Verse. 2633 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اِنَّ اللہَ يُدٰفِعُ عَنِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُوْرٍ۝۳۸ۧ
Inna Allaha yudafiAAu AAani allatheena amanoo inna Allaha la yuhibbu kulla khawwanin kafoorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله يدافع عن الذين آمنوا» غوائل المشركين «إن الله لا يحب كل خوَّانِ» في أمانته «كفور» لنعمته، وهم المشركون المعنى أنه يعاقبهم.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ } بالألف {وَلَوْلاَ دَفْعُ } بغير ألف، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعاً ودافع عنك دفاعاً والدفاع أحسنهما. المسألة الثانية: ذكر {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين. فلذلك قال بعده {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته. المسألة الثالثة: قال مقاتل: إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سراً فنهاهم. المسألة الرابعة: هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف بوائقهم عنهم وهي كقوله: { أية : لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } تفسير : [آل عمران: 111] وقوله: { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [غافر: 51] وقال: { أية : إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } تفسير : [الصافات: 172] { أية : وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } تفسير : [الصف: 13]. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره قوله: { أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه؟ أما قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم في رواية حفص {أَذِنَ } بضم الألف والباقون بفتحها أي أذن الله لهم في القتال، وقرأ أهل المدينة وعاصم {يُقَـٰتَلُونَ } بنصب التاء، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {أَذِنَ } بنصب الف {ويقاتلون} بكسر التاء. قال الفراء والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل، ومن قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال. المسألة الثانية: في الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه. أما قوله: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن في مقاتلتهم. أما قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك. أما قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: أحدهما: أنهم أخرجوهم من ديارهم والثاني: أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا: {رَبُّنَا ٱللَّهُ } وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم: {رَبُّنَا ٱللَّهُ } وهو من الحق؟ قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير، ومثله { أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } تفسير : [المائدة:59] ثم بين سبحانه بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ } أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع {لَّهُدّمَتْ } بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه؟ الجواب: هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى: ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام، وذكر المفسرون وجوهاً أخر: أحدها: قال الكلبي يدفع الله بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد وثانيها: روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يدفع الله بالمحسن عن المسيء، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق وبالذي يحج عن الذي لا يحج، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه » تفسير : ثم تلا هذه الآية وثالثها: قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة ورابعها: قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص. السؤال الثاني: لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين؟ الجواب: لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه: أحدها: قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين، وإن اختلفت العبارات عنها وثانيها: قول الزجاج ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ وثالثها: بل المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر الله تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان. السؤال الثالث: ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؟ الجواب: ذكروا فيها وجوهاً: أحدها: الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي الله عنه وثانيها: الصوامع للنصارى وهي التي بنوها في الصحارى والبيع لهم أيضاً وهي التي يبنونها في البلد والصلوات لليهود، قال الزجاج وهي بالعبرانية صلوتاً وثالثها: الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة ورابعها: أنها بأسرها أسماء المساجد عن الحسن، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد. السؤال الرابع: الصلوات كيف تهدم خصوصاً على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟ الجواب: من وجوه: أحدها: المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر وثانيها: بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله: { أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها وثالثها: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه، كقولهم متقلداً سيفاً ورمحاً، وإن كان الرمح لا يتقلد. السؤال الخامس: قوله: {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل؟ الجواب: قال الكلبي ومقاتل عائد إلى الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كثيراً، والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفاً لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيراً. السؤال السادس: لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد؟ الجواب: لأنها أقدم في الوجود، وقيل أخرها في الذكر كما في قوله: { أية : وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } تفسير : [فاطر: 32] ولأن أول الفكر آخر العمل، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الرسل وأمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال عليه السلام: « حديث : نحن الآخرون السابقون » تفسير : . أما قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله تعالى، وقال آخرون: بل المراد من يقوم بسائر دينه، وإنما قالوا ذلك لأن نصرة الله على الحقيقة لا تصح، وإنما المراد من نصرة الله نصرة دينه كما يقال في ولاية الله وعداوته مثل ذلك وفي قوله: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر الله تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائماً بإيضاح الأدلة والبينات، ويكون بالإعانة على المعارف والطاعات، وفيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله {عَزِيزٌ } لأن العزيز هو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده. ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } ليس إلا هذا، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء، لأنه ليس كل من كان قادراً على الفعل أتى بهذه الأشياء. إذا ثبت هذا فنقول: المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ } صفة لمن تقدم وهو قوله: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم } والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة. وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة. ولا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع، وفي قوله: {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأَمُورِ } دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة. ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبداً وهو أيضاً يؤكد ما قلناه.

القرطبي

تفسير : رُوي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة؛ أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل مَن أمكنه من الكفار ويغتالَ ويَغْدِر ويحتال؛ فنزلت هذه الآية إلى قوله: «كفورٍ». فوعد فيها سبحانه بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر. وقد مضى في «الأنفال» التشديد في الغدر؛ وأنه: «يُنصب للغادر لواء عند استه بقدر غَدْرته يقال هذه غَدْرة فلان». وقيل: المعنى يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم؛ وإن جرى إكراه فيعصمهم حتى لا يرتدّوا بقلوبهم. وقيل: يدفع عن المؤمنين بإعلائهم بالحجة. ثم قتل كافرٍ مؤمناً نادر، وإنْ فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن قبضه إلى رحمته. وقرأ نافع «يُدافِع» «ولولا دِفاع». وقرأ أبو عمرو وابن كَثير «يدفع» «ولولا دَفْعُ». وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «يُدافِعُ» «ولولا دَفْعُ اللهِ». ويدافع بمعنى يدفع؛ مثل عاقبت اللص، وعافاه الله؛ والمصدر دفعاً. وحكى الزهراويّ أن «دِفاعا» مصدر دفع؛ كحسب حِسابا.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } غائلة المشركين، وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون {يُدَافِعُ } أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } في أمانة الله. {كَفُورٍ} لنعمته كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه، شر الأشرار، وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر: 36] وقال: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً} تفسير : [الطلاق: 3] وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال، والكفر: الجحد للنعم، فلا يعترف بها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } غوائل المشركين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } في أمانته {كَفُورٌ } لنعمته وهم المشركون، المعنى أنه يعاقبهم.

الشوكاني

تفسير : قرأ أبو عمرو وابن كثير: "يدفع" وقرأ الباقون: {يدافع} وصيغة المفاعلة هنا مجرّدة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدلّ عليه القراءة الأخرى. وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيراً مثل: عاقبت اللصّ ونحو ذلك، وقد قدّمنا تحقيقه. وقيل: إن إيراد هذه الصيغة هنا للمبالغة. وقيل: للدلالة على تكرر الواقع. والمعنى: يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين. وقيل: يعلي حجتهم. وقيل: يوفقهم. والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من ربّ العالمين، وأنه المتولي للمدافعة عنهم، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } مقرّرة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين مشعرة أتمّ إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له. قال الزجاج: من ذكر غير اسم الله وتقرّب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوّان كفور، وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم. {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } قرىء: "أذن" مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وكذلك "يقاتلون"، قرىء مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول، وعلى كلا القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال، أو قاتلهم المشركون قاتلوهم. قال المفسرون: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم، فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: «حديث : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر»تفسير : ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة، وهي أوّل آية نزلت في القتال. وهذه الآية مقرّرة أيضاً لمضمون قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ } فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } للسببية، أي بسبب أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد. ثم وعدهم سبحانه النصر على المشركين، فقال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } وفيه تأكيد لما مرّ من المدافعة أيضاً. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } ويجوز أن يكون بدلاً من الذين يقاتلون، أو في محل نصب على المدح، أو محل رفع بإضمار مبتدأ، والمراد بالديار: مكة {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } قال سيبويه: هو استثناء منقطع، أي لكن لقولهم: ربنا الله أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم: ربنا الله. وقال الفراء والزجاج: هو استثناء متصل، والتقدير: الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا: ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه: {أية : هل تنقمون منا إلا آمنا بالله } تفسير : [المائدة: 59] وقول النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : {وَلَوْلاَ دفع ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } قرأ نافع: "ولولا دفاع" وقرأ الباقون: {ولولا دفع} والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، ومعنى {لَّهُدّمَتْ }: لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل. فالصوامع: هي صوامع الرهبان. وقيل: صوامع الصابئين، والبيع: جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى، والصلوات: هي كنائس اليهود، واسمها بالعبرانية صلوثا بالمثلثة فعربت، والمساجد هي مساجد المسلمين، وقيل: المعنى: لولا هذا الدفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وقيل: المعنى: ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقيل: لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار. وقيل: غير ذلك. والصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع، يقال: صمع الثريدة: إذا رفع رأسها، ورجل أصمع القلب، أي حادّ الفطنة، والأصمع من الرجال: الحديد القول. وقيل: الصغير الأذن. ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام، وقد ذكر ابن عطية في {صلوات} تسع قراءات، ووجه تقديم مواضع عبادات أهل الملل على موضع عبادة المسلمين كونها أقدم بناء وأسبق وجوداً. والظاهر من الهدم المذكور معناه الحقيقي كما ذكره الزجاج وغيره. وقيل: المراد به المعنى المجازي، وهو تعطلها من العبادة، وقرىء: {لهدّمت} بالتشديد، وانتصاب {كثيراً} في قوله: {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } على أنه صفة لمصدر محذوف أي: ذكراً كثيراً، أو وقتاً كثيراً، والجملة صفة للمساجد؛ وقيل: لجميع المذكورات. {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } اللام هي جواب لقسم محذوف، أي والله لينصر الله من ينصره، والمراد بمن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه. والقويّ: القادر على الشيء، والعزيز: الجليل الشريف قاله الزجاج. وقيل: الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع، والموصول في قوله: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } في موضع نصب صفة لمن في قوله: {من ينصره} قاله الزجاج: وقال غيره: هو في موضع جرّ صفة لقوله: {للذين يقاتلون}. وقيل: المراد بهم: المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. وقيل: أهل الصلوات الخمس. وقيل: ولاة العدل. وقيل: غير ذلك، وفيه إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض وأقدره على القيام بذلك، وقد تقدّم تفسير الآية، ومعنى {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ }: أن مرجعها إلى حكمه وتدبيره دون غيره. وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لما أخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ـ إنا لله وإنا إليه راجعون ـ ليهلكنّ القوم، فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } الآية. قال ابن عباس: وهي أوّل آية نزلت في القتال. قال الترمذي: حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس. انتهى. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم } أي من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال: فينا نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } والآية بعدها، أخرجنا من ديارنا بغير حق، ثم مكنّاهم في الأرض أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب محمد: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } الآية قال: لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين لهدّمت صوامع. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ } الآية قال: الصوامع التي تكون فيها الرهبان، والبيع: مساجد اليهود وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين. وأخرجا عنه قال: البيع: بيع النصارى، وصلوات: كنائس اليهود. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } قال: أرض المدينة {ٱلَّذِينَ إِنْ } قال: المكتوبة {وَإِذْ أَخَذْنَا } قال: المفروضة {وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: بلا إلٰه إلا الله {وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } قال: عن الشرك بالله {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأَمُورِ } قال: وعند الله ثواب ما صنعوا.

الماوردي

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالكفار عن المؤمنين، وبالعصاة عن المطيعين، وبالجهال عن العلماء. والثاني: يدفع بنور السنة ظلمات البدعة، قاله سهل بن عبد الله. قوله عز وجل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} فيه ستة تأويلات: أحدها: ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين، وهذا قول ابن جريج. الثاني: ولولا دفع الله عن الدين بالمجاهدين، وهذا قول ابن زيد. والثالث: ولولا دفع الله بالنبيين عن المؤمنين، وهذا قول الكلبي. والرابع: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين، وهذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. والخامس: ولولا دفع الله بشهادة الشهود على الحقوق، وهذا قول مجاهد. والسادس: ولولا دفع الله على النفوس بالفضائل، وهذا قول قطرب. ويحتمل عندي تأويلاً سابعاً: ولولا دفع الله عن المنكر بالمعروف. {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ} فيه قولان: أحدها: أنها صوامع الرهبان، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنها مصلى الصابئين، وهو قول قتادة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صَوْمَعَةُ المُؤْمِنِ بَيْتُه" تفسير : وسميت صومعة لانضمام طرفيها، والمنصمع: المنضم، ومنه أذنٌ صمعاء. {وَبِيَعٌ} فيها قولان: أحدهما: أنها بيع النصارى، وهو قول قتادة. والثاني: أنها كنائس اليهود، وهو قول مجاهد، والبيعة اسم أعجمي مُعَرَّب. {وَصَلَوَاتٌ} فيها قولان: أحدهما: أنها كنائس اليهود يسمونها: صلوتا، فعرب جمعها، فقيل صلوات، وهذا قول الضحاك. والثاني: معناه: وتركت صلوات، ذكره ابن عيسى. {وَمَسَاجِدُ} المسلمين، ثم فيه قولان: أحدهما: لهدمها الآن المشركون لولا دفع الله بالمسلمين، وهو معنى قول الضحاك. والثاني: لهدمت صوامع في أيام شريعة موسى، وبيع في أيام شريعة عيسى ومساجد في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الزجاج، فكان المراد بهدم كل شريعة، الموضع الذي يعبد الله فيه.

ابن عطية

تفسير : روي أن هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر فنزلت هذه الآية إلى قوله {كفور}، ووكد فيها بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر، وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر "يدافع" "ولولا دفاع"، وقرأ أبو عمرو وابن كثير "يدفع" "ولولا دفع"، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "يدافع" "ولولا دفع" قال أبو علي أجريت "دافع" في هذه القراءة مجرى "دفع" كعاقبت اللص وطابقت النعل فجاء المصدر دفعاً، قال أبو الحسن والأخفش: أكثر الكلام أن الله "يدفع" ويقولون دافع الله عنك إلا أن دفع أكثر. قال القاضي أبو محمد: فحسن في الآية {يدفع} لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم فتجيء معارضته ودفعه مدافعة عنهم، وحكى الزهراوي أن دفاعاً مصدر دفع كحسبت حساباً، ثم أذن الله تعالى في قتال المؤمنين لمن قاتلهم من الكفار بقوله {أذن} وصورة الإذن مختلفة بحسب القراءات فبعضها أقوى من بعض، فقرأ نافع وحفص عن عاصم "أُذن" بضم الألف "يقاتَلون" بفتح التاء، أي في أن يقاتلهم فالإذن في هذه القراءة ظاهر أنه في مجازات، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والحسن والزهري "أَذن" بفتح الألف "يقاتِلون" بكسر التاء، فالإذن في هذه القراءة في ابتداء القتال، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "أَذن" بفتح الألف "يقاتِلون" بكسر التاء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف والتاء جميعاً، وهي في مصحف ابن مسعود "أذن للذين يقاتِلون في سبيل الله" بكسر التاء، وفي مصحف أبي "أُذن" بضم الهمزة "للذين قاتلوا" وكذلك قرأ طلحة والأعمش إلا أنهما فتحا همزة "أَذن" وقوله {بأنهم ظلموا} معناه كان الإذن بسبب أنهم ظلموا، قال ابن جريج: وهذه الآية أول ما نقض الموادعة، قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال أبو بكر الصديق لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال، وقال مجاهد الآية في مؤمنين بمكة أرادوا الهجرة إلى المدينة فمنعوا وما بعد هذا في الآية يرد هذا القول لأن هؤلاء منعوا الخروج لا أخرجوا، ثم وعد تعالى بالنصر في قوله {وإن الله على نصرهم لقدير}، وقوله {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} يريد كل من نبت به مكة وآذاه أهلها حتى أخرجوا بإذايتهم طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة، ونسب الإخراج إلى الكفار لأن الكلام في معرض تقرير الذنب وإلزامه، وقوله {إلا أن يقولوا ربنا الله} استثناء منقطع ليس من الأول هذا قول سيبويه ولا يجوز عنده فيه البدل وجوزه أبو إسحاق، والأول أصوب، وقوله {ولولا دفاع الله} الآية تقوية للأمر بالقتال وذكر الحجة بالمصلحة فيه وذكر أنه متقدم في الاسم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ولولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، هذا أصوب تأويلات الآية، ثم ما قيل بعد من مثل الدفاع تبع للجهاد، وقال مجاهد {ولولا دفاع الله} ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا، ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المعنى ولولا دفع الله بأصحاب محمد الكفار عن التابعين فمن بعدهم وهذا كله فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق بما تقدم من الآية، وقالت فرقة {ولولا دفاع الله} العذاب بدعاء الفضلاء ونحوه وهذا وما شاكله مفسد لمعنى الآية وذلك أن الآية تقتضي ولا بد مدفوعاً من الناس ومدفوعاً عنه فتأمله، وقرأ نافع وابن كثير "لهدمت" مخففة الدال، وقرأ الباقون "لهدّمت" مشددة وهذه تحسن من حيث هي صوامع كثيرة ففي هدمها تكرار وكثرة كما قال {أية : بروج مشيدة} تفسير : [النساء: 78] فثقل الياء وقال {أية : قصر مشيد} تفسير : [الحج: 45] فخفف لكونه فرداً {أية : وغلقت الأبواب} تفسير : [يوسف: 43] و {أية : مفتحة لهم الأبواب} تفسير : [ص: 50] و"الصومعة" موضع العبادة وزنها فوعلة وهي بناء مرتفع منفرد حديد الأعلى، والأصمع، من الرجال الحديد القول وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين، قاله قتادة، ثم استعمل في مئذنة المسلمين والبيع كنائس النصارى واحدتها بيعة قال الطبري: وقيل هي كنائس اليهود ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، و"الصلوات" مشتركة لكل ملة واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطل، أو أراد وموضع صلوات، وذهبت فرقة إلى أن الصلوات اسم لشنائع اليهود وأن اللفظة عبرانية عربت وليست بجمع صلاة، وقال أبو العالية الصلوات مساجد الصابئين، واختلفت القراءة فيها فقرأ جمهور الناس "صَلَوات" بفتح الصاد واللام وبالتاء بنقطتين وذلك إما بتقدير ومواضع صلوات وإما على أن تعطيل الصلاة هدمها، وقرأ جعفر بن محمد "صَلْوات" بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأت فرقة بكسر الصاد وسكون اللام حكاها ابن جني، وقرأ الجحدري فيما روي عنه "وصُلُوات" بتاء بنقطتين من فوق وبضم الصاد واللام على وزن فعول قال وهي مساجد النصارى، وقرأ الجحدري والحجاج بن يوسف "وصُلُوب" بضم الصاد واللام وبالباء على أنه جمع صليب، وقرأ الضحاك والكلبي "وصُلُوث" بضم الصاد واللام وبالثاء منقوطة ثلاثاً قالوا وهي مساجد اليهود، وقرأت فرقة "صَلْوات" بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأت فرقة "صُلُوات" بضم الصاد واللام حكاها ابن جني، وقرأت فرقة "صلوثا" بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء، وحكى ابن جني أن خارج باب الموصل بيوتاً يدفن فيها النصارى يقال لها "صلوات"، وقرأ عكرمة ومجاهد "صلويثا" بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء قال القاضي: وذهب خصيف إلى أن هذه الأسماء قصد بها متعبدات الأمم، و"الصوامع" للرهبان ع وقيل للصابئين، و"البيع" للنصارى، و"الصلوات" لليهود و"المساجد" للمسلمين والأظهر أنها قصد بها المبالغة بذكر المتعبدات وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في عرف لغة العرب، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر ولم يذكر في هذه المجوس ولا أهل الاشتراك لأن هؤلاء ليس لهم ما تجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، وقوله {يذكر فيها} الضمير عائد على جميع ما تقدم ثم وعد الله تعالى بنصره نصرة دينه وشرعه، وفي ذلك حض على القتال والجد فيه ثم الآية تعم كل من نصر حقاً إلى يوم القيامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَدْفع} بالكفار عن المؤمنين وبالعصاة عن المطيعين، وبالجهال عن العلماء، "أو يدفع عنهم هواجس النفس ووسواس الشيطان"، أو يدفع بنور السنة ظلمات البدعة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو "يَدْفَعُ"، والباقون "يُدَافِع". وفيه وجهان: أحدهما: أن (فَاعِل) بمعنى (فَعَل) المجرد نحو جاوزته وجزته وسافرت وطارقت. والثاني: أنه أُخرج على زنة المفاعلة مبالغة فيه لأن فعل المبالغة أبلغ من غيره. وقال ابن عطية: يحسن "يُدَافِع" لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم فتجيء مقاومته ودفعه عنهم مدافعة. يعني فتختلط فيها المفاعلة. فصل لما بيَّن الحج ومناسكه، وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وذكر قبل ذلك صد الكفار عن المسجد الحرام، أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قال مقاتل: إن الله يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، وهذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم، فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلهم سراً فنهاهم. والمعنى: أن الله يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم من المؤمنين ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين، فلذلك قال بعده {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار، وهو كقوله {أية : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} تفسير : [آل عمران: 111] وقوله {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غافر: 51] وقوله: {أية : إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصافات: 172]. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} في أمانة الله "كَفُوْرٍ" لنعمته. قال ابن عباس: خافوا الله فجعلوا معه شركاء وكفروا نعمه. قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بِذَبِيحَتِهِ وذكر عليها اسم غير الله فهو خوان كفور. قال مقاتل: أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه. قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}. قرأ "أُذِنَ" مبنياً للمفعول نافع وأبو عمرو وعاصم، والباقون قرأوه مبنياً للفاعل. قال الفراء والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل. وأما "يقاتلون" فقرأه مبنياً للمفعول نافع وابن عامر وحفص، والباقون مبنياً للفاعل. وحصل من مجموع الفعلين أن نافعاً وحفصاً بنياهما للمفعول. وأن ابن كثير وحمزة والكسائي بنوهما للفاعل، (وأن أبا عمرو) وأبا بكر بنيا الأول للمفعول والثاني للفاعل، وأن ابن عامر عكس هذا. فهذه أربع رتب والمأذون فيه محذوف للعلم به أي للذين يقاتلون في القتال. و"بأَنَّهُم ظُلِمُوا" متعلق بـ "أُذِنَ"، والباء سببية، أي بسبب أنهم مظلومون. فصل قال المفسرون: حديث : كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج يشكون ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول لهم: "اصْبِرُوا فَإِنِّي لَمْ أُوْمَرْ بِالقِتَال" تفسير : حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال، ونزلت هذه الآية بالمدينة. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة "بأنَّهُم ظُلِمُوا" أي بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء. {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وهذا وعد منه تعالى بنصرهم، كما يقول المرء لغيره: إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك، لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك. قوله: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} يجوز أن يكون "الذين" في محل جر نعتاً للموصول الأول، أو بياناً له، أو بدلاً منه وأن يكون في محل نصب على المدح، وأن يكون في محل رفع على إضمار مبتدأ. فصل لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظُلموا، فسر ذلك الظلم بقوله {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}، فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين: الأول: أنهم أُخرجوا من ديارهم. والثاني: أخرجوهم بسبب قولهم: "رَبُّنَا اللَّه". وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم. قوله: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ}. فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، وهذا مما يُجمع العرب على نصبه، لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبه نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر. فلو توجه العامل جاز فيه لغتان: النصب وهو لغة الحجاز، وأن يكون كالمتصل في النصب والبدل نحو ما فيها أحد إلا حمار. وإنما كانت الآية الكريمة من الذي لا يتوجه عليه العامل، لأنك لو قلت: الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله لم يصح. الثاني: أنه في محل جر بدلاً من "حَقّ". قال الزمخشري: أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير، ومثله {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 59] انتهى. وممن جعله في موضع جر بدلاً مما قبله الزجاج. إلا أن أبا حيان رد ذلك فقال: ما أجازاه من البدل لا يجوز، لأن البدل لا يجوز إلا حيث سبقه نفي أو نهي أو استفهام في معنى النفي (نحو: ما قام أحد إلا زيد، ولا يضرب أحد إلا زيد، وهل يضرب أحد إلا زيد) وأما إذا كان الكلام موجباً أو أمراً فلا يجوز البدل (لا يقال: قام القوم إلا زيد، على البدل، ولا يضرب القوم إلا زيد، على البدل) لأن البدل لا يكون إلا حيث يكون العامل يتسلط عليه، ولو قلت: قام إلا زيد، وليضرب إلا عمرو لم يجز. ولو قلت في غير القرآن: أخرجِ الناس من ديارهم إلا أن يقولوا لا إله إلا الله لم يكن كلاماً، هذا إذا تخيل أن يكون {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ} في موضع جر بدلاً من "غَيْر" المضاف إلى "حَقّ"، وأما إذا كان بدلاً من "حق" كما نص عليه الزمخشري فهو في غاية الفساد، لأنه يلزم منه أن يكون البدل يلي غيراً فيصير التركيب: بغير إلا أن يقولوا؛ وهذا لا يصح، ولو قدرنا (إلا) بغير كما نقدر في النفي ما مررت بأحد إلا زيد، فنجعله بدلاً لم يصح، لأنه يصير التركيب: بغير قولهم ربنا الله، فيكون قد أضيف غير إلى غير، وهي هي، فيصير بغير غير، ويصح في ما مررت بأحد إلا زيد، أن تقول: ما مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حين مثل البدل وقدره بغير موجب سوى التوحيد، وهذا تمثيل للصفة جعل (إلا) بمعنى سوى، ويصح على الصفة، فالتبس عليه باب الصفة بباب البدل، ويجوز أن تقول: ما مررت بالقوم إلا زيد على الصفة لا على البدل. قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ} تقدم الخلاف فيه في البقرة وتوجيه القراءتين. وقرأ نافع وابن كثير "لَهُدِمَتْ" بالتخفيف، والباقون بتثقيل الدال على التكثير، لأن المواضع كثيرة متعددة، والقراءة الأولى صالحة لهذا المعنى أيضاً. قوله: {صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} العامة على "صَلَوات" بفتح الصاد واللام جمع صلاة وقرأ جعفر بن محمد "وصُلُوَات" بضمّهما. وروي عنه أيضاً بكسر الصاد وسكون اللام. وقرأ الجحدري بضم الصاد وفتح اللام. وأبو العالية بفتح الصاد وسكون اللام، والجحدري أيضاً "وصُلُوت" بضمهما وسكون الواو بعدهما تاء مثناة من فوق مثل صَلْب وصُلُوب والكلبي والضحاك كذلك إلا أنهما أعجما التاء بثلاث من فوقها. والجحدري أيضاً وأبو العالية وأبو رجاء ومجاهد كذلك إلا أنهم جعلوا بعد الثاء المثلثة ألفاً فقرءوا "صُلُوثا"، وروي عن مجاهد في هذه التاء المثناة من فوق أيضاً، وروي عن الجحدري أيضاً "صُلْوَاث" بضم الصاد وسكون اللام وألف بعد الواو والثاء مثلثة. وقرأ عكرمة "صِلْوِيثا" بكسر الصاد وسكون اللام وبعدها واو مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت بعدها ثاء مثلثة بعدها ألف وحكى ابن مجاهد أنه قرئ "صِلْوَاث" بكسر الصاد وسكون اللام بعدها واو بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة. وقرأ الجحدري "وصُلُوْب" مثل كعوب بالباء الموحدة وجمع صليب وفُعُول جمع فَعِيل شاذ نحو ظَرِيف وظُرُوف وأَسينَة وأُسُون. وروي عن أبي عمرو "صَلَوَاتُ" كالعامة إلا أنه لم ينون، منعه الصرف للعلمية والعجمة، كأنه جعله اسم موضع فهذه أربع عشرة قراءة المشهور منها واحدة وهي هذه الصلوات المعهودة. ولا بد من حذف مضاف ليصح تسلط الهدم أي مواضع صلوات، أو تضمن "هُدِّمَتْ" معنى عطلت، فيكون قدراً مشتركاً بين المواضع والأفعال فإن تعطيل كل شيء بحسبه، وأخر المساجد لحدوثها في الوجود أو الانتقال إلى الأشرف. والصلوات في الأمم الملتين صلاة كل ملة بحسبها. وظاهر كلام الزمخشري أنها بنفسها اسم مكان فإنه قال: وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا انتهى. وأما غيرها من القراءات، فقيل: هي سريانية أو عبرانية دخلت في لسان العرب ولذلك كثر فيها اللغات والصوامع: جمع صومعة، وهي البناء المرتفع الحديد الأعلى من قولهم رجل أصمع، وهو الحديد القول، ووزنها فَوْعَلة كدَوْخَلة، وهي متعبد الرهبان لأنهم ينفردون. وقال قتادة: للصابئين. والبيع جمع بيعة وهي متعبد النصارى قاله قتادة والزجاج. وقال أبو العالية هي كنائس اليهود. وقال الزجاج: الصوامع للنصارى، وهي التي بنوها في الصحارى، والبيع لهم أيضاً وهي التي بنوها في البلد، والصلوات لليهود. وقال الزجاج: وهي بالعبرانية صَلُوْثا. والمساجد للمسلمين. وهذا هو الأشهر. وقال أبو العالية: الصلوات للصابئين. وقال الحسن: إنها بأسرها أسماء المساجد، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد. فصل معنى {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي بالجهاد وإقامة الحدود كأنه قال: ولولا دفع الله أهل الشرك بالمؤمنين من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الإيمان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة. وقال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: يدفع الله بالمحسن عن المسيء، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق، وبالذي يحج عن الذي لا يحج. وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بيْتِهِ وَمِنْ جِيْرَانِهِ" تفسير : ثم تلا هذه الآية. وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة. وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود، وعن النفوس بالقصاص. فإن قيل: لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين؟ فالجواب أما على قول الحسن: فالمراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين وإن اختلفت العبارات عنها. وأما على قول غيره فقال الزجاج: المعنى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يتعبد فيه، فلولا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن نبينا المساجد. فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ. فإن قيل: كيف تهدم الصلوات على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟ فالجواب من وجوه: الأول: المراد من هدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان، إذا قابله بالكفر دون الشكر. الثاني: ما تقدم من باب حذف المضاف كقوله: "واسْأَلِ القَرْيَة" أي أهلها، فالمراد مكان الصلاة. الثالث: لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه كقولهم: متقلداً سيفاً ورمحاً. وإن كان الرمح لا يتقلد. فإن قيل: لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد؟ فالجواب لأنها أقدم في الوجود. وقيل أخر المساجد في الذكر كما في قوله: {أية : وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر: 32]. قال عليه السلام: "حديث : نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُون ". تفسير : قوله: {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ} يجوز أن يكون صفة للمواضع المتقدمة كلها إن أعدنا الضمير من "فِيهَا" عليها. قال الكلبي ومقاتل: يعود إلى الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كلها. ويجوز أن يكون صفة للمساجد فقط إن خصصنا الضمير في "فِيهَا" بها تشريفاً لها. ثم قال {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي: ينصر دينه ونبيه. وقيل: يتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} أي: على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين. "عَزِيْزٌ" وهو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده. قوله: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ} يجوز في هذا الموصول ما جاز في الموصول قبله ويزيد هذا عليه بأنه يجوز أن يكون بدلاً من "مَنْ يَنْصُرُه" ذكره الزجاج أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم، و"إنْ مَكَّنَّاهم" شرط و"أقاموا" جوابه، والجملة الشرطية بأسرها صلة الموصول. فصل لما ذكر الذين أذن لهم في القتال وصفهم في هذه الآية فقال: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق أي: نصرناهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - المهاجرون لأن الأنصار لم يخرجوا من ديارهم فوصفهم بأنهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم قال {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم أي: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور له بلا منازع.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد، عز عاصم أنه قرأ ‏ {‏إن الله يدافع‏} ‏ بالألف ورفع الياء‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن الله يدافع عن الذين آمنوا‏} ‏ قال‏:‏ والله، ما يضيع الله رجلاً قط حفظ له دينه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان في قوله‏:‏ إن الله لا يحب‏.‏ قال‏:‏ لا يقرب‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال‏:‏ كل شيء في القرآن كفور، يعني به الكفار‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتوطينِ قلوبِ المُؤمنين ببـيانِ أنَّ الله تعالى ناصرُهم على أعدائِهم بحيثُ لا يقدرُون على صدِّهم عن الحجِّ ليتفرَّغُوا إلى أداءِ مناسكِه. وتصديرُه بكلمةِ التَّحقيقِ لإبرازِ الاعتناءِ التَّامِّ بمضمونهِ وصيغةُ المفاعلةِ إمَّا للمبالغةِ أو للدِّلالةِ على تكرُّرِ الدَّفعِ فإنَّها قد تُجرَّدُ عن وقوعِ الفعلِ المتكرِّرِ من الجانبـينِ فيبقى تكرُّره كما في الممارسةِ أي يبالغ في دفع غائلةِ المشركينَ وضررِهم الذي من جُملته الصَّدُّ عن سبـيلِ الله مبالغةً من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرَّةً بعد أُخرى حسبما تجدَّدَ منهم القصدُ إلى الإضرارِ بالمسلمينَ كما في قولِه تعالى: {أية : كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 64] وقُرىء يدفعُ والمفعولُ محذوفٌ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} تعليلٌ لما في ضمن الوعدِ الكريمِ من الوعيد للمشركينَ وإيذانٌ بأنَّ دفعهم بطريقِ القهرِ والخِزْيِ. ونفيُ المحبَّةِ كنايةٌ عن البُغضِ أي أنَّ اللَّهَ يُبغضُ كلَّ خَوَّانٍ في أماناته تعالى وهي أوامرُه ونواهيه أو في جميعِ الأماناتِ التي هي معظمُها كفورٌ لنعمته، وصيغةُ المُبالغةِ فيهما لبـيان أنَّهم كذلك لا لتقيـيدِ البُغضِ بغايةِ الخيانةِ والكفرِ أو للمبالغةِ في نفيِ المحبَّةِ على اعتبارِ النَّفيِ أوَّلاً وإيراد معنى المبالغةِ ثانياً. {أَذِنَ} أي رُخِّصَ. وقُرىء على البناء للفاعلِ أي أَذِن اللَّهُ تعالى {لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ} أي يُقاتلهم المشركون. والمأذونُ فيه محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فإنَّ مقاتلة المُشركينَ إيَّاهُم دالَّةٌ على مقاتلتهم إيَّاهُم دلالةً نيِّرةً. وقُرىء على صيغة المبنيِّ للفاعلِ أي يُريدون أنْ يُقاتلوا المشركين فيما سيأتي ويَحرصون عليه. فدلالتُه على المحذوفِ أظهرُ {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} أي بسبب أنَّهم ظُلموا. وهم أصحابُ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كانَ المشركون يُؤذونهم وكانُوا يأتونَه عليه السَّلامُ بـين مضروبٍ ومَشْجُوجٍ ويتظلَّمون إليه فيقولُ عليه السَّلامُ: « حديث : اصبرُوا فإنِّي لم أُومر بالقتالِ » تفسير : حتَّى هاجرُوا فأُنزلتْ وهي أوَّلُ آيةٍ نزلتْ في القتالِ بعد ما نُهيَ عنه في نَيِّفٍ وسبعينَ آيةً {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وعدٌ لهم بالنَّصرِ وتأكيدٌ لما مرَّ من العدةِ الكريمةِ بالدَّفعِ، وتصريحٌ بأنَّ المرادَ به ليسَ مجرَّدَ تخليصهم من أيدي المشركين بلْ تغليبهم وإظهارَهم عليهم. والإخبارُ بقُدرتهِ تعالى على نصرِهم واردٌ على سَننِ الكبرياءِ وتأكيدُه بكلمة التَّحقيقِ واللاَّمِ لمزيد تحقيقِ مضمونِه وزيادةِ توطينِ نفوسِ المؤمنينَ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الآية: 38]. قال ابن عطاء: يدفع بالكفار عن المؤمنين، وبالعصاة عن المطعين، وبالجهال عن العلماء. وقال بعضهم: يدفع عن المحقين رعونات الدعاوى قال بعضهم: يدفع عن المؤمنين هواجس أنفسهم ووسواس الشيطان. وقال سهل: يدفع عنهم بنور السنة ظلمات البدعة قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ..} [الآية: 46]. قال سهل: اليسير من نور القلب يغلب الهوى والشهوة، فإذا عمى بصر القلب عما فيه غلبت الشهوة، وتوارت الغفلة فعند ذلك يصير البدن مسخطًا فى المعاصى غير منقاد للحق بحال.

القشيري

تفسير : يدفع عن صدورهم نزغاتِ الشيطان، وعن قلوبِهم خطراتِ العصيان، وعن أرواحهم طوارقَ النسيان. والخيانةُ على أقسام: خيانةٌ في الأموال تفصيلها في المسائل الشرعية, وخيانة في الأعمال، وخيانة في الأحوال؛ فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع، وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة، وشرُّها الإعجابُ، ثم المساكنةُ وأخفاها الملاحظة. ويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا على طلب الأعواض ليجدوا في الآخرة حُسْنَ المآل.. وهذا إخلاص الصالحين. ولكنه عند خواص الزهاد خيانة؛ لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العِوَض على تركهم ذلك مِنْ قِبَلِ الله. وخيانةُ العابدين أن يَدَعُوا شهواتِهم ثم يرجعون إلى الرُّخَص، فلو صدقوا في مرماهم لَمَا انحطُّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها. وخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من الحق ونوع تقريب. وخيانة المحبين روم فرحة مما يمسهم من برحاء المواجيد، وابتغاء خرجه مما يَشْتَدُّ عليهم من استيلاء صَدِّ، أو غلبات شوقٍ، أو تمادي أيامِ هَجْرٍ. وخيانة أربابِ التوحيد أن يتحرك لهم للاختيارِ عِرْقٌ، ورجوعُهم - بعد امتحائِهم عنهم - إلى شظية من أحكام الفَرْقِ، اللهم إلا أن يكونَ ذلك منهم موجوداً، وهم عنه مفقودون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله يدافع ع الذين ءآمنوا}، قال الراغب الدفع اذا عدى بالى اقتضى معنى الانالة نحو قوله تعالى {أية : فادفعوا اليهم اموالهم}تفسير : واذا عدى بعن اقتضى معنى الحماية نحو {ان الله يدافع عن الذين آمنوا} اى يبالغ فى دفع ضرر المشركين عن المؤمنين ويحميهم اشد الحماية من اذاهم {ان الله لا يحب كل خوان} بليغ الخيانة فى امانة الله امرا كانت او نهيا او غيرهما من الامانات {كفور} بليغ الكفران لنعمته فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم، والكفران فى جحود النعمة اكثر استعمالا والكفر فى الدين اكثر والكفور فيهما جميعا وصيغة المبالغة فيهما لبيان انهم كانوا كذلك لا لتقييد البعض بغاية الخيانة والكفرفان نفى الحب كناية عن البغض والبغض نفار النفس من الشىء الذى ترغب عنه وهو ضد الحب فان الحب انجذاب النفس الى الشىء الذى ترغب فيه قال عليه السلام "حديث : ان الله يبغض المتفحش"تفسير : فذكر بعضه له تنبيه على بعد فيضه وتوفيق احسانه منه، وفى الآية تنبيه على انه بارتكاب الخيانة والكفران يصير بحيث لا يتوب لتماديه فى ذلك واذا لم يتب لم يحبه الله المحبة التى وعد بها التائبين والمتطهرين وهى اصابتهم والانعام عليهم فان محبة الله للعبد انعامه عليه ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه، واعلم ان الخيانة والنفاق واحد لان الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والامانة والنفاق يقال اعتبار بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد فى السر ونقيض الخيانة الامانة ومن الخيانة الكفر فانه اهلاك للنفس التى هى امانة الله عند الانسان وتجرى فى الاعضاء كلها قال تعالى {أية : ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا}تفسير : ويجرى فى الصلاة والصوم ونحوهما اما بتركها او بترك شرط من شرائطها الظاهرة والباطنة فاكل السحور مع غلبة الظن بطلوع الفجر او الافطار مع الشك بالغروب خيانة للصوم ومن اكل السحور فنام عن صلاة الصبح حتى طلع الشمس فقد كفر بنعمة الله التى هى السحور وخانه بالصلاة ايضا فترك الفرض من اجل السنة تجارة خاسرة ـ روى ـ ان واحدا ضاع له تسعة دراهم فقال من وجدهم وبشرنى فله عشرة دراهم فقيل له فى ذلك فقال ان فى الوجدان لذة لا تعرفونها انتم فاهل الغفلة وجدوا فى المنام لذة هى افضل عندهم من الف صلاة نعوذ بالله تعالى، ومن الخيانة النقص في المكيال والميزان ـ حكى ـ انه احتضر رجل فاذا هو يقول جبلين من نار جبلين من نار فسئل اهله عن عمله فقالوا كان له مكيالان يكيل باحدهما ويكتال بالآخر، ومن الخيانة التسبب الى الخيانة، وكتب رجل الى الصاحب بن عباد ان فلانا مات وترك عشرة آلاف دينار ولم يخلف الا بنتا واحدة فكتب على ظهر المتكوب النصف للبنت والباقى يرد عليها وعلى الساعى الف الف لعنة، ثم ان المؤمن لكامل منصور على كل حال فلا يضره مكيد الخائنين فان الله لا يحب الخائنين فاذا لم يحبهم لم ينصرهم ويحب المؤمن فينصره، وفى الآية اشارة الى ان الله تعالى يدافع خيانة النفس وهواها عن المؤمنين وان مدافعة النفس وهواها عن اهل الايمان انما كان لازالة الخيانة وكفران النعمة لانه لا يحب المتصفين بها وانه يحب المؤمنين المخلصين عنها فالآية تنبيه على اصلاح النفس الامارة وتخليصها عن الاوصاف الرذيلة شعر : وجود تو شهريست بر نيك وبد تو سلطان ودستور دانا خرد هما نا كه دونان كردن فراز درين شهر كبرست وسود او آز جو سلطان عنايت كند بابدان كجا ماند آسايش بخردان

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الله يُدافع} يدفع غائلة المشركين {عن الذين آمنوا}؛ فلا يقدرون أن يعوقوهم عن شيء من عبادة الله، بل ينصرهم ويؤيدهم كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غَافر: 51]، وصيغة المفاعلة: إمَّا للمبالغة، أو للدلالة على تكرير الدفع، فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين، فيبقى تكرره من جانب واحد، كما في المحارسة، أي: يبالغ في دفع ضرر المشركين وشوكتهم، التي من جملتها صدهم عن سبيل الله، مبالغةَ مَن يغالَبُ فيه، أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى، بحسب تجرد قصد الإضرار بالمسلمين، كما في قوله: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المَائدة: 64]. وقرأ المكي والبصري: "يدفع". ثم علّل ذلك الدفع بقوله: {إِن الله لا يُحب كل خَوّانٍ كفور} أي: لأنَّ الله يبغض كل خوان في أمانة الله تعالى، وهي: أوامره ونواهيه، ومن أعظمها: الإيمان بالله ورسوله. أو في جميع الأمانات، كفورٌ لنعم الله. والمعنى: إن الله يدافع عنهم؛ لأنه يبغض أعداءهم، وهم: الخونة الكفرة، الذين يخونون الله والرسول، ويخونون أماناتهم. وصيغة المبالغة فيها؛ لبيان أنهم كذلك فيهما، لا لتقييد البعض بغاية الجناية؛ فإن الخائن ممقوت مطلقًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الله يدفع عن أوليائه، والمتوجهين إليه، كل عائق وشاغل، وغائلة كل غائل، الذين حازوا ذروة الإيمان، وقصدوا تحقيق مقام الإحسان. فمن رام صدّهم عن ذلك فهو خائن كفور، {إن الله لا يحب كل خَوّانٍ كفور}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} جواب لسؤالٍ مقّدرٍ واقع موقع التّعليل للتّبشير والتّنزيل انّه يدافع الكفّار الّذين يقاتلونهم والمقصود التّعميم لدفعه تعالى الكفّار والبلايا ومكر الماكرين واذى الموذين وجنود الجهل من الجنّة والشّياطين عن المؤمنين، وفى لفظ يدافع اشعار بانّ الكفّار والبلايا والموذين وجنود الشّياطين يتهجّمون على المؤمنين ولكنّ الله يدافعهم عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} يعنى يبغضهم، هذا ايضاً فى مقام التّعليل كأنّه قال: انّ الله يحبّ المؤمنين ويبغض الكافرين والماكرين وجنود الشّياطين لكنّه اتى بلفظ الخوّان الكفور اشعاراً بانّ من يهجم على المؤمنين فهو خوّان كفور كائناً من كان.

الأعقم

تفسير : {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}، قيل: شدائد الدنيا بأن ينصرهم ويأمر بتعظيمهم، معناه يبالغ بالدفع عنهم {أُذن للذين يقاتلون} قرأ بنصب التاء نافع، وبكسرها أبو عمرو وابن كثير، والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة {بأنهم ظلموا} أي بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان مشركوا مكة يؤذونهم أذىً كثيراً، وكانوا يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين مضروب ومستجرح يتظلمون اليه فيقول لهم: "حديث : اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال" تفسير : حتى هاجر، ونزلت الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية، وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن لهم في مقاتلتهم {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} بالجهاد وإقامة الحدود يعني إظهاره وتسليط المسلمين على الكفار بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعاً ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات ولا للمسلمين مساجد، وتغلب المشركون في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسلمين وعلى أهل الكتاب الّذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين وسميت الكنيسة صلاة لأنه يصلى فيها {ولينصرنّ الله من ينصره} أي ينصر دينه وأولياءه، يعني ومن ينصر أولياءه {إن الله لقوي} يعني قادر {عزيز} لا يغالب {الذين إن مكّناهم في الأرض} قيل: هم {أية : المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم}تفسير : [الحشر: 8]، وقيل: هم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: أهل الصلوات الخمس، وقيل: هذه الأمة {أقاموا الصلاة} أي أداموها {وآتوا الزكاة} {ولله عاقبة الأمور} أي أمور الخلق ومصيرهم اليه يوم القيامة {وإن يكذبوك} فيما أتيتهم من الدين {فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود} {وقوم إبراهيم وقوم لوط} {وأصحاب مدين} وهم قوم شعيب {وكُذّب موسى} ولم يقل قومه لأن قومه بنو إسرائيل لعنوا وإنما كفر فرعون وقومه {فأمليت للكافرين} أي أمهلتهم ولم أعجل بالهلاك لإِقامة الحجة عليهم {ثم أخذتهم} بالعذاب {فكيف كان نكير} عليهم، وقيل: فكيف كان نكير ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة، وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ ءَامَنُوا} قال الحسن يدافع عنهم فيعصمهم من الشيطان في دينهم. قال بعضهم: والله ما ضيّع الله رجلاً قط حفظ له دينه. قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} ذكروا عن الحسن في قوله تعالى: (أية : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ) تفسير : [الأحزاب: 72-73] قال: والله إن اللذين ظلماها، والله إن اللذين خاناها المنافق والمشرك. وهي خيانة دون خيانة. قوله: {أُذِنَ لِلذينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أي: ظلمهم المشركون فأخرجوهم من ديارهم، أي: من مكة في تفسير الحسن. على هذا خرجوا من مكة إلى المدينة مهاجرين. وكانوا يمنعون من الخروج إلى المدينة، فأدركهم المشركون، فأذن للمؤمنين بقتالهم فقاتلوهم. [قال بعضهم]: وكان من كان يومئذ بمكة من المسلمين قد وضع عنهم القتال. فهو قوله: {أُذِنَ لِلذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أي: أذن لهم بالقتال بعدما أخرجهم المشركون وشرِّدوا حتى لحق طوائف منهم بالحبشة. قال الله: {وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ} ضر المشركين {عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا} لايمانهم والمدافعة مفاعلة للمبالغة في الدفع اي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه وفعل المغالب يجيء أقوى وابلغ. وقال عياض: (المدافعة) هنا (مفاعلة) بين متعدد فان المشركين يؤذون المؤمنين ويدفعونهم والله يدفع المشركين. وقال الاخفش والفارسي: (المدافعة) بمعنى (الدفع) من موافقة المزيد المجرد. وقرأ ابو عمرو وابن كثير: (يدفع) قال الاخفش وهي اكثر في الكلام. وعن الحسن المعنى ان الله يعصمهم من الشياطين في دينهم. قال بعضهم: والله ما ضيع الله رجلا حفظ له دينه * {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} كثير الخيانة في الفعل والقول والاعتقاد {كَفُورٍ} كثير الكفر بربه ونعمته أو بنعمته. والآية عمت المشرك والمنافق والمعنى انه يعاقب الكل وذلك قول الحسن وقيل المراد هنا من تقرب إلى الاصنام بذبيحته وسمى غير الله عليها واعلم ان (كلا) هنا لعموم السلب أي كل فرد من افراد الكفار الخونة لا يحبه الله وذلك على خلاف الغالب فان الغالب انها إذا كانت بعد النفي لفظا أو تقدير السلب العموم فيبقى الحكم لبعض الافراد نحو (لم آخذ كل الدراهم وكل الدراهم لم آخذ) تقول ذلك اخذت بعضا. وقد يقال: هي هنا على الغالب لا يحب كلا منهم بل يحب بعضا فقط وهو من يتوب من خيانته وكفره لكن فيه ضعفا لانه انما يحسن لو كان يصح ادعاء محنة الكل فندفع بذلك. وذكر ابن هشام ان دلالة الصورة المذكورة على سلب العموم من قبيل دلالة المفهوم وهي تعتبر عند عدم المعارض والمعارض موجود في الآية وفي قوله: {لا يحب كل مختال كفور} وقوله: (ولا قطع كل) حلاف وهو تحريم مطلق الخيانة والكفر والاختيال والحلف بكذب وما بعد الحلف اهو لا يبعد ان (كلا) بعد النفي ليست الا لرفع الايجاب الكلي الذي يتحقق بالانتفاء عن كل فرد أو عن البعض مع الثبوت للبعض واستفادة سلب العموم أو عموم السلب موكولة للقرائن {أذنُ} اي في القتال بدليل قوله {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} يدفعون المشركين ويدفعهم المشركون. كما يروى ان عمر لما اسلم كانوا يضربونه ويضربهم وليس هذا بالقتال الذي نهوا عنه. قيل: (والذين يقاتلون) وهم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم المشركون. والاذن للترخيص والاطلاق بعد الحصر. وقرئ {أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} ببنائهما للفاعل أي (اذن الله للذين يقاتلون المشركين). وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ببناء (اذن) للفاعل واما (يقاتلون) فبناه للمفعول ابن عامر وحفص. قال أبو عمرو؛ قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو (اذن) بضم الهمزة والباقون بفتحها. وقرأ نافع وابن عامر وحفص (يقاتلون) بفتح التاء والباقون بكسرها {بِأَنَّهُمْ} لانهم {ظُلِمُوا} ظلمهم مشركو مكة وكانوا ياتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج يشتكون إليه فيقول لهم: "حديث : أصبروا فلم أومر بالقتال"تفسير : حتى هاجر فانزلت هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية. وقيل: سبب نزولها في المدينة ان قوما خرجوا من مكة مهاجرين إلى المدينة فادركهم المشركون يؤذونهم ويردونهم فاذن الله للمؤمنين في القتال بعد ذلك قاله الحسن. وقيل: المعنى (ظلموا) في اخراجهم من ديارهم وفي ابدانهم وقد قتل ابو جهل سمية أم عمار بن ياسر وعذب بلالا. قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابو بكر الصديق: لما سمعتها علمت انه سيكون قتال و(الباء) متعلقة بـ (اذن) مطلقا أو بـ(يقاتِلون) في قراءة كسر التاء لا في قراءة فتحها لا على معنى يقاتلون على الظلم {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وعد بالنصر وارادة له على طريق كلام الجبابرة وكذا في قوله (ان الله يدافع عن الذين آمنوا).

اطفيش

تفسير : {إنًَّ اللَّه يُدافعُ عن الَّذين آمنُوا} المفاعلة للمبالغة كما وكيفا أى يدفع دفعا عظيما كثيرا مرة بعد أخرى الكفار الصادين عن سبيل الله عن المؤمنين "أية : كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله" تفسير : [المائدة: 64] ولا نسلم أن المقام ليس للعموم، وإن سلمنا فالعموم مشعر بالمقصود بالذات {إنَّ الله لا يُحبُّ كلَّ خوَّانٍ كفُور} كلام مستأنف يتضمن أن دفْعَهم على وجه الخزى، لأنه لا يحبهم، وإن دفعهم لخيانتهم وكفرهم، وأن أحباءه المؤمنون لا هم، والنفى لعموم السلب، إذ لا يوجد كافر إلا مبالغا فى الكفر والخيانة، لأن كفرة واحدة تتضمن العموم، وليس فيها ما يحتقروا والخيانة فى أمر الله سبحانه ونهيه، ومنه خيانتهم للناس والكفر فى النعم.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلام مستأنف مسوق لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج وذكر أن ذلك متصل بقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ } تفسير : [الحج: 25] وإن ما وقع في البين من ذكر الشعائر مستطرد لمزيد تهجين فعلهم وتقبيحهم لازدياد قبح الصد بازدياد تعظيم ما صد عنه، وتصديره بكلمة التحقيق لإبراز الاعتناء التام بمضمونه، وصيغة المفاعلة إما للمبالغة أو للدلالة على تكرر الدفع فإنها قد تتجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين فيبقى تكرره كالممارسة أي إن الله تعالى يبالغ في دفع غائلة المشركين وضررهم الذي من جملته الصد عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام مبالغة من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى حسبما يتجدد منهم القصد إلى الإضرار بهم كما في قوله تعالى: { أية : كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 64]. وقرأ أبو عمرو وابن كثير {يدفع} والمفعول محذوف كما أشير إليه، وفي «البحر» ((أنه لم يذكر ما يدفعه سبحانه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم)) وأنت تعلم أن المقام لا يقتضي العموم بل هو غير صحيح. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان بأن دفعهم بطريق القهر والخزي. وقيل: تعليل للدفاع عن المؤمنين ببغض المدفوعين على وجه يتضمن أن العلة في ذلك الخيانة والكفر، وأوثر {لاَ يُحِبُّ} على يبغض تنبيهاً على مكان التعريض وأن المؤمنين هم أحباء الله تعالى، ولعل الأول أولى لإيهام هذا إن الآية من قبيل قولك: إني أدفع زيداً عن عمرو لبغضي زيداً وليس في ذلك كثير عناية بعمرو أي ان الله تعالى يبغض كل خوان في أماناته تعالى وهي أوامره تعالى شأنه ونواهيه أو في جميع الأمانات التي هي معظمها كفور لنعمه عز وجل، وصيغة المبالغة فيهما لبيان أن المشركين كذلك لا للتقييد المشعر بمحبة الخائن والكافر أو لأن خيانة أمانة الله تعالى وكفران نعمته لا يكونان حقيرين بل هما أمران عظيمان أو لكثرة ما خانوا فيه من الأمانات وما كفروا به من النعم أو للمبالغة في نفي المحبة على اعتبار النفي أولاً وإيراد معنى المبالغة ثانياً كما قيل في قوله تعالى: { أية : وأن الله لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [الحج:10] وقد علمت ما فيه. وأياً ما كان فالمراد نفي الحب عن كل فرد فرد من الخونة الكفرة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني جواباً لسؤال يخطر في نفوس المؤمنين ينشأ من قوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} الآية، فإنه توعّد المشركين على صدّهم عن سبيل الله والمسجد الحرام بالعذاب الأليم، وبشّر المؤمنين المخبِتين والمحسنين بما يتبادر منه ضد وعيد المشركين وذلك ثواب الآخرة. وطال الكلام في ذلك بما تبعه لا جرم تشوفت نفوس المؤمنين إلى معرفة عاقبة أمرهم في الدنيا، وهل يُنتصر لهم من أعدائهم أو يدّخر لهم الخير كله إلى الدار الآخرة. فكان المقام خليقاً بأن يُطَمئنَ الله نفوسهم بأنه كما أعد لهم نعيم الآخرة هو أيضاً مدافع عنهم في الدنيا وناصرهم، وحُذف مفعول {يدافع} لدلالة المقام. فالكلام موجه إلى المؤمنين، ولذلك فافتتاحه بحرف التوكيد إما لمجرد تحقيق الخبر، وإما لتنزيل غير المتردد منزلة المتردّد لشدة انتظارهم النصر واستبطائهم إياه. والتعبير بالموصول لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وأن دفاع الله عنهم لأجل إيمانهم. وقرأ الجمهور لفظ {يدافع}بألف بعد الدال فيفيد قوّة الدفع. وقرأه أبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب {يدفع} بدون ألف بعد الدال. وجملة {إن الله لا يحب كل خوان كفور} تعليل لتقييد الدفاع بكونه عن الذين آمنوا، بأن الله لا يحب الكافرين الخائنين، فلذلك يَدفع عن المؤمنين لردّ أذَى الكافرين: ففي هذا إيذان بمفعول {يدافع} المحذوف، أي يدافع الكافرين الخائنين. والخوّان: الشديد الخَوْن، والخون كالخيانة، الغدْر بالأمانة، والمراد بالخوّان الكافر، لأن الكفر خيانة لعهد الله الذي أخذه على المخلوقات بأن يوحدوه فجعله في الفطرة وأبلغه الناسَ على ألسنة الرسل فنبه بذلك ما أودعهم في فطرتهم. والكفُور: الشديد الكفر: وأفادت (كلّ) في سياق النفي عمومَ نفي مَحبة الله عن جميع الكافرين إذ لا يحتمل المقام غير ذلك. ولا يتوهم من قوله {لا يحب كل خوان} أنه يحب بعض الخوانين لأن كلمة (كلّ) اسم جامد لا يشعر بصفة فلا يتوهم توجه النفي إلى معنى الكلية المستفاد من كلمة {كل} وليس هو مثل قوله تعالى: {أية : وما ربك بظلام للعبيد}تفسير : [فصلت: 46] الموهم أن نفي قوّة الظلم لا يقتضي نفي قليل الظلم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يدفع السوء عن عباده الذين آمنوا به إيماناً حقاً، ويكفيهم شر أهل السوء، وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق: 3] الآية. وقوله: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر: 36] وقوله تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [التوبة: 14-15] وقوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [غافر: 51] الآية. وقوله: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم: 47] وقوله: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173] إلى غير ذلك من الآيات، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو: {إِنَّ ٱللَّهَ يَدْفَعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بفتح الياء والفاء بينهما دال ساكنة مضارع دفع المجرد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف أي يدفع عن الذين آمنوا الشر والسوء، لأن الإيمان بالله هو أعظم أسباب دفع المكاره، وقرأ الباقون: يدافع بضم الياء، وفتح الدال بعدها ألف. وكسر الفاء مضارع دافع المزيد فيه ألف بين الفاء والعين على وزن فاعل. وفي قراءة الجمهور هذه إشكال معروف، وهو أن المفاعلة تقتضي بحسب الوضع العربي اشتراك فاعلين في المصدر. والله جل وعلا يدفع كل ما شاء من غير أن يكون له مدافع يدفع شيئاً. والجواب: هو ما عرف من أن المفاعلة قد ترد بمعنى المجرد، نحو: جاوزت المكان بمعنى جزته، وعاقبت اللص، وسافرت، وعافاك الله، ونحو ذلك، فإن فاعل في جميع ذلك بمعنى المجرد، وعليه فقوله: يدافع بمعنى: يدفع. كما دلت عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقال الزمخشري: ومن قرأ يدافع فمعناه: يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغ من يغالب فيه لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ اهـ منه، ولا يبعد عندي أن يكون وجه المفاعلة أن الكفار يستعملون كل ما في إمكانهم لإضرارهم بالمؤمنين، وإيذائهم، والله جل وعلا يدفع كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه جل وعلا لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد، يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين وبهذا الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة، في قوله: يدافع، وإن كان جل وعلا قادراً على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عبادة المؤمنين، ومما يوضح هذا المعنى الذي أشرنا إليه قول كعب بن مالك رضي الله عنه: شعر : زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب تفسير : والعلم عند الله تعالى: ومفعول يدافع: محذوف فعلى القول بأنه بمعنى: يدفع فقد ذكرنا تقديره، وعلى ما أشرنا إليه أخيراً فتقدير المفعول: يدافع عنهم أعداءهم، وخصومهم فيرد كيدهم في نحورهم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}. صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بأنه لا يحب كل خوان كفور. والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة، لأن الفعال بالتضعيف والفعول بفتح الفاء من صيغ المبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، فلو قلت: زيد ليس بقتال للرجال فقد نفيت مبالغته، في قتلهم، ولم يستلزم ذلك أنه لم يحصل منه قتل لبعضهم ولكنه لم يبالغ في القتل، وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة، فإن الآية قد صرحت بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله يبغض الخائض مطلقاً، والكافر مطلقاً، وقد أوضج جل وعلا ذلك في بعض المواضع، فقال في الخائن: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ}تفسير : [الأنفال: 58] وقال في الكافر: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 33].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات يدافع: قُرِىء يدفع أي غوائل المشركين وما يكيدون به المؤمنين. خوان: كثير الخيانة لأمانته وعهوده. كفور: أي جحود لربه وكتابه ورسوله ونعمه عليه. بأنهم ظلموا: أي بسبب ظلم المشركين لهم. بغير حق: أي استوجب إخراجهم من ديارهم. إلا أن يقولوا ربنا الله: أي إلا قولهم: ربنا الله والله حق، وهل قول الحق يُسَوغ إخراج قائله؟ صوامع وبيع: معابد الرهبان وكنائس النصارى. وصلوات: معابد اليهود، باللغة العبرية مفردها صلوثا. ومساجد: أي بيوت الصلاة للمسلمين. من ينصره: أي ينصر دينه وعباده المؤمنين. قوي عزيز: قادر على ما يريد عزيز لا يمانع فيما يريد. إن مكناهم في الأرض: أي نصرناهم على عدوهم ومكنا لهم في البلاد بأن جعلنا السلطة بأيديهم. ولله عاقبة الأمور: أي آخر أمور الخلق مردها إلى الله تعالى الذي يثيب ويُعاقب. معنى الآيات: ما زال السياق في إرشاد المؤمنين وتعليمهم وهدايتهم قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يدفع عنهم غوائل المشركين ويحميهم من كيدهم ومكرهم. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} تعليل وهم المشركين الذين صدوا رسول الله والمؤمنين عن المسجد الحرام وهم الخائنون لأماناتهم وعهودهم الكافرون بربهم ورسوله وكتابه وبما جاء به، ولما كان لا يحبهم فهو عليهم، وليس لهم، ومقابلة أنه يحب كل مؤمن صادق في إيمانه محافظ على أماناته وعهوده مطيع لربه، ومن أحبَّهُ دافع عنه وحماه من أعدائه. وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} باسم للفاعل أي القادرين على القتال ويقاتلون باسم المفعول وهما قراءتان أي قاتلهم المشركون هؤلاء أذِن الله تعالى لهم في قتال أعدائهم المشركين بعدما كانوا ممنوعين من ذلك لحكمة يعلمها ربهم، وهذه أول آية في القرآن تحمل طابع الحرب بالإِذن فيه للمؤمنين، وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} طمأنهم على أنه معهم بتأييده ونصره وهو القدير على ذلك وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} أي بدون موجب لإِخراجهم اللهم إلا قولهم: ربنا الله وهذا حق وليس بموجب لإِخراجهم من ديارهم وطردهم من منازلهم وبلادهم هذه الجملة بيان لمقتضى الإِذن لهم بالقتال، ونصرة الله تعالى لهم. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي يدفع بأهل الحق أهل الباطل لولا هذا لتغلب أهل الباطل و{لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} وهذا تعليل أيضاً وبيان لحكمة الأمر بالقتال أي لولا أن الله تعالى يدفع بأهل الإِيمان أهل الكفر لتغلب أهل الكفر وهدموا المعابد ولم يسمحوا للمؤمنين أن يعبدوا الله - وفي شرح الكلمات بيان للمعابد المذكورة فليرجع إليها. وقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} أي قدير {عَزِيزٌ} غالب فمن أراد نصرته نَصَرهُ ولو اجتمع عليه من بأقطار الأرض، والذي يريد الله نصرته هو الذي يقاتل من أجل الله بأن يُعبد في الأرض ولا يُعبد معه سواه فذلك وجه نصر الله فليعلم وقوله {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ} أي وطأنا لهم في الأرض وملكناهم بعد قهر أعدائهم المشركين فحكموا وسادوا أقاموا الصلاة على الوجه المطلوب منهم، وآتوا الزكاة المفروضة في أموالهم، وأمروا بالمعروف أي بالإِسلام والدخول فيه وإقامته، ونهوا عن المنكر وهو الشرك والكفر ومعاصِي الله ورسوله هؤلاء الأحقون بنصر الله تعالى لهم لأنهم يقاتلون لنصرة الله عز وجل، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} يخبر تعالى بأن مرد كل أمر إليه تعالى يحكم فيه بما هو الحق والعدل فيثيب على العمل الصالح ويعاقب على العمل الفاسد، وذلك يوم القيامة، وعليه فليراقب الله وليُتق في السر والعلن وليُتوكل عليه، وليُنب إليه، فإن مرد كل أمر إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وعد الله الصادق بالدفاع عن المؤمنين الصادقين في إيمانهم. 2- كره الله تعالى لأهل الكفر والخيانة. 3- مشروعية القتال لإِعلاء كلمة الله بأن يعبد وحده ولا يضطهد أولياؤه. 4- بيان سر الإِذن بالجهاد ونصرة الله لأوليائه الذين يقاتلون من أجله. 5- بيان أسس الدولة التي ورثّ الله أهلها البلاد وملكهم فيها وهي: إقام الصلاة - إيتاء الزكاة - الأمر بالمعروف - النهي عن المنكر.

القطان

تفسير : اذن: رخِّص. صوامع: واحدها صومعة، وهي معابد الرهبان خارج المدن. وبيَع: واحدتها: بيعة، وهي الكنيسة. وصلوات: معابد اليهود. ومساجد: معابد المسلمين. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو: ان الله يدفع بدون الف. إن الله يدفع عن عباده المؤمنين شرَّ المعتدين، ويحميهم وينصرُهم بإيمانهم. وفي الآية تمهيد لما في الآية التي بعدها من الاذن في القتال، فهو يدافع عن الذين آمنوا لأنه يدافع عن دِينه، ولا يحب الخائنين لأماناتهم، المبالغين في كفرهم بربّهم. وكان المؤمنون وهم في مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ان يطلب من الله الاذن بالقتال، وكان المشركون يؤذونهم ويظلمونهم، فيأتون الى النبيّ الكريم بين مضروبٍ ومشجوج في رأسه، ويتظلمون إليه. فيقول لهم: "صبراً صبرا، فإني لم أوذَن بالقتال، حتى هاجر وانزل الله تعالى هذه الآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}. وهذه، كما يقول العلماء، أولُ آيةٍ نزلت بالاذن بالقتال بعد ما نُهي عنه في نيّف وسبعين آية كما رواه "الحاكم" في: المستدرَك، عن ابن عباس. لقد أُبيح للمؤمنين ان يقاتِلوا المشركين دفاعاً عن أنفسِهم وأموالهم ووطنهم، وان يردّوا اعتداءهم عليهم، بسبب ما نالهم من ظلم صبروا عليه طويلا. ثم وعدهم الله بالنصر ودفع أذى المشركين عنهم: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}. سبق ما ذكره القرآن الكريم في هذه الآية من الاذن بالقتال، جميع القوانين الوضعية، وهو ان الدفاع عن النفس والمال والوطن والعقيدة - امر مشروع مهما كانت نتائجه، وان المُدافع عن نفسه وماله ووطنه وعقيدته، لا يؤاخذ امام الله وامام العدالة ولو قتل نفساً وأزهق أرواحا. وقد قررت الآية ان المسلمين مأذون لهم في الدفاع عن أنفسهم اذا اعتُدي عليهم. والآن وقد اعتدى علينا العدو الاسرائيلي وحلفاؤه الغربيون، وسلب أرضنا، فان الله تعالى أذِن لنا بالدفاع عن مالنا وانفسنا ووطننا، فيجب علينا ان نعدّ العدة ونتسلح بالايمان الصادق ونعمل على استرداد مقدساتنا، ولا يستطيع أحدٌ أن يلومنا اذا فعلنا ذلك، بل إننا مقصّرون في حق ديننا وظننا اذا لم نفعل ذلك ومؤاخذون عند الله والرسول. روى احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس: قال لما أُخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال ابو بكر: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا اليه راجعون، ليهلكنَّ القوم. فأنزل الله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ.... } قال ابو بكر: فعرفتُ انه سيكون قتال. قراءات قرأ نافع وحفص: اذن للذين يقاتلون بضم الهمزة من أُذن وفتح التاء من يقاتلون. وقرأ ابن كثيرة وحمزة والكسائي: اذن بفتح الهمزة، للذين يقاتلون بكسر التاء. ثم وصف الله هؤلاء المؤمنين بقوله: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}. الذين ظَلمهم المشركون وأرغموهم على ترك مكة والهجرة منها بغير حق، لأنهم آمنوا بالله وحده. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. ولولا ان سخّر الله للحق أعواناً يردعون الطغاة بالقوة لسادت الفوضى وعمَّ الفساد في الأرض، وأخمدوا صوت الحق، وهدموا صوامع الرهبان وكنائس النصارى، ومعابد اليهود، ومساجد المسلمين التي يُذكر فيها اسم الله كثيرا. وقد تعهّد الله بأن ينصر كلَّ من نَصَرَ دينه، ووعدُ الله لا يتخلف، ان الله قوي على تنفيذ ما يريد، عزيز لا يغلبه غالب. ثم وصف الله الذين أُخرجوا من ديارهم بقوله: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ}. هؤلاء المؤمنون الذي أُخرجوا من ديارهم هم الذين ان قوَّينا سلطانهم في الارض، حافظوا على صلواتهم، وعلى صِلتهم بالله، وأدوا الزكاة وأمروا بالمعروف، وحثّوا على كل خير، ونهوا عن كل ما فيه شر، ولله وحدَه مصيرُ الأمور، واليه المرجع. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو ان الله يدفع، ولولا دفع الله بدون الف، وقرأ نافع ان الله يدافع ولولا دفاع الله، وقرأ نافع وابن كثير: لهدمت صوامع بدون تشديد الدال.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُدَافِعُ} {آمَنُوۤا} (38) - والشَّعَائِرُ والعِبَادَاتُ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ حِمَايَةٍ تَدْفَعُ عَنْهَا الذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَتَمْنَعُهُمْ مِنَ الاعْتِدَاءِ عَلَى حُرِّيَةِ العَقِيدَةِ، وَحُرِّيَةِ العِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ فَقَدْ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى للمُسْلِمِينَ، بَعْدَ الهِجْرَةِ، فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ، لِيَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَعَنْ عَقِيدَتِهِمْ، اعْتِداءَ المُعْتَدِينَ، وَلِيُحَقِّقُوا لأَِنْفُسِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ حُرِّيَةَ العَقِيدَةِ، وحُرِّيَةَ العِبَادَةِ، وَوَعَدَهُم اللهُ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَنْهَضُوا هُمْ بِتَكَالِيفِ عَقِيدَتِهِمْ التي بَيَّنَها لَهُمْ فِي الآيَاتِ التاليات. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُؤْذِنُ اللهَ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بأنَّهُ سَيَتَوَلَّى الدِّفَاعَ عَنْهُم، فَهُمْ فِي حِمَايَتِه، وَأَنَّهُ سَيَكفِيهِم شَرَّ الأَشْرَارِ وَكَيْدَ الفُجَّارِ، وَيَحْفَظُهُم وَيَكْلَؤُهُم. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ من اتَّصَفَ بالخِيَانَةِ والغَدْرِ، وَعَدَمِ الوَفَاءِ بالعُهُودِ والمَوَاثِيقِ؛ وَكُفْرَانِ النِعْمَةِ وجُحْودِها، وَعَدَم الاعْتِرَافِ بِهَا. خَوَّانٌ كَفُورٌ - خَائِنٌ للأَمَانَاتِ، جَاحِدٌ لِلنِّعَمِ.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مكي وبصري: يدفع، غيرهم: يدافع، ومعناه: إنّ الله يدفع غائلة المشركين. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} في أمانة الله {كَفُورٍ} لنعمته. {أُذِنَ} قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم أُذن بضم الألف، وقرأ الباقون بفتحه أي أذن الله {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} قرأ أهل المدينة والشام بفتح التاء يعنون المؤمنين الذين يقابلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسر التاء يعني إنّ الذين أُذن لهم بالجهاد يقاتلون المشركين {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}. قال المفسّرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، فيشكونهم إلى رسول الله فيقول لهم: اصبروا فإنّي لم أُؤمر بالقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال. وقال ابن عباس: لما أُخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم،إنا لله وإنّا إليه راجعون، لنهلكنّ، فأنزل الله سبحانه {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} الآية، قال أبو بكر: فعرفت أنّه سيكون قتال. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فكانوا يمنعون من الهجرة، فأذن الله تعالى لهم في قتال الكفّار الذين يمنعونهم من الهجرة. {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} بدل من الذين الأُولى، ثمّ قال {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} يعني لم يخرجوا من ديارهم إلاّ لقولهم ربّنا الله وحده، فيكون أنْ في موضع الخفض رّداً على الباء في قوله {بِغَيْرِ حَقٍّ} ويجوز أنْ يكون في موضع نصب على وجه الاستثناء. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} بالجهاد وإقامة الحدود وكفّ الظلم {لَّهُدِّمَتْ} قرأ الحجازيّون بتخفيف الدال، والباقون بالتشديد على الكسر أي تخرّبت {صَوَامِعُ} قال مجاهد والضحاك: يعني صوامع الرهبان، قتادة: صوامع الصابئين. {وَبِيَعٌ} النصارى، ابن أبي نجيح عن مجاهد: البيع: كنائس اليهود، وبه قال ابن زيد. {وَصَلَوَاتٌ} قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني كنائس اليهود ويسمّونها صَلُوتاً. أبو العالية: هي مساجد الصابئين. ابن أبي نجيح عن مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطريق، وعلى هذه الأقاويل تكون الصلوات صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدوّ، انقطعت العبادة وهُدمت المساجد كما صنع بخت نصّر. {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} يعني مساجد المسلمين، وقيل: تأويلها: لهدمت صوامع وبيع في أيام شريعة عيسى، وصلوات في أيام شريعة موسى، ومساجد في أيام شريعة محمد صلّى الله عليهم أجمعين. وقال الحسن: يدفع عن هدم مصليات أهل الذّمة بالمؤمنين، فإن قيل: لم قدّم مصليات الكافرين على مساجد المسلمين؟ قلنا: لأنها أقدم، وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذكر كما أخّر السابق في قوله {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}تفسير : [فاطر: 32] لقربه من الخيرات. {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي ينصر دينه ونبيّه. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} قال قتادة: هم أصحاب محمد، عكرمة: أهل الصلوات الخمس، الحسن وأبو العالية: هذه الأُمة. {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} آخر أُمور الخلق ومصيرهم إليه. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يا محمد {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} أمهلتهم {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} عاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} إنكاري بالعذاب والهلاك، يعزّي نبيّه صلى الله عليه وسلم ويخّوف مخالفيه. {فَكَأَيِّن} وكم {مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} يعني وأهلها ظالمون، فنسب الظلم إليها لقرب الجوار. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} ساقطة على سقوفها {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} متروكة مخلاّة عن أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} قال قتادة والضحّاك ومقاتل: رفيع طويل، ومنه قول عدي: شعر : شاده مرمراً وجلّله كلساً فللطّير في ذراه وكور تفسير : أي رفعه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة: مجصّص، من الشيد وهو الجصّ، قال الراجز: شعر : كحبّة الماء بين الطىّ والشيد تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أجماً إلاّ مشيداً بجندل تفسير : أي مبنيّاً بالشيد والجندل. وروى أبو روق عن الضحاك أنّ هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاصورا وذلك أنَّ أربعة آلاف نفر ممّن آمن بصالح ونجوا من العذاب أتوا حضرموت ومعهم صالح، فلمّا حضروه مات صالح، فسمّي حضرموت لأن صالحاً لمّا حضره مات، فبنوا حاصورا وقعدوا على هذه البئر وأمّروا عليهم رجلاً يقال له بلهنس بن جلاس بن سويد، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سواده، فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى نموا وكثروا، ثم أنَّهم عبدوا الأصنام فكفروا فأرسل الله إليهم نبيّاً يقال له حنظلة بن صفوان كان حمالاً فيهم فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطّلت بئرهم وخرّبت قصورهم. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني كفّار مكة فينظروا إلى مصارع المكذّبين من الأُمم الخالية. {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} يعلمون بها {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} فيتفكروا ويعتبروا. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تأكيد، كقوله سبحانه {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] وقوله تعالى {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم}تفسير : [آل عمران: 167]. قال ابن عباس ومقاتل: لمّا نزل {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [الإسراء: 72] جاء ابن أم مكتوم النبي صلى الله عليه وسلم باكياً فقال: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} نزلت في النضر بن الحرث. {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} فأنجز ذلك يوم بدر. {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} بالياء مكي كوفي غير عاصم، غيرهم: بالتاء. وقال ابن عباس: هي من الأيام التي خلق الله سبحانه فيها السموات والأرض. مجاهد وعكرمة: من أيام الآخرة. ابن زيد: في قوله {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} قال: هذه أيام الآخرة. وفي قوله {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] قال: هو يوم القيامة. وقال أهل المعاني: معنى الآية: وإنّ يوماً عند ربّك من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدّة كألف سنة ممّا تعدون فكيف تستعجلوه؟ وهذا كما يقال: أيام الهموم طوال وأيام السرور قصار.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : صَدْر الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ..} [الحج: 38] يُشْعِرنا أن هناك معركة، والمعركة التي يدافع الله فيها لا بُدَّ أنها بين حق أنزله، وباطل يُواجهه، وقد تقدَّم قبل ذلك أن قال تبارك وتعالى: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ..} تفسير : [الحج: 19]. وما دام أن هناك خصومة فلا بُدَّ أنْ تنشأ عنها معارك، هذه المعارك قد تأخذ صورة الألفاظ والمجادلة، وقد تأخذ صورة العنف والقوة والشراسة والالتحام المباشر بأدوات الحرب. ومعركة النبي صلى الله عليه وسلم مع معارضيه من كفار مكة لم تقف عند حَدِّ المعركة الكلامية فحَسْب، فقد قالوا عنه - صلوات الله وسلامه عليه: ساحر، وكاهن، ومجنون، وشاعر، ومُفْتر .. إلخ ثم تطوَّر الأمر إلى إيذاء أصحابه وتعذيبهم، فكانوا يأتون رسول الله مَشْدوخين ومجروحين فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم أومر بقتال، اصبروا اصبروا، صبراً صبراً .. ". تفسير : إلى أنْ زاد اعتداء الكفار وطََفَح الكَيْل منهم أَذن الله لرسوله بالقتال، فقال: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} تفسير : [الحج: 39]. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ..} [الحج: 38] صيغة يدافع: مبالغة مِنْ يدفع، معنى يدفع يعني: شيئاً واحداً، أو مرة واحدة، وتنتهي المسألة، أمّا يدافع فتدل على مقابلة الفعل بمثله، فالله يدفعهم وهم يقابلون أيضاً بالمدافعة، فيحدث تدافع وتفاعل من الجانبين، وهذا لا يكون إلا في معركة. والمعركة تعني: منتصر ومنهزم، لذلك الحق - تبارك وتعالى - يُطمئن المؤمنين أنه سيدخل المعركة في صفوفهم، وسيدافع عنهم. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ..} [الحج: 38] أمر طبيعي؛ لأن الحق سبحانه ما كان ليُرسِل رسولاً، ويتركه لأهل الباطل يتغلَّبون عليه، وإلاّ فما جَدْوى الرسالة إذن؛ لذلك يُطمئِن الله تعالى رسوله ويُبشِّره، فيقول: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وقال: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..} تفسير : [الحج: 40]. وقال: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. فهذه كلها آيات تُطمئِن المؤمنين وتُبشِّرهم، وقد جاءتْ على مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة، ثم جعل القتال فيما بينهم، وقبْل أنْ يأذنَ لهم في قتال أعدائهم لحكمة: هي أنْ يَبْلوا المؤمنين ويُمحِّصهم ليُخرِج من صفوفهم أهل الخَوَر والجُبْن، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حَرْف، ولا يبقى بعد ذلك إلا قويُّ الإيمان ثابتُ العقيدة، الذي يحمل راية هذا الدين وينسَاح بها في بقاع الأرض؛ لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أنْ تقوم الساعة، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بُدَّ لها من رجال أقوياء يحملونها، وإلا لو استطاع الأعداءُ القضاءَ عليها فلن تقومَ لدين الله قائمة. إذن: كان لا بُدَّ أن يُصفِّي الحقُ سبحانه أهلَ الإيمان كما يُصفِّي الصائغُ الذهبَ، ويُخرِج خَبَثه حين يضعه في النار، كذلك كانت الفِتَن والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم، لكن بالقتال في صَفٍّ واحد. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفاً في المعركة، والخوَّان: صيغة مبالغة من خائن، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور: صيغة مبالغة من كافر. ومعنى الخيانة يقتضي أن هناك أمانةً خانها. نعم، هناك الأمانة الأولى، وهي أمانة التكليف التي قال الله فيها: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ..} تفسير : [الأحزاب: 72] فلقد خانَ هذه الأمانة بعد أنْ رَضِي أنْ يكونَ أهْلاً لها. وهناك أمانة قبل هذه، وهي العهد الذي أخذه الله على عباده، وهم في مرحلة الذَّرِّ: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172-173]. فإنْ قالوا: نعم هذه أمانة، لكنها بعيدة، ومَنْ مِنَّا يذكرها الآن؟ نقول: ألم تُقِرُّوا بأن الله خلقكم، وأوجدكم من عدم، وأمدكم من عُدم؟ كما قال سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87] كما أقرُّوا بخَلْق السماوات والأرض وما فيها من خيرات لله عز وجل، فكان وفاء هذا الإقرار أنْ يؤمنوا، لكنهم مع هذا كله كفروا، أليست هذه خيانة للأمانة عاصروها جميعاً وعايشوها وأسهموا فيها؟ والكَفُور: مَنْ كفر نِعَم الله وجَحَدها. وما دام هناك الخوَّان والكفُور فلا بُدَّ للسماء أنْ تُؤيِّد رسولها، وأنْ تنصره في هذه المعركة أولاً، بأنْ تأذنَ له في القتال، ثم تأمره بأخذ العُدة والأسباب المؤدية للنصر، فإنْ عزَّتْ المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من عندي. وقد حدث هذا في بَدْء الدعوة، فأيَّد الله نبيه بجنود من عنده، بل أيَّده حتى بالكافر المعاند: ألم يكُن دليل رسول الله في الهجرة كافراً؟ ألم ينصره الله بالحمام وبالعنكبوت وهو في الغار؟ ألم ينصره بالأرض التي ساخَتْ تحت أقدام فرس "سُرَاقة" الذي خرج في طلبه؟ هذه جنود لم نَرها، ولم يُؤيَّد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن استنفد أسبابه، ولو أراد سبحانه لَطوَّع لرسوله هؤلاء المعاندين، فما رفع أحد منهم رأسه بعناد لمحمد، إنما الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يعطيه طواعية ويخضع له القوم، ألم يقُلْ سبحانه وتعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4]. وقلنا: إن الله تعالى يريد أنْ يُخضِع قلوب عباده لا قوالبهم، فلو أخضعهم الله بآية كونية طبيعية كالريح أو الصاعقة أو الخَسْف، أو غيره من الآيات التي أخذتْ أمثالهم من السابقين لقالوا: إنها آفاتٌ طبيعية جاءتنا، لكن جعل الله بين الفريقين هذه المواجهة، ثم يسَّر لحزبه وجنوده أسباب النصر. قال سبحانه: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى مناسك الحج وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وذكر أن الكفار صدوا المؤمنين عن دين الله وعن دخول مكة، بيَّن هنا أنه يدافع عن المؤمنين وذكر الحكمة من مشروعية القتال ومنها الدفاع عن المقدسات، وحماية المستضعفين، وتمكين المؤمنين من عبادة الله تعالى. اللغَة: {صَوَامِعُ} جمع صومعة وهي البناء المرتفع وهي مختصة بالرهبان {بِيَعٌ} جمع بيعة وهي كنيسة النصارى {وَصَلَوَاتٌ} كنائس اليهود وقال الزجاج: وهي بالعبرانية صَلُوتا {نَكِيرِ} مصدر بمعنى الإِنكار قال الجوهري: النكيرُ والإِنكارُ تغيير المنكر {مُّعَطَّلَةٍ} متروكة وتعطيل الشيء إبطال منافعه {مَّشِيدٍ} مرفوع البنيان. التفسِير: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي ينصر المؤمنين ويدفع عنهم بأس المشركين، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكفِّ كيدهم عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} أي إنه تعالى يبغض كل خائنٍ للأمانة جاحدٍ نعمة الله {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} فيه محذوف تقديره: أُذن لهم في القتال بسبب أنهم ظُلموا قال ابن عباس: هذه أو آيةٍ نزلت في الجهاد قال المفسرون: هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوح ويتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بقتالهم حتى هاجروا فأُنزلت هذه الآية وهي أول آيةٍ أُذن فيها بالقتال بعدما نهي عنه في أكثر من سبعين آية {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} أي هو تعالى قادر على نصر عباده من غير قتال ولكنه يريد منهم أن يبذلوا جهدهم في طاعته لينالوا أجر الشهداء {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} أي أُخرجوا من أوطانهم ظلماً وعدواناً بغير سبب موجب للإِخراج قال ابن عباس: يعني محمداً وأصحابه أُخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب إلا أنهم وحدوا الله ولم يشركوا به أحداً {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي لولا ما شرعه الله من الجهاد وقتال الأعداء لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وتعطلت الشعائر ولكنه تعالى دفع شرهم بأن أمر بقتالهم {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ} أي لتهدمت معابد الرهبان وكنائس النصارى {وَصَلَوَاتٌ} أي كنائس اليهود {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي ومساجد المسلمين التي يعبد فيها الله بكرة وأصيلاً، ومعنى الآية أنه لولا كفُّه تعالى المشركين بالمسلمين، وإذنه بمجاهدة المسلمين للكافرين لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم فهدموا موضع عباداتهم، ولم يتركوا للنصارى بيعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود كنائس، ولا للمسلمين مساجد، ولغلب المشركون أهل الأديان، وإنما خص المساجد بهذا الوصف {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} تعظيماً لها وتشريفاً لأنها أماكن العبادة الحقة {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} قسمٌ أي والله سينصر الله من ينصر دينه ورسوله {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي إنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، عزيزٌ لا يُقهر ولا يغلب قال ابن كثير: وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ} قال ابن عباس: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، والمعنى: هؤلاء الذين يستحقون نصرة الله هم الذين إن جعلنا لهم سلطاناً في الأرض وتملكاً واستعلاء عبدوا الله وحافظوا على الصلاة وأداء الزكاة {وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي دعوا إلى الخير ونهوا عن الشر {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} أي مرجع الأمور إلى حكمه تعالى وتقديره {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين أي إن كذبك أهل مكة فاعلم إنك لست أول رسول يكذبه قومه فقد كان قبلك أنبياء كُذبوا فصبروا إلى أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} أي وكذب قوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب {وَكُذِّبَ مُوسَىٰ} أي وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته، وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟ {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أمهلتهم ثم أخذتهم بالعقوبة {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} استفهام تقريري أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب ألم يكن أليماً؟ ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة قلة، وبالعمارة خراباً؟ فكذلك أفعل بالمكذبين من أهل مكة {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي كم من قرية أهلكنا أهلها بالعذاب الشامل {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي وهي مشركة كافرة {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف فهي مخربة مهدمة {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي وكم من بئر عطلت فتركت لا يستقى منها لهلاك أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} أي وكم من قصر مرفوع البنيان أصبح خالياً بلا ساكن، أليس في ذلك عبرة للمعتبر؟ {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} أي أفلم يسافر أهل مكة ليشاهدوا مصارع الكفار فيعتبروا بما حل بهم من النكال والدمار!! وهلاّ عقلوا ما يجب أن يُعقل من الإِيمان والتوحيد! {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي أو تكون لهم آذانٌ يسمعون بها المواعظ والزواجر {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} أي ليس العمى على الحقيقة عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة فمن كان أعمى القلب لا يعتبر ولا يتدبر، وذِكرُ الصدور للتأكيد ونفي توهم المجاز {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي ويستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب استهزاءً، وإن ذلك واقع لا محالة، لكن لوقوعه أجل لا يتعداه لأنه تعالى لا يخلف الميعاد {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي هو تعالى حليم لا يعجل فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه فلِم إذاً يستبعدونه ويستعجلون العذاب؟ ولهذا قال بعد ذلك {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي وكثير من أهل قرية أخرت إهلاكهم وأمهلتهم مع استمرارهم على الظلم فاغتروا بذلك التأخير {ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} أي ثم أخذتهم بالعذاب بعد طول الإِمهال وإليَّ المرجع والمآب قال في البحر: لما كان تعالى قد أمهل قريشاً حتى استعجلت بالعذاب ذكر الآية تنبيهاً على أن السابقين أُمهلوا ثم أُهلكوا وأن قريشاً وإن أملى تعالى لهم وأمهلهم فإن لا بد من عذابهم فلا يفرحوا بتأخير العذاب عنهم {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي قل يا محمد لهؤلاء المستعجلين للعذاب إنما أنا منذر لكم أخوفكم عذاب الله وأنذركم إنذاراً بيناً من غير أن يكون لي دخلٌ في تعجيل العذاب أو تأخيره {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي فالمؤمنون الصادقون الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح لهم عند ربهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في جنان النعيم قال الرازي: بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم وقال القرطبي: إذا سمعت الله تعالى يقول {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فاعلم أنه الجنة {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي كذبوا بآياتنا وسعوا في إبطالها مغالبين مشاقين يريدون إطفاء نور الله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي فأولئك هم أصحاب النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، شبههم من حيث الدوام بالصاحب قال الرازي: فإن قيل: إنه عليه السلام بشر المؤمنين أولاً، وأنذر الكافرين ثانياً في هذه الآية فكان القياس أن يقال {إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} والجواب أن الكلام مسوق إلى المشركين وهم الذين استعجلوا العذاب و {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} نداءٌ لهم، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة لغيظهم وإيذائهم {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} أي وما أرسلنا قبلك يا محمداً رسولاً ولا نبياً {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} أي إلا إذا أحبَّ شيئاً وهويته نفسه {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي ألقى الشيطان فيما يشتهيه ويتمناه بعض الوساوس التي توجب اشتغاله بالدنيا كما قال عليه السلام "حديث : إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"تفسير : قال الفراء: تمنى إذا حدَّث نفسه وفي البخاري: قال ابن عباس: "إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته" إلا إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، ويقال: أمنيته: قراءته قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأجله، ومعنى الآية: وما أرسلنا رسولاً ولا نبياً فحدث نفسه بشيء وتمنى لأمته الهداية والإِيمان إلا ألقى الشيطان الوساوس والعقبات في طريقه بتزيين الكفر لقومه وإلقائه في نفوسهم مخالفةً لأمر الرسول وكأنَّ الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم تقول له: لا تحزن يا محمد على معاداة قومك لك فهذه سنة المرسلين {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} أي يزيل ويبطل الله ما يلقيه الشيطان من الوساوس والأوهام {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} أي يثبت في نفس الرسول آياته الدالة على الوحدانية والرسالة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي مبالغٌ في العلم حكيم يضع الأشياء في مواضعها قال أبو السعود: وفي الآية دلالة على جواز السهو من الأنبياء عليهم السلام، وتطرق الوسوسة إليهم {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} أي ليجعل تلك الشبه والوساوس التي يلقيها الشيطان {فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي فتنة للمنافقين الذين في قلوبهم شك وارتياب {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي وفتنةً للكافرين الذين لا تلين قلوبهم لذكر الله، وهم خواص من الكفار عتاةٌ كأبي جهل، والنضر، وعتبة {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي وإن هؤلاء المذكورين من المنافقين والمشركين لفي عداوة شديدة لله ولرسوله، ووصف الشقاق بلفظ {بَعِيدٍ} لأنه في غاية الضلال والبعدِ عن الخير {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي وليعلم أهل العلم أن القرآن هو الحق النازل من عند الله تعالى {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي يؤمنوا بهذا القرآن {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي تخشع وتسكن له قلوبهم بخلاف من في قلبه مرض {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي مرشد المؤمنين إلى الصراط المستقيم ومنقذهم من الضلالة والغواية {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي ولا يزال هؤلاء المشركون في شك وريب من هذا القرآن {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} أي حتى تأتيهم الساعة فجأة دون أن يشعروا قال قتادة: ما أخذ الله قوماً قطُّ إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي أو يأتيهم عذاب يوم القيامة وسمي عقيماً لأنه لا يوم بعده قال أبو السعود: كأنَّ كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيماً، والمراد به الساعة أيضاً كأنه قيل: أو يأتيهم عذابها، ووضع ذلك موضع الضمير لمزيد التهويل {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ} أي الملك يوم القيامة لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي يفصل بين عباده بالعدل، فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار ولهذا قال {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي فالذين صدقوا الله ورسوله وفعلوا صالح الأعمال لهم النعيم المقيم في جنات الخلد {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي والذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله لهم العذاب المخزي مع الإِهانة والتحقير في دار الجحيم {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي تركوا الأوطان والديار ابتغاء مرضاة الله وجاهدوا لإِعلاء كلمة الله {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} أي قتلوا في الجهاد أو ماتوا على فرشهم {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} أي ليعطينهم نعيماً خالداً لا ينقطع أبداً وهو نعيم الجنة {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي هو تعالى خير من أعطى فإنه يرزق بغير حساب {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} أي ليدخلنهم مكاناً يرضونه وهو الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} أي عليم بدرجات العاملين حليم عن عقابهم {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي جازى الظالم بمثل ما ظلمه {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ} أي ثم اعتدى الظالم عليه ثانياً لينصرن الله ذلك المظلوم {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي مبالغ في العفو والغفران، وفيه تعريض بالحث على العفو والصفح، فإنه تعالى مع كمال قدرته على الانتقام يعفو ويغفر فغيره أولى بذلك {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ} أي ذلك النصر بسبب أن الله قادر، ومن آيات قدرته إيلاج الليل في النهار أي أنه يدخل كلاً منهما في الآخر. بأن ينقص من الليل فيزيد في النهار وبالعكس وهذا مشاهد ملموس في الصيف والشتاء {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي سميع لأقوال عباده بصير بأحوالهم لا تخفى عليه خافية {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي ذلك بأن الله هو الإِله الحق {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ} أي وأن الذي يدعوه المشركون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي لا يقدر على شيء {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} أي هو العالي على كل شيء ذو العظمة والكبرياء فلا أعلى منه ولا أكبر. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- صيغة المبالغة {خَوَّانٍ كَفُورٍ} لأن فعال وفعول من صيغ المبالغة. 2- الحذف لدلالة السياق عليه {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} أي أُذن بالقتال للذين يقاتلون. 3-تأكيد المدح بما يشبه الذم {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} أي لا ذنب لهم إلا هذا. 4- المقابلة اللطيفة بين {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وبين {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}. 5- جناس الاشتقاق {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ}. 6- الطباق بين {يَنسَخُ.. ثُمَّ يُحْكِمُ}. 7- الاستعارة البديعة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} وهذا من أحسن الاستعارات لأن العقيم المرأة التي لا تلد، فكأنه سبحانه وصف ذلك اليوم بأنه لا ليل بعده ولا نهار لأن الزمان قد مضى، والتكليف قد انقضى، فجعلت الأيام بمنزلة الولدان لليالي، وجعل ذلك اليوم من بينها عقيماً على طريق الاستعارة.

الجيلاني

تفسير : ثم لما خشي المؤمنون على معاداة المشركين، وخافوشا عن مخاصمتهم، وغيظهم إذا خرجوا نحو مكة للزيارة والطواف قاتَلوا معهم، وأكَّبوا عليهم وعلى أموالهم، وأَسَروا أولادهم، أزال الله سبحانه عنهم الرعب وأسقط عنهم الخشية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتكفل لأمور عباده، الحفيظ عليهم عما يؤذيهم {يُدَافِعُ} كيد الكفرة العداة البغاة الطغاة {عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالله وصدقوا بشعائر دينه، وقصدوا إقامتها على أمره ووحيه، كيف لا يدفع سبحانه مع كمال قدرته خيانةَ من خان بأحبائه وأصدقائه {إِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم لأعدائه {لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} مبالغ في الخيانة سيما مع أوليائه وأحبائه {كَفُورٍ} [الحج: 38] مبالغ في كفران نعمه، حيث صرفها في غير محله مثل: هدي الكفرة، وذبحهم لأصنامهم وأوثانهم. ثم لما اشتد إضرار الكفرة بالمسلمين وامتد أذاهم عليهم ظلماً وعدواناً، أراد المؤمنون أن يقاتلوا ويشاجروا معهم، منعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال والحراب بإذن الله ووحيه سبعينَ مرة لنزول آية في المنع عنه، وقال صلى الله عليه وسلم في كل مرة: أصبروا حتى يأمر الله. ثم لما شق على المسلمين ظلمهم وضررهم وصاروا مهانين صاغيرين مع قدرتهم على مقاتلتهم ومدافعتهم {أُذِنَ} ورُخِّص من جانب الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} أي: يريدون القتال معهم بعدما تحلموا كثيراً من أذاهم وظلمهم، فنزل هذه الآية للرخصة بعدما نزلت سبعون آية بعدمها، لذلك قيل نسخت هذه الآية نيفاً وسبعين، وإنما رخصهم سبحانه بها {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} أي: بسبب أنهم صاروا مظلومين صاغرين عن أذى الكفار والمشركين {وَإِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر {عَلَىٰ نَصْرِهِمْ} أي: نصر الأولياء على الأعداء {لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] لينصرهم ويغلبهم عليهم، وإن كانوا أكثر منهم، وكيف لا ينتقم سبحانه عن أعدائه لأجل أوليائه؟. إذ هم {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم} ظلماً وعدواناً {بِغَيْرِ حَقٍّ} ورخصة شرعية موجبة للإخراج والإجلاء {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ} أي: لا موجب لأخراجهم سوى قولهم هذا: {رَبُّنَا ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد المنزه عن الشريك والولد {وَ} كيف لا يدفع سبحانه شر الكفرة عن أوليائه الموحدين؛ إذ {لَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: بتسليط أهل الإيمان على المشركين المعاندين {لَّهُدِّمَتْ} وخرجت باستيلاء الأعداء على الأولياء {صَوَامِعُ} للرهابنة {وَبِيَعٌ} للنصارى {وَصَلَوَاتٌ} هي كنائس اليهود {وَمَسَاجِدُ} للمسلمين، إنما عد كل واحد منها {يُذْكَرُ فِيهَا} أي: في كل واحد منها {ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي: حيناً كثيراً، وذكراً كثيراً {وَ} اللهِ {لَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ} المتكفل بعباده {مَن يَنصُرُهُ} ويعين دينه ونبيه ويصدق كتابه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لما في صدور عباده من الإخلاص {لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] غالب قادر على الإنعام والانتقام لأوليائه من أعدائه، كما سلط ضعفاء أهل الإيمان على صناديد العرب والعجم من الأكاسرة والقياصرة، وشاع دينهم بين الأنام إلى يوم القيامة. وكيف لا ينصرهم سبحانه، إذ هم: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ} وقدرناهم وجعلنا لهم التصرف والاستيلاء {فِي ٱلأَرْضِ} المعدة للطاعات والعبادات {أَقَامُواْ} وأداموا {ٱلصَّلاَةَ} والميل إلينا بجميع جوارحهم وأركانهم ميلاً مقروناً بأنواع الخضوع، والخشوع، والاستكانة، والانكسار، تطهيراً لنفوسهم عن العتو والاستكبار، وتقريباً لهم إلينا على وجه المذلة والافتقار {وَ} مع ذلك {آتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ} المصفية لبواطنهم عن الميل إلى زخرفة الدنيا الغدارة {وَأَمَرُواْ} على من دونهم {بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن عقلاً وشرعاً {وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} المستقبح شرعاً وعرفاً على الوجه المبين لهم من ألسنة رسلهم كتبهم المنزلة عليهم من الله {وَلِلَّهِ} المدبر لأحوال عباده {عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} [الحج: 41] أي: مرجع جميع الأمور الجارية فيما بينهم، المتعلق بتهذيب ظواهرهم، وموانع بواطنهم عن موانع الوصول إلى مرتبة التوحيد. ثم لما تغمم رسول الله صلى لله عليه وسلم وتحزّن من تكذيب قومه إياه صلى الله عليه وسلم، ونسبتهم له ما لا يليق بشأنه، أراد سبحانه أن يسلّي حبيبه صلى الله عليه وسلم ويزيل عنه همَّه فقال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} قومُك يا أكمل الرسل لا تبال بهم وبتكذيبهم {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي: قبل أمتك {قَوْمُ نُوحٍ} أخاك نوحاً عليه لاسلام {وَعَادٌ} أخاك هوداً عليه السلام {وَثَمُودُ} [الحج: 42] أخاك صالحاً عليه السلام. {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ} جدك الخليل أبا الأنبياء - عليه وعليهم السلام - {وَقَوْمُ لُوطٍ} [الحج: 43] أخاك لوطاً عليه السلام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار ووعد وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدافع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم كل شر -بسبب إيمانهم- من شر الكفار، وشر وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف. كل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقل ومستكثر. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } أي: خائن في أمانته التي حمله الله إياها، فيبخس حقوق الله عليه، ويخونها، ويخون الخلق. { كَفُورٌ } لنعم الله، يوالي عليه الإحسان، ويتوالى منه الكفر والعصيان، فهذا لا يحبه الله، بل يبغضه ويمقته، وسيجازيه على كفره وخيانته، ومفهوم الآية، أن الله يحب كل أمين قائم بأمانته، شكور لمولاه.