Verse. 2646 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَالَّذِيْنَ سَعَوْا فِيْۗ اٰيٰتِنَا مُعٰجِزِيْنَ اُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ الْجَحِيْمِ۝۵۱
Waallatheena saAAaw fee ayatina muAAajizeena olaika ashabu aljaheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين سعوْا في آياتنا» القرآن بإبطالها «معجِّزين» من اتبع النبي أي ينسبونهم إلى العجز، ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدرين عجزنا عنهم، وفي قراءة معاجزين: مسابقين لنا، أي يظنون أن يفوتونا بإنكارهم البعث والعقاب «أولئك أصحاب الجحيم» النار.

51

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءَايَـٰتِنَا} بالرد والإِبطال. {مُعَـٰجِزِينَ } مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق، من عاجزه فأعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحوق به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {مُعَـٰجِزِينَ } على أنه حال مقدرة. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } النار الموقدة، وقيل اسم دركة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءَايَٰتِنَا } القرآن بإبطالها {مُعَٰجِزِينَ } من اتبع النبي أي ينسبونهم إلى العجز، ويثبطونهم عن الإِيمان أو مقدّرين عجزنا عنهم،وفي قراءة «معاجزين» مسابقين لنا، أي يظنون أن يفوتونا بإنكارهم البعث والعقاب {أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ } النار.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَعَوْاْ فِى ءَايَاتِنَا} تكذيبهم بالقرآن، أو عنادهم في الدين {معجِّزين} مثبطين من أراد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مثبطين في اتباعه، أو مكذبين، أو مظهرين لمن آمن به تعجيزه في إيمانه {مُعَاجِزِينَ} مشاقين "ع"، أو متسارعين، أو معاندين، أو يظنون أنهم يعجزون الله هرباً.

القشيري

تفسير : في الحال في معَجَّلهِ الوحشةُ وانسدادُ أبوابِ الرشدِ، وتنغصُ العَيْش، والابتلاءُ بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله. وفي الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الإجرام.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين سعوا} اسرعوا واجتهدوا {فى آياتنا} فى رد آياتنا وابطالها بالطعن فيها ونسبتها الى السحر والشعر وغير ذلك من الافتراء {معاجزين} حال كونهم يعاجزون الانبياء واولياءهم اى يقابلونهم ويمانعونهم ليصيروهم الى العجز عن امر الله او ظانين انهم يعجزوننا فلا نقدر عليهم او معاندين مسابقين من عاجز فلان فلانا سباقه فعجزه سبقه كما قال الكاشفى [در حالتى كه بيشى كيرند كانند برما بكمال خود يعنى خواهندكه ازما دركذرند وعذاب ماازيشان فوت] {اولئك} الموصوفون بالسعى والمعاجزة {اصحاب الجحيم} اى ملازمون النار الموقدة وقيل هواسم دركة من دركاتها: وفى المثنوى شعر : هركه برشمع خدا آرد تفو شمع كى ميرد بسوزد بوزاو كى شود دريا زبوزسك نجس كى شود خورشيد ازبف منطمس تفسير : وفى التأيلات النجمية يشير الى ان من عاند اهل آياته من خواص اوليائه اولئك اصحاب جحيم الحقد والعداوة ورد الولاية والسقوط عن نظر الله وجحيم نار جهنم فى الاخرة واذا اراد الله تعالى بعبد خيرا يحوله عن الانكار ويوفقه للتوبة والاستغفار ـ روى ـ ان رجلا قال كنت ابغض الصوفية فرأيت بشرا الحافى يوما قد خرج من صلاة الجمعة فاشترى خبزا ولحما مشويا وفالوذجا وخرج من بغداد فقلت انه زاهد البلد فتبعته لانظر ماذا يصنع وظنتت انه يريد التنعم فى الصحراء فمشى الى العصر فدخل مسجدا فى قرية وفيه مريض فجعل يطعمه فذهبت الى القرية لانظر ثم جئت فلم اجد بشرا فسألت المريض فقال ذهب الى بغداد فقلت كم بينى وبين بغداد قال اربعون فرسخا فقلت انا لله وانا اليه راجعون ولم يكن عندى ما اكترى به وانا عاجز عن المشى فبقيت الى جمعة اخرى فجاء بشر ومعه طعام للمريض فقال المريض يا ابا نصر رد هذا الرجل الى منزله فنظر الىّ مغضبا وقال لم صحبتنى فقلت اخطأت فاوصلنى الى محلتى فقال اذهب ولا تعد فتبت الى الله وانفقت الاموال وصحبتهم وفى الحكاية اشارات منها ان كرامات الاولياء حق ومنها ان انكار ماليس للعقل فيه مجال خطأ ومنها ان الرجوع الى باب وارث الرسول ينظم العبد فى سلك القبول: قال الحافظ شعر : كليد كنج سعادت قبول اهل دلست مبادكس كه درين نكته شك وريب كند تفسير : قال بعض الكبار الاستمداد من اهل الرشاد وان كان صالحا عظيما فى نيل المراد الا ان حسن الاعتقاد مع مباشرة الاسباب يسهل الامور الصعاب ويوصل الى رب الارباب والله مفتح الابواب والهادى الى سبيل الصواب، وقال بعضهم المنكر على العلماء بالله انما انكر لقصور فهمه وقلة معرفته فان علومهم مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيرهم من الخواطر الفكرية والاذهان وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح وبداية طريق غيرهم مطالعة الكتب والاستمداد من المخلوقين فى حصول المصالح ونهاية علومهم الوصول الى شهود حضرة الحى القيوم ونهاية علوم غيرهم تحصيل الوظائف المناصب والخطام الذى لا يدوم فلا طريق الا طريق السادة الائمة الهداة القادة.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {معجزين} بالتشديد، بمعنى مثبطين ومبطئن، وهو قول مجاهد. الباقون {معاجزين} بالألف. قال قتادة: معناه مشاقين معاندين. يقول الله تعالى ان {الذين سعوا في آيات الله معجزين} ومعناه إن الذين يعجزون المؤمنين في قبول هذه الآيات اي يعجزونهم عن اقامتها بجحدهم تدبير الله (عز وجل) لها. ويحتمل ان يكون معناه يعجزونهم عن تصحيحها. والسعي الاسراع فى المشي، ومن قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} تفسير : وسعى يسعى سعياً، فهو ساع، وجمعه سعاة، واستسعاه فى الامر استسعاء. وقال قتادد: ظنوا انهم يعجزون الله أي يفوتونه وأن يعجزوه. وقال مجاهد: معناه مبطئين عن اتباع آيات الله. ومن قرأ {معاجزين} اراد انهم يجادلون عجز الغالب. ومن قرأ {معجزين} بالتشديد اراد طلب اظهار العجز. وقال ابن عباس: معنى {معاجزين} مشاقين. وقيل معنى {معجزين} مسابقين، يقال: اعجزني الشيء بمعني سبقني وفاتني. وقال ابو علي: معاجزين ظانين ومعتقدين انهم يفوتونا، لانكارهم البعث. ومعجزين أي ينسبون من اتبع النبي (صلى الله عليه وسلم) الى العجز. وقال مجاهد: معناه مثبطين للناس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) واتباعه. وقوله {أولئك أصحاب الجحيم} معناه الذين يسعون فى آيات الله طالبين إظهار عجزه إن لهم عذاب الجحيم، وهم ملازمون لها. وقوله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد ابن قيس: انهم قالوا: كان سبب نزول الآية انه لما تلى النبي (صلى الله عليه وسلم) {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومنوة الثالثة الأخرى} تفسير : القى الشيطان فى تلاوته (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ومعنى الآية التسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وانه لم يبعث الله نبياً، ولا رسولا إلا اذا تمنى - يعني تلا - القى الشيطان في تلاوته بما يحاول تعطيله، فيرفع الله ما القاه بمحكم آياته. وقال المؤرج: الامنية الفكرة، بلغة قريش. وقال مجاهد: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا تأخر عنه الوحي تمنى أن ينزل عليه فيلقي الشيطان فى أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته. وقال ابو علي الجبائي: انما كان يغلط فى القراءة سهواً فيها، وذلك جائز على النبي، لانه سهو لا يعرى منه بشر، ولا يلبث ان ينبهه الله تعالى عليه. وقال غيره: إنما قال ذلك فى تلاوته بعض المنافقين عن اغواء الشياطين، وأوهم أنه من القرآن. وقال الحسن: انما قال: هي عند الله كالغرانيق العلى، يعني الملائكة فى قولكم، وإن شفاعتهن لترتجى فى اعتقادكم. والتمني فى الآية معناه التلاوة، قال الشاعر: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخره لاقى حمام المقادر تفسير : وقال الجبائي: انما سها النبي (صلى الله عليه وسلم) فى القراءة نفسها. فأما الرواية بأنه قرأ تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلا أصل لها، لأن مثله لا يغلط على طريق السهو، وانما يغلط في المتشابه. وقوله {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي يزيل الله ما يلقيه الشيطان من الشبهة {ثم يحكم الله آياته} حتى لا يتطرق عليها ما يشعثها. وقال البلخي: ويجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما فلما قرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) وسوس بهما اليه الشيطان، وألقاهما فى فكره، فكاد أن يجريهما على لسانه، فعصمه الله، ونبهه، ونسخ وسواس الشيطان، وأحكم آياته، بأن قرأها النبي (صلى الله عليه وسلم) محكمة سليمة مما أراد الشيطان. ويجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) حين اجتمع اليه القوم، واقترحوا عليه أن يترك ذكر آلهتهم بالسوء، أقبل عليهم يعظهم ويدعوهم الى الله، فلما انتهى رسول الله الى ذكر اللات والعزى. قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعاً بها صوته، فألقاهما فى تلاوته في غمار من القوم وكثرة لغطهم، فظن الكفار ان ذلك من قول النبي، فسجدوا عند ذلك. وقوله {والله عليم حكيم} معناه إنه عالم بجيمع المعلومات، واضع الاشياء مواضعها. والآية تدل على أن كل رسول نبي، لأنه تعالى ذكر أنه أرسلهم، وانما قال من رسول ولا نبي، لاختلاف المعنيين، لأن الرسول يفيد أن الله أرسله، والنبي يفيد أنه عظيم المنزلة يخبر عن الله. وقد قال بعض المفسرين: إن المراد بالتمني في الآية تمني القلب، والمعنى انه ما من نبي ولا رسول إلا وهو يتمنى بقلبه ما يقربه الى الله من طاعاته، وإن الشيطان يلقي في أمنيته بوسوسته واغوائه ما ينافي ذلك، فينسخ الله ذلك عن قلبه بأن يلطف له ما يختار عنده ترك ما اغواه به. وقوله {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} بيان من الله تعالى أنه يجعل ما يلقيه الشيطان من الأمنية فتنة، فمعنى {ليجعل} يحتمل امرين: احدهما - الحكم والتسمية، كما تقول جعلت حسني قبيحاً، ويكون المراد انه ينسخ ما يلقي الشيطان طلباً للفتنة والاغواء. والثاني - انه أراد ليجعل نسخ ما يلقي الشيطان فتنة، لأن نفس فعل الشيطان لا يجعله الله فتنة، لأن ذلك قبيح، والله تعالى منزه عن القبائح اجمع، فمعنى الفتنة في الآية المحنة، وتغليظ التكليف {للذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق وقلة معرفة {والقاسية قلوبهم} يعني من قسى قلبه عن اتباع الحق. وقيل: هم الظالمون. ثم اخبر تعالى {إن الظالمين} لنفوسهم {لفي شقاق بعيد} أي مشاقة بعيدة من الله تعالى، وبين انه يفعل ذلك {ليعلم الذين أوتوا العلم} بالله وصفته وأن أفعاله صواب {أنه الحق من ربك} فيصدقوا به {فتخبت له قلوبهم} أي تطمئن اليه وتسكن. وبين ان الله تعالى يهدي من يؤمن الى صراط مستقيم، بأن يلطف له ما يعلم انه يهتدي عنده {إلى صراط مستقيم}. ثم قال {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} يعني من القرآن. ومعناه الاخبار عمن علم الله تعالى من الكفار انهم لا يؤمنون بالآية خاصة. وهو قول ابن جريج إلا أن {تأتيهم الساعة} يعني القيامة {بغتة} أي فجأة، وعلى غفلة {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} قال الضحاك: هو عذاب يوم القيامة. وقال مجاهد وقتادة: هو عذاب يوم بدر. وقيل معنى {عقيم} أي لا مثل له في عظم امره لقتال الملائكة قال الشاعر: شعر : عقم النساء بأن يلدن شبيهه إن النساء بمثله لعقيم

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا} بالرّدّ والابطال والمنع والجحود {مُعَاجِزِينَ} من عاجز عدوّه اذا تسابقا فى الدّفع والتّعجيز {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} عطف على يستعجلونك بالعذاب وتسليةٌ اخرى له (ص) {مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} فى قراءة اهل البيت (ع) ولا محدّثٍ وقد سبق تحقيق وتفصيل لمراتب الانسان والفرق بين المحدّث والنّبىّ والرّسول فى سورة البقرة عند قوله {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة:219] ولقد بيّنا هناك الاخبار الواردة فى الفرق بين الرّسول والنّبىّ والمحدّث والامام بانّ الرّسول يسمع الصّوت ويرى فى المنام ويعاين الملك فى اليقظة، وانّ النّبىّ يسمع الصّوت ويرى الملك فى المنام ولا يعاين، وانّ المحدّث والامام يسمع صوت الملك ولا يرى ولا يعاين {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} شيئاً من مشتهيات القوى الحيوانيّة او الانسانيّة من جهة الدّنيا او من جهة الآخرة {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} شيئاً خلاف متمنّاه اذا حصل او قرب حصوله والآية تسلية للرّسول (ص) ممّا فعله منافقوا امتّه او يفعلونه به وبشريعته وكتابه وخليفته وعترته فانّ امنيّته (ص) ان لا يخالف امره، ولا يعصى ربّه، ولا يغيّر شريعته وكتابه، وان يتّبع خليفته، ويودّ عترته؛ فانّه روى بطريق الخاصّة عن امير المؤمنين (ع) فى حديثٍ فيذكر جلّ ذكره لنبيّه (ص) ما يحدثه عدوّه فى كتابه من بعده بقوله: وما ارسلنا من قبلك (الآية) انّه ما من نبىٍّ تمنّى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنهم الى دار الاقامة الاّ ألقى الشّيطان المعرض بعداوته عند فقده فى الكتاب الّذى انزل عليه ذمّه والقدح فيه والطّعن عليه فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا يصغى اليه غير قلوب المنافقين والجاهلين، ويحكم الله آياته بان يحمى اوليائه من الضّلال والعدوان ومشايعة اهل الكفر والطّغيان الّذين لم يرض الله ان يجعلهم كالانعام حتّى قال بل هم اضلّ، وروى عن ابن عبّاس وغيره بطريق العامّة انّ النّبىّ (ص) لمّا تلا سورة والنّجم وبلغ الى قوله {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم:19-20] ألقى الشّيطان فى تلاوته تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهنّ لترجى فسّر بذلك المشركون فلمّا انتهى الى السّجدة سجد المسلمون وسجد ايضاً المشركون لمّا سمعوا من ذكر الهتهم ما أعجبهم، وقيل: انّ تمنّى بمعنى تلا يعنى ما من نبّىٍ الاّ اذا تلا آيات كتابه ألقى الشّيطان فى تلاوته فانّه يستعمل تمنّى الكتاب بمعنى قرأه، وهذا الخبر المروىّ منهم ان صحّ فهو مؤوّلٌ بما لا ينافى مقام النّبىّ، والغرانيق جمع مفرده الغرنيق بضمّ الغين وفتح النّون او كزنبور او كقنديل او كسموئل او كفردوس او كقرطاس والكلّ بمعنى الشّابّ الحسن الابيض {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} اى المبدّلون فى كتابه او شريعته بان ينسخ ما ارادوا ممّا ألقوا من القلوب او ما يلقى الشّيطان او الكفّار فى تلاوته بان ينسخ اثره من القلوب او ما يلقى الشّيطان فى متمنّاه حين تمنّى علىّ (ع) وفاطمة (ع) او ما يلقى الشّيطان فى متمنّياته من الجهة الدّنيويّة الحيوانيّة بان ينسخ تلك الجهة من نظره {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} بان لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تزول عن قلوب المؤمنين ولا عن نظر النّبىّ (ص) {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} يعلم صلاح عباده فى ان يخلّى الشّيطان حتّى يلقى ما يريد فى متمنّى النّبىّ (ص) ليختبر بذلك الخالص والمغشوش فيتميّز المؤمن عن المنافق {حَكِيمٌ} لا يفعل الاّ لغايات متقنةٍ والاّ بالنّظر الى استعدادات مكمونة قدّم المعطوف قبل تمام المعطوف عليه لئلاّ يتوهّم متوهّم انّ هذا الجعل خالٍ من الحكمة.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ سَعَواْ فِي آيَاتِنَا} القرآن بالابطال والرد. يقال: (سعى زيد في امر فلان) اي اصلحه أو افسده بسعيه {مُعَاجِزِينَ} حال مقارنة أي مسابقين لنا بظنون انهم يبطلون كلامنا بقولهم: (انه سحر) مثل أو يشاقوننا بانكارهم البعث والعقاب أو انهم يكيدون الاسلام ويتم كيدهم والحق يقتضي عجزه يقال عاجزه اي سابقه لان كلا في طلب اعجاز الآخر عن اللحوق به أو المعنى متراخين عن الايمان وهو قول مجاهد أو مثبطين للناس عنهم. وقرأ ابن كثير وابو عمرو (معجزين) على انه حال مقدرة اي يقدرون انهم سيعجزون الآيات والمؤمنين أو مقارنة اي ينسبونهم إلى العجز. وقيل: انما قرئ (معجزين) بالتشديد {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} النار الموقدة أو دركة مخصوصة.

اطفيش

تفسير : {والَّذين سَعَوا} اجتهدوا {فى آياتنا} فى شأنها بالرد اجتهاداً شبيهاً بالإسراع فى المشى الى مهم، فقالوا: سحر، وقالوا: افتراء ونحو ذلك فذلك استعارة تبعية {معاجزين} معالجين عجز المؤمنين بإبطال دعْواهم، أو طالبين لعجزهم، كما أن المؤمنين طالبوا لعجزهم فى دعواهم {أولئك أصحابُ} ملازموا {الحجيم} النار الشديدة التوقد.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا} أي بذلوا الجهد في إبطالها فسموها تارة سحراً وتارة / شعراً وتارة أساطير الأولين. وأصل السعي الإسراع في المشي ويطلق على الإصلاح والإفساد يقال: سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه {مُعَـٰجِزِينَ} أي مسابقين للمؤمنين؛ والمراد بمسابقتهم مشاقتهم لهم ومعارضتهم فكلما طلبوا إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله، وأصله من عاجزه فاعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه فإن كلا من المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن اللحاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والجحدري وأبو السمال والزعفراني {معجزين} بالتشديد أي مثبطين الناس عن الإيمان. وقال أبو علي الفارسي: ناسبين المسلمين إلى العجز كما تقول: فسقت فلاناً إذا نسبته إلى الفسق وهو المناسب لقوله تعالى: { أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } تفسير : [الحج: 47] وقرأ ابن الزبير {مُعَـٰجِزِينَ} بسكون العين وتخفيف الزاي من أعجزك إذا سبقك ففاتك، قال صاحب «اللوامح»: والمراد هنا ظانين أنهم يعجزوننا وذلك لظنهم أنهم لا يبعثون، وفسر {مُعَـٰجِزِينَ} في قراءة الجمهور بمثل ذلك، والوصف على جميع القراءات حال من ضمير {سَعَوْاْ} وليست مقدرة على شيء منها كما يظهر للمتأمل {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} أي ملازمو النار الشديدة التأجج، وقيل هو اسم دركة من دركات النار.

الواحدي

تفسير : {والذين سعوا في آياتنا} عملوا في إبطالها {معاجزين} مُقدِّرين أنَّهم يُعجزوننا ويفوتوننا. {وما أرسلنا من قبلك من رسول} وهو الذي يأتيه جبريل عليه السًّلام بالوحي عياناً {ولا نبيّ} وهو الذي تكون نبوَّته إلهاماً ومناماً {إلاَّ إذا تمنى} قرأ {ألقى الشيطان} في قراءته ما ليس ممَّا يقرأ، يعني: ما جرى على لسان النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين قرأ سورة "والنجم" في مجلس من قريش، فلما بلغ قوله تعالى: {أية : ومناة الثَّالثة الأخرى}تفسير : جرى على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى ثمَّ نبَّهه جبريل عليه السَّلام على ذلك، فرجع وأخبرهم أنَّ ذلك كان من جهة الشَّيطان، فذلك قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثمَّ يحكم الله آياته} يُبيِّنها حتى لا يجد أحدٌ سبيلاً إلى إبطالها {والله عليم} بما أوحى إلى نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم {حكيم} في خلقه، ثمَّ ذكر أنَّ ذلك ليفتن الله به قوماً، فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} ضلالةً {للذين في قلوبهم مرض} وهم أهل النِّفاق {والقاسية قلوبهم} المشركين {وإنَّ الظالمين} الكافرين {لفي شقاق بعيد} خلافٍ طويلٍ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {وليعلم الذين أوتوا العلم} التَّوحيد والقرآن {أنه الحق} أَيْ: الذي أحكم الله سبحانه من آيات القرآن، وهو الحقُّ {فتخبت له قلوبهم} فتخشع. {ولا يزال الذين كفروا في مرية} في شكٍّ {منه} ممَّا أُلقي على لسان الرَّسول صلى الله عليه وسلم {حتى تأتيهم الساعة} القيامة {بغتة} فجأة {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} يعين: يوم بدرٍ، وكان عقيماً عن أني كون للكافرين فيه فرحٌ أو راحةٌ، والعقيم معناه: التي لا تلد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ آيَاتِنَا} {مُعَاجِزِينَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} (51) - أَمَّا الذينَ بَذَلُوا جُهْدَهُم فِي رَدِّ دَعْوَةِ اللهِ، والتَكْذِيبِ بِها، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَسَعَوْا فِي تَعْطِيلِ آيَاتِ اللهِ، وَمَنْعِها مِنْ أَنْ تَفْعَلَ مَفْعُولَها فِي القُلُوبِ، فَأُولَئِكَ أَهْلُ الجَحِيمِ، وإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ الله وَيَفُوتُونَه هَرَباً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السعي: عمل يذهب إلى غاية، فإنْ كان قطع مسافة نقول: سِرنْا من كذا إلى كذا، وإنْ كان في قضية علمية فكرية، فيعني: أن الحدث يعمل من شيء بداية إلى شيء غاية. والسَّعْيُ لا يُحمد على إطلاقه، ولا يُذَمُّ على إطلاقه، فإنْ كان في خير فهو محمود ممدوح، كالسعي الذي قال الله فيه: {أية : فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإسراء: 19]، وإنْ كان في شَرٍّ فهو قبيح مذموم، كالسعي الذي قال الله تعالى فيه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} تفسير : [البقرة: 204-205]. أما السعاية فعادة تأخذ جانب الشر. وتعني: الوشاية والسّعي بين الناس بالنميمة، تقول: فلان سَعَّاء بين الخلق يعني: بالشر ينقله بين الناس بقصْد الأذى، وهؤلاء إنْ عَلِموا الخير أخفَوْه، وإنْ علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا. لذلك، نقول عَمَّا ينتج من هذه السعاية من الشر بين الناس: هذا آفة الآخِذ، يعني: الذي سمع الشرَّ ونقله وسعى به، وكان عليه أنْ يحبسه ويُخفِيَه، حتى لا تنتشر هذه الرذيلة بين الخَلْق. وقد وشى واشٍ بمهام بن عبد الله السلولي إلى زياد بن أبيه، وكان زياد جباراً فقال للواشي: أأجمع بينك وبينه؟ فلم يجد الواشي بُدَّاً من أنْ يقول: نعم، فكيف ينكر ما قال؟! ولعله قال في نفسه: لعل الله يقضي أمراً يُخرِجني من هذه (الورطة) قبل هذه المواجهة؟ ثم أرسل زياد إلى ابن همام فأُتِي به، وقد جعل زياد الواشي في مجلسه خلف ستار، وأُدخِل همام، فقال له: يا همام بلغني أنك هجوْتني، فقال: كلا، أصلحك الله ما فعلتُ: ولا أنت لذلك بأهْل، فكشف زياد الستار وقال: هذا الرجل أخبرني أنك هجوتني، فنظر ابن همام، فإذا هو صديق له يجالسه، فقال له: شعر : أنتَ امْرؤٌ إمّا ائتمنْتكَ خَالِياً فَخُنْتَ وَإِمّا قُلْتَ قَوْلاً بِلاَ عِلْمِ فَأُبْتَ مِنَ الأَمْرِ الذي كَانَ بينَنَا بمنزلةٍ بيْنَ الخِيَانَةِ والإثْمِ تفسير : يعني: أنت مذموم في كل الأحوال؛ لأنك إما خُنْتَ أمانة المجلس والحديث ولم تحفظ سِراً فضفضْتُ لك به، وإمَّا اختلقْتَ هذا القوْل كذباً وبلا علم. وعندها خلع زياد على همام الخُلَع، لكنه لم يعاقب الواشي، وفي هذا إشارة إلى ارتياحهم لمن ينقل إليهم، وأن آذانهم قد أخذتْ على ذلك وتعوَّدَتْ عليه. ومعنى {فِيۤ آيَاتِنَا} [الحج: 51] والآيات إما كونية، كالشمس والقمر، وإما معجزات، وإما آيات الأحكام، وسَعَوْا فيها يعني: قالوا فيها قَوْلاً باطلاً غير الحق، كما يسعى الواشي بالباطل بين الناس، فهؤلاء إنْ نظروا في آيات الكون قالوا: من صنع الطبيعة. وإنْ شاهدوا معجزة على يد نبيٍّ قالوا: سحر وأساطير الأولين، وإنْ سمعوا آيات الأحكام تُتْلى قالوا: شعر. وهم بذلك كله يريدون أنْ يُفسِدوا على أهل الإيمان إيمانهم، ويصدُّوا عن سبيل الله. ومعنى {مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] جمع لاسم الفاعل معاجز مثل: مقاتل، وهي من عَاجَزَ غير عجز عن كذا يعني: لم يقدر عليه، عَاجَزَ فلانٌ فلاناً يعني باراه أيُّهما يعجز قبل الآخر، فعاجزه مثل باراه ليثبتَ أنه الأفضل، ومثل: سابقه ونافسه. إذن: فالمعاجزة مفاعلة ومشاركة، وكلمة نافسه الأصل فيها من النفَس الذي نأخذه في الشهيق، ونُخرِجه في الزفير، والذي به يتأكسد الدم، وتستمر حركة الإنسان، فإن امتنع التنفس يموت؛ لأن الإنسان يصبر على الطعام ويصبر على الماء، لكنه لا يصبر على الهواء ولو لنفَس واحد. وقد حدثتْ هذه المعاجزة أو المنافسة بين سيدنا عمر وسيدنا العباس رضي الله عنهما: قال عمر للعباس: أتُنافسني في الماء، يعني: نغطس تحت الماء وننظر أيهما يُعجِز الآخر، ويتحمل عملية توقُّف النفَس، ومثل هذه المنافسة قد يحتال عليها الإنسان إنْ كتم نفسَه وهو في جَوِّ الهواء، أما إنْ نزل تحت الماء حيث ينعدم الهواء، فكيف سيحتال على هذه المسألة؟ وتحت الماء لا يكون إلا الهواء الذاتي الذي اختزنه كل منهما في رئته، ومثل هذه المنافسة توضح أيهما أفسح صَدْراً من الآخر، وأيُّهما أكثر تحمُّلاً تحت الماء. هذه هي المعاجزة. فمعنى {سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ..} [الحج: 51] أي: يظنون أنهم قادرون أن يُعجزونا، فحين نأتي إليهم بكلام بليغ مُعْجز يختلقون كلاماً فارغاً ليعجزونا به، فأنّى يكون لهم ذلك؟ وأنّى لهم أنْ يطعنوا بكلامهم على كلام الله؟ ثم يُبيّن جزاء هذا الفعل وهذه المكابرة: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [الحج: 51] فهذا حُكْم الله فيهم قضية واضحة من أقصر الطرق، فمَنْ ذَا الذي يُعجِز الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ} وبذلوا وسعهم وجهدهم {فِيۤ} إبطال {آيَاتِنَا} وردِّها وتكذبها، ومع ذلك صاروا {مُعَاجِزِينَ} مسابقين ومبادرين إلى رد الممتثلين المصدقين بها وإنكارهم {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء والمردودون هم {أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [الحج: 51] وملازموها لا نجاة له منها أصلاً. ثم لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إصرار قومه على الكفر وشدة عنادهم وشيكمتهم عليه وعلى دينه، تمنى أن يأتيه الله ما يقاربهم ويحببهم معه، ويزل غيظه عن قلوبهم ويلينها، فأنزل الله سبحانه سورة: {أية : وَٱلنَّجْمِ}تفسير : [النجم: 1] فقرأها فرحاً وسروراً كي يسمعوا، ويميلوا إلى طريق الحق، فلما وصل إلى قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 10-20] توجهت قريش نحوه، والتفتوا إليه على وجهٍ يشعرهم التلقي والقبول، فيلهي تلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم فغفل عن قلبه وشغل، ألقى الشيطان على لسانه في أثناء كلامه على مقتضى مناه ومتمناه، وأسمعهم الآية هكذا: تلك الغرانيق العلى منهم شفاعة ترتجى، ففرحت بذلك قريش، وفلم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ما صدر عنه لاستغراقه في أمنيته، فوجودهم مائلين نحوه، محسنين له، وازداد تحسينهم ومحبتهم له إلى أن سجدوا في آخر السورة المؤمنون والمشركون جميعاً، فسَرَّ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرَّت قريش معه، ومن كلامه صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: إن محمداً قد ذكر شفعاءنا بالخير. فجاء جبريل عليه السلام فأخبر بما صدر عنه من تخليط الوحي بغير الوحي، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اغتمام، وخاف خوفاً شديداً من غِيرة الله وقهره. فأنزل اله سبحانه تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وإزالة لخوفه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} يا أكمل الرسل {مِن رَّسُولٍ} ذوي وحي وشرع وكتاب {وَلاَ نَبِيٍّ} ذي وحي ومنام أو إلهام، له شرع وكتاب أو شرعة بُعث لترويج شرع غيره من الأنبياء والرسل وكتبهم {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} وطلبت شيئاً أحب وقوعها من تلقاء نفسه بلا ورود وحي عليه وتمنى من الله أن ينزل عليه من الآيات مناسباً لما أمِلَه وأحبه {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ} من تسويلاته وتغريراته {فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} ومبتغاه فيلهيه عن نفسه ويخلط بالوحي من تسويلاته، ثم بعدما تنبه وتذكر ورجع إلى الله متندماً تائباً آيباً {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ} المؤيدُ لأنبيائه الحفيظُ عليهم {مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} ويزيله {ثُمَّ} بعدما أزال ونسخ سبحانه ما خلط الشيطان وأدخله في خلال الوحي من تلبُساته {يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} المنزلة من عنده، ويخبر بها، ويفصلها إحكاماً تاماً وإتقاناً محكماً {وَٱللَّهُ} المدبر لأحوال عباده واستعداداتهم {عَلِيمٌ} بما أنزل عليهم بما يناسب استعدادهم {حَكِيمٌ} [الحج: 52] في إنزلاه وتدبير مصالحهم. فإن توهم أن الله قادرُ على محافظة أنبيائه ورسله، سيما نبينا صلى الله عليه وسلم من إلقاء الشيطان وتغريره وتخليطه إياهم أول مرة، فلِمَ لَمْ يحفظهم من إلقائه حتى لا يصدر عنهم ما صدر ثمَّ نُسخ؟ قِيل: إنما لم يحفظهم سبحانه أول مرة {لِّيَجْعَلَ} سبحانه {مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} في أثناء الوحي {فِتْنَةً} وابتلاء {لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ميلُ عن الحق وانحرام عن طريقه، هل يعرفون ويميزون كلام الحق من تسويلات الشياطين أم لا؟ {وَ} لاسيما المرضى {ٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} عن أن يسع فيها كلام الله، هم المشركون الذين ختم الله على قلوبهم وعلى أبصارهم، وعلى سمعهم غشاوةُ عظيمة وغطاء غليظ، تعميهم عن آيات الله، وإدراك مقاصده وبالجملة إن الظالمين المتجاوزين عن مقتضى العقل والشرع لاتخاذهم الجمادات التي نحتوها بأيديهم شركاء لله شفعاء عنده {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ} خلاف وجدال {بَعِيدٍ} [الحج: 53] عن الحق بمراحل {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} اللدني من دون الله ووُفِّقوا من عنده لقبول أحكامه {أَنَّهُ} أي: القرآن وآياته المشتملة على الأومر والنواهي، والأحكام والمعارف والحقائق، أو إقداره سبحانه على الشيطان بإلقائه المذكور افتناناً منه سبحانه و ابتلاء {ٱلْحَقُّ} الثابت المحقق النازل {مِن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي: بالله بإنزاله القرآن أو بإقداره على الشيطان أن يلقي على لسان أنبيائه اختباراً لعباده {فَتُخْبِتَ} وتطمئن {لَهُ قُلُوبُهُمْ} ويزداد وثقوهم، وصاروا على خطر عظيم واحتياط بليغ {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وأخلصوا بلا شوب شكٍ وترددٍ {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 54] موصل إلى توحيده بلا عوج وانحراف. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وانصرفوا عن مقتضيات آياته الكبرى لمرض صدروهم وعمى قلوبهم {فِي مِرْيَةٍ} أي: شك وارتياب {مِّنْهُ} أي: من القرآن، أو من ابتلاء الله إياهم بإلقاء الشيطان {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي: أشراطها وأماراتها {بَغْتَةً} فجأة، وهم في ريبهم يترددون {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] هو عذاب يوم القيامة، وصفه بالعقم؛ لأنه لا يقبل فيه توبة، ولا إيمان، ولا شفاعة، كأنه عقيم لا بلد لهم خيراً، ولا يثمر فيها عملهم ثواباً، ولتوبتهم قبولاً، وكيف يقبل فيه منهم التوبة الاستغفار وينفعهم الإيمان؟.

همام الصنعاني

تفسير : 1944- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}: [الآية: 51]، قال: كذبوا بآيات الله، وظنُّوا أنَّهُمْ يُعْجِزُونَ الله، ولن يُعْجِزُوهُ.