Verse. 2643 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَكَاَيِّنْ مِّنْ قَرْيَۃٍ اَمْلَيْتُ لَہَا وَہِىَ ظَالِمَۃٌ ثُمَّ اَخَذْتُہَا۝۰ۚ وَاِلَيَّ الْمَصِيْرُ۝۴۸ۧ
Wakaayyin min qaryatin amlaytu laha wahiya thalimatun thumma akhathtuha wailayya almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكأيِّن من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها» المراد أهلها «وإليَّ المصير» المرجع.

48

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} أي أمهلتها مع عتوّها. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} أي بالعذاب. {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا } المراد أهلها {وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } المرجع.

الخازن

تفسير : {وكأين من قرية أمليت لها} يعني أمهلتها {وهي ظالمة} يعني مع استمرار أهلها على الظلم {ثم أخذتها} يعني أنزلت بهم العذاب {وإلي المصير} يعني مصيرهم إلي في الآخرة ففيه وعيد وتهديد. قوله عزّ وجلّ {قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} أمر رسول الله أن يديم لهم التخويف والإنذار وأن يقول لهم إنما بعثت لكم منذراً {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم} لما أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول {أية : إنما أنا لكم نذير مبين}تفسير : [الحج: 49] أردف ذلك بأن أمره بوعد من آمن ووعيد من عصى فقال {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة} يعن ستر لصغائر ذنوبهم وقيل للكبائر أيضاً مع التوبة ورزق كريم يعني لا ينقطع أبداً وقيل هو الجنة {والذين سعوا في آياتنا} يعني عملوا في إبطال آياتنا {معاجزين} يعني مثبطين الناس عن الإيمان وقرىء معاجزين يعني معاندين مشاقين وقيل معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا ويفوتوننا فلا نقدر عليهم بزعمهم أن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار {أولئك أصحاب الجحيم} وقوله تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} قال ابن عباس وغيره من المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تعالى تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم فكان يوماً في مجلس لقريش فأنزل الله عزّ وجلّ سورة والنجم فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى}تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها وسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد غير الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإن جعل لها محمد نصيباً فنحن معه فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله تعالى فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله تعالى خوفاً كبيراً فأنزل الله تعالى هذه الآية يعزيه وكان به رحيماً وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش وقيل قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً فلم يدخل أحد منهم إلاّ بجوار أو مستخفياً. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم وقوله {وما أرسلنا من قبلك من رسول} الرسول هو الذي يأتيه جبريل بالوحي عياناً {ولا نبي} النبي هو الذي تكون نبوته إلهاماً، أو مناماً فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً إلا إذا تمنى يعني أحب شيئاً واشتهاه وحدث به نفسه مما لم يؤمر به {ألقى الشيطان في أمنيته} يعني في مراده وقال ابن عباس: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلاً. والمعنى ما من نبي {إلا إذا تمنى} أن يؤمن قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى قومه فينسخ الله ما يلقى الشيطان. وقال أكثر المفسرين معنى تمنى قرأ وتلا كتاب الله ألقى الشيطان في أمنيته يعني في تلاوته قال حسان في عثمان حين قتل: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر تفسير : فإن قلت: قد قامت الدلائل على صدقه وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما هو به لا قصداً ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً قال الله تعالى: {أية : وما ينطق عن الهوى}تفسير : [النجم: 3] وقال تعالى: {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}تفسير : [فصلت: 42] فكيف يجوز الغلط على النبيّ صلى الله عليه وسلم في التلاوة وهو معصوم منه؟. قلت ذكر العلماء عن هذا الإشكال أجوبة: أحدها: توهين أصل هذه القصة وذلك أنه لم يروها أحد من أهل الصحة ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل وإنما رواها المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم والذي يدل على ضعيف هذه القصة اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها فقائل يقول إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة وآخر يقول قرأها وهو في نادي قومه وأخر يقول قرأها وقد أصابته سنة وآخر يقول بل حدث نفسه بها فجرى ذلك على لسانه وآخر يقول إن الشيطان قالها على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم وإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا عرضها على جبريل قال ما هكذا أقرأتك إلى غير ذلك من اختلاف ألفاظها والذي جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرآ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته قال عبد الله فلقد رأيته بعد قتل كافراً". أخرجه البخاري ومسلم وصح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس". رواه البخاري فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة. فقد رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جداً فهذا توهين هذه القصة. الجواب الثاني: وهو من حيث المعنى هو أنّ الحجة قد قامت بالدليل الصحيح وإجماع الأمة على عصمة النبيّ صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة وهو تمنيه أن ينزل عليه مدح إله غير الله أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه حتى نبهه جبريل عن ذلك فهذا كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم قال الله عزّ وجلّ {أية : ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}تفسير : [الحاقة: 44-46]. الآية الجواب الثالث: في تسليم وقوع هذه القصة وسبب سجود الكفار أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ يرتل القرآن ترتيلاً ويفصل الآي تفصيلاً كما صح عنه في قراءته فيحتمل أن الشيطان ترصد لتلك السكنات فدس فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكياً لصوت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسمعه من دنا منه من الكفار فظنوها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه لسجوده فأما المسلمون فلم يقدح ذلك عندهم لتحققهم من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم ذم الأوثان وإنهم كانوا يحفظون السورة كما أولها الله عزّ وجلّ الجواب الرابع: في تحقيق تفسير الآية وقد تقدم أنّ التمني يكون حديث النفس وبمعنى التلاوة فعلى الأول: يكون معنى قوله {إلا إذا تمنى} أي خطر بباله وتمنى بقلبه بعض الأمور ولا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة وعلى الثاني: وهو تفسير التمني بالتلاوة فيكون معنى قوله {إلا إذا تمنى} أي تلا وهو ما يقع للنبيّ صلى الله عليه وسلم من السهو في إسقاط آية أو آيات أو كلمة أو نحو ذلك ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه ويذكر به للوقت والحين كما صح في الحديث "حديث : لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها في سورة كذا"تفسير : وحاصل هذا أن الغرض من هذه الآية أن الأنبياء والرسل وإن عصمهم الله عن الخطأ في العلم فلم يعصمهم من جواز السهو عليهم بل حالهم في ذلك كحال سائر البشر والله تعالى أعلم. قوله عزّ وجلّ {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي يبطله ويذهبه {ثم يحكم الله آياته} أي يثبتها {والله عليم حكيم} قوله عزّ وجلّ {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} أي محنة وبلية والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء {للذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق {والقاسية قلوبهم} أي الجافية قلوبهم عن قبول الحق وهم المشركون {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} أي في خلاف شديد.

البقاعي

تفسير : ولما دل على نصر أوليائه، وقسر أعدائه، بشهادة تلك القرى، وختم بالتعجيب من استعجالهم مع ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم، وأعلمهم ما هو عليه من الأناة، واتساع العظمة، وكبر المقدار، عطف على {فكأين} محذراً من نكاله، بعد طويل إمهاله، قوله: {وكأين من قرية} أي من أهلها {أمليت لها} أي أمهلتها كما أمهلتكم {وهي ظالمة} كظلمكم بالاستعجال وغيره {ثم أخذتها} أي بالعذاب {وإليّ المصير*} بانقطاع كل حكم دون حكمي، كما كان مني البدء، فلم يقدر أحد أن يمنع من خلق ما أردت خلقه، ولا أن يخلق ما لم أرد خلقه، فلا تغتروا بالإمهال، وإن تمادت الأيام والليالي، واحذروا عواقب الوبال، وإن بلغتم ما أردتم من الآمال، ولعله إنما طوى ذكر البدء، لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب فيه اسمه الباطن، ولذلك ضل في هذه الدار أكثر الخلق وقوفاً مع الأسباب. ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من الرسول، وكان الإخبار باستهزائهم وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الإعراض عنهم أصلاً ورأساً قال سبحانه وتعالى مزيلاً لذلك منبهاً على أن مثله إنما يطلب من المرسل، لا من الرسول: {قل} أي لهم، ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عماهم {يا أيها الناس} أي جميعاً من قومي وغيرهم {إنما أنا لكم نذير} أي وبشير، وإنما طواه لأن المقام للتخويف، ويلزم منه الأمن للمنتهى فتأتي البشارة، ولأن النذارة هي المقصود الأعظم من الدعوة، لأنه لا يقدم عليها إلا المؤيدون بروح من الله {مبين*} أي لكل ما ينفعكم لتلزموه. ويضركم فتتركوه لا إله، أعجل لكم العذاب؛ ثم تسبب عن كونه مبيناً العلم بأن وصف البشارة مراد وإن طوي، فدل عليه سبحانه بقوله تفضيلاً لأهل البشارة والنذارة: {فالذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم ذلك {الصالحات لهم مغفرة} لما فرط منهم من التقصير لأنه لن يقد أحد أن يقدر الله حق قدره. ولما كان هذا أول الإذن في القتال، الموجب لمنابذة الكفار، ومهاجرة الأهل والأموال والديار، وكان ذلك - مع كونه في غاية الشدة - موجباً للفقر عادة، قال محققاً له ومنبهاً على أنه سبب الرزق: {ورزق} أي في الدنيا بالغنائم وغيرها، والآخرة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {كريم*} لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره أصلاً ما داموا على الاتصاف بذلك، هذا فعل ربهم بهم عكس ما وصف به مدعو الكفار من أن ضره أقرب من نفعه. ولما كان في سياق الإنذار، قال معبراً بالماضي زيادة في التخويف: {والذين سعوا} أي أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها {في آياتنا} أي التي نصبناها للدلالة علينا مرئية أو مسموعة {معاجزين} أي مبالغين في فعل ما يلزم - في زعمهم - منه عجزنا، ومعجزين، أي مقدرين أنهم يعجزوننا بإخفائهم آياتنا، وإضلال الناس وصدهم عهنا بألقاء الشبه والجدال، اتباعاً للشيطان المريد، من غير علم ولا هدى ولا كتب منير كشبه الاتحادية الذين راج أمرهم على كثير من الناس مع أنه لا شيء أوهى من شبههم ولا أظهر بطلاناً، ولذلك راج أمرها على أهل الغباوة، فإن الداعية منهم يقول لمن يغره: هذا الظاهر من الكلام لا يقول به عاقل، فالمراد به أسرار دقيقة، وراء طور العقل، لا يوصل إليه إلا بالرياضة والكشف، وما درى المغرور أن أبا طالب كان أعقل من هذا الذي ينسب إليه ذلك الكفر الظاهر، فإن شعره أحسن من شعره، وبديهته أعظم من بديهته، ورؤيته أحكم من رؤيته، وقد رأى من الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم ما لا مزيد عليه، مع أن له من القرابة ما هو معروف، ومن المحبة ما يفوت الحصر، ومع ذلك فقد أصرّ من الضلال ما لا يرضاه حمار لو نطق، على أن هذا المغرور قد لزمه - بتحسين الظن بهؤلاء الكفرة - إساءة الظن بأشرف الخلق: النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "حديث : من رأى منكم منكراً"تفسير : - الحديث الذي في بعض رواياته: " حديث : وليس وراء ذلك أي الإنكار بالقلب - مثقال حبة من إيمان"تفسير : . وقد أفردت لبيان ضلالهم كتباً لما استطار من شرهم، ومس من ضرهم، منها المطول والمختصر، لا مزيد على بيانها وظهور سلطانها {أولئك} البعداء البغضاء {أصحاب الجحيم*} أي استحقاقاً بما سعوا، فإن شاء تاب عليهم، وإن شاء كبهم فيها، ليعلموا أنهم هم العاجزون، هذا في الآخرة، وسيظهر سبحانه في الدنيا أيضاً عجزهم، بكشف شبههم ومج القلوب النيرة لها، مع ذلهم وانكسارهم، وهوانهم وصغارهم، حتى لا يقدروا أن ينطقوا من ذلك ببنت شفة، علماً منهم أن مثلها لا يقوله عاقل. ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبهاً، يعاجزون بها بجدالهم في دين الله الذي أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بإظهاره، وتقرير وإشهاره، عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله: {وما أرسلنا} أي بعظمتنا {من قبلك} ثم أكد الاستغراق بقوله: {من رسول} أي من ملك أو بشر بشريعة جديدة يدعو إليها {ولا نبي} سواء كان رسولاً أو لا، مقرر بالحفظ لشريعة سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوص بأنبياء بني أسرائيل الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى سماهم رسلاً في غير آية منها {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل}تفسير : [البقرة: 87] فالصواب أن يقال: النبي إنسان أوحي إليه بشرع جديد أو مقرر، فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضاً، والتقييد بشرع لإخراج مريم وغيرها من الأولياء {إلا إذا تمنى} أي تلا على الناس ما أمره الله به أو حدثهم به واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصاً منه على إيمانهم شفقة عليهم {ألقى الشيطان في أمنيته} أي ما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل، من الشبه والتخيلات ما يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم {أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم}تفسير : [الأنعام: 121]{أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً}تفسير : [الأنعام: 112] كما يفعل هؤلاء فيما يغيرون به في وجه الشريعة أصولاً وفروعاً من قولهم: إن القرآن شعر وسحر وكهانة، وقولهم {أية : لو شاء الله ما أشركنا}تفسير : [الأنعام: 148] وقولهم {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18] وقولهم: إن ما قلته الله بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ذبح، وقولهم: نحن أهل الله وسكان حرمه، لا نخرج من الحرم فنقف في الحج بالمعشر الحرام ويقف الناس بعرفة، ونحن نطوف قي ثيابنا وكذا من ولدناه، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عرياناً ذكراً ان أو أنثى إلا أن يعطيه أحد منا ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله، وكذا تأويلات الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدوا فيها، يضل بها من يشاء الله ثم يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره {فينسخ} أي فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {ما يلقي الشيطان} فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له. ولما كان إبطاله سبحانه للشبه إبطالاً محكماً، لا يتطرق إليه لعلو رتبة بيانه - شبهة أصلاً، عبر بأداة التراخي فقال: {ثم يحكم الله} أي الملك الذي لا كفوء له {آياته} أي يجعلها جلية فيما أريد منها، وأدل دليل على أن هذا هو المراد مع الافتتاح بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفاً على ما تقديره: فالله على ما يشاء قدير: {والله} أي الذي له الأمر كله {عليم} أي بنفي الشبه {حكيم*} بإيراد الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند من له أدنى بصيرة، وكذا ما مضى في السورة ويأتي من ذكر الجدال.

القشيري

تفسير : الإِمهال يكون من الله - سبحانه وتعالى، والإمهال يكون بأَنْ يَدَعَ الظالمَ في ظُلْمِه حيناً، ويوسِّع له الحَبْل، ويطيل به المهل،فيتوهم أنه انفلت من قبضة التقدير، وذلك ظنه الذي أراده، ثم يأخذه من حيث لا يَرْتَقِب، فيعلوه نَدَمٌ، ولات حينه، وكيف يستبقي بالحيلة ما حق في التقدير عَدَمُه؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكأين من قرية} وكثير من اهل قرية {امليت لها} امهلتها بتأخير العذاب كما امهلمت لهؤلاء {وهى ظالمة} اى والحال انها ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء {ثم اخذتها} بالعذاب بعد طول الامهال: يعنى [بس كرفتيم ايشانرا جون توبة نكردند بعذابى سخت دردنيا] {والىّ المصير} اى الى حكمى مرجع الكل لا الى احد غيرى لا استقلالا ولا شركة فافعل بهم ماافعل مما يليق باعمالهم وفيه اشارة الى ان الامهال يكون من الله تعالى والاهمال لايكون فانه يمهل ولا يهمل ويدع الظالم فى ظلمه ويوسع له الحبل ويطيل به المهل فيتوهم انه يفلت من قبضة التقدير وذلك ظنه الذى اراد ويأخذه من حيث لا يرتقب فيعلوه ندامة ولات حينه وكيف يستبقى بالحيلة ما حق فى التقدير عدمه والى الله مرجعه فالظلم من العبد سبب للاخذ من الله فلا يلومن الان نفسه: قال الحافظ شعر : تو بتقصير خود افتادى ازين در محروم از كه مى نالى وفرياد جرا ميدارى

الجنابذي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} امهلت اهلها كما امهلت قومك {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} مثل قومك {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} فى الدّنيا قبل الاحتضار بأنواع المؤاخذة وحين الاحتضار بحضور ملائكة العذاب وملك الموت {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} فاُعذّبها فى الآخرة بأنواع العذاب الموعودة فى الآخرة.

اطفيش

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ} كم من أهل قرية امهلت فحذف المضاف فخلفه المضاف إليه في الاعراب ورجوع الضمائر والاحكام مبالغة في التعميم والتهويل أو يقدر المضاف قبل الضمائر والاول أولى لاداء الثاني إلى تكرير الظاهر. وقرئ (وكائن من قرية أهلكناها) بالفاء وهذه بالواو والتفريع تلك عن قوله: {كيف كان نكير} وكون هذه وحكمها حكم المعطوفتين بالواو وقبلها قوله: {ولن يخلف الله وعده} وقوله: {وان يوما عند ربك كألف سنة} فانها استدلال على عدم الخلف والعجلة كذا يظهر من كلام جار الله والقاضي * {لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} مثلكم {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب فلم يفتهم العذاب بل جاءهم بعد امهال فلا يضرنكم الامهال {وإِليَّ المَصِيرُ} مرجع كل شيء إلى حكمي.

اطفيش

تفسير : {وكأين من قريةٍ أمليتُ لهَا} كما أهابت لهؤلاء، وهذا تحقيق لرد استعجالهم، فكان بالواو لا بالفاء المفرعة كما كانت الأولى بالفاء فى مقام التفريغ {وهى ظالمةٌ} كما ظلم قومك، توجب العذاب كما أوجبه قومك، وفى قومك ما فى الأمم السابقة من موجبات العذاب، فلم لا يخافونه، {ثم أخذتها} بالإهلاك بعد الإمهال الطويل {وإلىَّ المصير} لا الى غيرى أو الى أحد معى فلا يخلف أحد ما أريد فيهم، أو فى غيرهم من العذاب والحكم.

الالوسي

تفسير : {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} أي كم من سكنة قرية {أَمْلَيْتُ لَهَا} كما أمليت لهؤلاء حتى أنكروا مجيء ما وعد / من العذاب واستعجلوا به استهزاء وتعجيزاً لرسلهم عليهم السلام كما فعل هؤلاء، والجملة عطف على ما تقدمها جيء بها لتحقيق الرد كما تقدم فلذا جيء بالواو، وجيء في نظيرتها السابقة بالفاء قيل: لأنها أبدلت من جملة مقرونة بها، وفي إعادة الفاء تحقيق للبدلية، وقيل: جيء بالفاء هناك لأن الجملة مترتبة على ما قبلها ولم يجيء بها هنا لعدم الترتب، وقوله تعالى: {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} جملة حالية مفيدة لكمال حلمه تعالى ومشعرة بطريق التعريض بظلم المستعجلين أي أمليت لها والحال أنها ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال {وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} أي إلى حكمي مرجع جميع الناس أو جميع أهل القرية لا إلى أحد غيري لا استقلالاً ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل مما يليق بأعمالهم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، ومصرح بما أفاده ذلك بطريق التعريض من أن مآل أمر المستعجلين أيضاً ما ذكر من الأخذ الوبيل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ويستعجلونك بالعذاب}تفسير : [الحج: 47] أو على جملة {أية : ولن يخلف الله وعده}تفسير : [الحج: 47] باعتبار ما تضمنه استعجالهم بالعذاب من التعريض بأنهم آيسون منه لتأخّر وقوعه، فذُكّروا بأن أمماً كثيرة أمهلت ثمّ حلّ بها العذاب. فوزان هذه الآية وِزان قوله آنفاً: {أية : فكأين من قرية أهلكناها وفي ظالمة}تفسير : [الحج: 45] الخ؛ إلا أن الأولى قصد منها كثرة الأمم التي أهلكت لئلا يتوهّم من ذكر قوم نوح ومَن عطف عليهم أن الهلاك لم يتجاوزهم ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإهلاك دون الإمهال. وهذه الآية القصد منها التذكير بأنّ تأخير الوعيد لا يقتضي إبطاله، ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإمهال ثم الأخذِ بعده المناسب للإملاء من حيث إنه دخول في القْبضَة بعد بعده عنها. وأما عطف جملة {أية : فكأين من قرية أهلكناها}تفسير : [الحج: 45] ــــ بالفاء ــــ وعطف جملة {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة} ــــ بالواو ــــ فلأن الجملة الأولى وقعت بدَلاً من جملة {أية : فكيف كان نكير}تفسير : [الحج: 44] فقرنت ــــ بالفاء ــــ التي دخلت نظيرتُها على الجملة المبدَل منها، وأما هذه الجملة الثانية فخليّة عن ذلك فعطفت بالحرف الأصلي للعطف. وجملة {وإليَّ المصير} تذييل، أي مصير الناس كلهم إليّ. والمصير مِصدر ميمي لــــ (صار) بمعنى: رجع، وهو رُجوع مجازي بمعنى الحصول في المكنة. وتقديم المجرور للحصر الحقيقي، أي لا يصير الناس إلا إلى الله، وهو يقتضي أنّ المصير إليه كائن لا محالة، وهو المقصود من الحصر لأن الحصر يقتضي حصول الفعل بالأحرى فهو كناية عن عدم الإفلات.

الشنقيطي

تفسير : تقدمت قريباً الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في الكلام على قوله تعالى {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} تفسير : [الحج: 42] إلى قوله: {أية : وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}تفسير : [الحج: 45].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- وكثير من أهل القرى كانوا مثلهم ظالمين، فأمْهلْتهم ولم أعاجلهم بالعقاب، ثم أنزلته بهم، وإلىَّ - وحدى - مرجع الجميع يوم القيامة فأجازيهم بما يستحقون، فلا تغتروا - أيها الكفار - بتأخير العذاب عنكم. 49- قل - أيها النبى - لهؤلاء المكذبين الذين يطلبون منك التَّعجيل بعذابهم: ليس من مهمتى أن أجازيكم على أعمالكم، وإنما أنا مُحذِّر من عقاب الله تحذيراً واضحاً، والله هو الذى يتولى حسابكم ومجازاتكم. 50- فالذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم مغفرة من الله لذنوبهم التى وقعوا فيها، كما أن لهم رزقاً كريماً فى الجنة. 51- والذين أجهدوا أنفسهم فى محاربة القرآن مسابقين المؤمنين معارضين لهم، شاقين زاعمين - خطأ - أنهم بذلك يبلغون ما يريدون، أولئك يخلدون فى عذاب الجحيم. 52- لا تحزن - أيها النبى - من محاولات هؤلاء الكفار، فقد جرت الحوادث من قبلك مع كل رسول من رسلنا ونبى من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئاً يدعوهم به إلى الحق تصدى له شياطين الإنس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه عليهم لكى يحولوا بين النبى وبين أمنيته فى إجابة دعوته، فيزيل الله ما يدبِّرون، ثم تكون الغلبة فى النهاية للحق؛ حيث يثبت الله شريعته، وينصر رسوله، وهو عليم بأحوال الناس ومكائدهم، حكيم فى أفعاله يضع كل شئ فى موضعه.

د. أسعد حومد

تفسير : (48) - وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ظَالِمَةٍ أَخَّرَ اللهُ إِهْلاَكَ أَهْلِهَا مَعَ اسْتِمْرَارِهِم عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَاغْتَرُّوا بِذَلَكَ التَأْخِيرِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بَأْسَهُ وعِقَابَهُ بِهِمْ، وَسَيَلْقَوْنَ يَومَ القِيَامَةِ حِسَاباً شَدِيداً عَسِيراً حِينَمَا يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى اللهِ. وَيَومُ القِيَامَةِ يَوْمٌ لاَ يَنْفَعُ النَّاسَ فِيهِ مَالٌ وَلا بَنُونَ. فَمَا بَالُ هَؤلاءِ المُشْرِكِينَ يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِالوَعِيدِ؟.

الثعلبي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ * قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا} أي عملوا في إبطال آياتنا {مُعَاجِزِينَ} أي مغالبين مشاقّين قال ابن عباس، الأخفش: متأنّفين، قتادة: ظنّوا أنّهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم ولن يعجزوه. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: معجّزين بالتشديد أي مثبّطين الناس عن الإيمان، ومثله في سورة سبأ. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ}. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسّرين: لمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولّي قومه عنه وشقّ عليه ما رأى من مباعدتهم عمّا جاءهم به من الله سبحانه تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فأحبّ يومئذ ألاّ يأتيه من الله تعالى شيء فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله سبحانه سورة {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}تفسير : [النجم: 1] فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه لمّا كان يحدث به نفسه ويتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا،ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلّها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلاّ سجد إلاّ الوليد بن المغيرة وأبو أُحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنّهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود، وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها محمد نصيباً فنحن معه، فلمّا أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً كبيراً فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغهم سجود قريش، وقيل: قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان، فلمّا نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، فغيّر ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله (عليه السلام) قد وقعا في فم كلّ مشرك فازدادوا شرّاً إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} وهو الذي يأتيه جبرئيل بالوحي عياناً وشفاهاً {وَلاَ نَبِيٍّ} وهو الذي تكون نبوّته إلهاماً أو مناماً {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} أي أحبَّ شيئاً واشتهاه وحدّث به نفسه ما لم يؤمر به. {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي مراده ووجد إليه سبيلاً، وقال أكثر المفسرين: يعني بقوله: تمنى أي تلا وقرأ كتاب الله سبحانه {القي الشيطان في أُمنيّته} أي قراءته، وتلاوته، نظيره قوله سبحانه {أية : لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}تفسير : [البقرة: 78] يعني قراءة يقرأ عليهم. وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه حين قتل: شعر : تمنّى كتاب الله أوّل ليلة وآخره لاقى حمام المقادر تفسير : وسمعت أبا القاسم الحبيب يقول: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي الطبري يقول: ليس هذا التمنّي من القرآن والوحي في شيء وإنّما هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنّى الدنيا بقلبه وسوسة من الشيطان. وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلى الملائكة يعني أنَّ الشفاعة ترتجى منهم لا من الأصنام، وهذا قول ليس بالقوي ولا بالمرضىّ لقوله {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} أي يبطله ويذهبه {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} فيثبتها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. فإن قيل: فما وجه جواز الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم فعنه جوابان: أحدهما: أنّه على سبيل السهو والنسيان وسبق اللسان فلا يلبث أن ينبّهه الله سبحانه ويعصمه. والثاني: أنَّ ذلك إنّما قاله الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء قراءته وأوهم أنّه من القرآن وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتلوه، قال الله سبحانه {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيشكّون في ذلك. {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} فلا تلين لأمر الله {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من المؤمنين {أَنَّهُ} يعني أنّ الذي أحكم الله سبحانه من آيات القرآن {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي ممّا ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن جريج: من القرآن، غيره: من الدين وهو الصراط المستقيم. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قال عكرمة والضحّاك: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة. وقال الآخرون: هو يوم بدر وهو الصواب لأنّ الساعة هي القيامة، ولا وجه لأنْ يقال: حتى تأتيهم القيامة وإنّما سمّي يوم بدر عقيماً لأنّهم لم يُنظَروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء قاله ابن جريج، غيره: لأنّه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وقيل: لأنّه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} يعني يوم القيامة {للَّهِ} وحده من غير منازع، ولا مدّع، والملك هو اتّساع المقدور لمن له تدبير الأُمور، والله سبحانه وتعالى هو الذي يملك الأُمور كلّها، وكلّ ملك سواه فهو مملّك بحكمه وإذنه. {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ثم بيّن حكمه فقال عزَّ من قائل {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله سبحانه وطلب رضاه {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} وهم كذلك { لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} في الجنة {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وقيل: هو قوله سبحانه {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]. روى ابن وهب عن عبد الرَّحْمن بن الحجاج بن سلامان بن عامر قال: كان فضالة بن دوس أميراً على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين: أحدهما قتيل والآخر متوفّى، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته فقال: أراكم أيّها الناس تميلون مع القتيل وتفضلّونه على أخيه المتوفّى فوالذي نفسي بيده ما أُبالي من أىّ حفرتها بعثت، إقرؤوا قول الله سبحانه {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}. {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} نزلت في قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، فكره المسلمون قتال المشركين وسألوهم أن يكفّوا عن القتال من أجل الأشهر الحرم فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليه، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات، والعقاب الأول بمعنى الجزاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَكَأَيِّن} [الحج: 48] قلنا: تدل على الكثرة يعني: كثير من القرى، {أَمْلَيْتُ} [الحج: 48]: أمهلتُ، لكن طوال الإمهال لا يعني الإهمال؛ لأن الله تعالى يُملي للكافر ويُمهله لأجل، فإذا جاء الأجل والعقاب أخذه. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج: 48] وأخْذُ الشيء يتناسب مع قوة الآخذ وقدرته وعنف الانتقام بحسب المنتقم، فإذا كان الآخذ هو الله عز وجل، فكيف سيكون أَخْذه؟ في آية أخرى يوضح ذلك فيقول: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 42] لا يُغَالب، ولا يمتنع منه أحد، وكلمة الأَخْذ فيها معنى الشدة والعنف والقَهْر. ثم يقول سبحانه: {وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [الحج: 48] يعني: المرجع والمآب، فلن يستطيعوا أنْ يُفلِتوا. إذن: الإملاء: تأخير العذاب إلى أجل معين، كما قال سبحانه: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17]. هذا الأجل قد يكون لمدة، ثم يقع بهم العذاب، كما حدث في الأمم السابقة التي أهلكها الله بالخسْف أو بالغرق .. الخ، أما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون الإملاء بأحداث سطحية في الدنيا، كالذي حَلَّ بالكفار من الخِزْي والهوان والهزيمة وانكسار شوكتهم، أمّا العذاب الحقيقي فينتظرهم في الآخرة. لذلك يقول الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستبطئ عذابهم والانتقام منهم في الدنيا، فما لم تَرَهُ فيهم من العذاب في الدنيا ستراه في الآخرة: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن} معناه وكَمْ.