Verse. 2645 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

فَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّرِزْقٌ كَرِيْمٌ۝۵۰
Faallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati lahum maghfiratun warizqun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة» من الذنوب «ورزق كريم» هو الجنة.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين والوعيد للعاصين. فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم. أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة، أو عن غفرانها قبل التوبة، والأولان واجبان عند الخصم، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً، فبقي الثالث وهو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب، وكرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية، وهو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب وتحمل المشاق والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها، وأن يكون للصفات الثبوتية، وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر، مقروناً بالتعظيم والتبجيل. والأولى جعل الكريم دالاً على كل هذه الصفات، فهذا شرح حال المؤمنين. وأما حال الكفار فقال: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ } والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين، ويقال لمن بذل جهده في أمر: إنه سعى فيه توسعاً من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً. قال صاحب «الكشاف»: يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه، أما المعاجز فيقال عاجزته، أي طمعت في إعجازه، واختلفوا في المراد، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد. أما الذين قالوا المراد معاجزين لله، فقد ذكروا وجوهاً: أحدها: المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم وحسابهم حيث جحدوا البعث وثانيها: أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب وثالثها: يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس والجواب: عن الأول أن من جحد أصل الشيء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشيء، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر والجواب: عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة، لا إلى الله تعالى. أما قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } فالمراد أنهم يدومون فيها وشبههم من حيث الدوام بالصاحب، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولاً وأنذر الكافرين ثانياً، فكان القياس أن يقال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين، ويا أيها الناس نداء لهم، وهم الذين قيل فيهم { أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الحج: 46] ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة لغيظهم وإيذائهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } من الذنوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } هو الجنة.

ابو السعود

تفسير : {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لما ندرَ منهم من الذُّنوبِ {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هي الجنَّةُ. والكريمُ من كلِّ نوع ما يجمعُ فضائلَه ويحوزُ كمالاتِه. {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ} أي سابقين أو مُسابقين في زعمِهم وتقديرهم طامعين أنَّ كيدَهم للإسلام يتمُّ لهم. وأصلُه من عاجزَهُ وعجزَه فأعجزَه إذا سابقَه فسبقَه لأنَّ كُلاًّ من المتسابقينَ يريدُ إعجازَ الآخرِ عن اللَّحاق بهِ. وقُرىء مُعجزين أي مُثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان على أنَّه حالٌ مقدَّرةٌ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذُكر من السَّعيِ والمُعاجزة {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} أي ملازمُوا النَّارَ المُوقدةِ، وقيل: هو اسم دَرْكةٍ من دَرَكاتِها. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ} الرَّسولُ من بعثه الله تعالى بشريعةٍ جديدةٍ يدعُو النَّاسَ إليها، والنَّبـيُّ يعمُّه ومَن بعثه لتقريرِ شريعةٍ سابقةٍ كأنبـياءِ بني إسرائيلَ الذين كانُوا بـين موسى وعيسى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ولذلك شَبَّه عليه السَّلامُ علماءَ أُمَّتِه بهم. فالنَّبـيُّ أعمُّ من الرَّسول، ويدلُّ عليه حديث : أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئل عن الأنبـياءِ فقال: «مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً» قيل: فكم الرَّسولُ منهم؟ فقال: «ثلاثمائةٌ وثلاثةَ عشرَ جَمًّا غفيراً» تفسير : . وقيل: الرَّسولُ من جمعَ إلى المعجزةِ كتاباً منزَّلاً عليه، والنَّبـيُّ غيرُ الرَّسولِ من لا كتابَ له. وقيل: الرَّسولُ من يأتيهِ المَلَكُ بالوحيِ، والنَّبـيُّ يقال لَه ولمن يُوحى إليهِ في المنامِ {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} أي هيَّأ في نفسِه ما يهواه {أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ} في تشهِّيه ما يُوجب اشتغالَه بالدُّنيا كما قال عليه السَّلامُ: « حديث : وإنَّه ليُغانُ على قَلبـي فأستغفرُ الله في اليَّومِ سبعينَ مَرَّة » تفسير : {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} فيُبطله ويذهبُ به بعصمتِه عن الرُّكونِ إليه وإرشادِه إلى ما يُزيحه {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَـٰتِهِ} أي يُثبت آياتِه الدَّاعية إلى الاستغراق في شؤون الحقِّ. وصيغةُ المضارع في الفعلينِ للدِّلالةِ على الاستمرار التَّجدُّدي. وإظهارُ الجلالة في موقعِ الإضمارِ لزيادةِ التَّقريرِ والإيذانِ بأنَّ الأُلوهيَّةَ من موجباتِ أحكامِ آياتِه الباهرةِ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلمِ بكلِّ ما من شأنِه أنْ يُعلم ومن جُملتِه ما صدرَ عن العبادِ من قولٍ وفعلٍ عمداً أو خطأ {حَكِيمٌ} في كلِّ ما يفعلُ. والإظهارُ هٰهنا أيضاً لما ذُكر مع ما فيه من تأكيد استقلالِ الاعتراضِ التَّذيـيليِّ، قيل: حدَّث نفسَه بزوال المسكنةِ فنزلتْ، وقيل: تمنَّى لحرصِه على إيمان قومِه أنْ ينزل عليه ما يُقرِّبهم إليه واستمرَّ به ذلك حتَّى كان في ناديهم فنزلتْ عليه سورةُ النَّجم فأخذَ يقرؤها فلمَّا بلغَ ومناةَ الثَّالثةَ الأُخرى وسوسَ إليه الشَّيطانُ حتَّى سبق لسانُه سهواً إلى أنْ قال تلكَ الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى ففرح به المشركون حتَّى شايعُوه بالسُّجودِ لمَّا سجدَ في آخرِها بحيث لم يبقَ في المسجد مؤمنٌ ولا مشركٌ إلاَّ سجد ثم نبَّهه جَبريل عليه السلام فاغتمَّ به فعزَّاه الله عزَّ وجلَّ بهذه الآيةِ وهو مردودٌ عند المحقِّقين ولئن صحَّ فابتلاءٌ يتميَّز به الثَّابتُ على الإيمانِ عن المتزلزلِ فيه، وقيل: تمنَّى بمعنى قرأ كقوله: [الطويل] شعر : تمنَّى كتابَ الله أوَّلَ ليلة تمنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رسلِ تفسير : وأمنيَّتُه قراءتُه وإلقاءُ الشَّيطانِ فيها أنْ يتكلَّم بذلك رافعاً صوتَه بحيثُ ظنَّ السَّامعون أنَّه من قراءة النَّبـيِّ عليه السَّلامُ وقد رُدَّ بأنه أيضاً يخلُّ بالوثوقِ بالقُرآنِ ولا يندفعُ بقولِه تعالى: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَـٰتِهِ} [الحج: 52] لأنَّه أيضاً يحتملُه، وفي الآيةِ دلالةٌ على جوازِ السَّهو من الأنبـياءِ عليهم السلام وتطرق الوسوسةِ إليهم.

القشيري

تفسير : الناس - في المغفرة - على أقسام: فمنهم من يستر عليه زَلَّتَه، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانةً له عن الملاحظة، ومنهم من يستر حاله لئلا تُصيبَه مِنَ الشهرةِ فتنةٌ، وفي معناه قالوا: شعر : لا تُنْكِرَنْ جُحْدِي هَوَاكَ فإنما ذاك الجحودُ عليكَ سِتْرَ مُسْبَلُ تفسير : ومنهم مَنْ يستره بين أوليائه، لذلك وَرَدَ في الكتب: "أوليائي في قبائي، لا يشهد أوليائي غيري". {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ما يكون من وجه الحلال. ويقال ما يكون من حيث لا يَحْتَسِب العبدُ. ويقال هو الذي يبدو - من غير ارتقابٍ - على رِفْقٍ في وقت الحاجة إليه. ويقال هو ما يَحْمِلُ المرزوقَ على صَرْفِه في وَجْهِ القربة. ويقال ما فيه البركة. ويقال الرزق الكريم الذي يُنال من غير تعب، ولا يتقلد مِنَّةً مخلوق.

اسماعيل حقي

تفسير : {فالذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم مغفرة} تجاوز لذنوبهم {ورزق كريم} نعيم الجنة: يعنى [رزق بى رنج ومنت] والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله.

الجنابذي

تفسير : {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ والبيعة العامّة النّبويّة وهو عطف من الرّسول (ص) او من الله على قول الرّسول وهذا هو الظّاهر من قوله {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا} آياتنا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الّتى اخذوها منّى بعد البيعة {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الكريم على كلّ شيءٍ ما يجمع فضائله.

اطفيش

تفسير : {فَالذِّينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرةٌ} لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الجنة والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله.

الالوسي

تفسير : فالزيادة في إغاظة المشركين فهو بحسب المآل إنذار، ويجوز أن يقال: إن قوله سبحانه: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الآية تفصيل لمن نجع فيه الإنذار من الناس المشركين ومن بقي منهم على كفره غير ناجح فيه ذلك كأنه قيل: أنذر يا محمد هؤلاء الكفرة المستعجلين بالعذاب وبالغ فيه فمن آمن ورجع عما هو عليه فله كذا ومن داوم على كفره واستمر على ما هو عليه فله كذا، واختاره الطيبـي وهو كما في «الكشف» حسن وعليه لا يكون التقسيم داخلاً في المقول بخلاف الوجه الأول. وقال بعض المحققين: (الناس) عام للمؤمن والكافر والمنذر به قيام الساعة، وإنما كان صلى الله عليه وسلم نذيراً مبيناً لأن بعثه عليه الصلاة والسلام من أشراطها فاجتمع فيه الإنذار قالاً وحالاً بقوله: { أية : أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تفسير : [الحج: 49] كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في «الصحيحين» « حديث : أنا النذير العريان » تفسير : وقد دل على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار تفصيل حال الفريقين عند قيامها اهـ. ولا مانع منه لولا ظاهر السياق، وكون المؤمنين لا ينذرون لا سيما وفيهم الصالح والطالح مما لا وجه له، ومن منع من العموم لذلك قال: التقدير عليه بشير ونذير ونقل هذا عن الكرماني؛ ثم المغفرة تحتمل أن تكون لما ندر من الذين آمنوا من الذنوب وذلك لا ينافي وصفهم بعمل الصالحات، وتحتمل أن تكون لما سلف منهم قبل الإيمان والرجوع عما كانوا عليه، والمراد بالرزق الكريم هنا الجنة كما يشعر به وقوعه بعد المغفرة وكذلك في جميع القرآن على ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب القرظي، ومعنى الكريم في صفات غير الآدميين الفائق.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين آمنوا به وبرسله، وكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الفعلات الصالحات من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي لهم من الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم: أي حسن، هو ما يرزقهم من أنواع النعيم في جناته، وأن الذي عملوا بخلاف ذلك فهم أصحاب الجحيم: أي النار الشديد حرها، وفي هذه الآية وعد لمن أطاعه ووعيد لمن عصاه. والآيات بمثل ذلك في القرآن كثيرة كقوله تعالى {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}تفسير : [الحجر: 49-50] وقوله {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ}تفسير : [غافر: 3] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقد أوضحناها في غير هذا الموضع وقوله في هذه الآية الكريمة {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} قال مجاهد: معاجزين يثبطون الناس عن متابعة النَّبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين. وقال ابن عباس: معاجزين أي مغالبين ومشاقين، وعن الفراء معاجزين: معاندين. وعن الأخفش معاجزين: معاندين مسابقين، وعن الزجاج معاجزين: أي ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا ألا بعث، وأن الله لا يقدر عليهم. واعلم: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه الجمهور: معاجزين بألف بين العين والجيم بصيغة المفاعلة اسم فاعل عاجزه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: معجزين بلا ألف مع تشديد الجيم المكسورة على صيغة اسم الفاعل من عجزه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر بحسب الوضع العربي في قراء الجمهور معاجزين: هو اقتضاء طرفين، لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا لدليل يجب الرجوع إليه، والمفاعلة تقتضي الطرفين إلا لدليل يصرف عن ذلك، واقتضاء المفاعلة الطرفين في الآية من طريقين. الأولى: هي ما قاله ابن عرفة من أن معنى معاجزين في الآية أنهم يعاجزون الأنبياء وأتباعهم، فيحاول كل واحد منهما إعجاز الآخر فالأنبياء وأتباعهم، يحاولون إعجاز الكفار وإخضاعهم لقبول ما جاء عن الله تعالى، والكفار يقاتلون الأنبياء، وأتباعهم، ويمانعونهم، ليصيروهم إلى العجز عن أمر الله. وهذا الوجه ظاهر كما قال تعالى {أية : وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ}تفسير : [البقرة: 217] وعليه فمفعول معاجزين محذوف: أي معاجزين الأنبياء وأتباعهم، أي مغالبين لهم، ليعجزوهم عن إقامة الحق. الطريقة الثانية: هي التي ذكرناها آنفاً عن الزجاج أن معنى معاجزين: ظانين أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر عليهم لزعمهم أنه لا يقدر على بعثهم بعد الموت كما قال تعالى {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ}تفسير : [التغابن: 7] وكما قال تعالى {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}تفسير : [يس: 78] وقال تعالى عنهم إنهم قالوا {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [الأنعام: 29] {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}تفسير : [الدخان: 35] وعلى هذا القول فالكفار معاجزين الله في زعمهم الباطل، وقد بين تعالى في آيات كثيرة أن زعمهم هذا كاذب، وأنهم لا يعجزون ربهم بحال كقوله تعالى {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [التوبة: 2] وقوله {أية : فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [التوبة: 3] وقوله: {أية : وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [العنكبوت: 22] الآية وقوله تعالى في الجن {أية : وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}تفسير : [الجن: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن مما يوضح هذا الوجه الأخير قول كعب بن مالك رضي الله عنه: شعر : زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب تفسير : ومراده بسخينة قريش: يعني أنهم يحاولون غلبة ربهم، والله غالبهم بلا شك والوجه الأول أظهر. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: معجزين بكسر الجيم المشددة، بلا ألف، فالأظهر أن المعنى معجزين: أي مثبطين من أراد الدخول في الإيمان عن الدخول فيه، وقيل معجزين من اتبع النَّبي صلى الله عليه وسلم ومعنى ذلك: أنهم ينسبونهم إلى العجز من قولهم: عجزه بالتضعيف إذا نسبه إلى العجز الذي هو ضد الحزم، يعنون أنهم يحسبون المسلمين سفهاء لا عقول لهم، حيث ارتكبوا أمراً غير الحزم والصواب، وهو اتباع دين الإسلام في زعمهم كما قال تعالى عن إخوانهم المنافقين {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} تفسير : [البقرة: 13] الآية وقوله في هذه الآية الكريمة {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا}. اعلم أولاً: أن السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه، ومن استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا: {سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا} أي سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم: إنها سحر وشعر وكهانة وأساطير الأولين، ونحو ذلك. ومن إطلاق السعي في الفساد أيضاً قوله تعالى {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا}تفسير : [البقرة: 205] الآية ومن إطلاق السعي في العمل للإصلاح قوله تعالى {أية : إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 22] وقوله {أية : وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ}تفسير : [عبس: 8-9] الآية إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق السعي على الخير والشر معاً قوله تعالى {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 4] إلى قوله: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}تفسير : [الليل: 11] وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة الحج التي هي قوله تعالى { فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} جاء معناها واضحاً في سورة سبأ في قوله تعالى {أية : لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}تفسير : [سبأ: 4-5] فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم المذكور في الحج.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (50) - والذينَ آمَنَتْ قُلُوبُهم، وَصَدَّقُوا إِيْمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِم، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ من سَيِّئَاتِهِمْ، وَتَقْصِيرِهِم، وَيُجَازِيهِم بالحُسْنَى عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ، وَلَهُمْ فِيهَا رِزْقٌ كَرِيمٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وطالما آمنوا وعملوا الصالحات فقد انتفعوا بالنذراة، وأثمرتْ فيهم، فآمنوا بالله إلهاً فاعلاً مختاراً له صفات الكمال المطلق، ثم عملوا على مقتضى أوامره؛ لذلك يكون لهم مغفرة إنْ كانت أَلَمَّتْ نفوسهم بشيء من المعاصي، ويكون لهم رزق كريم. والكريم هو البذَّال، كأن الرزق نفسه وصل إليهم بكرم وزيادة، كما أن الكريم هو الذي تظل يده مبسوطة دائماً بالعطاء، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : وَإِنِّي امْرؤٌ لاَ تَسْتَقِرُّ دَرَاهِمِي عَلَى الكَفِّ إِلاَّ عَابِرَات سَبِيل تفسير : فالرزق نفسه كريم؛ لأنه ممدود لا ينقطع، كما لو أخذت كوب ماء من ماء جارٍ، فإنه يحلُّ محلَّه غيره على الفور، وهكذا.