Verse. 2634 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اُذِنَ لِلَّذِيْنَ يُقٰتَلُوْنَ بِاَنَّہُمْ ظُلِمُوْا۝۰ۭ وَاِنَّ اللہَ عَلٰي نَصْرِہِمْ لَقَدِيْرُۨ۝۳۹ۙ
Othina lillatheena yuqataloona biannahum thulimoo wainna Allaha AAala nasrihim laqadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أذن للذين يقاتلون» أي للمؤمنين أن يقاتلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد «بأنهم» أي بسبب أنهم «ظلموا» لظلم الكافرين إياهم «وإن الله على نصرهم لقدير».

39

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} قيل: هذا بيان قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم؛ وفيه إضمار، أي أذن للذين يَصْلُحون للقتال في القتال؛ فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. وقال الضحاك: اِستأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة؛ فأنزل الله «إِن الله لا يُحِبّ كُلَّ خَوّانٍ كفورٍ» فلما هاجر نزلت {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}. وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح. وهي أوّل آية نزلت في القتال. قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وروى النَّسائيّ والترمذيّ عن ابن عباس قال: لما أخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم ليهلِكنّ؛ فأنزل الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } فقال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال. فقال: هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البَطِين عن سعيد بن جُبير مرسلاً، وليس فيه: عن ابن عباس. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافاً للمعتزلة؛ لأن قوله: «أذِن» معناه أبيح؛ وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» وغير موضع. وقرىء «أَذن» بفتح الهمزة؛ أي أذن الله. «يُقاتِلون» بكسر التاء أي يقاتلون عدوّهم. وقرىء «يُقاتَلون» بفتح التاء؛ أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون. ولهذا قال: «بِأنهم ظلِموا» أي أخرجوا من ديارهم.

البيضاوي

تفسير : {أُذِنَ} رخص، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل وهو الله. {لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ} المشركين والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي الذين يقاتلهم المشركون. {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت. وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية. {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة. وقال مجاهد والضحاك، وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن مسلم، هو البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال. وقال الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس. وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } تفسير : [محمد: 4 ــــ 6] وقال تعالى: {أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } تفسير : [التوبة: 14 ــــ 15] وقال: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 16] وقال: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142] وقال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَـٰرَكُمْ } تفسير : [محمد: 31] والآيات في هذا كثيرة. ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}: وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة، كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين، لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نيفاً وثمانين، قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى، ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لم أومر بهذا» تفسير : فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام ومعقلاً يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمداً وأصحابه {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين، فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 1] وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8] ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:شعر : لا هُمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَيْنا ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّيْنا فأنْزلَنْ سكينةً علينا وثَبّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا إِنَّ الأُلى قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنا تفسير : فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: * إذا أرادوا فتنة أبينا * يقول: «حديث : أبينا» تفسير : يمد بها صوته، ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف {لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ} وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق {وَبِيَعٌ} وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضاً، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم. وقوله: {وَصَلَوَٰتٌ} قال العوفي عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صَلُوتا. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات: معابد الصابئين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} فقد قيل: الضمير في قوله: يذكر فيها، عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً. وقال ابن جرير: الصواب: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر، إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عماراً، وأكثر عباداً، وهم ذوو القصد الصحيح. وقوله: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 7 ــــ 8]. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ} وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز فناصره هو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171 ــــ 173] وقال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّعَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ } أي للمؤمنين أن يقاتلوا، وهذه أوّل آية نزلت في الجهاد {بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم {ظُلِمُواْ } لظلم الكافرين إياهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قد قيل: كيف تكون المدافعة وبمن؟ فقيل: بعباده المؤمنين، عبر عن ذلك بقوله: {أذن} وأشار بقراءة من بناه للمجهول إلى سهولة ذلك عليه سبخانه {للذين يقاتلون} أي للذين فيهم قوة المدافعة، في المدافعة بالقتلا بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون بالصفح؛ ثم ذكر سبب الإذن فقال {بأنهم ظلموا} أي وقع ظلم الظالمين لهم بالإخراج من الديار، والأذى بغير حق. ولما كان التقدير: فأن الله أراد إظهار دينه بهم، عطف عليه قوله: {وإن الله} أي الذي هو الملك الأعلى، وكل شيء في قبضته، ويجوز عطفه على قوله {إن الله يدفع} أي بإذنه لهم في القتال وأنه {على نصرهم} وأبلغ في التأكيد لا ستبعاد النصرة إذ ذاك بالكفار من الكثرة والقوة، وللمؤمنين من الضعف والقلة، فقال: {لقدير*} ثم وصفهم بما يبين مظلوميتهم على وجه يجمعهم ويوثقهم بالله فقال: {الذين أخرجوا من ديارهم} إلى الشعب والحبشة والمدينة {بغير حق} أوجب ذلك {إلا أن يقولوا} أي غير قولهم، أو ألا قولهم: {ربنا الله} المحيط بصفات الكمال، الموجب لإقرارهم في ديارهم، وحبهم ومدحهم واقتفاء آثارهم، فهو من باب: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وفي سوق ذلك المساق الاستثناء عند من يجعله منقطعاً إشارة إلى أن من أخلص لله، صوب الناس إليه سهام مكرهم، ولم يدعوا في أذاه شيئاً من جهدهم. ولما ذكر مدافعته، وذكر أنها بالمؤمنين، بين سرها عموماً ليفهم منها هذا الخاص، وصورها تقريباً لفهمها، فقال عاطفاً على ما تقديره: فلولا إذن الله لهم لاستمر الشرك ظاهراً، والباطل - باستيلاء الجهلة على مواطن الحج - قاهراً: {ولولا دفع الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة في كل شريعة، وفي زمن كل نبي أرسله {الناس} أي عموماً {بعضهم ببعض} أي بتسليط بعضهم على بعض {لهدمت صوامع} وهي معابد صغار مرتفعة للرهبان {وبيع} للنصارى {وصلوات} أي كنائس اليهود {ومساجد} أي للمسلمين، أخرها لتكون بعيدة من الهدم قريبة من الذكر {يذكر فيها اسم الله} أي الملك الذي لا ملك غيره، ولعل العدول عن الإضمار إلى الإظهار للإشارة إلى اختلاف ذكره تعالى في الأماكن المذكورة بالإخلاص وغيره {كثيراً} لأن كل فرقة تريد هدم ما للأخرى، بل ربما أراد بعض أهل ملة إخراب بعض معابد أهل ملته، لا فبدفعه الله بمن يريد من عباده، وإذا تأملت ذلك وجدت فيه من الأسرار، ما يدق عن الأفكار، فإنه تعالى لما أراد بأكثر الناس الفساد، نصب لهم من الأضداد، ما يخفف كثيراً من العناد. ولما كان لتقدير: ولكن لم تهدم المذكورات، لأن الله دفع بعضهم ببعض، وجعل بعضهم في نحور بعض، عطف عليه أو على قوله {أذن} قوله: {ولينصرن الله} أي الملك الأعظم، وأظهر ولم يضمر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {من ينصره} كائناً كم كان منهم ومن غيرهم، بما يهيىء له من الأسباب، إجراءً له على الأمر المعتاد، وبغير أسباب خرقاً للعادة، كما وقع في كثير من الفتوحات، كخوض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر الملح إلى جواثاء بالبحرين، واقتحام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة مع عظمها في ذلك العام وطموها، وزيادتها وعلوها، وزلزلة أسوار حمص بالتكبير وتهدّم كثيراً من بيوتها، عن إتقان بنيانها، وإحكام قواعدها وأركانها ونحو ذلك؛ ثم علل نصره وإن ضعف المنصور، بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {لقوي*} أي على ما يريد {عزيز*} لا يقدر أحد على مغالبته، ومن كان ناصره فهو المنصور، وعدوه المقهور، ولقد صدق سبحانه فيما وعد به، فأذل بأنصار دينه رضي الله عنهم - جبابرة أهل الأرض وملوكهم، ومن أصدق من الله حديثاً. ولما وصف نفسه سبحانه بما يقتضي تمكين منصوره الذي ينصره، وصفهم بما يبين أن قتالهم له، لا لهم، بعد أن وصفهم بأنهم أوذوا بالإخراج من الديار الذي يعادل القتل، فقال: {الذين} ولما كان وقت النصرة مبهماً آخره يوم الفصل، عبر بأداة الشك ليكون ذلك أدل على إخلاص المخلص في القتال: {إن مكناهم} بما لنا من العظمة {في الأرض} بإعلائهم على أضدادهم {أقاموا الصلاة} أي التي هي عماد الدين، الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني {وآتوا الزكاة} المؤذنة بالزهذ في الحاصل منه، المؤذن بعمل النفس للرحيل {وأمروا بالمعروف} وهو ما عرفه الشرع وأجاره {ونهوا عن المنكر} المعرف بأنه لا أنس لهم إلا به سبحانه، ولا خوف لهم إلا منه، ولا رجاء فيه والآية دالة على صحة خلافة الأئمة الأربعة. ولما كان هذا ابتداء الأمر بالجهاد، وكان عقب ما آذى أعداؤه أولياءه، فطال أذاهم لهم، فكان التقدير كما أرشد إليه العطف على غير مذكور، عطفاً على {ولولا دفع} فللّه بادئة الأمور، عطف عليه قوله: {ولله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء {عاقبة الأمور*} فتمكينهم كائن لا محالة، لكن ذكره للعاقبة وطيه للبادئة منبه على أنه تعالى يجعل للشيطان - كما هو المشاهد في الأغلب - حظاً في البادئة، ليتبين الصادق من الكاذب، والمزلزل من الثابت، وأما العاقبة فهي متمحضة له إلى أن يكون آخر ذلك القيامة التي لا يكون لأحد فيها أمر، حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن خاص. ولما كان في ترغيب هذه الآيات وترهيبها ما يعطف العاقل، ويقصف الجاهل، طوي حكم العاقل لفهمه ما سبق، وهو: فإن يؤمنوا بك مكناهم في الأرض، ودل عليه بعطف حكم الجاهل على غير مذكور في سياق يسلي به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعزيه، ويؤنسه ويواسيه، فقال {وإن يكذبوك} أي أخذتهم وإن كانوا أمكن الناس، فقد فعلت بمن قبلهم ذلك، فلا يحزنك أمرهم {فقد كذبت} وأتى سبحانه بتاء التأنيث تحقيراً للمكذبين في قدرته وإن كانوا أشد الناس. ولما كانت هذه الأمم لعظمهم وتمادي أزمانهم كأنهم قد استغرقوا الزمان كله، لم يأت بالجار فقال: {قبلهم قوم نوح} وكانوا أطول الناس أعماراً، وأشدهم اقتداراً؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض بالمخالفة في ترتيبهم، ساقهم على حسب ترتبيهم في الوجود فقال: {وعاد} أي ذوو الأبدان الشداد {وثمود*} أولو الأبنية الطوال، في السهول والجبال {وقوم إبراهيم} المتجبرون المتكبرون {وقوم لوط*} الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس {وأصحاب مدين} أرباب الأموال، المجموعة من خزائن الضلال. ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ممن تقدمه، فكان تكذيبه في غاية من البعد، غير سبحانه الأسلوب تنبيهاً على ذلك، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، فقال: {وكذب موسى} وفي ذلك أيضاً تعظيم للتأسية وتفخيم للتسلية {فأمليت للكافرين} أي فتعقب عن تكذيبهم أني أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم، وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة التأسية فقال: {ثم أخذتهم} ونبه سبحانه وتعالى على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب، وأهوال وغرائب، بالاستفهام في قوله: {فكيف كان نكير*} أي إنكاري لأفعالهم، فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم بأعظم ما أتى به رسول قومه مثل ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال‏:‏ لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر‏:‏ أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن القوم‏!‏ فنزلت ‏ {‏أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا‏} ‏ الآية‏.‏ وكان ابن عباس يقرأها ‏ {‏أذن‏}‏ قال أبو بكر‏:‏ فعملت أنه سيكون قتال‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وهي أول آية نزلت في القتال‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد قال‏:‏ خرج ناس مؤمنون مهاجرين من مكة إلى المدينة، فاتبعهم كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم فأنزل الله ‏ {‏أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا‏} ‏ الآية‏.‏ فقاتلوهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير أن أول آية أنزلت في القتال حين ابتلي المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم، ليفتنوهم عن الإسلام، وأخرجوهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم، فأنزل الله ‏ {‏أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا‏} ‏ الآية‏.‏ وذلك حين أذن الله لرسوله بالخروج، وأذن لهم بالقتال‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن أبي هريرة قال‏:‏ كانت أول آية نزلت في القتال ‏ {‏أذن للذين يقاتلون‏}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله ‏ {‏أذن للذين يقاتلون‏} ‏ قال‏:‏ أذن لهم في قتالهم، بعدما عفى عنهم عشر سنين‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏أذن للذين يقاتلون‏} ‏ قال النبي‏:‏ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ‏ {‏بأنهم ظلموا‏}‏ يعني ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم من ديارهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ أشرف عليهم عثمان من القصر فقال‏:‏ ائتوني برجل قارئ كتاب الله، فأتوه بصعصعة بن صوحان، فتكلم بكلام فقال‏:‏ ‏ {‏أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير‏}‏ فقال له عثمان‏:‏ كذبت‏!‏ ليست لك ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي‏.

القشيري

تفسير : إذا أصابهم ضُرٌّ أو مَسَّهم - ما هو في الظاهر - ذُلٌ من الأعادي يجري عليهم ضَيْمٌ، أو يلحقهم من الأجانب استيلاءٌ وظلمٌ.. فالحقُّ - سبحانه - ينتقِمُ من أعدائهم لأَجْلِهم، فهم بنعت التسليم والسكون في أغلب الأحوال، وتفاصيلُ الأقدارِ جاريةٌ باستئصالِ مَنْ يناويهم، وبإحالة الدائرة على أعاديهم. وفي بعض الأحايين ينصبهم الحق سبحانه بنعت الغَلَبَةِ والتمكين من نزولهم بساحات مَنْ يناوئهم بِحُسْنِ الظَّفَر، وتمام حصولِ الدائرة على مَنْ نَاصَبَهم، وأخزاهم بأيديهم، وكلُّ ذلك يتفق، وأنواعُ النصرَةِ من الله - سبحانه - حاصلةٌ، واللَّهُ - في الجملةِ - غالِبٌ على أمره.

اسماعيل حقي

تفسير : قال الله تعالى {اذن} الاذن فى الشىء اعلام باجازته والرخصة فيه والمأذون فيه محذوف اى رخص فى القتال {للذين} للمؤمنين الذين {يقاتلون} بفتح التاء على صيغة المجهول اى يقاتلهم المشركون {بانهم ظلموا} اى بسبب انهم ظلموا وهم اصحاب النبي عليه السلام كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه عليه السلام بين مضروب ومشجوج ويتظلمون اليه فيقول عليه السلام لهم "حديث : اصبروا فانى لم اومر بالقتال"تفسير : حتى هاجروا فنزلت وهى اول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه فى نيف وسبعين آية {وان الله على نصرهم لقدير} وعد للمؤمنين بالنصر والتغليب على المشركين بعدما وعد بدفع اذاهم وتخليصهم من ايديهم، قال الراغب القدرة اذا وصف بها الانسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شىء ما واذا وصف الله بها فنفى للعجز عنه ومحال ان يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وان اطلقت عليه لفظا بل حقه ان يقال قادر على كذا ومتى قيل هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد ولهذا لا احد غير الله يوصف بالقدرة من وجه الا ويصح ان يوصف بالعجز من وجه والله تعالى هو الذى ينتفى عنه العجز من كل وجه والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضى الحكمة لازائدا عليه ولا ناقصاعنه ولذلك لا يصح ان يوصف به غير الله تعالى شعر : تعالى الله زهى قيوم ودانا توانابى ده هر ناتوانا تفسير : وفى الآية اشارة الى ان قتال الكفار بغير اذن الله لا يجوز ولهذا لما وكز موسى عليه السلام القبطى الكافر وقتله قال هذا من عمل الشيطان لانه ما كان مأذونا من الله فى ذلك وبهذا المعنى يشير الى ان الصلاح فى قتال كافر النفس وجهاده ان يكون باذن الله على وفق الشرع واوانه وهو بعد البلوغ فان قبل البلوغ تحلى المجاهدة باستكمال الشخص الانسانى الذي هو حامل اعياء الشريعة ولهذا لم يكن مكلفا قبل البلوغ وبنبغى ان تكون المجاهدة محفوظة عن طرفى التفريط والافراط بل يكون على حسب ظلم النفس على القلب باستيلائها عليه فيما يضره من اشتغالها بمخالفة الشريعة وموافقة الطبيعة فى استيفاء حظوظها وشهواتها من ملاذ الدنيا فان منها يتولد رين مرآة القلب وقسوته واسوداده وان ارتاضت النفس ونزلت عن ذميم صفاتها وانقادت للشريعة وتركت طبعها واطمأنت الى ذكر الله واستعدت لقبول جذبة ارجعى الى ربك راضية مرضية تصان من فرط المجاهدة ولكن لايؤمن مكر الله المودع فى مكر النفس وآخر الآية يشير الى ان الانسان لا يقدر على النفس وتزكيتها بالجهاد المعتدل الا بنصر الله تعالى شعر : جورويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثنا كوى وخودرا مبين كراز حق نه توفيق خيرى رسد ازبنده خيرى بغيرى رسد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إلا أن يقولوا}، قيل: منقطع، وقال الزمخشري: في محل الجر، بدل من حق. هـ. وهو على طريق قول الشاعر: شعر : لاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أُذِنَ} أي: رُخص وشرع، أو أَذن اللهُ {للذين يُقاتَلون} أي: يُقاتلهم الكفارُ المشركون، وحذف المأذون فيه؛ لدلالة "يُقاتَلون" عليه، أي: في قتالهم، {بأنهم ظُلموا} أي: بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذىً شديدًا، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروبٍ ومشجوج، فيتظلمون إليه، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اصبروا؛ فإني لم أومر بالقتال"تفسير : . حتى هاجر، فنزلت هذه الآية. وهي أول آية نزلت في الجهاد، بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. {وإِنّ الله على نصرهم لقديرٌ} . وعدٌ لهم بالنصر، وتأكيد لِما مرّ من العِدَة الكريمة بالدفع، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين، بل بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام؛ لمزيد من تحقيق مضمونه، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ثم وصف الذين أَذن لهم، أو فسرهم، أو مدحهم بقوله: {الذين أُخرجوا من ديارهم}، يعني مكة: {بغير حق}؛ بغير ما يوجب إخراجهم {إلا أن يقولوا ربنا الله} أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجبًا للإقرار لا للإخراج. ومثله: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [المَائدة: 59]. {ولولا دفعُ اللهِ الناسَ}: لولا أن يدفع الله الناس {بعضهم ببعض}؛ بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان، وإقامة الحدود وكف المظالم، {لهُدِّمت} أي لخربت؛ باستيلاء الكفرة على الملل، {صَوَامِعُ}: جمع صومَعة - بفتح الميم -، وهي: متعبد النصارى والصابئين منهم، ويسمى أيضًا الدير. وسُمي بها موضع الأذان من الإسلام: {وَبِيَعٌ}: جمع بيعة - بكسر الباء -: كنائس النصارى، {وصلوات}: كنائس اليهود، سميت بما يقع فيها، وأصلها: صلَوتا بالعبرانية، ثم عُربت، {ومساجد} للمسلمين، {يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيرًا} أي: ذكرًا كثيرًا، أو وقتًا كثيرًا، صفة مادحة للمساجد، خُصت بها؛ دلالةً على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع، وفيه نظر؛ فإنَّ ذكر الله تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام، فَقَصْدُ بيانِه، بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت الثلاثة على المساجد؛ لتقدمها وجودًا، أو لقربها من التهديم. {ولينصرنّ اللهُ مَن ينصره} أي: وتالله، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه - عليه الصلاة والسلام - وأولياءه. ومن نصرِه: إشهاره وإظهاره، وتعليمه لمن لا يعلَمه، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده، حيث سلط المهاجرين والأنصارعلى صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم، {إِن الله لقوي عزيز}: غالب على ما يريد، ومن جملته: نصرهم وإعلاؤهم. ثم وصف الذين أُخرجوا من ديارهم بقوله: {الذين إِن مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتُوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونَهوا عن المنكر} قلت: الصواب ما قاله مكي: أنه بدل مِن: "مَن ينصره"، في محل نصب. قيل: المراد بهم: الصحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: الأمة كلها. وقيل الخلفاء الأربعة؛ لأنهم هم الذين مُكِّنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه دليل صحة أمرِ الخلفاء الراشدين؛ لأن الله - عزّ وجلّ - أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضي الله عنه: (هذا، والله، ثناء قبل بلاء)، يعني: أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج والفتن فيهم. {ولله عاقِبةُ الأمور}؛ فإنَّ مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. الإشارة: إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه، إن أراد الوصول إلى حضرة ربه؛ لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. وإن الله على نصرهم لقدير؛ لأن هِمَّةَ الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن لم يتصل بشيخ التربية، فإن مجاهدته لنفسه لا تُصيب مَقاتلها؛ لدخولها تحت الرماية، فلا يُصيبها ضربه، وأما الشيخ؛ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. وقوله تعالى: {الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق}؛ هم الذين أُمروا بقتل نفوسهم، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم، وخرجوا عن عوائد الناس، رفضوهم وأنكروهم، وربما أخرجوهم من ديارهم، فقلَّ أن تجد وليًا بقي في وطنه الأول، وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم، وقولهم: ربُّنا الله دون شيء سواه، فحيث خرجوا عن عوائدهم وقصدوا مولاهم، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض؛ بأن شفع خيارهم في شرارهم، لهدمت دعائم الوجود؛ لأنَّ من آذى وليًا فقد آذن بالحرب. قال القشيري: {ولولا دفع الله الناس}، أي: يتجاوز عن الأصاغر لِقَدْرِ الأكابر؛ استبقاء لمنازل العبادة، تلك سُنَّة أجراها. ثم قال: {الذين إن مكّناهم في الأرض}، أي: لم يشتغلوا في ذلك بحظوظٍ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا. هـ. وكما بشر نبيه عليه الصلاة والسلام مع المؤمنين بالدفع والنصر...

الجنابذي

تفسير : {أُذِنَ} جوابٌ لسؤالٍ مقّدرٍ كأنّه قيل: اذا كان الله يدافع عن المؤمنين فلا ينبغى للمؤمنين ان يقاتلوا، فقال تعالى: اذن {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} من المؤمنين، قرئ اذن مبنيّاً للمفعول ومبنيّاً للفاعل وعلى كلٍّ من القراءتين قرئ يقاتلون مبنيّاً للمفعول ومبنيّاً للفاعل {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} ذكر فى نزول الآية انّه كان المشركون يؤذون المسلمين لا يزال يجيء مشجوج ومضروب الى رسول الله (ص) ويشكون ذلك الى رسول الله (ص) فيقول لهم: "حديث : اصبروا فانّى لم اؤمر بالقتال حتّى هاجر" تفسير : فأنزل الله عليه هذه الآية وهى اوّل آية نزلت فى القتال {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} جملة حاليّة او معطوفة على الفعليّة او على ان الله لا يحبّ كلّ خوّان كفور.

اطفيش

تفسير : {أُذِنَ} أذن الله عز وجل فى القتال كما دل عليه قوله: {للِّذين يُقاتلون} للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون {بأنَّهم ظُلمُوا} متعلق بأذن، أى أمرهم بالقتال بسبب أنهم مظلومون، يأتونه صلى الله عليه وسلم متظلمين، ما بين مشجوج ومضروب، فيقول: اصبروا لم أومر بالقتال، وقد نهى عنه فى نيف وسبعين آية فى دعوى من يقول: كل أمر بالصبر نهى عن القتال، ولما هاجر وأنزلت هذه الآية آمرة بالقتال، وقيل: أول آية نزلت فى الأمر به: " أية : وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم"تفسير : [البقرة: 190]، وقيل إن الله اشترى من المؤمنين الخ وقيل: نزلُ {أذن للذين يُقاتَلون} الخ فى مؤمنين هاجروا إلى المدينة، فاتبعهم كفار قريش ليردوهم، وقاتلوهم {وإنَّ الله على نَصْرهم لَقديرٌ} هذا وعد لهم بالنصر لهم فى القتال لا بالتخليص فقط من أيدى المشركين على سنن التعاظم كالوعد بعسى، أو لعل دون تصريح.

الالوسي

تفسير : {أُذِنَ} أي رخص، وقرأ ابن عباس وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي {أذن} بالبناء للفاعل أي أذن الله تعالى {لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ} أي يقاتلهم المشركون والمأذون فيه القتال وهو في قوة المذكور لدلالة المذكور عليه دلالة نيرة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب {يُقَـٰتَلُونَ} على صيغة المبنى للفاعل أي يريدون أن يقاتلوا المشركين في المستقبل ويحرصون عليه فدلالته على المحذوف أنور {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} أي بسبب أنهم ظلموا. والمراد بالموصول أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم الذين في مكة فقد نقل الواحدي وغيره أن المشركين كانوا يؤذونهم وكانوا يؤتون النبـي عليه الصلاة والسلام بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه صلوات الله تعالى / وسلامه عليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت هذه الآية وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية على ما روى الحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري. وأخرج ابن جرير عن أبـي العالية أن أول آية نزلت فيه { أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } تفسير : [البقرة: 190] وفي «الإكليل» للحاكم أن أول آية نزلت في ذلك { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111]، وروى البيهقي في «الدلائل» وجماعة أنها نزلت في أناس مؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فاتبعهم كفار قريش فأذن الله تعالى لهم في قتالهم وعدم التصريح بالظالم لمزيد السخط تحاشياً عن ذكره. {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العدة وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين بل تغليبهم وإظهارهم عليهم، وقد أخرج الكلام على سنن الكبرياء فإن الرمزة والابتسامة من الملك الكبير كافية في تيقن الفوز بالمطلوب وقد أوكد تأكيداً بليغاً زيادة في توطين نفوس المؤمنين.

ابن عاشور

تفسير : جملة وقعت بدل اشتمال من جملة: {أية : إن الله يدافع}تفسير : [الحج: 38] لأن دفاع الله عن الناس يكون تارة بالإذن لهم بمقاتلة من أراد الله مدافعتهم عنهم فإنه إذا أذن لهم بمقاتلتهم كان متكفلاً لهم بالنصر. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم {أُذِن}بالبناء للنائب. وقرأه الباقون بالبناء إلى الفاعل. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر {يقاتَلون}ــــ بفتح التاء الفوقية ــــ مبنياً إلى المجهول. وقرأه البقية ــــ بكسر التاء ــــ مبنياً للفاعل. والذين يقاتلون مراد بهم المؤمنون على كلتا القراءتين لأنهم إذا قوتلوا فقد قاتَلوا. والقتال مستعمل في المعنى المجازي إما بمادته، وإما بصيغة المضي. فعلى قراءة ــــ فتح التاء ــــ فالمراد بالقتال فيه القتل المجازي، وهو الأذى. وأما على قراءة {يقاتِلون} ــــ بكسر التاء ــــ فصيغة المضي مستعملة مجازاً في التهيُّؤِ والاستعداد، أي أذن للذين تَهَيّئوا للقتال وانتظروا إذن الله. وذلك أنّ المشركين كانوا يُؤذون المؤمنين بمكة أذى شديداً فكان المسلمون يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومَر بالقتال، فلما هاجر نزلت هذه الآية بعد بيعة العقبة إذناً لهم بالتهيُّؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك كما يؤذن به قوله تعالى عقب هذا: {أية : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق}تفسير : [الحج: 40]. والباء في {بأنهم ظلموا} أراها متعلقة بــــ {أذن} لتضمينه معنى الإخبار، أي أخبرناهم بأنهم مظلومون. وهذا الإخبار كناية عن الإذن للدفاع لأنك إذا قلت لأحد: إنك مظلوم، فكأنك استعديته على ظالمه، وذكرته بوجوب الدفاع، وقرينة ذلك تعقيبه بقوله: {وإن الله على نصرهم لقدير}، ويكون قوله: {بأنهم ظلموا} نائب فاعل {أذن}على قراءة ضم الهمزة أو مفعولاً على قراءة ــــ فتح الهمزة ــــ. وذهب المفسرون إلى أن الباء سببية وأن المأذون به محذوف دل عليه قوله {يقاتلون،} أي أُذن لهم في القتال. وهذا يجري على كلتا القراءتين في قوله {يقاتلون} والتفسير الذي رأيتُه أنسبُ وأرشق. وجملة {وإن الله على نصرهم لقدير} عطف على جملة {أذن للذين يقاتلون} أي أذن لهم بذلك وذُكروا بقدرة الله على أن ينصرهم. وهذا وعد من الله بالنصر وارد على سنن كلام العظيم المقتدر بإيراد الوعد في صورة الإخبار بأن ذلك بمحل العلم منه ونحوه، كقولهم: عسى أن يكون كذا، أو أن عندنا خيراً، أو نحو ذلك، بحيث لا يبقى للمترقب شك في الفوز بمطلوبه. وتوكيد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيقه أو تعريض بتنزيلهم منزلة المتردد في ذلك لأنهم استبطأوا النصر.

الشنقيطي

تفسير : متعلق أذن محذوف في هذه الآية الكريمة: أي أذن لهم في القتال بدليل قوله: يقاتلون، وقد صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أذن للذين يقاتلون وهم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودل قوله: يقاتلون: على أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى والأعرج والمريض والضعيف والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ}تفسير : [النور: 61 والفتح: 17] الآية. وقوله جل وعلا: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}تفسير : [التوبة: 91] وقوله: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} الباء فيه سببية وهي من حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة. وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من أحكام الجهاد إلا مجرد الإذن لهم فيه ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على أحكام أخر زائدة على مطلق الإذن فهي مبينة عدم الاقتصار، على الإذن كما هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله تبارك وتعالى لعظم حكمته في التشريع، إذ أراد أن يشرع أمراً شاقاً على النفوس كان تشريعه على سبيل التدريج، لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه مشقة عظيمة، على الذين كلفوا به قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على النفوس لما فيه من تعريضها لأسباب الموت، لأن القتال مع العدو الكافر القوي من أعظم أسباب الموت عادة، وإن كان الأجل محدوداً عند الله تعالى كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}تفسير : [آل عمران: 145] وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم، بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ}تفسير : [النساء: 77] ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه الملل أيضاً كما قال تعالى: {أية : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف: 11] قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه شرعه تدريجاً، فأذن فيه أولاً من غير إيجاب بقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} الآية. ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإذن فيه، أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}تفسير : [البقرة: 190] الآية. وهذا تدريج من الإذن إلى نوع خاص من الإيجاب، ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجاباً عاماً جازماً في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 36] وقوله: {أية : تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}تفسير : [الفتح: 16] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم: أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالاً غير ما ذكرنا. ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجاً. فذكر أولاً بعض معائبها كقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}تفسير : [البقرة: 219] ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثما أكثر مما فيها من النفع، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء: 43] الآية. فكانوا بعد نزولها، لا يشربونها إلا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة. وكذلك ما بين الصبح والظهر. وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات. فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريماً عاماً جازماً بقوله: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [المائدة: 90] إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] وكذلك الصوم، فإنه لما كان الإمساك عن شهوة الفرج والبطن شاقاً على النفوس، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجاً فخير أولاً بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}تفسير : [البقرة: 184] فلما استأنست النفوس به في الجملة، أوجبه أيضاً إيجاباً عاماً جازماً بقوله: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] الآية وقال بعض أهل العلم: التدريج في تشريع الصوم على ثلاث مراحل كما قبله قالوا: أوجب عليهم أولاً صوماً خفيفاً لا مشقة فيه وهو صوم يوم عاشوراء وثلاثة من كل شهر، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجاً على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفاً، هكذا قالته جماعات من أهل العلم، وله اتجاه والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} يشير إلى معنيين. أحدهما: أن فيه الإشارة إلى وعده للنبي وأصحابه، بالنصر على أعدائهم كما قال قبله قريباً: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [الحج: 38]. والمعنى الثاني: أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال لقدرته على إهلاكهم بما شاء، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكهم إياهم، ولكنه شرع الجهاد لحكم منها اختبار الصادق في إيمانه، وغير الصادق فيه، ومنها تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل الله بقتل الكفار لشهداء المسلمين، ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل الله. كما أشار تعالى إلى حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات من كتابه، كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}تفسير : [محمد: 4] وكقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179] الآية وقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [التوبة: 16] وقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 142] وقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}تفسير : [محمد: 31] إلى غير ذلك من الآيات وكقوله تعالى في حكمة الابتلاء المذكور، وتسهيل الشهادة في سبيله: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 140-141] وقرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو وعاصم: أذن بضم الهمزة وكسر الذال مبنياً للمفعول، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة مبنياً للفاعل: أي أذن الله للذين يقاتلون، وقرأ نافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: يقاتلون بفتح التاء مبنياً للمفعول، وقرأ الباقون بكسر التاء مبنياً للفاعل.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُقَاتَلُونَ} (39) - هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الجِهَادِ، وَقَدْ نَزلَتْ بَعْدَ خُروجِ النَّبِيِّ عليهِ السَّلاَمُ وَأَصْحَابِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ ظَلَمُوا المُسْلِمينَ فِي مَكَّةَ، وأَخْرَجُوهُم مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرٍ حَقٍّ، وَلاَ ذَنْبَ لَهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالله، وَقَالُوا: رَبُّنَا اللهُ. وَلِذَلِكَ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى للمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ، دَفْعاً لأَذَاهُم، وإِضْعَافاً لِشَوْكَتِهِم، وتَشْجِيعاً لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ عَلَى الالْتِحَاقِ بِالمُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا قُوَّةً تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِها، وَتُرْهِبُ أعْدَاءَهَا الكفَّارَ، وإِنَّ اللهَ قَادِرٌ وَحْدَهُ عَلَى نَصْرِ المُسْلِمِينَ دُونَ عَوْنٍ مِنْهَمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَبْذُلُوا جُهْدَهُم فِي طَاعَةِ رَبِّهِم، وأَن يَقُومُوا بِوَاجِبِهِم فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَنْفِسِهِم وَدِينِهِِم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ودفاع الحق سبحانه عن الحق يأخذ صوراً متعددة، فأوَّل هذا الدفاع: أنْ أَذِن لهم في أنْ يقاتلوا. ثانياً: أمرهم بإعداد القوة للقتال: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ ..} تفسير : [الأنفال: 60]. والمراد أنْ يأخذوا بكل أسباب النصر على عدوهم، وأن يستنفدوا كل ما لديهم من وسائل، فإنِ استنفدتم وسائلكم، أتدخَّل أنا بجنود من عندي لا ترونها، فليس معنى أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن تدخُلَ السماء لحمايتهم وهم جالسون في بيوتهم، لا إنما يأخذون بأسباب القوة ويسعَوْنَ ويبادرون هم أولاً إلى أسباب النصر. ومعنى {أُذِنَ ..} [الحج: 39] أنهم كانوا ينتظرون الأمر بالقتال، ويستشرفون للنصر على الأعداء، لكن لم يُؤذَن لهم في ذلك، فلما أراد الله لهم أنْ يقاتلوا أَذن لهم فيه، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]. وعِلّة القتال أنهم ظُلِموا، لذلك أمرهم ربهم - تبارك وتعالى - أنْ يقاتلوا، لكن لا يعتدوا، كما قال سبحانه: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 190-191]. إذن: أمرهم أولاً بالصبر، وفي المرحلة الأولى بأنْ يقاتلوا لِردِّ العدوان، وللدفاع عن أنفسِهم دون أنْ يعتدوا، وفي المرحلة الثانية سيقول لهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [التوبة: 123]. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] بأسباب يُمكِّنهم منها، أو بغير أسباب فتأتيهم قوة خفية لا يروْنها، وقد رأوا نماذج من ذلك فعلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نيل الوصال بالقتال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} [الحج: 39] إشارة إلى أن قتال الكفار بغير إذن الله لا يجوز، ولهذا لمَّا ذكر موسى عليه السلام القبطي الكافر، وقتله قال: هذا من عمل الشيطان؛ لأنه ما كان مأذوناً من الله تعالى في ذلك، وبهذا المعنى يشير إلى أن الصلاح في قتل كافر النفس وجهادها أن يكون بإذن الله تعالى على وفق الشرع، وأوانه وهو بعد البلوغ، فإن قبل البلوغ يحمل المجاهدة باستكمال الشخص الإنساني الذي هو حامل أعباء الشريعة، ولهذا لم يكن مكلفاً قبل البلوغ، وينبغي أن يكون المجاهدة محفوظة عن طرفي التفريط والإفراط، بل يكون على حسب ظلم النفس على القلب باستيلائها عليه فيما يضره من اشتغالها بمخالفة الشريعة وموافقة الطبيعة في استيفاء حظوظها وشهواتها من ملاذ الدنيا، فإن منها يتولد دين مرآة القلب وقسوته واسوداده، وإن ارتضت النفس، وتزكَّت عن زعيم صفاتها، وانقادت للشريعة، وتركت طبيعتها، واطمأنت إلى ذكر الله واستعدت لقبول جذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر: 28] نصان من فرج المجاهدة، ولكن لا يؤمن من مكر الله المودع في مكر النفس بقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] يشير إلى أن الإنسان لا يقدر على قهر النفس وتزكيتها بالجهاد المعدل إلا بنصر الله. ثم أخبر عن معنى الظلم ووصف المظلوم الذي مأذون بالجهاد فقال: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} [الحج: 40] يشير به إلى القلوب التي أخرجها النفوس بالاستيلاء عن مقاماتها بتبديل أخلاقها، وهي اطمئنانها بذكر الله تعالى، فباستتباعها جعلها متصفة بصفاتها، وهي ما أخبر عنها بقوله تعالى: {أية : وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} تفسير : [يونس: 7] فللقلوب المظلومة أن يجاهدوا النفس الظالمة المتمردة {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} [الحج: 40] أي: ترجع النفوس عن الظلم الذي من شيم النفوس، واستسلمت لأحكام الله تعالى. وبقوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الحج: 40] يشير به تعالى: لو لم ينصر القلوب على النفوس، ويدافع عن القلوب باستيلاء النفوس {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} [الحج: 40] أركان الشريعة {وَبِيَعٌ} [الحج: 40] آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب المنورة بنور الله {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ} [الحج: 40] القلوب على النفوس، فإنها من ينصره بقبول الفيض منه، واتفاقه على ما عداه من الأعضاء الرئيسية والحسيسة {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} [الحج: 40] في النصرة والانتصار {عَزِيزٌ} [الحج: 40] في الانتصار منه. ثم وصفت القلوب المنصورة بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الحج: 41] أرض البشرية {أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الحج: 41] استداموا المواصلات {وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ} [الحج: 41] زكاة الأحوال وهي: أن يكون من يأتي النفس من أنفاسهم مائة وتسعة وتسعون ونصف جزاؤهم، والباقي إيثار على خلق الله في الله مهما كان زكاة الأغنياء من مائتي درهم خمسة للفقراء والباقي لهم {وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ} [الحج: 41] حفظ الحواس عن مخالفة أحوال أمره، ومراعاة الأنفاس معه إجلالاً لقدره {وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [الحج: 41] ومن وجوه المنكرات الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} [الحج: 41] أمور المعاملات كلها منهم راجعة إلى الله تعالى في طلبه والوصول به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ } يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم. { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } فليستنصروه، وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } أي: ألجئوا إلى الخروج بالأذية والفتنة { بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا } أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم { أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } أي: إلا أنهم وحدوا الله، وعبدوه مخلصين له الدين، فإن كان هذا ذنبا، فهو ذنبهم كقوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } تفسير : وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله، وذب الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فيدفع الله بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين، { لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ } أي: لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين، { يُذْكَرَ فِيهَا } أي: في هذه المعابد { اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } تقام فيها الصلوات، وتتلى فيها كتب الله، ويذكر فيها اسم الله بأنواع الذكر، فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لاستولى الكفار على المسلمين، فخربوا معابدهم، وفتنوهم عن دينهم، فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود لغيره، ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين، قال الله تعالى: {أية : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }. تفسير : فإن قلت: نرى الآن مساجد المسلمين عامرة لم تخرب، مع أنها كثير منها إمارة صغيرة، وحكومة غير منظمة، مع أنهم لا يدان لهم بقتال من جاورهم من الإفرنج، بل نرى المساجد التي تحت ولايتهم وسيطرتهم عامرة، وأهلها آمنون مطمئنون، مع قدرة ولاتهم من الكفار على هدمها، والله أخبر أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لهدمت هذه المعابد، ونحن لا نشاهد دفعا. أجيب بأن هذا السؤال والاستشكال، داخل في عموم هذه الآية وفرد من أفرادها، فإن من عرف أحوال الدول الآن ونظامها، وأنها تعتبر كل أمة وجنس تحت ولايتها، وداخل في حكمها، تعتبره عضوا من أعضاء المملكة، وجزء من أجزاء الحكومة، سواء كانت تلك الأمة مقتدرة بعددها أو عددها، أو مالها، أو عملها، أو خدمتها، فتراعي الحكومات مصالح ذلك الشعب، الدينية والدنيوية، وتخشى إن لم تفعل ذلك أن يختل نظامها، وتفقد بعض أركانها، فيقوم من أمر الدين بهذا السبب ما يقوم، خصوصا المساجد، فإنها -ولله الحمد- في غاية الانتظام، حتى في عواصم الدول الكبار. وتراعي تلك الدول الحكومات المستقلة، نظرا لخواطر رعاياهم المسلمين، مع وجود التحاسد والتباغض بين دول النصارى، الذي أخبر الله أنه لا يزال إلى يوم القيامة، فتبقى الحكومة المسلمة، التي لا تقدر تدافع عن نفسها، سالمة من [كثير] ضررهم، لقيام الحسد عندهم، فلا يقدر أحدهم أن يمد يده عليها، خوفا من احتمائها بالآخر، مع أن الله تعالى لا بد أن يري عباده من نصر الإسلام والمسلمين، ما قد وعد به في كتابه. وقد ظهرت -ولله الحمد- أسبابه [بشعور المسلمين بضرورة رجوعهم إلى دينهم والشعور مبدأ العمل] فنحمده ونسأله أن يتم نعمته، ولهذا قال في وعده الصادق المطابق للواقع: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } أي: يقوم بنصر دينه، مخلصا له في ذلك، يقاتل في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا. { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: كامل القوة، عزيز لا يرام، قد قهر الخلائق، وأخذ بنواصيهم، فأبشروا، يا معشر المسلمين، فإنكم وإن ضعف عددكم وعددكم، وقوي عدد عدوكم وعدتهم فإن ركنكم القوي العزيز، ومعتمدكم على من خلقكم وخلق ما تعملون، فاعملوا بالأسباب المأمور بها، ثم اطلبوا منه نصركم، فلا بد أن ينصركم. {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } تفسير : وقوموا، أيها المسلمون، بحق الإيمان والعمل الصالح، فقد {أية : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }. تفسير : ثم ذكر علامة من ينصره، وبها يعرف، أن من ادعى أنه ينصر الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب فقال: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ } أي: ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض، { أَقَامُوا الصَّلاةَ } في أوقاتها، وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات. { وَآتُوا الزَّكَاةَ } التي عليهم خصوصا، وعلى رعيتهم عموما، آتوها أهلها، الذين هم أهلها، { وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ } وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعا وعقلا من حقوق الله، وحقوق الآدميين، { وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } كل منكر شرعا وعقلا معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعا، أو غير مقدر، كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له، لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به. { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } أي: جميع الأمور، ترجع إلى الله، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى، فمن سلطه الله على العباد من الملوك، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، والحالة الرشيدة، ومن تسلط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصل له ملك موقت، فإن عاقبته غير حميدة، فولايته مشئومة، وعاقبته مذمومة. __________

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 690 : 30 : 23 - سفين عن الأعمش في قوله {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} قال، هي أول آية نزلت في القتال. [الآية 39].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ [ظُلِمُواْ]} [39] 365 - أنا عبدُ الرحمن بن محمد بن سلامٍ، نا إسحاق الأزرقُ، نا سُفيانُ، عن الأعمش، عن مُسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مكة. قال أبو بكرٍ: أَخرجُوا نبيهم إنا للهِ وإنا إليه راجعون لنهلكنَّ فنزلت {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فعرفتُ أنهُ سيكون قتالٌ. قال: قال ابن عباسٍ: فهي أولُ آية نزلت في القتالِ. 366 -/ أخبرني زكريا بنُ يحيى، نا محمدُ بنُ يحيى، نا محمدُ بن عبدِ العزيز بنُ أبي رِزمةَ، نا سلمُويه أبو صالحٍ، أنا عبدُ اللهِ، عن يُونس، عن الزهري، قال: فكان أول آية نزلت في القِتالِ كما أخبرني عُروةُ، عن عائشة {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} إلى قولهِ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [الحج: 40] ثُم أُذن بالقتالِ في آيٍ كثيرٍ من القرآنِ.

همام الصنعاني

تفسير : 1936- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}: [الآية: 39]، قال: هي أول آية نزلت في القتال فأذن لهم أن يقاتلوا. 1937- عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقرأ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}: [الآية: 39]، قال: وهي أول آية نزلت في القتال.