Verse. 2642 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَيَسْتَعْجِلُوْنَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُّخْلِفَ اللہُ وَعْدَہٗ۝۰ۭ وَاِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَاَلْفِ سَـنَۃٍ مِّمَّا تَعُدُّوْنَ۝۴۷
WayastaAAjiloonaka bialAAathabi walan yukhlifa Allahu waAAdahu wainna yawman AAinda rabbika kaalfi sanatin mimma taAAuddoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده» بإنزال العذاب فأنزله يوم بدر «وإنَّ يوما عند ربك» من أيام الآخرة بسبب العذاب «كألف سنة مما تعدون» بالتاء والياء في الدنيا.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم: { أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } تفسير : [الحجر:7] يدل على ذلك فقال تعالى: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ } يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته {كَأَلْفِ سَنَةٍ } لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه: الوجه الثاني: أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم، وذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة. ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث: أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة. أما قوله: {وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ } فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله: {وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } فإن قيل فلم قال فيما قبل { أية : فَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ } تفسير : [الحج: 45] وقال ههنا: {وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } الأولى بالفاء وهذه بالواو؟ قلنا: الأولى وقعت بدلاً عن قوله: { أية : فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } تفسير : [الحج: 44] وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ }. أما قوله: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار، وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} نزلت في النضر بن الحارث، وهو قوله: «فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ». وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام، وهو قوله: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32]. {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي في إنزال العذاب. قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء؛ وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدْر. قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} قال ابن عباس ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. عكرمة: يعني من أيام الآخرة؛ أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. قال الفرّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة؛ أيّ يوم من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة. وقيل: المعنى وإن يوماً في الخوف والشدّة في الآخرة كألف سنة من سنيّ الدنيا فيها خوف وشدة؛ وكذلك يوم النعيم قياساً. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «مِما يعدّون» بالياء المثناة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: «ويستعجِلونك». والباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} أي: هؤلاء الكفار الملحدون، المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] {أية : فَوَاقٍ * وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16]. وقوله: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي: الذي قد وعد؛ من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه. قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً، وعن الإيعاد كرماً، أما سمعت قول الشاعر:شعر : لا يرهبُ ابنُ العمِّ مِنِّي سطوتي ولا أَنْثَني من سَطْوَةِ المُتَهَدِّدِ فَإني وإنْ أوعدْتُه أو وَعَدْتُه لَمُخْلِفُ إِيْعادي ومُنْجِزُ مَوْعِدي تفسير : وقوله: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه، كيوم واحد عنده، بالنسبة إلى حلمه؛ لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم؛ خمسمائة عام» تفسير : ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفاً، فقال: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» تفسير : قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن ابن بشار عن ابن المهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية، وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: {أية : يُدَبِّرُ ٱلاَْمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلاَْرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } تفسير : [السجدة: 5]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، ففي أية لحظة ولدت، كان تماماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } بإنزال العذاب فأنجزه يوم بدر {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ } من أيام الآخرة بسبب العذاب {كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } بالتاء والياء في الدنيا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم. {وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} ولن يؤخر عذابه عن وقته. {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفْ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة، قاله مجاهد. الثاني: أن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة من أيام الدنيا في المدة. الثالث: أن ألم العذاب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا في الشدة وكذلك يوم النعيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِنَّ يَوْماً} من الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض، أو طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة من أيام الدنيا، أو ألم العذاب في يوم من أيام الآخرة كألم ألف سنة من أيام الدنيا في الشدة وكذلك النعيم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} الآية. نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: {أية : إنْ كَان هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاء} تفسير : [الأنفال: 32]. وهذا يدل على أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم، ولهذا قال: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}، فأنجز ذلك يوم بدر. ثم بين أن العاقل لا ينبغي له أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ} أي فيما ينالهم من العذاب وشدته {كَأَلْفِ سَنَةٍ}، فبين تعالى أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه. قاله أبو مسلم وقيل: المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة. وقيل: إن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء، لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا إمهال ألف سنة "مِمَّا تَعُدُّون" قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "يَعُدُّون" بياء الغيبة، لقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} وقرأ الباقون بالتاء، لأنه أعمّ، ولأنه خطاب للمسلمين. واتفقوا في "تنزيل" السجدة بالتاء. قال ابن عباس: يعني يوماً من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض وقال مجاهد وعكرمة: يوماً من أيام الآخرة، لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ المُهاجِرِينَ بالفَوْزِ التَّام يَوْمَ القِيَامَة تَدْخلونَ الجَنَّة قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْم، وذَلِكَ قَدر خَمْسمائةِ سَنَة ". تفسير : قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: أمهلتها مع استمرارهم على ظلمهم، فاغتروا بذلك التأخير، "ثُمَّ أَخَذْتُهُم" بأن أنزلت العذاب بهم ومع ذلك فعذابهم مدخر، وهو معنى قوله "وَإليَّ المَصِير". فإن قيل: ما الفائدة في قوله أولاً "فكأين" بالفاء، وهاهنا قال "وكأين" بالواو؟ فالجواب: أن الأولى وقعت بدلاً من قوله {أية : فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} تفسير : [الحج: 44]، وأما هذه فحكمها ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ}. قوله: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده استعجالهم للعذاب على سبيل الهزء عن إدامة التخويف والإنذار، وأن يقول لهم: إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه. قوله: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. لما أمر الرسول بأن يقول لهم: إني نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن هذه صفة المنذر، فقال: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فجمع بين الوصفين، وهذا يدل على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان، وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل في العمل الصالح كل واجب وترك المحظور، ثم بين تعالى أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث وهو العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، والكريم: هو الذي لا ينقطع أبداً وقيل: هو الجنة. قوله: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: اجتهدوا في ردها والتكذيب بها وسموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين، يقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعاً، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال: إنه سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً، قال الزمخشري: يقال: سعيت في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. قوله: "مُعَجِّزِينَ" قرأ أبو عمرو وابن كثير بتشديد الجيم هنا وفي حرفي سبأ. والباقون: "مُعَاجِزِين" في الأماكن الثلاثة. والجحدري كقراءة ابن كثير وأبي عمرو في جميع القرآن. وابن الزبير "مُعْجِزِين" بسكون العين فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: قال الفارسي: معناه ناسبين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العجز نحو: فسقته، أي: نسبته إلى الفسق. والثاني: أنها للتكثير ومعناها مثبطين الناس عن الإيمان. وأما الثانية فمعناها ظانين أنهم يعجزوننا، وقيل: معاندين. وقال الزمخشري: عاجَزَه: سَابَقَه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أَعْجَزَه وعَجَّزَه. فالمعنى: سَابِقِين أو مُسَابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم والمعنى: سعوا في معناها بالفساد. وقال أبو البقاء: إن "مُعَاجِزِين" في معنى المُشَدَّد مثل: عَاهَد: عَهَّد، وقيل: عاجَزَ سَابَق، وعَجَّز: سَبَق. فصل اختلفوا في المراد هل معاجزين لله أو الرسول والمؤمنين، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه، وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يُعْجِزُونه ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد. فأما القائلون بالأول فقال قتادة: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم وأن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، أو يعجزوننا: يفوتوننا فلا نقدر عليهم كقوله تعالى {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} تفسير : [العنكبوت: 4]، أو يعجزون الله بإدخال الشُّبَهِ في قلوب الناس. وأما معاجزين فالمغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة لا إلى الله تعالى. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي: أنهم يدومون فيها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ويستعجلونك بالعذاب‏} ‏ قال‏:‏ قال ناس من جهلة هذه الأمة ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏} ‏ قال‏:‏ من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض‏. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة ‏ {‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم قال‏:‏ ما طول ذلك اليوم على المؤمن، إلا كما بين الأولى والعصر‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى منها ستة آلاف‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إنما الدنيا جمعة من جمع الآخرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال‏:‏ ‏ ‏إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏} ‏ وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك مثل الحامل إذا دخلت في شهرها، ففي أية ساعة ولدت كان تماماً‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن صفوان بن سلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء من المسلمين بنصف يوم‏.‏ قيل‏:‏ وما نصف اليوم‏؟‏ قال خمسمائة عام‏"‏ تفسير : وتلا ‏{‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏}. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ضمير بن نهار قال‏:‏ قال أبو هريرة يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم‏.‏ قلت‏:‏ وما مقدار نصف يوم‏؟‏ قال‏:‏ أو ما تقرأ القرآن ‏ {‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏}‏‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن ضمير بن نهار، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم‏"‏ تفسير : وتلا ‏ {‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏}. وأخرج البيهقي في الشعب، عن ابن عباس‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏من صلى على جنازة فانصرف قبل أن يفرغ منها كان له قيراط، فإن انتظر حتى يفرغ منها كان له قيراطان؛ والقيراط مثل أحد في ميزانه يوم القيامة‏"‏ تفسير : ثم قال ابن عباس‏:‏ حق لعظمة ربنا أن يكون قيراطه مثل أحد، ويومه كألف سنة‏. وأخرج ابن عدي والديلمي، عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ‏"حديث : ‏الدنيا كلها سبعة أيام من أيام الآخرة‏"‏ تفسير : وذلك قول الله ‏ {‏وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون‏}‏‏.

القشيري

تفسير : عَدَمُ تصديقهم حَمَلَهم على استعمال ما توعدهم به، قال تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا}تفسير : [الشورى: 18] ولو آمنوا لصدَّقوا، ولو صدَّقوا لَسَكَنُوا. {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ}: أي إنَّ الأيامَ عنده تتساوى، إذ لا استعجالَ له في الأمور؛ فسواء عنده يوم واحد وألف سنة؛ إذ مَنْ لا يَجْرِي عليه الزمانُ وهو يُجْرِي الزمانَ فَسَوَاء عليه وجودُ الزمانِ، وعدم الزمان وقِلة الزمانِ وكَثْرَةُ الزمانِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويستعجلونك بالعذاب} كانوا يقولون له عليه السلام ائتنا بما وعدتنا ان كنت من الصادقين: والمعنى بالفارسية [وبشتاب ميخواهند ازتوكافران مكه جون نضر ابن حارث واضراب او يعنى تعجيل مينمايند بطريق استهزاء وتعجيز بنزول عذاب موعود]. قال فى التأويلات النجمية يشير الى عدم تصديقهم كما قال تعالى {أية : يستعجل بها الذين لايؤمنون بها}تفسير : ولو آمنوا لصدقوا ولو صدقوا لسكتوا عن الاستعجال وهو طلب الشىء وتحريه قبل اوانه {ولن يخلف الله وعده} ابدا وقد سبق الوعد فلابد من مجيئه حتما وقد انجز الله ذلك يوم بدر. قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان الخلف فى وعيد الكفار لايجوز كما ان الخلف فى الوعد للمؤمنين لايجوز ويجوز الخلف فى وعيد المؤمنين لانه سبقت رحمة الله غضبه فى حق المؤمنين ووعدهم بالمغفرة بقوله {أية : ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : وبقوله {أية : ان الله يغفر الذنوب جميعا}تفسير : انتهى واحسن يحيى بن معاذ فى هذا المعنى حيث قال الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم اذا فعلوا ذلك ان يعطيهم كذا ومن اولى بالوفاء من الله والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فاعذبكم ففعلوا فان شاء عفا وان شاء آخذ لانه حقه واولاهما العفو والكرم لانه غفور رحيم، قال السرى الموصلى شعر : اذا وعد السراء انجز وعده وان اوعد الضراء فالعفو مانعه تفسير : كذا فى شرح العضد للجلال الدوانى ثم ذكر ان لهم مع عذاب الدنيا فى الآخرة عذابا طويلا وهو قوله {وان يوما عند ربك} أى من ايام عذابهم {كالف سنة مما تعدون} وذلك ان لليوم مراتب فيوم كالآن وهو ادنى ما يطلق عليه الزمان فمنه يتمد الكل وهو مشار اليه بقوله تعالى {أية : كل يوم هو فى شأن}تفسير : فالشأن الالهى بمنزلة الروح يسرى فى ادوار الزمان ومراتبه سريان الروح فى الاعضاء ويوم كخمسين الف سنة وهو يوم القيامة ويوم كالف سنة وهو يوم الآخرة والخطاب للرسول ومن معه من المؤمنين كأنه قيل كيف يستعجلون بعذاب ويوم واحد من ايام عذابه فى طول الف سنة من سنيكم اما من حيث طول ايام عذابه حقيقة اومن حيث ان ايام الشدائد مستطالة كما يقال ليل الفراق طويل وايام الوصل قصار ويقال سنة الوصل سنة وسنة الهجر سنة شعر : ويوم لا اراك كالف شهر وشهر لا اراك كالف عام تفسير : : قا الحافظ شعر : آندم كه باتو باشم يكساله هست روزى واندم كه بى تو باشم يك لحظه هست سالى تفسير : ويجوز ان يكون قوله وان يوما الخ متعلقا بقوله ولن يخلف الخ والمعنى ما وعدوه تعالى ليصبنهم ولو بعد حين لكنه تعالى حليم صبور لا يعجل بالعذاب وان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون لكمال حلمه ووقاره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال شبه المدة القصيرة عنده بالمدة الطويلة عند المخاطبين اشارة الى ان الايام تتساوى عنده اذلا استعجال له فى الامور فسواء عنده يوم واحد والف سنة ومن لا يجرى عليه الزمان فسواء عليه وجود الزمان وعدم الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان اذ ليس عنده صباح ولا مساء: وبالفارسية [نزيدك خداى تعالى يكروز برابر هزار سالست زيراكه حكم زمان بروجارى نيست بس وجود وعدم وقلت وكثرت آن نزديك خداى يكسانست هركاه كه خواهد عذاب فرستد وبر استعجال زمان عقوبت هيج اثرى مترتب نشود شعر : تادر نرسد وعده هركاركه هست هرجند كنى جهد بجابى نرسد تفسير : فعلى العاقل ان يلاحظ ان كل آت قريب ولا يغتر بالامهال فان بطش الله شديد وعذابه لا يطاق ويسارع الى رضى الله تعالى بامتثال اوامره والاجتناب عن نواهيه وترك الاستهزاء بالدين واهله باحكام الله ووعده وعيده فان الله صادق فى قوله حكيم فى فعله وليس للعبد الا تعظيمه وتعظيم امره

الجنابذي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} المتوعّد به وذلك انّ رسول الله (ص) اخبرهم انّ العذاب أتاهم فقالوا: فاين العذاب؟ والجملة عطف على لم يسيروا {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تقرير لتأنّيه وامهاله وبيانٌ لسبب تأنّيه او تهديد عن طول العذاب وطول ايّامه وقد مضى فى بنى اسرائيل وسيجيء فى سورة السّجدة تحقيق لسعة الايّام الرّبوبيّة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} وذلك منهم استهزاء وتكذيب، أي: فإنه لا يكون. {وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ} قال الحسن: يعني هلاكهم بالساعة قبل عذاب الآخرة. قال: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي: إن يوماً من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا. قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} اي: وكم من قرية {أَمْلَيْتُ لَهَا} إلى الوقت الذي أخذتها فيه {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: وهي مشركة، يعني أهلها {ثُمَّ أَخَذتُهَا} أي: بالعذاب {وَإِلَيَّ المَصِيرُ} أي: وإلى الله المصير في الآخرة. قوله: {قُلْ يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ فَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: الجنة. قوله: {وَالذِينَ سَعَوْا فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: كذبوا بآياتنا معاجزين أي: يظنون أنهم يعجزوننا فيسبقوننا في الأرض حتى لا نقدر عليه فنعذبهم، هذا تفسير الحسن. وتفسير مجاهد: معاجزين، أي: مبطئين عن الإِيمان. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} والجحيم اسم من أسماء جهنم.

اطفيش

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} المتوعد به استهزاء وتكذيبا نزلت في النضر بن الحارث أو غيره من قريش * {وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} اي وعيده فان الوعد يستعمل في الشر ايضا لقرينة كما استعمل في الخير بلا قرينة. وقيل: ان الوعد موضوع للخير والشر على حد سواء وانما يحمل على احدهما بقرينة وهذا رد لاستعجالهم كيف يستعجلونه كأنه يجوز عليه سبحانه خلف الوعد وانما يجوز الاستعجال في ميعاد من يجوز عليه الخلف والله عز وجل لا يخلف الميعاد فلا بد ان يصيبهم العذاب لاجله فلا يفوتهم ولا يتقدم أو يتأخر ولكنه تعالى حليم لا يعجل وفي الآية - كما ترى - دليل لمذهبنا معشر الاباضية على انه جل وعز لا يخلف الوعيد كما لا يخلف الوعد وقد انجز ذلك الوعد يوم بدر {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} يا مستعجلون ففي الكلام التفات تأكيد بالخطاب أو يا ايها الناس فلا التفات. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (يعدون) بالتحتية والمعنى ان يوما من ايام الآخرة كألف سنة من سنينكم. وعن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ابشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل اغنياء الناس بنصف يوم مقداره خمسمائة سنة"تفسير : وإذا كان يوم واحد في الآخرة كذلك يعذبون فيه ثم يعقبه يوم كذلك بلا نهاية فكيف يستعجلون. وقيل: المعنى ان عذاب الآخرة شديد فمقدار يوم واحد من ايامنا هذه في الآخرة كألف سنة لشدة العذاب وايام الشدة مستطالة مطلقا ولا سيما شدة لا شدة مثلها أو المراد تناهي استقصاره الطوال وامهاله حتى ان يوما واحدا عنده كألف سنة عندكم. وقال ابن عباس: ان يوما والف سنة سواء عنده قادر متى شاء اخذهم ومن يفوته اخذهم.

اطفيش

تفسير : {ويسْتَعجِلُونك} أى قريش حين تتوعدهم بالعذاب على الإشراك {بالعَذاب} إنكاراً لوقوعه، واستهزاء به، وتعجيزاً لك، وذلك ذم لهم أو فى معنى الاستفهام التوبيخى، والعذاب موعود به الله لا يتخلف، ولو أبطأ كما قال عز وجل: {ولن يُخْلف الله وعْدَه} أى وعيده. وهو الإخبار بذلك العذاب، فالوعد يستعمل فى الشر كما فى الخير، أو المراد مطلق ما وعده من خير أو شر، فدخل عذابهم، قيل وعذاب الأمم السابقة، وترده لن. قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد المعتزلى يا أبا عثمان كيف قلت: لا خلف الله وعيده، وخلف الوعيد مدح ألم تسمع قول القائل: شعر : ولن يخشى نجل العم ما عاش صولتى ولا أنا أخشى صولة المترد وإنى إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى ومنجز وموعدى تفسير : فقال له عمرو: إذا صرت الى ذلك فقد قيل: شعر : إن أبا خالد المعتدل الرأ ى كريم الفعال والبيت لا يخلف الوعد والوعيد ولا يبيت من ناره على فوت تفسير : فانقطع أبو عمرو بن العلاء، قلت: لا ينقطع لاحتمال أن الشاعر أراد أنه لا يخلف الوعد والوعيد جيمعاً، بل الوعيد فقط لأنه لم يقل لا يخلف الوعد ولا الوعيد. {وإنَّ يوماً عنْدَ ربِّكَ كألف سَنة ممَّا تَعدّون} أى المدة الطويلة عندهم مدة قصيرة عند الله تعالى: "أية : إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً"تفسير : [المعارج: 6 - 7] والعذاب المذكور عذاب الدنيا، وقيل: انه الأخروى، وإن اليوم وقته الاخروى، وهو المراد بقوله: {عند ربك} وكونه كألف سنة لشدته وقيل إن أيام الآخرة اعتبرت طوالا، واليوم فى الآية من أيام الآخرة، والآية صريحة فى أنه تعالى لا يخلف ما وعد، وخلفه نقص تعالى عنه، ولو فى الشر لأنه تعالى لا يكذب، لا يجهل عاقبة تبدو له، فيرجع إليها لا تبدوا له البدوات علمه عام قديم.

الالوسي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} الضمير لقريش كان صلى الله عليه وسلم يحذرهم عذاب الله تعالى ويوعدهم ميجئه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار ويطلبون مجيئه استهزاء وتعجيزاً له صلى الله عليه وسلم فأنكر عليهم ذلك، فالجملة خبر لفظاً واستفهام وإنشاء معنى، وقوله تعالى: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} جملة حالية جيء بها لبيان بطلان إنكارهم العذاب في ضمن استعجالهم به كأنه قيل: كيف تنكرون مجيء العذاب الموعود والحال أنه تعالى لا يخلف وعده، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئة أو اعتراضية لما ذكر أيضاً. وقوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} جملة مستأنفة إن كانت الأولى حالية ومعطوفة عليها إن كانت اعتراضية سيقت لتحقيق إنكار الاستعجال وبيان خطئهم فيه ببيان كمال سعة ساحة حلمه تعالى وإظهار غاية ضيق عطنهم المستتبع لكون المدة القصيرة عنده تعالى مدداً طوالاً عندهم حسبما ينطق به قوله تعالى: { أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6-7] ولذا يرون مجيئه بعيداً ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره ويجترؤون على الاستعجال به ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها وقوعاً وإخباراً ما عنده من المقدار. وقراءة الأخوين وابن كثير {يعدون} على صيغة الغيبة أي يعده المستعجلون أوفق لهذا المعنى، وقد جعل الخطاب في قراءة الجمهور لهم أيضاً بطريق الالتفات لكن الظاهر أنه للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، وقيل: المراد بوعده تعالى ما جعل لهلاك كل أمة من موعد معين وأجل مسمى كما في قوله تعالى: { أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [العنكبوت: 53] فتكون الجملة الأولى مطلقاً مبينة لبطلان الاستعجال / به ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود، والجملة الأخيرة بيان لبطلانه ببيان ابتنائه على استطالة ما هو قصير عنده تعالى على الوجه المار بيانه، وحينئذ لا يكون في النظم الكريم تعرض لإنكارهم مجيئه الذي دسوه تحت الاستعجال، ويكتفي في رد ذلك ببيان عاقبة من قبلهم من أمثالهم، وأياً ما كان فالعذاب المستعجل به العذاب الدنيوي وهو الذي يقتضيه السباق والسياق. وقيل: المراد بالعذاب العذاب الأخروي والمراد باليوم المذكور يوم ذلك العذاب واستطالته لشدته فإن أيام الترحة مستطالة وأيام الفرحة مستقصرة كما قيل: شعر : تمتع بأيام السرور فإنها قصار وأيام الهموم طوال تفسير : وعلى ذلك جاء قوله: شعر : ليلى وليلي نفى نومي اختلافهما بالطول والطول يا طوبـى لو اعتدلا يجود بالطول ليلي كلما بخلت بالطول ليلى وإن جادت به بخلا تفسير : فيكون قد رد عليهم إنكار مجيء العذاب بالجملة الأولى وأنكر عليهم الاستعجال به وإن كان ذلك على وجه الاستهزاء بالجملة الثانية فكأنه قيل: كيف تنكرون مجيئه وقد سبق به الوعد ولن يخلف الله تعالى وعده فلا بد من مجيئه حتماً وكيف تستعجلون به واليوم الواحد من أيامه لشدته يرى كألف سنة مما تعدون، ويقال نحو ذلك على القول بأن المراد باليوم أحد أيام الآخرة فإنها اعتبرت طوالاً أو أنها تستطال لشدة عذابها. واعترض بأن ذلك مما لا يساعده السباق ولا السياق، وقال الفراء: تضمنت الآية عذاب الدنيا والآخرة وأريد بالعذاب المستعجل به عذاب الدنيا أي لن يخلف الله تعالى وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا وإن يوماً من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، ولا يخلو عن حسن إلا أن فيه بعداً كما لا يخفى. واستدل المعتزلة بقوله تعالى: {لَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} على أن الله سبحانه لا يغفر للعصاة لأن الوعد فيه بمعنى الوعيد وقد أخبر سبحانه أنه لا يخلفه والمغفرة تستلزم الخلف المستلزم للكذب المحال عليه تعالى. وأجاب أهل السنة بأن وعيدات سائر العصاة إنشاءات أو إخبارات عن استحقاقهم ما أوعدوا به لا عن إيقاعه أو هي إخبارات عن إيقاعه مشروطة بعدم العفو وترك التصريح بالشرط بزيادة الترهيب ولا كذلك وعيدات الكفار فإنها محض إخبارات عن الإيقاع غير مشروطة بشرط أصلاً كمواعيد المؤمنين، والداعي للتفرقة الجمع بين الآيات، وأنت تعلم أن ظاهر هذا أن وعيدات الكفار بالعذاب الدنيوي كوعيداتهم بالعذاب الأخروي لا يتطرقها عدم الوقوع فلا يجوز العفو عن عذابهم مطلقاً متى وعد به، وعندي في التسوية بين الأمرين تردد، ويعلم من ذلك حال هذا الجواب على تقدير حمل العذاب في الآية على العذاب الدنيوي الأوفق للمقام والوعد على الوعد به. وأجاب بعضهم هنا بأن المراد بالوعد وعده تعالى بالنظرة والإمهال وهو مقابل للوعيد في نظر الممهل ولا خلاف في أن الله تعالى لا يخلف الوعد المقابل للوعيد وأن ما يؤدي به خبر محض لا شرط فيه؛ وقيل: المراد به وعده تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب المستعجل به عليهم وذلك مقابل للوعيد من حيث إن فيه خيراً له عليه الصلاة والسلام، ولا مانع من أن يكون شيء واحد خيراً وشراً بالنسبة إلى شخصين فقد قيل: شعر : مصائب قوم عند قوم فوائد تفسير : وحينئذ لا دليل للمعتزلة في الآية على دعواهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وإن يكذبوك}تفسير : [الحج: 42] عطف القصة على القصة فإن من تكذيبهم أنهم كذبوا بالوعيد وقالوا: لو كان محمد صادقاً في وعيده لعُجّل لنا وعيده، فكانوا يسألونه التعجيل بنزول العذاب استهزاء، كما حكى الله عنهم في قوله: {أية : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32]، وقال: {أية : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين}تفسير : [السجدة: 28] فذكر ذلك في هذه الآية بمناسبة قوله {أية : فأمليت للكافرين}تفسير : [الحج: 44] الآية. وحُكي {ويستعجلونك}بصيغة المضارع للإشارة إلى تكريرهم ذلك تجديداً منهم للاستهزاء وتوركاً على المسلمين. والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمقصود إبلاغه إياهم. والباء من قوله {بالعذاب} زائدة لتأكيد معنى الاستعجال بشدّته كأنه قيل يحرصون على تعجيله. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} تفسير : في أول [سورة الرعد: 6]. ولما كان استعجالهم إياه تعريضاً منهم بأنهم موقنون بأنه غير واقع أعقب بقوله: {ولن يخلف الله وعده}، أي فالعذاب الموعود لهم واقع لا محالة لأنه وعدٌ من الله والله لا يخلف وعده. وفيه تأنيس للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لئلا يستبطئونه. وقوله: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} عطف على جملة {ولن يخلف الله وعده}، فإن الله توعدهم بالعذاب وهو صادق على عذاب الدنيا والآخرة وهم إنما استعجلوا عذاب الدنيا تهكماً وكناية عن إيقانهم بعدم وقوعه بلازم واحد، وإيماء إلى عدم وقوع عذاب الآخرة بِلازمين، فَردّ الله عليهم رداً عاماً بقوله: {ولن يخلف الله وعده}، وكان ذلك تثبيتاً للمؤمنين، ثم أعقبه بإنذارهم بأن عذاب الآخرة لا يفلتون منه أيضاً وهو أشدّ العذاب. فقوله: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} خبر مستعمل في التعريض بالوعيد، وهذا اليوم هو يوم القيامة. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}تفسير : [العنكبوت: 53ــــ54]. وليس المراد بقوله: {وإن يوماً عند ربك} إلى آخره استقصار أجل حلول العذاب بهم في الدنيا كما درج عليه أكثر المفسرين لعدم رشاقة ذلك على أن هذا الاستقصار يغني عنه قوله عقب هذا: {أية : وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها}تفسير : [الحج: 48]. والخطاب في {تعدون}للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. وقرأ الجمهور {تعدون} بالفوقية، وقرأه ابن كثير، وحمزة، والكسائي {مما يعدون} ــــ بياء الغائبين ــــ. أي مما يعده المشركون المستعجلون بالعذاب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النَّبي صلى الله عليه وسلم تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغياناً وعناداً. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [ص: 16] وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 54] وقوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 53] الآية. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة، من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله: {أية : مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 57] وفي يونس في الكلام على قوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}تفسير : [يونس: 51] إلى غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47] الظاهر أن المراد بالوعد هنا: هو ما أوعدهم به من العذاب الذي يستعجلون نزوله. والمعنى: هو منجز ما وعدهم به من العذاب، إذا جاء الوقت المحدد لذلك كما قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [العنكبوت: 53] وقوله تعالى: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}تفسير : [هود: 8] وقوله تعالى: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}تفسير : [يونس: 51] وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر. ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحج: 72] فإنه قال في هذه الآية في النار: وعدها الله بصيغة الثلاثي الذي مصدره الوعد، ولم يقل أوعدها وما ذكر في هذه الآية، من أن ما وعد به الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك، جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة ق {أية : قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 28-29] الآية والصحيح أن المراد بقوله: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} أن ما أوعد الكفار به من العذاب، لا يبدل لديه، بل هو واقع لا محالة، وقوله تعالى: {أية : كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}تفسير : [ق: 14] أي وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال وقوله تعالى: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}تفسير : [ص: 14] كما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنعام: 128] الآية. وأوضحنا أنما أوعد به الكفار لا يخلف بحال، كما دلت عليه الآيات المذكورة. أما ما أوعد به عصاة المسلمين، فهو الذي يجوز ألا ينفذه وأن يعفو كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48] الآية. وبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا، وإنما شاع على ألسنة كثير من أهل التفسير، من أن الوعد لا يستعمل إلا في الوعد بخير وأنه هو الذي لا يخلفه الله، وأما إن كان المتوعد به شراً، فإنه وعيد وإيعاد. قالوا: إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً، وعن الإيعاد كرماً، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً، أما سمعت قول الشاعر: شعر : ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي ولا انثنى عن سطوة المتهدد فإنّي وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : فيه نظر من وجهين: الأول: هو ما بيناه آنفاً من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار، والعذاب كقوله تعالى: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الحج: 72] وقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه، ولن يخلف الله وعده في حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم، لأنه مقترن بقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} فتعلقه به هو الظاهر. الثاني: هو ما بينا أن ما أوعد الله به الكفار لا يصح أن يخلفه بحال، لأن ادعاء جواز إخلافه، لأنه إيعاد وأن العرب تعد الرجوع عن الإيعاد كرماً يبطله أمران: الأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر أصلاً، لأن إيعادهم بإدخالهم النار مما زعموا أن الرجوع عنه كرم، وهذا لا شك في بطلانه. الثاني: ما ذكرنا من الآيات الدالة: على أن الله لا يخلف ما أوعد به الكفار من العذاب كقوله: {أية : قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 28-29] الآية وقوله تعالى فيهم {أية : فَحَقَّ وَعِيدِ}تفسير : [ق: 14] وقوله فيهم: {أية : فَحَقَّ عِقَابِ}تفسير : [ص: 14] ومعنى حق: وجب وثبت، فلا وجه لانتفائه بحال، كما أوضحناه هنا وفي غير هذا الموضع. قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن اليوم عنده جل وعلا كألف سنة مما يعده خلقه، وما ذكره هنا من كون اليوم عنده كألف سنة، أشار إليه في سورة السجدة بقوله: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}تفسير : [السجدة: 5] وذكر في سورة المعارج أن مقدار اليوم خمسون ألف سنة وذلك في قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] الآية. فآية الحج، وآية السجدة متوافقتان تصدق كل واحدة منهما الأخرى، وتماثلها في المعنى. وآية المعارج تخالف ظاهرهما لزيادتها عليهما بخمسين ضعفاً. وقد ذكرنا وجه الجمع بين هذه الآيات في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب. وسنذكره إن شاء الله هنا ملخصاً مختصراً. ونزيد عليه بعض ما تدعو الحاجة إليه. فقد ذكرنا ما ملخصه: أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلاً من ابن عباس، وسعيد بن المسيب، سئل عن هذه الآيات: فلم يدر ما يقوله فيها، ويقول: لا أدري، ثم ذكرنا أن للجمع بينهما وجهين: الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك، عن عكرمة عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج: هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض ويوم الألف في سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى ويوم الخمسين ألفاً، هو يوم القيامة. الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن اختلاف زمن اليوم إنما هو باعتبار حال المؤمن، وحال الكافر لأن يوم القيامة أخف على المؤمن منه على الكافر كما قال تعالى: {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}تفسير : [المدثر: 9-10] اهـ. ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان. وذكرنا أيضاً في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}تفسير : [الفرقان: 24] ما ملخصه: أن آية الفرقان هذه تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار، لأن المقيل القيلولة أو مكانها وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة وابن جبير لدلالة هذه الآية، على ذلك، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ورد في حديث انتهى منه، مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة في قوله تعالى: {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] وهو يوم القيامة بلا خلاف في ذلك. والظاهر في الجواب: أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين، ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً}تفسير : [الفرقان: 26] فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين: يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك وقوله تعالى: {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}تفسير : [المدثر: 9-10] يدل بمفهوم مخالفته على أنه يسير على المؤمنين غير عسير كما دل عليه قوله تعالى: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}تفسير : [القمر: 8]. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث: أن سعيداً الصواف حدثه أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقلبون في رياض الجنة، حتى يفرغ من الناس وذلك قوله: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24] ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وأما على قول من فسر المقيل في الآية بأنه المأوى والمنزل كقتادة رحمه الله، فلا دلالة في الآية لشيء مما ذكرنا. ومعلوم أن من كان في سرور ونعمة، أنه يقصر عليه الزمن الطويل قصراً شديداً، بخلاف من كان في العذاب المهين والبلايا والكروب، فإن الزمن القصير يطول عليه جداً وهذا أمر معروف، وهو كثير في كلام العرب. وقد ذكرنا في كتابنا المذكور بعض الشواهد الدالة عليه، كقول أبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول تفسير : وقول الآخر: شعر : فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار تفسير : وقول الآخر: شعر : ليلي وليلي نفى نومي اختلافهما في الطول والطول طوبى لي لو اعتدلا يجود بالطول ليلي كلما بخلت بالطول ليلي وإن جادت به بخلا تفسير : ونحو هذا كثير جداً في كلام العرب ومن أظرف ما قيل فيه ما روي عن يزيد بن معاوية أنه قال: شعر : لا أسأل الله تغييراً لما فعلت نامت وقد أسهرت عيني عيناها فالليل أطول شيء حين أفقدها والليل أقصر شيء حين ألقاها تفسير : وقد ورد بعض الأحاديث بما يدل على ظاهر آية الحج، وآية السجدة. وسنذكر هنا طرفاً منه بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة الحج. قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام" تفسير : ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفاً فقال: حدثني يعقوب ثنا ابن علية، ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء، بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة ". تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن المهدي وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية. وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}تفسير : [السجدة: 5] اهـ محل الغرض من ابن كثير، وظواهر الأحاديث التي ساق يمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من أن أصل اليوم كألف سنة، ولكنه بالنسبة إلى المؤمنين يقصر ويخف، حتى يكون كنصف نهار. والله تعالى أعلم. وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وحمزة، والكسائي: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا يَعُدُّونَ} بياء الغيبة، وقرأه الباقون {تَعُدُّونَ} بتاء الخطاب ومعنى القراءتين واضح، والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {ويستعجلونك بالعذاب} كانوا يقولون له: {أية : فَأْتِنا بما وعدتنا إن كنت من الصَّادقين}. تفسير : فقال الله تعالى: {ولن يخلف الله وعده} الذي وعدك من نصرك وإهلاكهم، ثمَّ ذكر أنَّ لهم مع عذاب الدُّنيا في الآخرة عذاباً طويلاً، وهو قوله تعالى: {وإنَّ يوماً عند ربك} أَيْ: من أيَّام عذابهم {كألف سنة مما تعدون} وذلك أن يوماً من أيَّام الآخرة كألفِ سنةٍ في الدُّنيا، ثمَّ ذكر سبحانه أنَّه قد أخذ قوماً بعد الإِمهال فقال: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمةٌ ثمَّ أخذتها وإليَّ المصير}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يستعجلونك بالعذاب: أي يطالبونك مستعجلينك بما حذّرتهم منه من عذاب الله. كألف سنة مما تعدون: أي من أيام الدنيا ذات الأربع والعشرين ساعة. وكأين من قرية: أي وكثير من القرى أي العواصم والحواضر الجامعة لكل أسباب الحضارة. أمليت لها: أي أمهلتها فمدَّدت أيام حياتها ولم استعجلها بالعذاب. نذير مبين: منذر أي مخوِّف عاقبة الكفر والظلم بيِّنُ النذارة. لهم مغفرة ورزق كريم: أي ستر لذنوبهم ورزق حسن في الجنة. سعوا في آياتنا معاجزين: أي عملوا بجد واجتهاد في شأن إبعاد الناس عن الإيمان بآياتنا وما تحمله من دعوة إلى التوحيد وترك الشرك والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهه في دعوته إلى الصبر والتحمل فيقول له: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} أي يستعجلك المشركون من قومك بالعذاب الذي خوفتهم به وحذرتهم منه، {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} وقد وعدهم فهو واقع بهم لا بد وقد تم ذلك في بدر وقوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فلذا تعالى لا يستعجل وهم يستعجلون فيوم الله بألف سنة، وأيامهم بأربع وعشرين ساعة فإذا حدد تعالى لعذابهم يوماً معناه أن العذاب لا ينزل بهم إلا بعد ألف سنة، ونصف يوم بخمسمائة سنة، وربع يوم بمائتين وخمسين سنة وهكذا فلذا يستعجل الإِنسان ويستبطىء، والله عز وجل ينجز وعده في الوقت الذي حدده فلا يستخفه استعجال المجرمين العذاب ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الآية: 53] من سورة العنكبوت هذا ما دلت عليه الآية الأولى [47] وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي مدينة كبرى {أَمْلَيْتُ لَهَا} أي أمهلتها وزدت لها في أيام بقائها والحال أنها ظالمة بالشرك والمعاصي ثم بعد ذلك الإملاء والإِمهال وأخذتها {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} أي مصير كل شيء ومرده إلي فلا إله غيري ولا رب سواي فلا معنى لإِستعجال هؤلاء المشركين العذاب فإنهم عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا فإن مصيرهم إلى الله تعالى وسوف يجزيهم بما كانوا يكسبون الجزاء العادل في دار الشقاء والعذاب الأبدي وقوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، فلست بإله ولا رب بيدي عذابكم إن عصيتموني وإنعامكم إن أطعتموني، وإنما أنا عبد مأمور بأن أنذر عصاة الرب بعذابه، وابشر أهل طاعته برحمته، وهو معنى الآية [50] فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ولازِمه أنهم تركوا الشرك والمعاصي لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم عند ربهم وهو الجنة دار النعيم {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي عملوا جادين مسرعين في صرف الناس عن آيات الله حتى لا يؤمنوا بها ويعملوا بما فيها من هدى ونور معاجزين لله يظنون أنهم يعجزونه والله غالب على أمره ناصر دينه وأوليائه، أولئك البعداء في الشر والشرك أصحاب الجحيم الملازمون لها أبد الآبدين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- العجلة من طبع الإِنسان ولكن استعجال الله ورسوله بالعذاب حمق وطيش وضلال وكفر. 2- ما عند الله في الملكوت الأعلى يختلف تماماً عما في هذا الملكوت السلفي. 3- عاقبة الظلم وخيمة وفي الخبر الظلم يترك الديار بلاقع أي خراباً خالية. 4- بيان مهمة الرسل وهي البلاغ مع الإِنذار والتبشير ليس غير. 5- بيان مصير المؤمنين والكافرين يوم القيامة.

د. أسعد حومد

تفسير : (47) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الكُفَّارَ المُكَذِّبِينَ يَرَوْنَ آيَاتِ الله، وَيَرونَ ما حَلَّ بِمَنْ سَبَقَهم مِن المُكَذِّبِينَ، مِنْ دَمَارِ وَهَلاَكٍ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ وَلا يَتَّعِظُونَ، وَيَسْخَرونَ مِمَّنْ يَدْعُونَهم إِلَى اللهِ، وَمِمَّنْ يُحَذِّرُونَهُمْ عَقُوبَتَهُ وَعَذَابَهُ، وَهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَ العَذَابِ بِهِمْ، وَيَدْفَعُ بِهِمْ غُرُورُهُمْ إِلى حَدِّ اسْتِعْجَالِ وقوعِ العَذَابِ بِهِمْ، اسْتِبْعَاداً لَهُ وإِنْكَاراً، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَه، وَلَنْ يُبَدِّلَ سُنَّتَهُ، فالعَذَابُ آتٍ فِي الوَقْتِ الذي حَدَّدَهُ اللهُ، وَقَدَّرَهُ وَفْقَ حِكْمَتِهِ، وَلاَ يُعَجِّلُه اسْتِعْجَالُ النَّاسِ. وَتَقْدِيرُ الزَمَنِ في حِسَابِ اللهِ غَيْرُهُ فِي حِسَابِ البَشَرِ وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ اللهِ كَألفِ سَنَةٍ مِمَّا يَعُدُّهُ البَشَرُ مِن سِنِّي أَرْضِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ألم يقولوا في استعجال العذاب: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. وقالوا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70]. ولا يستعجل الإنسانُ العذابَ إلا إذا كان غَيْرَ مؤمن به، المؤمن بالعذاب - حقيقةً - يخاف منه، ويريد أنْ يبطئ عنه أو أنْ ينجوَ منه. والمعنى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ..} [الحج: 47] أنهم يظنون أنَّه إنْ توعّدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لِتَوِّه. لذلك، الحق سبحانه يصحح لهم هذا الفهم، فيقول: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] فلا تتعجلوا توعّدكم به، فهو واقع بكم لا محالة؛ لأنه وَعْد من الله، والله لا يُخلِف وعده، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ليس كيومكم، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة، أما عند الله فهو كألف سنة من حسابكم أنتم للأيام. واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث، ولا يسع أكثر مما قدِّر أن يُفعل فيه من الأحداث، أما اليوم عند الله - عَزَّ وجَلَّ - فيسع أحداثاً كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم؛ ذلك لأنكم تزاولون الأعمال وتعالجونها، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُنْ فيكون، ففِعْلُك يحتاج إلى وقت، أما فِعْل ربك فبكلمة كُنْ. وقد شاء الحق سبحانه أنْ يعيشَ هؤلاء في عذاب التفكير في هذا الوعيد طول عمرهم، فيُعذّبون به قبل حدوثه. إذن: لا تظن أن العذاب الذي توعّدكم به سيحدث اليوم أو غداً، لا؛ لأن حساب الوقت مختلف. ألم تقرأ قول الله تعالى لنبيه موسى - عليه السلام - لمَّا دعا على قومه: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. قال له ربه: {أية : قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..} تفسير : [يونس: 89]. ويقول المفسرون: حدثتْ هذه الإجابة لموسى بعد أربعين سنة من دعوته عليهم. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [السجدة: 5]. وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4] لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة مُعطَّل، فأنتم من هَوْل ما تروْنَ تستطيلون القصير، ويمر عليكم الوقت ثقيلاً؛ لذلك تتمنون الانصراف ولو إلى النار. كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل، ويمر عليه الوقت كأنه لمح البصر، ومن ذلك ما تلاحظه من قِصَر الوقت مع الأحبة وطوله مع الأعداء ومَنْ لا يهواه قلبك، ولهذه المسألة شواهد كثيرة في شعرنا العربي، منها قول أحدهم: شعر : حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً وَالبَلايَا تُكَال بالقُفْزَان تفسير : وقول الآخر: شعر : لَمْ يَطُلْ لَيْلِي ولكِنْ لَمْ أَنَمْ ونَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمّ تفسير : ويقول ابن زيدون: شعر : إنْ يَطُلْ بعدَكَ لَيْلِي فَلَكَمْ بِتُّ أشكُو قِصَرَ الليْلِ مَعَك تفسير : ثم يقول سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} [الحج: 47] يشير إلى: عدم تصديقهم كما قال تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 18] ولو آمنوا لصدقوا، ولو صدقوا لسكنوا عن الاستعجال، وفي قوله تعالى: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47] إشارة إلى أن الخلف في وعيد الكافرين لا يجوز، كما أن الخلف بالوعد للمؤمنين لا يجوز. ويجوز الخلف في وعيد المؤمنين؛ لأنه سبقت رحمة الله غضبه في حق المؤمنين وعدهم بالمغفرة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] وبقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] يشير إلى أن الأيام عنده تتساوى؛ إذ الاستعجال في الأمور، فسواء عنده يوم واحد وألف سنة، ومن لا يجري عليه الزمان وهو يجري الزمان؛ فسواءٌ عليه وجود الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان إذ ليس عنده صباح ولا مساء، وبقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 48] يشير إلى الإمهال يكون من الله والإهمال لا يكون، فإنه يمهل ولا يهمل، ويدع الظالم في ظلمه حيناً، ويوسع له الحيل ويطيل له المهل، فيتوهم أنه يفلت من قبضة التقدير وذلك ظنه الذي أراد ويأخذه من حيث لا يرتقب فيعلوه ندامة؛ ولات حينه وكيف يستبقى بالحيلة ما في التقدير عدمه وإلى الله مرجعه؟ كما قال الله تعالى: {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج: 48] نذير مبين {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [الحج: 48]. ثم أخبر أهل الوفاق وأهل النفاق بقوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الحج: 49] يشير إلى أن إنذار النسيان؛ أي: قل لهم يا محمد إني أشابهكم من حيث الصورة لكني أباينكم من حيث السيرة، فأنا لمحسنكم بشير، ولمسيئكم نذير، فقد أثبت بإقامة البراهين على ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان والنهي عن الفجور والعصيان. {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الحج: 50] فالناس في المغفرة أقسام: * فمنهم: من يستر زلته. * ومنهم: من يستر عليه الأعمال الصالحة صيانة لهم من الملاحظة. * ومنهم: من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة، وفي معناه قالوا: لا تنكرن جحدي هواك، فإنما ذلك الجحود عليك سترٌ مسبلٌ. * ومنهم من يستره بين أوليائه في قباب الغيرة كما قال: "حديث : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري ". تفسير : * ومنهم: كن يستر أنانيته بهويته والرزق الكريم ما يكون غير مشوب بالحدوث، بل يكون من الكريم القديم. وبقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] يشير إلى أن من عاند أهله آياته من خواص أوليائه {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [الحج: 51] جحيم الحقد والعداوة، ورد الولاية، والسقوط عن نظر الله في الدنيا، وجحيم نار جهنم في الآخرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يستعجلك هؤلاء المكذبون بالعذاب، لجهلهم، وظلمهم، وعنادهم، وتعجيزا لله، وتكذيبا لرسله، ولن يخلف الله وعده، فما وعدهم به من العذاب، لا بد من وقوعه، ولا يمنعهم منه مانع، وأما عجلته، والمبادرة فيه، فليس ذلك إليك يا محمد، ولا يستفزنك عجلتهم وتعجيزهم إيانا. فإن أمامهم يوم القيامة، الذي يجمع فيه أولهم وآخرهم، ويجازون بأعمالهم، ويقع بهم العذاب الدائم الأليم، ولهذا قال: { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } من طوله، وشدته، وهو له، فسواء أصابهم عذاب في الدنيا، أم تأخر عنهم العذاب، فإن هذا اليوم، لا بد أن يدركهم. ويحتمل أن المراد: أن الله حليم، ولو استعجلوا العذاب، فإن يوما عنده كألف سنة مما تعدون، فالمدة، وإن تطاولتموها، واستبطأتم فيها نزول العذاب، فإن الله يمهل المدد الطويلة ولا يهمل، حتى إذا أخذ الظالمين بعذابه لم يفلتهم. { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } أي: أمهلتها مدة طويلة { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } أي: مع ظلمهم، فلم يكن مبادرتهم بالظلم، موجبا لمبادرتنا بالعقوبة، { ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب { وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } أي: مع عذابها في الدنيا، سترجع إلى الله، فيعذبها بذنوبها، فليحذر هؤلاء الظالمون من حلول عقاب الله، ولا يغتروا بالإمهال.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [47] 368 - أنا محمدُ بنُ منصورٍ، نا الأسودُ بن عامرٍ، أنا الثوريُّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يدخُلُ فُقراءُ المُسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمس مائة عامٍ، وهو مقدارُ نصف يومٍ ". تفسير : 369 - أنا هشامُ بن عمارٍ، نا محمدُ بن شعيبٍ، أنانِي مُعاوية بن سلاَّم أن أخاهُ بن سلاَّمٍ، أخبره، عن أبي سلاَّمٍ أنهُ أخبره قال: أخبرني الحارثُ الأشعريُّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من دعى بدعوى الجاهليةِ فإنهُ من جُثا جهنَّم قال رجلٌ: يا رسول اللهِ وإن صام وصلَّى؟ قال: نعم، وإن صام وصلَّى، فادعوا بدعوى اللهِ التي سمَّاكُمُ اللهُ بها المُسلمين، المؤمنين، عبادَ اللهِ ".