٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: الرسول هو الذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي لم يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نبي، وليس كل نبي يكون رسولاً، وهو قول الكلبي والفراء. وقالت المعتزلة كل رسول نبي، وكل نبي رسول، ولا فرق بينهما، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه: أحدها: هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلاً، وكذا قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِيٍّ } تفسير : [الأعراف: 94]، وثانيها: أن الله تعالى خاطب محمداً مرة بالنبي ومرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة وثالثها: أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين ورابعها: أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ وهو الخبر، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة. أما القول الثاني: فاعلم أن شيئاً من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص. وقال في موضع آخر { أية : وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الزخرف: 6] وذلك يدل على أنه كان نبياً، فجعله الله مرسلاً وهو يدل على قولنا: « حديث : وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم المرسلون؟ فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة، فقيل وكم الأنبياء؟ فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الجم الغفير » تفسير : إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً: أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحق ويعقوب وأيوب ويونس وهرون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث: أن من جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول الله، فهو النبي الذي لا يكون رسولاً وهذا هو الأولى. المسألة الثانية: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة { أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } تفسير : [النجم: 1] فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان على لسانه « حديث : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى » تفسير : فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك؟! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } الآية. هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه: أحدها: قوله تعالى: { أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين } تفسير : [الحاقة: 44 ـ 46]، وثانيها: قوله: { أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ } تفسير : [يونس: 15] وثالثها: قوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ } تفسير : {النجم: 3] فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلي لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم ورابعها: قوله تعالى: { أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 73] وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل وخامسها: قوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } [الإسراء: 74] وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل وسادسها: قوله: { أية : كَذٰلِكَ نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } تفسير : [الفرقان: 32]. وسابعها: قوله: { أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 6]. وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم، وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق. وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان وثانيها: أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلاً أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم ورابعها: قوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ } وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى وخامسها: وهو أقوى الوجوه أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة، ولنشرع الآن في التفصيل فنقول التمني جاء في اللغة لأمرين: أحدهما: تمنى القلب والثاني: القراءة قال الله تعالى: { أية : وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } تفسير : [البقرة: 78] أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر تفسير : قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها، وقال: أبو مسلم التمني هو التقدير وتمنى هو تفعل من منيت والمنية وفاة الإنسان في الوقت الذي قدره الله تعالى، ومنى الله لك أي قدر لك. وقال رواة اللغة الأمنية القراءة واحتجوا ببيت حسان، وذلك راجع إلى الأصل الذي ذكرناه فإن التالي مقدر للحروف ويذكرها شيئاً فشيئاً، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية، إما القراءة، وإما الخاطر، أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان: الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ويشتبه على القارىء دون ما رووه من قوله تلك الغرانيق العلى الثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بقوله تلك الغرانيق العلى ولا الشيطان تكلم به ولا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم تلك الغرانيق العلى وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال وهذا الوجه ذهب إليه جماعة وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان الوجه الثاني: قالوا إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن وذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا والذي يؤكده أنه لا خلاف في أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول عليه السلام فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول عليه السلام وعند سكوته فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول وما رأوا شخصاً آخر ظن الحاضرون أنه كلام الرسول، ثم هذا لا يكون قادحاً في النبوة لما لم يكن فعلاً له، وهذا أيضاً ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم في أثناء الشيطان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاماً للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع فإن قيل هذا الاحتمال قائم في الكل ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس، قلنا لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات وإذا لم يجب على الله ذلك تمكن الاحتمال من الكل الوجه الثالث: أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس وهم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه وإخفاء قراءته، ولعل ذلك كان في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أضاف الله تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولاً ولأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم في نفسه شيطاناً وهذا أيضاً ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم إزالة الشبهة وتصريح الحق وتبكيت ذلك القائل وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت وثانيهما: لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل، فإن قيل إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة من دون هذه الزيادة فلم يكن ذلك مؤدياً إلى التلبيس كما يؤدي سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس، قلنا إن القرآن لم يكن مستقراً على حالة واحدة في زمان حياته لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سبباً لزوال اللبس، وأيضاً فلو كان كذلك لما استحق العتاب من الله تعالى على ما رواه القوم الوجه الرابع: هو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهواً أو قسراً أو اختياراً أما الوجه الأول: وهو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة سهواً فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه جبريل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نزلت هذه الآية وهذا ضعيف أيضاً لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع وحينئذ تزول الثقة عن الشرع وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحداً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهواً، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام وذلك ظاهر أما الوجه الثاني: وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسراً وهو الذي قال قوم إن الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتكلم بهذا فهذا أيضاً فاسد لوجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي عليه السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكياً عن الشيطان { أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] وقال تعالى: { أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } تفسير : [النحل: 99، 100] وقال: { أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] ولا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين أما الوجه الثالث: وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختياراً فههنا وجهان: أحدهما: أن نقول إن هذه الكلمة باطلة والثاني: أن نقول إنها ليست كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه طريقين: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء إن شيطاناً يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل عليه السلام وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبريل عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني الطريق الثاني: قال بعض الجهال إنه عليه السلام لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة لأن الأول يقتضي أنه عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث والثاني يقتضي أنه كان خائناً في الوحي وكل واحد منهما خروج عن الدين أما الوجه الثاني: وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فههنا أيضاً طرق الأول: أن يقال الغرانيق هم الملائكة وقد كان ذلك قرآناً منزلاً في وصف الملائكة. فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته الثاني: أن يقال المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى؟ الثالث: أن يقال إنه ذكر الإثبات وأراد النفي كقوله تعالى: { أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي لا تضلوا كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله تعالى: { أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } تفسير : [الأنعام: 151] والمعنى أن تشركوا، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم شيء من ذلك لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه الله تعالى على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر فهذه الوجوه المذكورة في قوله تلك الغرانيق العلا قد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة. وأما إذا فسرناها بالخاطر وتمنى القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم وكان يردد ذلك في نفسه فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه وهذا أيضاً خروج عن الدين وبيانه ما تقدم وثانيها: ما قال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها وثالثها: يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملاً فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده الله تعالى بأدلته وآياته ورابعها: معنى الآية إذا تمنى إذا أراد فعلاً مقرباً إلى الله تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع إلى الله تعالى في ذلك وهو كقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 201] وكقوله: { أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 200] ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى: {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ }، والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة. المسألة الثالثة: يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم، وقال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كأنه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكاً وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم، وما أرسلنا نبياً خلا عند تلاوته الوحي من وسوسة الشيطان وأن يلقي في خاطره وما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان، قال وفيما تقدم من قوله: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، ولم يرسل الله تعالى مثلي ملكاً بل أرسل رجالاً فقد وسوس الشيطان إليهم، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة، واعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين: البحث الأول: كيفية إزالتها وذلك هو قوله تعالى: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ } فالمراد إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. أما قوله: {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ } فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن وإلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا يجوز فيها الغلط. البحث الثاني: أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة، ثم إنه سبحانه شرح أثرها في حق الكفار أولاً ثم في حق المؤمنين ثانياً، أما في حق الكفار فهو قوله: {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً } والمراد به تشديد التبعيد لأن عندما يظهر من الرسول صلى الله عليه وسلم الاشتباه في القرآن سهواً يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صواباً. أما قوله: {لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم قال: {فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ولم خصهم بذلك الجواب: لأنهم مع كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر، وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر. السؤال الثاني: ما مرض القلب الجواب: أنه الشك والشبهة وهم المنافقون كما قال: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهراً وباطناً. أما قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين فأصله وإنهم، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة سواء، وأما في حق المؤمنين فهو قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } وفي الكناية ثلاثة أوجه: أحدها: أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان، عن الكلبي. وثانيها: أنه الحق أي القرآن عن مقاتل وثالثها: أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق، أما على قولنا فلأنه سبحانه وتعالى أي شيء فعل فقد تصرف في ملكه وملكه بضم الميم وكسرها فكان حقاً، وأما على قول المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صواباً فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتسكن لعلمهم بأن المقضي كائن، وكل ميسر لما خلق له، {وإن الله لهاد الذين آمنوا} إلى أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة وقرىء (لهاد الذين آمنوا) بالتنوين، ولما بين سبحانه حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي من القرآن أو من الرسول، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } أي فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية لكفرهم، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. واختلف في المراد باليوم العقيم وفيه قولان: أحدهما: أنه يوم بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة: أحدها: أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن وثانيها: أن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز وثالثها: هو الذي لا خير فيه يقال ريح عقيم إذا لم تنشىء مطراً ولم تلقح شجراً ورابعها: أنه لا مثل له في عظم أمره، وذلك لقتال الملائكة فيه القول الثاني: أنه يوم القيامة، وإنما وصف بالعقيم لوجوه: أحدها: أنهم لا يرون فيه خيراً وثانيها: أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة وثالثها: أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه، وهذا القول أولى لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ويكون المراد يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر، فإن قيل لما ذكر الساعة. فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار؛ قلنا ليس كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم، وعلى أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكراراً لأن في الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم، ويحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد وبعذاب يوم عقيم القيامة. أما قوله: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم وأراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التي ملك الله الأمور غيره، وبين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم، وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم، والكافرين في العذاب المهين، وقد تقدم وصف الجنة والنار فإن قيل التنوين في يومئذ عن أي جملة ينوب؟ قلنا تقديره: الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ }.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {تَمَنَّىٰ} أي قرأ وتلا. و{أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي قراءته وتلاوته. وقد تقدّم في البقرة. قال ابن عطية: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدَّث» ذكره مَسْلَمة بن القاسم بن عبد الله، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة: فوجدنا المُحَدَّثين معتصمين بالنبوّة ـ على قراءة ابن عباس ـ لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خَطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا وعُصموا فيما نطقوا؛ كعمر بن الخطاب في قصة سارية وما تكلم به من البراهين العالية. قلت: وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباريّ في كتاب الردّ له، وقد حدّثني أبي رحمه الله حدّثنا عليّ بن حرب حدّثنا سفيان بن عُيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نَبِيّ ولا مُحَدَّث» قال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن. والمحدَّث هو الذي يوحى إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ. الثانية: قال العلماء: إن هذه الآية مشكلة من جهتين: إحداهما: أن قوماً يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبيّ حتى يكون مرسلاً. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} فأوجب للنبيّ صلى الله عليه وسلم الرسالة. وأن معنى «نَبيّ» أنبأ عن الله عز وجل، ومعنى أنبأ عن الله عز وجل الإرسال بعينه. وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عِياناً. والنبيّ الذي تكون نبوّته إلهاماً أو مناماً؛ فكل رسول نبيٌّ وليس كلّ نبيّ رسولا. قال المهدوِيّ: وهذا هو الصحيح، أن كلَّ رسول نبيٌّ وليس كل نبيّ رسولا. وكذا ذكر القاضي عِياض في كتاب الشفا قال: والصحيح والذي عليه الجمّ الغفير أن كلّ رسول نبيّ وليس كل نبيّ رسولا؛ واحتج بحديث أبي ذرّ، وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. والجهة الأخرى التي فيها الإشكال وهي: الثالثة: الأحاديث المروِيّة في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح. وكان مما تموّه به الكفار على عوامّهم قولهم: حق الأنبياء ألا يعجِزوا عن شيء، فلم لا يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضاً: ينبغي ألا يجري عليهم سَهْوٌ وغلط؛ فبيّن الرب سبحانه أنهم بَشَر، والآتي بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد، ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن يُحكم الله آياته وينْسَخ حِيَل الشيطان. روى اللّيث عن يونس عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم: 1] فلما بلغ {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 19 ـ 20] سها فقال: «إن شفاعتهم تُرْتَجَى» فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلّموا عليه وفرحوا؛ فقال: «إن ذلك من الشيطان» فأنزل الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} الآية. قال النحاس: وهذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم. وكذا حديث قتادة وزاد فيه «وإنهنّ لهنّ الغَرَانِيق العُلاَ». وأفظعُ من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ تراباً من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً. ويقال إنه أبو أُحَيْحةَ سعيد بن العاص، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال له: «ما جئتك به»! وأنزل الله {أية : لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 74]. قال النحاس: وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقديّ. وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف. وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث ـ إن شاء الله ـ آخر الباب. قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاريّ ولا مسلم، ولا ذكره في علمِي مصنّف مشهور؛ بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقَى، ولا يعيّنون هذا السبب ولا غيره. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة؛ بها وقعت الفتنة. ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدّثني أبي رضي الله عنه أنه لَقِيَ بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفارَ عند قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}، وقرّب صوته من صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها. وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي. وقيل: الذي ألقى شيطانُ الإنس؛ كقوله عز وجل: {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26]. قتادة: هو ما تلاه ناعسا. وقال القاضي عِياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصداً ولا عمداً سهواً أو غلطاً: اِعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأوّل فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقةٌ؛ وإنما أولِع به وبمثله المفسِّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره؛ إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، الشك في الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فقد بيّن لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبّه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يُوثق به ولا حقيقةَ معه. وأما حديث الكلبيّ فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكره لقوّة ضعفه وكذبه؛ كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس؛ هذا توهينه من طريق النقل. وأما المأخذ الثاني فهو مبنيّ على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة؛ منها الغَثّ والسَّمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلاً، ويفصّل الآي تفصيلاً في قراءته؛ كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبيّ صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار. فظنّوها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشاعوها. ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققِهم من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعَيْبها ما عُرف منه؛ فيكون ما روي من حزن النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} تفسير : [الحج: 52] الآية. قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب: إن «في» بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كقوله عز وجل: {أية : وَلَبِثْتَ فِينَا} تفسير : [الشعراء: 18] أي عندنا. وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا، أصل في براءة النبيّ صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله؛ وذلك أن الله تعالى قال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرتِه في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه من قِبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في الكيس كذا؛ فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلم به. ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال: وما هُدِي لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسَعة باعه في العلم، وشِدّة ساعده في النظر؛ وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوّب على هذا المرمى، وقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد. وأما غيره من التأويلات ممّا حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال؛ إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار، قال الله تعالى مخبراً عنه: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]؛ ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد من بني آدم قوّة في طاعة، ومن توَهّم أن للشيطان هذه القوّة فهو قول الثَّنَوِيَّة والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان. ومن قال جرى ذلك على لسانه سهواً قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهواً؛ وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولا يُقَرّون عليه، وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيداً لعذره وتسلية له؛ لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبَيّن أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهواً، والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن شيطاناً يقال له الأبيض كان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لتُرْتَجَى. وهذا التأويل وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأوّل عليه المعوّل، فلا يُعدل عنه إلى غيره لاختيار العلماء المحققين إياه، وضعفُ الحديث مُغْنٍ عن كل تأويل، والحمد لله. ومما يدل على ضعفه أيضاً وتوهينه من الكتاب قولُه تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} تفسير : [الإسراء: 73] الآيتين؛ فإنهما ترّدان الخبر الذي روَوْه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبّته لكان يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عَصَمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً فكيف كثيراً، وهم يروُون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريت على الله وقلت ما لم يقل. وهذا ضدّ مفهوم الآية، وهي تضعّف الحديث لو صح؛ فكيف ولا صحة له. وهذا مِثل قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} تفسير : [النساء: 113]. قال القُشَيْرِيّ: ولقد طالبته قريش وثقِيف إذ مرّ بآلهتهم أن يُقبل بوجهه إليها، ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك، فما فعل! ولا كان ليفعل! قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا رَكَن. وقال الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتأكيد. وقد قيل: إن معنى «تمنّى» حدّث، لا «تلا». روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} قال: إلا إذا حدّث {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} قال: في حديثه {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر صحيفةً في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً. والمعنى عليه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيْلة فيقول: لو سألتَ الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون؛ ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك؛ فيبطل ما يلقي الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وحكى الكسائي والفراء جميعاً «تمنى» إذا حدّث نفسه؛ وهذا هو المعروف في اللغة. وحَكَيَا أيضاً «تمنى» إذا تلا. وروي عن ابن عباس أيضاً وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال أبو الحسن بن مهدي: ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء، وإنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صفِرت يداه من المال، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنّى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان. وذكر المهدويّ عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه؛ وهو اختيار الطبري. قلت: قوله تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً} الآية، يردّ حديث النفس، وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة؛ فالله أعلم. قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحاً، ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم الّلاتَ والعُزَّى؛ وتم الكلام، ثم أسقط (والغرانيق العلا) يعني الملائكة (فإن شفاعتهم) يعود الضمير على الملائكة. وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا، ففي روايته أجوبة؛ منها أن يكون القول محذوفاً كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخاً؛ لأن قبله «أفرأيتم» ويكون هذا احتجاجاً عليهم؛ فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحاً في الصلاة. وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعُزّى. ومناة الثالثة الأخرى. والغرانقة العلا. وأن شفاعتهن لترتجى. روي معناه عن مجاهد. وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة؛ وبهذا فسر الكلبيّ الغرانقة أنها الملائكة. وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون (أن) الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله تعالى عنهم، وردّ عليهم في هذه السورة بقوله: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلاُْنثَىٰ} فأنكر الله كل هذا من قولهم. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح؛ فلما تأوّله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتُهم ولبّس عليهم الشيطان بذلك، نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللّتين وجد الشيطان بهما سبيلاً للتلبيس، كما نُسخ كثير من القرآن؛ ورفعت تلاوته. قال القُشَيري: وهذا غير سديد؛ لقوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} «عليم» بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. «حكيم» في خلقه.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ} الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام، ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول ويدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الأنبياء فقال: «حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل فكم الرسل منهم قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً»تفسير : وقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتاباً منزلاً عليه، والنبي غير الرسول من لا كتاب له. وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام. {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} زور في نفسه ما يهواه. {أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»تفسير : {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإِرشاد إلى ما يزيحه. {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ} ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال الناس. {حَكِيمٌ } فيما يفعله بهم، قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت. وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة «وَٱلنَّجْمِ» فأخذ يقرؤها فلما بلغ {أية : وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ }تفسير : [النجم: 20] وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهواً إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود لمَّا سجد في آخرها، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبهه جبريل عليه السلام فاغتم لذلك فعزاه الله بهذه الآية. وهو مردود عند المحققين وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإِيمان عن المتزلزل فيه، وقيل تمنى قرأ كقوله:شعر : تَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلَة تَمَنِّيَ دَاوُدُ الزَّبُورَ عَلَى رسلِ تفسير : وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعاً صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رد أيضاً بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ} لأنه أيضاً يحتمله، والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم.
ابن كثير
تفسير : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة؛ ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19 ــــ 20] قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. رواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ } تفسير : [النجم: 19] وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وعن السدي مرسلاً، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً. وقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه: وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها، فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ} الآية، فدحر الله الشيطان، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ } تفسير : [النجم: 19 ــــ 21] ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً، فرفع على كفه تراباً، فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما المسلمون، فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين؛ عثمان بن مظعون، وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم، وهذا أيضاً مرسل. وفي تفسير ابن جرير: عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة"، فلم يجز به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة (قلت): وقد ذكرها محمد بن إسحاق في "السيرة" بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في "تفسيره" مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ههنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم والله أعلم. وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا، وأجاب بما حاصله أنها كذلك؛ لثبوتها. وقوله: {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ} هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يهيدنك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. قال البخاري: قال ابن عباس: {فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ}: إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ}. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ} يقول: إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد: {إِذَا تَمَنَّىٰ} يعني: إذا قال، ويقال: أمنيته: قراءته {أية : إِلاَّ أَمَانِىَّ} تفسير : [البقرة: 78] يقرؤون ولا يكتبون. قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: {تَمَنَّىٰ} أي: تلا وقرأ كتاب الله {أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:شعر : تَمَنَّى كتابَ اللّهِ أولَ ليلةٍ وآخرَها لاقى حِمامَ المَقادرِ تفسير : وقال الضحاك: {إِذَا تَمَنَّىٰ}: إذا تلا. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية {حَكِيمٌ} أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: شك وشرك وكفر ونفاق؛ كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: {ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم المنافقون، {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} هم المشركون. وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود، {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42]. وقوله: {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي: يصدقوه وينقادوا له، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخضع وتذل له قلوبهم، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ } هو نبيّ أُمِر بالتبليغ {وَلاَ نَبِىّ } أي لم يؤمر بالتبليغ {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ } قرأ {أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } قراءته ما ليس من القرآن مما يرضاه المرسل إليهم، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم بمجلس من قريش بعد{ أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأَخْرَىٰ } تفسير : [53: 19 - 20] بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه صلى الله عليه وسلم به: (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهنّ لترتجى) ففرحوا بذلك، ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن فسلِّي بهذه الآيات ليطمئن {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ } يبطل {مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَٰتِهِ } يثبتها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بإلقاء الشيطان ما ذكر {حَكِيمٌ } في تمكينه منه يفعل ما يشاء.
الشوكاني
تفسير : قوله: {مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ} قيل: الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عياناً ومحاورته شفاهاً، والنبيّ: الذي تكون [نبوته] إلهاماً أو مناماً. وقيل: الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبيّ: من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، ولم ينزل عليه كتاب، ولا بدّ لهما جميعاً من المعجزة الظاهرة {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } معنى تمنى: تشهى وهيأ في نفسه ما يهواه. قال الواحدي: وقال المفسرون: معنى تمنى: تلا. قال جماعة المفسرين في سبب نزول هذه الآية: أنه صلى الله عليه وسلم لما شقّ عليه إعراض قومه عنه تمنّى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ }تفسير : [النجم: 1]. فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله: {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ }تفسير : [النجم: 19، 20]. وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرّقت قريش مسرورين بذلك وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال: ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاف خوفاً شديداً، فأنزل الله هذه الآية، هكذا قالوا. ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ }تفسير : [الحاقة: 44، 46]. وقوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3]. وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ }تفسير : [الإسراء: 74]. فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون. قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. قال القاضي عياض في الشفاء: إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصداً ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً. قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وإذا تقرّر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى {تَمَنَّىٰ }: قرأ وتلا، كما قدّمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين. وكذا قال البغوي: إن أكثر المفسرين قالوا معنى {تَمَنَّىٰ }: تلا وقرأ كتاب الله، ومعنى {أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أي في تلاوته وقراءته. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدّم في تفسير قوله: {أية : لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِىَّ } تفسير : [البقرة: 78]. وقيل: معنى {تَمَنَّىٰ }: حدّث، ومعنى {أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } في حديثه، روي هذا عن ابن عباس، وقيل: معنى {تَمَنَّىٰ }: قال. فحاصل معنى الآية: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جرى على لسانه، فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لا يهولنك ذلك ولا يحزنك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء، وعلى تقدير أن معنى {تمنى}: حدّث نفسه كما حكاه الفرّاء والكسائي فإنهما قالا: تمنى إذا حدّث نفسه، فالمعنى: أنه إذا حدّث نفسه بشيء تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جرى على لسانه. قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة. وقد قيل في تأويل الآية: إن المراد بالغرانيق: الملائكة، ويردّ بقوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة؛ وقيل: إن ذلك جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم سهواً ونسياناً وهما مجوّزان على الأنبياء، ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز كما هو مقرّر في مواطنه، ثم لما سلاه الله سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لمن قبله من الرسل والأنبياء بيّن سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تغرير الشيطان به فقال: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي: يبطله ويجعله ذاهباً غير ثابت {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ } أي يثبتها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: كثير العلم والحكمة في كل أقواله وأفعاله. وجملة {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً } للتعليل، أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان فتنة، أي ضلالة {لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي شكّ ونفاق {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ }: هم المشركون، فإن قلوبهم لا تلين للحق أبداً ولا ترجع إلى الصواب بحال، ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين: وهما: من في قلبه مرض، ومن في قلبه قسوة بأنهم ظالمون فقال: {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي عداوة شديدة، ووصف الشقاق بالبعد مبالغة، والموصوف به في الحقيقة من قام به. ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حقّ أهل النفاق والشكّ والشرك بيّن أنه في حقّ المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حقّ وصدق فقال: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } أي: الحقّ النازل من عنده. وقيل: إن الضمير في {أنه} راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء، لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه، ولكنه يردّ هذا قوله: {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } فإن المراد الإيمان بالقرآن، أي يثبتوا على الإيمان به {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } أي تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا تمكين من الشيطان بل للقرآن {وإن الله لهاد الذين آمنوا} في أمور دينهم {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي طريق صحيح لاعوج به. وقرأ أبو حيوة: "وإن الله لهاد الذين آمنوا" بالتنوين. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شكّ من القرآن. وقيل: في الدين الذي يدل عليه ذكر الصراط المستقيم. وقيل: في إلقاء الشيطان، فيقولون: ما باله ذكر الأصنام بخير ثم رجع عن ذلك؟ وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي: "في مرية" بضم الميم {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة {بَغْتَةً } أي فجأة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } وهو يوم القيامة؛ لأنه لا يوم بعده، فكان بهذا الاعتبار عقيماً، والعقيم في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم، وصف بالعقم. وقيل: يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر. وقيل: إن اليوم وصف بالعقم، لأنه لا رأفة فيه ولا رحمة، فكأنه عقيم من الخير، ومنه قوله تعالى: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } تفسير : [الذاريات: 41] أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } أي السلطان القاهر والاستيلاء التامّ: يوم القيامة لله سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه، وجملة: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } مستأنفة جواباً عن سؤال مقدّر، ثم فسر هذا الحكم بقوله سبحانه: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } أي كائنون فيها مستقرّون في أرضها منغمسون في نعيمها {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } أي جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته {فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي عذاب متصف بأنه مهين للمعذبين بالغ منهم المبلغ العظيم. وقد أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ وَلاَ مُّحْدَثٍ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمٰن بن عوف مثله، وزاد: فنسخت محدّث، قال: والمحدّثون: صاحب يۤس ولقمان، ومؤمن آل فرعون، وصاحب موسى. وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه، والضياء في المختارة. قال السيوطي: بسند رجاله ثقات، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: "أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلاْخْرَىٰ، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاءه جبريل فقال: اقرأ عليّ ما جئت به، فقرأ: {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأَخْرَىٰ، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى} فقال: ما أتيتك بهذا، هذا من الشيطان، فأنزل الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ } الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، قال السيوطي: بسند صحيح عن سعيد بن جبير، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فذكر نحوه، ولم يذكر ابن عباس. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والسديّ عن سعيد مرسلاً. ورواه عبد بن حميد عن السديّ عن أبي صالح مرسلاً. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب مرسلاً. وأخرج ابن جرير، عن أبي بكر بن عبد الرحمٰن بن الحارث بن هشام نحوه مرسلاً أيضاً. والحاصل: أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها. وقد أسلفنا عن الحفاظ في أوّل هذا البحث ما فيه كفاية، وفي الباب روايات من أحبّ الوقوف على جميعها فلينظرها في الدرّ المنثور للسيوطي، ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة، فقد عرّفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {حَتَّىٰ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } يقول: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال: يعني بالتمني التلاوة والقراءة، ألقى الشيطان في أمنيته: في تلاوته {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ } ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبيّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن مجاهد: {إِذَا تُمْنَىٰ } قال: تكلم {فِي أُمْنِيَّتِهِ } قال: كلامه. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } قال: يوم بدر. وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: {عذاب يوم عقيم}، قال: يوم بدر. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وعكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: يوم القيامة لا ليلة له. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك مثله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه} فيه تأويلان: أحدهما: يعني أنه إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في نفسه،قاله الكلبي. الثاني: إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته، قاله قتادة ومجاهد، قال الشاعر: شعر : تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادِرِ تفسير : {مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ... } فيه قولان: أحدهما: أن الرسول والنبي واحد، ولا فرق بين الرسول والنبي، وإنما جمع بينهما لأن الأنبياء تخص البشر، والرسل تعم الملائكة والبشر. والقول الثاني: أنهما مختلفان، وأن الرسول أعلى منزلة من النبي. واختلف قائل هذا في الفرق بين الرسول والنبي على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الرسول هو الذي تتنزل عليه الملائكة بالوحي، والنبي يوحى إليه في نومه. والثاني: أن الرسول هو المبعوث إلى أُمَّةٍ، والنبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة، قاله قطرب. والثالث: أن الرسول هو المبتدىء بوضع الشرائع والأحكام، والنبي هو الذي يحفظ شريعة الله، قاله الجاحظ. {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أي يرفعه. {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَآيَاتِهِ} أي يثبتها، واختلف أهل التأويل فيما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك على أربعة أقاويل: أحدها: أنه ألقاه الشيطان على لسانه فقرأه ساهياً. الثاني: أنه كان ناعساً فألقاه الشيطان على لسانه فقرأه في نعاسه قاله قتادة. الثالث: أن بعض المنافقين تلاه عن إغواء الشيطان فخيل للناس أنه من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه ابن عيسى. الرابع: إنما قال: هي كالغرانيق العلا - يعني الملائكة - وأن شفاعتهم لترتجى، أي في قولكم، قاله الحسن. سبب نزول هذه الآية ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة النجم. قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ {أية : أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه "أولئك الغرانيق العلا. وأن شفاعتهن لترتجى" ثم ختم السورة وسجد. وسجد معه المسلمون والمشركون ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، ورضي بذلك كفار قريش، وسمع بذلك من هاجر لأرض الحبشة. فأنكر جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ما قرأه، وشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى: {وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه}. قوله تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً} فيه وجهان: أولهما: محنة. الثاني: اختباراً. {لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي نفاق. {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} يعني المشركين. {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} فيه وجهان: أحدهما: لفي ضلال طويل، قاله السدي. الثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة، قاله يحيى بن سلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَمَنَّى} حدّث نفسه فألقى الشيطان في نفسه، أو قرأ فألقى الشيطان في قراءته، لما نزلت النجم قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قوله {أية : وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 20] ألقى الشيطان على لسانه "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترجى"، ثم ختم السورة وسجد [وسجد معه] المسلمون والمشركون ورضي بذلك كفار قريش فأنكر جبريل ـ عليه السلام ـ ما قرأه وشق ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. وألقاه الشيطان على لسانه فقرأه ساهياً، أو كان ناعساً فقرأه في نعاسه، أو تلاه بعض المنافقين عن إغواء الشيطان فتخيل لهم أنه من تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو عني بقوله: "الغرانيق العلا" الملائكة "وإن شفاعتهم لترتجى" في قولكم "ح" {رَّسُولٍ} الرسول والنبي واحد، أو الرسول من يُوحى إليه مع الملك والنبي من يوحي إليه في نومه، أو الرسول هو المبعوث إلى أمة والنبي مُحَدَّثٌ لا يبعث إلى أمة، أو الرسول هو المبتدىء بوضع الشريعة والأحكام والنبي هو الذي يحفظ شريعة غيره قاله الجاحظ.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...} الآية. قلت: قال القاضي أبو الفضل عياض: وقد توجهت ها هنا لبعض الطاعنين سُؤَالاتٍ منها ما رُوِيَ مِنْ «حديث : أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة «والنجم» وقال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم:19، 20] قال: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ العُلَىٰ، وإنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَىٰ».تفسير : قال عياض: اعلم (أكرمك اللّه) أَنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثاني: على تقدير تسليمه. أما المأخذ الأَوَّلُ: فيكفيك أنَّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولاَ رَوَاهُ ثقة بسند مُتَّصِلٍ سليم؛ وإنما أولع به وبمثله المُفَسِّرُون والمؤرِّخُونَ المُولَعُونَ بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي أبو بكر ابن العلاء المالكيُّ (رحمه اللّه تعالى) حيث يقول: لقد بُلِيَ الناسُ ببعض أهل الأهواء والتفسير، ثم قال عياض: قال أبو بكر البَزَّارُ: هذا الحديث لا نعلمه يُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد مُتَّصل يجوزُ ذكرُه؛ وإنَّما يُعْرَفُ عن الكلبيِّ، قال عياض: والكلبيُّ مِمَّنْ لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكْرُهُ؛ لقوَّةِ ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البَزَّارُ، وقد أجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذا، انتهى، ونحو هذا لابن عطية قال: وهذا الحديث الذي فيه: هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يُدْخِلْهُ البخاريُّ ولا مسلم، ولا ذكره ـــ في علمي ـــ مُصَنِّفٌ مشهور؛ بل يقتضي مذهبُ أهل الحديث أَنَّ الشيطان ألقى ولا يعينون هذا السَّبَبَ ولا غيره. قال * ع *: وحدثني أَبي (رحمه اللّه تعالى) أَنَّهُ لَقِيَ بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين مَنْ قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ؛ وإنَّما الأمرُ يعني على تقدير صحَّته ـــ أَنَّ الشيطان نَطَقَ بلفظ أُسْمِعَهُ الكُفَّارُ عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} تفسير : [النجم:19، 20]. وقَرَّبَ صوته من صوتِ النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، هذا على تقدير صحته، وقد رُوِيَ نحوُ هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي. قلت: قال عياض: وقد أعادنا اللّه من صِحَّتِهِ، وقد حكى موسى بن عقبة في «مغازيه» نحوَ هذا، وقال: إنَّ المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماع المشركين، ومعنى قوله تعالى: {تَمَنَّىٰ} أي: تلا ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} تفسير : [البقرة:78]. أي: تلاوة، {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي: يُذْهِبُهُ، ويزيل اللبس به ويُحكمُ آياته، وعبارة البخاريِّ: وقال ابن عباس: {إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}، أي: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل اللّه ما يلقى الشيطان ويحكم آياته، ويقال: {أُمْنِيَّتِهِ}: قراءته انتهى. قال عياض: وقيل: معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ فيتنبه لذلك، ويرجعُ عنه، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما من المفسرين: لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء يُنَفِّر عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله سورة {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} تفسير : [النجم: 1]، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه لما كان تحدثه به نفسه ويتمنّاه: تلك الغَرَانِيق العُلَى منها الشفاعة ترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قراءته، وقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة، فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حِفْنَةً من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما لأنهما كانا شيخين كبيرين، فلم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش، وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذِّكر، وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإن جعل لها محمد نصيباً فنحن معه فلما أمسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل، فقال: يا محمد مَاذَا صَنَعْتَ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ ما لم أنزل به عن الله عز وجل، وقُلْتَ مَا لَمْ أَقُلْ لَكَ؟ فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً عظيمً فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيماً. قال ابن الخطيب: وأما أهل التحقيق فقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة لوجوه من القرآن والسنة والمعقول: أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44 - 46]، وقوله: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} تفسير : [يونس: 15]، وقوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3، 4]. فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية قوله: تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب الله في الحال، وذلك لا يقوله مسلم. وقوله: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 73] وكلمة "كاد" عند بعضهم قريب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} تفسير : [الإسراء: 74] وكلمة "لَوْلاَ" لانتفاء الشيء لانتفاء غيره، فذلك دل على أن الركون القليل لم يحصل، وقوله: {أية : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [الفرقان: 32]، وقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6] وأما السنة: فروي عن محمد بن إسحاق أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتاباً. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم قال: رواة هذه القصة مطعونون. وروى البخاري في صحيحه أنه - عليه السلام - قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس وليس فيه ذكر الغرانيق. وروي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها البتة ذكر الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوَّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. وثانيها: أنه - عليه السلام - ما كان عليه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة أمناً لأذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلي، إذا لم يحضروا ليلاً أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم. وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من غير أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سُجَّداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. ورابعها: قوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس القرآن بغيره، فبأن يُمْنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى. وخامسها: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل الشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: {أية : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة. وأما من جهة التفصيل فالتمني جاء في اللغة لأمرين: أحدهما: تمني القلب. والثاني: القراءة، قال الله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} تفسير : [البقرة: 78] أي: إلا قراءة، لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف، وإنما يعلمه من القراءة. وقال حسان: شعر : 3774- تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقَى حِمَام المَقَادِرِ تفسير : وقيل: إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يُبْتلى بها. وقال أبو مسلم: التَّمَنِّي هو التقدير، وتَمَنَّى هو تَفَعَّل من مَنَيْتُ، والمَنِيَّة وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله، ومَنَّى الله لك أي: قدَّر لك، وإذا تقرر ذلك فإن التالي مقدر للحروف يذكرها شيئاً فشيئاً. فالحاصل أن الأمنية إما القراءة وإما الخاطر، فإن فسرناها بالقراءة ففيه قولان: الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول فيه ويشتبه على القارئ ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العُلَى. والثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته، ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم بقوله: تلك الغرانيق العلى، ولا الشيطان تكلم به، ولا أحد تكلم به لكنه - عليه السلام - لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم: تلك الغَرَانِيقُ العُلَى. وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال، قاله جماعة وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما جرت العادة بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه. وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم في بعض هذا لتوهم بعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات. وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان. الوجه الثاني: قالوا: إن ذلك الكلام كلام الشيطان وذلك بأن يلفظ بكلام من تلقاء نفسه يوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول، قالوا: ويؤيد ذلك أنه لا خلاف أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول، فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول، وعند سكوته، فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول، وما رأوا شخصاً آخر ظن الحاضرون أنه كلام الرسول ثم هذا لا يكون قادحاً في النبوة لما لم يكن فعلاً له. وهذا أيضاً ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاماً للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع. فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في الكل، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله أن يبين الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس. فالجواب لا يجب على الله تعالى إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات، وإذا لم يجب على الله ذلك أمكن الاحتمال في الكل. الوجه الثالث: أن يقال: المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس، وهم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع ذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها، فقال بعضهم: تلك الغرانيق العُلاَ، فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة مباحثهم، وطلبهم تغليطه، وإخفاء قراءته، ولعل ذلك في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته، ويسمعون قراءته، ويَلْغَوْنَ فيها. وقيل: إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات، فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات، فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول، ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان، لأنه بوسوسته يحصل أولاً، أو لأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم نفسه شيطاناً. وهذا أيضاً ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول إزالة الشبهة وتصريح الحق، وتبكيت ذلك القائل، وإظهار أن هذه الكلمة صدرت منه، ولو فعل ذلك لنقل، فإن قيل: إنما لم يفعل الرسول ذلك، لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة دون هذه الزيادة، فلم يكن ذلك مؤدياً إلى اللبس كما لم يؤد سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس. قلنا: لأن القرآن لم يكن مستقراً على حالة واحدة في زمان حياته، لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور، فلم تكن تأدية تلك السورة بدون الزيادة سبباً لزوال اللبس. وثانيهما: لو كان كذلك لاستحق العتاب على فعل الغير، وذلك لا يليق بالحكيم. الوجه الرابع: أن المتكلم بهذا هو الرسول - عليه السلام - ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه: إما أن يكون قال هذه الكلمة سهواً أو قسراً أو اختياراً. فإن قالها سهواً كما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا: إنه عليه السلام كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد، وفرح المشركون بما سمعوا، وأتاه جبريل واستقرأه فلما انتهى إلى الغرانيق قال: لم آتِكَ بهذا، فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن أنزلت هذه الآية. وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع. وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة، وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحداً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها. وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهواً فكيف لا يتنبه لذلك حين قرأها على جبريل وذلك ظاهر. وأما إن تكلم بذلك قَسْراً، كما قال قوم إن الشيطان أجبر النبي على التكلم به وهذا أيضاً فاسد لوجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي لكان اقتداره علينا أكثر، فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين، ولجاز في أكثر ما يتكلم به أحدنا أن يكون ذلك بإجبار الشيطان. وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال. وثالثها: أنه باطل لقوله تعالى حاكياً عن الشيطان {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [النحل: 99] وقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40] و [ص: 83] ولا شك أنه - عليه السلام - كان سيد المرسلين. وأما إن كان تكلمه بذلك اختياراً وهاهنا وجهان: أحدهما: أن يقول إن هذه الكلمة باطلة. والثاني: أن يقول إنها ليست كلمة باطلة. أما على الأول فذكروا فيه طريقتين: الأول: حديث : قال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطاناً يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم، فجاءه جبريل فاستعرضه، فقرأ السورة، فلما بلغ إلى تلك الكلمة. قال جبريل: أنا ما جئتك بهذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أَتَانِي آتٍ عَلَى صُورَتِكَ فَأَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِي" . تفسير : الطريق الثاني: قال بعض الجهال: إنه - عليه السلام - لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه، ثم رجع عنها. وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة، لأن الأول يقتضي أنه - عليه السلام - ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث. والثاني يقتضي أنه كان خائناً في الوحي، وكل واحد منهما خروج عن الدين. وأما الوجه الثاني وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فهاهنا أيضاً طرق: الأول: أن يقال: الغرانيق هم الملائكة، وقد كان ذلك قرآناً منزلاً في وصف الملائكة، فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله ذلك. الثاني: أن يقال: المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى؟ الثالث: أن يقال: ذكر تعالى الإثبات وأراد النفي كقوله {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] أي: لا تضلوا، كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} تفسير : [الأنعام: 151] والمعنى أن تشركوا. وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن، أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم شيئاً من ذلك، لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه الله تعالى على تركها نحو الفظاظة وقول الشعر، فقد ظهر القطع بكذب هذه الوجوه المذكورة في قوله: الغرانيق العلا هذا إذا فسرنا التمني بالتلاوة. فأما إن فسرنا التمني بالخاطر وتمني القلب، فالمعنى أنه - عليه السلام - إذا تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس إليه الشيطان بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته. ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه تمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا: إنه - عليه السلام - كان يحب أن يتألفهم، فكان يتردد ذلك في نفسه، فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه، وهذا أيضاً خروج عن الدين لما تقدم. وثانيها: قال مجاهد إنه - عليه السلام - كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير، فنسخ الله ذلك بأن عرفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها. وثالثها: يحتمل أنه - عليه السلام - عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إذا كان مجملاً، فيلقي الشيطان في جملته ما لم ينزل، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده بأدلته وآياته. ورابعها: معنى "إذَا تَمَنَّى" إذا أراد فعلاً مقرباً إلى الله ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه، فرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 201]، وكقوله: {أية : وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 200]. ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب، لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ}. والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار. فصل يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم عن جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر، فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم، وذلك هو المحكم. وقال أبو مسلم: معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كأنه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكاً (وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم)، وما أرسلنا من نبي خلا عند تلاوته من وسوسة الشيطان، وأن يلقي في خاطره ما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك، وبطلان ما يكون من الشيطان، قال: وفيما تقدم من قوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الحج: 49] تقوية لهذا التأويل، كأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين: أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، ولم يرسل الله قبلي ملكاً، وإنما أرسل رجالاً فقد يوسوس الشيطان إليهم. فإن قيل: هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة. قلنا: إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلائهم بالوسوسة على الملائكة. واعلم أنه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين: الأول: كيفية إزالتها، وهو قوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} والمراد إزالته وإزالة تأثيره، وهو النسخ اللغوي، لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. وأما قوله: {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن، وإلا فيُحمل على أحكام الأدلة التي لا تجوز فيها الغلط. البحث الثاني: أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة شرح أثرها في حق الكفار أولاً ثم في حق المؤمنين ثانياً، أما في حق الكفار فهو قوله: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً}، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، والمراد به تشديد التبعد، لأن ما يظهر من الرسول - عليه السلام - من الاشتباه في القراءة سهواً يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد، وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صواباً. ثم قال: {لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق، وخصهم بذلك، لأنهم مع كفرهم محتاجون إلى التدبر. (وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر) وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم باطناً وظاهراً. ثم قال: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين. والمعنى: وإنهم. فوضع الظاهر موضع المضمر، قضى عليهم بالظلم وأبرزهم ظاهرين للشهادة عليهم بهذه الصفة الذميمة. والشقاق الخلاف الشديد والمعاداة والمباعدة سواء. وأما في حق المؤمنين فهو قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} ولنرجع إلى الإعراب فنقول: قوله: {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ} في هذه الجملة بعد "إلاّ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محل نصب على الحال من "رَسُول" والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلا حاله هذه، والحال محصورة. والثاني: أنها في محل الصفة لرسول، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجر باعتبار لفظ الموصوف، وبالنصب باعتبار محله، فإن "مِنْ" مزيدة فيه. الثالث: أنها في موضع استثناء من غير الجنس. قاله أبو البقاء، يعني: أنه استثناء منقطع و"إذا" هذه يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وإليه ذهب الحوفي، وأن تكون لمجرد الظرفية. قال أبو حيان: ونصوا على أنه يليها - يعني "إلا" - في النفي المضارع بلا شرط نحو ما زيد إلا يفعل، وما رأيت زيداً إلا يفعل، والماضي بشرط تقدم فعل نحو {أية : مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ} تفسير : [الحجر: 11]، أو مصاحبة (قد) نحو: ما زيد إلا قد فعل، وما جاء بعد (إلا) في الآية جملة شرطية ولم يلها ماض مصحوب بـ (قد)، ولا عار منها، فإن صح ما نصوا عليه يؤول على أن "إذا" جردت للظرفية، ولا شرط فيها، وفصل بها بين (إلا) والفعل الذي هو "أَلْقَى"، وهو فصل جائز، فتكون "إلا" قد وليها ماض في التقدير، ووجد شرطه وهو تقدم فعل قبل (إلا) وهو "وَمَا أَرْسَلْنَا". قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى هذا التكليف المخرج للآية عن معناها بل هي جملة شرطية إما حال أو صفة أو استثناء كقوله: {أية : إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيْعَذِّبُهُ} تفسير : [الغاشية: 23، 24] وكيف يدعي الفصل بها وبالفعل بعدها بين "إلا" وبين "ألقى" من غير ضرورة تدعو إليه، ومع عدم صحة المعنى. وقوله تعالى: {إِذَا تَمَنَّىٰ} إنما أفرد الضمير، وإن تقدمه سببان معطوف أحدهما على الآخر بالواو، لأن في الكلام حذفاً تقديره: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى، ولا نبي إلا إذا تمنى كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]، والحذف إما من الأول أو الثاني. والضمير في "أُمْنِيَّتِه" فيه قولان: أظهرهما أنه ضمير الشيطان والثاني: أنه ضمير الرسول. قوله: "لِيَجْعَلَ" في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها متعلقة بـ "يُحْكِمُ"، أي: ثم يُحْكِمُ الله آياته ليجعل، وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} جملة اعتراض، وإليه نحا الحوفي. والثاني: أنها متعلقة بـ "يَنْسَخُ" وإليه نحا ابن عطية، وهو ظاهر أيضاً. الثالث: أنها متعلقة بـ "أَلْقَى"، وليس بظاهر. وفي اللام قولان: أحدهما: أنها للعلة. والثاني: أنها للعاقبة. و"ما" في قوله: "ما يُلْقِي" الظاهر أنها بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مصدرية. قوله: "والقاسِيَة" أل في "القَاسِيَة" موصولة، والصفة صلتها، و"قُلُوبُهم" فاعل بها، والضمير المضاف إليه هو عائد الموصول، وأُنِّثت الصلة لأن مرفوعها مؤنث مجازي، ولو وضع فعل موضعها لجاز تأنيثه. و"القَاسِيَة" عطف على "الذين"، أي: فتنة للذين في قلوبهم مرض وفتنة للقاسية قلوبهم. قوله: "وَليَعْلَمَ الَّذِينَ" عطف على "لِيَجْعَلَ" عطف علة على مثلها والضمير في "أنَّه" قال الزمخشري: إنه يعود على تمكين الشيطان، أي: ليعلم المؤمنون أن تمكين الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق. أما على قول أهل السنة فلأنه تعالى يتصرف كيف شاء في مُلكه ومِلكه فكان حقاً وأما على قول المعتزلة فلأنه تعالى حكيم فتكون كل أفعاله صواباً فيؤمنوا به وقال ابن عطية: إنه يعود على القرآن، وهو وإن لم يجر له ذكر فهو في قوة المنطوق، وهو قول مقاتل. وقال الكلبي: إنه يعود إلى نسخ الله ما ألقاه الشيطان. قوله: "فَيُؤْمِنُوا" عطف على "وَليَعْلَمَ"، و"فَتُخْبِتَ" عطف عليه وما أحسن ما وقعت هذه الفاءان. ومعنى "فَتُخْبِتَ" أي تخضع وتسكن له قلوبهم لعلمهم بأن المقضي كائن وكلٌّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَه. فصل ومعنى "أُوتُوا العِلْمَ" أي: التوحيد والقرآن. وقال السُّدِّي: التصديق. "فَيُؤْمِنُوا به" أي: يعتقدوا أنه من الله. قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ} قرأ العامة "لهَادِ الَّذِينَ" بالإضافة تخفيفاً. وابن أبي عبلة وأبو حيوة بتنوين الصفة وإعمالها في الموصول. والمعنى: أن الله يهدي الذين آمنوا إلى طريق قويم وهو الإسلام. قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ} الآية. لما بين حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى، فقال: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ} شك ونفاق "مِنْه" أي: من القرآن، أو من الرسول، أو مما ألقاه الشيطان. والمِرية والمُرية بالكسر والضم لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان. قوله: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} وهذا يدل على أن الأعْصَار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه. "بغْتَة" أي: فجأة من دون أن يشعروا، ثم جعل الساعة لكفرهمِ، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. وقيل: أراد بالساعة الموت. {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}. قال الأكثرون: هو يوم بدر. وقال عكرمة والضحاك: هو يوم القيامة. والعقيم من العُقْم، وفيه قولان: أحدهما: أنه السد، يقال: امرأة مَعْقُومة الرَّحم أو مسدودته عن الولادة. وهو قول أبي عبيد. والثاني: أن أصله القطع، ومنه (المُلْك عَقِيم) أي: لأنه يقطع صلة الرحم بالتراحم عليه، ومنه العقيم لانقطاع ولادتها. والعقم انقطاع الخبر، ومنه يوم عقيم، قيل: لأنه لا ليلة بعده، ولا يوم فشبه بمن انقطع نسله، وقيل: لأنهم لا يرون فيه خيراً. وقيل: لأن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم، فكيف يحصل الحمل فيه. هذا إن أريد به يوم القيامة. وإن أريد به يوم بدر فقيل: لأن أبناء الحرب تقتل فيه، فكأن النساء لم يلدنهم فيكنّ عُقماً، يقال: رجل عَقِيم وامرأة عَقيم، أي: لا يولد لهما. والجمع عقم. وقيل: لأنه الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم إذا لم تنشئ مطراً، ولم تلقح شجراً. وقيل: إنه لا مثل له في عظم أمره، وذلك لقتال الملائكة فيه. والقول الأول أولى لأنه لا يجوز أن يقال: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ويكون المراد إلى يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر. فإن قيل: لمّا ذكر الساعة، فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار. قلنا: ليس كذلك لأن الساعة مقدمات القيامة، واليوم العقيم كما مر نفس ذلك اليوم على أن الأمر لو كان كما قال لم يكن تكراراً، لأن في الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم. وإن أريد بالساعة وقت الموت، وبعذاب يوم عقيم القيامة فالسؤال زائل. قوله: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ}، وهذا من أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو هذا اليوم، وأراد أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه. و"يَوْمَئِذٍ" منصوب بما تضمنه "لِلَّهِ" من الاستقرار، لوقوعه خبراً. و"يَحْكُم" يجوز أن يكون حالاً من اسم الله، وأن يكون مستأنفاً، والتنوين في "يَوْمَئِذٍ" عوض من جملة، فقدرها الزمخشري: يوم يؤمنون. وهو لازم لزوال المِرْيَة، وقدره أيضاً: يوم نزول مِرْيَتِهِم. ثم بيَّن تعالى كيف يحكم بينهم وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم والكافرين إلى عذاب مهين. قوله: "والَّذِيْنَ كَفَرُوا" مبتدأ، وقوله: "فأولَئِكَ" وما بعده خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط بالشرط المذكور، و"لَهُم" يحتمل أن يكون خبراً عن "أولَئِكَ" و"عَذَاب" فاعل به لاعتماده على المخبر عنه. وأن يكون خبراً مقدماً وما بعده مبتدأ، والجملة خبر "أولئك".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ "وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي ولا محدث". وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: إن فيما أنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} [ولا محدث] فنسخت محدث والمحدثون: صاحب يس ولقمان وهو من آل فرعون، وصاحب موسى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل. وأخرج عبد بن حميد من طريق السدي، عن أبي صالح قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المشركون: ان ذكر آلهتنا بخير، ذكرنا آلهته بخير فـ {ألقى الشيطان في أمنيته} {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} تفسير : [النجم: 19 - 20] إنهن لفي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. قال: فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}. فقال ابن عباس: إن أمنيته؛ أن يسلم قومه. وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل فقال: اقرأ عليَّ ما جئتك به، فقرأ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فقال: ما أتيتك بهذا! هذا من الشيطان. فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى} إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، ثم جاءه جبريل بعد ذلك قال: اعرض عليَّ ما جئتك به. فلما بلغ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. قال له جبريل: لم آتك بهذا؛ هذا من الشيطان فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} ألقى الشيطان: إن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى. فعلق يتلوها، فنزل جبريل فنسخها، ثم قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} إلى قوله {حكيم}. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ومن طريق أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، ومن طريق سليمان التيمي، عمن حدثه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو بمكة، فأتى على هذه الآية {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} فألقى الشيطان على لسانه: إنهن الغرانيق العلى. فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يونس، عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ سورة النجم، فلما بلغ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} قال: إن شفاعتهن ترتجى، وسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففرح المشركون بذلك فقال: "إلا إنما كان ذلك من الشيطان" فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} حتى بلغ {عذاب يوم عقيم} تفسير : مرسل صحيح الإسناد. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى كف أذاهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} القى الشيطان عندها كلمات، حين ذكر الطواغيت، فقال: وانهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى. فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب مشرك بمكة، وذلقت بها ألسنتهم، وتباشروا بها وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأوّل، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة. فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} . فلما بيَّن الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه. وأخرجه البيهقي في الدلائل، عن موسى بن عقبة، ولم يذكر ابن شهاب. وأخرج الطبراني، عن عروة مثله سواء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا: "حديث : جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء؛ فيتفرقون عنه. فأنزل الله عليه {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19]. ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فتكلم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه، ورضوا بما تكلم به، فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - افتريت على الله وقلت ما لم يقل. فأوحى الله إليه {وإن كادوا ليفتنونك} [الإسراء: 73] إلى قوله {نصيراً} [الإسراء: 75] فما زال مغموماً مهموماً من شأن الكلمتين، حتى نزلت {وما أرسلنا من قبلك}. فسري عنه وطابت نفسه "تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنزل عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها، فسمعه أهل مكة وهو يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك ودنوا يسمعون، فألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك} إلى قوله {حكيم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند صحيح، عن أبي العالية قال: قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ذكرت آلهتنا في قولك قعدنا معك، فإنه ليس معك إلا أراذل الناس وضعفاؤهم، فكانوا إذا رأونا عندك تحدث الناس بذلك فأتوك. فقام يصلي فقرأ {والنجم} حتى بلغ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى ومثلهن لا ينسى، فلما فرغ من ختم السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون. فبلغ الحبشة: ان الناس قد أسلموا، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك} إلى قوله {عذاب يوم عقيم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: نزلت سورة النجم بمكة، فقالت قريش: يا محمد، إنه يجالسك الفقراء والمساكين ويأتيك الناس من أقطار الأرض، فإن ذكرت آلهتنا بخير جالسناك، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة {النجم} فلما أتى على هذه الآية {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} تفسير : [النجم: 19] ألقى الشيطان على لسانه: وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى. فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون، إلا أبا احيحة [ ] سعيد بن العاص؛ فإنه أخذ كفاً من تراب فسجد عليها وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير، فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة: أن قريشاً قد أسلمت، فأرادوا أن يقبلوا واشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم بها، وتعلق بها المشركون عليه فقال {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} فألقى الشيطان على لسانه، ونعس، وإن شفاعتهم لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون، وأخبرهم الشيطان: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد قرأها فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}. فدحر الله الشيطان، ولقن نبيه حجته. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قرأ النجم، فألقى الشيطان على فيه أحكم آياته. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} تفسير : [النجم: 19 - 22] فألقى الشيطان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك إذن في الغرانيق العلى تلك إذن شفاعة ترتجى، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجزع! فأوحى الله إليه {أية : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً} تفسير : [النجم: 26] ثم أوحى إليه ففرج عنه {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} إلى قوله {حكيم}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ، إذ قال: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} فألقى الشيطان على لسانه فقال: تلك الغرانقة العلى وإن شفاعتهن ترتجى، حتى إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم، فلما رفع رأسه حملوه، فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاءه جبريل عرض عليه، فقرأ ذينك الحرفين، فقال جبريل معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا! فاشتد عليه فأنزل الله يطيب نفسه {وما أرسلنا من قبلك}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} يقول: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {إذا تمنى} يعني بالتمني التلاوة والقراءة {ألقى الشيطان في أمنيته} في تلاوة النبي {فينسخ الله} ينسخ جبريل بأمر الله {ما ألقى الشيطان} على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد {إذا تمنى} قال: تكلم في أمنيته قال: كلامه. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} قال: المنافقون {والقاسية قلوبهم} يعني المشركين {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق} قال: القرآن {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} قال: من القرآن {عذاب يوم عقيم} قال: ليس معه ليلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في {مرية منه} قال: مما جاء به الخبيث إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: {عذاب يوم عقيم} قال: يوم بدر. وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: أربع كن يوم بدر {أو يأخذهم عذاب يوم عقيم} ذاك يوم بدر {أية : فسوف يكون لزاماً} تفسير : [الفرقان: 77] ذاك يوم بدر {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى} تفسير : [الدخان: 16] ذاك يوم بدر {أية : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} تفسير : [السجدة: 21] ذاك يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {عذاب يوم عقيم} قال: يوم بدر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد عذاب {يوم عقيم} قال: يوم القيامة لا ليلة له. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك مثله.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ}[52] قال: يعني إذا تلا ونفسه ملاحظة للتلاوة ألقى الشيطان في أذنه، إذ له على النفس في شركة، إذ الملاحظة فيها من هوى النفس وشهوتها، فإذا شاهد المذكور لا الذكر لها القلب عما سواه ولم يشاهد شيئاً غير مولاه، وصار الشيطان أسيراً من أسرائه، ألا ترى أن العبد إذا سها في قراءته، وذكر ربه عزَّ وجلَّ، فهو يسكن قلبه إلى أدنى حظ من حظوظ النفس، حتى يجد العدو عليه سبيلاً. وقد قال الحسن: الوسواس وسواسان، أحدهما من النفس والآخر من الشيطان، فما كان من ذلك إلحاحاً فهو من النفس يستعان عليها بالصيام والصلاة والأدب، وما كان من ذلك نبذاً فهو من الشيطان يستعان عليها بالقرآن والذكر.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} [الآية: 52]. قال سهل: من قرأه وهو يلاحظ الحق فإنه يكون بريئًا مصونًا من إلقاء الشيطان، ومن قرأه وهو يلاحظ نفسه أو يشاهد الخلق فإن ذلك محل إلقاء الشيطان.
القشيري
تفسير : الشياطين يتعرَّضون للأنبياء عليهم السلام ولكن لا سلطانَ ولا تأثيرَ في أحوالهم منهم، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - أفضل الجماعة. وإنما من الشياطين تخييلٌ وتسويل من التضليل. وكان لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - سَكَتَاتٌ في خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات، فيتلَفَّظ الشيطانُ ببعض الألفاظ، فَمَنْ لم يكن له تحصيلٌ تَوَهَّّمَ أنه كان من ألفاظِ الرسولِ - عليه الصلاة والسلام وصار فتنةً لقومٍ. أما - الذين أيدهم بقوة العصمة، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يُضِرْهُم ذلك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} ان الشيطان خلق الابتلاء الانبياء والاولياء فيبقى كل وقت بين ذكرهم وتلاوتهم وساوسه ومخائيل فيحترق فى نور اذكارهم ويتخسأ من صولة انوارهم واسرارهم وذلك من الحق اظهار كرامتهم ومعجزتهم وحقيقة الحكمة فيه القاء الخجل عليهم فى مقام المناجاة الا ترى كيف شكى عنه موسى حين عارضه الملعون بقوله ما سمعت فهو كلامى فكاد موسى ان يذوب من هيبة الله وحيائه حتى اوصله الحق الى اماكن الطاف حفظه ورعايته وخاصة من كيد عدوه قال سهل من قراه وهو يلاحظ الحق فانه يكون بريئا مصونا من القاء الشيطان ومن قراه وهو يلاحظ نفسه او يشاهد الخلق فان ذلك محل القاء الشيطان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى} هذا دليل بين على تغاير الرسول والنبى والرسول انسان ارسله الله الى الخلق لتبليغ رسالته وتبيين ما قصرت عنه عقولهم من مصالح الدارين وقد يشترط فيه لكتاب بخلاف النبى فانه اعم وبعضده ماروى انه عليه السلام حديث : سئل عن الانبياء فقال "مائة الف واربعة وعشرون الفا" قيل فكم الرسل منهم قال "ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا"تفسير : وفى رواية "حديث : مائتا الف واربعة وعشرون الفا"تفسير : ، وقال القهستانى الرسول من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان، قال الكاشفى فى تفسيره [در بعض تفاسير قصة القاء الشيطان درامنيت بيغمبر وبروجهى آورده اندكه مرضى اهل تحقيق نيست وما ازتأويلات علم الهدى وتيسير وديكر كتب معتبره جون معتمد فى المعتقد وذروة الاحباب مدت انوار جمال مؤلفه الى يوم الحساب آنرا اينجاايراد كرديم بطريقى كه موافق اهل سنت است آورده اندكه جون والنجم نازل شد سيد عالم عليه السلام آنرا در مسجد الحرام درمجمع قريش ميخواند ودرميان آيتها توقف مى نمود تامردم تلقى نموده يادكيرند بس طريق مذكور بعد ازتلاوت آيت {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى}تفسير : متوقف شد وشيطان دران ميان مجال يافت بكوش مشركان رسانيدكه تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى حاصل معنى آنكه ايشان بزركان يامرغان بلند بروازند واميد بشفاعت ايشان ميتوان داشت كفار باستماع اين كلمات خوش دل شده بنداشتندكه حضرت بيغمبر خواند وبتان ايشانرا ستايش كرد لا جرم در آخر سوره كه آن حضرت بامؤمنان سجده كردند اهل شرك اتفاق كردند جبرائيل فرود آمد وصورت حال بعرض رسانيد ودل مبارك حضرت بسيار اندوهناك شد وحق تعالى جهت تسليت خاطر عاطرسيد عالم آيت فرستاد وفرمود وما ارسلنا الخ] {الا اذا تمنى} اى قرأ، قال فى القاموس تمنى الكتاب قرأه، قال الراغب التمنى تقدير شيء فى النفس وتصويره فيها والامنية الصورة الحاصلة فى النفس من تمنى الشىء وقوله تعالى {أية : ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب الا امانى}تفسير : معناه الا تلاوة مجردة عن المعرفة من حيث ان التلاوة بلا معرفة المعنى تجرى عند صاحبها مجرى امنية تمناها على التخمين {القى الشيطان فى امنيته} اى قراءته كما فسره الراغب وغيره، قال الكاشفى [بيفكند شيطان نزديك تلاوت آز آنجه خواست جنانكه بوقت تلاوت حضرت بيغمبر ماعليه السلام شيطانى كه اورا ابيض كويند بهنجار آواز حضرت آن كلمات برخواند وكمان بردند آن تلاوت بيغمبراست] {فينسخ الله} يزيل ويبطل فالمراد بالنسخ هو النسخ اللغوى لا النسخ الشرعى المستعمل فى الاحكام {ما يلقى الشيطان} من كلمات الكفر {ثم يحكم الله} يثبت {آياته} التى تلاها الانبياء عليهم السلام حتى لايجد احد سبيلا الى ابطالها {والله عليم} بما اوحى وبما القى الشيطان {حكيم} ذو الحكمة فى تمكنه من ذلك يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الايمان من المتزلزل فيه وقوله لوجوز مثل هذا لأدى الى اشتباه احوال الانبياء من حيث ان مايسمع عند تلاوتهم من قولهم او من القاء الشيطان فيتعذر الاقتداء مدفوع بان ما القى الشيطان امر ظاهر بطلانه عند المؤمنين المخلصين ألا ترى ان القرآن ورد بابطال الاصنام فكيف يجوز كون قوله تلك الغرانيق الخ من القرآ ولو سلم فالنسخ والاحكام والايقاف على حقيقة الامر ولو بعد حين يجلى كل مشتبه فيكون القاء الشيطان من باب الامتحان والتعليل الآتى يرفع النقاب ويهدى المتردد الى طريق الصواب.
ابن عجيبة
تفسير : قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين - رضي الله عنهم -: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مباعدة قومه وتوليهم، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من الله تعالى ما يُقارب بينه وبين قومه، فجلس يومًا في جمع لهم، فنزلت سورة النجم، فقرأها عليهم، فلما بلغ: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النّجْم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العُلى وإنَّ شفاعتهم لترجى. هـ. قلت: بلى، ألقى ذلك في مسامعهم فقط، ولم ينطق بذلك - عليه الصلاة والسلام - فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة، وسجد المسلمون والمشركون، إلا الوليد بن المغيرة، رفع حفنة من التراب وسجد عليه، فقالت قريش: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل محمد لها نصيبًا فنحن معه، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد؛ ما صنعتَ فقد تلوتَ على الناس ما لم آتك به؟ فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا، فنزلت الآية؛ تسلية له عليه الصلاة والسلام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول}، يُوحى إليه بشرع، ويُؤمر بالتبليغِ، {ولا نبيٍّ} يُوحى إليه، ولم يُؤمر بالتبليغ، فالرسول مكلف بغيره، والنبي مقتصر على نفسه، أو الرسول: مَن بُعث بشرع جديد، والنبي: مَنْ قرر شريعة سابقة، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول، وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - عن الأنبِيَاءِ، فقال: "حديث : مِائَةُ أَلْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قِيل: فَكمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قال: ثَلاثُمِائةٍ وثلاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا"تفسير : . {إِلاَّ إِذا تَمَنَّى}؛ هيأ في نفسه ما يهواه؛ كهداية قومه ومقاربتهم له، {ألقى الشيطانُ في أُمنيته}؛ في تشهيه ما يُوجب حصول ما تمناه، أو مقاربته، كما ألقى في مسامع قريش ما يُوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ الله ذلك. أو {إذا تمنى}: قرأ، كما قال الشاعر: شعر : تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّى دَاوُدَ الزَّبُورَ علَى رِسْلِ تفسير : {ألقى الشيطان في أُمنيته}: في قراءته، حين قرأ سورة النجم بعد قوله: {ومناة الثالثة الأخرى}، تلك الغرانيق العُلى، كما تقدم. قال القشيري: كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم سكتات، في خلال قراءته عند قراءة القرآن، عند انقضاء كل آية، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. هـ. وقال ابن البنا: التمني هو التلاوة التي يُتمنى فيها، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها، فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد، وما قال الزمخشري: قرأ تلك الغرانيق العلى، على جهة السهو والغلط، فباطل، لقول الله العظيم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النّجْم: 3، 4]، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي. هـ. قلت: فتحصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوًا ولا عمدًا، وإنما أُلقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة والسلام - من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئًا. فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب، فلا تَحْسُن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن، قدَّم المنقول، إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز. هذا مذهب المحققين من الصوفية - رضي الله عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع؛ إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. {فينسخ اللهُ ما يُلقي الشيطانُ} أي: يَذهب به ويُبطله، أو يُرشد إلى ما يزيحه، {ثم يُحْكِمُ اللهُ آياته} أي: يُثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان، {والله عليمٌ حكيم} أي: عليم بما يوحى إلى نبيه، حكيم في وحيه، لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء، فقال: {ليجعل ما يُلقي الشيطانُ فتنةً} أي: محنة وابتلاء {للذين في قلوبهم مرضٌ}: شك وشرك، {والقاسية قلوبهم}؛ البعيدة من الخير، الخاربة من النور، واليابسة الصلبة، لا رحمة فيها ولا شفقة؛ وهم المشركون المكذبون، فيزدادون به شكًا وظلمة. {وإِنَّ الظالمين} وهم الكفرة المتقدمة، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ تسجيلاً عليهم بالظلم، {لفي شقاقٍ بعيد} أي: عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. {وليعلم الذين أُوتوا العلم} بالله {أنه} أي: القرآن {الحقُّ من ربك} أي: النازل من عنده {فيُؤمنوا به} أي: بالقرآن {فتُخْبتَ}: تطمئن، أو تخشع {له قلوبُهم} بالانقياد إليه والإذعان لما فيه، {وإِنَّ الله لهادي الذين آمنوا إِلى صراط مستقيم} بالنظر الموصل إلى الحق الصريح، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا، لما أشكل منه، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي إيمانهم ويزيدهم يقينًا، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه، وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلاً يقول: يا سعترا بري. فسمع أحدهم: اسْعَ تَر بري، وسمع الآخر: الساعة ترى بري… وسمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول: طالب للوصول، فقال له: اسع ترى بري، والثاني: سائر مستشرف على الوصول، فقال له: الساعة ترى بري، والثالث: واصل قد اتسع عليه ميدان النعم، فقال له: ما أوسع بري. وكل من قَدِمَ على الأولياء فإنما يسمع حسب ما عنده؛ فمن قَدِمَ عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يُبعده، ومن قَدِمَ بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يُقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن
الأعقم
تفسير : {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى}، قال جار الله: دليل بيّنٌ على تغاير الرسول والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سئل عن الأنبياء فقال: "حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً" تفسير : وسُئل كم الرسل منهم فقال: "حديث : ثلاثمائة وثلاثة عشر جمّاً غفيراً" تفسير : والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه الكتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله، قال جار الله: والسبب في نزول هذه الآية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أعرض عنه قومه وخالفوه وشاقوه ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى لفرط ضجره عن إعراضهم وتحريضه على إسلامهم أن لا ينزل عليهم ما ينفرهم حتى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادي قومه وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرأها فلما وصل {أية : ومناة الثالثة الأخرى} تفسير : [النجم: 20] {ألقى الشيطان في أمنيته} التي تمناها أي وسوس إليه فسبق لسانه على سبيل السهو والغفلة إلى أن قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى، ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فثبّته عليه، وقيل: ثبَّته عليه جبريل، وقيل: تكلم الشيطان بذلك فاستمعه الناس، فلما سجد في آخر السورة سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم، وكان من الشيطان محنة من الله وابتلاء زاد المنافقين به شكاً وظلمة والمؤمنين نوراً وإيقاناً، قال جار الله أيضاً: والمعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك، إذا تمنوا مثل ما تمنيت مكن الله الشيطان ليلقى في أمانيهم مثل ما ألقى الله في أمنيتك إرادة امتحان من حولهم، والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين، وقيل: تمنى قرأ وأنشد: شعر : تمنى كتاب الله أوّل ليلة تمنى داوود الزبور على رسل تفسير : روي الخبر المتقدم في الكشاف، وقال في الحاكم: وهذا الخبر إن صح فمحمول على أنه كان سوى القرآن فلما بلغ {أية : ومناة الثالثة الأخرى} تفسير : [النجم: 20] قال: من حضر تلك الغرانيق العلى وألقى ذلك في تلاوته وهو أنه من القرآن وأضافه إلى الشيطان لأنه بإغوائه ووسوسته، هكذا ذكره الناصر للحق الحسن بن علي (عليه السلام)، قال في الحاكم: ولا يبعد أن يكون ما قاله جار الله، وقيل: تلك الغرانيق إشارة إلى الملائكة هم الشفعاء لا الأصنام {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي يذهب به ويبطله {ثم يحكم الله آياته} أي يثبتها {والله عليم حكيم} فيما يفعله {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} يريد المنافقين والشاكين {والقاسية قلوبهم} المشركون المكذبون {وان الظالمين لفي شقاق بعيد} يعني هؤلاء المنافقين والمشركين {وليعلم الذين أوتوا العلم} يعني الذين تفكروا حتى علموا التوحيد والعدل {أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} أي تخشع وتواضع لقوة الإيمان {وإن الله لهاد الّذين آمنوا إلى صراط مستقيم} واضح لا عوج فيه {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} أي في شك من القرآن {حتى تأتيهم الساعة بغتة} يعني تأتيهم القيامة فجأة {أو يأتيهم عذاب يوم عظيم}، قيل: يوم الموت، وقيل: يوم القيامة، وعن أبي علي: أنه يوم بدر {الملك يومئذ لله} ولما ذكر القيامة بيَّن أن الملك يومئذ لله لا يملك سواه أحدٌ {يحكم بينهم} يعني كما يكون الملك له فالحكم إليه بين عباده لا يحكم غيره {فأولئك لهم عذاب مهين} مذلٌ يذلهم وهو عذاب جهنم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى} أي: إذا قرأ، في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: إذا قال. وقال الكلبي: إذا حدّث نفسه. وقال بعضهم: حديث : كان النبي قائماً في المسجد الحرام يصلّي وهو يقرأ سورة النجم؛ فلما أتى على هذه الآيات: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه: إنهن من الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرتجى. فأعجب ذلك المشركين؛ فقرأ السورة حتى ختمها، فسجد وسجد أهل مكة؛ المؤمنون والمشركون، والجن والإِنس؛ فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى} . تفسير : قال الله: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} يعني المشركين. قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} يعني المشركين {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: لفي فراق بعيد أي: إلى يوم القيامة، يعني فراقهم عن الحق.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} الرسول من بعث للناس أو بعضهم سواء كان له كتاب أم لا وسواء جاء لتقرير شرع سابق أو لتجديد شريعة والنبي من اوحى إليه بعث للناس أو بعضهم أو لم يبعث له كتاب أو لم يكن جاء للتقرير أو للتجديد فهو اعم من الرسول كل رسول نبي وبعض الانبياء غير رسول بل جلهم ولكن إذا اطلق في مقابلة الرسول كما في الآية فهو غير رسول. وقيل: الرسول من بعث للتجديد إلى الناس أو بعضهم والنبي يعمه ويعم من بعث للتقرير كانبياء بني اسرائيل بين موسى وعيسى ولذا شبه صلى الله عليه وسلم علماء امته بهم والانبياء هم مائة ألف وأربعة وعشرون الفا والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر وقيل ثلاثمائة واربعة عشر. وقيل: الرسول من له معجزات وكتاب والنبي من لا كتاب له. وقيل: الرسول من يأتيه الملك والنبي من ياتيه أو يوحي إليه في المنام أو الهاما وقد بسطت ذلك وغيره في تراجم حواشي كتب النحو وغيره {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى} ذكر في نفسه ما يهواه * {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ما يوجب اشتغاله بالدنيا حتى يجري على لسانه قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : انه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة"تفسير : اي يغشاه الشيطان بالوسوسة والامنية ما بولغ في تمنيه وهو مفرد كاحدوثة للحديث المستحسن جدا اصله (منوية) اجتمعت الواو والياء وسبقت احداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء وقلبت الضمة كسرة قيل قلب الواو ياء أو بعده قولان {فَيْنسَخُ اللَّهُ} يزيل {مَا يلْقِي الشَّيْطَانُ} ويظهر انه من الشيطان ويبطله لعصمة الانبياء عن الركون إليه والارشاد إلى ما هو الحق {ثُّم يُحْكِمُ} يثبت {اللَّهُ آيَاتِهِ} الداعية إلى التجرد للآخرة وفي ذلك وضع المظهر موضع الضمير للتأكيد {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} باحوال الناس وبالقاء الشيطان وبكل شيء {حَكِيمٌ} فيما فعل مطلقا وفي تمكين الشيطان من الالقاء.
اطفيش
تفسير : {وما أرْسلنا من قبْلكَ} من للابتداء {منْ رسُولٍ} من صلة لتأكيد العموم المعلوم من انكرة بعد اللفظ والتصريح بالاستغراق، بحيث لا يبقى وجه واحتمال، وهو من أوحى اليه وبعد الى غيره بأمره شرعى جديد. أو مقرر لما تقدمه كأنبياء بنى إسرائيل بين موسى وعيسى عليهما السلام من الرجال {ولا نبى} من أوحى اليه كذلك بعث الى غيره أول لم يبعث، أو للرسول مبعوث الى غيره بشرع جديد، والنبى بالجديد أو بالتقرير وقيل: الرسول بالمعجزة والكتاب، والنبى من لا كتاب له. {إلا إذا تمنى ألْقَى الشيطان فى أمنيته} دليل على جواز اتيان الجملة بعد إلا مطلقا، وشهر أنه لا بد أن يليها مضارع أو ماض مسبوقة بفعل، أو مقرون بقد، ويجاب بأن ألقى متصل بلا تقديراً، وإذا خارجة عن الشرط والتمنى نهاية التقدير أو القراءة كقول حسان فى عثمان: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل تفسير : كما فى ديوانه، وهو راجع للتقدير لأن القارىء يقدر حرفاً حرفاً، والأمنية التمنى، أو لصورة الحاصلة من التمنى، والمعنى أن الشيطان يلقى فى قراءة الأنبياء ما يبطلها، كما قال: "أية : وإنَّ الشياطين ليوحون" تفسير : [الأنعام: 121] "أية : وكذلك جعلنا لكل نبى" تفسير : [الأنعام: 112، الفرقان: 31] الآيتين، وذلك كقولهم: يحل ما ذبحتم، ويحرم ما ذبح الله حين قرأ: "أية : حرمت عليكم الميتة" تفسير : [المائدة: 3] وقولهم: عيسى والملائكة عبدوا من دون الله حين قرئ: "أية : إنكم وما تعبدون" تفسير : [الأنبياء: 98] الآية والشياطين، كما تلقى فى قراءة الأنبياء تلقى فى الرؤيا إذا نزلت من السماوات، وكانت تحت السماء الدنيا فما فى السموات صادق، ولا بد وما تحت السماء هذه يصدق، ويكذب وفى الحديث: "حديث : الرؤيا الصالحة من الله تعالى والحلم من الشيطان" تفسير : ومن الصالحة رؤيا عائشة رضى الله عنها ثلاثة أقمار نزلت فى حجرتها، قصتها على أبيها فلما توفى صلى الله عليه وسلم ودفن قال أبوها هذا أحد أقماركم وهو خيرها، ولما توفى أبوها ودفن فيها قيل لها هو القمر الثانى ولما دفن فيها عمر لها هو الثالث. {فينسخ الله ما يلقى الشيطان} برد النبى له أو بوحى {ثمَّ يحكم الله آياته} يأتى بها مغبته لا تقبل الرد، والأفعال الثلاثة لتتجدد، وثم للترتيب الرتبى، لأن الأحكام أولى من النسخ المذكور وأظهر، لفظ الجلالة بعد يحكم لزيادة والإيذان بأن الألوهية تقتضى أحكام الأيات، وكذا إظهار الشيطان للإذان بأن الشرور من شأن الشيطنة {والله عليمٌ} علماً عظيماً بكل شىء ومنهما ما يلقى الشيطان والإظهار لما ذكر {حَكِيمٌ} فى تسليط الشيطان بالإلقاء، والجدال.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ} «من» الأولى ابتدائية، والثانية مزيدة لاستغراق الجنس، والجملة المصدرة بإذا في موضع الحال عند أبـي حيان، وقيل: في موضع الصفة وأفرد الضمير بتأويل كل واحد أو بتقدير جملة مثل الجملة المذكورة كما قيل في قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] والظاهر أن «إذا» شرطية ونص على ذلك الحوفي لكن قالوا: إن «إلا» في النفي إما أن يليها مضارع نحو ما زيد إلا يفعل وما رأيت زيداً إلا يفعل أو يليها ماض بشرط أن يتقدمه فعل كقوله تعالى: { أية : وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ } تفسير : [الحجر: 11] الخ أو يكون الماضي مصحوباً بقد نحو ما زيد إلا قد قام، ويشكل عليه هذه الآية إذ لم يلها فيها مضارع ولا ماض بل جملة شرطية فإن صح ما قالوه احتيج إلى التأويل، وأول ذلك في «البحر» بأن «إذا» جردت للظرفية وقد فصل بها وبما أضيفت إليه بين إلا والفعل الماضي الذي هو «ألقى» وهو فصل جائز فتكون إلا قد وليها ماض في التقدير ووجد الشرط، وعطف «نبي» على «رسول» يدل على المغايرة بينهما وهو الشائع، ويدل على المغايرة أيضاً ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً، وقد أخرج ذلك ـ كما قال السيوطي ـ أحمد وابن راهويه في «مسنديهما» من حديث أبـي أمامة، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» من حديث أبـي ذر. وزعم ابن الجوزي أنه موضوع وليس كذلك، نعم قيل في سنده ضعف جبر بالمتابعة؛ وجاء في رواية الرسل ثلثمائة وخمسة عشر. واختلفوا هنا في تفسير كل منهما فقيل: الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى بشرع جديد يدعو الناس إليه والنبـي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام، وقيل: الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم يكن / جديداً في نفسه كإسماعيل عليه السلام إذ بعث لجرهم أولاً والنبـي يعمه ومن بعث بشرع غير جديد كذلك، وقيل: الرسول ذكر حر له تبليغ في الجملة وإن كان بياناً وتفصيلاً لشرع سابق والنبـي من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغ أصلاً أو أعم منه ومن الرسول، وقيل: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتاباً منزلاً عليه والنبـي غير الرسول من لا كتاب له، وقيل: الرسول من له كتاب أو نسخ في الجملة والنبـي من لا كتاب له ولا نسخ، وقيل الرسول من يأتيه الملك عليه السلام بالوحي يقظة والنبـي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام لا غير، وهذا أغرب الأقوال ويقتضي أن بعض الأنبياء عليه السلام لم يوح إليه إلا مناماً وهو بعيد ومثله لا يقال بالرأي. وأنت تعلم أن المشهور أن النبـي في عرف الشرع أعم من الرسول فإنه من أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا والرسول من أوحي إليه وأمر بالتبليغ ولا يصح إرادة ذلك لأنه إذا قوبل العام بالخاص يراد بالعام ما عدا الخاص فمتى أريد بالنبـي ما عدا الرسول كان المراد به من لم يؤمر بالتبليغ وحيث تعلق به الإرسال صار مأموراً بالتبليغ فيكون رسولاً فلم يبق في الآية بعد تعلق الإرسال رسول ونبـي مقابل له فلا بد لتحقيق المقابلة أن يراد بالرسول من بعث بشرع جديد وبالنبـي من بعث لتقرير شرع من قبله أو يراد بالرسول من بعث بكتاب وبالنبـي من بعث بغير كتاب أو يراد نحو ذلك مما يحصل به المقابلة مع تعلق الإرسال بهما. والتمني ـ على ما قال أبو مسلم ـ نهاية التقدير ومنه المنية وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله تعالى، والأمنية على ما قال الراغب الصورة الحاصلة في النفس من التمني، وقال غير واحد: التمني القراءة وكذا الأمنية، وأنشدوا قول حسان في عثمان رضي الله تعالى عنهما: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود الزبور على رسل تفسير : وفي «البحر» أن ذلك راجع إلى الأصل المنقول عن أبـي مسلم فإن التالي يقدر الحروف ويتصورها فيذكرها شيئاً فشيئاً، والمراد بذلك هنا عند كثير القراءة، والآية مسوقة لتسلية النبـي صلى الله عليه وسلم بأن السعي في إبطال الآيات أمر معهود وأنه لسعي مردود، والمعنى وما أرسلنا من قبلك رسولاً ولا نبياً إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئاً من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطل ويردوا ما جاء به كما قال تعالى: { أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } تفسير : [الأنعام: 121] وقال سبحانه { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } تفسير : [الأنعام: 112] وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم { أية : حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } تفسير : [البقرة: 173] إنه يحل ذبيح نفسه ويحرم ذبيح الله تعالى، وقولهم على ما في بعض الروايات عند سماع قراءته عليه الصلاة والسلام: { أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] إن عيسى عبد من دون الله تعالى والملائكة عليهم السلام عبدوا من دون الله تعالى. {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي فيبطل ما يلقيه من تلك الشبه ويذهب به بتوفيق النبـي صلى الله عليه وسلم لرده أو بإنزال ما يرده {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَـٰتِهِ} أي يأتي بها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بوجه من الوجوه، و {ثُمَّ} للتراخي الرتبي فإن الإحكام أعلا رتبة من النسخ، وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي، وإظهار الجلالة في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بأن الألوهية من موجبات إحكام آياته تعالى الباهرة. ومثل ذلك في زيادة التقرير إظهار «الشيطان» {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالغ في العلم بكل ما من شأنه أن يعلم ومن جملته ما يصدر من الشيطان وأوليائه {حَكِيمٌ} في كل / ما يفعل ومن جملته تمكين الشيطان من إلقاء الشبه وأوليائه من المجادلة بها وإبداؤه تعالى ردها، والإظهار هٰهنا لما ذكر أيضاً مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : قل ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين}تفسير : [الحج: 49] لأنه لما أفضى الكلام السابق إلى تثبيت النبي - عليه الصلاة والسلام - وتأنيس نفسه فيما يلقاه من قومه من التكذيب بأن تلك شنشنة الأمم الظالمة من قبلهم فيما جاء عقبَ قوله: {أية : وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة}تفسير : [الحج: 48] الخ.. وأنه مقصور على النّذارة فمن آمن فقد نجا ومن كفر فقد هلك، أريد الانتقال من ذلك إلى تفصيل تسليته وتثبيته بأنه لقي ما لقيه سلفُه من الرسل والأنبياء - عليهم السلام -، وأنه لم يسلم أحد منهم من محاولة الشيطان أن يفسد بعض ما يحاولونه من هدي الأمم وأنهم لقُوا من أقوامهم مكذّبين ومصدّقين سنةَ الله في رُسله - عليهم السلام -. فقوله: {من رسول ولا نبي} نص في العموم، فأفاد أنّ ذلك لم يعدُ أحداً من الأنبياء والرسل. وعطف {نبي} على {رسول} دالّ على أنّ للنبي مَعنى غيرُ معنى الرسول: فالرسول: هو الرجل المبعوث من الله إلى الناس بشريعة. والنبي: مَن أوحَى الله إليه بإصلاح أمر قوم بحملهم على شريعة سابقةٍ أو بإرشادهم إلى ما هو مستقر في الشّرائع كلها فالنبي أعمّ من الرسول، وهو التحقيق. والتمنّي: كلمة مشهورة، وحقيقتها: طلب الشيء العسير حصولُه. والأمنية: الشيء المتمنّى. وإنما يتمنى الرسل والأنبياء أن يكون قومهم كلُّهم صالحين مهتدين، والاستثناءُ من عمومِ أحوال تابعة لعموم أصحابها وهو {من رسول ولا نبي}، أي ما أرسلناهم في حال من الأحوال إلاّ في حالِ إذا تمنّى أحدُهم أمنية ألقى الشيطان فيها الخ، أي في حال حصول الإلقاء عند حصول التمني لأنّ أماني الأنبياء خيرٌ محض والشيطان دأبُه الإفساد وتعطيل الخير. والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافي، أي دون أن نرسل أحداً منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان ومكره. والإلقاء حقيقته: رمي الشيء من اليد. واستعير هنا للوسوسة وتسويل الفساد تشبيهاً للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس. ومنه قوله تعالى: {أية : فكذلك ألقى السامري}تفسير : [طه: 87] وقوله: {أية : فألقوا إليهم القول}تفسير : [النحل: 86] وكقوله تعالى: {أية : فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها}تفسير : [طه: 96] على ما حققناه فيما مضى. ومفعول {ألقى} محذوف دل عليه المقام لأنّ الشيطان إنما يلقي الشر والفساد، فإسناد التمني إلى الأنبياء دل على أنه تمنّي الهدى والصلاح، وإسناد الإلقاء إلى الشيطان دلّ على أنه إلقاء الضلال والفساد. فالتقدير: أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد. ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادُّها، كمن يمكر فيلقى السمّ في الدّسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي في قلوب أيمّة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروّج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البُرهان، والله تعالى يُعيد الإرشاد ويكرّر الهدي على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوءَ فعله بالبيان الواضح كقوله تعالى: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}تفسير : [الأعراف: 27] وقوله: {أية : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً}تفسير : [فاطر: 6]. فالله بهديهِ وبيانه ينسخ ما يُلقِي الشيطان، أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات دعوة رسله بياناً، وذلك هو إحكام آياته، أي تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رِين على قلبه، وقد تقدم معنى الآيات المحكمات في آل عمران. وقد فسر كثيرٌ من المفسرين {تمنَى}بمعنى قَرَأ، وتبعهم أصحاب كتب اللغة وذكروا بيتاً نسبوه إلى حسّان بن ثابت وذكروا قصة بروايات ضعيفة سنذكرها. وأيّا ما كان فالقول فيه هو والقول في تفسير التمني بالمعنى المشهور سواءٌ، أي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه ليهتدوا به ألقَى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس التكذيب والإعراض عن التدبر. فشبه تسويل الشيطان بوسوسته للكافرين عدمَ امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء لخلطه وإفساده. وعندي في صحة إطلاق لفظ الأمنية على القراءة شك عظيم، فإنه وإن كان قد ورد تمنّى بمعنى قرأ في بيت نسب إلى حسّان بن ثابت إن صحت رواية البيت عن حسان على اختلاف في مصراعه الأخير:شعر : تمنى كتاب الله أولَ ليله تمنيَ داوود الزبورَ على مَهل تفسير : فلا أظن أن القراءة يقال لها أمنية. ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنّى هدْي قومه أو حرَص على ذلك فلقي منهم العناد، وتمنّى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر اليأس من هداهم عسى أن يُقْصر النبيُ من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول ما كلّف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد. فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوّحاً إلى قوله تعالى: {أية : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سُلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}تفسير : [الأنعام: 35]. و {ثُمّ} في قوله: {ثم يحكم الله آياته} للترتيب الرتبي، لأنّ إحكام الآيات وتقريرها أهمّ من نَسخ ما يُلقي الشيطان إذ بالإحكام يتضح الهُدى ويزدادُ ما يلقيه الشيطان نسخاً. وجملة {والله عليم حكيم} معترضة. ومعنى هذه الآية: أن الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا فيبلغونهم ما ينزل إليهم من الله ويعظونهم ويدعونهم بالحجة والمجادلة الحسنة حتى يظنوا أن أمنيتهم قد نجحت ويقترب القوم من الإيمان، كما حكى الله عن المشركين قولهم: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}تفسير : [الفرقان: 41 - 42] فيأتي الشيطان فلا يزال يوسوس في نفوس الكفار فينكصون على أعقابهم، وتلك الوساوس ضروب شتى من تذكيرهم بحب آلهتهم، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نبذ دينهم، ونحو ذلك من ضروب الضلالات التي حُكيت عنهم في تفاصيل القرآن، فيتمسك أهل الضلالة بدينهم ويصدّون عن دعوة رسلهم، وذلك هو الصبر الذي في قوله: {أية : لولا أن صبرنا عليها}تفسير : [الفرقان: 42] وقوله: {أية : وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم}تفسير : [ص: 6]. وكلما أفسد الشيطان دعوة الرّسل أمرَ الله رسلَه فعاودوا الإرشاد وكرروه وهو سبب تكرر مواعظ متماثلة في القرآن، فبتلك المعاودة يُنسخ ما ألقاه الشيطان وتُثبت الآيات السالفة. فالنسخ: الإزالة، والإحكام: التثبيت. وفي كلتا الجملتين حذف مضاف، أي ينسخ آثارَ ما يُلقي الشيطان، ويُحكم آثارَ آياته. واللامان في قوله {ليجعل} وفي قوله {وليعْلَمَ} متعلقان بفعل {ينسخ الله} فإن النسخ يقتضي منسوخاً، وفي {يجعل}ضميرٌ عائد إلى الله في قوله: {فينسخ الله}. والجعل هنا: جَعل نظام ترتب المسببات على أسبابها، وتكويننِ تفاوت المدارك ومراتب درجاتها. فالمعنى: أنّ الله مكّن الشيطان من ذلك الفعل بأصل فطرته من يوم خلق فيه داعية الإضلال، ونسخ ما يلقيه الشيطان بواسطة رسُله وآياته ليكون من ذلك فتنة ضلال كفر وهدي إيمان بحسب اختلاف القابليات. فهذا كقوله تعالى: {أية : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر: 39 -40]. ولام {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} مستعار لمعنى الترتب مثل اللام في قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً}تفسير : [القصص: 8]. وهي مستعارة لمعنى التعقيب الذي حقه أن يكون بحرف الفاء، أي تحصل عقب النسخ الذي فعله الله فتنةُ من افتتن من المشركين بانصرافهم عن التأمل في أدلة نسخ ما يلقيه الشيطان، وعن استماع ما أحكم الله به آياته، فيستمر كفرهم ويقوى. وأما لام {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} فهي على أصل معنى التّعليل، أي ينسخ الله ما يلقي الشيطان لإرادة أن يعلم المؤمنون أنه الحق برسوخ ما تمناه الرسول والأنبياء لهم من الهدى كما يحصل لهم بما يحكم الله من آياته ازدياد الهدى في قلوبهم. و{الذين في قلوبهم مرض} هم المتردّدون في قبول الإيمان. و{القاسية قلوبهم} هم الكافرون المصممون على الكفر. والفريقان هم المراد بــــ {الظالمين} في قوله: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}. فذكر {الظالمين} إظهار في مقام الإضمار للإيماء إلى أن علّة كونهم في شقاق بعيد هي ظلمهم، أي كفرهم. والشقاق: الخلاف والعداوة. والبعيد هنا مستعمل في معنى: البالغ حدّاً قوياً في حقيقته. تشبيهاً لانتشار الحقيقة فيه بانتشار المسافة في المكان البعيد كما في قوله تعالى {أية : فذو دعاء عريض}تفسير : [فصلت: 51] أي دعاء كثير مُلح. وجملة {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} معترضة بين المتعاطفات. و{الذين أوتوا العلم} هم المؤمنون بقرينة مقابلته بــــ {الذين في قلوبهم مرض} وبقوله {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}. فالمراد بالعلم الوحي والكُتب التي أوتيها أصحاب الرسل السابقين فإنهم بها يصيرون من أهل العلم. وإطلاق {الذين أوتوا العلم} على المؤمنين تكرر في القرآن. وهذا ثناء على أصحاب الرسل بأنهم أوتوا العلم، وهو علم الدّين الذي يبلغهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، فإن نور النُّبوءة يشرق في قلوب الذين يصحبون الرسول. ولذلك تجد من يصحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد يكون قبل الإيمان جِلفاً فإذا آمن انقلب حكيماً، مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم».تفسير : وضمير {أنه الحق} عائد إلى العلم الذي أوتوه، أي ليزدادوا يقيناً بأن الوحي الذي أوتوه هو الحق لا غيره مما ألقاه الشيطان لهم من التشكيك والشبه والتضليل، فالقصر المستفاد من تعريف الجزأين قصر إضافي. ويجوز أن يكون ضمير {أنه}عائداً إلى ما تقدم من قوله {فينسخ الله} إلى قوله {ثم يحكم الله آياته}، أي أن المذكور هو الحق، كقول رُؤبة:شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجِلد توليع البَهق تفسير : أي كان كالمذكور. وقوله {فيؤمنوا به} معناه: فيزدادوا إيماناً أو فيؤمنوا بالناسخ والمحكَم كما آمنوا بالأصل. والإخباتُ: الاطمئنان والخشوع. وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وبشر المخبتين}تفسير : [الحج: 34]، أي فيستقر ذلك في قلوبهم كقوله تعالى: {أية : قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260]. وبما تلقيتَ في تفسير هذه الآية من الانتظام البيّن الواضح المستقل بدلالته والمستغني بنَهله عن عُلالته، والسالم من التكلّفات والاحتياج إلى ضميمة القصص ترى أن الآية بمعزل عما ألصقه بها الملصقون والضعفاء في علوم السُّنّة، وتلقاه منهم فريق من المفسرين حباً في غرائب النوادر دون تأمل ولا تمحيص، من أن الآية نزلت في قصة تتعلق بسورة النجم فلم يكتفوا بما أفسدوا من معنى الآية حتى تجاوزوا بهذا الإلصاق إلى إفساد معاني سورة النجم، فذكروا في ذلك روايات عن سعيد بن جبير، وابن شهاب، ومحمد بن كعب القرطبي، وأبي العالية، والضحاك وأقربُها رواية عن ابن شهاب وابن جبير والضحاك قالوا:حديث : إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس في ناد من أندية قُريش كثير أهله من مسلمين وكافرين، فقرأ عليهم سورة النجم فلما بلغ قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان بين السامعين عقب ذلك قوله: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ففرح المشركون بأن ذكَر آلهتهم بخير، وكان في آخر تلك السورة سجدة من سجود التلاوة، فلما سجد في آخر السورة سجد كلّ من حضر من المسلمين والمشركين، وتسامع الناس بأن قُريشاً أسلموا حتى شاع ذلك ببلاد الحبشة، فرجع من مهاجرة الحبشة نفرٌ منهم عثمان بن عفان إلى المدينة، وأن النبي لم يشعر بأن الشيطان ألقى في القوم، فأعلمه جبريل عليه السلام فاغتمّ لذلك فنزل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك} الآية تسلية لهتفسير : . وهي قصة يجدها السامع ضِغثاً على إبَالة، ولا يلقي إليها النِّحرير بالَه. وما رُويت إلا بأسانيد واهية ومنتهاها إلى ذكر قصة، وليس في أحد أسانيدها سماع صحابي لشيء في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وسندها إلى ابن عباس سندٌ مطعون. على أنّ ابن عباس يوم نزلت سورة النجم كان لا يحضر مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي أخبار آحاد تعارض أصول الدين لأنها تخالف أصل عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا التباس عليه في تلقي الوحي. ويكفي تكذيباً لها قوله تعالى: {أية : وما ينطق عن الهوى}تفسير : [النجم: 3] وفي معرفة الملكَ. فلو رووها الثقات لوجب رفضها وتأويلها فكيف وهي ضعيفة واهية. وكيف يروج على ذي مُسكة من عقل أن يجْتمع في كلامٍ واحد تسفيهِ المشركين في عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: {أية : أفرأيتم اللات والعزى}تفسير : [النجم: 19] إلى قوله: {أية : ما أنزل الله بها من سلطان}تفسير : [النجم: 23] فيقع في خلال ذلك مدحها بأنها «الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى». وهل هذا إلا كلام يلعنُ بعضُه بعضاً. وقد اتفق الحاكون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم كلها حتى خاتمتِها {أية : فاسجدوا لله واعبدوا}تفسير : [النجم: 62] لأنهم إنما سجدوا حين سجد المسلمون، فدلّ على أنهم سمعوا السورة كلها وما بين آية {أية : أفرأيتم اللات والعزى}تفسير : [النجم: 19] وبين آخر السورة آيات كثيرة في إبطال الأصنام وغيرها من معبودات المشركين، وتزييف كثير لعقائد المشركين فكيف يصحّ أن المشركين سجدوا من أجل الثناء على آلهتهم. فإن لم تكن تلك الأخبار مكذوبة من أصلها فإن تأويلها: أن بعض المشركين وجدوا ذكر اللات والعُزّى فُرصة للدخَل لاختلاق كلمات في مدحهنّ، وهي هذه الكلمات وروّجُوها بين الناس تأنيساً لأوليائهم من المشركين وإلقاء للريب في قلوب ضعفاء الإيمان. وفي «شرح الطيبي على الكشاف» نقلاً عن بعض المؤرّخين: أن كلمات «الغرانيق...» (أي هذه الجمل) من مفتريات ابن الزِّبعرى. ويؤيد هذا ما رواه الطبري عن الضحاك: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل عليه قصةُ آلهة العرب (أي قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] الخ) فجعَل يتلو: اللاّتَ والعُزّى (أي الآية المشتملة على هذا) فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا ودنوا يستمعون فألقَى الشيطان تلك الغرانيق العُلَى مِنها الشفاعة ترتجَى» فإن قوله: «دنوا يستمعون فألقى الشيطان» الخ يؤذن بأنهم لم يسمعوا أول السورة ولا آخرها وأن شيطانهم ألقى تلك الكلمات. ولعل ابن الزبعرى كانت له مقدرة على محاكاة الأصوات وهذه مقدرة توجد في بعض الناس. وكنت أعرف فتى من أترابنا ما يحاكي صوت أحد إلا ظنه السامع أنه صوتُ المُحاكَى. وأما تركيب تلك القصة على الخبر الذي ثبت فيه أنّ المشركين سَجدوا في آخر سورة النجم لما سجد المسلمون، وذلك مروي في الصحيح، فذلك من تخليط المؤلفين. وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحجّ. وكم بين نزول سورة النجم التي هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة. وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رَجع من مهاجرة الحبشة. وكم بين مدّة نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة. فالوجه: أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام، إنما هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل ابن الزبعرى، وأنهم عمدوا إلى آية ذُكرت فيها اللات والعُزّى ومناةَ فركّبوا عليها كلمات أخرى لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خَصُّوا سورة النجم بهذه المرجَفة لأنهم حَضروا قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلباً لإيجاد المعذرة لهم بين قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سرى هذا التعسف إلى إثبات معنى في اللغة، فزعموا أن {تمنّى} بمعنى: قرأ، والأمنية: القراءة، وهو ادّعاء لا يوثق به ولا يُوجد له شاهد صريح في كلام العرب. وأنشدوا بيتاً لحسان بن ثابت في رثاء عثمان رضي الله عنه:شعر : تمنّى كتاب الله أول لَيْله وآخره لاقى حِمام المَقادر تفسير : وهو محتمل أن معناه تمنّى أن يقرأ القرآن في أول الليل على عادته فلم يتمكّن من ذلك بتشغيب أهل الحصار عليه وقتلوه آخر الليل. ولهذا جعله تمنياً لأنه أحبَ ذلك فلم يستطع. وربما أنشدوه برواية أخرى فظُنّ أنه شاهد آخر، وربما توهَموا الرواية الثانية بيتاً آخر. ولم يذكر الزمخشري هذا المعنى في الأساس}. وقد قدمنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} تفسير : في سورة[البقرة: 78]. وجملة {إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} معترضة. والواو للاعتراض، والذين أوتوا العلم هم المؤمنون. وقد جمع لهم الوصفان كما في قوله تعالى: {أية : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} تفسير : في سورة [الروم: 56]. وكما في سورة [سبأ: 6] {أية : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق}. تفسير : فإظهار لفظ {الذين آمنوا} في مقام ضمير {الذين أوتوا العلم} لقصد مدحهم بوصف الإيمان، والإيماء إلى أن إيمانهم هو سبب هديهم. وعكسه قوله تعالى: {أية : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار}تفسير : [الزمر: 3]. فالمراد بالهُدى في كلتا الآيتين عناية الله بتيسيره وإلا فإن الله هدى الفريقين بالدعوة والإرشاد فمنهم من اهتدى ومنهم من كفر. وكتب في المصحف {لهاد} بدون ياء بعد الدال واعتباراً بحالة الوصل على خلاف الغالب. وفي الوقف يثبت يعقوب الياء بخلاف البقية.
الشنقيطي
تفسير : معنى قوله تمنى في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان: الأول: أن تمنى بمعنى: قرأ وتلا ومنه قول حسان في عثمان بن عفان رضي الله عنه: شعر : تمنى كتاب الله أول ليله وآخرها لاقى حمام المقادر تفسير : وقول الآخر: شعر : تمنى كتاب الله آخر ليلة تمنى داود الزبور على رسل تفسير : فمعنى تمنى في البيتين قرأ وتلا. وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا. هو قول أكثر المفسرين. القول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف، وهو تمنية إسلام أمته وطاعتهم لله ولرسله، ومفعول ألقى محذوف فعلى أن تمنى بمعنى: أحب إيمان أمته، وعلق أمله بذلك، فمفعول ألقى يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد عن دين الله حتى لا يتم للنبي صلى الله عليه وسلم أو الرسول ما تمنى.. ومعنى كون الإلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن الشيطان يلقي وساوسه وشبه ليصدّ بها عما تمناه الرسول أو النَّبي، فصار الإلقاء كأنه واقع فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك. وعلى أن تمنى بمعنى: قرأ. ففي مفعول ألقى تقديران: أحدهما: من جنس الأول: أي ألقى الشيطان في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو النَّبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النَّبي، وعلى هذا التقدير فلا إشكال. وأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته أي قراءته ما ليس منها ليظن الكفار أنه منها. وقوله {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} يستأنس به لهذا التقدير. وقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق قالوا: سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون. وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظناً منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثلنا لذلك: بأمثلة متعددة، وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النَّبي صلى الله عليه وسلم، هذا الشرك الأكبر والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، يعنون: اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى، في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ}تفسير : [النجم: 23] وليس من المعقول أن النَّبي صلى الله عليه وسلم يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخراً عن ذكره لها بخير المزعوم، إلا وغضبوا، ولم يسجدوا لأن العبرة بالكلام الأخير، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطاناً على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإخوانه من الرسل، وأتباعهم المخلصين كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل: 99-100] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}تفسير : [الحجر: 42] وقوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ}تفسير : [سبأ: 21] الآية وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [إبراهيم: 22] الآية. وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك. ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النَّبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 3-4] وقوله {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 221-222] وقوله في القرآن العظيم: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}تفسير : [فصلت: 41-42] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم. مسألة اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار رحمه الله: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سيعد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره، لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير. وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها. فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال البزار: لا يرى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك. فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ}تفسير : [الحاقة: 44] الآية وقوله {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النجم: 3] الآية. وقوله {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74] فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي وجماعات كثيرة، وقراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال. وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلاً. فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل السورة ترتيلاً تتخلله سكتات، فلما قرأ {وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} قال الشيطان لعنه الله محاكياً لصوته: تلك الغرانيق العلى الخ فظن المشركون أن الصوت صوته صلى الله عليه وسلم، وهو برئ ومن ذلك براءة الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحاً وافياً، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه صلى الله عليه وسلم لما ذكر شرعاً، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان. فتبين أن نطق النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك الكفر، ولو سهواً مستحيل شرعاً، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعاً على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها: غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها قبحهم الله ما أكفرهم، ونحن وإن ذكرنا أن قوله {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} يستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الإبطال والإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئاً ألقاه الشيطان، ليس ما يقرؤه الرسول أو النَّبي، فالذي يظهر لنا أنه الصواب. وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينته له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النَّبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده. والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: {أية : لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [الحج: 53] ثم قال {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الحج: 54] فقوله {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} الآية. يدل على أنّ الشيطان يلقي عليهم، أن الذي يقرأه النَّبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه: فهذا الامتحان لا يناسب شيئاً زاده الشيطان من نفسه في القراءة، والعلم عند الله تعالى. وعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقى الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم. ومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقى في قراءة الرسول والنَّبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم. بذلك الامتحان، جاء موضحاً في آيات كثيرة قدمناها مراراً كقوله {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [المدثر: 31] الآية وقوله تعالى {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}تفسير : [البقرة: 143] الآية وقوله {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} تفسير : [الإسراء: 60] أي لأنها فتنة، كما قال {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 62-64] الآية. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد صلى الله عليه وسلم لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مراراً، والعلم عند الله تعالى واللام في قوله {أية : لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الحج: 53] الآية الأظهر أنها متعلقة، بألقى أي ألقى الشيطان في أمنية الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافاً للحوفي القائل: إنها متعلقة بيحكم، وابن عطية القائل: إنها متعلقة بينسخ. ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر، وقد أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقاً، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة منها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13] أي يحرقون بها. وقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [البروج: 10] الآية أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين، ومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [التغابن: 15] وقوله تعالى {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء: 35] وقوله تعالى {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}تفسير : [الجن: 16-17] ومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}تفسير : [البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله {أية : ٱلدِّينُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله {أية : وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 193] وقوله في الأنفال {أية : وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ للهِ}تفسير : [الأنفال: 39] ومما يوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله" تفسير : الحديث. فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية، لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] أي حجتهم كما هو الظاهر. واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين: أحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] الآية وقوله هنا {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي كفر وشك. والثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى {أية : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}تفسير : [الأحزاب: 32] أي ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضاً وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى: شعر : حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض تفسير : وقوله هنا {أية : وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الحج: 53] قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}تفسير : [البقرة: 74] وآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم، من أن النَّبي هو من أوحى إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النَّبي الذي أوحى إليه، وأمر بتبليغ ما أوحى إليه غير صحيح، لأن قوله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} الآية. يدل على أن كلاً منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النَّبي المرسل الذي هو غير الرسول، هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله {أية : يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}تفسير : [المائدة: 44] الآية وقوله في هذه الآية {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي تخشع وتخضع وتطمئن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من رسول ولا نبي: الرسول ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بابلاغه والنبي مقرر لشرع من قبله. تمنى في أمنيته: أي قرأ في أمنيته، أي في قراءته. ثم يُحكم الله آياته: أي بعد إزالة ما ألقاه الشيطان في القراءة بحُكم الله آياته أي يثبتها. فتنة للذين في قلوبهم مرض: أي اختباراً للذين في قلوبهم مرض الشرك والشك. والقاسية قلوبهم: هم المشركون. فتخبت له قلوبهم: أي تتطامن وتخشع له قلوبهم. في مرية منه: أي في شك منه وريب من القرآن. عذاب يوم عقيم: هو عذاب يوم بدر إذ كان يوماً عقيماً لا خير فيه. في جنات النعيم: أي جنات ذات نعيم لا يبلغ الوصف مداه. فلهم عذاب مهين: أي يهان فيه صاحبه فهو عذاب جثماني نفساني. معنى الآيات: بعد التسلية الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنها قوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ..}تفسير : [الحج: 42] الخ ذكر تعالى تسلية ثانية وهي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة في صلاته سورة النجم والمشركون حول الكعبة يسمعون فلما بلغ قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ ، وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان في مسامع المشركين الكلمات التالية: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى " ففرح المشركون بما سمعوا ظناً منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها وأن الله أنزلها فلما سجد في آخر السورة سجدوا معه إلا رجلاً كبيراً لم يقدر على السجود فأخذ حثية من تراب وسجد عليها وشاع أن محمداً قد اصطلح مع قومه حتى رجع المهاجرون من الحبشة فكرب لذلك رسول الله وحزن فأنزل الله تعالى هذه الآية تسلية له فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} ذي رسالة يبلغها ولا نبيّ مقرر لرسالة نبي قلبه {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} أي قرأ {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} أي في قراءته {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ} أي يزيل ويبطل {مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} من كلمات في قلوب الكافرين أوليائه {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} بعد إزالة ما قاله الشيطان فيثبتها فلا تقبل زيادة ولا نقصانا، والله عليم بخلقه وأحوالهم وأعمالهم لا يخفى عليه شيء من ذلك حكيم في تدبيره وشرعه هذه سنته تعالى في رسله وأنبيائه، فلا تأس يا رسول الله ولا تحزن ثم بين تعالى الحكمة في هذه السنة فقال: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} أي من كلمات في قراءة النبي أو الرسول {فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الشك والنفاق {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم المشركون ومعنى فتنة هنا محنة يزدادون بها ضلالاً على ضلالهم وبُعداً عن الحق فوق بعدهم إذ ما يلقى الشيطان في قلوب أوليائه إلا للفتنة أي زيادة في الكفر والضلال. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} هو إخبار منه تعالى عن حال المشركين بأنهم في خلاف لله ورسوله، بعيدون فيما يعتقدونه وما يعملونه وما يقولونه، وما يتصورونه مخالف تمام المخالفة لما يأمر تعالى به ويدعوهم إليه من الاعتقاد والقول والعمل والتصور والإِدراك. وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} هذا جزء العلة التي تضمنتها سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول أو النبي فالجزء الأول تضمنه قوله تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} وهذا هو الجزء الثاني أي {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} بالله وآياته وتدبيره {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي ذلك الإِلقاء والنسخ وإحكام الآيات بعده {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي تطمئن وتسكن عنده وتخشع فيزدادون هدى. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هذا إخبار منه تعالى عن فعله مع أوليائه المؤمنين به المتقين له وأنه هاديهم في حياتهم وفي كل أحوالهم إلى صراط مستقيم يفضي بهم إلى رضاه وجنته، وذلك بحمايتهم من الشيطان وتوفيقهم وإعانتهم على طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. وقوله تعالى:{وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي من القرآن هل هو كلام الله هل هو حق هل اتباعه نافع وتستمر هذه المرية والشك بأولئك القساة القلوب أصحاب الشقاق البعيد {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} أي فجأة وهي القيامة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي لا خير فيه لهم وهو يوم بدر وقد تم لهم ذلك وعندها زالت ريبتهم وعلموا أنه الحق حيث لا ينفع العلم. وقوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ} أي يوم تأتي الساعة يتمحض الملك لله وحده فلا يملك معه أحد فهو الحاكم العدل الحق يحكم بين عباده بما ذكر في الآية وهو أن الذين آمنوا به وبرسوله وبما جاء به وعملوا الصالحات من فرائض ونوافل بعد تخليهم عن الشرك والمعاصي يدخلهم جنات النعيم، والذين كفروا به وبرسوله وبما جاء به، وكذبوا بآيات الله المتضمنة شرائعه وبيان طاعاته فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات وعملوا العكس وهو السيئات فأولئك البعداء في الحطة والخسة لهم عذاب مهين يكسر أنوفهم ذلة لهم ومهانة لأنفسهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول أو النبي للفتنة. 2- بيان أن الفتنة يهلك فيها مرضى القلوب وقساتها، ويخرج منها المؤمنون أكثر يقيناً وأعظم هدىً. 3- بيان حكم الله تعالى بين عباده يوم القيامة بإكرام أهل الإِيمان والتقوى وإهانة أهل الشرك والمعاصي. 4- ظهور مصداق ما أخبر به تعالى عن مجرمي قريش فقد استمروا على ريبهم حتى هلكوا في بدر.
القطان
تفسير : تمنى: تمنى الشيء أراده: وحدث نفسه بما يكون وما لا يكون. وتمنى: سأل ربه: وفي الحديث: اذا تمنى أحدكم فليستكثر. وتمنى الكتابَ: قرأه. ينسخ: يبطل. يحكِم: يجعلها محكمة مثبتة. في مرية: في شك. يوم عقيم: منفرد لا شبيه له. مهين: مذل. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. إن اغلى أُمنية لأي رسولٍ أو نبيّ هي ان يعرف الناسُ حقيقةَ رسالته ويفهموها ويدركوا أهدافها ليهتدوا بها، فلا تحزنْ أيها الرسول من محاولاتِ هؤلاء الكفارِ أربابِ الأطماع، فقد جرت الحوادثُ من قبلك مع كلِّ رسولٍ ونبيّ من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئاً يدعوهم به الى الحقّ تصدّى له شياطينُ الانس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه. وذلك لكي يَحولوا دون تحقيق أُمنيته في إجابة دعوته، فينسخُ الله ما يدبّرون، ثم يثّبت شريعته وينصر رسله، ويجعل آياتهِ محكَمةً لا تقبل الردّ. انه عليم باحوال الناس ومكايدهم، حكيم في أفعاله يضع كل شيء في موضعه. وجاء في كثير من التفاسير روايةٌ منسوبة الى ابن عباس، ان النبي صلى الله عليه وسلم تلا على قريش سورةَ النجم، ولما بلغ قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} ألقى الشيطانُ في تلاوة الرسول: "تِلك الغرانيقُ العُلى، وإنّ شفاعتَهن لتُرتَجى". فلمّا سمعتْ قريش ذلك فرِحوا به. ولما سجد الرسول سجد المسلمون والمشركون جميعا بسجوده.... فنزلت هذه الآية والآياتُ الثلاث التي بعدها. وهذه الرواية مكذوبة لا اصل لها ولم تردْ في كتاب من الكتب الموثوقة، وليس لها سند صحيح. بل إنها من وضع الكذّابين المشككين في الدين. وقد كذّبها العلماء... قال القاضي عياض في الشفاء: ان هذا لم يُخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقةٌ بسندٍ سليم متصل. وقال أبو بكر البزّار: هذا الحديثُ لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل. وقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الرواية باطلة موضوعة عند اهل التحقيق. وقال الامام ابو بكر البَيْهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وهذه السورة مدنية فكيف نوفق بينها وبين سورة النجم وهي مكية ومن اوائل ما نزل بمكة! ولا أعتقد بصحة ما يقوله بعض المفسرين أن هذه الآيات 52، 53، 54، 55 من سورة الحج مكية، فإنهم قالوا إنها مكية حتى توافقَ هذه الروايةَ الباطلة. {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. إن الشيطان ليجدُ الفرصة مهيّأة أمامه ليلقي الفتنةَ في نفوس أوليائه الذين في قلوبهم مرضٌ من نفاقٍ او انحراف، والقاسية قلوبهم من الكفار المعاندين، فيجدون في مثل هذه الأقوال مادةً للجدَل والشقاق والتمردِ على أحكام الله. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} اما الذين أوتوا العلمَ والمعرفة فتطمئنّ قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل، فيزيدهم إيماناً وعلما بأن ما يقوله الأنبياء والرسل هو الحقّ المنزل من عند الله. ثم بين الله حُسن مآلهم وفوزَهم بالسعادة الأبدية فقال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. ان الله ليهدي الذين آمنوا إلى تأويل ما تشابَهَ من الدّين، وينسَخ ما ألقاه الشياطين من الفتن، فلا تلحقُهم حَيرة، ولا تعتريهم شُبهة، ولا تُزلزِل أقدامهم تُرَّهاتُ المبطِلين. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} ذلك شأنُ الذين كفروا مع القرآن كله، فهم لا يزالون في شكٍّ منه، فلا مطمع في إيمانهم، ولا زوالِ الشك من قلوبهم،.. سوف يستمرون على شكّهم في القرآن حتى يأتيَهم الموتُ فجأةً أو يأتيهم عذاب يوم القيامة، العذابُ العقيم الذي لا شبيه له. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} في ذلك اليوم يكون المُلك لله وحده، فلا مُلك لأحدٍ، والحكم يومئذٍ لله وحده، يحكم بينهم بالحق. والناس في ذلك اليوم فريقان: فريق في الجنة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ يتنعمون في جنات النعيم، وفريق في الجحيم هم الذين كفروا وكذّبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {آيَاتِهِ} (52) - أَوْرَدَتْ بَعْضُ كُتُب التَّفْسِير فِي أَسْبَاب نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةً غَريبَةً تُعْرَفُ بِقِصَّةِ الغَرَانِيق. والغُرْنُوقُ طَائِرٌ أَبْيَضُ.. وَتَقُولُ القِصَّةُ إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ في مَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ في حُضُور جَمْعٍ مِنَ المُسْلِمينَ والمُشْرِكِينَ فَلَمّا بَلَغَ في قِراءَتِهِ {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ (تِلْكَ الغَرَانِيْقُ العُلَى وإنّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى) فَقَالَ المُشْرِكُونَ مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بخَيْر قَبْلَ اليَوْم. فَلَمَّا خَتَمَ السّورَةَ سَجَدَ وَسَجَدُوا. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ الله (صلى الله عليه وسلم) فَنَزَلَ تَسْلِيَةً لَهُ {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ .. الآيَةَ}. وَلَكِنَّ عْلَمَاءَ المُسْلِمِينَ الثِّقاتَ (مِثْلَ القَاضِي عِيَاضٍ والفَخْر الرِّازيَّ والقْسْطَلاَّني وابن إِسْحَاقٍ والامَام محمد عبده.. الخ يَقُولُونَ إِنَّه لاَ يَجُوزُ عَلَى النَّبيِّ تَعْظِيمُ الأوْثَانِ. وَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الأمَانُ عَن شَرْعهِ، وَجَوَّزْنَا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْكَامِ والشَّرَائع أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أي مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ. وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِنْ وَضْع الزَّنَادِقَةِ. وأَفْرَدَ عَالِمُ حَلَب الجَليلُ الشَّيْخُ عَبْدُ الله سِرَاجُ الدِّين فَصْلاً مُطَوَّلاً في كِتَابِه (هَدْي القُرْآن الكريم الى الحجة والبرهان) لِنَفْي هَذِهِ القِصَّةِ، وَتَأْكِيدِ عَدَم جَوَاز وُقُوعِها. وَيَتَلَخَّصُ رَأْيُ القَائِلين بِنَفْي القِصَّةِ في الآتي: 1) - يَمْتَنِعُ في حَقِّ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَنْ يَتَمِنَّى أَنْ يَنْزلَ عَلَيْهِ شَيءٌ مِنَ القُرْآنِ في مَدْح آلِهةٍ غَيْر الله لأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ. كَمَا يَمْتَنعُ في حَقِّهِ أَنْ يتَسَوَّدَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ، وَيُشَبِّهَ عَلَيْهِ القُرْآنَ حَتَّى يَجْعَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيَعْتَقِد النَّبيّ أنّ مِنَ القُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ حَتَّى يُفْهمَهُ جِبْرِيلُ ذَلِكَ. 2) - يَمْتَنِعُ بِحَقِّ النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَنْ يَقُول ذَلِكَ مِنْ قِبَل نَفْسِهِ عَمْداً أَو سَهْواً، فَالنَّبيِّ مَعْصُوُمٌ مِنْ جَرَيَانِ الكُفْر عَلَى لِسَانِهِ أوْ قَلْبهِ عَمْداً أََو سَهْواً، أوْ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ مَا يُلْقِيهِ عَلَيْهِ المَلَكُ وَمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ للشَّيْطَانِ عَلَيْه سَبيلٌ. 3) - وَيَقُولُ العَالِمُ الهنْدِيّ مُحَمَّد عَلي إن قِراءةَ الآيَاتِ مُتَسَلْسِلَةً تُظْهِرَ أنْ لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ تُحْشَرَ بَيْنَها آيَاتٌ مُناقِضَةٌ لَهَا في أَصْلِ العَقِيدَةِ الاسْلاَميَّةِ. وَصُلْب دَعْوَة مُحَمَّد، دَعْوَة التَّوْحِيدِ. 4) - وَيَرى الامَامُ الشَّيْخُ مُحَمَّد عَبْدُه أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِمَا يَلي: لَمْ يُرْسِل الله رَسُولاً نَبيّاً إلى قَوْمٍ إلاَّ وتَمنَّى أَنْ يَتَّبعهُ قَوْمُهُ وأنْ يَسْتَجيبُوا لِمَا يَدْعُوهُم إلَيْهِ. وَلَكِنَّ مَا تَمَنَّى نَبَيّ وَلاَ رَسُولٌ هَذِهِ الأمْنِيَة السَّامِيَة إلاّ ألْقَى الشَّيْطَانُ في سَبيلِهِ العَوَائِق وأَثار الشّكُوك وَوَسْوسَ في صُدُور النَّاس، ليَسْلِبَهُمْ القُدْرَةَ عَلَى الانْتِفَاع بما وُهِبُوهُ مِنْ قُوَّةِ العَقْل، وسَلاَمَةِ الفِكْر، فَثَاروا في وَجْهِ النَّبيِّ وصَدّوهُ عَنْ غَايَتِهِ. فإذَا ظَهَروُا في بادِئ الأمر ظَنّوا أنَّهُمْ عَلَى الحَقْ، وَلَكِنَّ كَلِمَةَ الله سَتَكُون دَائِماً هِيَ العُلْيا، وَكَلِمِةُ الشَيْطَانُ وأعوانِهِ هِيَ السُفْلى دائماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أثارت هذه الآية جدلاً طويلاً بين العلماء، ودخل فيه كثير من الحشْو والإسرائيليات، خاصة حول معنى {تَمَنَّى} [الحج: 52] وهي تَرد في اللغة بمعنيين، وما دام اللفظ يحتمل معنيين فليس أحدهما أَوَْلَى من الآخر إلا بمدى استعماله وشيوعه بين جمهور العربية، ويأتي التمني في اللغة بمعنى القراءة، كما ورد في قول حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان رضي الله عنهما: شعر : تمنَّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلةٍ وآخِرَهَا وَافَاهُ حَتْم المقَادِرِ تفسير : يعني: قُتِل عثمان وهو يقرأ القرآن، وهذا المعنى غريب في حَمْل القرآن عليه لعدم شيوعه. وتأتي تمنى بمعنى: أحب أن يكون الشيء، وهذا هو القول المشهور في لغة العرب. أما بمعنى قرأ فهو غير شائع، ويُردّ هذا القول، وينقضه نَقْضاً أولياً مبدئياً قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ ..} [الحج: 52]. ومعلوم أن الرسول ينزل عليه كتاب يمكن أن يقرأه، أمّا النبي فلا ينزل عليه كتاب، بل يعمل بشرع مَنْ سبقه من الرسل. إذن: فما دام الرسول والنبي مشتركيْن في إلقاء الشيطان، فلا بُدَّ أن تكون الأمنية هنا بمعنى: أحب أن يكون الشيء، لا بمعنى قرأ، فأيُّ شيء سيقرأ النبي وَليس معه كتاب؟ والذين فهموا التمني في قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] أنه بمعنى: قرأ، سواء أكانوا من العلماء المتعمِّقين أو السطحيين، قالوا: المعنى إذا قرأ رسولُ الله القرآنَ تدخّل الشيطان في القراءة، حتى يُدخِل فيها ما ليس منها. وذكروا دليلاً على ذلك في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 19-20] ثم أضافوا: والغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. وكأن الشيطان أدخل في القرآن هذا الكلام، ثم نسخه الله بعد ذلك، وأحكم الله آياته. لكن هذا القول يُشكِّك في قضية القرآن، وكيف نقول به بعد أن قال تعالى في القرآن: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 193-194]. وقال: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-47]. إذن: الحق سبحانه وتعالى حفظ قرآنه وكلامه من أمثال هذا العبث، وكيف نُدخِل في القرآن هذه الكفريات؟ وكيف تستقيم عبارتهم: والغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى مع قول الله تعالى:{أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 19-22] كيف ينسجم هذا وذاك؟ فهذا الفهم في تفسير الآية لا يستقيم، ولا يمكن للشيطان أنْ يُدخِل في القرآن ما ليس منه، لكن يحتمل تدخُّل الشيطان على وجه آخر: فحين يقرأ رسول الله القرآن، وفيه هداية للناس، وفيه مواعظ وأحكام ومعجزات، أتنتظر من عدو الله أنْ يُخلِي الجو للناس حتى يسمعوا هذا الكلام دون أنْ يُشوِّش عليهم، ويُبلبل أفكارهم، ويَحُول بينهم وبين سماعه؟ فإذا تمنّى الرسول يعني: قرأ ألقى الشيطان في أُمنيته، وسلَّط أتباعه من البشر يقولون في القرآن: سِحْر وشِعْر وإفْك وأساطير الأولين: فدَوْر الشيطان - إذن - لا أنْ يُدخِلَ في كلام الله ما ليس منه، فهذا أمر لا يقدر عليه ولا يُمكِّنه الله من كتابه أبداً، إنما يمكن أنْ يُلقِي في طريق القرآن وفَهْمه والتأثر به العقبات والعراقيل التي تصدُّ الناس عن فَهْمه والتأثر به، وتُفسِد القرآن في نظر مَنْ يريد أن يؤمن به. لكن، هل محاولة تشويه القرآن هذه وصَدّ الناس عنه جاءت بنتيجة، وصرفتْ الناس فعلاَ عن كتاب الله؟ لقد خيَّبَ الله سَعيْه، ولم تقف محاولاته عقبة في سبيل الإيمان بالقرآن والتأثر به؛ لأن القرآن وجد قلوباً وآذاناً استمعتْ وتأملتْ فآمنتْ وانهارتْ لجلاله وعظمته وخضعتْ لأسلوبه وبلاغته، فآمنوا به واحداً بعد الآخر. ثم يقول تعالى: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] يعني: ألغى وأبطل ما ألقاه الشيطان من الأباطيل والعقبات التي أراد بها أنْ يصدَّ الناس عن القرآن، وأحكمَ اللهُ آياته، وأوضح أنها منه سبحانه، وأنه كلام الله المعْجز الذي لو اجتمعتْ الإنس والجنُّ على أنْ يأتوا بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. هذا على قول مَنِ اعتبر أن {تَمَنَّى} [الحج: 52] بمعنى: قرأ. أما على معنى أنها الشيء المحبوب الذي نتمناه، فنقول: الرسول الذي أرسله الله تعالى بمنهج الحق إلى الخَلْق، فإنْ كان قادراً على تطبيق المنهج في نفسه فإنَّ أُمنيته أنْ يُصدَّق وأنْ يُطاع فيما جاء به، أمنيته أنْ يسود َمنهجه ويُسيطر ويسُوس به حركة الحياة في الناس. والنبي أو الرسول هو أَوْلى الناس بقومه، وهو أحرصهم على نَفْعهم وهدايتهم، والقرآن خير يحب للناس أن يأخذوا به عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : لكن، هل يترك الشيطان لرسول الله أنْ تتحقق أُمنيته في قومه أَمْ يضع في طريقه العقبات، ويُحرِّك ضده النفوس، فيتمرّد عليه قومه حيث يُذكِّرهم الشيطان بما كان لهم من سيادة ومكانة سيفقدونها بالإسلام؟ وهكذا يُلْقِي الشيطان في أُمنيّة الرسول {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] وما كان الشيطان ليدع القرآن ينفذ إلى قلوب الناس أو حتى آذانهم، أليس هو صاحب فكرة: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..} تفسير : [فصلت: 26]. إن الشيطان لو لم يُلْق العراقيل في سبيل سماع القرآن ويُشكّك فيه لآمن به كل مَنْ سمعه؛ لأن للقرآن حلاوةً لا تُقَاوم، وأثراً ينفذ إلى القلوب مباشرة. ومع ذلك لم يَفُتّ ما ألقى الشيطان في عَضُد القرآن، ولا في عَضُد الدعوة، فأخذت تزداد يوماً بعد يوم، ويزداد عدد المؤمنين بالقرآن المصدِّقين به، المهم أن نتنبه: كيف نستقبل القرآن، وكيف نتلقاه، لا بد أن نستقبله استقبالَ الخالي من هوى، فالذي يفسد الأحكام أنْ تُستقبل وتدخل على هوى سابق. وسبق أن قلنا: إن الحيز الواحد لا يسع شيئين في وقت واحد، لا بُدَّ أنْ تُخرِج أحدهما لتُدخِل الآخر، فعليك - إذن - أنْ تُخلِي عقلك وفكرك تماماً، ثم تستقبل كلام الله، وابحث فيه كما شئت، فسوف تنتهي إلى الإيمان به شريطة أنْ تُصفِّي له قلبك، فلا تُبق في ذِهْنِك ما يُعكِّر صَفْو الفطرة التي خلقها الله فيك، عندها سيأخذ القرآن طريقه إلى قلبك، فإذا أُشْرِب قلبُك حُبَّ القرآن، فلا يزحزحه بعد ذلك شيء. ولنا في إسلام سيدنا عمر مثالٌ وعِظَة، فلما سمع القرآن من أخته لأول مرة، وقد أغلق قلبه على كفره لم يتأثر به، وضربها حتى أَدْمى وجهها، وعندها رَقَّ قلبه، وتحركت عاطفته نحو أخته، وكأن عاطفة الحب زحزحتْ عاطفة العداوة، وكشفت عن صفاء طَبْعه، فلما سمع القرآن بعدها آمن به على الفور. كذلك، إنْ أردت أنْ تناقشَ قضية الإيمان أو الكفر، وأنْ تختار بينهما؛ لأنهما يجتمعان أبداً، ولا بُدَّ أنْ تختار، فحين تناقش هذه القضية وأنت مُصِرٌّ على الكفر فلن تصل إلى الإيمان؛ لأن الله يطبع على القلب المُصِرَّ فلا يخرج منه الكفر، ولا يدخله الإيمان، إنما أخرِجْ الكفر أولاً وتحرّر من أَسْره، ثم ناقش المسائل كما تحب. كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..}تفسير : [سبأ: 46]. أما أنْ تناقش قضية، وفي ذهْنك فكرة مُسبقة، فأنت كهؤلاء الذين قال الله فيهم: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16] يعني: ما الجديد الذي جاء به، وما المعجزة في هذا الكلام؟ فيأتي الرد: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ * وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 16-17]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه عن القرآن: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن المستقبل مختلف، وقد ذكرنا أنك حين تريد أن تبرد كوب الشاي الساخن فإنك تنفخ فيه، وكذلك إنْ أردتَ أنْ تُدفِئ يديك في برد الشتاء فإنك أيضاً تنفخ فيها، كيف - إذن - والفاعل واحد؟ نعم، الفاعل واحد، لكن المستقبل للفعل مختلف. وقوله تعالى: {مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} [الحج: 52]. (من) هنا للدلالة على العموم وشمول كل الأنبياء والرسل السابقين، فكل نبي أو رسول يتمنى يعني: يودّ ويحب ويرغب أن ينتشر دينه ويُطبِّق منهجه، ويؤمن به جميع قومه، لكن هيهات أنْ يتركه الشيطان وما أحبَّ، بل لا بُدَّ أنْ يقف له بطريق دعوته ليصدَّ الناس عنه ويصرفهم عن دعوته ومنهجه، لكن في النهاية ينصر الله رسُله وأنبياءه، وينسخ عقبات الشيطان التي ألقاها في طريق الدعوة، ثم يُحكِم الله آياته، ويؤكدها ويظهرها، فتصير مُحْكَمة لا ينكرها أحد. وساعةَ تسمع كلمة {أَلْقَى} [الحج: 52] فاعلم أن بعدها عقبات وشروراً، كما يقول تعالى: {أية : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [المائدة: 64]. ومما قاله أصحاب الرأي الأول في تفسير {تَمَنَّى} [الحج: 52] وأنها بمعنى قرأ: يقولون: إن الله تعالى يُنزِل على رسوله صلى الله عليه وسلم أشياء تُثبت بشريته، ثم يمحو الله آثار هذه البشرية ليبين أن الله صنعه على عينه، حتى إنْ همَّتْ بشريته بشيء يعصمه الله منها. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَرِدُ عليَّ فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخذ مِنِّي فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". تفسير : إذن: فالرسول بشر إلا أنه يوحى إليه ما يعصمه من زلاَّت البشر. ومن بشريته صلى الله عليه وسلم أنه تعرّض للسحر، وهذه واقعة لا تُنكر، وقد ورد فيها أحاديث صحيحة، وقد كاد الكفار لرسول الله بكل أنواع الكيد: استهزاءً، وسباباً، واضطهاداً، وإهانة، ثم تآمروا عليه بليل ليقتلوه، وبيَّتوا له، فلم يفلحوا قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. وكاد الله لرسوله وأخرجه من بينهم سالماً، وهكذا فضح الله تبييتهم وخيّب سَعْيهم، وفشلَتْ محاولاتهم الجهرية والسرية فلجئوا إلى السحرة ليفعلوا برسول الله ما عجزوا هم عنه، وعملوا لرسول الله سحراً في مُشْطٍ ومُشَاطة من شعره صلى الله عليه وسلم وطلع نخلة ذكر ففضحهم الله، وأخبر رسوله بذلك فأرسل الإمام علياً فأتى به من بئر ذروان. وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا بشرية الرسول، وأنه يجري عليه ما يجري على البشر، لكن ربه لا يترك بشريته وحدها، وإنما يعصمه بقيوميته. وهذا المعنى هو ما قصده أصحاب الرأي الأول: أن الرسول يطرأ عليه ما يطرأ على البشر العادي، لكن تتدخّل السماء لتعصمه ونحن نختار الرأي الآخر الذي يقول أن تمنى بمعنى ودَّ وأحب. ثم تختتم الآية بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] عليم بكيد الشيطان، وتدبيره، حكيم في علاج هذا الكيد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا تَمَنَّىٰ} معنا إِذَا قَرَأَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] يشير إلى أن الرسل والأنبياء تربيتهم وترقيتهم في الابتلاء والامتحان، وذلك لأنه إذا بقي في أحدهم أدنى ملاحظة يحرص بها على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه الله تعالى ببلاء مجال الشيطان في الإلقاء في أمنيته بقول أو عمل شيطاني؛ ليحترق بنار إلقاء الشيطان بقية من الملاحظة بالحرص الإنساني، فلا يؤثر تأييد سلطنة الشيطان في أحوالهم، فعلى هذا قال الله تعالى تنبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم عن حال حرصه تربيته له وتأديباً: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103]، ولهذا السر لمَّا كان مأموراً بقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود: 112]. {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} [الحج: 52] يبطل تصرفاته بحيث لا يضره شيء، بل يكون سبباً لتنقية النفس وتزكيتها من بقاء صفاتها {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52] المقيدة في السير إلى الله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [الحج: 52] بمصالح عباده المخلصين {حَكِيمٌ} [الحج: 52] فيما يجري عليم بالأعمال والأحوال، ومن حكمته فيما يلقي الشيطان {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الحج: 53] من الشك والإنكار؛ ليصدهم عن سبيل الله ويقطع الطريق. {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 53] فإن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً مده بنور التحقيق، وأيده بحسن العصمة من تصرفات الشيطان، وإذا أراد بعبد شرًّا وكله إلى نفسه بالخذلان حتى يرى الباطل حقا، فيُظلم على نفسه بإثبات الباطل ونفي الحق، فأبعد بهذا الامتحان عن حضرته هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج: 53] وإن الله ليبتلي المؤمن المخلص بفتنة وبلاء حسن، ويرزقه حسن بصيرة يميز بها بين الحق والباطل، فلا يظلمه غمام الذنب، ويتجلى عنه غطاء الغفلة، فلا يؤثر فيه دخان الفتنة والبلاء، كما لا تأخير لضباب الغداة في شعاع الشمس عند منزع النهار. وهذا معنى قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 54] فيه إشارة إلى أن الهداية للإيمان إلى صراط مستقيم من الله تعالى ومن تأييده، لا من الإنسان وطبعه، وإن من وكل فيه لنفسه، وخذله بطبعه لا يزول عنه الشك والكفر والضلالة إلى الأبد، وهذا معنى قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] واليوم العقيم: هو الأبد، فإنه لا دليل له المعنى، أو يأتيهم عذاب قطيعة لا وصلة بعده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بحكمته البالغة، واختياره لعباده، وأن الله ما أرسل قبل محمد { مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى } أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: { فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و { يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله: { لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً } لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، وهم الذين { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم. { وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها ، وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } لأن الله منحهم من العلم، ما به يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، فيميزون بين الأمرين، الحق المستقر، الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه الله، بما على كل منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم، يقيض بعض أنواع الابتلاء، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة، { فَيُؤْمِنُوا بِهِ } بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه. { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا } بسبب إيمانهم { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده. وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول صلى الله عليه وسلم أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته صلى الله عليه وسلم: { والنجم } فلما بلغ {أية : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى } تفسير : ألقى الشيطان في قراءته: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات. { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } . يخبر تعالى عن حالة الكفار، وأنهم لا يزالون في شك مما جئتهم به يا محمد، لعنادهم، وإعراضهم، وأنهم لا يبرحون مستمرين على هذه الحال { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } أي: مفاجأة { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة، فإذا جاءتهم الساعة، أو أتاهم ذلك اليوم، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وأبلسوا وأيسوا من كل خير، وودوا لو آمنوا بالرسول واتخذوا معه سبيلا ففي هذا تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم. { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة { لِلَّهِ } تعالى، لا لغيره، { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بحكمه العدل، وقضائه الفصل، { فَالَّذِينَ آمَنُوا } بالله ورسله، وما جاءوا به { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ليصدقوا بذلك إيمانهم { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } نعيم القلب والروح والبدن، مما لا يصفه الواصفون، ولا تدركه العقول. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } بالله ورسله وكذبوا بآياته الهادية للحق والصواب فأعرضوا عنها، أو عاندوها، { فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } لهم، من شدته، وألمه، وبلوغه للأفئدة كما استهانوا برسله وآياته، أهانهم الله بالعذاب.
همام الصنعاني
تفسير : 1945- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ}: [الآية: 52]، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن يَعيب الله آلهة المشرِكينَ، فألْقَى الشيطان في أمنيته فقال: إن الآلهة التي يدعى أن شفاعتها لترتجى. وإنها لبالغرانيق الْعُلا. فنسخَ الله ذلك، وأحكم آياتِهِ، فاقل: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ}تفسير : حتى بلغ {أية : مِن سُلْطَانٍ}تفسير : : [النجم: 19 -23].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):