٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا} قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يضرّجون البيت بدماء البُدْن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية. والنَّيل لا يتعلق بالبارىء تعالى، ولكنه عبّر عنه تعبيراً مجازياً عن القبول، المعنى: لن يصل إليه. وقال ابن عباس: لن يصعد إليه. ابن عيسى: لن يقبل لحومها ولا دماءها، ولكن يصل إليه التقوى منكم؛ أي ما أريد به وجهه فذلك الذي يقبله ويُرفع إليه ويسمعه ويُثِيب عليه؛ ومنه الحديث «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : . والقراءة «لن ينال اللَّهَ» و«ينالُه» بالياء فيهما. وعن يعقوب بالتاء فيهما، نظراً إلى اللحوم. الثانية: قوله تعالى: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} مَنّ سبحانه علينا بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم مِنا أبداناً وأقوى منا أعضاء، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما يظهر إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلِب الصغيرُ الكبيرَ ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده. الثالثة: قوله تعالى: {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} ذكر سبحانه ذِكر اسمِه عليها في الآية قبلها فقال عزّ من قائل: {فاذكروا اسم اللَّهِ عليها}، وذكر هنا التكبير. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نَحَر هَدْيَه فيقول: باسم الله والله أكبر؛ وهذا من فقهه رضي الله عنه. وفي الصحيح عن أنس قال: ضحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكَبْشين أمْلَحَيْن أقْرَنَيْن. قال: ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعاً قدمه على صِفاحهما، وسَمّى وكبّر. وقد اختلف العلماء في هذا؛ فقال أبو ثور: التسمية متعيّنة كالتكبير في الصلاة؛ وكافّة العلماء على استحباب ذلك. فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من اسماء الله تعالى وأراد به التسمية جاز. وكذلك لو قال: الله أكبر فقط، أو لا إلٰه إلا الله؛ قاله ابن حبيب. فلو لم يرد التسمية لم يَجْز عن التسمية ولا تؤكل؛ قاله الشافعي ومحمد بن الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاةَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذِكره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجاز الشافعيّ الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم عند الذبح. الرابعة: ذهب الجمهور إلى أن قول المضحِّي: اللَّهُمَّ تقبل مني؛ جائز. وكره ذلك أبو حنيفة؛ والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: ثم قال: «حديث : باسم الله اللَّهُمَّ تقبّل من محمد وآل محمد ومن أمّة محمد» تفسير : ثم ضحَّى به. واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [البقرة: 127]. وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن. والحجة لهما ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: «حديث : ذبح النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين مَوْجُوءَيْن أملحين، فلما وجّههما قال: «إني وَجّهتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَر السمواتِ والأرضَ حَنِيفاً ـ وقرأ إلى قوله: وأنا أوَّل المسلمِين} ـ اللَّهُمَّ منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر»» تفسير : ثم ذبح. فلعلّ مالكاً لم يبلغه هذا الخبر، أو لم يصح عنده، أو رأى العمل يخالفه. وعلى هذا يدل قوله: إنه بدعة. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} رُوي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة؛ حسبما تقدّم في الآية التي قبلها. فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم في كل محسِن.
البيضاوي
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ } لن يصيب رضاه ولن يقع منه موقع القبول. {لُحُومُهَا} المتصدق بها. {وَلاَ دِمَاؤُهَا} المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء. {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} ولكن يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره تعالى والتقرب إليه والإِخلاص له، وقيل كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى فهم به المسلمون فنزلت. {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} كرره تذكيراً للنعمة وتعليلاً له بقوله: {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ } أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء. وقيل هو التكبير عند الإِحلال أو الذبح. {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها، و {مَا} تحتمل المصدرية والخبرية و {عَلَىٰ} متعلقة بـ {لِتُكَبِّرُواْ } لتضمنه معنى الشكر. {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} المخلصين فيما يأتونه ويذرونه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق، لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي: يتقبل ذلك، ويجزي عليه؛ كما جاء في الصحيح: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»تفسير : . وجاء في الحديث: «حديث : إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض» تفسير : كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعاً، فمعناه: أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم. وقال وكيع عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك: سألت عامراً الشعبي عن جلود الأضاحي، فقال: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق. وقوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ} أي: من أجل ذلك سخر لكم البدن {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي: لتعظموه؛ كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: وبشر يا محمد المحسنين، أي: في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل. (مسألة) وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصاباً، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضاً، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» تفسير : على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل، وقال ابن عمر: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي، رواه الترمذي. وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية، بل هي مستحبة؛ لما جاء في الحديث: «حديث : ليس في المال حق سوى الزكاة» تفسير : وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جاراً لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان؛ خشية أن يقتدي الناس بهما، وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت، سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مخنف بن سليم: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفات: «حديث : على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجبية» تفسير : وقد تكلم في إسناده. وقال أبو أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى، رواه الترمذي، وصححه، وابن ماجه، وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري. وأما مقدار سن الأضحية، فقد روى مسلم عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن» تفسير : ومن ههنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزىء، وقابله الأوزاعي، فذهب إلى أن الجذع يجزىء من كل جنس، وهما غريبان. والذي عليه الجمهور إنما يجزىء الثني من الإبل والبقر والمعز، أو الجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل، فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل: ما له ثلاث، ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان، وأما الجذع من الضأن، فقيل: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم. والجذع شعر ظهره نائم قد انفرق صدعين، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } أي لا يُرفعان إليه {وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الإِيمان {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي الموحدين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} فيه وجهان: أحدهما: لن يقبل الله الدماء وإنما يقبل التقوى، وهذا قول علي بن عيسى. والثاني: معناه لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا بُدنهم استقبلوا الكعبة بدمائها فيضجعونها نحو البيت، فأراد المسلمون فعل ذلك، فأنزل الله تعالى: {لَنَ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم} أي يصعد إليه التقوى والعمل الصالح، وهذا قول ابن عباس. {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي ذللها لكم يعني الأنعام. {لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني التسمية عند الذبح. والثاني: لتكبروا عند الإِحلال بدلاً من التلبية في الإِحرام. {عَلَى مَا هَداكُمْ} أي ما أرشدكم إليه من حجكم. {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالقبول. والثاني: بالجنة.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَن يَنَالَ اللَّهَ} لن يتقبل الدماء وإنما يتقبل التقوى، أو لن يصعد إلى الله ـ تعالى ـ اللحم والدم وإنما يصعد إليه التقوى والعمل الصالح، كانوا في الجاهلية إذا نحروا البدن استقبلوا الكعبة بدمائها فنضحوها نحو البيت فأراد المسلمون فعل ذلك فنزلت "ع" {هَدَاكُمْ} أرشدكم إليه من حجكم.
النسفي
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } أي لن يتقبل الله اللحوم والدماء ولكن يتقبل التقوى، أو لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المراقة بالنحر والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى لن يرضى المضحون والمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا نحروا الإبل نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } أي البدن {لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ } لتسموا الله عند الذبح أو لتعظموا الله {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } على ما أرشدكم إليه {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ } الممتثلين أوامره بالثواب {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ } ــ {يدفع} ــ مكي وبصري وغيرهما يدافع أي يبالغ في الدفع عنهم {عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ونحوه {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [غافر: 51] ثم علل ذلك بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } في أمانة الله {كَفُورٌ } لنعمة الله أي لأنه لا يحب أضدادهم وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها. {أُذِنَ} مدني وبصري وعاصم {لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ } بفتح التاء مدني وشامي وحفص، والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذىً شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ } على نصر المؤمنين {لَقَدِيرٌ } قادر وهو بشارة للمؤمنين بالنصرة وهو مثل قوله {أية : إن الله يدافع عن الذين آمنوا
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا...} الاية: عبارة مبالغة، وهي بمعنى: لن تُرْفَعَ عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ولكن تُنَالُ الرِّفْعَةُ عنده، وتحصلُ الحسنة لديه بالتقوى. وقوله تعالى: {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} رُوِيَ: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تَقَدَّمَ في التي قبلها، وظاهر اللفظ العمومُ في كل مُحْسِنٍ. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ...} الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يَدْفَعُ» {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ} تفسير : [الحج:40]. قال أبو علي: أجريت «دافع» مُجْرى «دفع» كعاقبت اللِّصَّ وطارقت النعلَ، قال أبو الحسن الأَخْفَشُ: يقولون: دافع اللّه عنك، ودفع عنك، إلاَّ أَنَّ «دفع» أكثر في الكلام. قال * ع *: ويحسن «يدافع»؛ لأَنَّهُ قد عَنَّ للمؤمنين مَنْ يدفعهم ويُؤْديهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعةً عنهم، وروي أَنَّ هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لَمَّا كَثُروا بمكة وآذاهم الكُفَّارُ؛ هَمَّ بعضُهم أَنْ يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّارَ، ويغتالَ، وَيَغْدُرَ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: {كَفُورٍ}، ثم أَذِنَ اللّه سبحانه في قتال المؤمنين لِمَنْ قاتلهم من الكفار بقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}. وقوله: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} معناه: كان الإذن بسبب أنهم ظُلِمُوا, قال ابن جريج: وهذه الآية أول ما نقضت المُوادَعَةَ. قال ابن عباس, وابن جُرَيْجٍ: نزلتُ عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وقال: أبو بكر الصديق: لَمَّا سمعتُهَا، علمتُ أنَّه سيكون قتال. قلت: وهذا الحديث خَرَّجَهُ الترمذيُّ، قال ابن العربيِّ: ومعنى {أُذِنَ}: أُبِيحَ، وقرئ «يُقَاتِلُونَ» بكسر التاء وفتحها، فعلى قراءة الكسر: تكونُ الآية خبراً عن فعل المأذونِ لهم، وعلى قراءة الفتح: فالآية خبرٌ عن فعل غيرهم، وأَنَّ الإذْنَ وقع من أجل ذلك لهم، ففي فتح التاء بيانُ سبب القتال، وقد كان الكفار يتعمدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالإذاية ويعاملونهم بالنكاية، وقد قتل أبو جهل سُمَيَّةَ أمَّ عمار بن ياسر، وعُذِّبَ بلالُ، وبعد ذلك جاء الانتصار بالقتال، انتهى، ثم وعد سبحانه بالنصر في قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الآية: 37]. قال النصرآباذى: منال الحق قال الله: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُوُمهَا وَلاَ دِمَاؤْهَا وَلكِن يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم}. وقال سهل رحمة الله عليه: ذلك هو التبرى والإخلاص. قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الآية: 37]. قال الأنطاكى: للمحسن علامات، أولها: أن لا يظلم وإن ظُلم لا ينتصر ولا يغضب، وإن غضب لا يأثم قد أتعب نفسه فالناس منه فى راحة، ونفسه منه فى شغل، ويكون قلبه وجلاً عند الذكر، وصابرًا على ما يصيبه من الشدائد. قال الله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ}.
القشيري
تفسير : لا عِبْرَةَ بأعيان الأفعال سواء كانت بدنيةً محضة، أو ماليةً صِرْفة، أو بما له تعلُّق بالوجهين، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص فإِذا انضافَ إلى أكسابِ الجوارح إخلاصُ القصود، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها للأغيارَ صَلُحَتْ للقبول. ويقال التقوى شهودُ الحقِّ بِنَعْتِ التفرُّدِ؛ فلا يُشَابُ تَقَرُّبُكَ بملاحظةِ أحدٍ، ولا تأخذ عِوَضاً على عملٍ من بَشَرٍ. {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}: أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقِّ العبودية على قضية الشرع. {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ}: والإحسان كما في الخبر:"حديث : أن تعبد الله كأنك تراه.. ". تفسير : وأمارةْ صحته سقوطُ التعب بالقلبِ عن صاحبهِ، فلا يستثقلُ شيئاً. ولا يتبرم بشيءٍ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} الاشارة فيه ان جميع الاعمال الصالحة من العرش الى الثرى لا يلحق الحق نحو المراد منه ولكن يعيل اليه قلب جريح من محبته ذبيح بسيف شوقه مطروح على باب عشقه قال سهل فى قوله ولكن يناله التقوى هو التبرى والاخلاص.
اسماعيل حقي
تفسير : {لن ينال الله} لن يصيب ويبلغ ويدرك رضاه ولا يكون مقبولا عنده {لحومها} المأكولة والمتصدق بها {ولا دماؤها} المهراقة بالنحر من حيث انها لحوم ودماء {ولكن يناله التقوى منكم} وهو قصد الا تمار وطلب الرضى والاحتراز عن الحرام والشبهة، وفيه دليل على انه لا يفيد العمل بلا نية واخلاص وبالفارسية [وليكن ميرسد بمحل قبول وى برهيز كارى ازشما كه آن تعظيم امر خداوندست وتقرب بدو بقربان بسنديده] {كذلك سخرها لكم} تكرير للتذكير والتعليل بقوله {لتكبروا الله} اى لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لايقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء {على ماهداكم} على متعلقة بتكبروا لتضمنه معنى الشكر وما مصدرية اى على هدايته اياكم او موصولة اى على ما هداكم اليه وارشدكم وهو طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها {وبشر المحسنين} اى المخلصين فى كل ما يأتون وما يذرون فى امور دينهم بالجنة او بقبول الطاعات، قال ابن الشيخ هم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه يبتغون فضله ورضوانه لايحلمهم على ما يأتونه ويذرون الا هذا الابتغاء وامارة ذلك ان لايستثقل ولايتبرم بشىء مما فعله او تركه والمقصود منه الحث والتحريض على استصحاب معنى الاحسان فى جميع افعال الحج، واعلم ان كل ما لايصلح لخزانة الرب ولا كل قلب يصلح لخدمة الرب فعجل ايها العبد فى تدارك حالك وكن سخيا محسنا بمالك فان لم يكن فبالنفس والبدن وان كان لك قدرة على بذلهما فيهما معا ألا ترى ان ابراهيم عليه السلام كيف اعطى ماله الضيافة وبدنه النيران وولده للقربان وقلبه للرحمن حتى تعجب الملائكة من سخاوته فاكرمه الله بالخلة، قالوا للحجاج يوم عيد القربان مناسك. الاول الذهاب من منى الى المسجد الحرام فلغيرهم الذهاب الى المصلى موافقة لهم. والثانى الطواف فلغيرهم صلاة العيد لقوله عليه السلام "حديث : الطواف بالبيت صلاة"تفسير : . والثالث اقامة السنن من الحلق وقص الاظفار ونحوهما فلغيرهم ازالة البدعة واقامة السنة والرابع القربان فلغيرهم ايضا ذلك الى غير ذلك من العبارات وافضل القربان بذل المجهود وتطهير كعبة القلب لتجليات الرب المعبود وذبح النفس بسكين المجاهدة والفناء عن الوجود، قال مالك بن دينار رحمه الله خرجت الى مكة فرأيت فى الطريق شابا اذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصى هب لى ما يسرك واغفر لى مالا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبى فقال يا شيخ وما تغنى التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة اخشى ان اقول لبيك فيقال لى لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر اليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم اغفر لى ان الناس قد ذبحوا وتقربوا اليك وليس لى شىء اتقرب به اليك سوى نفسى فتقلبها منى ثم شهق شهقة وخر ميتا شعر : جان كه نه قربانىء جانان بود جيفهء تن بهتر از آن جان بود هركه نشد كشته بشمشير دوست لا شهْ مر دار به ازجان اوست تفسير : وفى المثنوى شعر : معنىء تكبير اينست اى اميم كاى خدا بيش تو ما قربان شديم وقت ذبح الله اكبر ميكنى همجنان در ذبح نفس كشتنى تن جو اسماعيل وجان شد جون خليل كرد جان تكبير برجسم نبيل كشتة كشتة تن ز شهوتها وآز شد ببسم الله بسمل در نماز
الجنابذي
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ فانّه تعالى لمّا قال: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} وكان المنظور من شعائر الله ههنا الاضحيّات وكان الاضحيّة ما يهراق دمه ويؤكل لحمه ووصفها الله تعالى بالاقتران بتقوى القلوب صار المقام مقام ان يسأل هل يصل الى الله لحومها ودماؤها؟- فقال جواباً له: لن ينال الله {لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} وقيل: كانوا فى الجاهليّة اذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدّماء فلطّخوا حول البيت بها قربة الى الله {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} كرّر هذه الكلمة تأكيداً ومقدّمة لغاية اخرى هى قوله {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} الى تسخيرها، او الى مناسك بيته، او الى معالم دينه، او الى ذبح القوى البهيميّة من النّفس، او الى ولىّ امركم {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} عطف على مقدّر او باعتبار المعنى كأنّه قيل: فكبّر الله وبشّر المحسنين فى اعمالهم، او العاملين كأنّهم يرون الله او المحسنين الى خلق الله، او الّذين شيمتهم الاحسان، او المؤمنين بالايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الولويّة فانّ اصل الاحسان هو الولاية الّتى هى البيعة الخاصّة الولويّة الّتى يعبّر عنها بالايمان.
الهواري
تفسير : قوله: {لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} وقد كان المشركون يذبحون لأصنامهم، ثم ينضحون دماءها حول البيت. قال: {وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} يعني من آمن بالله. {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي: الأنعام {لِتُكَبِّرُوا اللهَ} أي: لتعظموا الله {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وقال في الآية الأخرى: (أية : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) تفسير : [الحج: 28] أي: إذا ذبحوا. والسنّة إذا ذبح أو نحر أن يقول: باسم الله وبالله والله أكبر. ذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين عظيمين، يذبحهما بيده، ويطأ على صفاحهما، ويسمّي ويُكبِّر . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه كان إذا ذبح الضحية قال: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك. قال: {وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} أي: بالجنة.
اطفيش
تفسير : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} لن يرفع إليه ذلك ولن يصيب ذلك رضاه ولن يقع منه موقع قبول {وَلَكِن ينَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم} لكن يرفع إليه العمل الصالح ويقبله مع الورع والايمان ولذلك نسئل الرفعة عنده. وكانت الجاهلية إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها وصبوها حولها يزعمون ان ذلك قربة إلى الله - تعالى - ولما حج المسلمون هموا بذلك فنزلت الآية. وقرئ (تناله) بالمثناة فوق {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} تكرير لتذكير النعمة وليعلل بقوله {لِتُكَّبِرُوا اللَّهَ} لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر غيره عليه فتوحدوه بالتكبير. وقيل: هو التكبير والتهليل عند الاحلال أو الذبح. قيل: نقول الله أكبر على ما هدانا والحمدلله على ما أولانا. قال الشيخ هود: والسنة ان يقال عند الذبح أو النحر باسم الله وبالله والله أكبر. والحسن يقول: بسم والله أكبر اللهم منك ولك {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} على للاستعلاء المجازي وما مصدرية يتعلق بالجار بـ(سخرها) أو بمحذوف حال اي على (هدايته اياكم) و(الهداية)؛ الارشاد لمعالم الدين ومناسك الحج وكيفية التقرب بها وطريق تسخيرها. وقيل: عدى (تكبروا) بعلى لتضمنه معنى الشكر. وقال ابن هشام: (على) للتعليل ويضعف جعل (ما) اسما موصولا اي (على ما هداكم إليه) للزوم حذف العائد المجرور بحرف لم يجر به الموصول الا ان يضمن هداكم معنى اعطاكم فيقدر العائد منصوبا {وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} المؤمنين المخلصين فيما آتوا وما تركوا بالجنة. وزعم بعض قومنا ان المراد بهم الخلفاء الاربعة.
الالوسي
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا} أي لن يصيب رضا الله تعالى اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ } ولكن يصيبه ما يصحب ذلك من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيمه تعالى والتقرب له سبحانه والإخلاص له عز وجل. وقال مجاهد: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم ونصبه حول الكعبة ونضحها بالدماء تعظيماً لها وتقرباً إليه تعالى فنزلت هذه الآية، وروي نحوه عن ابن عباس وغيره وقرأ يعقوب وجماعة {لَن تَنَالُ. وَلَكِنِ تَنَالُهُ} بالتاء. وقرأ أبو جعفر الأول بالتاء والثاني بالياء آخر الحروف، وعن يحيـى بن يعمر والجحدري أنهما قرآ بعكس ذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {لَن يَنَالَ. وَلَكِن يَنَالُهُ} بالبناء لما يسم فاعله في الموضعين {ولحومها ولا دماءها} بالنصب. {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} كرره سبحانه تذكيراً للنعمة وتعليلاً له بقوله تعالى: {لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ} أي لتعرفوا عظمته تعالى باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره عز وجل فتوحدوه بالكبرياء، وقيل: أي لتقولوا الله أكبر عند الإحلال أو الذبح {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي على هدايته وإرشاده إياكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها، فما مصدرية، وجوز أن تكون موصوفة وأن تكون موصولة والعائد محذوف، ولا بد أن يعتبر منصوباً عند من يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً، و {عَلَىٰ} متعلقة بتكبروا لتضمنه معنى الشكر أو الحمد كأنه قيل: لتكبروه تعالى شاكرين أو حامدين على ما هداكم، وقال بعضهم: على بمعنى اللام التعليلية ولا حاجة إلى اعتبار التضمين، ويؤيد ذلك قول الداعي على الصفا: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله تعالى على ما أولانا، ولا يخفى أن لعدم اعتبار التضمين هنا وجهاً ليس فيما نحن فيه فافهم. {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وعن ابن عباس هم الموحدون. ومن باب الإشارة في الآيات: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} بالإعراض عن السوى وطلب الجزاء { أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [الحج: 1] وهي مبادي القيامة الكبرى {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} وهي مواد الأشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه في مهد الاستعداد {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ} وهي الهيولات / {حِمْلِهَا} وهي الصور يوم تبدل الأرض غير الأرض والسمٰوات {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ} الحيرة { أية : وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } تفسير : [الحج: 2] المحبة، قيل سكر الأعداء من رؤية القهريات، وسكر الموافقين من رؤية بدائع الأفعال، وسكر المريدين من لمعان الأنوار. وسكر المحبين من كشوف الأسرار، وسكر المشتاقين من ظهور سني الصفات، وسكر العاشقين من مكاشفة الذات. وسكر المقربين من الهيبة والجلال، وسكر العارفين من الدخول في حجال الوصال، وسكر الموحدين من استغراقهم في بحار الأولية، وسكر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام من اطلاعهم على أسرار الأزلية: شعر : ألم بنا ساق يجل عن الوصف وفي طرفه خمر وخمر على الكف فأسكر أصحابـي بخمرة كفه وأسكرني والله من خمرة الطرف تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الآية يدخل فيه من يعبد الله تعالى طمعاً في الكرامات ومحمدة الخلق ونيل دنياهم فإن رأى شيئاً من ذلك سكن إلى العبادة وإن لم ير تركها وتهاون فيها {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا} بفقدان الجاه والقبول والافتضاح عند الخلق { أية : وَٱلأَخِرَةِ } تفسير : [الحج: 11] ببقائه في الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنار البعد { أية : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء } تفسير : [الحج: 15] الآية فيه إشارة إلى حسن مقام التسليم والرضا بما فعل الحكيم جل جلاله { أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الحج: 26] فيه من تعظيم أمر الكعبة ما فيه، وقد جعلها الله تعالى مثالاً لعرشه وجعل الطائفين بها من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن تسبيح البشر وثناءهم عليه عز وجل بكلمات إلٰهية قرآنية فيكونون من حيث تسبيحهم وثناؤهم بتلك الكلمات من حيث إنها كلماته تعالى نواباً عنه عز وجل في ذلك ويكون أهل القرآن وهم كما في الحديث أهل الله تعالى وخاصته، وللكعبة أيضاً امتياز على العرش وسائر البيوت الأربعة عشر لأمر ما نقل إلينا أنه في العرش ولا في غيره من تلك البيوت وهو الحجر الأسود الذي جاء في الخبر أنه يمين الله عز وجل ثم إنه تعالى جعل لبيته أربعة أركان لسر إلٰهي وهي في الحقيقة ثلاثة لأنه شكل مكعب الركن الذي يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل ولذلك سمي الكعبة تشبيهاً بالكعب، ولما جعل الله تعالى له بيتاً في العالم الكبير جعل نظيره في العالم الصغير وهو قلب المؤمن، وقد ذكروا أنه أشرف من هذا البيت «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» وجعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين وفيها مثلهم المحمود والمذموم، وجعل محل الخواطر فيه كالأركان التي للبيت فمحل الخاطر الإلٰهي كركن الحجر ومحل الخاطر الملكي كالركن اليماني ومحل الخاطر النفسي كالمكعب الذي في الحجر لا غير وليس للخاطر الشيطاني فيه محل، وعلى هذا قلوب الأنبياء عليهم السلام، وقد يقال: محل الخاطر النفسي كالركن الشامي ومحل الخاطر الشيطاني كالركن العراقي، وإنما جعل ذلك للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ بالله تعالى من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وعلى هذا قلوب المؤمنين ما عدا الأنبياء عليهم السلام، وأودع سبحانه فيه كنزاً أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرجه فلم يفعل لمصلحة رآها، وكذا أراد عمر فامتنع اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أودع جل وعلا في قلب الكامل كنز العلم به عز وجل. وارتفاع البيت على ما مر سبعة وعشرون ذراعاً وربع ذراع. وقال بعضهم: ثمانية وعشرون ذراعاً، / وعليه يكون ذلك نظير منازل القلب التي تقطعها كواكب الإيمان السيارة لإظهار حوادث تجري في النفس كما تقطع السيارة منازلها في الفلك لإظهار الحوادث في العالم العنصري إلى غير ذلك مما لا يعرفه إلا أهل الكشف. { أية : لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 33] أي إلى ما يليه فإن النحر بمنى وجعلت محلاً للقرابين على ما ذكر الشيخ الأكبر محي الدين قدس سره لأنها من بلوغ الأمنية ومن بلغ المنى المشروع فقد بلغ الغاية. وفي نحر القرابين إتلاف أرواح عن تدبير أجسام حيوانية لتتغذى بها أجسام إنسانية فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلاً أو بقراً، وهذه مسألة دقيقة لم يفطن لها إلا من نور الله تعالى بصيرته من أهل الله تعالى انتهى. وتعقله مفوض إلى أهله فاجهد أن تكون منهم. { أية : وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الحج: 34-35] حسبما يحصل لهم من التجلي عند ذلك، وقد يحصل من الذكر طمأنينة القلب لاقتضاء التجلي إذ ذاك ذلك، وذكر بعضهم أن لكل اسم تجلياً خاصاً فإذا ذكر الله تعالى حصل حسب الاستعداد ومن هٰهنا يحصل تارة وجل وتارة طمأنينة؛ و {إِذَا} لا تقتضي الكلية بل كثيراً ما يؤتى بها في الشرطية الجزئية، وقيل العارف متى سمع الذكر من غيره تعالى وجِل قلبه ومتى سمعه منه عز وجل اطمأن. ويفهم من ظاهر كلامهم أن السامع للذكر إما وجل أو مطمئن ولم يصرح بقسم آخر فإن كان فالباقي على حاله قبل السماع، وأكثر مشايخ زماننا يرقصون عند سماع الذكر فما أدري أينشأ رقصهم عن وجل منه تعالى أم عن طمأنينة؟ وسيظهر ذلك يوم تبلى السرائر وتظهر الضمائر { أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } تفسير : [الحج: 36] قد تقدم لك أنهم ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، وذكروا في سر ذلك أنه لما كان نحرها قربة أراد صلى الله عليه وسلم المناسبة في صفة نحرها في الوترية فأقامها على ثلاث قوائم لأن الله تعالى وتر يحب الوتر والثلاثة أول الإفراد فلها أول المراتب في ذلك والأولية وترية أيضاً، وجعلها قائمة لأن القيومية مثل الوترية صفة إلٰهية فيذكر الذي ينحرها مشاهدة القائم على كل نفس بما كسبت، وقد صح أن المناسك إنما شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، وشفع الرجلين لقوله تعالى: { أية : وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } تفسير : [القيامة: 29] وهو اجتماع أمر الدنيا بالآخرة، وأفرد اليمين من يد البدن حتى لا تعتمد إلا على وتر له الاقتدار. وكان العقل في اليد اليسرى لأنها خلية عن القوة التي لليمنى والقيام لا يكون إلا عن قوة. وقد أخرج مسلم عن ابن عباس أنه قال: « حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت عنها الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته » تفسير : الحديث. والسر في كون هديه عليه الصلاة والسلام من الإبل - مع أنه جاء فيها أنها شياطين ولذا كرهت الصلاة في معاطنها الإشارة إلى أن مقامه عليه الصلاة والسلام رد البعداء من الله تعالى إلى حال التقريب. وفي إشعارها في سنامها الذي هو أرفع ما فيها إشعار منه صلى الله عليه وسلم بأنه عليه الصلاة والسلام أتى عليهم من صفة الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم فليجتنبوها فإن الدار الآخرة إنما جعلت للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، ووقع الإشعار في الصفحة اليمنى لأن اليمين محل الاقتدار والقوة، والصفحة من الصفح ففي ذلك إشعار بأن الله تعالى يصفح عمن هذه صفته إذا طلب القرب من الله تعالى وزال عن كبريائه الذي أوجب له البعد، وجعل عليه الصلاة والسلام الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن في تعليق النعال في رقابها إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون والمذلة ومن كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء تشهد، وعلق / النعال بقلائد العهن ليتذكر بذلك ما أراد الله تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش، وقد ذكروا لجميع أفعال الحج أسراراً من هذا القبيل، وعندي أن أكثرها تعبدية وأن أكثر ما ذكروه من قبيل الشعر والله تعالى الموفق للسداد.
ابن عاشور
تفسير : {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} جملة في موضع التعليل لجملة {أية : كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}تفسير : [الحج: 36]، أي دلّ على أنّا سخرناها لكم لتشكروني أنه لا انتفاع لله بشيء من لحومها ولا دمائها حين تتمكنون من الانتفاع بها فلا يريد الله منكم على ذلك إلا أن تتّقُوه. والنَيْل: الإصابة. يقال ناله، أي أصابه ووصل إليه. ويقال أيضاً بمعنى أحرز، فإن فيه معنى الإصابة كقوله تعالى: {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}تفسير : [آل عمران: 92] وقوله: {أية : وهموا بما لم ينالوا}تفسير : [التوبة: 74]. والمقصود من نفي أن يصل إلى الله لحومها ودماؤها إبطال ما يفعله المشركون من نضح الدماء في المذابح وحول الكعبة وكانوا يذبحون بالمَرْوَةِ. قال الحسن: كانوا يلطخون بدماء القرابين وكانوا يشرّحون لحوم الهدايا وينصبونها حول الكعبة قرباناً لله تعالى، يعني زيادة على ما يعطونه للمحاويج. وفي قوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا إذ لا يُنتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنّحر أو الذبح وإن المقصد من شرعها انتفاع الناس المُهدين وغيرهم. فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم كما حديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم صيام يوم النّحر: «يوم تأكلون فيه من نُسككم» تفسير : فذلك نفع لأنفسهم ولأهاليهم ولو بالادخار منه إلى رجوعهم إلى آفاقهم. وأما غيرهم فانتفاع من ليس له هدْيٌ من الحجيج بالأكل مما يهديه إليهم أقاربهم وأصحابهم، وانتفاع المحاويج من أهل الحرم بالشبع والتزود منها والانتفاع بجلودها وجِلالها وقلائدها. كما أومأ إليه قوله تعالى: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} تفسير : [المائدة: 97]. وقد عرض غير مرة سؤال عما إذا كانت الهدايا أوفر من حاجة أهل الموسم قطعاً أو ظناً قريباً من القطع كما شوهد ذلك في مواسم الحجّ، فما يبقى منها حيّاً يباع وينفق ثمنه في سدّ خلة المحاويج أجدَى من نحره أو ذَبحه حين لا يَرغب فيه أحد، ولو كانت اللحوم التي فاتَ أن قُطعّت وكانت فاضلة عن حاجة المحاويج يعمل تصبيرها بما يمنع عنها التعفُّن فيُنتفع بها في خلال العام أجدى للمحاويج. وقد ترددتْ في الجواب عن ذلك أنظار المتصدّين للإفتاء من فقهاء هذا العصر، وكادوا أن تتفق كلمات من صدرت منهم فتاوى على أن تصبيرها مناف للتعبد بهَديها. أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل عن حاجة الناس في أيام الحج، لينتفع بها المحتاجون في عامهم، أوفقُ بمقصد الشارع تجنباً لإضاعَة ما فَضِل منها رعياً لمقصد الشريعة من نفع المحتاج وحفظ الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه بقوله تعالى: {أية : فاذكروا اسم الله عليها صواف}تفسير : [الحج: 36] وقوله: {وكذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم}، جمعاً بين المقاصد الشرعية. وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة بحيث لا يُتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول طلباً لفضيلة المبادرة، فإن التقوى التي تصِل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع بها. وهذا قياس على أصل حفظ الأموال كما فرضوه في بيع الفَرس الحُبُس إذا أصابه ما يفضي به إلى الهلاك أو عدم النفع، وهي المعاوضة لِرَبْع الحبس إذا خرب. وحكم الهدايا مركب من تعبّد وتعليل، ومعنى التعليل فيه أقوى، وعلّته انتفاع المسلمين، ومسلك العلّة الإيماء الذي في قوله تعال: {أية : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}تفسير : [الحج: 36]. واعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء عقيدة وثنية قديمة فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام فلا يدَعون أحداً يأكله. وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى تصير رماداً ويتوهمون أنّ رائحة الشواء تسرّ الآلهة المتقرب إليها بالقرابين، وكان المصريُّون يُلقون الطعام للتماسيح التي في النيل لأنها مقدّسة. وقرأ الجمهور {يَنال، ويَناله} بتحتية في أولهما. وقرأه يعقوب بفوقية على مراعاة ما يجوز في ضمير جمع غير العاقل. وربما كانوا يقذفون بمِزع من اللحم على أنها لله فربما أصابها محتاج وربما لم يتفطن لها فتأكلها السّباع أو تفسد. ويشمل التقوى ذكر اسم الله عليها والتصدّق ببعضها على المحتاجين. و{يناله}مشاكلة لــــ {ينال} الأول، استعير النيل لتعلّق العلم. شبه علم الله تقواهم بوصول الشيء المبعوث إلى الله تشبيهاً وجهّه الحصول في كلّ وحسنته المشاكلة. و(مِن) في قوله {مِنكم} ابتدائية. وهي ترشيح للاستعارة، ولذلك عبّر بلفظ {التقوى منكم} دون: تقواكم أو التقوى. مجرداً مع كون المعدول عنه أوجز لأنّ في هذا الإطناب زيادة معنى من البلاغة. {كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ}. تكرير لجملة: {أية : كذلك سخرناها لكم}تفسير : [الحج: 36]، وليبنى عليه التنبيه إلى أن الثناء على الله مسخّرها هو رأس الشكر المنبه عليه في الآية السابقة، فصار مدلول الجملتين مترادفاً. فوقع التأكيد. فالقول في جملة {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله} كالقول في أشباهها. وقوله {على ما هداكم} {على} فيه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن، أي لتكبّروا الله عند تمكنكم من نحرها. و(ما) موصولة، والعائد محذوف مع جارّه. والتقديرُ: على ما هداكم إليه من الأنعام. والهداية إليها: هي تشريع الهدايا في تلك المواقيت لينتفع بها الناس ويرتزق سكان الحرم الذين اصطفاهم الله ليكونوا دعاةَ التوحيد لا يفارقون ذلك المكان، والخطاب للمسلمين. وتغيير الأسلوب تخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالإظهار في مقام الإضمار للإشارة إلى أنهم قد اهتدوا وعملوا بالاهتداء فأحسنوا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 37- واعلموا أن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، ولا يريد منكم مجرد التظاهر بالذبح وإراقة الدماء، ولكنه يريد منكم القلب الخاشع، فلن ينال رضاه من وزَّع تلك اللحوم ولا الدماء، ولكن الذى ينال رضاه هو تقواكم وإخلاص نواياكم. مثل هذا التسخير سخرناها لتنفعكم فَتُعظموا الله على ما هداكم إليه من إتمام مناسك الحج. وبشر - أيها النبى - المحسنين الذين أحسنوا أعمالهم ونواياهم بثواب عظيم. 38- إن الله يدافع عن المؤمنين ويحميهم وينصرهم بإيمانهم، لأنه لا يحب الخائنين لأمانتهم، المبالغين فى كفرهم بربهم، ومن لا يحبه الله لا ينصره. 39- أَذِنَ الله للمؤمنين الذين قاتلهم المشركون أن يردوا اعتداءهم عليهم بسبب ما نالهم من ظُلْم صبروا عليه طويلا، وإن الله لقدير على نصر أوليائه المؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : (37) - إِِنَّمَا شَرَعَ اللهُ لَكُمْ نَحْرَ هَذهِ الضَّحَايَا لِتَذْكُروا اسْمَ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِها، فَهُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ؛ وَهُوَ تَعَالَى لاَ يَنَالُه شيءٌ مِنْ لُحُومِها، ولا مِنْ دِمَائِها، فَهُوَ الغَنِيُّ عَمَّنْ سِواهُ، يَتَقَبَّلُ الذَبِيحَةً، ويَجْزِي عَلَيْها. (وَكَانَ المُشْرِكُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا ذَبحُوا لآلِهَتِهِمْ، وَضَعُوا شَيْئاًَ مِنْ لُحُومِ قَرابِينِهِم ودِمَائِها عَلَى أَصْنَامِهِمْ). وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَخَّرَ اللهُ لَكُمْ البُدْنَ لِتُعَظِّمُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ، وَفِعْلِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَنَهَاكُم عَنْ فِعْلِ المُنْكَر، وَعَنْ فِعْلِ مَا يَكْرَهُ. وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ المُحْسِنِينَ فِي عَمَلِهِمِ، القَائِمِينَ بِحُدُودِ اللهِ، بِأَنَّ اللهَ سَيَجْزِيهِمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذلك لأنهم كانوا قبل الإسلام حين يذبحون للأوثان يُلطّخون الصنم بدماء الذبيحة، كأنهم يقولون له: لقد ذبحنا لك، وها هي دماء الذبيحة، وفي هذا العمل منهم دليل على غبائهم وحُمْق تصرفهم، فهم يروْن أنهم إذا لم يُلطِّخوه بالدم ما عرف أنهم ذبحوا من أجله. وهنا ينبه الحق - سبحانه وتعالى - إلى هذه المسألة: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ..} [الحج: 37] يعني: لا يأخذ منها شيئاً، وهو سبحانه قادر أنْ يعطي الفقير الذي أمرك أنْ تعطيه، ويجعله مثلك تماماً غير محتاج. إنما أراد سبحانه من تباين الناس في مسألة الفقر والغني أن يُحدِث توازناً في المجتمع، فالمجتمع ليس آلة ميكانيكية تسير على وتيرة واحدة، إنما هي حياة بشر لا بُدَّ أنْ تقومَ على الحاجة وعلى التكامل، فلا بُدَّ من هذه التفاوتات بين الناس، ثم تتدخّل الشرائع السماوية فتأخذ من القوي وتعطي الضعيف، وتأخذ من الغني وتعطي الفقير .. وساعتها، نقضي على مشاعر الحقد والحسد والبغضاء والأَثَرة. فحين يعطي القويُّ الضعيفَ من قوته لا يحسده عليها، ويتمنى له دوامها؛ لأن خيرها يعود عليه، وحين يعطي الغنّي مما أفاض الله عليه للفقير يُؤلِّف قلبه، ويجتثّ منه الغِلَّ والحسد، ويدعو له بدوام النعمة. لا بد من هذا التفاوت ليتحقق فينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشدُّ بعضه بعضاً ". تفسير : لذلك، ترى صاحب النعمة الذي ينثر منها على غيره، إنْ أصابته في ماله مصيبة يحزن له الآخرون ويتألمون بألمه؛ لأن نعمته تفيض عليهم، وخيرُه ينالهم. وأهل الريف إلى عهد قريب كان الواحد منهم يُربِّي البقرة أو الجاموسة؛ ليحلب لبنها، وكان لا ينسى الجيران وأهل الحاجة، فكانوا يدعُونَ الله له أنْ يبارك له في ماله، وإنْ أصابته ضرَّاء في ماله حَزِنوا من أجله. إذن: حين تفيض من نعمة الله عليك على مَنْ حُرِم منها تدفع عن نفسك الكثير من الحقد والحسد، فإنْ لم تفعل فلا أقلَّ من إخفاء هذا الخير عن أعْيُنِ المحتاجين حتى لا تثير حفائظهم، وربما لو رآك الرجل العاقل يُردعه إيمانه فلا تمتدّ عيناه إلى ما في يدك، إنما حين يراك الأطفال الصغار تحمل ما حُرِموا منه، أو رأوا ولدك يأكل وهم محرومون هنا تكون المشكلة وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ..} [الحج: 37]. واتقاء الله هو اتباع منهجه، فيُطاع الله باتباع المنهج فلا يُعصي، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، وطريق الطاعة يوجد في اتباع المنهج بـ "افعل" و "لا تفعل"، ويُذكر فلا يُنسى؛ لأن العبد قد يطيع الله ويُنفِّذ منهج الله، ولكن النعم التي خلقها الله قد تشغل العبد عن الله، والمنهج يدعوك أنْ تتذكر في كل نعمة مَنْ أنعم بها، وإياك أنْ تُنسيَك النعمةُ المنعِمَ. ثم يقول تبارك وتعالى: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37]. تلحظ هنا مسألة المتشابهات في القرآن الكريم، ففي الآية السابقة ذَيَّلها الحق سبحانه بقوله: {أية : كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الحج: 36]. هذه المتشابهات يقف عندها العلماء الذين يبحثون في القرآن ويُقلِّبون في آياته؛ لذلك يجمعون مثل هذه الآيات المتشابهة التي تتحدث في موضوع واحد ويُرتِّبونها في الذِّهن؛ لذلك لا يُؤتمنون على الحِفْظ، ومن هنا قالوا: ينبغي لمَنْ أراد حِفْظ القرآن أنْ يدعَ مسألة العلم جانباً أثناء حِفْظه، حتى إذا نسي كلمةً وقف مكانه لا يتزحزح إلى أنْ يعرفها، أمّا العالم فربما وضع مرادفها مكانها، واستقام له المعنى. والمراد بقوله تعالى: {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ..} [الحج: 37] يعني: تذكرونه وتشكرونه على ما وفّقكم إليه من هذه الطاعات {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ..} [الحج: 37] بشِّر يعني: أخْبِرْ بشيء سَارٍّ قبل مَجِيء زمنه، ليستعد له المبشَّر ويفرح به، كذلك الإنذار: أن تخبر بشيء سيء قبل حلوله أيضاً؛ ليستعد له المنذر، ويجد الفرصة التي يتلافى فيها خطأه، ويُجنِّب نفسه ما يُنذَر به، ويُقبل على ما يُنجِيه. و {ٱلْمُحْسِنِينَ ..} [الحج: 37]: جمع مُحسِن، والإحسان: أعلى مراتب الإيمان، وهو أنْ تُلزِم نفسك بشيء من طاعة الله التي فرضها عليك فوق ما فرض، فربُّك عز وجل فرض عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، وفي إمكانك أنْ تزيد من هذه الصلوات ما تشاء، لكن من جنس ما فرض الله عليك، لا تخترع أنت عبادة من عندك، كذلك الأمر في الصوم، وفي الزكاة، وفي الحج، وفي سائر الطاعات التي ألزمك الله بها، فإنْ فعلت هذا فقد دخلتَ في مقام الإحسان. وفي الإحسان أمران: مُحسن به وهو العبادة أو الطاعة التي تُلزِم نفسك بها فوق ما فرض الله عليك، ودافعٌ عليه، وهو أن تؤدي العمل كأن الله يرقبك، كما جاء في حديث جبريل: "حديث : والإحسان أنْ تعبدَ الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك ". تفسير : فمراقبتك لله ومراعاتك لنظره تعالى إليك، يدفعك إلى هذا الإحسان، أَلاَ ترى العامل الذي تباشره وتُشرِف عليه، وكيف يُنهِي العمل في موعده؟ وكيف يُجيده؟ على خلاف لو تركتَه وانصرفْتَ عنه. فإنْ لم تَصِل إلى هذه المرتبة التي كأنك ترى الله فيها، فلا أقلَّ من أنْ تتذكر نظره هو إليك، ومراقبته سبحانه لحركاتك وسكناتك. لذلك، في سورة الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. ثم يُفسِّر سبب هذا الإحسان: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 17-19]. ومَنْ يلزمك بهذه التكاليف؟ لك أنْ تصلي العشاء ثم تنام إلى الفجر، كذلك لم يُلزمك بالاستغفار وقت السَّحَر، ولم يلزمك بصدقة التطوع. إذن: هذه طاعات فوق ما فرض الله وصلَتْ بأصحابها إلى مقام الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان، فليُشمِّر لها مَنْ أراد. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):