجه إلى أحد سواه، ولا يقصد بعمله غير وجه الله، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 162-163]. وبهذا التوجه بالنسك لله يتعود المؤمن على الإخلاص، ويكتسب مرتبة التقوى التي أشارت إليها الآية الكريمة {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: 37]. ولئن كان المشركون يذبحون هذه القرابين للأصنام رجاء النفع ودفع الضر، فإن المؤمن لا يذبح لصنمٍ، ولا وثن، وإنما يتقرب بنسكه إلى الله وحده، مخلصاً له العبادة جل وعلا والإسلام يربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وبين تقوى القلوب، فالتقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر كلها رموزٌ تعبيرية عن التوجه إلى ربّ البيت وطاعته، وهي تحمل في طياتها (ذكرى الفداء) ذكرى إقدام الخليل إبراهيم عليه السلام على ذبح ولده (إسماعيل) امتثالاً لأمر الله حين أمر بذبح ولده في المنام {أية : إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102] إلى قوله: {أية : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 107] فهوى ذكرى لآيةٍ من آيات الله، ومعجزة من معجزاته الباهرة، حين فدى ولد خليله بذبح عظيم، وهي بعد ذلك صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء، ومعونة أهل الحاجة من الضعفاء.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} معناه مصطفةٌ قياماً. وصوافٌ: أي قيامٌ مَعقُولة عَلَى ثَلاثٍ. تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} معناه سَقطتْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} فالقَانعُ: السَّائلُ. وقالَ: الجَالسُ في بيتِه. والمُعترُ: الذي يأتيكَ ولاَ يسأُلكُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} فالبُدنُ: من البَقرِ والإِبلِ. وسُميتْ بُدناً لسِمنِهَا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة. وتقدم أن الله أخبر أن من عظم شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب، وهنا أخبر أن من جملة شعائره، البدن، أي: الإبل، والبقر، على أحد القولين، فتعظم وتستسمن، وتستحسن، { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي: المهدي وغيره، من الأكل، والصدقة، والانتفاع، والثواب، والأجر، { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } أي: عند ذبحها قولوا " بسم الله "س واذبحوها، { صَوَافَّ } أي: قائمات، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تعقل يدها اليسرى، ثم تنحر. { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } أي: سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم يسقط الجزار جنوبها على الأرض، فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها، { فَكُلُوا مِنْهَا } وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه، { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } أي: الفقير الذي لا يسأل، تقنعا، وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما. { كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } أي: البدن { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على تسخيرها، فإنه لولا تسخيره لها، لم يكن لكم بها طاقة، ولكنه ذللها لكم وسخرها، رحمة بكم وإحسانا إليكم، فاحمدوه. وقوله: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا } أي: ليس المقصود منها ذبحها فقط. ولا ينال الله من لحومها ولا دمائها شيء، لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب، والنية الصالحة، ولهذا قال: { وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه. { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } أي: تعظموه وتجلوه، { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } أي: مقابلة لهدايته إياكم، فإنه يستحق أكمل الثناء وأجل الحمد، وأعلى التعظيم، { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } بعبادة الله بأن يعبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، بسعادة الدنيا والآخرة وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده {أية : هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ } {أية : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 684 : 24 : 10 - سفين عن منصور عن إبراهيم {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قال، هي البدنة. ان احتاج اليها ركب، وان احتاج الى لبنها شرب. [الآية 36]. 685 : 25 : 11 - سفين عن الأعمش عن أبي ظبيان قال، سأل رجل عن بن عباس، {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} قال، قياما معقولة. فقيل له: "ما يقولون عند النحر؟" قال، يقولون: "الله أكبر، لا إلَه الا الله، اللهم منك ولك". [الآية 36]. 686 : 26 : 20 - سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} قال، القانع المتعفف الذي لا يسئل شيئاً. والمعتر الذي يتعرض الاحيان. [الآية 36]. 687 : 27 : 21 - سفين عن منصور عن مجاهد مثله. 688 : 28 : 22 - سفين عن يونس بن عبيد عن الحسن قال، ان القانع المتعفف الذى لا يسئل - والمعتر الذي يتعرض لك. 689 : 29 : 24 - سفين عن فرات القزاز عن سعيد بن جبير في قوله {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} قال القانع الذي يسئلك. والمعتر الذي يزورك ولا يسئلك.
النسائي
تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا} [36]] 19/ 754- (عن) أحمد بن سليمان، (عن) حسين بن علي الجُعفي، (عن) زائدة، (عن) منصور، (عن) خالد الحذاء، (عن) أبي قلابة، (عن) أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عز وجل كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم إذا ذبح شفرته وليُرح ذبيحته ".
همام الصنعاني
تفسير : 1932- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: في حرف ابن مسعود {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ}: [الآية: 36]، أي مُعَقَّلة قياماً. 1933- حدّثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، في قوله تعالى: {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}: [الآية: 36]، قال: {ٱلْقَانِعَ} الطامع بما قبلك، ولا يسأكل {وَٱلْمُعْتَرَّ}: الذي يعتريك ويسألك. 1935- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسرائيل، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جبير قال: {ٱلْقَانِعَ} الذي يسأل فَيُعْطَى في يده، {وَٱلْمُعْتَرَّ} الذي يعتر فيَطوف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):