٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي أهلكنا أهلها. وقد مضى في «آل عمران» الكلام في كأين. {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي بالكفر. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تقدّم في الكهف. {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} قال الزجاج: «وبِئرٍ معطلةٍ» معطوف على «مِن قريةٍ» أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر. والفرّاء يذهب إلى أن «وبِئرٍ» معطوف على «عروشِها». وقال الأصمعيّ: سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب؟ فقال: إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما. وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما؛ إلا وَرْشاً فإن روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. ومعنى «معطلةٍ» متروكة؛ قاله الضحاك. وقيل: خالية من أهلها لهلاكهم. وقيل: غائرة الماء. وقيل: معطلة من دِلائها وأَرْشِيَتها؛ والمعنى متقارب. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل. قال عدِيّ بن زيد:شعر : شاده مَرْمَراً وجَلَّله كِلْـ ساً فللطير في ذُراه وُكور تفسير : أي رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد: مجصّص؛ من الشِّيد وهو الجصّ. قال الراجز:شعر : لا تَحْسَبَنِّي وإن كنت امرأ غَمِراً كحيّة الماء بين الطين والشِّيد تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : وَلاَ أُطُـمـاً إلا مَـشـيـداً بـجَـنْـدَلِ تفسير : وقال ابن عباس: «مشِيدٍ» أي حصين؛ وقاله الكلبيّ. وهو مَفْعِل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهريّ: والمشِيد المعمول بالشيد. والشيد (بالكسر): كل شيء طلَيت به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح المصدر. تقول: شاده يَشِيده شَيْداً جَصّصه. والمشيَّد (بالتشديد) المطوّل. وقال الكسائيّ: «المشِيد» للواحد، من قوله تعالى: «وقصرٍ مَشِيدٍ» والمشيّد للجمع، من قوله تعالى: {أية : فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78]. وفي الكلام مضمر محذوف تقديره: وقصر مشيد مثلها معطل. ويقال: إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قُلّة جبل لا يرتَقى إليه بحال، والبئر في سفحة لا تُقِرّ الريح شيئاً سقط فيه إلا أخرجته. وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي؛ أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبيّ وأبو بكر محمد بن الحسن المقرىء وغيرهما أن البئر الرّس، وكانت بعدن باليمن بحضرَمَوْت، في بلد يقال له حَضُوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوْا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح فسُمِّيَ المكان حضرموت؛ لأن صالحاً لما حضره مات فبنَوْا حضوراء وقعدوا على هذه البئر، وأمّروا عليهم رجلاً يقال له العلس بن جلاس بن سويد، فيما ذكر الغزنويّ. الثعلبيّ: جلهس بن جلاس. وكان حسن السيرة فيهم عاملاً عليهم، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة، فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميعَ ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وأبازن (بالنون) من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس، وأُخر للدواب، وأُخر للبقر، وأخر للغنم. والقُوّام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون، ولم يكن لهم ماء غيرها. وطال عمر الملك الذي أمّروه، فلما جاءه الموت طُلِيَ بدهن لتبقى صورته لا تتغير، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم. فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم فسد، وضجوا جميعاً بالبكاء، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلمهم وقال: إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم؛ ففرِحوا أشدّ الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجاباً بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته. فنصبوا صنماً من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا يموت أبداً وأنه إلٰههم؛ فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدّق كثير منهم وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب منهم أقلّ من المصدّق له، وكلما تكلم ناصح لهم زُجر وقُهر. فأصفقوا على عبادته، فبعث الله إليهم نبيًّا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة، كان اسمه حنظلة بن صفوان، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم، وأن الله لا يتمثل بالخلق، وأن الملِك لا يجوز أن يكون شريكاً لله، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته؛ فآذَوه وعادوه وهو يتعهدّهم بالموعظة ولا يُغِبّهم بالنصيحة، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر؛ فعند ذلك أصابتهم النقمة، فباتوا شباعاً رُواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رِشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضجّ النساء والولدان، وضجّت البهائم عطشا؛ حتى عمّهم الموت وشَمِلهم الهلاك، وخَلَفتهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضباع، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسِّدر وشَوْك العِضاه والقَتاد، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد، نعوذ بالله من سَطَواته، ومن الإصرار على ما يوجب نَقِماته. قال السُّهيلي. وأما القصر المشِيد فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم، لم يبن في الأرض مثله ـ فيما ذكروا وزعموا ـ وحاله أيضاً كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحداً لا يستطيع أن يدنو منه على أميال؛ لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرَّغَد وبهاء المُلْك وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا؛ فذكّرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة، وذكرا وتحذيراً من مَغَبة المعصية وسوء عاقبة المخالفة؛ نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. وقيل: إن الذي أهلكهم بختنصّر على ما تقدم في سورة «الأنبياء» في قوله: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} تفسير : [الأنبياء: 11]. فتعطلت بئرهم وخرِبت قصورهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكَأَيّن } أي كم {مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا } وفي قراءة «أهلكتها» {وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ } أي أهلها بكفرهم {فَهِىَ خَاوِيَةٌ } ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا } سقوفها {وَ} كم من {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } متروكة بموت أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } رفيع خالٍ بموت أهله.
ابن عطية
تفسير : {كأين} هي كاف التشبيه دخلت على "أي" قال سيبويه وقد أوعبت القول في هذه اللفظة وقراءتها في سورة آل عمران في قوله {أية : وكأين من نبي قاتل} تفسير : [آل عمران: 146]، وهي لفظة إخبار وقد تجيء استفهاماً، وحكى الفراء "كأين ما لك"، وقرأت فرقة "أهلكناها"، وقرأت فرقة "أهلكتها"، بالإفراد والمراد أهل القرية و {ظالمة} معناه بالكفر، و {خاوية}، معناه خالية ومنه خوى النجم إذا خلا من النور، ونحوه ساقطة {على عروشها}، والعرش السقوف والمعنى أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها فهي على العروش، {وبئر}، قيل هو معطوف على "العروش" وقيل على "القرية" وهو أصوب، وقرأت فرقة "وبيئر" بهمزة وسهلها الجمهور، وقرأت فرقة "مَعْطَلة" بفتح الميم وسكون العين وفتح الطاء وتخفيفها، والجمهور على "مُعَطّلة" بضم الميم وفتح العين وشد الطاء، و"المشيد" المبني بالشيد وهو الجص، وقيل "المشيد" المعلى بالآجر ونحو: فمن الشيد قول عدي بن زيد: شعر : شاده مرمراً وجلله كلساً فللطير في ذراه وكور تفسير : شاد بنى، بالشيد والأظهر في البيت أنه أراد علاه بالمرمر، وقالت فرقة في هذه الآية إن {مشيد} معناه معلى محصناً، وجملة معنى الآية تقتضي أنه كان كذلك قبل خرابه ثم وبخهم على الغفلة وترك الاعتبار بقوله، {أفلم يسيروا في الأرض} أي في البلاد فينظروا في أحوال الأمم المكذبة المعذبة، وهذه الآية تقتضي أن العقل في القلب وذلك هو الحق ولا ينكر أن للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ، {فتكون}، نصب بالفاء في جواب الاستفهام صرف الفعل من الجزم إلى النصب، وقوله {فإنها لا تعمى الأبصار}، لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عمى العين وإنما العمى حق العمى عمى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى ولكن المقصد ما ذكرناه، وهذا كقوله عليه السلام، "حديث : ليس الشديد بالصرعة وليس المسكين بهذا الطواف" تفسير : . والضمير في {فإنها} للقصة ونحوها من التقدير وقوله {التي في الصدور}، مبالغة كقوله {أية : يقولون بأفواههم} تفسير : [آل عمران: 167] كما تقول: نظرت إليه بعيني ونحو هذا، والضمير في {يستعجلونك} لقريش، وقوله {ولن يخلف الله وعده}، وعد ووعيد وإخبار بأن كل شيء إلى وقت محدود، و"الوعد" هنا مقيد بالعذاب فلذلك، ورد في مكروه، وقوله {وإن يوماً عند ربك كألف سنة}، قالت فرقة: معناه {وإن يوماً} من أيام عذاب الله {كألف سنة} مما تعدون من هذه لطول العذاب وبؤسه، فكأن المعنى فما أجهل من يستعجل هذا وقالت فرقة معناه {وإن يوماً} عند الله لإحاطته فيه وعلمه وإنفاذه قدرته {كألف سنة} عندكم ع وهذا التأويل يقتضي أن عشرة آلاف سنة وإلى مالا نهاية له من العدد في حكم الألف ولكنهم قالوا ذكر الألف لأنه منتهى العدد دون تكرار فاقتصر عليه ع وهذا التأويل لا يناسب الآية، وقالت فرقة: أن المعنى أن اليوم عند الله كألف سنة من هذا العدد، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني لأرجو أن تؤخر أمتي نصف يوم"تفسير : ، وقوله "حديث : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم" تفسير : ذلك خمسمائة سنة، ومنه قول ابن عباس: مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة فكأن المعنى وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله وكرر قوله {وكأين} لأنه جلب معنى آخر ذكر أولاً القرى المهلكة دون إملاء بل بعقب التكذيب ثم ثنى بالمهملة لئلا يفرح هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وقرأت فرقة "تعدون" بالتاء، وقرأت فرقة "يعدون" بالياء على الغائب.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُّعَطَّلَةٍ} خالية من أهلها، أو من دلائها وأرشيتها، أو غائرة الماء {مَّشِيدٍ} حصين، أو رفيع أو مجصص، الشِّيد: الجص أصحاب القصور أهل الحضر وأصحاب الآبار أهل البدو، أهلك الطائفتين.
البقاعي
تفسير : ولما كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض، بل كانت أمة منهم أهل الأرض كما مضى بيانه في الأعراف، فكيف بمن عداهم ممن كان في أزمانهم وبعدهم، وأخبر سبحانه وتعالى أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك، تسبب عن ذلك تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم، فقال تعالى شارحاً للأخذ والإمهال على طريق النشر المشوش: {فكأين من قرية أهلكناها} كهؤلاء المذكورين وغيرهم، وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهاراً للعظمة {وهي} أي والحال أنها {ظالمة فهي} أي فتسبب عن إهلاكها أنها {خاوية} أي متهدمة ساقطة أي جدرانها {على عروشها} أي سقوفها، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة الأمطار، وغير ذلك من الأسرار، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى: خالية، قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها، ليست محتاجة إلىغير السكان {و} كم من {بئر معطلة} من أهلها مع بقاء بنائها، وفوران مائها {وقصر مشيد*} أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد - أي يجصص - إلا الذي يقصد رفعه، فحلت القصور من أربابها، وأقفرت موحشة من جميع أصاحبها، بعد كثرة التضام في نواديها، وعطلت الآبار من ورَّادها بعد الازدحام بين رائحها وغاديها، دانية ونائية، حاضرة وبادية؛ ولما كان خراب المشيد يوهى من أركانه، ويخلق من جدارنه، لم يحس التشديد في وصف القصر، كما حسن في وصف البئر. ولما كان هذا واعظاً لمن له استبصار، وعاطفاً له إلى العزيز الغفار، تسبب عنه الإنكار عليهم في عدم الاعتبار، فعد أسفارهم - التي كانوا يرون فيها هذه القرى على الوجه الذي أخر به سبحانه لما كانت على ذلك الوجه - عدماً، فقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض} أي وهم بصراء ينظرون بأعينهم ما يمرون عليه، من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة وغيرها، وقرينة الحث على السير دل على البصر. ولما كان الجواب منصوباً، علم أنه منفي لأنه مسبب عن همزة الإنكار التي معناها النفي، وقد دخلت على النفي السير فنفته، فأثبتت السير عرياً عما أفاده الجواب، وهو قوله {فتكون} أي فيتسبب عن سيرهم أن تكون {لهم قلوب} واعية {يعقلون بها} ما رأوه بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته على الإحياء والإماتة متى أراد فيعتبروا به، فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف على نفي السير الذي هو إثبات السير، وكذا الكلام في الآذان من قوله {أو} أي أو تكون لهم إن كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيماً {آذان يسمعون بها} الآيات المسموعة المترجمة عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو لم يسيروا، إن كانت بصائرهم غير نافذة الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها بقلوبهم، فإنه لا يضرهم فقد الأبصار عند وجود البصائر. ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار، نفى العمى أصلاً عن الأبصار لعدم ضرورة مع إنارة البصائر، وخصه بالبصئر لوجود الضرر به ولو وجدت الأبصار، مسبباً عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير، فقال: {فإنها لا تعمى الأبصار} أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة {ولكن تعمى القلوب} وأكد المعنى بقوله: {التي في الصدور*} لوجود الضرر بعماها المبطل لمنفعة صاحبها وإن كان البصر موجداً، فاحتيج في تصوير عماها إلى زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى إنما هو للبصر، إعلاماً بأن القلوب ما ذكرت غلطاً، بل عمداً، تنبيهاً على أن عمى البصر عدم بالنسبة لى عماها، والمراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري المودع في الجانب الأيسر من الصدر، لديه تعلق... عقول الأكثر في أنه يضاهي تعلق العرض بالجسم، أو الصفة بالموصوف، أو المتمكن بمكان وهذه اللطيفة على حقيقة الإنسان سميت قلباً للمجاورة والتعلق، وهي كالفارس والبدن كله كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس، بل لا نسبة لأحد الضررين بالآخرة، فلذلك نفى عمى الأبصار أصلاً ورأساً، فلا شيء ضرره بالنسبة إلى عمى البصائر. ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا، وقدم أنه يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم، مقيداً بالوهم، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها، وختم بإنكار عماهم عن ظاهر الآيات البينات، قال عاطفاً على {ومن الناس من يجادل} معجباً منهم وموضحاً لعماهم: {ويستعجلونك} ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالاً من فاعل {يسيروا} فيكون مما أنكر عليهم {بالعذاب} الذي تتوعدهم به تكذيباً واستهزاء، {و} الحال أنه {لن يخلف الله} الذي لا كفوء له {وعده} فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن قصير عنده، وقد ينجز الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر، لأن قضاءه سبق أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده {وإن يوماً} أي واحداً {عند ربك} أي المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراماً لك {كألف سنة} ولما كان المقصود هنا التطويل، فعبر بالسنة تنبيهاً عليه؛ ولما كانت السنون قد تختلف قال: {مما تعدون*} لأن أيامكم تناسب أوهامكم، وأزمانكم تناسب شأنكم، وهو حليم لا يستطيل الزمان، وقادر لا يخاف الفوت.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة {فهي خاوية على عروشها} قال: خربة ليس فها أحد {وبئر معطلة} قال: عطلها أهلها وتركوها {وقصر مشيد} قال شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما {وبئر معطلة} قال: التي تركت لا أهل لها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما {وقصر مشيد} قال هو المجصص. وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {وقصر مشيد} قال: شيد بالجص والآجر. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: شعر : شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد {وقصر مشيد} قال: بالقصة. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق، عن عطاء {وقصر مشيد} قال: مجصص.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الآية: 45]. قال الواسطى: إن الربوبية إذا تجلت على السرائر محقت آثارها، ومحت رسومها وتركتها خرابًا. قال الله تعالى: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} فالقصر المشيد هو الإنسان، والبئر المعطلة هى السرائر المأخوذة إلى الحق التى تركت الاعتراض على الله وضمت جوارحها كلها فيما يرد عليه من الحق فلذلك فُضِّل قوله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا}. الظلمُ يوجِبُ خرابَ أوطانِ الظالم، فتخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشةُ التي هي غالبةَ على الظَّلَمَةِ من ضيقِ صدورهم، وسوءِ أخلاقهم، وفَرْطِ غيظ مَنْ يَظْلِمُونَ عليهم.. كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم. ويقال خرابُ منازلِ الظَّلَمَةِ ربما يتأخر وربما يتعجل. وخرابُ نفوسهم في تعطلها عن العبادات لِشُؤْم ظُلْمِهم، وخرابُ قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصاً في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم... نقدٌ غير مستأخر. قوله جلّ ذكره: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}. الإشارة في {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ}: إلى العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم، وكانوا يستقون منها، وفي ذلك الاستقاء حياةٌ أوقاتِهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد، فإِذا اتصفوا بظلمهم غَلَبَ غُثاؤها وانقطع ماؤها بانسداد عيونها. والإشارة في {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأُنس، وخُلُوِّ أرواحهم من أنوار المحابِّ، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكأين من قرية}، قال المولى الجامى فى شرح الكافية من الكناية كاين وانما نبى لان كاف التشبيه دخلت على أى وأى كان فى الاصل معربا لكنه انمحى عن الجزءين معناهما الافرادى فصار المجموع كاسم مفرد بمعنى كم الخبرية فصار كأنه اسم مبنى على السكون آخره نون ساكنة كما فى من لا تنوين تمكن ولهذا يكتب بعد الياء نون مع ان التنوين لا صورة له فى الخط انتهى. والمعنى فكثير من القرى: وبالفارسية [يس بسيارديه وشهر] وهو مبتدأ وقوله {اهلكناها} خبره {وهى ظالمة} جملة حالية من قوله اهلكناها والمراد ظلم اهلها بالكفر والمعاصى وهو بيان لعدله وتقدسه عن الظلم حيث اخبر بانه لم يهلكهم الا اذا استحقوا الاهلاك بظلمهم {فهى خاوية} عطف على اهلكناها والمراد بضمير القرية حيطانها ولخواء بمعنى السقوط من خوى النجم اذا سقط اى ساقطة حيطان تلك القرية {على عروشها} اى سقوفها بان تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف فالعروش السقوف لان كل مرتفع اظلك فهو عرش سقفا كان او كرما او ظلة او نحوها. وفى التأويلات النجمية يشر الى خراب قلوب اهل الظلم فان الظلم يوجب خراب اوطان الظالم فيخرب اولا اوطان راحة الظالم وهو قبله فالوحشة التى هي غالبة على الظلمة من ضيق صدروهم وسوء اخلاقهم وفرط غيظهم على من يظلمون عليهم كل ذلك من خراب اوطان راحاتهم وهى فى الحقيقة من جملة العقوبات التى تلحقهم على ظلمهم ويقال خراب منازل الظلمة ربما يستأخر وبما يستعجل وخراب نفوسهم فى تعطلها عن العبادات بشؤم ظلمها كما قال {فهى خاوية على عروشها} وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصا فى اوقات صلواتهم واوان خلواتهم غير مستأخر {وبئر معطلة} البئر فى الاصل حفيرة يستر رأسها لئلا يقع فيها من مر عليها وعطلت المرأة وتعطلت اذا لم يكن عليها حلى فهى عاطل والتعطيل التفريغ يقال لمن جعل العالم بزعمه فارغا من صانع اتقنه وزينه معطل وهو عطف على قرية اى وكم بئر عامرة فى البوادى اى فيها الماء ومعها آلات الاستقاء الا انها تركت لا يستقى منها لهلاك اهلها {وقصر} يقال قصرت كذا ضممت بضعه الى بعض ومنه سمى القصر، قال فى القاموس القصر خلاف الطول وخلاف المد والمنزل وكل بيت من حجر وعلم لسبعة وخمسين موضعا مابين مدينة وقرية وحصن ودار اعجبها قصر بهرام جور من حجر واحد قرب همذان {مشيد} مبنى بالشيد اخليناه عن ساكنيه واهل المدينة يسمون الجص شيدا وقيل مشيد اى مطول مرفوع البنيان وهو يرجع لى الاول كما في المفردات ويقال شيد قواعده احكمها كأنه بناها بالشيد، وفى القاموس شاد الحائط يشيده طلاه بالشيد وهو ما طلى به حائط من جص ونحوه والمشيد المعمول به وكمؤيد المطول ـ روى ـ ان هذه بئر نزل عليها صالح النبى عليه السلام مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله من العذاب وهى بحضرموت وانما سمى بذلك لان صالحا حين حضرها مات وثمة بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح وامروا عليهم جليس بن جلاس واقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما فارسل الله عليهم حنظلة بن صفوان نبيا وكان حمالا فيهم فقتلوه فى السوق فاهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم، قال الامام السهيلى قيل ان البئر الرس وكانت بعدن لامة من بقايا ثمود وكان لهم ملك عدل حسن السيرة يقال له العلس وكانت البئر تسقى المدينة كلها وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك لانها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ورجال كثيرون موكلون بها وابازن بالنون من رخام وهى تشبه الحياض كثيرة تملأ للناس واخر للدواب واخر للغنم والبقر والهوام يستقون عليها بالليل والنهار يتداولون ولم يكن لهم ماء غيره فطال عمر الملك فلما جاءه الموت طلى بدهن لتبقى صورته ولا يتغير وكذلك يفعلون اذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا ان امرهم قد فسد وضجوا جميعا بالبكاء واغتنمها الشيطان منهم فدخل فى جثة الملك بعد موته بايام كثيرة فكلمهم فقال انى لم امت ولكنى قد تغيبت عنكم حتى ارى صنيعكم بعدى ففرحوا اشد الفرح وامر خاصته ان يضربوا له حجابا بينه وبينهم يكلمهم من ورائه كيلا يعرف الموت فى صورته ووجهه فنصبوه صنما من وراء حجاب لا يأكل ولا يشرب واخبرهم انه لايموت ابدا وانه اله لهم وذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم وكان المؤمن المكذب منهم اقل من المصدق فكلما تكلم ناصح منهم زجر وقهر فاتفقوا على عبادته فعبث الله تعالى لهم نبيا كان الوحى ينزل عليه فى النوم دون اليقظة وكان سمه حنظلة بن صفوان فاعلمهم ان الصورة صنم لا روح له وان الشيطان فيه وقد اضلهم ان الله تعالى لا يتمثل بالحلق وان الملك لايجوز ن يكون شريكا لله واوعدهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته فآذوه وعادوه حتى قتلوه وطرحوه فى بئر فعند ذلك حلت عليهم النقمة فباتوا شباعا رواء من الماء واصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها فصاحوا باجمعهم وصج النساء والولدان وضجت البهائم عطشا حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك وخلفهم فى ارضهم السباع وفى منازلهم الثعالب والضباع وتبدلت بهم جناتهم واموالهم بالسدر والشوك شوك العضاة والقتاد فلا تسمع فيه الاعزيف الجن وزئير الاسد نعوذ بالله من سطواته ومن الاصرار على ما يوجب نقماته، واما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن ارم ولم يبن فى الارض مثله فيما ذكر وحاله كحال هذه البئر المذكورة فى ايحاشه بعد الانس واقفاره بعد العمران وان احدا لا يستطيع ان يدنو منه على اميال لما يسمع فيه من عزيف الجن والاصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغيد وبها الملك وانتظام الاهل كالسلك فبادوا وما عادوا فذكرهم الله تعالى فى هذه الآية موعظة وذكرا وتحذيرا من سوء عاقبة المخالفة والمعصية، قال الكاشفى [در تيسير آورده كه بادشاهى كافر بر وزير مسلمان غضب كرد وخواست اورا بكشد وزير بكريخت باجهار هزاركس ازاهل ايمان ودربايان كوه حضرموت كه هواى خوش داشت منزل ساخت هرجند جاه مى كندند آب تلخ بيرون آمديكى ازرجال الغيب بديشان رسيده موضعى جهت جاه نشان كرد جون بكندند آبى درغايت صفا لطافت ونهايت رقت وعذوبت بيرون آمد شعر : درمزه جون شيرهء شاخ نبات در حوشى همشيرهء آب حيات تفسير : ايشان آن جاه را كشاده ساختند وازبايان تابالابخشتهاى زر ونقره بر آوردند وبرستش بروردكار خود مشغول كشتند بعد ازمدتى متمادى شيطان بصورت عجوز صالحة برآمد زنانرا دلالت كرد برآنكه بوقت غيبت شوهران سحاقى اشتغال كند وديكر باره بشكل مردى زاهد برايشان ظاهر شدمر دانرا بوقت دورىء ازواج ازايشان باتيان بهائم فرمود وجون اين عمل قبيح درميان ايشان بديد آمد حق سبحانه حنظلة يا قحافة بن صفوان رابه بيغمبرى بديشان فرستاد وبدو نكر ديدند آب ايشان غائب شد وبعد ازوعده ايمان بيغمبر دعا فرموده آب بازآمد وهم فرمان نبردند حق تعالى فرمودكه بعد ازهفت سال وهفت ماء وهفت روز عذاب بديشان ميفرستم ايشان قصر مشيدرا بنا كردند بخشتهاى زر ونقره ويواقيت وجواهر مرضع ساختند وبعد انقضاى زمانه مهلت رجوع بآن قصر كرده درها فروبستند وجبرئيل فرود آمد ويشانرا بكوشك برزمين فرو وجاه ايشان ما نده است ودود سياه منتن از انجا برمى آمد ودران نواحى ناله هلاك شدكان ميشنوند] شعر : نه هركز شنيدم درين عمر خويش كه بدمردرا نيكى آمد به بيش رطب ناورد جوب حرزهره بار جه تخم افكنى برهمان جشم دار غم وشاد مانى نماند وليك جزاى عمل ماند ونام نيك
الجنابذي
تفسير : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ} خالية مشتملة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} اى سقوفها او قصورها او اسرّتها، او ساقطة خربة على عروشها يعنى خربة جدرانها على سقوفها، او ابنيتها الدّانية على قصورها العالية، او ساقطة على سرر سلاطينها {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} عطف على قريةٍ اى كأيّن من بئرٍ معطّلة اهلكنا اهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} اهلكناها وقد فسّر البئر المعطّلة بالعالم الّذى لا يرجع اليه، والقصر المشيد بالعالم الّذى يرجع اليه او الجاهل الّذى يتشبّه بأهل العلم فيرجع اليه، وفسّر بالامام الصّامت والامام النّاطق، وبالامام الغائب والامام الظّاهر، وبفاطمة (ع) وولدها (ع) المعطّلين عن ملكهم وحقّهم، وبأمر المؤمنين (ع) وأولاده (ع) المنتشرة فى الخلق فضائلهم، وبعلم آل محمّدٍ (ص) الّذى كان معطّلاً لا يجدون له اهلاً، وبمجدهم وسائر صفاتهم المشهورة لكلّ احدٍ، وبولاية علىٍّ (ع) ونبوّة محمّدٍ (ص)، وبحقيقة الدّين الّتى كانت معطّلة فى كلّ شريعة، وبالملّة الّتى كانت مرتفعة فى زمان كلّ نبىٍّ وبعده.
فرات الكوفي
تفسير : {وبئرٍ معطلة وقصرٍ مشيد45} قال: حدّثنا فرات معنعناً: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام في قول الله [جل جلاله. أ، ر: تعالى]: {وبئر معطلة وقصرٍ مشيد} قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حديث : القصر، والبئر المعطلة علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ب. أ: صلوات الله عليه] .
الأعقم
تفسير : {فكأيّن من قرية} أي كم من قرية {أهلكناها وهي ظالمة} أي أهلكناها ظالمة {فهي خاوية على عروشها} قيل: ساقطة على سقوفها، أي تهدمت الحيطان على السقوف، وقيل: خالية عن أهلها، قال جار الله (رحمه الله تعالى): {وبئر معطلة} متروكة مخلاة من أهلها {وقصر مشيد} قيل: رفيع طويل، والمعنى كم قرية أهلكناها وكم بِئر عطلناها عن سقائها وقصر مشيَّد، قال جار الله: والمشيد المجصص المرتفع البنيان، وروي أن هذه بئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، وثم بلد عند البئر اسمها حاصوراء بناها قوم صالح، وأمروا عليها جهلس بن حلاس فأقاموا بها زماناً، ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله اليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه، فأهلكهم الله وعطّل بئرهم وخرَّب قصورهم {أفلم يسيروا في الأرض} يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويحتمل أن يكونوا قد سافروا وراء ذلك ولكن لم يعتبروا فجُعِلوا كأن لم يسافروا ولم يروا {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} ما يجب أن يعقل من التوحيد ويسمعون ما يجب أن يسمع من الوحي {فإنها لا تعمى الأبصار} يعني أبصار هؤلاء الكفار {ولكن تعمى القلوب} حيث لم يتفكروا {التي في الصدور}، وقيل: أراد بالعمي الضلال، يعني ضلّ القلب دون البصر، وذكر الصدر تأكيداً {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث واستعجالهم بالعذاب ردّاً وكذباً {ولن يخلف الله وعده} لن يخلف الله شيئاً، وذلك أنهم وعدوا وعداً ولن يخلف الله شيئاً منه وهذا يوم بدر أو يوم القيامة {وإن يوماً عند ربك} يعني يوم القيامة {كألف سنة مما تعدون} قيل: يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا، وقيل: أن يوماً في مقدار العذاب في ذلك اليوم لشدته كمقدار عذاب ألف سنة من أيام الدنيا، وقيل: أراد الطول ووقوف العبد للمحاسبة يوم القيامة، ومتى قيل: كيف يصح ذكر اليوم في الآخرة لا نهار ولا ليل؟ قالوا: يحتمل أن يكون هناك علامة إذا بلغ ذلك القدر سمي يوماً فيكون مقداره في الدنيا ألف سنة {وكأين من قرية أمليت لها} أي أمهلت لها {وهي ظالمة} أي أهلها فلم أعاجلها بالعذاب للمصلحة {ثم أخذتها} بالعذاب {وإليَّ المصير} للجميع فيه أن طول الإمهال لا يعتبر به {قل} يا محمد {يأيّها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} نذير مخوف بالعذاب لمن عصى ومبشراً بالجنّة لمن أطاع {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم}، قيل: نعيم الجنة وهو أكرم نعيم وأكبر دار {والذين سعوا} على طمع {في آياتنا} في إعجاز الرسول والمؤمنين فأضافه إلى نفسه تعظيماً، وقيل: مقدرين أن يعجزوا الله ولن يعجزوه، وقيل: مغالبين، وقيل: سابقين، وقيل: يعجزون المؤمنين، وقرأ ابن كثير معجزين بالتشديد {أولئك أصحاب الجحيم} يعني الملازمون لجهنم خالدين فيها.
اطفيش
تفسير : {فَكأَيِّن} أي كم بنيت لتضمنها معنى رب التكثيرية أو للتركيب من كاف التشبيه وأي المنونة ولهذا جاز الوقف عليها بالنون لان التنوين لما دخل في التركيب اشبه النون الاصلية ولهذا رسم في المصحف نونا. وبعضهم وقف بحذف التنوين والكلام مبسوط عليها في غير هذا الموضع * {مِّن قَرْيَةٍ} قيل: (من) زائدة في المضاف إليه في الاثبات. وقيل غير زائدة لكن لا تتعلق بشيء واجاز بعض وصف (كأي) فتتعلق بمحذوف وجوبا نعت لها {أَهْلَكْنَاهَا} خبر للمبتدأ الذي هو (كأي) والتأنيث لوقوعها على قرية وبئر وقصر والمراد اهلكنا اهلها. وقرأ ابو عمرو (اهلكتها) بالتاء. قيل: وكذا قرأ ابن عامر ويجوز جعل (كأي) مفعولا بمحذوف مقدر بعدها على الاشتغال * {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} حال من مفعول (أهلكنا) والمراد (ظالم أهلها) كقولك: (زينب قائم ابوها) {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} جملة اسمية معطوفة على (اهلكناها) في محل رفع ان كان (اهلكناها) خبرا ولا محل لها ان كان من الاشتغال ولا يصح عطفها على (هي ظالمة) لان (هي ظالمة) حال وهذه لا تصح حاليتها لان القرية في حال الاهلاك ليست خاوية نعم يصح عطفها على (ظالمة) مبينا بها ان الظلم سبب خوائها. والظلم، الشرك إذا عم؛ والخاوية؛ الساقطة أو الخالية من اهلها. خوى النجم سقط وخوى المنزل خلا من اهله. والعروش؛ جمع عرش وهو كل ما علاك واظلك والمراد هنا السقوف أي فهي ساقطة حيطانها على سقوفها سواء سقطت السقوف ايضا إلى الارض قبل سقوط الحيطان عليها أو بعده أو لم تسقط وعلى متعلق بخاوية أو فهي خالية من أهلها مع بقاء عروشها فعلى متعلق بخاوية اي مع بقاء عروشها أو حال من ضمير خاوية أو خبر ثاني كما تقول: (زيد على ماله) وان تريد عدم زوال ماله لا استعلاء على ماله أو فهي خالية مظلة الحيطان على السقوف أي مشرفة الوقوع عليها سواء سقط السقوف ام لم تسقط فالجار والمجرور خبر ثان أو حال. وقيل: العروش البنيان أي خالية مع بقاء البنيان أو ساقط بعض بنيانها على بعض {وَبِئرٍ مُّعَطَّلَةٍ} عطف على قرية والمعطلة المتروكة لموت اهلها بلا استسقاء منها والمراد ما يعم الآبار التي في القرى والتي في الصحارى والتي بقي معها آلة السقي والتي لم يتبق آلة السقي معه. وقيل: المراد آبار الصحاري. وقيل: المراد الآبار التي بقي معها آلة السقي. وقرئ (معطلة) باسكان العين من اعطلة بمعنى عطلة وهي قراءة الحسن فقيل: العطف على عروش أي خالية من سلامة عروشها وبيرها المعطلة. وقيل: المعطلة المهدومة هدمها مرور الايام عليها خالية ممن يعاهدها * {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} مجصص أو مرفوع حصين اسم مفعول (مشيد) اصله (مشيود) ثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة فالتقى ساكنان حذفت الواو وكسرت الشين أو كسرت الشين وحذفت الياء وقلبت الواو ياء أو نقلت الضمة للشين وحذفت الياء وقلبت الضمة كسرة والواو ياء والعطف على بئر أو قرية وهما في (اهلكناها) عائدة لقرية وبئر وقصر وهما في نية التقديم أي (وكم من قرية وبئر معطلة وقصر مشيد اهلكنا اهلها وهي ظالم اهلها). ويختص قوله {فهي خاوية على عروشها} بالقرية ويقدر لغيرها ما يناسبه أي وهو عنى القصر اخليناه عن ساكنيه وحذف لدلالة المقام ولا يحتاج قوله بئر معطلة إلى تقدير ومن تلك القرى والقصور والآبار ما هو باليمن ومنها ما هو بغيره كحضرموت. روي ان في حضرموت بئر انزل عليها صالح عليه السلام مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله من العذاب. ولا يحسن تخريج الآية على هذه البئر وهذا القصر لان العطف على التكثير؛ نعم؛ يصح على تقدير (رب) لكن التقليل لا يناسب مساق الآية لانها سيقت لتكثير ما اهلك تخويفا فالاولى تعميم البئر والقصر المشيد فيدخل فيها هذان وغيرهما. سميت حضرموت حضرموت لان صالحا لما حضرها مات. وقيل: ان اهلها قدموا رجلا للقتال فقال حضر الموت وعند البئر بلدة اسمها حاضور بناها قوم صالح بعد موته وامروا عليها جهلس بن جبلس واقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وارسل الله إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق والقوه في البئر فاهلكهم الله وعطل البئر وخرب قصورهم. واعلم ان وصف القصر بالمشيد دليل على ان معنى (فهي خاوية على عروشها) هي خالية مع بقاء عروشها.
اطفيش
تفسير : {فَكأيِّن مِن قْريةٍ أهلكنَاهَا} بمعنى كثير مبتدأ أو منصوب على الاشتغال، والأصل عدم الحذف، ولكن الاشتغال موافق للجملة الفعلية قبلها، وأما ما قيل كون كأين منصوبة بمضمر قليل فلا دليل له، بل هى من جملة المحتمل، وقرية اسم لأهلها مجازاً، أو يقدر أهلك أهلها، ويجوز أن يكون الإهلاك استعارة لعدم الانتفاع بها لهلاك أهلها {وهى ظالمةٌ} حال من ضمير النصب فى أهلكناها، وإسناد الظلم أيها مجاز أو يقدر وهى ظالمة الأهل، أو أهلها ظالمون. {فهى خاوية} ساقطة {على عروشها} سقوفها تسقط أولا الى الأرض، ولو تعددت ثم تسقط عليها الحيطان، وكأنه اعتبرته الحيطان كل البنيان لكونها العمدة فيه، وذلك أولى من أن يقال: تسقط الحيطان على السقوف باقية على حالها على حيطانها، أو خاوية بمعنى خالية من أهلها، ومثل خوى البطن من الطعام وعليه، فعلى عروشها بمعنى مع بقاء عروشها، أو على عروشها خبر ثان، أى قائمة على عروشها الساقطة، فالسقوط ساقطة، والحيطان باقية مشرفة عليها، وأسهل من ذلك تقدير مضاف هكذا، فحيطانها خاوية. {وبئر} فى الصحراء البادية {معطلة} عن الانتفاع بها لهلاك أهلها، سميت بئراً لأنها بئرت بمعنى حفرت، سواء بالهمز أو بالياء، فعيل بمعنى مفعول فى الأصل {وقَصْر مَشيدٍ} مرفوع أو بنى بالشيد، أى الجص أو ملطخ به، والعطف على قرية، فضمير النصب فى أهلكناها شامل للبئر، والقصر مسلط الإهلاك عليهما والتكثير على حد ما مر فى القرية، وأكد إهلاك البئر بذكر زيادة التعطيل، وقيل ذلك عطف على معمول عاملين أى وكأين من بئر وقصر مشيد أهلكناها، ومعنى إهلاك البئر مع أنها معطلة الإخبار بأن تعطيلها بإهلاك أهلها، أو يقدر: وكم من بئر معطلة أهلكنا أهلها، وصار تعطيلها بإهلاكهم، وكم قصر مشيد أخليناه بإهلاك أهله. ومن جملة تلك الآبار والقصور بئر اهل عدن من اليمن وهى الرس، وقصر لعاد الثانى، ومنها قصر على جبل بحضرموت، وبئر بسفحه، نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف آمنوا به، وسميت القرية حضرموت لموته فيها، وقيل مات فى عكا، ومن ذلك قرية بناها قومه عند البئر، وأمروا عليها جلهس بن جلاس، وعبدوا صنماً، وأرسل إليهم حنظلة ابن صفوان قتلوه فى السوق، فأهلكت قريتهم وبئرهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهَا} أي فأهلكنا كثيراً من القرى أهلكناها، والجملة بدل من قوله / سبحانه { أية : فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } تفسير : [الحج: 44] أو مرفوع على الابتداء وجملة {أَهْلَكْنَـٰهَا} خبره أي فكثير من القرى أهلكناها، واختار هذا أبو حيان قال: الأجود في إعراب {كَأَيّن} أن تكون مبتدأ وكونها منصوبة بفعل مضمر قليل. وقرأ أبو عمرو وجماعة {أهلكتها} بتاء المتكلم على وفق { أية : فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثم أخذتهم } تفسير : [الحج: 44] ونسبة الإهلاك إلى القرى مجازية والمراد إهلاك أهلها، ويجوز أن يكون الكلام بتقدير مضاف، وقيل: الإهلاك استعارة لعدم الانتفاع بها بإهلاك أهلها. وقوله تعالى: {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} جملة حالية من مفعول (أهلكنا)، وقوله تعالى: {فَهِىَ خَاوِيَةٌ} عطف على {أَهْلَكْنَـٰهَا} فلا محل له من الإعراب أو محله الرفع كالمعطوف عليه، ويجوز عطفه على جملة {كَأَيّن} الخ الاسمية واختاره بعضهم لقضية التشاكل، والفاء غير مانعة بناء على ترتب الخواء على الإهلاك لأنه على نحو زيد أبوك فهو عطوف عليك، وجوز عطفه على الجملة الحالية، واعترض بأن خواءها ليس في حال إهلاك أهلها بل بعده، وأجيب بأنها حال مقدرة ويصح عطفها على الحال المقارنة أو يقال هي حال مقارنة أيضاً بأن يكون إهلاك الأهل بخوائها عليهم، ولا يخفى أن كلا الجوابين خلاف الظاهر، والخواء إما بمعنى السقوط من خوى النجم إذا سقط، وقوله تعالى: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} متعلق به، والمراد بالعروش السقوف، والمعنى فهي ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإسناد السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل البنيان لكونها عمدة فيه، وإما بمعنى الخلو من خوت الدار تخوى خواء إذا خلت من أهلها، ويقال: خوى البطن يخوي خوى إذا خلا من الطعام، وجعل الراغب أصل معنى الخواء هذا وجعل خوى النجم من ذلك فقال: يقال خوى النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك فقوله تعالى: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} إما متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالاً، و {عَلَىٰ} بمعنى مع أي فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها، ويجوز على تفسير الخواء بالخلو أن يكون {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} خبراً بعد خبر أي فهي خالية وهي على عروشها أي قائمة مشرفة على عروشها على أن السقوف سقطت إلى الأرض وبقيت الحيطان قائمة وهي مشرفة على السقوف الساقطة، وإسناد الإشراف إلى الكل مع كونه حال الحيطان لما مر آنفاً. {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} عطف على {قَرْيَةٌ} والبئر من بأرت أي حفرت وهي مؤنثة على وزن فعل بمعنى مفعول وقد تذكر على معنى القليب وتجمع على (أبْآر وآبار وأبؤر وآبُر وبِئار)، وتعطيل الشيء إبطال منافعه أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها. وقرأ الجحدري والحسن وجماعة {مُّعَطَّلَةٍ} بها لتخفيف من أعطله بمعنى عطله. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} عطف على ما تقدم أيضاً أي وكم قصر مرفوع البنيان أو مبني بالشيد بالكسر أي الجص أخليناه عن ساكنيه كما يشعر به السياق ووصف البئر بمعطلة قيل وهذا يؤيد كون معنى {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} خالية مع بقاء عروشها، وفي «البحر» ينبغي أن يكون {بئر. وَقَصْرٍ} من حيث عطفهما على {قَرْيَةٌ} داخلين معها في حيز الإهلاك مخبراً به عنهما بضرب من التجوز أي وكم بئر معطلة وقصر مشيد أهلكنا أهلهما. وزعم بعضهم عطفهما على {عُرُوشِهَا} وليس بشيء، وظاهر التنكير فيهما عدم إرادة معين منهما، وعن ابن عباس أن البئر كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس، وعن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني. / وعن الضحاك وغيره أن القصر على قلة جبل بحضرموت والبئر بسفحه وأن صالحاً عليه السلام نزل عليها مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب، وسميت حضرموت بفتح الراء والميم ويضمان ويبنى ويضاف لأن صالحاً عليه السلام حين حضرها مات، وعند البئر بلدة اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأمروا عليها جلهس بن جلاس وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى عن آخرهم وعطل سبحانه بئرهم وقصرهم. وجوز أن يكون إرادة ذلك بطريق التعريض وفيه بعد.
ابن عاشور
تفسير : تفرع ذكر جملة {كأين من قرية} على جملة {أية : فكيف كان نكير}تفسير : [الحج: 44] فعطفت عليها بفاء التفريع، والتعقيب في الذكر لا في الوجود، لأن الإملاء لكثير من القرى ثم أخذها بعد الإملاء لها يبين كيفيّة نكير الله وغضبه على القرى الظالمة ويفسره، فناسب أن يذكر التفسير عقب المفسر بحرف التفريع، ثم هو يفيد بما ذكر فيه من اسم كثرة العَدد شُمولاً للأقوام الذين ذُكروا من قبل في قوله: {أية : فقد كذبت قبلهم قوم نوح}تفسير : [الحج: 42] إلى آخره فيكون لتلك الجملةِ بمنزلة التذييل. و{كأيّن} اسم دال على الإخبار عن عدد كثير. وموضعها من الجملة محل رفع بالابتداء وما بعده خبر. والتقدير: كثير من القرى أهلكناها، وجملة {أهلكناها} الخبر. ويجوز كونها في محل نصب على المفعولية بفعل محذوف يفسره {أهلكناها} والتقدير: أهلكنا كثيراً من القرى أهلكناها، والأحسن الوجه الأول لأنه يحقق الصدارة التي تستحقها (كأيّن) بدون حاجة إلى الاكتفاء بالصدارة الصورية، وعلى الوجه الأول فجملة {أهلكناها} في محل جر صفة لــــ {قرية}. وجملة {فهي خاوية} معطوفة على جملة {أهلكناها،} وقد تقدم نظيره في قوله {أية : وكأين من نبي}تفسير : في[سورة آل عمران: 146]. وأهل المدن الذين أهلكهم الله لظلمهم كثيرون، منهم من ذُكر في القرآن مثل عاد وثمود. ومنهم من لم يذكر مثل طَسم وجَديس وآثارُهم باقية في اليمامة. ومعنى {خاوية على عروشها} أنها لم يبق فيها سقف ولا جدار. وجملة {على عروشها} خبر ثان عن ضمير {فهي}والمعنى: ساقطة على عروشها، أي ساقطة جدرانها فوق سُقفها. والعروش: جمع عَرش، وهو السَقْف، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها}تفسير : في[سورة البقرة: 259]. والمعطلة: التي عطل الانتفاع بها مع صلاحها للانتفاع، أي هي نابعة بالماء وحولها وسائل السقي ولكنها لا يستقى منها لأن أهلها هلكوا. وقد وجد المسلمون في مسيرهم إلى تبوك بئاراً في ديار ثمود ونهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب منها إلا بِئراً واحدة التي شربت منها ناقة صالح - عليه السلام -. والقصر: المسكن المبني بالحجارة المجعول طباقاً. والمَشِيد: المبنيّ بالشّيد ــــ بكسر الشين وسكون الياء ــــ وهو الجصّ: وإنما يبنى به البناء من الحجر لأنّ الجصّ أشدّ من التراب فبشدة مسكه يطول بقاء الحجر الذي رُصّ به. والقصور المُشيّدة: وهي المخلفة عن القرى التي أهلكها الله كثيرةٌ مثل: قصر غُمدان في اليمن، وقصور ثمود في الحِجْر، وقصور الفراعنة في صعيد مصر، وفي «تفسير القرطبي» يقال: «إن هذه البئر وهذا القصر بحضرموت معروفان. ويقال: إنها بئر الرّس وكانت في عدن وتسمى حضور ــــ بفتح الحاء ــــ. وكان أهلها بقية من المؤمنين بصالح الرسول - عليه السلام -. وكان صالح معهم، وأنهم آل أمرهم إلى عبادة صنم وأن الله بعث إليهم حَنظلة بن صفوان رسولاً فنهاهم عن عبادة الصنم فقتلوه فغارت البئر وهلكوا عطشاً». يريد أن هذه القرية واحدة من القرى المذكورة في هذه الآية وإلا فإن كلمة (كأيّنْ) تنافي إرادة قرية معيّنة. وقرأ الجمهور {أهلكناها} ــــ بنون العظمة ــــ: وقرأه أبو عَمرو ويعقوب {أهلكتُها} ــــ بتاء المتكلم ــــ.
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيراً من القرى في حال كونها ظالمة: أي بسبب ذلك الظلم، وهو الكفر بالله وتكذيب رسله، فصارت بسبب الإهلاك والتدمير ديارها متهدمة وآبارها معطلة، لا يسقي منها شيء لإهلاك أهلها الذين كانوا يستقون منها. وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه الآية: جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}تفسير : [الطلاق: 8-10] وقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}تفسير : [هود: 102] وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}" تفسير : إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} العروش السقوف والخاوية الساقطة ومنه قول الخنساء: شعر : كان أبو حسان عرشاً خوى مما بناه الدهر دان ظليل تفسير : والمعنى: أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات، والقصر المشيد المطلي بالشيد بكسر الشين، وهو الجص، وقيل المشيد الرفيع الحصين. كقوله تعالى: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء: 78] أي حصون رفيعة منيعة. والظاهر أن قوله: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} معطوف على قرية: أي وكأين من قرية أهلكناها، وكم من بئر عطلناها بإهلاك أهلها، وكم من قصر مشيد أخليناه من ساكنيه، وأهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل. وفي هذه الآية وأمثالها: تهديد لكفار قريش الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى من العذاب لما كذبت رسلها. تنبيه: يظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} يدل على تهدم أبنية أهلها، وسقوطها وقوله: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} يدل على بقاء أبنيتها قائمة مشيدة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في جواب هذا السؤال: أن قصور القرى التي أهلكها الله، وقت نزول هذه الآية منها ما هو متهدم كما دل عليه قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} ومنها ما هو قائم باق على بنائه، كما دل عليه قوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} وإنما استظهرنا هذا الجمع، لأن القرآن دل عليه، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود: {أية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ}تفسير : [هود: 100] فصرح في هذه الآية بأن منها قائماً، ومنها حصيداً. وأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن: أن القائم هو الذي لم يتهدم. والحصيد هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه. ونظيره من كلام العرب قوله: شعر : والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد تفسير : وفي معنى القائم والحصيد، أقوال أخر غير ما ذكرنا، ولكن ما ذكرنا هو أظهرها. وذكر الزمخشري ما يفهم منه وجه آخر للجمع، وهو أن معنى قوله خاوية: خالية من أهلها من قوله: خوى المكان إذا خلا من أهله، وأن معنى: على عروشها: أن الأبنية باقية أي هي خالية من أهلها مع بقاء عروشها قائمة على حيطانها. وما ذكرناه أولاً هو الصواب إن شاء الله تعالى. وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية: يطلق تارة على نفس الأبنية، وتارة على أهلها الساكنين بها، فالإهلاك في قوله: {أَهْلَكْنَاهَا}، والظلم في قوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ}: يراد به أهلها الساكنون بها وقوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} يراد به الأبنية كما قال في آية: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا}تفسير : [يوسف: 82] وقال في أخرى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا}تفسير : [الكهف: 77]. وقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: أن ما يسميه البلاغيون مجاز النقص، ومجاز الزيادة، ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين، وأقمنا الدليل على ذلك، وقرأ هذا الحرف ابن كثير: وكائن بألف بعد الكاف،وبعد الألف همزة مكسورة، فنون ساكنة وقرأه الباقون: وكأين بهمزة مفتوحة بعد الكاف بعدها ياء مكسورة مشددة فنون ساكنة. ومعنى القراءتين واحد، فهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان صحيحتان. وأبو عمرو يقف على الياء، والباقون يقفون على النون، وقرأ أبو عمرو: أهلكتها بتاء المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير ألف، والباقون بنون مفتوحة بعد الكاف، وبعد النون ألف، والمراد بصيغة الجمع، على قراءة الجمهور التعظيم، كما هو واضح، وقرأ ورش والسوسي وبير بإبدال الهمزة ياء والباقون بالهمزة الساكنة. مسألة اعلم: أن كأين فيها لغات عديدة أفصحها الاثنتان اللتان ذكرناهما، وكأين بفتح الهمزة والياء المكسورة المشددة أكثر في كلام العرب، وهي قراءة الجمهور كما بينا، وكأين بالألف والهمزة المكسورة أكثر في شعر العرب، ولم يقرأ بها من السبعة غير ابن كثير كما بينا، ومعنى كأين: كمعنى كم الخبرية، فهي تدل على الإخبار بعدد كثير ومميزها له حالتان: الأولى: أن يجرّ بمن وهي لغة القرآن كقوله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ}تفسير : [الحج: 48 ومحمد: 13 والطلاق: 8] وقوله {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ}تفسير : [آل عمران: 146] الآية {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 105] الآية. ونظير ذلك من كلام العرب في جر مميز كأين بمن قوله: شعر : وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصيب هو المصابا تفسير : الحالة الثانية أن ينصب ومنه قوله: شعر : وكائن لنا فضلاً عليكم ومنة قديماً ولا تدرون ما من منعم تفسير : وقول الآخر: شعر : اطرد اليأس بالرجاء فكائن آلما حم يسره بعد عسر تفسير : قال في الخلاصة: شعر : ككم كأين وكذا وينتصب تمييز ذين أو به صل من تصب تفسير : أما الاستفهام بكأين فهو نادر ولم يثبته إلا ابن مالك، وابن قتيبة، وابن عصفور، واستدل له ابن مالك بما روى عن أبي بن كعب أنه قال لابن مسعود: كأين تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثاً وسبعين اهـ. واختلف في كأين هل هي بسيطة أو مركبة وعلى أنها مركبة فهي مركبة من كاف التشبيه، وأي المنونة، قال بعضهم: ولأجل تركيبها جاز الوقف عليها بالنون في قراءة الجمهور، لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية، ولهذا رسم في المصحف نوناً وقراءة أبي عمرو بالوقف على الياء لأجل اعتبار حكم التنوين في الأصل، هو حذفه في الوقف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي أن كأين بسيطة، وأنها كلمة وضعتها العرب للإخبار بعدد كثير نحو: كم. إذ لا دليل يجب الرجوع إليه على أن أصلها مركبة، ومن الدليل على أنها بسيطة: إثبات نونها في الخط لأن الأصل في نون التنوين عدم إثباتها في الخط، ودعوى أن التركيب جعلها كالنون الأصلية دعوى مجردة عن الدليل. واختار أبو حيان أنها غير مركبة، واستدل لذلك بتلاعب العرب بها في تعدد اللغات، فإن فيها خمس لغات اثنتان منها قد قدمناهما، وبينا أنهما قراءتان سبعيتان، لأن إحداهما قرأ بها ابن كثير والأخرى قرأ بها الجمهور. واللغة الثالثة فيها: كأين بهمزة ساكنة فياء مكسورة، والرابعة كيئن بياء ساكنة وهمزة مكسورة، الخامسة: كأن بهمزة مفتوحة ونون ساكنة اهـ. ولقد صدق أبو حيان في أن التلاعب بلفظ هذه الكلمة إلى هذه اللغات يدل على أن أصلها بسيطة لا مركبة. والله تعالى أعلم. واعلم: أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة من أن البئر المعطلة، والقصر المشيد معروفان، ,أنهما بحضرموت، وأن القصر مشرف على تلة جبل لا يرتقي إليه بحال، وأن البئر في سفحه لا تقر الرياح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته، وما يذكرونه أيضاً من أن البئر هي: الرس، وأنها كانت بعدن باليمن بحضرموت في بلد يقال له: حضور، وأنها نزل بها أربعة آلاف ممن آمنوا بصالح، ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح، فسمي المكان حضرموت، لأن صالحاً لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم رجلاً يقال له العلس بن جلاس بن سويد أو جلهس بن جلاس وكان حسن السيرة فيهم عاملاً عليهم، وجعلوا وزيره سنجاريب بن سوادة، فأقاموا دهراً، وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك، لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وحياض كثيرة حولها تملأ للناس وحياض للدواب وحياض للغنم، وحياض للبقر، ولم يكن لهم ماء غيرها، وآل لهم الأمر إلى أن مات ملكهم وطلوا جثته بدهن يمنعها من التغيير، وأن الشيطان دخل في جثته، وزعم لهم أنه هو الملك، وأنه لم يمت ولكنه تغيب عنهم ليرى صنيعهم وأمرهم أن يضربوا بينهم وبين الجثة حجاباً، وكان الشيطان يكلمهم من جثة الملك من وراء حجاب لئلا يطلعوا على الحقيقة أنه ميت، ولم يزل بهم حتى كفروا بالله تعالى فبعث الله إليهم نبياً اسمه: حنظلة بن صفوان يوحي إليه في النوم دون اليقظة، فأعلمهم أن الشيطان أضلهم وأخبرهم أن ملكهم قد مات، ونهاهم عن الشرك بالله ووعظهم ونصح لهم، وحذرهم عقاب ربهم، فقتلوا نبيهم المذكور في السوق، وطرحوه في بئر فعند ذلك نزل بهم عقاب الله، فأصبحوا والبئر غار ماؤها، وتعطل رشاؤها فصاحوا بأجمعهم، وضج النساء والصبيان حتى مات الجميع من العطش، وأن تلك البئر هي البئر المعطلة في هذه الآية كله لا معول عليه، لأنه من جنس الإسرائيليات، وظاهر القرآن يدل على خلافه، لأن قوله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} تفسير : [الحج: 48 و محمد: 13 والطلاق: 8] معناه. الإخبار بأن عدداً كبيراً من القرى أهلكهم الله بظلمهم، وأن كثيراً من آبارهم بقيت معطلة بهلاك أهلها، وأن كثيراً من القصور المشيدة بقيت بعد هلاك أهلها بدونهم، لأن مميز كأين، وإن كان لفظه مفرداً فمعناه يشمل عدداً كثيراً كما هو معلوم في محله. وقال أبو حيان في البحر المحيط وعن الإمام أبي القاسم الأنصاري قال: رأيت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا فكيف يكون بحضرموت، ومعلوم أن ديار قوم صالح التي أهلكوا فيها معروفة يمر بها الذاهب من المدينة إلى الشام، وقد قدمنا في سورة الحجر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مر بها في طريقه إلى تبوك في غزوة تبوك. ومن المستبعد أن يقطع صالح، ومن آمن من قومه هذه المسافة البعيدة من أرض الحجر إلى حضرموت من غير داع يدعوه ويضطره إلى ذلك، كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَهْلَكْنَاهَا} (45) - إِنَّ القُرَى التي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِها وَكُفْرِها وَتَكْذِيبِها رُسُلَ اللهِ، هِيَ كَثِيرَةٌ (فَكَأَين) فَأَصْبَحَتْ مُهَدَّمَةَ البُنْيَانِ، قَدْ سَقَطَتْ سَقُوفُها عَلَى قِيعَانِهَا، وأَقْفَرَت الأَبْنِيةُ مِنْ سَاكِنيها، فَأَصْبَحَتْ مُوحِشَةً كَئِيبَةً، وَأَصْبَحَتِ الآبَارُ مُعَطَّلَةً مَهْجُورَةً لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَأْتِي إِلَيْهَا لِيَحْمِلَ مِنهَا الماءَ، وأَصْبَحَتِ القُصُورُ، المَبْنِيَّةُ لِتَكُونَ حُصُوناً وَمَعَاقِلَ يَحْتَمِي أَصْحَابُها بِها، مَهْجُورَةً خَالِيةً مِنْ سَاكِنيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ..} [الحج: 45] (كأيِّن) أداة تدل على الكَثْرة مثل: كم الخبرية حين تقول: كَمْ أحسنتُ إليك. تعني مرات عديدة تفوق الحصر، فهي تدل على المبالغة في العدد والكمية، ومنها قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ..} تفسير : [آل عمران: 146]. والقرية: اسم للمكان، وحين يُهلِك الله القرية لا يُهلك المكان، إنما يهلك المكين فيه، فالمراد بالقرية أهلها، كما ورد في قوله تعالى: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا ..} تفسير : [يوسف: 82] أي: اسأل أهل القرية. ويحتمل أن يكون المعنى: اسأل القرية تُجبك، لأنك لو سألتَ أهل القرية فلربما يكذبون، أمَّا القرية فتسجل الأحداث وتُخبِر بها كما حدثت. وقد يتعدى الهلاك إلى القرية ذاتها، فيغير معالمها بدليل قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ ..} تفسير : [النمل: 52]. ومعنى: {أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ..} [الحج: 45] أي: بسبب ظُلْمها، ولا يُغيِّر الله ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم، وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. فهلاك القُرَى لا بُدَّ أن يكون له سبب، فلما وقع عليها الهلاك أصبحت {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ..} [الحج: 45] الشيء الخاوي يعني: الذي سقط وتهدَّم على غيره، وقوله: {عَلَىٰ عُرُوشِهَا ..} [الحج: 45] يدل على عِظَم ما حَلَّ بها من هلاك، حيث سقط السقف أولاً، ثم انهارت عليه الجدران، أو: أن الله تعالى قَلَبها رأساً على عَقِب، وجعل عاليها سافلها. وقوله سبحانه: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ..} [الحج: 45] البئر: هو الفجوة العميقة في الأرض، بحيث تصل إلى مستوى الماء الجوفيّ، ومنه يُخرِجون الماء للشُّرْب وللزراعة .. إلخ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ..} تفسير : [القصص: 23] أي: البئر الذي يشربون منه. والبئر حين تكون عاملة ومُسْتفاداً منها تلحظ حولها مظاهر حياة، حيث ينتشر الناس حولها، وينمو النبات على بقايا المياه المستخرجة منها، ويحوم حولها الطير ليرتوي منها، أما البئر المعطّلة غير المستعملة فتجدها خَرِبة ليس بها علامات حياة، وربما تسفو عليها الرياح، وتطمسها فتُعطَّل وتُهجَر، فالمراد معطلة عن أداء مهمتها، ومهمة البئر السُّقيا. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] القصر: اسم للمأوى الفَخْم؛ لأن المأوى قد يكون خيمة، أو فسطاطاً، أو عريشة، أو بيتاً، أو عمارة، وعندما يرتقي الإنسان في المأوى فيبني لنفسه شيئاً خاصاً به، لكن لا بُدَّ له أنْ يخرج لقضاء لوازم الحياة من طعام وخلافه، أما القصر فيعني مكان السكن الذي يتوفر لك بداخله كل ما تحتاج إليه، بحيث لا تحتاج إلى الخروج منه، يعني: بداخله كل مُقوِّمات الحياة. ومنه: سميت الحور مقصورات في قوله تعالى: {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} تفسير : [الرحمن: 72] يعني: لا تتعداها ولا تخرج منها. و{مَّشِيدٍ} [الحج: 45] من الشيد، وهو الجير الذي يستعمل كَمُونَةٍ في بناء الحجر يعني: مادة للصق الحجارة، وجَعْلها على مستوى واحد، وقديماً كان البناء بالطوب اللَّبن، والمونة من الطين، أما في القصور والمساكن الفخمة الراقية فالبناء بالحجر، والمشيد أيضاً العالي المرتفع، ومنه قولهم: أشاد به يعني: رفعه وأعْلى من مكانته، والارتفاع من مَيْزات القصور، ومعلوم أن مقاسات الغرف في العمارات مثلاً غيرها في القصور، هذه ضيقة منخفضة، وهذه واسعة عالية. وفي قوله تعالى {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] دليل على أن هؤلاء المهْلَكين كانوا من أصحاب الغِنَى والنعيم، ومن سكان القصور ومِنْ عِلْية القوم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} معناه مُزّينٌ بالشِّيدِ: وهو الجصُ والجيارُ.
همام الصنعاني
تفسير : 1940- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، عن عطاء في قوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}: [الآية: 45]، قال: مجصص. 1941- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن (هلال بن خباب)، عن عكرمة {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}: [الآية: 45]، قال: المحصص. 1942- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ}: [الآية: 45]، قال: عطلها أهْلُهَا وتركوها. {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}: [الآية: 45]، قال: كانَ أهْلُهُ شَيَّدُوهُ، وحَصَّنُوهُ، فهلكوا فتركوه. 1943- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {خَاوِيَةٌ}: [الآية: 45]، قا ل: خربةً ليس فيها أحَدٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):