Verse. 2635 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

الَّذِيْنَ اُخْرِجُوْا مِنْ دِيَارِہِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلَّاۗ اَنْ يَّقُوْلُوْا رَبُّنَا اؙ۝۰ۭ وَلَوْلَا دَفْعُ اللہِ النَّاسَ بَعْضَہُمْ بِبَعْضٍ لَّہُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَّصَلَوٰتٌ وَّمَسٰجِدُ يُذْكَرُ فِيْہَا اسْمُ اللہِ كَثِيْرًا۝۰ۭ وَلَيَنْصُرَنَّ اللہُ مَنْ يَّنْصُرُہٗ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَقَوِيٌّ عَزِيْزٌ۝۴۰
Allatheena okhrijoo min diyarihim bighayri haqqin illa an yaqooloo rabbuna Allahu walawla dafAAu Allahi alnnasa baAAdahum bibaAAdin lahuddimat sawamiAAu wabiyaAAun wasalawatun wamasajidu yuthkaru feeha ismu Allahi katheeran walayansuranna Allahu man yansuruhu inna Allaha laqawiyyun AAazeezun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هم «الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق» في الإخراج، ما أخرجوا «إلا أن يقولوا» أي بقولهم «ربنا الله» وحده وهذا القول حق فالإخراج به إخراج بغير حق «ولولا دفع الله الناس بعضهم» بدل بعض من الناس «ببعض لهدمت» بالتشديد للتكثير وبالتخفيف «صوامع» للرهبان «وبيع» كنائس للنصارى «وصلوات» كنائس لليهود بالعبرانية «ومساجد» للمسلمين «يذكر فيها» أي المواضع المذكورة «اسم الله كثيرا» وتنقطع العبادات بخرابها «ولينصرن الله من ينصره» أي ينصر دينه «إن الله لقويٌ» على خلقه «عزيز» منيع في سلطانه وقدرته.

40

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم} هذا أحد ما ظلِموا به؛ وإنما أخرجوا لقولهم: ربنا الله وحده. فقوله: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} استثناء منقطع؛ أي لكن لقولهم ربنا الله؛ قاله سيبويه. وقال الفراء يجوز أن تكون في موضع خفض، يقدرها مردودة على الباء؛ وهو قول أبي إسحاق الزجاج، والمعنى عنده: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله؛ أي أخرجوا بتوحيدهم، أخرجهم أهل الأوثان. و{ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ} في موضع خفض بدلاً من قوله: {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}. الثانية: قال ابن العربيّ: قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بَيْعة العَقَبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلّ له الدماء؛ إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدّة عشرة أعوام؛ لإقامة حجة الله تعالى عليهم، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. فاستمرّ الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان، وكانت قريش قد اضطهدت مَن اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفَوْهم عن بلادهم؛ فمنهم من فرّ إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم مَن صَبَر على الأذى. فلما عَتَتْ قريش على الله تعالى وردّوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام، وعذبوا من آمن به ووحّده وعبده، وصدّق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه، أذِن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم، وأنزل {أذِن لِلذِين يقاتلون بِأنهم ظُلِموا ـ إلى قوله ـ الأُمُورِ}. الثالثة: في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من المُلجأ المُكره إلى الذي ألجأه وأكرهه؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار، لأن الكلام في معنى تقدير الذنب وإلزامه. وهذه الآية مثلُ قوله تعالى: {أية : إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [براءة: 40] والكلام فيهما واحد؛ وقد تقدّم في «براءة» والحمد لله. الرابعة: قوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطّلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرّغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدّم في الأمم، وبه صَلَحت الشرائع واجتمعت المتعبَّدات؛ فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوّى هذا الأمر في القتال بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ} الآية؛ أي لولا القتال والجهاد لتُغُلِّب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقي الدِّين الذي يذبّ عنه. وأيضاً هذه المواضع التي اتّخذِت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى؛ أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبِيع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد. {لَّهُدِّمَتْ} من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفارَ عن التابعين فمن بعدهم. وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال ألْيق؛ كما تقدّم. وقال مجاهد: لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. وقالت فرقة: ولولا دفع الله ظلم الظّلمة بعدل الولاة. وقال أبو الدَّرْداء: لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن لا يغزو، لأتاهم العذاب. وقالت فرقة: ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسِّر لمعنى الآية؛ وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعاً من الناس ومدفوعاً عنه، فتأمله. الخامسة: قال ابن خُوَيْزمَنْداد: تضمّنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبِيعهم وبيوت نيرانهم، ولا يُتركون أن يحدِثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في البنيان لا سَعة ولا ارتفاعاً، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. ويُنقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس. وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة؛ لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة. ولا يجوز أن يمكَّنوا من الزيادة لأن في ذلك إظهارَ أسباب الكفر. وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه؛ وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم. السادسة: قرىء «لَهَدِمَتْ» بتخفيف الدال وتشديدها. {صَوَامِعُ} جمع صَوْمعة، وزنها فَوْعلة، وهي بناء مرتفعٌ حديدُ الأعلى؛ يقال: صمّع الثريدة، أي رفع رأسها وحدّده. ورجل أصمع القلب أي حادّ الفِطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول. وقيل: هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعبّاد الصابئين ـ قاله قتادة ـ ثم استعمل في مئذنة المسلمين. والبِيَع جمع بِيعة، وهي كنيسة النصارى. وقال الطبريّ: قيل هي كنائس اليهود؛ ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك. {وَصَلَوَاتٌ} قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود؛ وهي بالعبرانية صَلُوتا. وقال أبو عبيدة: الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، تسمّى صلوتا فعرّبت فقيل صلوات. وفي «صلوات» تسع قراءات ذكرها ابن عطية: صُلْوات، صَلْوات، صِلْوات، صُلُولى على وزن فعولى، صُلُوب بالباء بواحدة جمع صليب، صُلُوث بالثاء المثلثة على وزن فُعول، صُلُوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو، صُلُوثا بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء المثلثة، (صِلْوِيثَا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف). وذكر النحاس: وروى عن عاصم الجَحْدَرِيّ أنه قرأ «وصلوب». وروي عن الضحاك «وَصلُوث» بالثاء معجمة بثلاث؛ ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها. قلت: فعلى هذا تجيء هنا اثني عشر قراءات. وقال ابن عباس: الصلوات الكنائس. أبو العالية: الصلوات مساجد الصابئين. ابن زيد: هي صلوات المسلمين تنقطع إذا دخل عليهم العدوّ وتهدم المساجد؛ فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث تُعَطل، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف. وعلى قول ابن عباس والزجاج وغيرِهم يكون الهدم حقيقة. وقال الحسن: هدم الصلوات تركها. قُطْرُب: هي الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد. وذهب خَصِيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم. فالصوامع للرهبان، والبِيَع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين. قال ابن عطية: والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبَّدات. وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها، إلا البِيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب. ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر. ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع. وقال النحاس: «يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ» الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون «يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ» عائداً على المساجد لا على غيرها؛ لأن الضمير يليها. ويجوز أن يعود على «صوامع» وما بعدها؛ ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق. السابعة: فإن قيل: لِم قدّمت مساجد أهل الذمّة ومصلّياتهم على مساجد المسلمين؟ قيل: لأنها أقدم بناء. وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر؛ كما أخر السابق في قوله: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر: 32]. الثامنة: قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي من ينصر دينَه ونبيَّه. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} أي قادر. قال الخطابيّ: القَوِيّ يكون بمعنى القادر، ومن قَوِي على شيء فقد قدر عليه. {عَزِيزٌ } أي جليل شريف؛ قاله الزجاج. وقيل الممتنع الذي لا يرام؛ وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} يعني مكة. {بِغَيْرِ حَقٍّ} بغير موجب استحقوه به. {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} على طريقة قول النابغة:شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ تفسير : وقيل منقطع. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين. {لَّهُدّمَتْ} لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل، وقرأ نافع {دفاع} وقرأ نافع وابن كثير {لَّهُدّمَتْ} بالتخفيف. {صَوٰمِعُ } صوامع الرهبانية. {وَبِيَعٌ } بيع النصارى. {وَصَلَوٰتٌ} كنائس اليهود، سميت بها لأنها يصلى فيها، وقيل أصلها صلوتا بالعبرانية فعربت. {وَمَسَـٰجِدُ } مساجد المسلمين. {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } صفة للأربع أو لمساجد خصت بها تفضيلاً. {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } من ينصر دينه، وقد أنجز وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ } على نصرهم. {عَزِيزٌ } لا يمانعه شيء. {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } وصف للذين أخرجوا وهو ثناء قبل بلاء، وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. وقيل بدل ممن ينصره. {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ} فإن مرجعها إلى حكمه، وفيه تأكيد لما وعده. {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وِأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ} تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن قومه إن كذبوه فهو ليس بأحودي في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه. {وَكُذِّبَ مُوسَىٰ} غير فيه النظم وبنى الفعل للمفعول لأن قومه بنو إسرائيل، ولم يكذبوه وإنما كذبه القبط ولأن تكذيبه كان أشنع وآياته كانت أعظم وأشيع. {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } فأمهلتهم حتى انصرمت آجالهم المقدرة. {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة والحياة هلاكاً والعمارة خراباً. {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } بإهلاك أهلها، وقرأ البصريان بغير لفظ التعظيم. {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } أي أهلها. {فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فيكون الجار متعلقاً بـ {خَاوِيَةٌ}، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر أي هي خالية وهي على عروشها أي: مطلة عليها بأن سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها، والجملة معطوفة على {أَهْلَكْنَـٰهَا } لا على {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } فإنها حال والإِهلاك ليس حال خوائها فلا محل لها إن نصبت كأي بمقدر يفسره {أَهْلَكْنَـٰهَا} وإن رفعته بالإِبتداء فمحلها الرفع. {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } عطف على {قَرْيَةٍ} أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها، وقرىء بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه، وذلك يقوي أن معنى {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } خالية مع بقاء عروشها، وقيل المراد بـ {بئر} بئر في سفح جبل بحضرموت وبقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من قوم صالح فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا، وهم وإن كانوا قد سافروا فلم يسافروا لذلك. {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال. {أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم. {فَإِنَّهَا } الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. وفي {تَعْمَى } راجع إليه والظاهر أقيم مقامه. {لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } عن الاعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد، وذكر {ٱلصُّدُورِ } للتأكيد ونفي التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يخص البصر. قيل لما نزل {أية : وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ }تفسير : [الإسراء: 72] قال ابن أم مكتوم يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ }تفسير : [الحج: 46] {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } المتوعد به. {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين لكنه صبور لا يعجل بالعقوبة. {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } بيان لتناهي صبره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال، أو لتمادي عذابه وطول أيامه حقيقة، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإِعراب، ورجع للضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل وإنما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو، لأن الأولى بدل من قوله {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } وهذه في حكم ما تقدمها من الجملتين لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة وأن تأخيره لعادته تعالى. {أَمْلَيْتُ لَهَا } كما أمهلتكم. {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } مثلكم. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب. {وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } وإلى حكمي مرجع الجميع. {قُلْ يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أوضح لكم ما أنذركم به، والاقتصار على الإِنذار مع عموم الخطاب وذكر الفريقين لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم. {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لما بدر منهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هي الجنة والـ {كَرِيمٌ} من كل نوع ما يجمع فضائله.

المحلي و السيوطي

تفسير : وهم {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } في الإِخراج،ما أخرجوا {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ } أي بقولهم {رَبُّنَا ٱللَّهُ } وحده وهذا القول حق فالإِخراج به إخراج بغير حقَ {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم } بدل بعض من الناس {بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ } بالتشديد للتكثير وبالتخفيف {صَوٰمِعُ } للرهبان {وَبِيَعٌ } كنائس للنصارى {وَصَلَوٰتٌ } كنائس لليهود بالعبرانية {وَمَسَٰجِدُ } للمسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا } أي المواضع المذكورة {ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } وتنقطع العبادات بخرابها {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي ينصر دينه {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ } على خلقه {عَزِيزٌ } منيع في سلطانه وقدرته.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} دفع المشركين بالمسلمين، أو عن الدين بالمجاهدين، أو بالنبيين عن المؤمنين، أو بالصحابة عن التابعين، أو دفعه عن الحقوق بالشهود قاله مجاهد، أو عن النفوس بالقصاص {صَوَامِعُ} الرهبان، أو مصلى الصابئة سُميت بذلك لانصمام طرفيها، المتصمع المنصم ومنه أذن صمعاء، {وَبِيَعٌ} النصارى، أو كنائس اليهود، {وَصَلَوَاتٌ} كنائس اليهود يسمونها صلوتاً فعرب، أو تركت صلوات {وَمَسَاجِدُ} المسلمين، لَهَدَمها المشركون الآن لولا دفع الله بالمسلمين، أو لهدمت صوامع أيام شرع موسى، وبيع أيام شرع عيسى ومساجد أيام شرع محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين يعني لهدم في كل شريعة الموضع الذي يعبد الله ـ تعالى ـ فيه.

النسفي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } في محل جر بدل من {الذين} أو نصب بـ «أعني» أو رفع بإضمارهم {أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم } بمكة {بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب التمكين لا موجب الإخراج ومثله {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 59] ومحل أن يقولوا جر بدل من {حق} والمعنى ما أخرجوا من ديارهم إلا بسبب قولهم {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ } {دفاع} مدني ويعقوب {ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ } وبالتخفيف حجازي {صَوٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ } أي لولا إظهاره وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعاً ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات أي كنائس. ــ وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها ــ ولا للمسلمين مساجد، أو لغلب المشركون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين، وقدم غير المساجد عليها لتقدمها وجوداً أو لقربها من التهديم {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } في المساجد أو في جميع ما تقدم {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي ينصر دينه وأوليائه {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ } على نصر أوليائه {عَزِيزٌ } على انتقام أعدائه. {ٱلَّذِينَ } محله نصب بدل من {من ينصره} أو جر تابع لـ {الذين أخرجوا} { إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَاتَوُاْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} هو إخبار من الله عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا وكيف يقومون بأمر الدين، وفيه دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله عز وجل أعطاهم التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن الحسن: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي مرجعها إلى حكمه وتقديره، وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم} يريد كُلَّ مَنْ خرج من مكة وآذاه أهلها حتى أخرجوه بإذايتهم، - طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة -، ونسب الإخراج إلى الكفار؛ لأَنَّ الكلام في معرض تقرير الذنب، وإلزامه لهم. وقوله: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} استثناءٌ مُنْقَطِعٌ. قال * ص *: وأجاز أبو إسحاق وغيرُه أنْ يكون في موضع جَرٍّ بدلاً من حَقَّ، أي: بغير مُوجِبٍ سوى التوحيدِ الذي ينبغي أن يكونُ مُوجِبَ الإقرار، لا مُوجِبَ الإِخراج، ومثله: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [المائدة:59] انتهى، وهو حَسَنٌ من حيث المعنى، والانتقاد عليه مُزَيَّفٌ. وقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ} الآية تقوية للأمر بالقتال، وذكر أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في الأمم، وبه صَلُحَتِ الشرائع، فكأنه قال: أُذِنَ في القتال، فليقاتلِ المؤمنون، ولولا القتالُ والجهادُ لَتُغُلِّبَ على الحَقِّ في كُلِّ أُمَّةٍ، هذا أصوب تأويلات الآية، والصومعة: موضع العبادة، وهي بِنَاءٌ مرتفع، منفرد، حديد الأعلى، والأصمع من الرجال: الحديد القول، وكانت قبل الإسلام مُخْتَصَّةً برهبان النصارى، وعُبَّادِ الصابئين؛ قاله قتادة، ثم اسْتُعْمِلَتْ في مئذنة المسلمين، والبِيَعُ: كنائس النصارى، واحدتها: بِيعَةٌ. وقال الطبري: قيل: هي كنائس اليهود، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، والصلوات مشتركة لكل مِلَّةٍ؛ واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطيلها، أو أرادَ موضع صلواتٍ، وقال أبو العالية: الصلوات مساجد الصابئين، وقيل: غير هذا. وقوله: {يُذْكَرُ فِيهَا} الضمير عائد على جميع ما تَقَدَّمَ، ثم وعد سبحانه بنُصْرَةِ دينه وشرعه، وفي ذلك حَضٌّ على القتال والجدِّ فيه، ثم الآية تَعُمُّ كل مَنْ نصر حقّاً إلى يوم القيامة. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةِ...} الآية: قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاءِ الأربعة، والعمومُ في هذا كله أبينُ، وبه يَتَّجِهُ الأمر في جميع الناس، وإنَّما الآية آخذة عهداً على كُلِّ مَنْ مُكِّنَ في الأرض على قَدْرِ ما مُكِّنَ، والآية أمكن ما هي في الملوك. وقوله سبحانه: {ولِلَّهِ عَاقِبَةِ ٱلأُمُورِ}: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس ‏ {‏الذين أخرجوا من ديارهم‏}‏ أي من مكة إلى المدينة ‏ {‏بغير حق‏} ‏ يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عثمان بن عفان قال‏:‏ فينا نزلت هذه الآية ‏ {‏الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق‏} ‏ والآية بعدها أخرجنا من ديارنا ‏{‏بغير حق‏}‏ ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهي لي ولأصحابي‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ثابت بن عوسجة الخضيري قال‏:‏ حدثني سبعة وعشرون من أصحاب علي وعبدالله، منهم لاحق بن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظي أن علياً قال‏:‏ إنما نزلت هذه الآية في أصحاب محمد ‏ {‏ولولا دفع الله الناس‏}‏ قال‏:‏ لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين، لهدمت صوامع‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏ولولا دفع الله الناس‏} ‏ بغير الألف‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ‏ {‏ولولا دفع الله الناس‏}‏‏.‏ قال‏:‏ لولا القتال والجهاد‏. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في الآية‏.‏ قال‏:‏ دفع المشركون بالمسلمين‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال‏:‏ منع بعضهم ببعض في الشهادة وفي الحق، وفيما يكون مثل هذا يقول‏:‏ لولا هذا لهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لهدّمت صوامع‏}‏‏.‏ قال‏:‏ الصوامع التي تكون فيها الرهبان، والبيع مساجد اليهود، وصلوات كنائس النصارى، والمساجد مساجد المسلمين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عباس قال‏:‏ البيع بيع النصارى، وصلوات كنائس اليهود‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال‏:‏ صلوات كنائس اليهود يسمون الكنيسة صلاة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عاصم الجحدري أنه قرأ ‏ {‏وصلوات‏} ‏ قال‏:‏ الصلوات دون الصوامع‏.‏ قال‏:‏ وكيف تهدم الصلاة‏!‏ وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية قال‏:‏ البيع بيع النصارى، والصلوات‏:‏ بيع صغار للنصارى‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية قال‏:‏ صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات مساجد الصابئين‏:‏ يسمونها بصلوات‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله ‏ {‏صوامع‏} ‏ قال‏:‏ هي للصابئين وبيع للنصارى، وصلوات كنائس اليهود، ومساجد للمسلمين‏. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية‏. قال‏:‏ الصوامع صوامع الرهبان، وبيع كنائس وصلوات ومساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ وصلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو‏.‏ تنقطع العبادة من المساجد‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏يذكر فيها اسم الله كثيرا‏ً}‏ يعني في كل مما ذكر، من الصوامع‏.‏ والصلوات والمساجد يقول‏:‏ في كل هذا يذكر اسم الله، ولم يخص المساجد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ‏ {‏الذين إن مكناهم في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ‏ {‏الذين إن مكناهم في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ هم الولاة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏الذين إن مكناهم في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أرض المدينة ‏ {‏أقاموا الصلاة‏} ‏ قال‏:‏ المكتوبة‏.‏ ‏{‏وآتوا الزكاة‏} ‏ قال‏:‏ المفروضة ‏ {‏وأمروا بالمعروف‏} ‏ بلا إله إلا الله ‏{‏ونهوا عن المنكر‏} ‏ قال‏:‏ الشرك بالله ‏ {‏ولله عاقبة الأمور‏}‏ قال‏:‏ وعند الله ثواب ما صنعوا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية‏.‏ قال‏:‏ كان أمرهم بالمعروف، أنهم دعوا إلى الله وحده، وعبادته لا شريك له، وكان نهيهم أنهم نهوا عن عبادة الشيطان‏.‏ وعبادة الأوثان‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏الذين إن مكناهم في الأرض‏}‏ قال‏:‏ هذا شرط الله على هذه الأمة، والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} في حيِّز الجرِّ على أنَّه صفةٌ للموصولِ الأوَّلِ أو بـيانٌ له أو بدلٌ منه أو في محلِّ النَّصبِ على المدحِ أو في محلِّ الرَّفعِ بإضمارِ مبتدأ والجملةُ مرفوعةً على المدح والمرادُ بديارِهم مكَّةُ المعظَّمةُ {بِغَيْرِ حَقّ} متعلِّقٌ بأُخرجوا أي أُخرجوا بغير ما يُوجب إخراجَهم وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} بدلٌ من حقَ أي بغير موجبٍ سوى التَّوحيدِ الذي ينبغي أنْ يكون مُوجباً للإقرارِ والتَّمكينِ دون الإخراجِ والتَّسيـير لكن لا على الظَّاهر بل على طريقة قولِ النَّابغةِ: [الطويل] شعر : ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ تفسير : وقيل الاستثناءُ منقطعٌ. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} بتسليطِ المؤمنين على الكافرين في كلِّ عصرٍ وزمانٍ. وقُرىء دِفاعُ {لَّهُدّمَتْ} لخُرِّبتْ باستيلاء المشركينَ على أهلِ الملل. وقُرىء هُدِمت بالتَّخفيفِ {صَوٰمِعُ} للرَّهابنةِ {وَبِيَعٌ} للنَّصارى {وَصَلَوٰتِ} أي وكنائسُ لليهودِ سُمِّيتْ بها لأنَّها يُصلَّى فيها وقيل أصلها صلوتا بالعبريَّةِ فعُرِّبتْ {وَمَسَـٰجِدُ} للمسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} أي ذكراً كثيراً أو وقتاً، صفةٌ مادحة للمساجدِ خُصَّت بها دلالةً على فضلها وفضلِ أهلها وقيل صفةٌ للأربعِ وليس كذلك فإنَّ بـيان ذكرِ الله عزَّ وجلَّ في الصَّوامعِ والبـيعِ والكنائسِ بعد انتساخِ شرعيَّتها ممَّا لا يقتضيه المقامُ ولا يرتضيه الأفهامُ {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي وباللَّهِ لينصرنَّ اللَّهُ من ينصر أولياءَهُ أو من ينصر دينَه ولقد أنجز اللَّهُ عزَّ سلطانُه وعدَهُ حيث سلَّطَ المهاجرين والأنصارَ على صناديدِ العربِ وأكاسرةِ العجمِ وقياصرةِ الرُّوم وأورثهم أرضَهم وديارَهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ} على كلِّ ما يُريده من مراداتهِ التي من جُملتها نصرُهم {عَزِيزٌ} لا يُمانعه شيءٌ ولا يُدافعه. {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَاتَوُاْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} وصفٌ من الله عزَّ وجلَّ للذين أُخرجوا من ديارِهم بما سيكون منهم من حسن السِّيرةِ عند تمكينه تعالى إيَّاهُم في الأرض وإعطائه إيَّاهم زمامَ الأحكامِ منبىءٌ عن عِدَّةٍ كريمة على أبلغ وجهٍ وألطفِه. وعن عثمانَ رضي الله عنه هذا واللَّهِ ثناءٌ قبل بلاءٍ. يُريد أنَّه تعالى أثنى عليهم قبلَ أنْ يُحدثوا من الخيرِ ما أحدثوا. قالُوا وفيه دليلٌ على صحَّة أمر الخلفاءِ الرَّاشدينَ لأنَّه تعالى لم يعطِ التَّمكينَ ونفاذَ الأمرِ مع السِّيرةِ العادلةِ غيرهم من المهاجرين ولا حظَّ في ذلك للأنصارِ والطُّلقاءِ. وعن الحسنِ رحمه الله هم أمةُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وقيل الذينَ بدلٌ من قولهِ مَنْ ينصرُه {وَللَّهِ} خاصَّةً {عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ} فإنَّ مرجعَها إلى حُكمهِ وتقديره فقط. وفيه تأكيدٌ للوعد بإظهار أوليائِه وإعلاءِ كلمتهِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}. المظلومُ منصورٌ ولو بعد حين، ودولة الحق تغلب دولة الباطل، والمظلومُ حميدُ العقبى، والظالمُ وشيك الانتقام منه بشديد البلوى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ}تفسير : [النمل: 52]. وقد يجري من النَّفْسِ وهواجِسها على القلوبِ لبعضِ الأولياءِ وأهل القصةِ - ظُلْمٌ، ويَحْصُلُ لِسُكَّانِ القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاءٌ، وتستولي غَاغَةُ النَّفْس، فتعمل في القلوب بالفساد بسبب استيطانِ الغفلة حتى تتداعى القلوبُ للخراب من طوارق الحقائق وشوارق الأحوال، كما قال قائلهم: شعر : أنعي إليكَ قلوباً طالما هَطَلَتْ سحائبُ الجودِ فيها أَبْحُرَ الحِكَم تفسير : فَيَهْزِمُ الحقُّ - سبحانه - بجنودِ الإقبال أرَاذِلَ الهواجسِ، وينصرُ عَسْكَرَ التحقيقِ بأَمْدَادِ الكشوفات. ويَتَجَدَّدُ دارسُ العهد، وتطْلُعُ شموسُ السَّعْدِ في ليالي الستر، وتُكْنَسُ القلوبُ وتتطهر من آثارِ ظُلْمَةِ النَّفْسِ، كما قيل: شعر : أطلالُ سُعْدَى باللِّوى تَتَجَدَّدُ تفسير : فإذا هبَّتْ على تلك القلوب رياحُ العناية، وزال عنها وهج النسيان سقاها الله صَوْبَ التجلِّي، وأنبت فيها أزهارَ البَسْط فيتضح فيها نهارُ الوَصْلِ، ثم يوجد فيها نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد. قوله جلّ ذكره: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. يتجاوز عن الأصاغر لِقَدْرِ الأكابر، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام.. وتلك سُنَّةٌ أجراها الله لاستنقاء منازل العبادة، واستصفاء مناهل العرفان. ولا تحويل لِسُنَّتهِ، ولا تبديل لكريم عادته.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين اخرجوا من ديارهم} فى حيز الجر على انه صفة للموصول، قال ابن الشيخ لما بين انهم انما اذنوا فى القتال لاجل انهم ظلموا فسر ذلك الظلم بقوله الذين الى آخره والمراد بديارهم مكة المعظمة وتسمى البلاد الديار لانه يدار فيها للتصرف يقال ديار بكر لبلادهم وتقول العرب الذين حوالى مكة نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلدة، قال الراغب الدار المنزل اعبارا بدور انها الذى لها بالحائط وقيل دارة وجمعها ديار ثم تسمى البلدة دارا {بغير حق} اى خرجوا بغير موجب استحقوا الخروج به فالحق مصدر قولك حق الشىء يحق بالكسر اى وجب {الا ان يقولوا ربنا الله} بدل من حق اى بغير موجب سوى التوحيد الذى ينبغى ان يكون موجبا للاقرار والتمكين دون الاخراج والتسبير لكن لاعلى الظاهر بل على طريقة قول النابغة شعر : ولاعيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين فى كل عصر وزمان {لهدمت} الهدم اسقاط البناء والتهديم للتكثير اى لخربت باستيلاء المشركين {صوامع} للرهبانية {وبيع} للنصارى وذلك فى زمان عيسى عليه السلام الصوامع جمع صومعة وهى موضع يتعبد فيه الرهبان وينفردون فيه لاجل العبادة، قال الراغب الصومعة كل بناء منصمع الرأس متلاصقة والاصمع اللاصق اذنه برأسه والبيع جمع بيعة وهى كنائس النصارى التى يبنونها فى البلدان ليجتمعوا فيها لاجل العبادة والصوامع لهم ايضا الا انهم يبنونها فى المواضع الخيالية كالجبال والصحارى، قال الراغب البيعة مصلى النصارى فان يكن ذلك عربيا فى الاصل فتسميته بذلك لما قال {أية : ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم}تفسير : الآية {وصلوات} كنائس لليهود فى ايام شريعة موسى عليه اسلام، قال الكاشفى [صومعهاى راهبان وكليساهى ترسايان وكنشتهاى جهودان] سميت بالصلوات لانها تصلى فيها، قال الراغب يسمى موضع العبادة بالصلاة ولذلك سميت الكنائس صلوات، وقال بعضهم هى كلمة معربة وهى بالعبرية "صلونا" بالثا المثلثة وهى فى لغتهم بمعنى المصلى {ومساجد} للمسلمين فى ايام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقدم ماسوى المساجد عليها فى الذكر لكونه اقدم فى الوجود بالنسبة اليها، وفى الاسئلة المقحمة تقديم الشىء بالذكر لا يدل على شرفه كقوله تعالى {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : {يذكر فيها اسم الله كثيرا} اى ذكرا كثيرا اووقتا كثيرا صفة مادحة للمساجد خصت بها دلالة على فضلها وفضل اهلها ويجوز ان يكون صفة للاربع لان الذكر فى الصوامع والبيع والصلوات كان معتبرا قبل انتساخ شرائع اهلها، وفى الآية اشارة الى انه تعالى لو لم ينصر القلوب على النفوس ويدافع عن القلوب استيلاء النفوس لهدمت صوامع اركان الشريعة وبيع آداب الطريقة وصلوات مقامات الحقيقة ومساجد القلوب التى يذكر فيها اسم الله كثيرا فان الذكر الكثير لا يتسع الا فى القلوب الواسعة المنورة بنور الله {ولينصرن الله من ينصره} اى بالله لينصرن الله من ينصر اولياءه او من ينصر دينه ولقد انجز الله وعده حيث سلط المهاجرين والانصار على صناديد العرب واكاسرة العجم وقياصرة الروم اورثهم ارضهم وديارهم {ان الله لقوى} على كل مايريده {عزيز} لا يمانعه شىء ولا يدافعه، وفى بحر العلوم يغنى بقدرته وعزته فى اهلاك اعداء دينه عنهم وانما كلفهم النصر باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح فى مجاهدة الاعداء وبذل الارواح والاموال لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الامر فيها الى منافع دينية ودنيوية، فان قلت فاذا كان الله قويا عزيزا غالبا غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات فما وجه انهزام المسلمين فى بعض وقد وعدهم النصرة، قلت ان النصرة والغلبة منصب شريف فلا يليق بحال الكفار لكن الله تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار واخرى على المؤمنين لانه لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الاوقات وازالها عن المؤمنين فى جميع الاوقات لحصل العلم الاضطرارى بان الايمان حق وماسواه باطل ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على اهل الايمان واخرى على اهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله ولان المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى فيكون تشديد المحنة عليه فى الدنيا كفارة له فى الدينا واما تشديد المحنة على الكافر فانه يكون غضبا من الله كالطاعون مثلا فانه رحمة للمؤمنين ورجز اى عذاب وغضب للكافرين، مر عامر برجل قد صلبه الحجاج قال يارب ان حلمك على الظالمين اضر بالمظلومين فرأى فى منامه ان القيامة قد قامت وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها فى اعلى عليين فاذا مناد ينادى حلمى على الظالمين احل المظلومين فى اعلى عليين، وعلم ان الله تعالى يدفع فى كل عصر مدبرا بمقبل ومبطلا بمحق وفرعونا بموسى ودجالا بعيسى فلا تستبطىء ولا تنضجر: قال الحافظ شعر : اسم اعظم بكند كارخود اى دل خوش باش كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود تفسير : قال بعض الكبار الامراء يقاتلون فى الظاهر واولياء الله فى الباطن فاذا كان الأمير فى قتاله محقا والطرف المقابل مستحقا للعقوبة اعانه رجال الغيب من الباطن والافلا، وفى التوراة فى حق هذه الامة اناجيلهم فى صدروهم اى يحفظون كتابهم لا يحضرون قتالا الا وجبريل عليه السلام معهم وهو يدل على ان كل قتال حق يحضره جبريل ونحوه الى قيام الساعة بل القتال اذا كان حقا قالواحد يغلب الالف: قال الحافظ شعر : تيغىكه آسمانش ازفيض خود دهد آب تنها جهان بكيرد بى منت ساهى

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ} بدل او صفة للّذين يقاتلون او للّذين آمنوا، او مبتدء خبره الّذين ان مكنّاهم او خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مبتدء خبرٍ محذوفٍ، او مفعول فعلٍ محذوفٍ {مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} من قبيل استثناء المديحة من الذّمائم ثانياً وتجرى الآية فى الأئمّة كالحسين (ع) واصحابه كما فى الاخبار وفى المؤمنين بشرائط الجهاد والدّفاع المقرّرة فى الكتب الفقهيّة {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} قرئ دفع الله من الثّلاثىّ المجرّد ودفاع الله من المفاعلة والجملة حاليّة او معطوفة وفيها معنى التّعليل لقوله {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} وقد سبق فى آخر سورة البقرة بيان وجوه هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} تفسير : [البقرة: 251]، {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} معابد النّصارى لرهبانهم قدّمها على سائر المعابد فى الذّكر لكونها حقّه الى زمان الرّسول (ص) وليشيوعها فى ذلك الزّمان ولاختصاصها بمن لم يكن له شغل سوى العبادة {وَبِيَعٌ} معابدهم المشتركة {وَصَلَوَاتٌ} معابد اليهود اصلها ثلوتا بالعبريّة فعرّب وجعل صلٰوة وجمع على الصّلوات، وقيل: الصّوامع معابد النّصارى فى الجبال والبرارى، والبيع معابدهم فى القرى، والصّلوات معابد اليهود لكونها يصلّى فيها، وقيل: الصّوامع معابد النّصارى، والبيع معابد اليهود، والصّلوات ايضاً معابد اليهود، وقيل: المراد بالصّلوات صلوات شريعة محمّدٍ (ص) من الصّلوات الخمس وغيرها {وَمَسَاجِدُ} يعنى لولا دفع الله النّاس بالوجوه السّابقة فى سورة البقرة لفسدت الارض وهُدّم ما كان يعبد فيه فى زمان كلّ نبىٍّ {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} وصف للمجموع او للمساجد خاصّة كأنّ غيرها لا يذكر فيها اسمه تعالى لاجل كون الشّرائع السّالفة منسوخة {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} عطف على قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [البقرة: 251] فانّه فى معنى وليدفعن الله، ونصرة العباد لله لا يكون الاّ بنصرة خلفائه فى العالم الكبير بطاعتهم والاقتداء بهم وتعظيمهم وتعظيم شرائعهم والاّ بنصرة خلفائه تعالى فى العالم الصّغير من الملك الزّاجر والعقل النّاهى والآمر واللّطيفة الانسانيّة الّتى هى خليفة الله فى الارض حقيقةً، ونصرة الله تعالى للعباد بالتّوسعة فى قلوبهم والتّوفيق لطاعاته وتهيّة اسباب الظّفر على اعدائه وعلى أعدائهم الظّاهرة والباطنة، ولمّا كان افعال العباد واوصافهم فعل الله الظّاهر فى مظاهر العباد كان نصرة العباد لله هى بعينها نصرة الله للعباد وجالبة لنصرة اخرى من الله كما انّ خذلان العباد للطّيفة الانسانيّة بعينه خذلان من الله للعباد وجالب لخذلانٍ آخر {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} فى مقام التّعليل لنصرة يعنى انّه قادر غير ضعيف عن النّصر {عَزِيزٌ} غالب لا مانع له من نفاذ امره.

فرات الكوفي

تفسير : {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إِلا أن يقولوا ربنا الله40} قال: حدّثني علي بن محمد بن عمر الزهري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله [تعالى. ر]: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إِلا أن يقولوا: ربنا الله} علي والحسن والحسين وجعفر وحمزة عليهم السلام. قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله [ر: قول الله]: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إِلا أن يقولوا ربنا الله} قال: نزل في علي [أمير المؤمنين. أ، ب] وجعفر وحمزة و جرت في الحسين بن علي عليهم السلام [والتحية والإكرام. أ، ر].

الهواري

تفسير : قوله: {الذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلآ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ} يقول: لما قال المسلمون لا إله إلا الله أنكرها المشركون وضاق بها إبليس وجنوده. قال الحسن: والله ما سفكوا لهم من دم، ولا أخذوا لهم من مال، ولا قطعوا لهم من رحم، وإنما أخرجوهم لأنهم قالوا ربنا الله. كقوله: (أية : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلآ أَن يُّؤُمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) تفسير : [البروج: 8]. قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أي: يدفع عن المؤمنين بدينهم، ويدفع عن الكافرين بالمؤمنين. وقال بعضهم: يبتلي المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن. قوله: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قال مجاهد: صوامع الرهبان، وقال بعضهم: الصوامع للصابين، قوله: {وَبِيَعٌ} أي: وكنائس النصارى، {وَصَلَوَاتٌ} أي: صلوات اليهود، أي: كنائسهم. {وَمَسَاجِدُ} يعني مساجد المسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً} يعني في المساجد. قوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ} أي: ولينصرن الله من ينصر دينه، يعني النصر في الدنيا، والحجة في الآخرة. {إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي: قوي في سلطانه، عزيز في نقمته. قوله: {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ} يعني أصحاب النبي عليه السلام. {أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} أي: بعبادة الله {وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ} أي: عن عبادة الأوثان {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} أي: إليه تصير الأمور. كقوله: (أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) تفسير : [مريم: 40].

اطفيش

تفسير : {الَّذينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم} أي مكة * {بِغَيْرِ حَقٍّ} نعت للذين أو خبر لمحذوف أو منصوب بمحذوف على المدح * {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ} منصوب على الاستثناء والاستثناء متصل اي اخرجوهم بغير حق موجب للاخراج فان كان لهم حق في الاخراج فما هو الا التوحيد الذي ينبغي ان يكون موجب الاقرار والتمكين لا الاخراج فذلك من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أو بدل من (غير) أو من قوله بغير على تقدير الباء أو مستثنى من (غير) وكل من هذا الابدال وهذا الاستثناء منقطع. قال الحسن: والله ما سفكوا لهم من دم ولا اخذوا لهم من مال ولا قطعوا لهم من رحم وانما اخرجوهم لقولهم: (ربنا الله)،{أية : وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد}تفسير : {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ} وقرأ أبو عمرو وابن كثير: (لولا دفع الله الناس) مفعول للمصدر المضاف للفاعل الذي هو (الله) {بَعْضَهُم} بدل بعض {بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ} يسلط المؤمنين من الامم وهذه الامة على المشركين بالجهاد أو المراد يسلط بعضا على بعض لاقامة الحق فيدخل فيه اقامة الحدود على المشرك والموحد والباء للامالة. وقال ابن هشام: المتعدية والاصل (دفع بعض الناس بعضا) ويرده انها لم تصير الفاعل مفعولا لانها دخلت على ما كان مفعولا والاحسن ان يقدر دفع الناس بعض بتقديم المفعول فتكون الباء داخلة على الفاعل الا ان يقال ليس تصير الفاعل بدخولها عليه مفعولا بلازم (لهدمت). وقرأ غير نافع قال أبو عمر والداني وغير ابن كثير بالتشديد أي للمبالغة والتكثير والمراد لهدم بالقصد وترك المعاهدة والعمارة حتى يكون الانهدام {صَوَامِعُ} جمع صومعة وهي بناء مرتفع منفرد رقيق الاعلى تتخذه الرهبان من النصارى واليهود لعبادة الله حين كثر فيهم الشرك والجور وذلك هو المراد في الآية ثم طال عليهم العهد ومات حملة العلم منهم فصاروا يتعبدون في الصوامع ويدخلون الشرك في افعالهم واقوالهم واعتقادهم والمسلمون بنوا الصوامع للاذان على هيئة صوامع الرهبان. وقيل: المراد صوامع رهبان النصارى وانها مختصة بهم. وزعم بعضهم ان المراد صوامع الصابئين ويرده انهم كفار لم يحسنوا اتباع التوراة ولا اتباع الانجيل فكيف تمدح صوامعهم. وادغم التاء في الصاد الكسائي وحمزة وابو عمرو وابن ذكوان {وبِيعَ} جمع بيعة وهي كنائس النصارى المؤمنين بان عيسى عبدالله ورسوله المصدقين بجميع الانبياء ولا نعمت عين لنصراني سواهم. وقال الطبري: هي كنائس اليهود عند بعض {وَصَلَوَاتٌ} كنائس اليهود سميت بذلك لانه يصلى فيها جمع صلاة. وقيل: كلمة مفردة معربة اصلها بالعبرانية صلوتا ويرده الصرف. وقال أبو العالية: وصلوات مساجد الصابئين. وقيل: الصلوات جمع صلاة بمعنى العبادة المخصوصة مشتركة فيها كل امة ويضعفة ان اسناد المهدومية إليها بناء في ذلك الا ان يقال باستعمال هدمت في الهدم فيما سواها وفي التعطيل في جانبها استعمالا للكلمة في حقيقتها ومجازها أو باستعماله في الكل بمعنى مطلق التعطيل. {وَمَسَاجِدُ} مساجد هذه الامة آخرها نظرا لتأخير زمانها والمراد لولا تسليط الله المؤمنين على المشركين بالجهاد لاستولى المشركون على المؤمنين من كل أمة ولم يتركوا لهم متعبدا أو المراد صوامع من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبيعهم وصلواتهم أي لغلب المشركون على هؤلاء وعلى المسلمين فيهدمون متعبدات الكل {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} الضمير للكل فالجملة صفة للكل أو للمساجد فالجملة صفة لها خصت بها تفضيلا وفي الاية للامر بالقتال {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} ينصر دينه وأولياءه وقد انجز وعده وبر يمينه بان سلط المهاجرين والانصار رضي الله عنهم على صناديد العرب واكاسرة الفرس وقياصرة النصارى. واورثهم ارضهم وديارهم واموالهم وهذا النصر يعم كل من نصر دين الله إلى يوم القيامة {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ} في سلطانه على خلقه ينصر ناصره {عَزِيزٌ} في انتقامه لا يمنع مما اراد.

اطفيش

تفسير : {الَّذينَ} نعت للذين أو بدله أو بيانه "أية : وأن الله على نصرهم لقدير" تفسير : [الحج: 39] معترض، ولهذا الاعتراض حسن جعله منصوبا أو مرفوعا على المدح {أخْرجُوا} أخرجهم المشركون بالتضييق عليهم، لما كان التضييق عليهم بالإيذاء سببا للخروج، سمى إخراجا {مِنْ ديارهم بغَيْر حق} متعلق بأخرجوا، وهو مفيد لما أفاده قول بعض اخراجا ثابتا بغير حق، ولما أفاده قول بعض كائنين بغير حق مترتب عليهم بموجب إخراجه، فلا حاجة إليهما {إلى أن يقُولُوا ربنا الله} بدل من حق لتقدم النفى بغير قيل أو بدل من غير على تضمين أخرجوا معنى النفى، أى لمن يقروا فى ديارهم إلا بأن يقولوا الخ، وعلى الوجهين ذلك من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة، ولا عيب فيهم الخ كانه عد ربنا الله غير حق، وأجيز كون الاستثناء منقطعا. {لَوْلا دفع الله النَّاس بعْضَهم بِبَعْضٍ} فى الأمم السابقة متعلق بقوله: أذن، كأنه قيل قاتلوا الكفار، فانه لولا تسليط الله عز وجل المؤمنين على الكفار بالقتال {لَهُدِّمت صَوامعُ} هى متعبدات الرهبان من النصارى والصابئين حين كانوا على حق، وكانت للصابئين ملة حق كما دخلوا فى قوله تعالى: "أية : من آمن منهم" تفسير : [البقرة: 126] الخ والصومعة بناء رقيق إلا على كما تسمى مئذنة الإسلام صومعة إذ كانت كذلك {وبِيَعٌ} جمع بيعة وهى مصلى النصارى حين كانوا على الحق، ولا تختص بالرهبان، وقيل كنيسة اليهود، وزعم بعض أن المراد بالصوامع، والبيع متعبدات هؤلاء حال الإسلام، وأنها لمن فى حماية المسلمين منهم، ولو اتخذ بعضها المسلمون مسجدا، ونقول حاشى الله أن يعتنى بما للنصارى واليهود والصابئين من المتعبدات بعد بعثه صلى الله عليه وسلم، وقيل: لولا دفع ظلم المدعى ما ليس له بشهادة العدول المناقضين، أو بكون البينة عليه، وقيل: لولا دفع الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع العذاب بدعاء الأخيار: وقيل: لولا الدفع بالقصاص، وقيل: بالنبيين. {وصلوات} جمع صلاة كنيسة اليهود، وقيل متعبد النصارى دون البيعة، تسمية للمحل باسم الحال، وقيل المراد نفس الصلاة على تقدير، وعطلت صلوات، أو تضمين هدمت معنى عطلت، أو تقدير ومواضع صلوات، والتنكير ينافر ذلك، وقيل: هو مفرد أصله صلوتا بالإعجام والقصر، فعرب كما قيل بيع إن كان غريباً، كان من قوله تعالى: "أية : إن الله اشترى" تفسير : [التوبة: 111] الخ وهو نكرة، وإن كان علماً فصرفه لشبه الجمع. {ومساجد} للمسلمين، وفى اسمها تشريف بمزيد الخضوع بالسجود، وبأن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، وباختصاص المسلمين بالسجود ووقوعه فى الأمم قبلنا قليل، كقوله تعالى: "أية : يا مريم اقنتى" تفسير : [آل عمران: 43] الخ ذكرها لتأخر زمان هذه الأمة، وإنما أخر ما لليهود على ما للنصارى مع تقدمهم لمناسبة المساجد بلقظ الصلاة، أو ذلك ذكر للأشرف بعد الشريف، لأن البيع أكثر عبادة من الصوامع، وكنائس اليهود أكثر عبادة من البيع لطول زمانها، والمساجد أشرف من الكل، أو أخرت لتبعد من ذكر التهديد، أو لتجاور المدح فى قوله تعالى: {يُذكر فيها اسْمُ الله كَثِيراً} الى قوله: "أية : وللهِ عاقبة الأمور" تفسير : [الحج: 41] والمراد ذكراً كثيراً أولى من تقدير زماناً كثيراً والجملة نعت مساجد، أولى من جعله نعتاً للكل، إذ لا يخفى أن الاعتناء بالذكر فى ما قبل المساجد بعد البعثة خلاف الأصل، أنه لا يتصور إلا باعتبار بقاء بركة ما قبل البعثة، مع أن أكثر ما قبلها كفر إلا قليلا جداً. {ولينْصُرنَّ} والله لينصرن {اللَّهُ مَن ينْصُره} ينصر دينه أو أولياءه، وقد أنجز الله الوعْد بنصر المسلمين على مشركى العرب والأكاسرة والروم، وأورثهم أرضهم وديارهم {إنَّ الله لَقوىٌ} على ما أراد، منه نصر ناصره {عَزيزٌ} لا منع عما أراد.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} في حيز الجر على أنه صفة للموصول قبل، أو بيان له أو بدل منه أو في محل النصب على المدح أو في محل الرفع بإضمار مبتدأ، والجملة مرفوعة على المدح، والمراد الذين أخرجهم المشركون من مكة {بِغَيْرِ حَقّ} متعلق بالإخراج أي أخرجوا بغير ما يوجب إخراجهم. وجوز أن يكون صفة مصدر محذوف أي أخرجوا إخراجاً كائناً بهذه الصفة، واختار الطبرسي كونه في موضع الحال أي كائنين بغير حق مترتب عليهم يوجب إخراجهم. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} استثناء متصل من {حَقّ} و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر بدل منه لما في غير من معنى النفي، وحاصل المعنى لا موجب لإخراجهم إلا التوحيد وهو إذا أريد بالموجب الموجب النفس الأمري على حد قول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وجوز أن يكون الإبدال من غير وفي (أخرجوا) معنى النفي أي لم يقروا في ديارهم إلا بأن يقولوا الخ وهو كما ترى، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً وأوجبه أبو حيان أي ولكن أخرجوا بقولهم ربنا الله، وأوجب نصب ما بعد (إلا) كما أوجبوه في قولهم: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، ورد كونه متصلاً وكون ما بعد (إلا) بدلاً من {حَقّ} بما هو أشبه شيء بالمغالطة، ويفهم من كلامه جواز أن تكون (إلا) بمعنى سوى صفة لحق أي أخرجوا بغير حق سوى التوحيد، وحاصله أخرجوا بكونهم موحدين. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ وَبِيَعٌ} تحريض على القتال المأذون فيه بإفادة أنه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية لينتظم به الأمر وتقوم الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم فكأنه لما قيل: { أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ } تفسير : [الحج: 39] الخ قيل فليقاتل المؤمنون فلولا القتال وتسليط الله تعالى المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان لهدمت متعبداتهم ولذهبوا شذر مذر، وقيل: المعنى لولا دفع الله بعض الناس ببعض بتسليط مؤمني هذه الأمة على كفارها لهدمت المتعبدات المذكورة إلا أنه تعالى سلط المؤمنين على الكافرين فبقيت هذه المتعبدات بعضها للمؤمنين وبعضها لمن في حمايتهم من أهل الذمة وليس بذاك، وقال مجاهد: أي لولا دفع / ظلم قوم بشهادة العدول ونحو ذلك لهدمت الخ. وقال قوم: أي لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقالت فرقة: أي لولا دفع العذاب عن الأشرار بدعاء الأخيار، وقال قطرب: أي لولا الدفع بالقصاص عن النفوس. وقيل بالنبيين عليهم السلام عن المؤمنين والكل مما لا يقتضيه المقام ولا ترتضيه ذوو الأفهام. والصوامع جمع صومعه بوزن فعولة وهي بناء مرتفع حديد الأعلى والأصمع من الرجال الحديد القول، وقال الراغب: ((هي كل بناء متصمع الرأس أي متلاصقه والأصمع اللاصقة أذنه برأسه)) وهو قريب من قريب، وكانت قبل الإسلام كما قال قتادة مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئة ثم استعملت في مئذنة المسلمين، والمراد بها هنا متعبد الرهبان عند أبـي العالية ومتعبد الصابئة عند قتادة ولا يخفى أنه لا ينبغي إرادة ذلك حيث لم تكن الصابئة ذات ملة حقة في وقت من الأوقات، والبيع واحدها بيعة بوزن فعلة وهي مصلى النصارى ولا تختص برهبانهم كالصومعة، قال الراغب: فإن يكن ذلك عربياً في الأصل فوجه التسمية به لما قال سبحانه: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] الآية، وقيل هي كنيسة اليهود. وقرأ أهل المدينة ويعقوب {ولولا دفاع} بالألف. وقرأ الحرميان وأيوب وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش والزعفراني {لهدمت} بالتخفيف، والتضعيف باعتبار كثرة المواضع. {وَصَلَوٰتِ} جمع صلاة وهي كنيسة اليهود، وقيل: معبد للنصارى دون البيعة والأول أشهر، وسميت الكنيسة بذلك لأنها يصلى فيها فهي مجاز من تسمية المحل باسم الحال، وقيل: هي بمعناها الحقيقي وهدمت بمعنى عطلت أو في الكلام مضاف مقدر وليس بذاك، وقيل: {صَلَوٰتٌ} معرب صلوثا بالثاء المثلثة والقصر ومعناها بالعبرانية المصلى. وروي عن أبـي رجاء والجحدري وأبـي العالية ومجاهد أنهم قرأوا بذلك. والظاهر أنه على هذا القول اسم جنس لا علم قبل التعريب وبعده لكن ما رواه هٰرون عن أبـي عمرو من عدم تنوينه ومنع صرفه للعلمية والعجمة يقتضي أنه علم جنس إذ كونه اسم موضع بعينه كما قيل بعيد فعليه كان ينبغي منع صرفه على القراءة المشهورة فلذا قيل إنه صرف لمشابهته للجمع لفظاً فيكون كعرفات، والظاهر أنه نكر إذ جعل عاماً لما عرب، وأما القول بأن القائل به لا ينونه فتكلف قاله الخفاجي. وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما {صلوات} بضم الصاد واللام، وحكى عنه ابن خالويه بكسر الصاد وسكون اللام وحكيت عن الجحدري، وحكي عنه أيضاً {صلوات} بضم الصاد وفتح اللام وحكيت عن الكلبـي، وقرأ أبو العالية في رواية {صلوات} بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأ الحجاج بن يوسف {صلوات} بضم الصاد واللام من غير ألف وحكيت عن الجحدري أيضاً، وقرأ مجاهد {صلوتا} بضمتين وتاء مثناة بعدها ألف، وقرأ الضحاك والكلبـي {صلوث} بضمتين من غير ألف وبثاء مثلثة، وقرأ عكرمة {صلويثا} بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء مثلثة بعدها ألف، وحكي عن الجحدري أيضاً {صلواث} بضم الصاد وسكون اللام وواو مفتوحة بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة، وحكي عن مجاهد أنه قرأ كذلك إلا أنه بكسر الصاد، وحكى ابن خالويه وابن عطية عن الحجاج والجحدري {صلوب} بضمتين وباء موحدة على أنه جمع صليب كظريف وظروف وجمع فعيل على فعول شاذ فهذه عدة قراآت قلما يوجد مثلها في كلمة واحدة. {وَمَسَـٰجِدُ} جمع مسجد وهو معبد معروف للمسلمين، وخص بهذا الاسم اعتناء بشأنه من حيث إن السجود أقرب ما يكون العبد / فيه إلى ربه عز وجل، وقيل: لاختصاص السجود في الصلاة بالمسلمين، ورُدَّ بقوله تعالى: { أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } تفسير : [آل عمران: 43] وحمل السجود فيها على المعنى اللغوي بعيد، وقال ابن عطية: الأسماء المذكورة تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في عرف كل لغة، والأكثرون على أن الصوامع للرهبان والبيع للنصارى والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين. ولعل تأخير ذكرها مع أن الظاهر تقديمها لشرفها لأن الترتيب الوجودي كذلك أو لتقع في جوار مدح أهلها أو للتبعيد من قرب التهديم، ولعل تأخير {صَلَوٰتٌ} عن {بَيْعٌ} مع مخالفة الترتيب الوجودي له للمناسبة بينها وبين المساجد كذا قيل، وقيل إنما جيء بهذه المتعبدات على هذا النسق للانتقال من شريف إلى أشرف فإن البيع أشرف من الصوامع لكثرة العباد فيها فإنها معبد للرهبان وغيرهم والصوامع معبد للرهبان فقد وكنائس اليهود أشرف من البيع لأن حدوثها أقدم وزمان العبادة فيها أطول، والمساجد أشرف من الجميع لأن الله تعالى قد عبد فيها بما لم يعبد به في غيرها. ولعل المراد من قوله تعالى: {لَّهُدّمَتْ} الخ المبالغة في ظهور الفساد ووقوع الاختلال في أمر العباد لولا تسليط الله تعالى المحقين على المبطلين لا مجرد تهديم متعبدات للمليين. {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} في موضع الصفة لمساجد، وقال الضحاك ومقاتل والكلبـي: في موضع الصفة للجميع واستظهره أبو حيان، وكون كون بيان ذكر الله عز وجل في الصوامع والبيع والكنائس بعد انتساخ شرعيتها مما لا يقتضيه المقام ليس بشيء لأن الانتساخ لا ينافي بقاءها ببركة ذكر الله تعالى فيها مع أن معنى الآية عام لماقبل الانتساخ كما مر. {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي وبالله أي لينصرن الله تعالى من ينصر دينه أو من ينصر أولياءه ولقد أنجز الله تعالى وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم وأورثهم أرضهم وديارهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} على كل ما يريده من مراداته التي من جملتها نصرهم {عَزِيزٌ} لا يمانعه شيء ولا يدافعه.

ابن عاشور

تفسير : {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} بدل من {أية : الذين يقاتلون}تفسير : [الحج: 39]، وفي إجراء هذه الصلة عليهم إيماء إلى أن المراد بالمقاتلة الأذى، وأعظمه إخراجهم من ديارهم كما قال تعالى: {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : [البقرة: 191]. و{بغير حق} حال من ضمير {أخرجوا}، أي أخرجوا متلبسين بعدم الحق عليهم الموجِب إخراجهم، فإن للمرء حقاً في وطنه ومعاشرة قومه، وهذا الحق ثابت بالفطرة لأن من الفطرة أن الناشىء في أرض والمتولَّد بين قوم هو مساوٍ لجميع أهل ذلك الموطن في حق القرار في وطنهم وبين قومهم بالوجه الذي ثبت لجمهورهم في ذلك المكان من نشأة متقادمة أو قهر وغلبة لسكانه، كما قال عمر بن الخطاب: «إنها لِبلاَدُهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام». ولا يزول ذلك الحق إلاّ بموجب قرره الشرّع أو العوائد قبل الشرع. كما قال زُهير:شعر : فإن الحق مقطعه ثلاث يمينٌ أو نِفار أو جَلاء تفسير : فمن ذلك في الشرائع التغريب والنّفي، ومن ذلك في قوانين أهل الجاهلية الجلاء والخَلع، وإنما يكون ذلك لاعتداء يعتديه المرء على قومه لا يجدون له مسلكاً من الردع غير ذلك. ولذلك قال تعالى: {بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} فإن إيمانهم بالله لا ينجر منه اعتداء على غيرهم إذ هو شيء قاصر على نفوسهم والإعلان به بالقول لا يضر بغيرهم. فالاعتداء عليهم بالإخراج من ديارهم لأجل ذلك ظلم بَواح واستخدام للقوة في تنفيذ الظلم. والاستثناء في قوله: {إلا أن يقولوا ربنا الله} استثناء من عموم الحق، ولما كان المقصود من الحق حقاً يوجب الإخراج، أي الحقَّ عليهم، كان هذا الاستثناء مستعملاً على طريقة الاستعارة التهكمية، أي إن كان عليهم حق فهو أن يقولوا ربنا الله، فيستفاد من ذلك تأكيد عدم الحق عليهم بسبب استقراء ما قد يُتخيّل أنه حق عليهم. وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم نقضه. ويسمى عند أهل البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، وشاهده قول النابغة:شعر : ولا عَيب فيهم غير أنّ سيوفهم بِهِنّ فُلول من قِراع الكتائب تفسير : وهذه الآية لا محالة نزلت بالمدينة. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ} اعتراض بين جملة {أية : أُذِن للذين يقاتلون}تفسير : [الحج: 39] الخ وبين قوله {أية : الذين إن مكناهم في الأرض}تفسير : [الحج: 41] الخ. فلما تضمنت جملة {أية : أذن للذين يقاتلون}تفسير : [الحج: 39] الخ الإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم أُتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع، مع التنويه بهذا الدفاع، والمتولّين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود والنصارى والمسلمين، وليس هو دفاعاً لنفع المسلمين خاصة. والواو في قوله {ولولا دَفْعُ الله الناس} إلى آخره، اعتراضية وتسمى واو الاستئناف ومفاد هذه الجملة تعليل مضمون جملة {أية : أذن للذين يقاتلون}تفسير : [الحج: 39] الخ. و{لولا}حرف امتناع لوجود، أي حرف يدل على امتناع جوابه، أي انتفائه لأجل وجود شرطه، أي عند تحقق مضمون جملة شرطه فهو حرف يقتضي جملتين. والمعنى: لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لصري المشركون ولتجاوزوا فيه المسلمين إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل الأخرى المناوية لملّة الشرك ولهَدَموا مَعَابدهم من صوامع، وبِيَعٍ، وصلوات، ومساجد، يذكر فيها اسم الله كثيراً، قصداً منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقاً للأديان المخالفة للشرك. فذكر الصوامع، والبِيَع، إدماج لينتبهوا إلى تأييد المسلمين فالتّعريف في {النّاس} تعريف العهد، أي الناس الذين يتقاتلون وهم المسلمون ومشركو أهل مكة. ويجوز أن يكون المراد: لولا ما سبق قبل الإسلام من إذن الله لأمم التوحيد بقتال أهل الشرك (كما قاتل داوود جالوت، وكما تغلّب سليمان على مَلِكَة سبأ). لمَحق المشركون معالم التوحيد (كما محق بختنصر هيكل سليمان) فتكون هذه الجملة تذييلاً لجملة {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا}تفسير : [الحج: 39]، أي أذن للمسلمين بالقتال كما أذن لأمم قبلَهم لكيلا يطغى عليهم المشركون كما طغوا على من قبلهم حين لم يأذن الله لهم بالقتال، فالتعريف في {الناس}تعريف الجنس. وإضافة الدفاع إلى الله إسناد مجازي عقلي لأنه أذن للناس أن يدفعوا عن معابدهم فكان إذن الله سبب الدفع. وهذا يهيب بأهل الأديان إلى التألب على مقاومة أهل الشرك. وقرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب {دفاع.} وقرأ الباقون {دَفْع} ــــ بفتح الدال وبدون ألف ــــ. و {بعضهم} بدل من {الناسَ} بدل بعض. و{ببعض} متعلق بــــ {دفاع}والباء للآلة. والهدم: تقويض البناء وتسقيطه. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو جعفر {لهُدِمت} ــــ بتخفيف الدال ــــ. وقرأه الباقون ــــ بتشديد الدال ــــ للمبالغة في الهدم، أي لهدّمت هدْماً ناشئاً عن غيظ بحيث لا يبقون لها أثراً. والصوامع: جمع صومعة بوزن فَوْعلة، وهي بناء مستطيل مرتفع يصعُد إليه بدرج وبأعلاه بيت، كان الرهبان يتّخذونه للعبادة ليكونوا بعداء عن مشاغلة الناس إياهم، وكانوا يوقدون به مصابيح للإعانة على السهر للعبادة ولإضاءة الطريق للمارين. من أجل ذلك سُمّيت الصومعة المنارة. قال امرؤ القيس:شعر : تضيء الظلام بالعشيّ كأنها مَنارة مُمْسَى رَاهب مُتَبتّل تفسير : والبِيَع: جمع بيعة ــــ بكسر الباء وسكون التحتية ــــ مكان عبادة النصارى ولا يعرف أصل اشتقاقها، ولعلها معرّبة عن لغة أخرى. والصلوات: جمع صلاة وهي هنا مراد بها كنائس اليهود معرّبة عن كلمة (صلوثا) (بالمثلثة في آخره بعدها ألف). فلمّا عُربت جعلوا مكان المثلثة مثناة فوقية وجمعوها كذلك. وعن مجاهد، والجحدري، وأبي العالية، وأبي رجاء أنهم قرأوها هنا {وصلواث} بمثلثة في آخره. وقال ابن عطية: قرأ عكرمة، ومجاهد «صِلْويثا» بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء (أي المثلثة كما قال القرطبي) وهذه المادة قد فاتت أهل اللغة وهي غفلة عجيبة. والمساجد: اسم لمحل السجود من كل موضع عبادة ليس من الأنواع الثلاثة المذكورة قبله وقت نزول هذه الآية فتكون الآية نزلت في ابتداء هجرة المسلمين إلى المدينة حين بنَوا مسجدَ قباء ومسجد المدينة. وجملة {يذكر فيها اسم الله كثيراً} صفة والغالب في الصفة الواردة بعد جمل متعاطفة فيها أن ترجع إلى ما في تلك الجمل من الموصوف بالصفة. فلذلك قيل برجوع صفة {يذكر فيها اسم الله} إلى {صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد} للأربعة المذكورات قبلها وهي معاد ضمير {فيها}. وفائدة هذا الوصف الإيماء إلى أن سبب هدمها أنها يذكر فيها اسم الله كثيراً، أي ولا تذكر أسماء أصنام أهل الشرك فإنهم لما أخرجوا المسلمين بلا سبب إلا أنهم يذكرون اسم الله فيقولون ربنا الله، لِمَحْو ذكرِ اسم الله من بلدهم لا جرم أنهم يهدمون المواضع المجعولة لذكر اسم الله كثيراً، أي دون ذكر الأصنام. فالكثرة مستعملة في الدوام لاستغراق الأزمنة، وفي هذا إيماء إلى أن في هذه المواضع فائدة دينية وهي ذكر اسم الله. قال ابن خويز منداد من أيمة المالكية (من أهل أواخر القرن الرابع) تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبِيَعهم وبيوت نارهم اهـ. قلت: أما بيوت النار فلا تتضمن هذه الآية منع هدمها فإنها لا يذكر فيها اسم الله وإنما مَنع هدمَها عقدُ الذمة الذي ينعقد بين أهلها وبين المسلمين، وقيل الصفة راجعة إلى مساجد خاصة. وتقديم الصوامع في الذكر على ما بعده لأنّ صوامع الرهبان كانت أكثر في بلاد العرب من غيرها، وكانت أشهر عندهم، لأنهم كانوا يهتدون بأضوائها في أسفارهم ويأوون إليها، وتعقيبها بذكر البيع للمناسبة إذ هي معابد النصارى مثل الصوامع. وأما ذكر الصلوات بعدهما فلأنه قد تهيأ المقام لذكرها، وتأخير المساجد لأنها أعم، وشأن العموم أن يعقب به الخصوص إكمالاً للفائدة. وقوله ولينصرن الله من ينصره} عطف على جملة {ولولا دفاع الله الناس}، أي أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم. وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله، فكأنهم نصروا الله، ولذلك أكد الجملة بلام القسم ونون التوكيد. وهذه الجملة تذييل لما فيها من العموم الشامل للمسلمين الذين أخرجهم المشركون. وجملة {إن الله لقوي عزيز} تعليل لجملة {ولينصرن الله من ينصره}، أي كان نصرهم مضموناً لأنّ ناصرهم قدير على ذلك بالقوة والعزة. والقوة مستعملة في القدرة: والعزّة هنا حقيقة لأنّ العزّة هي المنعة، أي عدم تسلّط غير صاحبها على صاحبها. بدل من{الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} وما بينهما اعتراض. فالمراد من {أية : الذين إن مكناهم في الأرض}تفسير : [الحج: 41] المهاجرون فهو ثناء على المهاجرين وشهادة لهم بكمال دينهم. وعن عثمان: «هذا والله ثناء قبلَ بَلاء»، أي قبل اختبار، أي فهو من الإخبار بالغيب الذي علمه الله من حالهم. ومعنى {أية : إن مكناهم في الأرض}تفسير : [الحج: 41] أي بالنصر الذي وعدناهم في قوله: {أية : وإن الله على نصرهم لقدير}تفسير : [الحج: 39].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}. تقدم ما يوضح هذه الآية من الآيات في سورة براءة في الكلام على قوله: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة: 74]. قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أقسم لينصرن من ينصره، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله جل وعلا بين صفات الذين وعدهم بنصره ليميزهم عن غيرهم فقال مبيناً من أقسم أنه ينصره، لأنه ينصر الله جل وعلا: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [الحج: 41] الآية وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن من نصر الله نصره الله جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 7-8] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 171-173] وقوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21] وقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 55] الآية. إلى غير ذلك من الآيات وفي قوله تعالى: {أية : ٱلذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 41] الآية. دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر، لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} العزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مراراً بشواهده العربية. وهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين، لأن الله نصرهم على أعدائهم، لأنهم نصروه فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكر لهم، واستخلفهم في الأرض كما قال: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 55] الآية. والحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 40- الذين ظلمهم الكفار وأرغموهم على ترك وطنهم مكة والهجرة منها وما كان لهم من ذنب عندهم إلا أنهم عرفوا الله فعبدوه - وحده - ولولا أن الله سخر للحق أعواناً ينصرونه ويدفعون عنه طغيان الظالمين لساد الباطل، وتمادى الطغاة فى طغيانهم، وأخمدوا صوت الحق، ولم يتركوا للنصارى كنائس، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود معابد، ولا للمسلمين مساجد يذكر فيها اسم الله ذكراً كثيراً، وقد أخذ الله العهد الأكيد على نفسه أن ينصر كل من نصر دينه، وأن يعز كل من أعز كلمة الحق فى الأرض. ووعد الله لا يتخلف، لأنه قوى على تنفيذ ما يريد عزيز لا يغلبه غالب. 41- هؤلاء المؤمنون الذين وعدنا بنصرهم، هم الذين إن مكَّنا سلطانهم فى الأرض حافظوا على حسن صلتهم بالله وبالناس، فيؤدون الصلاة على أتم وجوهها، ويعطون زكاة أموالهم مستحقيها، وأمروا بكل ما فيه خير، ونهوا عن كل ما فيه شر. ولله - وحده - مصير الأمور كلها، فيعز من يشاء، ويذل من يشاء حسب حكمته. 42- وإذا كنت تلاقى - أيها النبى - تكذيباً وإيذاء من قومك فلا تحزن، وتأمَّل فى تاريخ المرسلين قبلك تجد أنك لست أول رسول كذَّبه قومه وآذوه، فمن قبل هؤلاء الذين كذبوك كذبت قوم نوح رسولهم نوحاً وكذبت قوم عاد رسولهم هودا، وكذبت ثمود رسولهم صالحا. 43- وكذَّب قوم إبراهيم رسولهم إبراهيم، وقوم لوط رسولهم لوطا.

د. أسعد حومد

تفسير : {دِيَارِهِم} {صَوَامِعُ} {وَصَلَوَاتٌ} {وَمَسَاجِدُ} (40) - وَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الذين ظُلِمُوا، هُمُ الذين أَخْرَجَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَ لِذَنْبٍ ارْتَكَبُوهُ، وَلاَ لإِسَاءَةٍ صَدَرَتْ عَنْهُم، وَإِنَّمَا لأَنَّهُم قَالُوا كَلِمَةَ الحَقِّ: (رَبُّنَا اللهُ). وَهَؤُلاءِ المَظْلُومُونَ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ أَنْفِسِهمْ، وَعَنْ عَقِيدَتِهِم بالقُوَّةِ. وَلَولا قِيَامُ المُؤْمِنينَ بِدَفْعِ الشِّركِ وَأَهْلِهِ عَن أَنْفِسِهِم، وَعَنْ إِخْوَانِهِمْ، وعَنْ حُرِّيَّتِهِمْ فِي أَدَاءِ العِبَادَةِ لَسَادَ البَاطِلُ وَتَمَادَى الطُّغَاةُ فِي طُغْيَانِهِم، وَلَهُدِّمَتِ البُيوتُ المُخَصَّصَةُ لِعِبَادَةِ اللهِ، مِنْ صَوَامِعِ رُهْبَانِ النَّصَارَى، وَبِيَعِهِمْ (كَنَائِسِهِمْ)، وَمَعَابِدِ اليَهُودِ (صَلَوَاتٌ)، وَمَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ، وَلَما شَفَعَ لَهَا فِي نَظَرِ أهْلِ الشِّرْكِ والكُفْرِ أَنَّهَا مُخَصَّصَةٌ لِلخَيْرِ، وَلِعِبَادَةِ اللهِ. والذي يَحْمِيهَا مِنَ الهَدْمِ والاعْتِدَاءِ هُوَ أنْ يَقُومَ أَهْلُها بالدِّفَاعِ عَنْهَا، وَمَنْ يَنْصُرِ اللهَ يَنْصُرْهُ اللهُ، واللهُ قَويٌّ لاَ يُغْلَبُ، عَزِيزٌ لاَ يَحِلُّ بِهِ ضَيْمٌ. صَوَامِعُ - مَعَابِدُ رُهْبَانِ النَّصَارَى بِيَعٌ - كَنَائِسُ النَّصَارَى. صَلَوَاتٌ - مَعَابِدُ اليَهُودِ. مَسَاجِدُ - مَسَاجِدُ المُسْلِمينَ وجَوَامِعُهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فلو أنهم أُخْرِجوا بحقٍّ كأنْ فعلوا شيئاً يستدعي إخراجهم من ديارهم، كأنْ خدشوا الحياء، أو هددوا الأمْن، أو أجرموا، أو خرجوا على قوانين قبائلهم لكانَ إخراجهُم بحقٍّ. إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئاً، وليس لهم ذَنْب {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ..} [الحج: 40] هذه المقولة اعتبرها القوم ذَنْباً وجريمة تستحق أنْ يخرجوهم بها من ديارهم. كما قال سبحانه في أهل الأخدود: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8]. وفي آية أخرى: {أية : هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ ..} تفسير : [المائدة: 59]. وفي قصة لوط عليه السلام: {أية : قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [النمل: 56]. إذن: أخرجوهم، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية، إنما لأنهم أناسٌ يتطهَّرون، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يُخْرَجُون من أجلها!! كما تقول: لا عيْبَ في فلان إلا أنه كريم، أو تقول: لا كرامةَ في فلان إلا أنه لِصٌّ. فهذه - إذن - صفة لا تمدح، وتلك صفة لا تذم. لقد قلب هؤلاء الموازين، وخالفوا الطبيعة السويّة بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل على فساد الطباع، وأيّ فساد بعد أنْ قَلَبوا المعايير، فكرهوا ما يجب أنْ يُحب، وأحبوا ما يجب أن يكره؟ ولا أدلَّ على فساد طبائعهم من عبادتهم لحجر، وترْكهِم عبادة خالق السماوات والأرض. ثم يقول تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً ..} [الحج: 40]. وفي آية أخرى يُبيِّن الحق سبحانه نتيجة انعدام هذا التدافع: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ..} تفسير : [البقرة: 251]. والفساد إنْ حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أنْ يُعوَّض ويُتدارك، أما إنْ تعدّى الفساد إلى مُقوِّمات اليقين الإيماني في الأرض فَكرِه الناس ما يربطهم بالسماء، وهدموا أماكن العبادة، فهذه الطامة والفساد الذي لا صلاحَ بعده، فكأن الآيتين تصوران نوعاً من الإيغال في الفساد، والاتّضاع في الجرائم. وتفسد الأرض حين ينعدم هذا التدافع، كيف؟ هَبْ أن ظالماً مسْتبداً في بلد ما يستعبد الناس ويمتصّ خيراتهم بل ودماءهم دون أنْ يردَّه أحد، لا شكَّ أن هذا سيُحدث في المجتمع تهاوناً وفوضى، ولن يجتهد أحد فوق طاقته، ولمن سيعمل وخيره لغيره؟ وهذا بداية الفساد في الأرض. فإنْ قُلْنا: هذا فساد بين الناس في حركة حياتهم يمكن أنْ يصلح فيما بعد، فما بالك إن امتدَّ الفساد إلى أماكن الطاعات والعبادات، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء؟ إنْ كان الفساد الأول قابلاً للإصلاح، ففساد الدين لا يصلح، لأنك خرَّبْتَ الموازين التي كانت تُنظِّم حركة الحياة، فأصبح المجتمع بلا ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها. ونلْحظُ في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ..} [الحج: 40] جاءت قضية عامة لكل الناس، فلم يخصْ طائفة دون أخرى، فلم يَقُلْ مثلاً: لولا دَفْع الله الكافرين بالمؤمنين، إنما قال مُطلْق الناس؛ لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات. كذلك جاءت كلمة (بعض) عامة؛ لتدل على أن كلاَ الطرفين صالح أن يكون مدفوعاً مرة، ومدفوعاً عنه أخرى، فَهُمْ لبعض بالمرصاد: مَنْ أفسد يتصدى له الآخر لِيُوقِفه عند حَدِّه، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط. ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..} تفسير : [الزخرف: 32] دون أنْ يُحدِّد أيّهما مرفوع، وأيهما مرفوع عليه؛ لأن كلاً منهما مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر؛ ذلك لأن العباد كلهم عيال الله، لا يُحابي منهم أحداً على أحد. انظر الآن إلى قوة روسيا في الشرق وقوة أمريكا في الغرب، إنهما مثال لقوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ..} [الحج: 40] فكلٌّ منهما تقف للأخرى بالمرصاد، ترقبها وترصُد تحركاتها وتقدّمها العسكري، وكأن الله تعالى جعلهما لحماية سلامة الآخرين أنْ تقف كُلٌّ منهما موقفَ الحذَر والخوف من الأخرى. وهذا الخوف والترقُّب والإعداد هو الذي يمنع اندلاع الحرب بينهما، فما بالك لو قامت بينهما حرب أسفرت عن منتصر ومهزوم؟ لا بُدَّ أن المنتصر سيعيثُ في الأرض فساداً ويستبد بالآخرين، ويستشري ظُلْمه لعدم وجود مَنْ يُردِعه. ومن رحمة الله بالمؤمنين أنْ يكيد الظالمين بالظالمين بكل ألوانهم وفنونهم، ويؤدِّب الظالم بمَنْ هو أشد منه ظُلْماً؛ ليظلّ أهلُ الخير بعيدين عن هذه المعركة، لا يدخلون طَرَفاً فيها؛ لأن الأخيار لا يصمدون أمام هذه العمليات، لأنهم قوم رِقَاق القلوب، لا تناسبهم هذه القسوة وهذه الغِلْظة في الانتقام. اقرأ قول الله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 129]. وهكذا يُوفِّر الله أهل الخير، ويحْقِن دماءهم، ويُريح أولياءه من مثل هذه الصراعات الباطلة. لذلك لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخولَ المنتصر، بعد أنْ أخرجه قومه منها، وبعد أنْ فعلوا به وبأصحابه الأفاعيل، كيف دخلها وهو القائد المنتصر الذي تمكَّن من رقاب أعدائه؟ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مُطأطىء الرأس، حتى لتكاد رأسه تلمس قربوس السرج الذي يجلس عليه، تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قال أبو سفيان لما رأى رسول الله في هذا الموقف، قال للعباس: لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً. وبعد أن تمكَّن رسول الله من كفار مكة، وكان باستطاعته القضاء عليهم جميعهم، قال: "حديث : يا معشر قريش، ما تظنُّون أَنِّي فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ". تفسير : فأيُّ رحمة هذه؟ وأيُّ لين هذا الذي جعله الله في قلوب المؤمنين؟ وهل مِثْل هذا الدين يُعارَض ويُنْصَرف عنه؟ إذن: يُسلِّط الحق - تبارك وتعالى - الأشرار بعضهم على بعض، وهذه آية نراها في الظالمين في كل زمان ومكان، ويجلس الأخيار يرقبون مثل هذه الصراعات التي يُهلِك الله فيها الظالمين بالظالمين. ثم يقول سبحانه وتعالى: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ ..} [الحج: 40] صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاصٌّ للعبادة عند النصارى، وعندهم مُتعبَّد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصَّومعة فهي مكان خاص لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصَّوْمعة في حضر، إنما تكون في الجبال والأودية، بعيداً عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة. وقد حرم الإسلام الرهبانية بهذا المعنى؛ لأنها رهبانية ما شرّعها الله، كما قال سبحانه: {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ..} تفسير : [الحديد: 27]. ومعنى: {وَبِيَعٌ ..} [الحج: 40] البِيعَ هي الكنائس. فالحق - سبحانه وتعالى - مَا نَعَى عليهم الانقطاعَ للعبادة، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش؛ لذلك قال: {أية : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ..} تفسير : [الحديد: 27]. وقد أباح الإسلام أيضاً الترهُّب والانقطاع للعبادة، لكن شريطة أن تكون في جَلْوة يعني: بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما تعبَّد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائماً في بالك ونُصْب عينيك في كُلِّ ما تأتي، وفي كل ما تدَع، إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يعبد الله في خَلْوته، ومَنْ يعبد الله في جَلْوته. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفّل به ويُنفق عليه، قال: أخوه أعبد منه. كيف؟ قالوا: لأنك تستطيع أنْ تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تُخِلص النية فيها لله عز وجل. ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد لِيقُوتَ نفسه وأهل بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماماً. إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قَدْر طاقته، لا على قَدْر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه ويُنفِق من الباقي ويتصدَّق على مَنْ لا يقدر على الحركة الحياتية. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-4] هل يعني: مُؤدُّون فقط؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى، وفي نيته مَنْ لا يقدر على السَّعْي والعمل، فكأنه يُقبل على العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أنْ يعمل شيئاً لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يُميِّز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر. وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضاً - رحمه الله ورضي الله عنه - وكان يسكن في حارة، وفضَّلنا أن نأخذ (تاكسي) يُوصِّلنا بدل أن نمشي في وَحْل الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق (التاكسي) الدخول وقال: إن أجرة التوصيل لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوَحْل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا إلى حيث نريد، فأعطيناه ضِعْف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلتُ له: أنت لماذا تعمل على هذا (التاكسي) ولماذا تتعب؟ قال: من أجل مصالحي ومصالح أولادي، فقلت له: وما يُضيرك إنْ زِدْتَ على ذلك وجعلْتَ في نيتك أنْ تُيسِّر بعملك هذا على الناس؟ فاهتمّ الرجل ولبسته الكلمة فقال: والله لا أردُّ راكباً أبداً. ومعنى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4] لم يقل مؤدون؛ لأن {أية : فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4] تعني: أن نيتهم في الفعل أنْ يفعلوا على قَدْر طاقتهم ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه. إذن: حرَّم الإسلام الرهبانية التي تَحرِم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا رهبانية في الإسلام"تفسير : لأنه اعتبر كل حركة مقصودٍ منها صالحُ المجتمع كله حركةً إيمانية عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة. وقد وضع العلماء شروطاً لمَنْ أراد الانقطاع للعبادة: أولها: ألاَّ يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولاً لِيُوفِّر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق (إقبال) حين قال: شعر : لَيْسَ زُهْداً تصوف من تقي فرَّ من غَمْرة الحيَاةِ بدين إنما يُعرَفُ التصَوفُ فِي الـ سُّوق بمالٍ ومَطْمعٍ وفُتُون تفسير : ثم يقول تعالى: {وَصَلَوَاتٌ ..} [الحج: 40] وهذه لليهود يُسمُّون مكان التعبد: صَالوتاً. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيباً زمنياً، فيقول: لهدمت صلوات وصوامع وبيع؟ قالوا: لأن القرآن يُؤرِّخ للقريب منه فالأبعد. {وَمَسَاجِدُ ..} [الحج: 40] وهذه للمسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً ..} [الحج: 40]. وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد الفعل {لَّهُدِّمَتْ ..} [الحج: 40] فهذا دليل على أنه لا بُدَّ أن يكون للمسلمين مكان يُحكر للعبادة، وإنْ جُعِلَتْ الأرض كلها لهم مسجداً وطَهُوراً، ومعنى ذلك أنْ تصلي في أيِّ بقعة من الأرض، وإنْ عُدِم الماء تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض مَحَلاً للعبادة ومَحَلاً لحركة الحياة وللعمل وللسَّعْي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلاً وتُصلِّي فيه، لكن الحق سبحانه يريد منا أن نُخصِّص بعض أرضه ليكون بيتاً له تنقطع منه حركة الحياة كلها، ويُوقَف فقط لأمور العبادة. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ بنى لله مسجداً ولو كمِفْحَصِ قَطَاةٍ بنى الله له بيتاً في الجنة ". تفسير : فقوله تعالى: {لَّهُدِّمَتْ .. وَمَسَاجِدُ ..} [الحج: 40] تدل على مكان خاص للعبادة وإلاَّ لو اعتُبرَتْ الأرضُ كلها مسجداً، فماذا تهدم؟ وعليه، فكل مكان تُزاوَل فيه أمورٌ غير العبادة لا يُعتبر مسجداً، كأماكن الصلاة التي يتخذونها تحت العمارات السكنية، هذه ليست مساجد، والصلاة فيها كالصلاة في الشارع وفي البيت؛ لأن المسجد (مكان) وما يُبنى عليه (مكين). والمسجدية تعني: المكان من الأرض إلى السماء، بدليل أننا في بيت الله الحرام نصلي فوق سطح المسجد، ونتجه لجوِّ الكعبة، لا للكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن جَوَّ الكعبة إلى السماء كعبة، وكذلك لو كنا في مخابىء أو في مناجم تحت الأرض؛ لأن ما تحت الكعبة من الأرض كعبة. وكذلك في المسْعَى إذا ضاق الدور الأول يسعى الناس في الثاني وفي السطح، لأن جو المسْعَى مَسْعَى. إذن: المسجد ما حُكِر للعبادة، وخُصِّص للمسجدية من أرضه إلى سمائه، وهذا لا يُمارس فيه عمل دنيوي ولا تُعقد فيه صفقة .. إلخ. أما أنْ نجعل المسجد تحت عمارة سكنية، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ومعيشتهم بما فيها من هَرج ولَهْو، حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، ومعاشرة زوجية .. إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حِكْراً للعبادة من الأرض إلى السماء. فلنُسَمِّ هذه الأماكن: مُصلّى. ولا نقول: مسجد. ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً ..} [الحج: 40] لأن ذِكْر الله في المساجد دائم لا ينقطع، ونحن لا نتحدث عن مسجد، ولا عن مساجد قُطْر من الأقطار، إنما المراد مساجد الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال للجنوب. ولو نظرتَ إلى أوقات الصلوات لرأيتَ أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق، وفي الزوال، وفي الغروب، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ذِكْر الله دائم لا ينقطع أبداً في ليل أو نهار، فأنت تُؤذِّن للصلاة، وغيرُك يقيم، وغيركما يصلي، أنت تصلي الظهر، وغيرك يصلي الصبح أو العصر، بل أنت في الركعة الأولى من الصبح، وغيرك في الركعة الثانية، أنت تركع وغيرك يسجد. إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت، ودائرة في كل مكان من الأرض، فلا ينفكّ الكون ذاكراً لله. أليس هذا ذِكْراً كثيراً؟ أليستْ كلمة (الله أكبرُ) دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبداً؟ ثم لما كان دَفْع الله الناسَ بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تُسْفر عن منتصر ومنهزم، قال سبحانه: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..} [الحج: 40] فإنْ كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي، وإنْ كان بين حقٍّ لله وباطل حكم الله بأنه باطل لا بُدَّ أن تنتهي بنُصْرة الحق، وغالباً لا تطول هذه المعركة؛ لأن الحق دائماً في حضانة الله، إنما تطول المعارك بين باطل وباطل، فليس أحدهما أَوْلَى بنُصْرة الله من الآخر، فيظل كل منهما يطحن في الآخر، وإنْ لم تكن حرباً ساخنة كانت حرباً باردة، لماذا؟ لأنه لا يوجد قويٌّ لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها، وطالما تدخّل الهوى تستمر المعركة. يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق، وهذه لا وجودَ لها؛ لأن الحق واحد في الوجود، فلا يمكن أنْ يحدث تصادم أبداً بين أهل الحق. والحق - تبارك وتعالى - في نُصْرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب، ويُهلك أعداءهم، لكن الحق سبحانه يريد أنْ يأخذوا هم بأسباب النصر؛ لذلك يُعلّمهم أصول هذه المسألة، فيقول سبحانه: {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ..}تفسير : [محمد: 4]. ومعنى {أية : أَثْخَنتُمُوهُمْ ..} تفسير : [محمد: 4] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة {أية : فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ..} تفسير : [محمد: 4] لا تُجهِزوا عليهم، ولا تقتلوهم، إنما شُدُّوا قيودهم واستأسِروهم، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب، فليس الهدف القتل وإزهاق الأرواح ثم {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ..} تفسير : [محمد: 4] مَنّاً إنْ كان هناك تبادل للأسرى. فأنت تمنُّ وهو يمنُّ. والفداء أنْ يفدي نفسه. وكانت هذه المسألة حجة لنا حينما نتحدث عن الرقِّ في الإسلام، ونرد على هؤلاء الذين يحلو لهم اتهام الإسلام، ويستخدمون في ذلك السفسطة والمراوغة اللغوية لإقناع الناس بأن الإسلام ساهم في نَشْر الرقِّ والعبودية. ونقول: لقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر لم يُشرِّعه الإسلام، ولم يُوجِدْه بداية، حيث كانت أسباب الرق كثيرة، وأسباب الاستعباد متعددة: فَمنْ تحمّل دَيْناً وعجز عن سداده يُسْتعبد لصاحب الدين، ومَنْ عمل ذنباً وخاف من عقوبته أخذوه عبداً، ومَنْ اختطفه الأشرار في الطريق جعلوه عبداً .. إلخ. فلما جاء الإسلام عمل على سَدِّ منابع الرقِّ هذه، وجعل الرقَّ مقصوراً على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلُّص من الرق القائم، حيث لم يكُنْ موجوداً من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أنْ يعتق عبده، فأضاف الإسلام إلى هذا الباب أبواباً أخرى، فجعل العتق كفارة لبعض الذنوب، وكفارة لليمين، وكفارة للظِّهار، وحثَّ على الصدقة في سبيل العتق، ومساعدة المكاتب الذي يريد العتق ويسعى إليه .. إلخ. فإذا لم تعتق عبدك، فلا أقل من أن تطعمه من طعامك، وتُلْبسه من ملبسك، ولا تُحمِّله ما لا يطيق، وإنْ حمَّلْته فأعِنْه، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما هم إخوانكم ". تفسير : ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرقِّ في الحروب أنهم يقارنون بين الرِّق والحرية، لكن المقارنة هنا ليستْ كذلك، المقارنة هنا بين الرق والقتل؛ لأنه لا يُسترقّ إلا مَنْ قدر المسترقُّ عليه وتمكَّن منه في المعركة، وكان باستطاعته قَتْله، لكن رحمة الله بعباده منعتْ قتله، وأباحت أَخْذه رقيقاً، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حَقْن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحثُّ على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية. إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقلّ ضرراً؟ لذلك قال تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 14-15]. هذه نتائج سِتٌّ للأمر {أية : قَاتِلُوهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 14] وجواب الأمر مجزوم بالسكون كما في (يُعذِّبْهم) ومجزوم بحذف حرف العلة كما في (وَيُخْزِهِم)، والخزي لأنهم كانوا مغترين بقوتهم، ولديهم جبروت مفتعل، يظنون أَلاَّ يقدر عليهم أحد، وكذلك في: ينصركم، ويشف، ويذهب. ثم قطع السياقُ الحكمَ السابق، واستأنف كلاماً جديداً، وإنْ كان معطوفاً على ما قبله في اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني، ومَلْحَظ لرحمة الله تعالى حتى بالكفار، فقال تعالى: {أية : وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [التوبة: 15] هكذا بالرفع، لا بالجزم فقطع الفعل (يتوب) عما قبله؛ لأن الله تعالى لم يشأ أن يشرِّك بينهم حتى في جواب الأمر. وحتى على اعتبار أنهم هُزِمُوا، وكُسِرت شوكتهم، وضاعتْ هيبتهم، لعلهم يفيقون لأنفسهم، ويعودون للحق، وهذه من رحمة بالكافرين في معاركهم مع الإيمان. لكن، لماذا يتوب الله على الكفار ويرحمهم وهم أعداء دينه وأعداء نبيه؟ قالوا: لأنه سبحانه وتعالى ربهم وخالقهم، وهم عباده وعياله، وهو أرحم بهم، ومرادات الله في الخَلْق أن يكونوا جميعاً طائعين. لذلك، يقول سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك . تفسير : فالكون كله ناقم على الكافرين، متمرد على العصاة، مغتاظ منهم، فماذا قال الحق - تبارك وتعالى - لهم؟ قال سبحانه: "حديث : دعوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإنْ تابوا إليَّ، فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : نعود إلى قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..} [الحج: 40] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أنْ تبحثوا في القوة أو تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم، فلربك عز وجل جنود لا يعلمها إلا هو، ووسائل النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهْون الأسباب، أقلّها أن الله يُريكم أعداءكم قليلاً ويُكثِّر المؤمنين في أعين الكافرين ليفتَّ ذلك في عَضُدهم ويُرهبهم ويُزعزع معنوياتهم، وقد يحدث العكس، فيرى الكفار المؤمنين قليلاً فيجترئون عليهم، ويتقدمون، ثم تفاجئهم الحقيقة. إذن: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31] فلا تُعوِّل فقط على قوتك وتحسب مدى تكافُئِك مع عدوك، دَعْكَ من هذه الحسابات، وما عليك إلا أنْ تستنفد وسائلك وأسبابك، ثم تدع المجال لأسباب السماء. وأقلُّ جنود ربك أنْ يُلقي الرعب في قلوب أعدائك، وهذه وحدها كافية، ويُرْوى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين، وأحسُّوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال، فأخرجوا السواك يُنظفِّون أسنانهم، ويُطيِّبون أفواههم، عندها قال الكفار: إنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلونا، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون. ثم يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] عزيز: يعني لا يُغلب، وما دام أن الله تعالى ينصر مَنْ نصره فلا بُدَّ أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارتْ القوى ومهما ضَعُفتْ، ألم يكُن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟ ولما نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] تعجب عمر بفراسته وعبقريته: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ونحن غير قادرين حتى على حماية أنفسنا؟ فلما رأى يوم بدر قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. فما دام أن الله قوي عزيز فلا بُدَّ أن ينصركم، وهذه مسألة محكوم بها أزلاً: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي ..} تفسير : [المجادلة: 21]. فإذا تمَّتْ لكم الغَلَبة، فاعلموا أن لكم دَوْراً، أَلاَ وهو: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} قالَ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: فالصَّوامعُ: صَوامعُ الرُّهبانُ. والبِيعُ: بِيعُ النَّصارى. والصَّلواتُ: للصابئينَ وهي بالنبطيةِ صلوتا. وقال: محاريبُ كَانت تُصنعُ عَلَى الطَّريقِ يُصلي فِيها الرُّهبانُ. والمَساجدُ: مَساجدُ المُسلمين. وقرأ عاصم الجحدري لَهُدمتْ صَوامعُ وبيعُ وصَلواتُ. قال كَيفَ تُهدمُ الصَّلاةُ دُونَ الصَّوامعِ.

همام الصنعاني

تفسير : 1938- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ}: [الآية: 40]، قال: هي للصَّابئين. {وَبِيَعٌ} للنصارى {وَصَلَوَاتٌ} قال: كنائسَ الْيَهُودِ والـ {مَسَاجِدُ} مساجد المسلمين، {يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً}.