Verse. 2641 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اَفَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَتَكُوْنَ لَہُمْ قُلُوْبٌ يَّعْقِلُوْنَ بِہَاۗ اَوْ اٰذَانٌ يَّسْمَعُوْنَ بِہَا۝۰ۚ فَاِنَّہَا لَا تَعْمَى الْاَبْصَارُ وَلٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوْبُ الَّتِيْ فِي الصُّدُوْرِ۝۴۶
Afalam yaseeroo fee alardi fatakoona lahum quloobun yaAAqiloona biha aw athanun yasmaAAoona biha fainnaha la taAAma alabsaru walakin taAAma alquloobu allatee fee alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفلم يسيروا» أي كفار مكة «في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها» ما نزل بالمكذبين قبلهم «أو آذان يسمعون بها» أخبارهم بإلاهلاك وخراب الديار فيعتبروا «فإنها» أي القصة «لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» تأكيد.

46

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى فيتّعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ؛ وروي عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} قال الفراء: الهاء عماد، ويجوز أن يقال فإنه، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على الأبصار أو القصة؛ أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة. {لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} أي أبصار العيون ثابتة لهم. {وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} أي عن درك الحق والاعتبار. وقال قتادة: البصر الناظر جعل بُلْغة ومنفعة، والبصر النافع في القلب. وقال مجاهد: لكن عين أربع أعين؛ يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته؛ فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضرّه عماه شيئاً، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئاً. وقال قتادة وابن جُبير: نزلت هذه الآية في ابن أُمّ مَكْتُوم الأعمى. قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} تفسير : [الإسراء: 72] قال ابن أمّ مكتوم: يا رسول الله، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}. أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } أي كفار مكة {فِى ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } ما نزل بالمكذبين قبلهم {أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أخبارهم بالإِهلاك وخراب الديار فيعتبروا؟{فَإِنَّهَا } أي القصة {لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تأكيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَعْقِلُونَ بِهَآ} يُعَبرون، أو يعلمون، يدل على أن العقل علم وأن محله القلب {يَسْمَعُونَ} يفهمون {لا تَعْمَى الأَبْصَارُ} قيل نزلت في ابن أم مكتوم.

النسفي

تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } هذا حث على السفر ليروا مصارع من أهلهم بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } الضمير في {فإنها} ضمير القصة أو ضمير مبهم يفسره {الأبصار} أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الاعتبار. ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه وعينان في قلبه، فإذا أبصر ما في القلب وعمي ما في الرأس لم يضره، وإن أبصر ما في الرأس وعمي ما في القلب لم ينفعه، وذكر الصدور لبيان أن محل العلم القلب ولئلا يقال: إن القلب يعني به غير هذا العضو كما يقال «القلب لب كل شيء». {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } الآجل استهزاء {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } كأنه قال: ولم يستعجلونك به كأنهم يجوزون الفوت وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف ولن يخلف الله وعده وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } {يعدون} مكي وكوفي غير عاصم أي كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدائد طوال. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } أي وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً {ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } أي المرجع إلي فلا يفوتني شيء. وإنما كانت الأولى أي {فكأين} معطوفة بالفاء وهذه أي {وكأين} بالواو لأن الأولى وقعت بدلاً عن {فكيف كان نكير} وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو وهما {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر، عن ابن دينار قال‏:‏ أوحى الله إلى موسى عليه السلام، أن اتخذ نعلين من حديد، وعصا ثم سح في الأرض، فاطلب الآثار والعبر، حتى تحفوا النعلان وتنكسر العصا‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فإنها لا تعمى الأبصار‏} ‏ قال‏:‏ ما هذه الأبصار التي في الرؤوس‏؟‏ فإنها جعلها الله منفعة وبلغة، وأما البصر النافع فهو في القلب‏.‏ ذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة يعني ابن أم مكتوم‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نصر السجزي في الإبانة في شعب الإيمان، والديلمي، في مسند الفردوس، عن عبد الله بن جراد قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : ليس الأعمى من يعمى بصره، ولكن الأعمى من تعمى بصيرته‏ .‏

ابو السعود

تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} حثٌّ لهم أن يُسافروا ليرَوا مصارع المهلَكين فيعتبروا وهمُ وإنْ كانُوا قد سافروا فيها ولكنَّهم حيث لم يُسافروا للاعتبارِ جُعلوا غيرَ مسافرين فحثُّوا على ذلك. والفاءُ لعطفِ ما بعدها على مقدَّرٍ يقتضيه أي أغفِلُوا فلم يسيروا فيها {فَتَكُونَ لَهُمْ} بسبب ما شاهدُوه من موادِّ الاعتبار ومظانِّ الاستبصار {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} يجب أنْ يُعقل من التَّوحيدِ {أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ما يجبُ أنْ يُسمع من الوحيِ أو من أخبارِ الأُممِ المُهلَكة ممَّن يُجاورهم من النَّاسِ فإنَّهم أعرف منهم بحالِهم {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ} الضَّميرُ للقصَّةِ أو مبهمٌ يفسِّرُه الأبصارُ. وفي تعمى ضمير راجعٌ إليه وقد أقيم الظَّاهرُ مُقامَه {وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} أي ليس الخللُ في مشاعرِهم وإنَّما هو في عقولِهم باتِّباع الهَوَى والانهماكِ في الغَفْلةِ. وذكر الصُّدورِ للتَّأكيدِ ونفيِ تَوهُّمِ التَّجوزِ وفضل التَّنبـيه على أنَّ العَمَى الحقيقيَّ ليس المتعارف الذي يختصُّ بالبصر، قيل: لمَّا نزل قوله تعالى: { أية : وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} تفسير : [ الإسراء: 72] قال ابنُ أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ الله، أنا في الدُّنيا أعمى أفأكونُ في الآخرةِ أعمى؟ {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} كانوا منكرين لمجيءِ العذابِ المتوعَّدِ به أشدَّ الإنكارِ وإنَّما كانوا يستعجلون به استهزاءً برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعجيزاً له على زعمِهم فحَكَى عنهم ذلك بطريقِ التَّخطئةِ والاستنكارِ فقوله تعالى: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} إمَّا جملةٌ حاليَّةٌ جيء بها لبـيانِ بُطلانِ إنكارِهم لمجيئه في ضمن استعجالِهم به وإظهار خطئِهم فيه كأنَّه قيل: كيف يُنكرون مجيءَ العذابِ الموعود والحالُ أنَّه تعالى لا يُخلف وعدَه أبداً وقد سبق الوعدُ فلا بُدَّ من مجيئِه حتماً أو اعتراضيةٌ مبيَّنةٌ لمَا ذُكر. وقولُه تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} جملة مستأنفة إنْ كانت الأُولى حاليَّةً ومعطوفةٌ عليها إنْ كانتْ اعتراضيةً سيقت لبـيان خطئِهم في الاستعجال المذكورِ ببـيان كمال سَعةِ ساحةِ حلمه تعالى ووقاره وإظهار غاية ضيق عطنِهم المستتبع لكون المُدَّة القصيرةِ عنده تعالى مُدداً طوالاً عندهم حسبما ينطقُ به قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6-7] ولذلك يرَون مجيئَه بعيداً ويتَّخذونه ذريعةً إلى إنكاره ويجترئون على الاستعجالِ به ولا يدرون أنَّ معيار تقدير الأمور كلِّها وقوعاً وأخباراً ما عنده تعالى من المقدار. وقراءة يعدّون على صيغة الغَيبة أي يعده المستعجلون أوفقُ لهذا المعنى وقد جعل الخطابُ في القراءةِ المشهورة لهم أيضاً بطريقِ الالتفاتِ لكن الظَّاهرُ أنَّه للرسولِ عليه السَّلامُ ومن معه من المؤمنينَ، وقيل: المرادُ بوعدِه تعالى ما جعل لهلاك كلِّ أُمَّةٍ من موعد معيَّنٍ وأجل مسمَّى كما في قوله تعالى: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [العنكبوت: 53] فتكون الجملةُ الأُولى حالية كانتْ أو اعتراضيةً مبـيِّنة لبطلانِ الاستعجالِ به ببـيان استحالةِ مجيئِه قبل وقته الموعود والجملةُ الأخيرةُ بـياناً لبطلانه ببـيانِ ابتناء على استطالةِ ما هو قصير عنده تعالى على الوجهِ الذي مرَّ بـيانُه فلا يكون في النَّظمِ الكريمِ حينئذٍ تعرُّضٌ لإنكارِهم الذي دسُّوه تحت الاستعجال بل يكون الجوابُ مبنيًّا على ظاهر مقالِهم ويكتفى في ردِّ إنكارِهم ببـيان عاقبةِ من قبلهم من أمثالِهم. هذا وحملُ المستعجَلِ به على عذاب الآخرة وجعلُ اليَّومِ عبارةً عن يوم العذابِ المستطال لشدَّتِه أو عن أيام الآخرةِ الطَّويلةِ حقيقةً أو المُستطالة لشدَّةِ عذابها ممَّا لا يُساعده سباقُ النَّظمِ الجليلِ ولا سياقُه فإنَّ كُلاًّ منهما ناطقٌ بأنَّ المرادَ هو العذابُ الدُّنيويُّ وأن الزَّمانَ الممتدُّ هو الذي مرَّ عليهم قبل حلولِه بطريق الإملالِ لا الزَّمانُ المقارن له ألا يُرَى إلى قوله تعالى: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} الخ، فإنه كما سلف من قوله تعالى: { أية : فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} تفسير : [الحج: 44ٍ] صريحٌ في أنَّ المراد هو الأخذُ العاجلُ الشَّديدُ بعد الإملاء المديدِ أي وكم من أهلِ قريةٍ فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه في الإعرابِ ورجع الضَّمائرِ والأحكامِ مبالغةً في التَّعميمِ والتَّهويلِ {أَمْلَيْتُ لَهَا} كما أمليتُ لهؤلاء حتَّى أنكرُوا مجيء ما وُعدوا من العذابِ واستعجلُوا به استهزاءً برسلِهم كما فعلَ هؤلاء {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} جملةٌ حاليَّةٌ مفيدةٌ لكمال حلمِه تعالى ومشعرةٌ بطريق التَّعريضِ بظلم المستعجلينَ أي أمليتُ لها والحالُ أنَّها ظالمةٌ مستوجِبةٌ لتعجيل العقوبةِ كدأبِ هؤلاءِ {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب والنَّكالِ بعد طول الإملاءِ والإمهالِ وقولُه تعالى: {وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله ومصرِّحٌ بما أفاده ذلك بطريقِ التَّعريضِ من أنَّ مالَ أمر المُستعجلين أيضاً ما ذُكر من الأخذِ الوبـيلِ أي إلى حُكمي مرجعُ الكُلِّ جميعاً لا إلى أحدٍ غيري لا استقلالاً ولا شركة فأفعلُ ممَّا يليقُ بأعمالِهم. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أنذركم إنذاراً بـيِّناً بما أُوحي من أنباء الأمم المهلكة من غير أن يكونَ لي دخل في إتيانِ ما تُوعدونه من العذاب حتَّى تستعجلوني به والاقتصارُ على الإنذارِ مع بـيان حالِ الفريقين بعدَه لما أُشير إليه من أنَّ مساقَ الحديث للمشركين وعقابِهم وإنَّما ذُكر المؤمنون وثوابُهم زيادةً في غيظهم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}[46] قال: أليس من نور بصر القلب يغلب الهوى والشهوة، فإذا عمي بصر القلب عما فيه غلبت الشهوة وتواترت الغفلة، فعند ذلك يصير البدن متخطياً في المعاصي غير منقاد للحق بحال.

القشيري

تفسير : كانت لهم قلوبٌ من حيث الخلقة، فلما زايلتها صفاتُها المحمودةُ صارت كأنها لم تكن في الحقيقة. ثم إنه أخبر أن العمى عمى القلب وكذلك الصم. وإذا صَحَّ وصفُ القلبِ بالسمع والبصر صَحَّ وصفُه بسائر صفات الحيِّ من وجوه الإدراكات؛ فكما تبصر القلوبُ بنور اليقين يُدْرَكُ نسيمُ الإقبال بِمَشَامِّ السِّرِّ، وفي الخبر: " حديث : إني لأجد نَفَسَ ربكم من قِبَل اليمن"تفسير : وقال تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 94] وما كان ذلك إلا بإِدراك السرائر دون اشتمام ريحٍ في الظاهر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} الجهال يرون الاشياء بابصار الظاهر وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الاشياء التى هى تلمع منها انوار الذات والصفات اعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة وتواترت الغفلة فعند ذلك يصير البدن متخبطا فى المعاصى غير منقاد للحق بحال.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفلم يسيروا} اى كفار مكة اى اغفلوا فلم يسافروا {فى الارض} فى اليمن والشام ليروا مصارع المهلكين {فتكون لهم} بسبب ما يشاهدونه من مواد الاعتبار وهو منصوب على جواب الاستفهام وهو فى التحقيق منفى {قلوب يعقلون بها} مايجب ان يعقل من التوحيد {او آذان يسمعون بها} مايجب ان يسمع من اخبار الامم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فانهم اعرف منهم بحالهم وهم ان كانوا قد سافروا فيها ولكنهم حيث لم يسافروا للاعتبار جعلوا غير مسافرين فحثوا على ذلك الاستفهام للانكار {فانها} اى القصة وبالفارسية [بس قصة اينست] {لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور} اى ليس الخلل فى مشاعرهم وانما هو فى عقولهم باتباع الهوى والانهماك فى الغفلة وبالفارسية [نابينا نشود ديدهاى حس يعنى در مشاعر ايشان خلل نيست همه جيز مى بينند ولكن نابينا شود ازمشاهده اعتبارآن دلها كه هست درسينها يعنى جشم دل ايشان بوشيده است ازمشاهده احوال كذشتكان لاجرم بدان عبرتى نمى كيرند] اولا يعتد بعمى الابصار فكأنه ليس بعمى بالاضافة الى عمى القلوب والعمى يقال فى افتقاد البصر وافتقاد البصيرة وذكر الصدور للتأكد ونفى توهم التجوز قصدا للتنبيه على ان العمى الحقيقى ليس المتعارف الذى يتخص بالبصر وفى الحديث "حديث : مامن عبد ا لا وله اربع اعين عينان فى رأسه يبصر بهما امر دنياه وعينان فى قلبه يبصر بهما امر دينه"تفسير : واكثر الناس عميان بصر القلب لا يبصرون به امر دينهم شعر : جشم دل بكشابين بى انتظار هرطرف آيات قدرت آشكار جشم سرجزبوست خود جيزى نديد جشم سردر مغز هرجيزى رسيد تفسير : قال في حقائق البقلى قدس سره الجهال يرون الاشياء بابصار الظاهر وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الاشياء التى هى تابعة انوار الذات والصفات اعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة، قال سهل اليسير من نور بصر القلب يغلب الهوى والشهوة فاذا عمى بصر القلب عما فيه غلبت الشهوة وتواترت الغفلة فعند ذلك يصير البدن متخبطا فى المعاصى غير منقاد للحق بحال. وفى التأويلات النجمية الآية اشارة الى ان العقل الحقيقى انما يكون من نتائج صفاء القلب بعد تصفية حواسه عن العمى والصمم فاذا صح وصف القلوب بالسمع والبصر صح وصفها بسائر صفات الحى من وجوه الادراكات فكما تبصر القلوب بنور اليقين تدرك نسيم الاقبال بمشام السر وفى الخبر "حديث : انى لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن"تفسير : وقال تعالى خبرا عن يعقوب عليه السلام {أية : انى لاجد ريح يوسف}تفسير : وما كان ذلك الا بادراك السرائر دون اشتمام ريح فى الظاهر فعلى العاقل ان يجتهد فى تصفية الباطن وتجلية القلب وكشف الغطاء عنه بكثرة ذكر الله تعالى وعن مالك بن انس رضى الله عنه بلغنى ان عيسى بن مريم عليهما السلام قال لا تكثروا الكلام فى غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم والقلب القاسى بعيد من الله ولكن لا تعلمون، وقال مالك بن دينار من لم يأنس بحديث الله عن حديث المخلوقين فقد قل عمله وعمى قلبه وضاع عمره وفى الحديث "حديث : لكل شىء صقالة وصقالة القلب ذكر الله"تفسير : وقال ابو عبدالله الانطاكى دواء القلب خمسة اشياء مجالسة الصالحين وقراءة القرآن واخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند الصبح كذا في تنبه الغافلين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أفلم}: الفاء عطف على مقدار؛ أي أَغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا، {فإنها}: ضمير القصة، أو مبهم يُفسره ما بعده. و {لن يخلف الله وعده}: حالية، أي: ينكرون مجيء العذاب الموعود، والحال: أنه تعالى لا يخلف وعده، أو اعتراضية مُبينة لما ذكر، و {إنَّ يومًا}: استئنافية، إن كانت الأولى حالية، ومعطوفة، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطئهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أَفَلَمْ يسيروا في الأرض} فيروا مصارعَ من أهلكهم اللهُ بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية، وديارهم الخربة، فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. {فتكون لهم}؛ بسبب ما شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار {قلوبٌ يعقلون بها} ما يجب أن يُعقل من التوحيد ونحوه، {أو آذانٌ يسمعون بها} ما يجبُ أن يُسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورُهم من الناس؛ فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة، وبقيت آثارهم خرابًا، عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. والسير في الأرض: إمَّا حسي، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير، أو قراءتها في الكتب. فقوله: {فتكون لهم قلوب}: راجع للسير الحسي، وقوله: {أو آذان} للسير المعنوي. هـ. {فإنها لا تعمى الأبصارُ} الحسية، {ولكن تعمى القلوبُ} عن التفكر والاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، ولكن الخلل في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور؛ للتأكيد، ونفي توهم التجوز؛ لأن قلب الشيء: لبه، فربما يقال: إن القلب يراد به هذا العضو، ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه، وعينان في قلبه، وتسمى البصيرة، فإن انفتح ما في القلب، وعمي ما في الرأس؛ فلا يضر، وإن انفتح ما في الرأس وانطمس ما في القلب لم ينفع، والتحق بالبهائم، بل هو أضل. ثم ذكر علامة عمى القلوب، وهو الاستهزاء بالوعد الحق، فقال: {ويستعجلونك بالعذاب} المتوعد به؛ استهزاء وإنكارًا وتعجيزًا، {ولن يخلف الله وعده} أي: يستعجلون به، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدًا، وقد سبق الوعد به، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه، ولو بعد حين. {وإِن يومًا عند ربك كألفِ سنةٍ مما تَعدُّون} أي: كيف يستعجلونك بعذاب من يومْ واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم؛ لأن أيام الشدة طُوال. وقيل: تطول حقيقة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قِبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْم، وذَلِكَ خَمْسِمِائِةِ سَنَةٍ " تفسير : {وكأيِّن من قريةٍ أمليت لها وهي ظالمةٌ ثم أخذتُها} أي كثيرًا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم، قد أمهلتهم حينًا وأمليت لهم، كما أمليت لكم، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. {وإِليَّ المصيرُ} أي: المرجع إليَّ، فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم، أو: إلى حكمي مَرجع الكل، لا إلى غيري، لا استقلالاً ولا شركة، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: عمى القلوب هو انطماس البصيرة، وعلامة انطماسها أمور: إرسال الجوارح في معاصي الله، والانهماك في الغفلة عن الله، والوقيعة في أولياء الله، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحِكَم: "اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك". وعلامة فتحها أمور: المسارعة إلى طاعة الله، واستعمال المجهود في معرفة الله، بصحبة أولياء الله، والإعراض عن الدنيا وأهلها، والأنس بالله، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يُبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تُبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقًا عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه. شعر : مَنَ نَظَرَ الكَوْن بِالْكَوْنِ غَرَّهُ في عمى البصيرة ومن نظر الكون بالمكون صادق علاج السريرة تفسير : وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر، فانعكس نور البصر إلى البصيرة، فلا يرى العبدُ إلا أسرار المعاني الأزلية، المفنية للأواني الحادثة، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعِلاَجُ انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله، يقدحها له بمرود التوحيد، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، حتى تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يُشهد قُرب الحق من العبد، وتوحيد الذات يُشهد عدمه لوجود الحق، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله: "شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان". فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج: شعر : قلُوبُ العَارفينَ لَهَا عُيُونٌ تَرَى مَا لا يُرَى للنَّاظِرِينَا وأجْنِحَةٌ تَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ إلَى مَلَكُوتِ رَبِّ العَالمِينا وألْسِنَةٌ بأسْرَارٍ تُنَاجِي تَغيبُ عن الكِرَامِ الكَاتِبِينا تفسير : وقال الورتجبي: الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر، وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء، التي تلمع منها أنوار الذات والصفات، وأعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. هـ. ثمَّ أمر نبيه بالجواب عن استعجالهم العذاب

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "مما يعدّون" بالياء، على الخبرعن الكفار. الباقون بالتاء، على الخطاب. لما اخبر الله تعالى عن اهلاك الامم الماضية جزاء على كفرهم ومعاصيهم، نبه الذين يرتابون بذلك. فقال {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} إذا شاهدوا آثار ما أخبرنا به، وسمعوا صحة ما ذكرناه عمن أخبرهم بصحته من الذين عرفوا أخبار الماضين. وفيها دلالة على أن العقل هو العلم، لان معنى {يعقلون بها} يعلمون بها مدلول ما يرون من العبرة. وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لأنه تعالى وصفها بأنها هي التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها، لما وصفها بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك. والهاء في {إنها لا تعمى} هاء عماد، وهو الاضمار على شروط التفسير، وانما جاز أن يقول: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، للتأكيد لئلا يتوهم بالذهاب الى غير معنى القلب، لانه قد يذهب الى ان فيه اشتراكا كقلب النخلة، فاذا قيل هكذا كان أنفى للبس بتجويز الاشتراك واما قوله {أية : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} تفسير : فلان القول قد يكون بغير الفم. والمعنى فى الآية ان الابصار وإن كانت عمياً، فلا تكون فى الحقيقة كذلك، اذا كان عارفاً بالحق. وانما يكون العمى عمى القلب الذي يجحد معه معرفة الله ووحدانيته. ثم قال {ويستعجلونك} يا محمد {بالعذاب} أن ينزل عليهم، ويستبطؤنه، وان الله لا يخلف ما يوعد به {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: يوم من أيام الآخرة، يكون كألف سنة من ايام الدنيا. وقال ابن زيد، وفى رواية اخرى عن ابن عباس: انه أراد يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السموات والارض. والمعنى {وإن يوماً عند ربك} من ايام العذاب، في الثقل والاستطالة {كألف سنة مما تعدون} في الدنيا، فكيف يستعجلونك بالعذاب لولا جهلهم، وهو كقولهم: ايام الهموم طوال، وايام السرور قصار. قال الشاعر: شعر : يطول اليوم لا القاك فيه ويوم نلتقي فيه قصير تفسير : وأنشد ابو زيد: شعر : تطاولن أيام معن بنا فيوم كشهرين اذ يستهل تفسير : وقال جرير: شعر : ويوم كأبهام الحبارى لهوته تفسير : وقيل {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} في طول الامهال للعباد لصلاح من يصلح منهم، أو من نسلهم، فكأنه ألف سنة لطوال الأناة. وقيل {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} فى مقدار العذاب فى ذلك اليوم، أي انه لشدته وعظمه كمقدار عذاب ألف سنة من ايام الدنيا على الحقيقة. وكذلك نعيم الجنة، لأنه يكون فى مقدار يوم السرور والنعيم مثل ما يكون في الف سنة من أيام الدنيا لو بقي ينعم ويلتذ فيها. ثم قال تعالى {وكم من قرية أمليت لها} فلاملاء والاملال والتأخير نظائر {وهي ظالمة} اي مستحقة لتعجيل العقاب، لكن اخذتها وأهلكتها والي المصير، لكل أحد، بأن يزول ملك كل مالك ملك شيئاً في دار الدنيا. ثم قال لنبيه {قل يا أيها لناس إنما أنا لكم نذير مبين} اي مخوف من معاصي الله بعقابه، مبين لكم ما يجب عليكم فعله، وما يجب عليكم تجنبه {فالذين آمنوا} اي صدقوا بالله واقروا برسله {لهم مغفرة} من الله تعالى لمعاصيهم ولهم {رزق كريم} اي مع اكرامهم بالثواب الذي لا يقاربه تعظيم وتبجيل.

الجنابذي

تفسير : {أَ} يتثبّطون عن المشي بالارجل او عن السّير بالانظار {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} بأرجلهم او بأنظارهم {فِي ٱلأَرْضِ} اى ارض العالم الكبير، او الصّغير او ارض القرآن و الاخبار، او ارض السّير واحوال الماضين فينظروا الى احوال الماضين محسنيهم ومسيئيهم فيكون ذلك النّظر مورثاً لتفكّرهم وحصول العقول لهم {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} يعنى فيحصل لهم مقام التّحقيق او مقام التّقليد والانقياد فان كلاًّ منهما كمال تامّ للانسان {فَإِنَّهَا} الضّمير للقصّة او مبهم يفسّره الابصار {لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} الّتى فى الرّؤس بترك السّير والنّظر {وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} او لا تعمى الابصار ان عميت لانّ لها كوّة الى الدّنيا وكوّة الى الآخرة، واذا عميت منها الكوّة الّتى الى الدّنيا وليس المقصود ابصارها بل المقصود ابصار الكوّة الّتى الى الآخرة ولكن تعمى القلوب ان عميت يعنى تعمى الكوّة الّتى الى الآخرة ان عميت القلوب، فى خبرٍ عن السّجّاد (ع): انّ للعبد اربع اعينٍ عينان يبصر بهما دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما امر آخرته؛ فاذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح له العينين اللّتين فى قلبه فأبصر بهما الغيب وامر آخرته، واذا أراد الله به غير ذلك ترك القلب بما فيه، وعن الصّادق (ع): انّما شيعتنا اصحاب الاربعة الاعين؛ عينان فى الرّأس وعينان فى القلب، الا وانّ الخلائق كلّهم كذلك الاّ انّ الله عزّوجلّ فتح ابصاركم واعمى أبصارهم، وعن الباقر (ع): انّما العمى عمى القلب ثمّ تلا الآية {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}.

اطفيش

تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ} يعني كفار مكة {فَتَكُونَ لَهُمْ} بالنصب في جواب النفي أو الاستفهام الانكاري أو التقريري وفيه توبيخ وقرأ بالتحتية {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ما نزل بالمكذبين فيصدقون وهذه الآية تقتضي ان العقل في القلب وللدماغ اتصال بالقلب يوجب فساد العقل من خلل في الدماغ. وقيل: هو في الدماغ والصحيح الاول وبسط ذلك في الفقه. {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} اخبارهم بالاهلاك وخراب الديار فيعتبرون فيقولون السمع للوحي فانهم اذا سافروا راوا فيسألون فيجابون فيسمعون بل إذا سافروا فربما اخبرهم من معهم بدون ان يسألوه والواقع انهم سافروا وسمعوا ولم يعتبروا فكأنهم لم يسافروا ويحتمل. قيل: انهم لم يسافروا فحثوا على السفر ليروا مصارع المهلكين بالتكذيب. قيل: وان يكونوا سافروا ولم يعلموا بذلك ولو رأوه {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ} الضمير للقصة ولا يحتاج الخبر لربط لانه نفس اسم ان أو الضمير لمبهم مؤنث وفي تعمي ضميره ويفسر بالابصار على ان الابصار بدل من ضمير تعمي الذي هو الرابط أو الابصار فاعل تعمي مفسر للضمير فهو على هذا من اعادة اسم ان بمعناه فهو الرابط ويدل على ان الضمير للقصة. قرأ ابن مسعود بأنه اي الشأن {وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} اي ليس اهلاكهم بان تعمي ابصارهم فهي صحيحة سالمة ولكن بان لا يجعل لهم نورا في قلوبهم يعتبرون به ويتركون اتباع الهوى والتقليد أو المعنى لا يعتد بعمى الابصار ولو عمت فكأنه ليس بعمى بالنسبة إلى عمى القلوب وما ضر عمى البصر مع وجود البصيرة وما نفع البصر مع عدم البصيرة وكأنه قيل ليس العمى بزوال نور العين بل بعدم نور القلب كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الشديد بالصرعة وليس المسكين بهذا الطواف " تفسير : وروي انه لما نزل ومن كان في هذه اعمى فهو في الآخرة (اعمى) قال ابن ام مكتوم يا رسول الله انا في الدنيا اعمى أفأكون في الآخرة اعمى فنزلت هذه الآية ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره فاجلسه معه على سريره ثم قال له انتم معشر بني هاشم تصابون في ابصاركم فقال له عقيل: وانتم معشر بني امية تصابون في بصائركم. ومن اراد تدمير الظالم واخراب بيته وفساد حاله فلياخذ من شجرة العشار سبع اوراق كل يوم ورقة قبل طلوع الشمس ويبدأ بيوم السبت من آخر الشهر ثم يجفف الورق في الظل بحيث لا تراه الشمس ويكتب على كل ورقة قبل الجفاف (ثم اخذت الذين كفروا) إلى (في الصدور ظاهرا أو باطنا) ويدق الاوراق دافانا عما ويقول عند الدق: فلان عن فلانه حتى يفرغ ثم يرش المدقوق بباب الظالم الذي يخرج منه ويدخل (والتي) نعت توكيد لما كان المتعارف الحقيقي ان العمى للبصر واريد استعارته للقلب ونفيه عن البصر احتاج الكلام إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ليتقرر ما هو خلاف المتعارف وهو ان مكان العمى القلب لا العين كقولك: (ليس المضاء للسيف ولكن للسانك الذي بين فكيك) بالتأكيد بالذي بين فكيك أي ما نفيت للمضاء عن السيف واثبتته للسانك سهوا بل تعمدته تعمدا.

اطفيش

تفسير : {أفَلَم يسيروا فى الأرْض} أمكثوا فلم يسيروا أو تقاعدوا عن اكتساب النظر الاعتبارى، فلم يسيروا، والاستفهام للأمر أى سيروا للنظر، أو انظروا نظر اعتبار، فعبر عنه بما توقف عليه وهو السير، للإنكار أو التقرير {فتكونُ لَهُم قلوبٌ يعْقلُونَ} التوحيد أو ما يوجبه {بها} أى ليحصلوا سيراً فكون قلوب عاقلة لهم بلام الأمر داخلة، على يحصلوا أو لم يكن لهم سير، فكون قلوب عاقلة لهم، وقد كانت لهم، لكن غير عاقلة، والعقل هنا، وهو يحصل بالقلب {أو آذانٌ يسْمعُون بها} ما يوحى، أو التوحيد أو إخباراً توجيه عن الأمم السالفة ممن يجاوزهم، فإنه أعرف منهم بحال الأمم. {فإنَّها} أى القصة، وكذا يؤنث ضمير الشأن إذا كان بعده مؤنث مسند أو مسند اليه {لا تَعْمى الأبصارُ} تعليل المحذوف أى عموا عن الراشد، ولو كانت لهم عيون لأنه لا تعمى الأبصار ليس الضلال متوقفاً على عمى العيون، فإنه كلا عمى بالنظر الى عمى القلوب {ولكن تَعْمى القُلُوب الَّتى فى الصدور} ينتفى عنها نور إدارك الحق الذى هو كنوز العيون، ويقال لما نزل قوله تعالى: "أية : ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى" تفسير : [الإسراء: 72] قال عبد الله بن زائدة بن أم مكتوم: يا رسول الله أنا فى الدنيا أعمى، أفأكون فى الآخرة أعمى؟ فنزل: {فإنها لا تعمى الأبصار} الخ جواباً له وتفريعاً بالفاء على ما قبله، وروى أنه تعالى أوحى الى موسى عليه السلام: أن اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح فى الأرض فاطلب الآثار والعبر، حتى تحفى النعلان، وتنكسر العصا، فإما أنه لا يصح هذا، لأن موسى لم يفعل ذلك، وإما أن يراد به أن العبر كثيرة لا يحصرها بشر فى الأرض متفرقة فيها.

الالوسي

تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} حث لهم على السفر للنظر والاعتبار بمصارع الهالكين هذا إن كانوا لم يسافروا وإن كانوا سافروا فهو حث على النظر والاعتبار، وذكر المسير لتوقفه عليه، وجوز أن يكون الاستفهام للإنكار أو التقرير، وأياً ما كان فالعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ} منصوب في جواب الاستفهام عند ابن عطية وفي جواب التقرير عند الحوفي وفي جواب النفي عند بعض، ومذهب البصريين أن النصب بإضمار أن وينسبك منها ومن الفعل مصدر يعطف على مصدر متوهم. ومذهب الكوفيين أنه منصوب على الصرف إذ معنى الكلام الخبر صرفوه عن الجزم على العطف على {يَسِيرُواْ} وردوه إلى أخي الجزم وهو النصب وهو كما ترى. ومذهب الجرمي أن النصب بالفاء نفسها. وقرأ مبشر بن عبيد {فَيَكُونُ} بالياء التحتية {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} أي يعلمون بها ما يجب أن يعلم من التوحيد فمفعول {يَعْقِلُونَ} محذوف لدلالة المقام عليه، وكذا يقال في قوله تعالى: {أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي يسمعون بها ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف منهم بحالهم. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} ضمير {فَإِنَّهَا} للقصة فهو مفسر بالجملة بعده، ويجوز في مثله التذكير باعتبار الشأن، وعلى ذلك قراءة عبد الله {فَإِنَّهُ} وحسن التأنيث هنا وقوع ما فيه تأنيث بعده، وقيل: يجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بالأبصار، وكان الأصل فإنها الأبصار لا تعمى على أن جملة {لاَ تَعْمَى} من الفعل والفاعل المستتر خبر بعد خبر فلما ترك الخبر الأول أقيم الظاهر مقام الضمير لعدم ما يرجع إليه ظاهراً فصار فاعلاً مفسراً للضمير. واعترضه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن الضمير المفسر بمفرد بعده محصور في أمور وهي باب رب وباب نعم وبئس وباب الاعمال وباب البدل وباب المبتدأ والخبر وما هنا ليس منها. ورد بأنه من باب المبتدأ والخبر نحو { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأَنعام: 29] ولا يضره دخول الناسخ، وفيه نظر، والمعنى أنه لا يعتد بعمى الأبصار وإنما يعتد بعمى القلوب فكأن عمى الأبصار ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب، فالكلام تذييل لتهويل ما بهم من عدم فقه القلب وأنه العمى الذي لا عمى بعده بل لا عمى إلا هو أو المعنى إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم فكأنه قيل: أفلم يسيروا فتكون لهم قلوب ذات بصائر فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم وهي الآفة التي كل آفة دونها كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها، ووصف القلوب بالتي في الصدور على ما قال الزجاج للتأكيد كما في / قوله تعالى: { أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم } تفسير : [آل عمران: 167] وقولك: نظرت بعيني. وقال الزمخشري: ((قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة ومثل فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك وهو في حكم قولك: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً)). وهذه الآية على ما قيل نزلت في ابن أم مكتوم حين سمع قوله تعالى: { أية : وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ } تفسير : [الإسراء: 72] فقال: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ وربما يرجح بهذه الرواية إن صحت المعنى الأول إذ حصول الجواب بالآية عليه ظاهر جداً فكأنه قيل له: أنت لا تدخل تحت عموم {وَمَن كَانَ} الخ لأن عمى الأبصار في الدنيا ليس بعمى في الحقيقة في جنب عمى القلوب والذي يدخل تحت عموم ذلك من اتصف بعمى القلب، وهذا يكفي في الجواب سواء كان معنى قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ} ومن كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة كذلك أو ومن كان في الدنيا أعمى للقلب فهو في الآخرة أعمى البصر لأنه فيها تبلى السرائر فيظهر عمى القلب بصورة عمى البصر، نعم في صحة الرواية نظر. وفي «الدر المنثور» ((أخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية: ذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة يعني ابن أم مكتوم، ولا يخفى حكم الخبر إذا روي هكذا. واستدل بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} الخ على استحباب السياحة في الأرض وتطلب الآثار. وقد أخرج ابن أبـي حاتم في كتاب «التفكر» عن مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اتخذ نعلين من حديد وعصا ثم سح في الأرض فاطلب الآثار والعبر حتى تحفى النعلان وتنكسر العصا، وبقوله تعالى: {فَتَكُونُ} الخ على أن محل العقل القلب لا الرأس، قاله الجلال السيوطي في «أحكام القرآن العظيم». وقال الإمام الرازي: ((في الآية دلالة على أن العقل هو العلم وعلى أن محله هو القلب))، وأنت تعلم أن كون العقل هو العلم هو اختيار أبـي إسحٰق الإسفرائيني واستدل عليه بأنه يقال لمن عقل شيئاً علمه ولمن علم شيئاً عقله، وعلى تقدير التغاير لا يقال ذلك وهو غير سديد لأنه إن أريد بالعلم كل علم يلزم منه أن لا يكون عاقلاً من فاته بعض العلوم مع كونه محصلاً لما عداه وإن أريد بعض العلوم فالتعريف غير حاصل لعدم التمييز وما ذكر من الاستدلال غير صحيح لجواز أن يكون العلم مغايراً للعقل وهما متلازمان. وقال الأشعري: لا فرق بين العقل والعلم إلا في العموم والخصوص والعلم أعم من العقل فالعقل إذاً علم مخصوص فقيل: هو العلم الصارف عن القبيح الداعي إلى الحسن وهو قول الجبائي، وقيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين وهو قول لبعض المعتزلة أيضاً ولهم أقوال أخر، والذي اختاره القاضي أبو بكر أنه بعض العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات وأن الموجود لا يخرج عن أن يكون قديماً أو حادثاً ونحو ذلك. واحتج إمام الحرمين على صحة ذلك وإبطال ما عداه بما ذكره الآمدي في «أبكار الأفكار» بما له وعليه. واختار المحاسبـي عليه الرحمة أنه غريزة يتوصل بها إلى المعرفة، ورد بأنه إن أراد بالغريزة العلم / لزمه ما لزم القائل بأنه العلم وإن أراد بها غير العلم فقد لا يسلم وجود أمر وراء العلم يتوصل به إلى المعرفة. وقال صاحب «القاموس» بعد نقل عدة أقوال في العقل: ((والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية))، ولعنا نحقق ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى. ثم إن في محلية القلب للعلم خلافاً بين العقلاء فالمشهور عن الفلاسفة أن محل العلم المتعلق بالكليات والجزئيات المجردة النفس الناطقة ومحل العلم المتعلق بالجزئيات المادية قوى جسمانية قائمة بأجزاء خاصة من البدن وهي منقسمة إلى خمس ظاهرة وخمس باطنة وتسمى الأولى الحواس الظاهرة والثانية الحواس الباطنة وأمر كل مشهور. وزعم بعض متفلسفة المتأخرين أن المدرك للكليات والجزئيات إنما هو النفس والقوى مطلقاً غير مدركة بل آلة في إدراك النفس وذهب إليه بعض منا. وفي «أبكار الأفكار» بعد نقل قولي الفلاسفة: وأما أصحابنا فالبنية المخصوصة غير مشترطة عندهم بل كل جزء من أجزاء بدن الإنسان إذا قام به إدراك وعلم فهو مدرك عالم، وكون ذلك مما يقوم بالقلب أو غيره مما لا يجب عقلاً ولا يمتنع لكن دل الشرع على القيام بالقلب لقوله تعالى: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [ق: 37] وقوله سبحانه: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } وقوله عز وجل { أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } تفسير : [محمد: 24] انتهى. ولا يخفى أن الاستدلال بما ذكر على محلية القلب للعلم لا يخلو عن شيء، نعم لا ينكر دلالة الآيات على أن للقلب الإنساني لما أودع فيه مدخلاً تاماً في الإدراك، والوجدان يشهد بمدخلية ما أودع في الدماغ في ذلك أيضاً، ومن هنا لا أرى للقول بأن لأحدهما مدخلاً دون الآخر وجهاً، وكون الإنسان قد يضرب على رأسه فيذهب عقله لا يدل على أن لما أودع في الدماغ لا غير مدخلاً في العلم كما لا يخفى على من له قلب سليم وذهن مستقيم فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة {أية : فكأين من قرية أهلكناها}تفسير : [الحج: 45] وما بعدها. والاستفهام تعجيبي من حالهم في عدم الاعتبار بمصارع الأمم المكذّبة لأنبيائها، والتعجيب متعلّق بمن سافروا منهم ورأوا شيئاً من تلك القرى المهلكة وبمن لم يسافروا، فإن شأن المسافرين أن يخبروا القاعدين بعجائب ما شاهدوه في أسفارهم كما يشير إليه قوله تعالى: {أو آذان يسمعون بها}. فالمقصود بالتعجيب هو حال الذين ساروا في الأرض، ولكن جعل الاستفهام داخلاً على نفي السير لأن سير السائرين منهم لما لم يفدهم عبرة وذكرى جُعل كالعدم فكانَ التعجيب من انتفائه، فالكلام جارٍ على خلاف مقتضى الظاهر. والفاء في {فتكون} سببية جوابية مسبب ما بعدها على السير، أي لم يسيروا سيراً تكون لهم به قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون بها، أي انتفى أن تكون لهم قلوب وآذان بهذه المثابة لانتفاء سيرهم في الأرض. وهذا شأن الجواب بالفاء بعد النفي أن تدخل الفاء على ما هو مسبب على المنفي لو كان ثابتاً وفي هذا المعنى قال المعرّي:شعر : وقيل أفادَ بالأسفار مالاً فقلنا هل أفادَ بها فُؤادا تفسير : وهذا شأن الأسفار أن تفيد المسافر ما لا تفيده الإقامة في الأوطان من اطلاع على أحوال الأقوام وخصائص البلدان واختلاف العادات، فهي تفيد كل ذي همّة في شيء فوائدَ تزيد هِمتَه نفاذاً فيما تتوجه إليه وأعظم ذلك فوائد العبرة بأسباب النجاح والخسارة. وأطلقت القلوب على تقاسيم العقل على وجه المجاز المرسل لأن القلب هو مُفيض الدم ــــ وهو مادة الحياة ــــ على الأعضاء الرئيسية وأهمها الدماغ الذي هو عضو العقل، ولذلك قال: {يعقلون بها} وإنما آلة العقل هي الدماغ ولكن الكلام جرَى أوله على متعارف أهل اللغة ثم أجري عقب ذلك على الحقيقة العلمية فقال: {يعقلون بها} فأشار إلى أن القلوب هي العقل. ونزّلت عقولهم منزلة المعدوم كما نزّل سَيْرهم في الأرض منزلة المعدوم. وأما ذكر الآذان فلأنّ الأذن آلة السمع والسائر في الأرض ينظر آثار الأمم ويسمع أخبار فنائهم فيستدل من ذلك على ترتب المسببات على أسبابها؛ على أن حظ كثير من المتحدث إليهم وهم الذين لم يسافروا أن يتلقوا الأخبار من المسافرين فيعلموا ماعلمه المسافرون علماً سبيلُه سماع الأخبار. وفي ذكر الآذان اكتفاء عن ذكر الأبصار إذ يعلم أن القلوب التي تعقل إنما طريق علمها مشاهدة آثار العذاب والاستئصال كما أشار إليه قوله بعد ذلك: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. فحصل من مجموع نظم الآية أنهم بمنزلة الأنعام لهم آلات الاستدلال وقد انعدمت منهم آثارها فلهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها وهذا كقوله تعالى: {أية : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون}تفسير : [البقرة: 171]. والفاء في جملة {فإنها لا تعمى الأبصار} تفريع على جواب النفي في قوله: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها}، وفذلكة للكلام السابق، وتذييل له بما في هذه الجملة من العموم. والضمير في قوله {فإنها} ضمير القصة والشأن، أي فإن الشأن والقصة هو مضمون الجملة بعدَ الضمير، أي لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب، أي فإن الأبصار والأسماع طرق لحصول العلم بالمبصرات والمسموعات، والمدرِك لذلك هو الدماغ فإذا لم يكن في الدماغ عقل كان المبصر كالأعمى والسامع كالأصمّ، فآفة ذلك كله هو اختلال العقل. واستعير العَمى الثاني لانتفاء إدراك المبصرات بالعقل مع سلامة حاسّة البصر لشبهه به في الحالة الحاصلة لصاحبه. والتعريف في {الأبصار}، و{القلوب}، و{الصدور} تعريفُ الجنس الشامل لقلوب المتحدّث عنهم وغيرهم، والجمْع فيها باعتبار أصحابها. وحرف التوكيد في قوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} لغرابة الحكم لا لأنه مما يشك فيه. وغالب الجمل المفتتحة بضمير الشأن اقترانُها بحرف التوكيد. والقصر المستفاد من النفي وحرف الاستدراك قصر ادعائيّ للمبالغة بجعل فقد حاسة البصر المسمى بالعمى كأنه غير عمىً، وجعل عدم الاهتداء إلى دلالة المبصرات مع سلامة حاسة البصر هو العمى مبالغة في استحقاقه لهذا الاسم الذي استعير إليه، فالقصر ترشيح للاستعارة. ففي هذه الآية أفانين من البلاغة والبيان وبَداعة النظم. و{التي في الصدور} صفة لــ{القلوب} تفيد توكيداً للفظ {القلوب}. فوزانه وزان الوصف في قوله تعالى: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38]. ووزان القيد في قوله: {أية : يقولون بأفواههم}تفسير : [آل عمران: 167] فهو لزيادة التقرير والتشخيص. ويفيد هذا الوصف وراء التوكيد تعريضاً بالقوم المتحدث عنهم بأنهم لم ينتفعوا بأفئدتهم مع شدّة اتصالها بهم إذ هي قارة في صدورهم على نحو قول عمر بن الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فالآن أنت أحبّ إليّ من نفسي التي بين جنبيَّ» فإن كونها بين جنبيه يقتضي أن تكون أحبّ الأشياء إليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}. بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ينبغي لهم أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح، وأماكن قوم لوط، وأماكن قوم هود، فوجدوا بلادهم خالية وآثارهم منطمسة لم يبق منهم داع ولا مجيب، لتكذيبهم رسلهم، وكفرهم بربهم، فيدركون بعقولهم: أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من سخط الله مثل ما حل بأولئك الذين مروا بمساكنهم خالية، قد عم أهلها الهلاك، وتكون لهم آذان يسمعون بها ما قص الله في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم، وما أصابها من الإهلاك المستأصل والتدمير، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [محمد: 10] ثم بين تهديده لكفار مكة بما فعل بالأمم الماضية في قوله: {أية : وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}تفسير : [محمد: 10] وكقوله في قوم لوط: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافت: 137-138] وكقوله فيهم: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}تفسير : [الحجر: 76] الآية، وكقوله في قوم لوط وقوم شعيب: {أية : أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} تفسير : [الحجر: 78] {أية : وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 79] لأن معنى الآيتين: أن ديارهم على ظهر الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإمام، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد قدمنا منها جملاً كافية في سورة المائدة وغيرها. والآية تدل على أن محل العقل: في القلب، ومحل السمع، في الأذن، فما يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلاً في الإنسان لأنه زماني فقط لا مكاني فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى. قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ }تفسير : [الإسراء: 72] الآية. مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {آذَانٌ} {ٱلأَبْصَارُ} (46) - يَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى فِي اسْتِنْكَارٍ عَنِ الأَثَرِ الذي تَرَكَهُ فِي نُفُوسِ المُشْرِكِينَ، وَهُمْ يَرَوْنَ مَا حَلَّ بِالأمُمِ السَّابِقَةِ مِنْ هَلاكٍ وَدَمَارٍ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهم رُسُلَ رَبِّهم إِلَيْهِم، وَمَا جَاؤُوهُم بِه مِنَ الآيَاتِ، مِنْ عِنْدِ رَبِّهِم، وَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: أفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلاَءِ فِي الأَرْضِ فَيَرَوْا بِأَعْيِنِهِمْ مَا حَلَّ بِمَنْ سَبَقَهُم مِنَ مُكَذِّبِي الأُمَمِ الخَالِيَةِ مِنْ دَمَارٍ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بالله، وَظُلْمِهِمْ وَتَكْذِيِبِهمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أَوَ لَمْ يَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ قَصَصَهُم وأخْبَارَهُمْ؟ثُمَّ أَلاَ يَعْقِلُونَ وَيَتَدَبَّرُونَ مَا يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ فَيَعْتَبِرُوا وَيَتَّعِظُوا؟ ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرَوْنَ وَلَكِنَّهُم لاَ يَتَعَِّظُونَ وَلا يَتَدَبَّرُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ، لأَنَّهُمْ عُمْيُ القُلُوبِ والبَصَائِر، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ قُلُوبٌ مُبْصِرَةٌ لاَتَّعَظَتْ وَتَفَكَّرَتْ فِيمَا تَراهُ العَيْنُ، لأَِنَّ العَمَى ليسَ هُوَ عَمَى العَيْنِ، وإِنَّمَا هُوَ عَمَى البَصِيرَةِ، أي القَلْبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السَّيْر: قَطْع مسافات من مكان إلى آخر، ويسمونه السياحة، والحق سبحانه يدعو عباده إلى السياحة في أنحاء الأرض؛ لأن للسياحة فائدتين: فإما أنْ تكون سياحة استثمارية لاستنباط الرزق إنْ كنتَ في مكان يضيق بك العيش فيه، كهؤلاء الذين يسافرون للبلاد الأخرى للعمل وطلب الرزق. وإما أن تكون سياحة لأَخْذ العبرة والتأمل في مخلوقات الله في مُلْكه الواسع ليستدل بخَلْق الله وآياته على قدرته تعالى. والسياحة في البلاد المختلفة تتيح لك فرصة ملاحظة الاختلافات من بيئة لأخرى، فهذه حارة وهذه باردة، وهذه صحراء جرداء وهذه خضراء لا يوجد بها حبة رمل، لذلك يخاطبنا ربنا تبارك وتعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11]. فالعطف في الآية بـ (ثُمَّ) يدل على أن للسياحة مهمة أخرى، هي الاستثمار وطلب الرزق، ففي الآية إشارة إلى الجمع بين هاتين المهمتين، فحين تذهب للعمل إياك أنْ تغفل عن آيات الله في المكان الذي سافرت إليه، وخُذْ منه عبرة كونية تفيدك في دينك. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ}تفسير : [النمل: 69]. العطف هنا بالفاء التي تفيد الترتيب، يعني: سيروا في الأرض لتنظروا آيات الله، فهي خاصة بسياحة الاعتبار والتأمل، لا سياحة الاستثمار وطلب الرزق. لذلك يقولون في الأمثال: (اللي يعيش ياما يشوف، واللي يمشي يشوف أكثر) فكلما تعددتْ الأماكن تعددت الآيات والعجائب الدالة على قدرة الله، وقد ترى منظراً لا يؤثر فيك، وترى منظراً آخر يهزُّك ويُحرِّك عواطفك، وتأملاتك في الكون. وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ ..} [الحج: 46] تعني وتؤكد أنهم ساروا فعلاً، كما تقول: أفلم أُكرمك؟ ولا تقول هذا إلا إذا أكرمته فعلاً، وقد حدث أنهم ساروا فعلاً في البلاد أثناء رحلة الشتاء والصيف، وكانوا يمرون على ديار القوم المهلكين، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137]. يعني: أنتم أهل سَيْر وترحال وأهل نظر في مصير مَنْ قبلكم، فكيف يقبل منكم الانصراف عن آيات الله؟ {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج: 46] فما داموا قد ساروا وترحَّلوا في البلاد، فكيف لا يعقلون آيات الله؟ وكيف لا تُحرِّك قلوبهم؟ ولنا وقفة عند قوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ ..} [الحج: 46] وهل يعقِل الإنسانُ بقلبه؟ معلوم أن العقل في المخ، والقلب في الصدر. نعم، للإنسان وسائل إدراك هي الحواس التي تلتقط المحسَّات يُسمُّونها تأدُّباً مع العلم: الحواس الخمس الظاهرة؛ لأن العلم أثبت للإنسان في وظائف الأعضاء حواساً أخرى غير ظاهرة، فحين تُمسِك بشيئين مختلفين يمكنك أن تُميِّز أيهما أثقل من الآخر، فبأيِّ حاسة من الحواس الخمس المعروفة توصلْتَ إلى هذه النتيجة؟ إنْ قُلْتَ بالعين فدعْها على الأرض وانظر إليها، وإنْ قُلْتَ باللمس فلك أنْ تلمسها دون أنْ ترفعها من مكانها، إذن: فأنت لا تدرك الثقل بهذه الحواس، إنما بشيء آخر وبآلة إدراك أخرى هي حاسة العَضَلِ الذي يُميِّز لك الخفيف من الثقيل. وحين تذهب لشراء قطعة من القماش تفرك القماش بلطف بين أناملك، فتستطيع أنْ تُميِّز الثخين من الرقيق، مع أن الفارق بينهما لا يكاد يُذْكَر، فبأيِّ حاسة أدركْتَه؟ إنها حاسة البَيْن. كذلك هناك حاسة البُعْد وغيرها من الحواسّ التي يكتشفها العلم الحديث في الإنسان. فلما يدرك الإنسان هذه الأشياء بوسائل الإدراك يتدخَّل العقل ليغربل هذه المدركات، ويختار من البدائل ما يناسبه، فإنْ كان سيختار ثوباً يقول: هذا أنعم وأرقّ من هذا، وإنْ كان سيختار رائحة يقول: هذه ألطف من هذه، إنْ كان في الصيف اختار الخفيف، وإنْ كان في الشتاء اختار السميك. وبعد أن يختار العقل ويوازن بين البدائل يحكم بقضية تستقر في الذِّهْن وتقتنع بها، ولا تحتاج لإدراك بعد ذلك، ولا لاختيار بين البدائل، وعندها تنفذ ما استقر في نفسك، وارتحْتَ إليه بقلبك. إذن: إدراك بالحواس وتمييز بالعقل ووقوف عند مبدأ بالقلب، وما دام استقر المبدأ في قلبك فقد أصبح دستوراً لحياتك، وكل جوارحك تخدم هذا المبدأ الذي انتهيتَ إليه، واستقر في قلبك ووجدانك. لكن، لماذا القلب بالذات؟ قالوا: لأن القلب هو الذي يقوم بعملية ضَخِّ سائل الحياة، وهو الدم في جميع أجزاء الجسم وجوارحه، وهذه الجوارح هي أداة تنفيذ ما استقر في الوجدان؛ لذلك قالوا: الإيمان محلّه القلب، كيف؟ قالوا: لأنك غربلْتَ المسائل وصفَّيْت القضايا إلى أن استقرت العقيدة والإيمان في قلبك، والإيمان أو العقيدة هي ما انعقد في القلب واستقرَّ فيه، ومن القلب تمتد العقيدة إلى جميع الأعضاء والحواس التي تقوم بالعمل بمقتضى هذا الإيمان، وما دُمْتَ قد انتهيتَ إلى مبدأ وعقيدة، فإياك أنْ تخالفه إلى غيره، وإلاَّ فيكون قلبك لم يفهم ولم يفقه. وكلمة {يَعْقِلُونَ بِهَآ} [الحج: 46] تدل على أن للعقل مهام أخرى غير أنه يختار ويفاضل بين البدائل، فالعقل من مهامه أنْ يعقل صاحبه عن الخطأ، ويعقله أنْ يشرد في المتاهات، والبعض يظن أن معنى عقل يعني حرية الفكر وأنْ يشطح المرء بعقله في الأفكار كيف يشاء، لا، العقل من عِقَال الناقة الذي يمنعها، ويحجزها أنْ تشرُدَ منك. ثم يقول سبحانه: {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46] كيف ولهؤلاء القوم آذان تسمع؟ نعم، لهم آذان تسمع، لكن سماع لا فائدة منه، فكأن الحاسَّة غير موجودة، وإلا ما فائدة شيء سمعتَه لكن لم تستفد به ولم تُوظِّفه في حركة حياتك، إنه سماع كعدمه، بل إن عدمه أفضل منه؛ لأن سماعك يقيم عليك الحجة. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج: 46] فعمى الأبصار شيء هيِّن، إذا ما قِيسَ بعمى القلوب؛ لأن الإنسان إذا فقد رؤية البصر يمكنه أنْ يسمع، وأنْ يُعمل عقله، وأنْ يهتدي، ومَا لا يراه بعينه يمكن أنْ يخبره به غيره، ويَصِفه له وَصْفا دقيقاً وكأنه يراه، لكن ما العمل إذا عَميَتْ القلوب، والأنظار مبصرة؟ وإذا كان لعمى الأبصار بديل وعِوَض، فما البديل إذا عَمي القلب؟ الأعمى يحاول أنْ يتحسَّس طريقه، فإنْ عجز قال لك: خُذْ بيدي، أما أعمى القلب فماذا يفعل؟ لذلك، نقول لمن يغفل عن الشيء الواضح والمبدأ المستقر: أعمى قَلْب. يعني: طُمِس على قلبه فلا يعي شيئاً. وقوله: {ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج: 46] معلوم أن القلوب في الصدور، فلماذا جاء التعبيرهكذا؟ قالوا: ليؤكد لك على أن المراد القلب الحقيقي، حتى لا تظن أنه القلب التفكيريّ التعقليّ، كما جاء في قوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} تفسير : [آل عمران: 167]. ومعلوم أن القَوْل من الأفواه، لكنه أراد أن يؤكد على القول والكلام؛ لأن القول قد يكون بالإشارة والدلالة، فالقول بالكلام هو أبلغ أنواع القول وآكده؛ لذلك قال الشاعر: شعر : جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ ولاَ يُلْتَامُ مَا جَرَح اللسَانُ تفسير : ويقولون: احفظ لسانك الذي بين فكَّيْك، وهل اللسان إلا بين الفكَّيْن؟ لكن أراد التوكيد على القول والكلام خاصة، لا على طرق التفاهم والتعبير الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ ...}.