٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً} أي ضلالة. {لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شرك ونفاق. {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} فلا تلين لأمر الله تعالى. قال الثعلبيّ: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط بوسواس الشيطان أو عند شَغْل القلب حتى يغلَط، ثم يُنَبَّه ويرجع إلى الصحيح؛ وهو معنى قوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ}. ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلَط أحدنا، فأما ما يضاف إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذِب على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن ثم ينشد شعراً ويقول: غلِطت وظننته قرآنا. {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي الكافرين لفي خلاف وعصيان ومشاقّة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم في «البقرة» والحمد لله وحده.
البيضاوي
تفسير : {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ} علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحق والمبطل. {فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق. {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } المشركين. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني الفريقين فوضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم. {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} عن الحق أو عن الرسول والمؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ فِتْنَةً } محنة {لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شقاق ونفاق {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } أي المشركين عن قبول الحق {وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } خلاف طويل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم ثم أبطل ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِتْنَةً} محنة، أو اختباراً {مَّرَضٌ} نفاق، أو شك {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوُبُهُمْ} المشركون {شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ضلال طويل، أو فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة.
النسفي
تفسير : {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً } محنة وابتلاء {لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك ونفاق {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } هم المشركون المكذبون فيزدادوا به شكاً وظلمة {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي المنافقين والمشركين وأصله و«إنهم» فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم {لَفِي شِقَاقٍ } خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } بالله وبدينه وبالآيات {أَنَّهُ } أي القرآن {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } بالقرآن {فَتُخْبِتَ } فتطمئن {لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فيتأولون ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ } شك {مِنْهُ } من القرآن أو من الصراط المستقيم {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } فجأة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } يعني يوم بدر فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرج أو راحة كالريح العقيم لا تأتي بخير. أو شديد لا رحمة فيه أو لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. وعن الضحاك أنه يوم القيامة وأن المراد بالساعة مقدماته. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } أي يوم القيامة والتنوين عوض عن الجملة أي يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم {لِلَّهِ } فلا منازع له فيه {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي يقضي. ثم بين حكمه فيهم بقوله {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايـٰتِنَا فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ثم خص قوماً من الفريق الأول بفضيلة فقال:
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً} الفتنة: الامتحانُ والاختبار، والذين في قلوبهم مرض: عامَّةُ الكُفَّارِ، {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} خواصُّ منهم عتاة: كأبي جهل وغيره، والشقاق: ٱلبعْدُ عن الخير والكونُ في شقٍّ غيرِ شقِّ الصلاح، و {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}: هم أصحاب نَبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في {أَنَّهُ}: عائد على القرآن، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}: معناه: تتطامن وتَخْضَعُ، وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض كما تقدم. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي: من القرآن، والمريةُ: الشَّكُّ، {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} يعني يوم القيامة، {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قيل: يوم بدر، وقيل: الساعةُ سَاعَةُ موتهم، واليوم العقيم يومُ القيامة.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء، ذكر العلة في ذلك فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان} أي في المتلو أو المحدث به من تلك الشبه في قلوب أوليائه {فتنة} أي اختباراً وامتحاناً {للذين في قلوبهم مرض} لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل صورة ولا يثبت فيها صورة، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها {والقاسية قلوبهم } عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية، وهم المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين، قد انتقشت فيها الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال. ولما كان التقدير: فإنهم حزب الشيطان، وأعداء الرحمن، عطف عليه قوله. وإنهم هكذا الأصل، ولكنه أظهر تنبيهاً على وصفهم فقال: {وإن الظالمين} أي الواضعين لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام {لفي شقاق} أي خلاف بكونهم في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبه التي تلقوها من الشيطان، وجادلوا بها أولياء الرحمن {بعيد*} عن الصواب {أية : ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} تفسير : [الأنعام: 113] {وليعلم الذين أوتوا العلم} بإتقان حججه، وإحكام براهينه، وضعف شبه المعاجزين، وبني فعله للمجهول تعظيماً لثمرته في حد ذاته لا بالنسبة إلى معط معين {أنه} أي الشيء الذي تلوته أو حدثت به {الحق} أي الثابت الذي لا يمكن زواله {من ربك} أي المحسن إليك بتعليمك إياه، فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت وجوهه، ووضحت براهينه، وغمرت لججه، كما قال تعالى {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} تفسير : [البقرة: 26] {فيؤمنوا به} لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبه {فتخبت} أي تطمئن وتخضع {له قلوبهم} وتسكن به قلوبهم، فإن الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين كما ينفع الخبث بقبول طائفة منه لطائفة من الماء، وإنبات ما يقدره الله من الكلاء وغيره وحفظ طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان {وإن الله} بجلاله وعظمته لهاديهم، ولكنه أظهر تنبيهاً على سبب العلم فقال: {لهاد الذين آمنوا} في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان {إلى صراط مستقيم*} يصلون به إلى معرفة بطلانه، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين {ولا يزال الذين كفروا} أي وجد منهم الكفر وطبعوا عليه {في مرية} أي شك يطلبون السكون إليه {منه} أي من أجل إلقاء الشيطان وما ألقاه، أو مبتدىء منه {حتى تأتيهم الساعة} أي الموت أو القيامة {بغتة} أي فجأة بموتهم حتف الأنف {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم*} يقتل فيه جميع أبنائهم منهم ولا يكون لهم فيه شيء مما يترجونه من نصر أو غيره كما سعوا بجدلهم وإلقاء الضلالات في إعقام الآيات، فإذا انكشف لهم الغطاء بالساعة أو العذاب الموصل إلى حد الغرغرة آمنوا دأب البهائم التي لا ترى إلا الجزئيات، فلم ينفعهم ذلك لفوات شرطه، وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته الشكوك، وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة الغرانيق وما شاكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم المنيع، ولم يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره كيف وقد منع الشيطان من مثاله صلى الله عليه وسلم في المنام، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي"تفسير : وقد تولى الله سبحانه حفظ الذكر الحكيم بحراسة السماوات وغيرها {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} {أية : إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} تفسير : [الجن: 27]. ولما كانوا من الكثرة والقوة بمكان كان كأنه قيل: كيف يغلبون؟ فقال جواباً عن ذلك: {الملك يومئذ} أي يوم إذ يأتيهم ذلك إما في القيامة أو في الدنيا {لله} أي المحيط بجميع صفات الكمال وحد بتغليب اسمه الظاهر، بأن يجري أمره فيه على غير الأسباب التي تعرفونها. ولما كان كأنه قيل: ما معنى اختصاصه به وكل الأيام له؟ قيل: {يحكم بينهم} أي بين المؤمنين والكافرين بالأمر الفيصل، لا حكم فيه ظاهراً ولا باطناً لغيره، كما ترونه الآن، بل يمشي فيه الأمر على أتم قوانين العدل، ولذلك سبب ظهور العدل عنه قوله مفصلاً بادئاً. إظهاراً لتفرده بالحكم بإكرام من كانوا قاطعين بهوانهم في الدارين مع أن تقديمهم أوفق لمقصود السورة: {فالذين آمنوا وعملوا} أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} وهي ما أمرهم الله به. ولما كانت إثابته تعالى لأهل طاعته تفضلاً منه، نبه على ذلك بإعراء الخبر عن الفاء السببية بخلاف ما يأتي في حق الكفار فقال: {في جنات النعيم*} في الدنيا مجازاً، لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة المناجاة واستشعار القرب وفي الآخرة حقيقة بما رحمهم الله به من توفيقهم للأعمال الصالحة {والذين كفروا} أي غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا {وكذبوا بآياتنا} ساعين - بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه، وقرن الخبر بالفاء إيذاناً بأنه مسبب عن كفرهم فقال: {فأولئك} أي البعداء عن أسباب الكرم {لهم عذاب مهين*} بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن اتباعها. ولما كان المشركون يمنعون بهذ الشبه وغيرها كثيراً من الناس الإيمان، وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم، رغب سبحانه في ا لهجرة فقال: {والذين هاجروا} أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم {في سبيل الله} أي طريق ذي الجلال والإكرام التي شرعها، فكانت ظرفاً لمهاجرتهم، فلم يكن لهم بها غرض آخر. ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل. لقصد الأعداء للمهاجر بالمصادمة، عند تحقق المصارمة، قال معبراً بأداة التراخي إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة: {ثم قتلوا} أي بعد الهجرة، وألحق به مطلق الموت فضلاً منه فقال: {أو ماتوا} أي من غير قتل {ليرزقنهم الله} أي الملك الأعلى {رزقاً حسناً} من حين تفارق أرواحهم أشباحهم لأنهم أحياء عند ربهم، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما أثلوه طول أعمارهم. وأثله آباؤهم من قبلهم، وأموالهم وأهليهم وديارهم. ولما كان التقدير: فإن الله فعال ما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره، عطف عليه قوله: {وإن الله} أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على الإحياء كما قدر على الإماتة {لهو خير الرازقين*} يرزق الخلق عامة البر منهم والفاجر، فكيف بمن هاجر إليه! ويعطي عطاء لا يدخله عد، ولا يحويه حد، وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق بالشهيد، دلت السنة أيضاً من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من مات مرابطاً أجري عليه الرزق وأمن الفتانين ".
ابو السعود
تفسير : {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} علَّة لما يُنبىء عنه ما ذُكر من إلقاءِ الشَّيطان من تمكينه تعالى إيَّاهُ من ذلك في حقِّ النبـيِّ عليه السلام خاصَّة كما يعرب عنه سياقُ النَّظمِ الكريم لما أنَّ تمكينَه تعالى إيَّاهُ من الإلقاء في حقِّ سائر الأنبـياء عليهم السَّلامُ لا يمكن تعليلُه بما سيأتي وفيه دلالةٌ على أنَّ ما يُلقيه أمر ظاهرٌ يعرفه المحقُّ والمبطل {فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شكٌّ ونفاق كما في قوله تعالى: {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [البقرة: 10] الآيةَ {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي المشركين {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الفريقينِ المذكورينِ، فوضعُ الظَّاهرِ موضعَ ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظُّلمِ مع ما وُصفوا به من المرض والقساوةِ {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي عداوةٍ شديدةٍ ومخالفةٍ تامَّةٍ، ووصفُ الشِّقاقِ بالبُعد مع أنَّ الموصوفَ به حقيقةٌ هو معروضة للمبالغةِ والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ} أي القرآنَ {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي هو الحقُّ النَّازل من عنده تعالى، وقيل: ليعلمُوا أنَّ تمكينَ الشَّيطانِ من الإلقاءِ هو الحقُّ المتضمنُ للحكمةِ البالغة والغايةِ الجميلةِ لأنَّه ممَّا جرتْ به عادتُه في جنس الإنس من لَدُن آدمَ عليه السلام فحينئذٍ لا حاجة إلى تخصيصِ التَّمكينِ فيما سبق بالإلقاءِ في حقِّه عليه السَّلامُ لكن يأباه قولُه تعالى: {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي بالقرآنِ أي يثبتوا على الإيمانِ به أو يزدادوا إيماناً بردِّ ما يُلقي الشَّيطانُ {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} بالانقياد والخشية والإذعانِ لما فيه من الأوامرِ والنَّواهي، ورجعُ الضَّميرِ لا سيَّما الثَّاني إلى تمكينِ الشَّيطانِ من الإلقاء ممَّا لا وجه له {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي في الأمورِ الدِّينيةِ خُصوصاً في المداحض والمشكلاتِ التي من جُملتها ما ذكر {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو النَّظرُ الصحيحُ الموصل إلى الحقِّ الصَّريحِ والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ} أي في شكَ وجدال {مِنْهُ} أي من القرآن وقيل: من الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم والأَوَّلُ هو الأظهرُ بشهادة ما سبقَ من قوله تعالى: {أية : ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَـٰتِهِ} تفسير : [الحج: 52] وقوله تعالى: {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} [الحج: 54] وما لحقَ من قوله تعالى: { أية : وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} تفسير : [الحج: 57] وأمَّا تجويزُ كون الضَّميرِ لما ألقى الشَّيطانُ في أمنيَّتِه فممَّا لا مساغ له لأنَّ ذلك ليس من هَنَاتِهم التي تستمرُّ إلى الأمدِ المذكورِ بل إنَّما هي مريتُهم في شأن القُرآن ولا يُجدي حملُ مِن على السَّببـيةِ دون الابتدائيَّةِ لما أنَّ مريتهم المستمرَّةَ كما أنَّها ليست مبتدأةً من ذلك ليست ناشئةً منه ضرورةَ أنَّها مستمرَّة منهم من لَدُن نزول القرآن الكريم. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامةُ نفسُها كما يُؤذن قوله تعالى: {بَغْتَةً} أي فجأةً فإنَّها الموصوفةُ بالإتيان كذلك لا أشراطُها وقيل: الموت {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي يومٌ لا يومَ بعده كأنَّ كلَّ يوم يلدُ ما بعده من الأيَّامِ فما لا يومَ بعده يكون عقيماً. والمرادُ به السَّاعةُ أيضاً كأنَّه قيل: أو يأتيَهم عذابُها فوضع ذلك موضعَ ضميرِها لمزيد التَّهويلِ ولا سبـيل إلى حمل السَّاعةِ على أشراطِها لما عرفتَه. وأمَّا ما قيل من أنَّ المراد يومُ حربٍ يُقتلون فيه كيومِ بدرٍ سُمِّي به لأنَّ أولاد النِّساء يُقتلون فيه فيصِرْن كأنهنَّ عُقُمٌ لم يلدن أو لأنَّ المقاتلين أبناءُ الحرب فإذا قُتلوا صارتْ عقيماً أي ثَكْلى فوصف اليَّومُ بوصفها اتِّساعاً أو لأنَّه لا خيرَ لهم فيه ومنه الرِّيحُ العقيمُ لما لم يُنشىء مطراً ولم يلقح شَجراً أو لأنَّه لا مثلَ له لقتال الملائكةِ عليهم السَّلامُ فيه فممَّا لا يساعده سياقُ النَّظمِ الكريمِ أصلاً كيفَ لا وإنَّ تخصيصَ الملك والتَّصرفِ الكُليِّ فيه بالله عزَّ وجلَّ ثم بـيانَ ما يقع فيه من حكمِه تعالى بـين الفريقينِ بالثَّواب والعذابِ الأُخرويـينِ يقضي بأنَّ المرادَ به يومُ القيامةِ قضاءً بـيِّناً لا ريبَ فيه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. إذا أراد اللَّهُ بِعَبْدِه خيراً أمدَّه بنور التحقيق، وأَيَّده بحسن العصمة، فيميِّز بحسن البصيرة بين الحق والباطل؛ فلا يُظلُّه غمامُ الرَّيْبِ، وينجلي عنه غطاءُ الغَفْلَة، فلا تأثير لضبابِ الغداةِ في شُعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}.
اسماعيل حقي
تفسير : قوله {ليجعل} اى مكنه الله من الالقاء فى قراءة النبى عليه السلام خاصة ليجعل ان تمكينه تعالى اياه من الالقاء فى حق سائر الانبياء لا يمكن تعليله بما سيأتى فأول الآية عام وآخرها خاص {ما يقلى الشيطان فتنة} [ازمايشى وابتلايى] {للذين فى قلوبهم مرض} اى شك ونفاق لانه مرض قلبى مؤد الى الهلاك الروحانى كما ان المرض القلبى مؤد الى الهلاك الجسمانى {والقاسية قلوبهم} أى المشركين والقسوة غلظ القلب واصله من حجر قاس والمقاساة معالجة ذلك، قال الكاشفى [مرد آنست كه منافق ومشرك از القاى شيطان درشك وخلاف افتند] {وان الظالمين} اى المنافقين والمشركين وضع الظاهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم {لفى شقاق} خلاف {بعيد} عن الحق اى لفى عداوة شديدة ومخالفة تامة ووصف الشقاق بالبعد مع ان الموصوف به حقيقة هو معروضه للمبالغة.
الجنابذي
تفسير : {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} يعنى ليس ما يلقى الشّيطان خارجاً عن اختيارنا وان كان غير مرضىٍّ لنا وانّما خلّينا بينه وبين ما اراد القاءه لنجعل ما يلقى الشّيطان {فِتْنَةً} الفتنة الاختبار والضّلال والاثم والكفر والفضيحة والعذاب والاضلال واذابة الذّهب والفضّة والمحنة والاختلاف فى الآراء، والكلّ مناسب ههنا فانّ الكلّ يمكن ان يراد {لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} الّذين لم يبق لقلوبهم استعداد الصّحّة {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الجملة حاليّة والمراد بالظّالمين الصّنفان المذكوران، ووضع الظّاهر موضع المضمر اشارة الى وصف ذمٍّ آخر لهم والمعنى ألقى الشّيطان ذلك لنجعل ما يلقيه فتنةً والحال انّهم لا يرجى لهم الخير لكونهم فى معاداةٍ او خلافٍ بعيدٍ.
اطفيش
تفسير : {لِّيَجْعَلَ} متلق بمحذوف اي مكن الله الشيطان من الالقاء ليجعل فاللام للتعليل أو بـ (ألقى) فهو لام الصيرورة * {مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} فيه تلويح إلى ان ما يلقيه امر ظاهر البطلان عند المحق والمبطل ولو كان المبطل يرتاب بادنى طرف شبهة *{فِتْنَةً} ابتلاء وله ابتلاء عباده بما شاء {لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق {وَالقَّاسِيَةِ قُلُوبِهِم} عن قبول الحق وهم المشركون {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} اي الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم والاصل وانهم ولكن يوضع الظاهر موضع الضمير قضاء بالظلم عليهم ظلم انفسهم وظلم غيرهم وليؤذن بالخير قبل مجيئه {لَفِي شِقَاقِ} خلاف * {بَعِيدٍ} طويل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من حيث الايمان وهذه الجملة معترضة أو الشقاق الكون في شق الفساد.
اطفيش
تفسير : {ليجْعَل ما يُلقى الشيطانُ} أى ما يلقيه أو إلقاءه، والإظهار لما مر لا يتعلق بألقى معنى سلط الله الشيطان بالإلقاء، لعطف ليعلم عليه، مع أن لإلقاء لا يصح علة له، بل يتعلق بيحكم أو ينسخ يصح تعلقه بألقى، ويقدر ليعلم متعلق أى وفعل النسخ والأحكام ليعلم الذين الآية {فِتْنةً} ابتلاء بالخذلان {للِّذين فى قلوبهم مرض} المشركين المضمرين الشرك فى قلوبهم، المظهرين التوحيد بألسنتهم، كما قال فى آية أخرى: "أية : فى قلوبهم مرض"تفسير : [البقرة: 10]. {والقاسية قلُوبُهم} المظهرين الشرك كأبى جهل وعتبة، وشهر فى أحاديث كثيرة أنه قرأ صلى الله عليه وسلم: "أية : أفرأيتم اللاتَ والعزى* ومناةَ الثالثةَ الأخرى" تفسير : [النجم: 19 - 20] قرأ الشيطان محاكياً لصوته: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى، ويروى: ان شفاعتهن لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلا، ويروى قرأ ذلك ناعساً وما فى قلبه شىء من ذلك، ورضى عنه المشركون وسجدوا حينئذ إذ سجد، وانتبه لذلك أو نبهه جبريل عليه السلام. فأخبرهم بأنه لم ينطق هو ذلك، أو أم يقصد ذلك، وضعف البيهقى وعياض ذلك الحديث، وذلك إما أن يتكلم به النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله عمداً، وهذا لا يجوز لأنه إشراك، وإنما بعثه الله عز وجل لإبطال الشرك والطعن فى الأصنام لا لمدحها، وأما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم إجباراً بحيث لا يقدر أن يمتنع، وهذا باطل، لأنه لا قدرة للشيطان على ذلك فى حق غيره، وكيف فى حقه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "أية : إنَّ عِبادِى لَيس لَك عليهم سلطان"تفسير : [الحجر: 42، الإسراء: 65] وأما أن يجرى ذلك على لسانه فى غفلة أو نوم، وذلك لا يجوز، لأنه يؤدى الى عدم الأعتماد على ما يقول، وقد قال الله عز وجل: "أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" تفسير : [فصلت: 42] وقال سبحانه وتعالى: "أية : إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافِظُون" تفسير : [الحجر: 9] فلما بطلت هذه الوجوه بقى أن يقال: إنه لما تمت قراءته صلى الله عليه سلم عند قوله: "أية : ومناة الثالثة الأخرى" تفسير : [النجم: 20] قال الشيطان عقبه محاكياً لصوته تلك الغرانيق الخ، سمعوا صوته، وقد سمع الناس فى مواضع كما قال يوم أحد: إن محمداً قد قتل، ويوم بدر لا غالب لكم اليوم الخ وسمعوه. {وإنَّ الظالمين} هم القاسية قلوبهم، والذين فى قلوبهم مرض وأظهر ليصفهم بالظلم {لفى شقاق} خلاف وعناد {بَعيدٍ} شديد.
الالوسي
تفسير : {لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي الذي يلقيه، وقيل: إلقاءه {فِتْنَةً} أي عذاباً. وفي «البحر» ابتلاء واختباراً {لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك ونفاق وهو المناسب لقوله تعالى في المنافقين { أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [البقرة: 10] وتخصيص المرض بالقلب مؤيد له لعدم إظهار كفرهم بخلاف الكافر المجاهر {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي الكفار المجاهرين، وقيل: المراد من الأولين عامة الكفار ومن الأخيرين خواصهم كأبـي جهل والنضر وعتبة، وحَمْل الأولين على الكفار مطلقاً والأخيرين على المنافقين لأنهم أحق بوصف القسوة لعدم انجلاء صدأ قلوبهم بصيقل المخالطة للمؤمنين ليس بشيء. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الفريقين المذكورين فوضع الظاهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم مع ما وصفوا به من المرض والقسوة {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي عداوة شديدة ومخالفة تامة، ووصف الشقاق بالبعد مع أن الموصوف به حقيقة هو معروضه للمبالغة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، ولام {لِيَجْعَلَ} للتعليل وهو عند الحوفي متعلق بـِ { أية : يُحْكِمُ } تفسير : [الحج: 52] وعند ابن عطية بـِ { أية : يَنسَخُ } تفسير : [الحج: 52] وعند غيرهما بـِ { أية : أَلْقَى } تفسير : [الحج: 52] لكن التعليل لما ينبىء عنه إلقاء الشيطان من تمكينه تعالى إياه من ذلك في حق النبـي صلى الله عليه وسلم خاصة لعطف قوله تعالى:
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 53- وإنما مكَّن الله المتمردين على الحق من إلقاء الشُّبه والعراقيل فى سبيل الدعوة ليكون فى ذلك امتحان واختبار للناس، فالكفار الذين تحجرت قلوبهم، والمنافقون ومرضى القلوب يزدادون ضلالا بترويج هذه الشُّبه ومناصرتها، ولا عجب فى أن يقف هؤلاء الظالمون هذا الموقف فإنهم لجُّوا فى الضلال، وأوغلوا فى العناد والشقاق. 54- وليزداد الذين أوتوا علم الشرع والإيمان به إيماناً وعلماً، بأن ما يقوله الرسل والأنبياء إنما هو الحق المنزَّل من عند الله، وإن الله ليتولى المؤمنين دائماً بعنايته فى المشاكل التى تمر بهم، فيهديهم إلى معرفة الطريق المستقيم فيتبعونه. 55- والذين كفروا لا يوفَّقون فيستمرون على شكهم فى القرآن حتى يأتيهم الموت، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير لهم فيه ولا رحمة، وهو يوم القيامة. 56- حيث يكون السلطان القاهر والتصرف المطلق للَّه - وحده - فى هذا اليوم الذى يحكم فيه بين عباده، فالذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة يخلدون فى جنات تتوافر لهم فيها كل صنوف النعيم. 57- والذين كفروا وكذبوا بآيات القرآن التى أنزلناها على محمد، فأولئك لهم عذاب يلقون فيه الذل والهوان. 58- والذين تركوا أوطانهم لإعلاء شأن دينهم يبتغون رضا اللَّه، ثم قُتِلوا فى ميدان الجهاد، أو ماتوا على فراشهم، يجزيهم اللَّه أحسن الجزاء، وإن اللَّه لهو خير من يعطى الثواب الجزيل. 59- ولينزلنهم فى الجنة درجات يرضونها ويسعدون بها، وإن اللَّه لعليم بأحوالهم فيجزيهم الجزاء الحسن، حليم يتجاوز عن هفواتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (53) - فَأَمَّا الذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَشَكٌّ وَنِفَاقٌ، أَوْ انْحِرافٌ (مِنْ المُنَافِقِينَ)، والقاسِيةُ قُلُوبُهُمْ مِنَ اليَهُود والكُفَّارِ والمعانِدِينَ فَيَجِدُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ مَادَّةً للجَدَلِ واللَّجَاجِ والشِّقَاقِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولسائل أن يقول: إذا كان الله تعالى ينسخ ما يُلقي الشيطان، فلماذا كان الإلقاءُ بدايةً؟ جعل الله الإلقاء فتنةً ليختبر الناس، وليُميِّز مَنْ ينهض بأعباء الرسالة، فهي مسئولية لا يقوم بها إلا مَنْ ينفذ من الفتن، وينجو من إغراءات الشيطان، ويتخطَّى عقباته وعراقيله؛ لذلك قال تعالى عنهم: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110]. وما تبوأتُم هذه المنزلة إلا لأنكم أهلٌ لحمْل هذه الأمانة، تمرُّ بكم الفتن فتهزأون بها ولا تزعزعكم؛ لذلك قال تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الحج: 53] أي: نفاق، فإنْ تعرَّض لفتنة انقلب على وجهه. يقول كما يقولون: سحر وكذب وأساطير الأولين. وكذلك فتنة {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 53] وهم الذين فقدوا لين القلب، فلم ينظروا إلى الجميل عليهم في الكون خَلْقاً وإيجاداً وإمداداً، ولم يعترفوا بفضل الله عليهم، ولم يستبشروا به ويأتوا إليه. ونحن نلحظ الولد الصغير يأنس بأمه وأبيه، ويركن إليهما؛ لأنه ذاق حنانهما، وتربَّى في رعايتهما، فإنْ ربَّته مثلاً المربية حتى في وجود أمه فإنه يميل إليها، ويألف حضنها، ولا يلتفت لأمه، لماذا؟ لأنه نظر إلى الجميل، من أين أتاه، ومَنْ صاحب الفضل عليه فرقَّ له قلبه، بصرف النظر مَنْ هو صاحب الجميل. فهؤلاء طرأوا على كَوْن الله، لا حَوْلَ لهم ولا قوة، فاستقبلهم بكل ألوان الخير، ومع ذلك كانت قلوبهم قاسيةً مُتحجِّرة لا تعترف بجميل. ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج: 53] فهم ظالمون أولاً لأنفسهم حين نظروا إلى منفعة عاجلة قليلة، وتركوا منفعة كبيرة دائمة. والشِّقاق: الخلاف، ومنه قولنا: هذا في شِقٍّ، وهذا في شِقٍّ، يعني: غير ملتئمين، وليْته شِقَاق هَيِّن يكون له اجتماع والتئام، ليته كشِقَاق الدنيا بين الناس على عَرَضٍ من أعراض الحياة، إنما هم في شقاق بعيد. يعني: أثره دائم، وأثره فظيع. إذن: العلة الأولى لما يُلقِي الشيطان أن يكون فتنة. أما العلة الثانية ففي قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1946- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أبنأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: [{.....}]، قال: لما ألقى ا لشيطان ما ألقى قال المشركون: قد ذكر الله آلهتكم بخير، ففرحوا بذلِكَ، فذلك قوله: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: [الآية: 53].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):