Verse. 2650 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَلَا يَزَالُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا فِيْ مِرْيَۃٍ مِّنْہُ حَتّٰى تَاْتِيَہُمُ السَّاعَۃُ بَغْتَۃً اَوْ يَاْتِيَہُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيْمٍ۝۵۵
Wala yazalu allatheena kafaroo fee miryatin minhu hatta tatiyahumu alssaAAatu baghtatan aw yatiyahum AAathabu yawmin AAaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا يزال الذين كفروا في مرية» شك «منه» أي القرآن بما ألقاه الشيطان على لسان النبي ثم أبطل «حتى تأتيهم الساعة بغتة» أي ساعة موتهم أو القيامة فجأة «أو يأتيهم عذاب يوم عقيم» هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل بعده.

55

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} يعني في شك من القرآن؛ قاله ابن جُريج. وغيره: من الدِّين؛ وهو الصراط المستقيم. وقيل: مما ألقى الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون: ما باله ذكر الأصنام بخير ثم ارتدّ عنها. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمِيّ «في مُرْيةٍ» بضم الميم. والكسر أعرف؛ ذكره النحاس. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامة. {بَغْتَةً} أي فجأة. {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قال الضحاك: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة. النحاس: سمي يوم القيامة عقيماً لأنه ليس يَعْقُب بعده يوماً مثله؛ وهو معنى قول الضحاك. والعقيم في اللغة عبارة عمن لا يكون له ولد؛ ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت الأيام تتوالى قبلُ وبعدُ، جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد عذاب يوم بدر، ومعنى عقيم لا مثل له في عِظمه؛ لأن الملائكة قاتلت فيه. ابن جُريج: لأنهم لم يُنظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء فصار يوماً لا ليلة له. وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة؛ لأنه لا ليلة له. وقيل: لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وكان عقيماً من كل خير؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ولا رحمة.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ} في شك. {مِنْهُ} من القرآن أو الرسول، أو مما ألقى الشيطان في أمنيته يقولون ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ } القيامة أو أشراطها أو الموت. {بَغْتَةً } فجأة. {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر، سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم، أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا صارت عقيماً، فوصف اليوم بوصفها اتساعاً أو لأنه لا خير لهم فيه، ومنه الريح العقيم لما لم تنشىء مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة فيه، أو يوم القيامة على أن المراد بـ {ٱلسَّاعَةَ } غيره أو على وضعه، موضع ضميرها للتهويل.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار أنهم لا يزالون في مرية، أي: في شك من هذا القرآن، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: منه، أي: مما ألقى الشيطان، {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} قال مجاهد: فجأة، وقال قتادة: {بَغْتَةً} بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لايغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وقوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير. قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة، لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} كقوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4]. وقوله: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً} تفسير : [الفرقان: 26]. {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} أي: لهم النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـآيـٰتِنَا} أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به، وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : [غافر: 60] أي: صاغرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ } شك {مِنْهُ } أي القرآن بما ألقاه الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبطل {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } أي ساعة موتهم أو القيامة فجأة {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل بعده.

الماوردي

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} يعني في شك {مِّنْهُ} من القرآن {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} فيه وجهان: أحدهما: ساعة القيامة على من يقوم عليه من المشركين، قاله الحسن. الثاني: ساعة موتهم. {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} فيه قولان: أحدهما: يوم القيامة، قاله عكرمة، والضحاك. الثاني: يوم بدر، قاله مجاهد، وقتادة. وفي العقيم وجهان: أحدهما: أنه الشديد، قاله الحسن. الثاني: أنه الذي ليس له مثيل ولا عديل، قال يحيى بن سلام: لقتال الملائكة فيه. ويحتمل ثالثاً: أن يكون العقيم هو الذي يجدب الأرض ويقطع النسل.

ابن عطية

تفسير : "المرية" الشك، والضمير في قوله {منه} قالت فرقة هو عائد على القرآن، وقالت فرقة: على محمد عليه السلام، وقالت فرقة: على ما {أية : ألقى الشيطان} تفسير : [الحج: 52]، وقال سعيد بن جبير أيضاً على سجود النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم، و {الساعة}، قالت فرقة: أراد يوم القيامة، "واليوم العقيم"، يوم بدر، وقالت فرقة: {الساعة}، موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر ونحوه، و "اليوم العقيم"، يوم القيامة، ع وهذان القولان جيدان لأنهما أحرزا التقسيم بـ {أو} ومن جعل {الساعة} و"اليوم العقيم"، يوم القيامة، فقد أفسد رتبة {أو}، وسمي يوم القيامة أو يوم الاستئصال عقيماً لأنه لا ليلة بعده ولا يوم، والأيام كأنها نتائج لمجيء واحد إثر واحد، فكأن أخر يوم قد عقم وهذه استعارة، وجملة هذه الآية توعد، وقوله {الملك يومئذ لله}، السابق منه أنه في يوم القيامة من حيث لا ملك فيه لأحد من ملوك الدنيا، ويجوز أن يريد به يوم بدر ونحوه من حيث ينفذ فيه قضاء الله وحده ويبطل ما سواه ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، فأما من تأوله في يوم القيامة فاتسق له قوله {فالذين آمنوا} إلى قوله {مهين}، ومن تأوله في يوم بدر ونحوه جعل قوله {فالذين آمنوا}، ابتداء خبر عن حالهم المتركبة على حالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر. وقوله {والذين هاجروا في سبيل الله} الآية ابتداء معنى آخر وذلك أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت هذه الآية مسوية بينهم في أن الله تعالى يرزق جميعهم {رزقاً حسناً} وليس هذا بقاض بتساويهم في الفضل، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل، وقال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدان، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله، و"الرزق الحسن"، يحتمل أن يريد به رزق الشهداء عند ربهم في البرزخ ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة، وقرأت فرقة، "مُدخلاً"، بضم الميم من أدخل فهو محمول على الفعل المذكور، وقرأت فرقة "مَدخلاً" بفتح الميم من دخل فهو محمول على فعل مقدر تقديره فيدخلون مدخلاً، وأسند الطبري عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس على جنازة القتيل، فقال:أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرؤوا قول الله تعالى {والذين هاجروا في سبيل الله} الآية، إلى قوله {حليم} وقوله تعالى: {ذلك}، إلى قوله {الكبير} المعنى الأمر ذلك، ثم أخبر تعالى عمن عاقب من المؤمنين من ظلمه من الكفرة ووعد المبغي عليه بأنه ينصره وسمى الذنب في هذه الآية باسم العقوبة كما تسمى العقوبة كثيراً باسم الذنب وهذا كله تجوز واتساع، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفار في أشهر الحرم فأبى المؤمنون من قتالهم وأبى المشركون إلا القتال فلما اقتتلوا جد المؤمنون ونصرهم الله، فنزلت هذه الاية فيهم، وقوله {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار}، معناها نصر الله أولياءه ومن بغي عليه بأنه القادر على العظائم الذي لا تضاهى قدرته فأوجزت العبارة بأن أشار بـ {ذلك} إلى النصر وعبر عن القدرة بتفصيلها فذكر منها مثلاً لا يدعى لغير الله تعالى، وجعل تقصير الليل وزيادة النهار وعكسهما إيلاجاً تجوزاً وتشبيهاً، وقوله {ذلك بأن الله هو الحق} معناه نحو ما ذكرناه، وقرأت فرقة "وأن" بفتح الألف، وقرأت فرقة "وإن" بكسر الألف، وقرأت فرقة "تدعون" بالتاء من فوق، وقرأت فرقة "يدعون" والإشارة بما يدعى من دونه، قالت فرقة هي إلى الشيطان، وقالت فرقة هي إلى الأصنام والعموم هنا حسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِرْيَةٍ مِّنْهُ} شك من القرآن {السَّاعَةُ} القيامة على من تقوم عليه من المشركين "ح" أو ساعة موتهم {يَوْمٍ عَقِيمٍ} القيامة، أو يوم بدر والعقيم: الشديد، أو الذي لا مثل له لقتال الملائكة فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه} اى فى شك وجدال من القرآن، قال الراغب المرية التردد فى الامر وهى اخص من الشك {حتى تأتيهم الساعة} القيامة وقد سبق وجه تسميتها بها مرارا {بغتة} فجاءت على غفلة منهم: وبالفارسية [ناكهان] {او يأتيهم عذاب يوم عقيم} اصل العقم اليبس المانع من قبول الاثر والعقيم من النساء التى لا تقبل ماء الفحل ولمعنى عذاب يوم لا يوم بعده كان كل يوم يلد ما بعده من الايام فما لايوم بعده يكون عقيما والمراد به الساعة ايضا بشهادة ما بعد الآية من تخصيص الملك فيه بالله والحكم بين الفريقين كأنه قيل او يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل كذا فى الارشاد، يقول الفقير ان الساعة شفعت فى القرآن بالعذاب الدنيوى فى مواضع كثيرة كما فى قوله تعالى {أية : أفامنوا ان تأتيهم غاشية من عذاب الله او تأتيهم الساعة بغتة}تفسير : وفى قوله تعالى {أية : حتى اذا رأوا ما يوعدون اما العذاب واما الساعة}تفسير : ونحوها فالظاهر ان اليوم العقيم يوم لا يلد خيرا وليس لهم فيه فرج ولا فرح اصلا كيوم بدر ونحوه ولما كان زمان الموت آخر زمان من ازمنة الدينا واول زمان من ازمنة الآخرة اثبت فيه تخصيص التصرف بالله والحكم بين الفريقين فى الآية الآتية من حيث اتصال زمان الموت بزمان القيامة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا يزال الذين كفروا في مريةٍ}: شك {منه}؛ من القرآن، أو الصراط المستقيم، {حتى تأتيهم الساعةُ بغتةً}: فجأة، {أو يأتيهم عذاب يومٍ عقيم}، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد "اليوم العقيم"؛ لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأنَّ كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيمًا. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فَرح أو راحة، كالريح العقيم؛ لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عِظم أمره؛ لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: {المُلكُ يومئذٍ لله} أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازاً، ولا صورة ولا معنىً، كما في الدنيا، فإنَّ للبعض فيه تصرفًا مجازيًا صُوريًا. {يحكم بينهم} أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بيّن حكمه فيهم، فقال: {فالذين آمنوا} بالقرآن الكريم ولم يُماروا فيه، {وعملوا الصالحات} امتثالاً لما أمر به في تضاعيفه {في جنات النعيم}، {والذين كفروا} بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، {وكذبوا بآياتنا} الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، {فأولئك لهم عذابٌ مهين}، يُهينهم ويُخزيهم. ثم خص قومًا من الفريق الأول بفضيلة، فقال: {والذين هاجروا في سبيل الله}: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، {ثم قتلوا} في الجهاد، {أو ماتوا} حتف أنفهم، {لَيَرزقنَّهم الله رزقًا حسنًا}، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. رُوي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نَبِي الله؛ هؤُلاَءِ الذين قُتِلُوا في سَبِيل اللهِ قَدْ عَلِمْنَا مَا أعْطَاهُمُ الله مِن الخَيْرِ، ونَحْنُ نُجَاهِدُ مَعَكَ كَما جَاهَدُوا، فَمَا لَنَا مَعَكَ؟ فنزلت: {والذين هاجروا…} الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: {وإِن الله لهو خير الرازقين}، فإنه يرزق بغير حساب، مع أنَّ ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ}، وهو الجنة؛ لأنَّ فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لَمَّا ذكر الرزق ذكر المسكن، {وإِن الله لعليمٌ حليمٌ}، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدًا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدًا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندًا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيُفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعًا رزقًا حسنًا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، {وإن الله لهو خير الرازقين}. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بك او بكتابك او بما قلت فى خليفتك او بالولاية في مرية {مِّنْهُ} الضّمير راجع الى مرجع ضمير انّه الحقّ من ربّك {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} يعنى ساعة الموت وهى ساعة ظهور القائم (ع) وقيام القيامة الصّغرى {بَغْتَةً} اى فجاءةً {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} قيل المراد يوم بدرٍ لانّه لم يكن فيه خير للكفّار فكان عقيماً من الخير، او لم يكن مثله للكفّار فى الشّدّة وخلاف الحسبان فكان عقيماً من المثل، وقيل: المراد به يوم القيامة وسمّى عقيماً لانّه لا ليل له او لا نظير له، او لانّه لا يلد خيراً للكفّار ولا شرّاً للابرار.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ} شك * {مِّنْهُ} من القرآن أو رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مما ألقى الشيطان يقولون ما له اثبته ثم نفاه * {حَتَّى تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ} ساعة الموت أو القيامة أو اشراطها فمن قامت عليه أو جاءته اشراطها تيقن ومن مات تيقن أو لا يتيقن ولو مات الا تراه لا يهتدي إلى جواب منكر ونكير * {بَغْتَةً} فجأة * {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر وسمي يوم الحرب يوما عقيما لان اولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم كانهن لم يلدن أو لان المقاتلين ابناء الحرب فاذا قتلوا صارت الحرب عقيما فوصف اليوم بوصفها اتساعا أو لانه لا خير لهم فيه. ومنه الريح العقيم إذا لم ينشر مطرا ولم يلقح شجرا أو لانه لا مثل له لقتال الملائكة فيه أو يوم القيامة على ان المراد بالساعة غيره أو المراد بها هو فوضع الظاهر موضع الضمير للتهويل. فصل قيل: الذي حدث به نفسه صلى الله عليه وسلم زوال المسكنة وعليه فنسخ ما يلقيه الشيطان هو ابطال تمنيها من قبله بعد القاء الشيطان اياها وعليه فاحكام الله وآياته مرتب بتراخ هو علو شأن لا تراخي حكم والمراد مطلق احكام الآيات ووجهه ان احكامها اعظم من خصوص الكلام في نسخ تمنى المسكنة. وقيل: تمنى بمعنى (قرأ) وامنيته قراءته كقول حسان في عثمان: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود الزبور على رسل تفسير : ألقى الشيطان في قراءته من أول {النجم} إلى {ومناة الثالثة الأخرى} تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى بان سكت النبي على قوله: {الأخرى} وتكلم الشيطان بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون انه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والاشارة للاصنام واستمرار النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقفه حتى ختم السورة فسجد معه الانس والجن والمؤمنون والمشركون وقيل من كان في المسجد رضي الله المشركون عنه لظنهم ان ذلك الكلام منه ويرد هذا القول بانه يخل بالوثوق بالقرآن ولا يقال قوله: {فينسخ الله} الخ دليل على ان ذلك ليس من النبي لانه ايضا يحتمل ان يكون من ذلك في ستمران يقال كلما نزل نسخ فلعله غلط في التبليغ فيخصص ما لم يوجد من نسخ فليس ثم غلط ومتى وجد غلط فثم نسخ صحيح معقول لا غلط في تبليغه. وذكروا عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرته تمنى لشدة ضجره من اعراضهم وحرصه على اسلامهم ان لا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يستميلهم ويستنزلهم من غيهم فاستمر به تمنيهم حتى كان يوما بالمسجد في نادي قريش فنزلت عليه سورة النجم فاخذ يقرأها حتى بلغ {ومناة الثالثة الأخرى} فوسوس الشيطان فالقى الشيطان ان يقول تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهم لترتجى. وروي الغرانقة فقرأ ذلك على سبيل الوسوسة ولم يفطن له حتى ادركته العصمة فتنبه. وقيل: نبهه جبريل عليه السلام فقرأ السورة حتى تمت وقد رضوا عنه لذكره ذلك فسجد وسجدوا معه والمؤمنون ولم يسجد الوليد بن المغيرة قيل: وابو جنحة سعيد بن العاص كبرا فانهما شيخان أو استكبارا بل اخذا إلى جبهتيهما حفنة حصباء وقالا يكفنا هذا وتفرقت قريش مسرورين لذلك قائلين قد ذكر محمد آلهتنا باحسن الذكر فنحن معه وقد عرفنا ان الله يحيي ويميت ويرزق ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وسلم اتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت وقد تلوت على الناس ما لم آتك به فحزن حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كبيرا فانزل الله الرؤوف الرحيم {أية : وما أَرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إِلا}تفسير : الخ تعزية له وايناسا. ولما سمع المسلمون الذين بارض الحبشة عند النجاشي ان أهل مكة امنوا فرجعوا إلى عشائرهم فقالوا هم احب إلينا ولما دنوا من مكة علموا ان ذلك لم يكن فلم يدخلها الا مستخف وكان ما القاه الشيطان على لسانه قد القاه ايضا على لسان كل مشرك فنطقوا هم والنبي به مرة فازدادوا شرا واشتد الامر على من اسلم وزاد المنافقون شكا وازداد المؤمنون بعد نزول (وما ارسلنا) الخ يقينا ولله ان يمتحن عباده بما شاء ليزيد في ثواب الثابتين وفي عقاب المذبذبين وذلك غير صحيح لضعف رواته وما رواه الا الكلبي عن ابن عباس والا المؤرخون المولعون بكل غريب والكلبي على ما ذكر قومنا كذاب وان سلمنا انه صحيح فلله الاختبار بما اراد ويستحيل ان يتعمد صلى الله عليه وسلم ويمتنع ان يقهر الشيطان احدا على النطق بذلك أو يلقيه جبرا على لسانه فما هو الا غلط أو لما اشتهر إلى (ومناة الثالثة) سكت فنطق به الشيطان. وحكى محمد بن عقبة ان ذلك لم يقع الا في اسماع المشركين وليس هذا رافعا للاشكال. والآية دلت على جواز السهو والوسوسة على الانبياء ولكن اثبت تلك القصة البزاز والطبراني بسند صحيح عندهم وطرق كثيرة تدل على صحتها واطنب في صحتها ابن حجر وليست صحتها ببعيدة لامكان ان يقول صلى الله عليه وسلم ذلك ويريد الملائكة. واما القول بان ابليس قاله على صوته حين سكت صلى الله عليه وسلم رافعا صوته والقول بانه لعنة الله قاله بحيث يسمعه من دنى إليه فظنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم واشاعها فغير رافعين للاشكال. وذكر بعضهم عن البزاز تضعيف ذلك وذكر بعضهم ان الأمة اجمعت على عصمة الانبياء عن مثل ذلك السهو وتلك الوسوسة المسموعة. وقد ضعف بعضهم ذلك باضطراب رواته وانقطاع سنده واختلاف الفاظه ووقته. فقائل يقول: انه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في الصلاة. وقائل قاله: في نادي قومه. وقائل بقوله قاله: وقد اخذته سنة. وآخر يقول: حدثت نفسه فجرى على لسانه. وقائل: ابليس. وقائل قاله: على لسانه وعرضه على جبريل فقال ما هكذا اقرأتك. وقائل قال: كان ذلك أول ما نزلت سورة النجم. وقائل: نزلت قبل ذلك ثم قرأها في الحرم وان المؤمنين لا يضرهم ذلك لتحققهم من السورة وعلمهم بالزيادة وبذم النبي صلى الله عليه وسلم الاوثان وليس بدافع للاشكال وقال انه تمنى ان ينزل عليه مدح اله غير الله لعنة الله من قائل زنديق. عن عياض ان المعنى انه يسهو في قراءته من آية لاخرى أو لغير آية فينتبه فيرجع. وذكروا عن ابن مسعود انهم سجدوا غير شيخ من قريش اخذ كفا من حصباء وتراب فرفعه إلى جبهته قال فلقد رأيته بعد؛ قتل كافرا وهو الوليد. وعن ابن الاثير (الغرانيق) الاصنام واصلها طير الماء والمفرد غرنوق وغرنيق يسمى به لبياضه يزعمون ان الاصنام تقربهم إلى الله فيشبهونها بالطيور التي تعلو إلى السماء.

اطفيش

تفسير : {ولا يزال الَّذين كفرُوا فى مِرْيةٍ} شك {منْهُ} من الصراط المستقيم على أنه دين الله، أو من القرآن، أو من الرسول، أو من الموحى، ومن للبتداء أو الى ما يلقى الشيطان، ومن للسببية لأن مرية الكفار فيما جاءت به الرسل بسبب ما يلقى الشيطان {حتى تأتيهُم السَّاعة} يوم القيامة، لأنه المعروف بالبغتة، وقد قال {بغْتةً} أى فجأة، وقيل أشراط الساعة فحذف المضاف، فالساعة مجاز بالحذف إذ هى كلمة تغير إعرابها بالحذف، أو مسيت أشراطها ساعة للجواز، فذلك مجاز مرسل أو الساعة الموت المعهود فى الأذهان {أو يأتيهِم عَذابَ يومٍ عَقيمٍ} يوم القيامة، أظهره نكرة للتعظيم، وذلك عذاب الموت يومها، كما لذلك قوله: {المُلْك} أى التصرف التام {يومئذٍ لله} وحده لا لغيره حقيقة، ولا مجازاً ولا صورة {يحْكُم بينَهُم} أى يوم إذ تأتيهم الساعة، والهاء للفريقين لذكرهما قبل، وذكرهما بعد تفصيلا، ووصف اليوم بالعقم، لأنه لا يوم بعده، أو يوم عقيم يوم موتهم، لأنه لا يوم بعده لهم، أو يوم حرب يقتلون فيه، وقد قتلوا فى حروب، فكأنه عقمت أمهاتهم، ولا سيما يوم بدر، فهو عقيم من خيرهم، وعليه فهو أيضاً عقيم بتفرده بقتال الملائكة فيه، ولا يخفى أن الحكم يناسب كون الملك لله، فالجملة حال من اللفظ الجليل لا مستأنفة جواب لسؤال نشأ من كون الملك لله قيل. {فالذين آمنُوا} تحقيقاً دون مرية بالله أو برسوله بالساعة أو بالقرآن أو نحو ذلك والعطف على يحكم عطف اسمية على فعلية، أو يقدر أن قيل ما ذلك الحكم، فالذين آمنوا {وعمِلُوا الصالحات فى جنات النعيم} يقدر وصف مستقبل أو مضارع مستقبل خبر كما قال: يحكم أو يقدر، وصف للعاطى، أو فعل ماض لتحقق الوقوع، أو باعتبار سبق ذلك فى علمه تعالى: أو فى اللوح المحفوظ، والمراد بالنعيم النعم الكثيرة المتنوعة.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ} أي في شك {مِنْهُ} أي من القرآن؛ وقيل: من الرسول، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الموحى على ما سمعت و {مِنْ} على جميع ذلك ابتدائية، وجوز أن يرجع إلى ما ألقى الشيطان واختير عليه أن (من) سببية فإن مرية الكفار فيما جاءت به الرسل عليهم السلام بسبب ما ألقى الشيطان في الموحى من الشبه والتخيلات فتأمل {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامة نفسها كما يؤذن به قوله تعالى: {بَغْتَةً} أي فجأة فإنها الموصوفة بالإتيان كذلك، وقيل: أشراطها على حذف المضاف أو على التجوز. وقيل: الموت على أن التعريف في {ٱلسَّاعَةَ} للعهد. {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي منفرد عن سائر الأيام لا مثل له في شدته أو لا يوم بعده كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام فما لا يوم بعده يكون عقيماً، والمراد به الساعة بمعنى يوم القيامة أيضاً كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل والتخويف. و {أَوْ} في محلها لتغاير الساعة وعذابها وهي لمنع الخلو وكأن المراد المبالغة في استمرارهم على المرية، وقيل: المراد بيوم عقيم يوم موتهم فإنه لا يوم بعده بالنسبة إليهم، وقيل: المراد به يوم حرب يقتلون فيه، ووصف بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم، وفيه على الأول مجاز في الإسناد ومجاز في المفرد من جعل الثكل عقماً، وكذا على الثاني لأن الولود والعقيم هي الحرب على سبيل الاستعارة بالكناية فإذا وصف يوم الحرب بذلك كان مجازاً في الإسناد، ومن ثم قيل: إنه مجاز موجه من قولهم ثوب موجه له وجهان، وقيل: هو الذي لا خير فيه يقال: ريح عقيم إذا لم تنشىء مطراً ولم تلقح شجراً، وفيه على هذا استعارة تبعية لأن ما في اليوم من الصفة المانعة من الخير جعل بمنزلة العقم، وخص غير واحد هذا اليوم بيوم بدر فإنه يوم حرب قتل فيه عتاة الكفرة ويوم لا خير فيه لهم، ويصح أيضاً أن يكون وصفه بعقيم لتفرده بقتال الملائكة عليهم السلام فيه، وأنت تعلم أن الظاهر مما يأتي بعد إن شاء الله تعالى تعين تفسير هذا اليوم بيوم القيامة. هذا وجوز أن يراد من الشيطان شيطان الإنس كالنضر بن الحرث كان يلقي الشبه إلى قومه وإلى الوافدين يثبطهم بها عن الإسلام، وقيل: ضمير {أُمْنِيَّتِهِ} للشيطان والمراد بها الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء و {فِى} للسببية مثلها في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أن امرأة دخلت النار في هرة » تفسير : أي ألقى الشيطان بسبب أمنيته الشبه وأبداها ليبطل بها الآيات. وقيل: {تَمَنَّىٰ} قرأ و {أمنيته} قراءته والضمير للنبـي أو الرسول و {فِي} على ظاهرها، والمراد بما يلقي الشيطان ما يقع للقارىء من إبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف أو تغيير إعراب سهواً، وقيل: المراد ما يلقيه في الآيات المتشابهة من الاحتمالات التي ليست مراداً لله تعالى، وقيل: تمنى هيأ وقدر في نفسه ما يهواه و {أُمْنِيَّتِهِ} قراءته، والمعنى إذا تمنى إيمان قومه وهدايتهم ألقى الشيطان إلى أوليائه شبهاً فينسخ الله تعالى تلك الشبه ويحكم الآيات الدالة على دفعها، وقيل: {تَمَنَّىٰ} قدر في نفسه ما يهواه و {أُمْنِيَّتِهِ} تشهيه وما يلقيه الشيطان ما يوجب اشتغاله في الدنيا، وجعله فتنة باعتبار ما يظهر منه من الاشتغال بأمور الدنيا، ونسخه إبطاله بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزينه. / وقيل: {تَمَنَّىٰ} قرأ و {أُمْنِيَّتِهِ} قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي يتكلم بها الشيطان بحيث يظن السامع أنها من قراءة النبـي، وقد روي أن الآية نزلت حين قرأ عليه الصلاة والسلام { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19-20] فألقى الشيطان في سكتته محاكياً نغمته عليه الصلاة والسلام بحيث يسمعه من حوله تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى فظن المشركون أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكلم بذلك ففرحوا وسجدوا معه لما سجد آخر السورة، وقيل: المتكلم بذلك بعض المشركين وظن سائرهم أنه عليه الصلاة والسلام هو المتكلم به، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم هو الذي تكلم بذلك عامداً لكن مستفهماً على سبيل الإنكار والاحتجاج على المشركين، وجعل من إلقاء الشيطان لما ترتب عليه من ظن المشركين أنه مدح لآلهتهم، ولا يمنع ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي لأن الكلام في الصلاة كان جائزاً إذ ذاك. وقيل: بل كان ساهياً، فقد أخرج عبد بن حميد من طريق يونس عن ابن شهاب قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم {وَٱلنَّجْمِ} فلما بلغ {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱللأُخْرَىٰ} [النجم: 19-20] قال: إن شفاعتهن ترتجى وسها رسول الله عليه الصلاة والسلام ففرح المشركون بذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إنما ذلك من الشيطان ) تفسير : فأنزل الله تعالى {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا} تفسير : حتى بلغ { أية : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } تفسير : [الحج: 52 ـ 55]، قال الجلال السيوطي: وهو خبر مرسل صحيح الإسناد، وقيل: تكلم بذلك ناعساً. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة قال: بينا نبـي الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم بها قال: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وإن شفاعتهن لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلا) فحفظها المشركون وأخبرهم الشيطان أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها فزلت ألسنتهم فأنزل الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا} الآية. وقيل: {تَمَنَّىٰ} قدر في نفسه ما يهواه و {أُمْنِيَّتِهِ} قراءته وما يلقي الشيطان كلمات تشابه الوحي، فقد أخرج ابن أبـي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالتهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة النجم قال: { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان عندها كلمات فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وزلت بهما ألسنتهم وتباشروا بهما وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا } تفسير : [الحج: 52] الآيات. وقيل: إن النبـي صلى الله عليه وسلم حين ألقاها الشيطان تكلم بها ظاناً أنها وحي حتى نبهه جبريل عليه السلام، ففي «الدر المنثور» أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فلما بلغ {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱللأُخْرَىٰ} [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن / شفاعتهن لترتجى قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا ثم جاءه جبريل عليهما الصلاة والسلام بعد ذلك فقال: اعرض عليَّ ما جئتك به فلما بلغ تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى قال له جبريل عليهما السلام: لم آتك بهذا، هذا من الشيطان تفسير : فأنزل الله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا } تفسير : [الحج: 52] الآية. وأخرج البزار والطبري وابن مردويه والضياء في «المختارة» بسند رجاله ثقات من طريق سعيد عن ابن عباس نحو ذلك لكن ليس فيه حديث السجود وفيه أيضاً مغايرة يسيرة غير ذلك، وجاء حديث السجود في خبر آخر عنه أخرجه البزار وابن مردويه أيضاً من طريق أمية بن خالد عن شعبة لكن قال في إسناده: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب فشك في وصله، وفي رواية أبـي حاتم عن السدي أن جبريل عليه السلام قال له عليه الصلاة والسلام حين عرض عليه ذلك: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا فاشتد عليه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى وطيب نفسه { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا } تفسير : [الحج: 52] الآية قيل: ولمشابهة ما ألقى الشيطان للوحي المنزل وكونه في أثنائه أطلق على إبطاله اسم النسخ الشائع إيقاعه على ما هو وحي حقيقة لكن لا يخفى أن النسخ الشرعي لا يتعلق بنحو ما ذكر من الأخبار فلا بد من تأويل ما لذلك. وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال القاضي عياض في «الشفا»: ((يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند (صحيح) سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم)). وفي «البحر» أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع «السيرة النبوية» فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك «كتاباً». وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب «حصص الأتقياء» الصواب أن قوله: تلك الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة، الدين وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبـي صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور: منها تسلط الشيطان عليه عليه الصلاة والسلام وهو صلى الله عليه وسلم بالإجماع معصوم من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] وقال تعالى: { أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [النحل: 99] إلى غير ذلك، ومنها زيادته صلى الله عليه وسلم في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة، ومنها اعتقاد النبـي صلى الله عليه وسلم ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه إما أن يكون عليه الصلاة والسلام عند نطقه بذلك معتقداً ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات وهو كفر محال في حقه صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون معتقداً معنى آخر مخالفاً لما اعتقدوه ومبايناً لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم فيكون مقراً لهم على الباطل وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يقر على ذلك. ومنها كونه صلى الله عليه وسلم اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضاً جواز تصور الشيطان بصورة الملك ملبساً على النبـي ولا يصح ذلك كما قال في «الشفا» لا في أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة. / وقال ابن العربـي: تصور الشيطان في صورة الملك ملبساً على النبـي كتصوره في صورة النبـي ملبساً على الخلق وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا فكيف يسوغ في لب سليم استجازة ذلك. ومنها التقول على الله تعالى إما عمداً أو خطأ أو سهواً، وكل ذلك محال في حقه عليه الصلاة والسلام، وقد اجتمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار بخلاف الواقع لا قصداً ولا سهواً، ومنها الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع كما قال البيضاوي بقوله تعالى: { أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ } تفسير : [الحج: 52] لأنه أيضاً يحتمل إلى غير ذلك. وذهب إلى صحتها الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» وساق طرقاً عن ابن عباس وغيره ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلاً مع أن لها طريقاً متصلاً بسند صحيح أخرجه البزار وطريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط «الصحيحين»، أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، والثاني: ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبـي هند عن أبـي العالية، ثم أخذ في الرد على أبـي بكر بن العربـي والقاضي عياض في إنكارهما الصحة. وذهب إلى صحة القصة أيضاً خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني، وذكر بعد كلام طويل أنه تحصل من ذلك أن الحديث أخرجه غير واحد من أهل الصحة وأنه رواه ثقات بسند سليم متصل عن ابن عباس وبثلاث أسانيد صحيحة عن ثلاث من التابعين من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة وهم سعيد بن جبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو العالية، وقد قال السيوطي في «لباب النقول في أسباب النزول»: قال الحاكم في «علوم الحديث»: إذا أخبر الصحابـي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند ومشى عليه ابن الصلاح وغيره ثم قال: ما جعلناه من قبيل المسند من الصحابـي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضاً لكنه مرسل فقد يقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل ونحو ذلك، فعلى هذا يكون الخبر في هذه القصة مسنداً من الطريق المتصلة بابن عباس مرسلاً مرفوعاً من الطرق الثلاثة والزيادة فيه التي رواها الثقات عن ابن عباس في غير رواية البخاري ليست مخالفة لما في البخاري عنه فلا تكون شاذة فإطلاق الطعن فيه من حيث النقل ليس في محله. وأجاب عما يلزم على تقدير كون الناطق بذلك النبـي صلى الله عليه وسلم، أما عن الأول فبأن السلطان المنفي عن العباد المخلصين هو الإغواء أعني التلبيس المخل بأمر الدين وهو الذي وقع الإجماع على أن النبـي عليه الصلاة والسلام معصوم منه وأما غير المخل فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه وما هنا غير مخل لعدم منافاته للتوحيد كما يبين إن شاء الله تعالى بل فيه تأديب وتصفية وترقية للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام تمنى هدى الكل ولم يكن ذلك مراداً لله تعالى والأكمل في العبودية فناء إرادته في إرادة الحق سبحانه فليس عليه عليه الصلاة والسلام الإلقاء حالة تمني هدي الكل المصادم للقدر والمنافي لما هو الأكمل ليترقى إلى الأكمل وقد حصل ذلك بهذه المرة ولذا لم يقع التلبيس مرة أخرى بل كان يرسل بعد من بين يديه ومن خلفه رصد ليعلم أن قد أبلغوا رسالة ربه سبحانه، وفي ترتيب الإلقاء على التمني ما يفهم العتاب عليه. وأما عن الثاني فبأن المستحيل المنافي للعصمة أن يزيد عليه الصلاة والسلام فيه من تلقاء نفسه أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه وما هنا / ليس كذلك لأنه عليه الصلاة والسلام إنما تبع فيه الإلقاء الملبس عليه في حالة خاصة فقط تأديباً أن يعود لمثل تلك الحالة. وأما عن الثالث فبأنه يجوز أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم نطق به على فهم أنه استفهام إنكاري حذف منه الهمزة أو حكاية عنهم بحذف القول وحينئذٍ لا يكون بعيد الالتئام ولا متناقضاً ولا ممتزج المدح بالذم ولا بد من التزام أحد الأمرين على تقدير صحة الخبر لمكان العصمة، والنكتة في التعبير كذلك إيهام الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أنه عليه الصلاة والسلام مدح آلهتهم ويحصل ذلك مراد الله تعالى المشار إليه بقوله سبحانه: { أية : لِيَجْعَلَ } تفسير : [الحج: 53] الخ. وأما عن الرابع فبأنا نختار الشق الثاني بناءً على أنه استفهام حذف منه الهمزة أو حكاية بحذف القول، وعلى التقديرين يكون عليه الصلاة والسلام معتقداً لمعنى مخالف لما اعتقدوه؛ ولا يلزم منه التقرير على الباطل لأنه بين بطلان معتقدهم بقوله تعالى بعد: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } تفسير : [النجم: 23] فإن ما لم ينزل الله تعالى به سلطاناً لا ترجى شفاعته إذ لا شفاعة إلا من بعد إذن إلٰهي لقوله تعالى بعد: { أية : وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىٰ } تفسير : [النجم: 26]. وأما عن الخامس فبأن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن يكون صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة، وأما قول القاضي عياض: لا يصح أن يتصور الشيطان بصورة الملك ويلبس عليه عليه الصلاة والسلام فإن أراد به أنه لا يصح أن يلبس تلبيساً قادحاً فهو مسلم لكنه لم يقع وإن أراد مطلقاً ولو كان غير مخل فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخل بأمر النبوة المنافي للتوحيد القادح في العصمة وما ذكر غير مخل بل فيه تأديب بما يتضمن تنقية وترقية إلى الأكمل في العبودية. وأما ما ذكر ابن العربـي فقياس مع الفارق لأن تصور الشيطان في صورة النبـي مطلقاً منفي بالنص الصحيح وتصوره في صورته ملبساً على الخلق إغواء يعم وهو سلطان منفي بالنص عن المخلصين، وأما تصوره في صورة الملك في حالة خاصة ملبساً على النبـي بما لا يكون منافياً للتوحيد لما يريد الله تعالى بذلك تأديباً ولإيهامه خلاف المراد فتنة لقوم فليس من السلطان المنفي ولا بالتصور الممنوع لعدم إخلاله بمقام النبوة. وأما عن السادس فبأن التقول تكلف القول ومن لا يتبع إلا من يلقى إليه من الله تعالى حقيقة أو اعتقاداً ناشئاً من تلبيس غير مخل لا تكلف للقول عنده فلا تقول على الله تعالى أصلاً؛ وما أشبه هذه القصة بما تضمنه حديث ذي اليدين فالتلبيس عليه عليه الصلاة والسلام في الإلقاء في حالة التمني تأديباً كإيقاع السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة باعتقاد التمام تشريعاً والنطق بما ألقاه الشيطان في حالة خاصة مما لا ينافي التوحيد على أنه قرآن بناءً على اعتقاد أن الملقي ملك تلبيساً للتأديب كالنطق بالسلام ثم بـِ«لم أنس» معتقداً أنه مطابق للواقع بناءً على اعتقاد التمام سهواً، ووقوع البيان على لسان جبريل عليه السلام ثم النسخ والإحكام كوقوع البيان على لسان الصحابـي ثم التدارك وسجود السهو فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوة كذلك الاشتباه في الإلقاء للتأديب غير قادح، وكما أن النطق بـِ«لم أنس» مع تبين أنه عليه الصلاة والسلام قد نسي صدق بناء على اعتقاد التمام سهواً كذلك النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة على أنه قرآن بناءً على اعتقاد أن الملقي ملك صدق ولا شيء من الصدق بالتقول فلا شيء من النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة به، وما ذكر عن القاضي عياض من حكاية الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية كما قال الحافظ ابن حجر متعقب. وأما عن السابع فبأنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا لأن وثوق كل منهما / تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين فإذا جزم بشيء أنه كذا جزموا به وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا كما هو شأنهم في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظاً ومعنى إذ قبل نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبدون بتلاوته وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم متعبدين بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلفون بحكمه وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا يندفع بقوله تعالى: { أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ } تفسير : [الحج: 52] الخ لأنه أيضاً يحتمله ليس بشيء، وبيانه أنه إن أراد أنه يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم والذين أوتوا العلم والذين آمنوا فهو ممنوع لدلالة قوله تعالى: { أية : وَلِيَعْلَمَ } تفسير : [الحج: 54] الخ على انتفاء الاحتمال عند فريقين من الفرق الأربع بعد النسخ والأحكام، وإن أراد أنه يحتمله في الجملة أي عند بعض دون بعض فهو مسلم وغير مضر لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا، وأما إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله عز وجل. هذا واعترض على الجواب الأول بأن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبـي صلى الله عليه وسلم فيعتقد أن الشيطان ملك مخل بمقام النبوة ونقص فيه فإن الولي الذي هو دونه عليه الصلاة والسلام بمراتب لا يكاد يخفى عليه الطائع من العاصي فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية فكيف بمن هو سيد الأنبياء ونور عيون قلوب الأولياء يلتبس عليه من هو محض نور بمن محض ديجور، واشتباه جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم في بعض المرات حتى لم يعرفه إلى أن ذهب فقال: ( حديث : والذي نفسي بيده ما شبه عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى ) تفسير : إذا صح ليس من قبيل اشتباه الشيطان به عليه السلام إذ يجوز أن يكون من اشتباه ملك بملك وكل منهما نوراني، وقد كان يأتيه صلى الله عليه وسلم غير جبريل عليه السلام من الملائكة الكرام، وأن يكون من اشتباه ملك بواحد من البشر نوراني أيضاً لم يكن رآه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك كالخضر وإلياس مثلاً إن قلنا بحياتهما. وأيضاً قال المحققون: إن الأنبياء عليهم السلام ليس لهم خاطر شيطاني، وكون ذلك ليس منه بل كان مجرد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع ألا ترى أنه قال تعالى: { أية : أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية لما أن القارىء يقدر الحروف في قلبه أولاً ثم يذكرها شيئاً فشيئاً، وأيضاً حفظه صلى الله عليه وسلم لذلك إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات فنبهه عليه جبريل عليهما السلام يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنا لو سلمنا ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم ولم يلق في قلبه كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله تعالى: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 193-194] وقلنا: إن ذلك مما يعقل للزم أن يعلم صلى الله عليه وسلم من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى أن يعلمه جبريل عليه السلام، والقول بأنه لبس الحال عليه عليه الصلاة والسلام للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبودية وهو فناء إرادته صلى الله عليه وسلم في إرادة مولاه عز وجل حيث تمنى إيمان الكل وحرص عليه ولم يكن مراد الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه لأن القائل به زعم أن التأديب بذلك كان بعد قوله تعالى: { أية : وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ } تفسير : [الأَنعام: 35] ولا شك أن التأديب به لم يبق ولم يذر ولم يقرن بما فيه تسلية أصلاً فإذا قيل والعياذ بالله تعالى: إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما دونه، وأيضاً أية دلالة في الآية على التأديب وهي لم تخرج مخرج العتاب بل مخرج التسلية على أبلغ وجه عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال الآيات، ولا نسلم أن / ترتيب الإلقاء على التمني مع ما في السباق والسياق مما يدل على التسلية عن ذلك يجدي نفعاً في هذا الباب كما لا يخفى على ذوي الألباب. ويرد على قوله: إنه بعد حصول التأديب بما ذكر كان يرسل من بين يديه ومن خلفه رصد يحفظونه من إلقاء الشيطان أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: { أية : إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } تفسير : [الجن: 27] قال: كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان بالملك، وقد ذكروا أن ـ كان ـ في ذلك للاستمرار. وأخرج ابن أبـي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل عليه السلام بالقرآن إلى النبـي صلى الله عليه وسلم إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة، وهذا صريح في ذلك ولا شك أن هذا الإلقاء عند من يقول به كان عند نزول الوحي، فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس أن النبـي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19-20] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلا منها الشفاعة ترتجى فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجوداً مع عدم ترتب أثره عليه؛ والقول بأن جبريل عليه السلام ومن معه تنحوا عنه حتى ألقى الشيطان ما ألقى بناءً على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في آية الرصد: كان النبـي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقي الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلاً فإن المراد من قوله فيه: فلما ألقى فلما أراد أن يلقى في حيز المنع وكذا صحة هذا الخبر، ثم أية فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ بل كيف يسمى رصداً. ومما ذكر في هذا الاعتراض يعلم ما في الجواب الثاني من الاعتراض وهو ظاهر، وقد يقال: إن إعجاز القرآن معلوم له صلى الله عليه وسلم ضرورة كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعري بل قال القاضي: إن كل بليغ أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل قوي البلاغة فإذا كانت آية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة ومتى أتى أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدم ولم يخف على الرسول عليه الصلاة والسلام ولا على ذلك البليغ عدم إعجازه فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلاً، ولا شك أن ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر بل أزيد إن اعتبر الحرف المشدد بحرفين وهو وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى الوراد فيما أخرجه ابن أبـي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب. وجاء في رواية ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم بسند قال السيوطي: هو صحيح عن أبـي العالية أنه ألقى تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى وترتضى ومثلهن لا ينسى وحروفه أزيد من حروفها إذا لم يعتبر الحرف المشدد في شيء منهما بحرفين أما إذا اعتبر فحروفها أزيد بواحد فإن كان ما ذكر مما يتعلق به الإعجاز / فإن كان معجزاً لزم أن يكون من الله تعالى لا من إلقاء عدوه ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلق به الإعجاز فهو كلام غير يسير يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه أثناء كلام فوقه بمراتب لكونه ليس منه فيبعد كل البعد أن يخفى عليه عليه الصلاة والسلام قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن سواء قلنا بتفاوتها في البلاغة كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة، أم قلنا بعدم التفاوت كما اختاره القاضي فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل عليه السلام لا سيما وقد تكرر على سمعه الشريف سكر الآيات ومازجت لحمه ودمه، والواحد منا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا ألف شعر شاعر وتكرر على سمعه يعلم إذا دس بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له وقد يطالب بالدليل فلا يزيد على قوله لأن النفس مختلف، وهذا البعد متحقق عندي على تقدير كون الملقى ما في الرواية الشائعة وهو تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى أيضاً لا سيما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره من الجمل المفيدة لقوله تعالى: { أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } تفسير : [الطور: 34] والقول بأن النبـي صلى الله عليه وسلم خفي عليه ذلك للتأديب فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب. وما ذكره في الجواب عن الثالث من أنه لا بد من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول وهو دون الأول إذا صح الخبر صحيح لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث والسمين من الأخبار وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردوداً وما ألقى الشيطان إلى أوليائه معدوداً وهم أكثر ممن قال بقبوله ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعاً من خاصته لإبطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخه سبحانه وتعالى لا سيما وهو مما لم يتوقف على صحته أمر ديني ولا معنى آية ولا ولا .. سوى أنها يتوقف عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الايات فقد قال سبحانه في وصف القرآن: { أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : [فصلت: 42] والمراد بالباطل ما كان باطلاً في نفسه وذلك الملقى كذلك وإن سوغ نطق النبـي صلى الله عليه وسلم به تأويله بأحد التأويلين، والمراد بلا يأتيه استمرار النفي لا نفي الاستمرار. وقال عز وجل: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] فجيء بالجملة الاسمية مؤكدة بتأكيدين ونسب فيها الحفظ المحذوف متعلقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه. وقد استدل بالآية من استدل على حفظ القرآن من الزيادة والنقص وما علينا ما قيل في ذلك، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ ولم يبق إلا زماناً يسيراً لا يخلو عن نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية على ما يتقضيه ذلك الاعتناء، ثم إن قيل: بما روي عن الضحاك من أن سورة الحج كلها مدنية لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين زماناً طويلاً والقول بذلك من الشناعة بمكان، وقال جل وعلا: { أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ } تفسير : [النجم: 4] والظاهر أن الضمير لما ينطق به عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالدين، ومن هنا / أخرج الدارمي عن يحيـى بن أبـي كثير أنه قال: كان جبريل عليه السلام ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن. والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به عليه الصلاة والسلام من ذلك ليس عن إلقاء شيطاني كما أنه ليس عن هوى، وبقيت آيات أخر في هذا الباب ظواهرها تدل على المدعى أيضاً، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحة الخبر المنافي لها مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته مما لا يميل إليه القلب السليم ولا يرتضيه ذو الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضاً عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار له في شيء من «الكتب الست» مع أنه مشتمل على قصة غريبة وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته ومع إخراجهم حديث سجود المشركين معه صلى الله عليه وسلم حين سجد آخر النجم، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن مسعود أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ { أية : وَٱلنَّجْمِ } تفسير : [النجم:1] فسجد فيها وسجد كل من كان معه غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وروى البخاري أيضاً والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس إلى غير ذلك، وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم وإلا لما سجدوا لأنا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: { أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ } تفسير : [النجم:50-54] إلى آخر الآيات فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه صلى الله عليه وسلم وهو قائم بين يدي ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير وقد ظنوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع ما توهموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه وسلم فقد نزلت سورة حم السجدة بعد ذلك كما جاء مصرحاً به في حديث عن ابن عباس ذكره السيوطي في أول «الإتقان» فلما سمع عتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: { أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } تفسير : [فصلت: 13] أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: كيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. وقد أخرج ذلك البيهقي في «الدلائل» وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه. ويمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم ولا يلزم منه ثبوت ذلك الخبر لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى: { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلاْخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19-20] بناءً على أن المفعول محذوف وقدروه حسبما يشتهون أو على أن المفعول { أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ } تفسير : [النجم: 21] وتوهموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثاً والحب للشيء يعمي ويصم، وليس هذا بأبعد من حملهم تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه عن الغين. واعترض على الجواب الرابع بأن سجودهم كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخراً بعد سماع قوله تعالى: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } تفسير : [النجم: 23] فكان ينبغي التنبيه بعد السجود، ولعلهم أرجعوا ضمير {هِيَ } للأسماء وهي قولهم اللات والعزى ومناة كما هو أحد احتمالين فيه ذكرهما الزمخشري، فيكون / المعنى ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتم بها بهواكم وشهوتكم ليس لكم على صحة التسمية بها برهان تتعلقون به، وحينئذٍ لا يكون فيه دليل على رد ما فهموه مما ألقى الشيطان من مدح آلهتهم بأنها الغرانيق العلا، ويحتمل أنهم أولوه على وجه آخر وباب التأويل واسع. واعترض على قوله في الجواب الخامس: إن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن يكون صلى الله عليه وسلم على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة بأن المعترض لم يرد أنه إذا اشتبه الأمر عليه عليه الصلاة والسلام مرة يلزم أن يكون على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غيرها بل أراد أن اللائق بمقام النبـي صلى الله عليه وسلم أن يكون على بصيرة في جميع ما يوحى إليه وأنه متى اشتبه عليه عليه الصلاة والسلام في حالة من الأحوال لم تبق الكلية كلية وهو خلاف المراد. وفي «التنقيح» ((أن الوحي إما ظاهر أو باطن أما الظاهر فثلاثة أقسام، الأول: ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه صلى الله عليه وسلم بعد علمه بالمبلغ بآية قاطعة - والمراد بها كما قال ابن ملك: العلم الضروري بأن المبلغ ملك نازل بالوحي من الله تعالى - والقرآن من هذا القبيل، والثاني: ما وضح له صلى الله عليه وسلم بإشارة الملك من غير بيان بالكلام كما قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها » تفسير : الحديث وهذا يسمى خاطر الملك، والثالث: ما تبدى لقلبه الشريف بلا شبهة بإلهام من الله تعالى بأن أراه بنور من عنده كما قال تعالى: { أية : لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 105] وكل ذلك حجة مطلقاً بخلاف الإلهام للولي فإنه لا يكون حجة على غيره، وأما الباطن فما ينال بالرأي والاجتهاد وفيه خلاف)) إلى آخر ما قال، وهو ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم على بصيرة في جميع ما يوحى إليه من القرآن لأنه جعله من القسم الأول من أقسام الوحي الظاهر، ويعلم منه عدم ثبوت تكلمه صلى الله عليه وسلم بما ألقى الشيطان لأنه عند زاعمه يكون قد اعتقده عليه الصلاة والسلام قرآناً ووحياً من الله تعالى فيجب على ما سمعت أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علم ذلك علماً ضرورياً فحيث إنه ليس كذلك في نفس الأمر يلزم انقلاب العلم جهلاً، واستثناء هذه المادة من العموم مما لا دليل عليه عند الزاعم سوى الخبر الذي زعم صحته وبنى عليه تفسير الآية بما فسرها به وذلك أول المسألة. ويجوز أن يقال: إنه أراد أنه إذا وقع الاشتباه مرة اقتضى أن لا يكون عليه الصلاة والسلام على بصيرة في شيء مما يوحى إليه بعد لأن احتمال التأديب على تعاطي ما ليس أكمل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم قائم والعصمة من ذلك ممنوعة فقد وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد هذه القصة التي زعمها الخصم ما عوتب عليه كقصة الأسراء المشار إليها بقوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنفال: 67] الآية، وكقصة الإذن المشار إليها بقوله تعالى: { أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] وكقصة زينب رضي الله تعالى عنها المشار إليها بقوله تعالى: { أية : وَإِذَا تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] ودعوى أن التأديب بذلك على غير التمني مما لا تقتضيه الحكمة فلا يمكن وقوعه مما لم يقم عليه دليل، وقصارى ما تفيده الآية أن الإلقاء مشروط بالتمني أو في وقته بناءً على الخلاف في أن {إِذَا} للشرط أو لمجرد الظرفية وعند انتفاء ذلك الشرط أو عدم تحقق ذلك الوقت يبقى الإلقاء على العدم الأصلي إن لم يكن هناك ما يقوم مقام ذلك الشرط أو ذلك الوقت. / ولا شك أن صدور خلاف الأكمل لا سيما إذا كان كالتمني أو فوقه أو وقت صدوره مما يقوم مقام ذلك فيما يقتضيه فيلزم حينئذ أن يكون صلى الله عليه وسلم في كل وحي متوقفاً غير جازم بأنه وحي لا تلبيس إلى أن يتضح له عليه الصلاة والسلام عدم صدور خلاف الأكمل بالنسبة إليه منه وفي ذلك من البشاعة ما فيه. واعترض على قوله في الجواب أيضاً: إن ما قاله ابن العربـي قياس مع الفارق الخ بأنه غير حاسم للقيل والقال إذ لنا أن نقول: خلاصة ما أشار إليه ابن العربـي أنه قد صح بل تواتر قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بـي » تفسير : والظاهر أنه لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم أصلاً لا للمخلصين ولا لغيرهم لعموم ـ من ـ ولزوم مطابقة التعليل المعلل وإذا لم يتمثل مناماً فلأن لا يتمثل يقظة من باب أولى، وعلله الشراح بلزوم اشتباه الحق بالباطل. وقالت الصوفية في ذلك: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم وإن ظهر بجميع أسماء الحق تعالى وصفاته تخلقاً وتحققاً فمقتضى رسالته للخلق أن يكون الأظهر فيه حكماً وسلطنة من صفات الحق سبحانه وأسمائه جل شأنه الهداية والاسم الهادي والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان فلا يظهر أحدهما بصفة الآخر، والنبـي صلى الله عليه وسلم خلق للهداية فلو ساغ ظهور إبليس بصورته لزال الاعتماد عليه الصلاة والسلام فلذلك عصمت صورته صلى الله عليه وسلم عن أن يظهر بها شيطان اهـ، ولا شك أن نسبة جبريل عليه السلام إليه صلى الله عليه وسلم وكذا إلى سائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام نسبة النبـي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة فإذا استحال تمثل الشيطان بالنبـي يقظة أو مناماً لأحد من أمته مخلصاً أو غير مخلص خوف الاشتباه وزوال الاعتماد وكمال التضاد فليقل باستحالة تمثله بجبريل عليه السلام لذلك ومن ادعى الفرق فقد كابر. وتعقب ما ذكره في الجواب السادس بأن كون المتتبع لما يعتقده وحياً للتلبيس غير منقول صحيح إلا أن القول باعتقاد ما ليس قرآناً قرآناً للتلبيس الناشيء عن إرادة التأديب بسبب تمني إيمان الجميع الغير المراد له تعالى ليس به، وكون التلبيس للتأديب كالسهو في الصلاة للتشريع لا يخفى ما فيه. وأورد على قوله في الجواب السابع: أنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا لأن وثوق كل منهما تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم أنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق بالوثوق في شيء أصلاً لجواز أن يكون كل وثوق ناشئاً عن تلبيس كالوثوق بأن تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى قرآن فلما تطرق الاحتمال الوثوق جاز أن يتطرق الرجوع ولا يظهر فرق بينهما فلا يعول حينئذ على جزم ولا على رجوع. وقوله فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء ليس بشيء لأن منع الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة والآية التي ادعى دلالتها على انتفاء الاحتمال عند فريقين بعد النسخ والإحكام فيها أيضاً ذلك الاحتمال، والحق أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسد هذا الباب. ولا يجدي نفعاً كون الحكمة المشار إليها بقوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } تفسير : [الحج: 52] آبية عن بقاء التلبيس فلا أقل من أن يتوقف قبول معظم ما يجيء به النبـي عليه الصلاة والسلام إلى أن يتبين كونه ليس داخلاً في باب التلبيس / مع أنا نرى الصحابة رضي الله تعالى عنهم يسارعون إلى امتثال الأوامر عند إخباره صلى الله عليه وسلم إياهم بوحي الله تعالى إليه بها من من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها مما يحقق أنها ليست عن تلبيس فافهم والله تعالى الموفق. وتوسط جمع في أمر هذه القصة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني عفا الله تعالى عنه من أنه صلى الله عليه وسلم نطق بما نطق عمداً معتقداً للتلبيس أنه وحي حاملاً له على خلاف ظاهره ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات وإليه أميل بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني واختلفوا فيه على أوجه تعلم مما أسلفناه من نقل الأقوال في الآية وكلها عندي مما لا ينبغي أن يلتفت إليها. وفي «شرح الجوهرة الأوسط» أن حديث تلك الغرانيق الخ ظاهره مخالف للقواطع فيجب تأويله إن صح بما هو مذكور في موضعه مما أقربه على نظر فيه أن الشيطان ترصد قراءته عليه الصلاة والسلام وكان يرتل القراءة إذ ذاك عند البيت فحين انتهى عليه الصلاة والسلام إلى قوله تعالى: { أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 19-20] وكان منه عليه الصلاة والسلام وقفة ما للترتيل أدرج ذلك في تلاوته محاكياً صوته صلى الله عليه وسلم فظن أنه من قوله عليه الصلاة والسلام وليس به انتهى، والنظر الذي أشار إليه لا يخفى على من أحاط بما قدمناه خبراً وأخذت العناية بيديه، وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا الباب وأظهرها فساداً أنه صلى الله عليه وسلم أدخل تلك الكلمة من تلقاء نفسه حرصاً على إيمان قومه ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة { أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } تفسير : [الكهف: 5]، وقريب منه ما قيل إنها كانت قرآناً منزلاً في وصف الملائكة عليهم السلام فلما توهم المشركون أنه يريد عليه الصلاة والسلام مدح آلهتهم بها نسخت، وأنت تعلم أن تفسير الآية أعنى قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا } تفسير : [الحج: 52] الخ لا يتوقف على ثبوت أصل لهذه القصة، وأقرب ما قيل في تفسيرها على القول بعدم الثبوت ما قدمناه، وقيل: هو بعيد صدقوا لكن عن إيهام الإخلال بمقام النبوة ونحو ذلك، واستفت قلبك إن كنت ذا قلب سليم. هذا وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في «المصاحف» عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث) فنسخ (ولا محدث) والمحدثون صاحب يس ولقمان ومؤمن آل فرعون وصاحب موسى عليه السلام.

ابن عاشور

تفسير : لمّا حكى عن الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أن ما يلقيه لهم الشيطان من إبطال ما جاءت به الرّسل يكون عليهم فتنة. خصّ في هذه الآية الكافرين بالقرآن بعد أن عمّهم مع جملة الكافرين بالرسل، فخصّهم بأنهم يستمر شكّهم فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ويترددون في الإقدام على الإسلام إلى أن يُحال بينهم وبينه بحلول الساعة بغتة أو بحلول عذاب بهم قبل الساعة، فالذين كفروا هنا هم مشركو العرب بقرينة المضارع في فعل {لا يزال} وفعل {حتى تأتيهم} الدّالين على استمرار ذلك في المستقبل. ولأجل ذلك قال جمع من المفسرين: إن ضمير {في مرية منه} عائد إلى القرآن المفهوم من المقام، والأظهر أنه عائد إلى ما عاد عليه ضمير {أية : أنه الحق من ربك فيؤمنوا به}تفسير : [الحج: 54]. و{الساعة}علَم بالغلبة على يوم القيامة في اصطلاح القرآن، واليوم: يوم الحرب، وقد شاع إطلاق اسم اليوم على وقت الحرب. ومنه دُعيت حروب العرب المشهورة «أيام العرب». والعقيم: المرأة التي لا تلد؛ استعير العقيم للمشؤوم لأنهم يُعدّون المرأة التي لا تلد مشؤومة. فالمعنى: يأتيهم يوم يُستأصلون فيه قتلاً: وهذا إنذار بيوم بدر.

الشنقيطي

تفسير : ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار لا يزالون في مرية، أي شك وريب منه: أي من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر، واختاره ابن جرير وهو قول ابن جريج، كما نقله عنهم ابن كثير: وقال سعيد بن جبير، وابن زيد: في {مِرْيَةٍ مِّنْهُ}: أي في شك مما ألقى الشيطان، وذكر تعالى في هذه الآية: أنهم لا يزالون كذلك، حتى تأتيهم الساعة: أي القيامة بغتة: أي فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. وقد روى مجاهد عن أبي بن كعب: أن اليوم العقيم المذكور يوم بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وغير واحد: واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره ثم قال: وقال مجاهد وعكرمة في رواية عنهما: هو يوم القيامة لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري، ثم قال: وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به اهـ. محل الغرض من ابن كثير. وقد ذكرنا مراراً أَنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. وبه تعلم أن القرينة القرآنية هنا دلت على أن المراد باليوم العقيم: يوم القيامة، لا يوم بدر، وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم العقيم، بقوله {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الحج: 56] الآية. وذلك يوم القيامة وقوله: يومئذ: أي يوم إذ تأتيهم الساعة، أو يأتيهم عذاب عقيم، وكل ذلك يوم القيامة. فظهر أن اليوم العقيم: يوم القيامة، وإن كان يوم بدر عقيماً على الكفار، لأنهم لا خير لهم فيه، وقد أصابهم ما أصابهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (55) - أَمَّا الكُفَّارُ فَيَبْقَونَ فِي شَكٍّ وَتَرَدُّدٍ (مِرْيَةٍ)، مِنْ هَذَا القُرْآنِ (أو مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ)، وَيَغْتَرُّونَ باللهِ، وَيَبْقَوْنَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَبْغَتَهُمْ عَذَابُ يَومِ القِيَامَةِ، وَهُمْ فِي لَهُوِهِم واغْتِرَارِهِمْ. يَوْمٌ عَقِيمٌ - هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ وسُمِّيَ عَقِيماً لأَنَّه نَهَارٌ كُلُّّهُ لاَ لَيْلَ لَهُ مِرْيَةٍ - شَكٍّ وَقَلَقٍ مِنَ القُرْآنِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {فِي مِرْيَةٍ} [الحج: 55] يعني: في شك من هذا، لذلك قلنا: إن أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم مُكلَّفون من الله بأنْ يكونوا امتداداً لرسالته: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143] شهداء أنكم بلَّغتم كما كان الرسول شهيداً عليكم، فكلٌّ مِنَّا كأنه مبعوث من الله، وكما شهد رسول الله عليه أنه أبلغه، كذلك هو يشهد أنه بلَّغ من بعد رسول الله؛ لذلك جاءت هذه الآية للأمرين ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس. والحق - سبحانه وتعالى - حينما حمَّلنا هذه الرسالة قال: ما دُمْتم امتداداً لرسالة الرسول، فلا بُدَّ أنْ تتعرَّضوا لما تعرَّض له الرسول من استهزاء وإيذاء وإلقاء في أمنياتكم، فإنْ صمدتم فإن الله تعالى ينسخ ما يُلقِي الشيطان، وينصر في النهاية أولياءه، وسيظل الإسلام إلى أنْ تقوم الساعة، وسيظل هناك أناس يُعَادُون الدين ويُشكِّكون فيه، وسيظل الملحدون الذين يُشكِّكون الناس في وجود الله يخرجون علينا من حين إلى آخر بما يتناقض ودين الله كقولهم: إن هذا الكون خُلِق بالطبيعة، وترى وتسمع هذا الكلام في كتاباتهم ومقالاتهم. ولم يَسْلم العلم التجريبي من خرافاتهم هذه، فإنْ رأوا الحيوان منسجماً مع بيئته قالوا: لقد أمدته الطبيعة بلون مناسب وتكوين مناسب لبيئته. وفي النبات حينما يقفون عند آية من آياته مثلاً: {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ..} تفسير : [الرعد: 4] يقولون: إن النبات يتغذى بعملية الانتخاب، يعني النبات هو الذي ينتخب ويختار غذاءه، ففي التربة الواحدة وبالماء الواحد ينمو النبات الحلو والمر والحمضي والحريف، فبدل أنْ يعترفوا لله تعالى بالفضل والقدرة يقولون: الطبيعة وعملية الانتخاب. وقد تحدثنا مع بعض هؤلاء في فرنسا، وحاولنا الرد عليهم وإبطال حججهم، وأبسطها أن عملية الانتخاب تحتاج إلى إرادة واعية تُميِّز بين الأشياء المنتخبة، فهل عند النبات إرادة تُمكِّنه من اختيار الحلو أو الحامض؟ وهل يُميز بين المرِّ والحريف؟ إنهم يحاولون إقناع الناس بدور الطبيعة ليبعدوا عن الأذهان قدرة الله فيقولون: إن النبات يتغذّى بخاصية الأنابيب الشعرية يعني: أنابيب ضيقة جداً تشبه الشعرة فسميت بها ، ونحن نعرف أن الشعرة عبارة عن أنبوبة مجوفة. وحين تضع هذه الأنبوبة الضيقة في الماء، فإن الماء يرتفع فيها إلى مستوى أعلى؛ لأن ضغط الهواء داخل هذه الأنبوبة لضيقها أقلّ من الضغط خارجها لذا يرتفع فيها الماء، أما إنْ كانت هذه الأنبوبة واسعة فإن الضغط بداخلها سيساوي الضغط خارجها، ولن يرتفع فيها الماء. فقُلْنا لهم: لو أحضرنا حوضاً به سوائل مختلفة، مُذَاب بعضها في بعض، ثم وضعنا به الأنابيب الشَّعْرية، هل سنجد في كل أنبوبة سائلاً معيناً دون غيره من السوائل، أم سنجد بها السائل المخلوط بكل عناصره؟ لو قمتَ بهذه التجربة فستجد السائل يرتفع نعم في الأنابيب بهذه الخاصية، لكنها لا تُميِّز بين عنصر وآخر، فالسائل واحد في كل الأنابيب، وما أبعد هذا عن نمو النبات وتغذيته. وصدق الله حين قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى: 2-3]. إذن: ما أبعدَ هذه التفسيرات عن الواقع! وما أجهلَ القائلين بها والمروِّجين لها! خاصة في عصر ارتقى فيه العلم، وتقدّم البحث، وتنوَّعت وسائلة في عصر استنارتْ فيه العقول، واكتُشِفت أسرار الكون الدالة على قدرة خالقه عز وجل، ومع ذلك لا يزال هناك مبطلون. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً ..} [الحج: 55]. فهم - إذن - موجودون في أمة محمد إلى أنْ تقومَ الساعة، وسنواجههم نحن كما واجههم رسول الله، وسيظل الشيطان يُلقِي في نفوس هؤلاء، ويوسوس لهم، ويوحي إلى أوليائه من الإنس والجن، ويضع العقبات والعراقيل ليصدَّ الناس عن دين الله. هذا نموذج من إلقاء الشيطان في مسألة القمة، وهي الإيمان بالله. كما يُلقِي الشيطان في مسألة الرسول، فنجد منهم مَنْ يهاجم شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف وهو الأميّ البدويّ يقود أمة ويتهمونه ويخوضون في حقِّه، وفي مسألة تعدُّد زوجاته صلى الله عليه وسلم .. الخ مِمّا يُمثِّل عقبة في سبيل الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ونعجب لهجوم هؤلاء على رسول الله طالما هم كافرون به، إن هذا الهجوم يحمل في طياته إيماناً بأنه رسول الله، وإلا لَمَا استكثروا عليه ولَمَا انتقدوه، فلو كان شخصاً عادياً ما تعرَّض لهذه الانتقادات. لذلك لا تناقش مثل هؤلاء في مسألة الرسول، إنما في مسألة القمة، ووجود الإله، ثم الرسول المبلِّغ عن هذا الإله، أمّا أنْ تخوض معهم في قضية الرسول بدايةً فلن تصلَ معهم إلى حَلٍّ؛ لأنهم يضعون مقاييس الكمال من عندهم، ثم يقيسون عليها سلوكيات رسول الله، وهذا وَضْع مقلوب، فالكمال نأخذه من الرسول ومن فِعْله، لا نضع له نحن مقاييس الكمال. ثم يُشكِّكون بعد ذلك في الأحكام، فيعترضون مثلاً على الطلاق في الإسلام، وكيف نفرق بين زوجين؟ وهذا أمر عجيب منهم، فكيف نجبر زوجين كارهين على معاشرة لا يَبْغُونها، وكأنهما مقترنان في سلسلة من حديد؟ كيف وأنت لا تستطيع أنْ تربط صديقاً بصديق لا يريده، وهو لا يراه إلا مرة واحدة في اليوم مثلاً؟ فهل تستطيع أن تربط زوجين في مكان واحد، وهما مأمونان على بعض في حال الكراهية؟ ويُخيِّب الله سَعْيهم، ويُظهر بطلان هذه الأفكار، وتُلجِئهم أحداث الحياة ومشاكلها إلى تشريع الطلاق، حيث لا بديلَ عنه لحلِّ مثل هذه المشاكل. وقد ناقش هؤلاء كثيراً في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33]. وفي قوله: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الصف: 8] {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9]. يقولون: ومع ذلك لم يتم الدين، ولا يزال الجمهرة العالمية في الدنيا غَيْر مؤمنين بالإسلام، يريدون أنْ يُشكِّكوا في كتاب الله. وهذا القول منهم ناشىء عن عدم فَهْم للآية، ولمعنى {أية : لِيُظْهِرَهُ}تفسير : [التوبة: 33] فهي لا تعني أن ينتصر الإسلام على كل ما عداه انتصاراً يمحو المخالفين له. إنما يُظهِره يعني: يكتب له الغلبة بصدق حُجَجه وقضاياه على كُرْه من الكافرين والمشركين، فهم - إذن - موجودون، لكن يظهر عليهم، ويعلو دين الإسلام، ويضطرون هم للأخذ بقوانينه وتشريعاته حَلاً لمشاكلهم، وكَوْنهم يتخذون منه حلاً لمشاكلهم وهم كافرون به أبلغ في الردِّ عليهم لو آمنوا به، فلو آمنوا بالإسلام ما كان ليظهر عليهم ويعلوهم. فما كنتم تُشكِّكون فيه وتقولون إنه ما كان يصدر من إله ولا من رسول، فها هي الأيام قد عضّتكم بأحداثها وتجاربها وألجأتكم إلى هذا الحكم الذي تعارضونه، وها أنتم تُشرِّعون بتشريع الإسلام وأنتم كافرون به، وهذا دليل ظهوره عليكم. ومعنى {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} [الحج: 55] يعني: فجأة، وقد تكلَّم العلماء في معنى الساعة: أهي يوم القيامة، أم يوم يموت الإنسان؟ الساعة تشمل المعنيين معاً، على اعتبار أن مَنْ مات فقد قامت قيامته حيث انقطع عمله، وموت الإنسان يأتي فجأة، كما أن القيامة تأتي فجأة، فهما - إذن - يستويان. لكن، إنْ كانت الساعة بغتة تفجؤهم بأهوالها، فما العلامات الصُّغْرى؟ وما العلامات الكبرى؟ أليست مقدمات تأذن بحلول الساعة، وحينئذ لا تُعَدُّ بغتة؟ قالوا: علامات الشيء ليست هي إذن وجوده، العلامة تعني: قُرْب موعده فانتبهوا واستعِدُّوا، أما وقت حدوثه فلا يعلمه أحد، ولا بُدَّ أنْ يأتي بغتة رغم هذه المقدمات. ثم يقول تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] البعض اعتبر: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] يعني القيامة، وبالتالي فالساعة تعني الموت، وآخرون يقولون: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] المراد يوم بدر الذي فصل الله فيه بين الحق والباطل. وهذا اجتهاد يُشْكرون عليه، لكن لما نتأمل الآية: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ..} [الحج: 55] يعني: المرية مستمرة، لكن بدراً انتهت، المرية ستظل إلى أن تقوم الساعة. ولا مانعَ أن تكون الساعة بمعنى القيامة، واليوم العقيم أيضاً هو يوم القيامة، فيكون المدلول واحداً، لأن هناك فرقاً بين زمن الحدث والحدث نفسه، فالساعة هي زمن يوجد فيه الحدث وهو العذاب، فالساعة أولاً ثم يأتي العذاب، مع أن مجرد قيام الساعة في حَدِّ ذاته عذاب. ومعنى {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] العقيم: الذي لا يلد، رجل كان أو امرأة، فلا يأتي بشيء بعده، ومنه قوله تعالى عن سارة امرأة إبراهيم عليه السلام: {أية : عَجُوزٌ عَقِيمٌ} تفسير : [الذاريات: 29] وكذلك يوم القيامة يوم عقيم، حيث لا يوم بعده أبداً، فهي نهاية المطاف على حَدِّ قول أحدهم: حَبَتْهُم به الدنيا وأدركَها العُقْم. أو {عَقِيمٍ} [الحج: 55] بمعنى: أنها لا تأتي بخير، بل بشرٍّ، كما في قوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 41-42]. ذلك لأن الريح حين تهبُّ ينتظر منها الخير، إما بسحابة مُمطرة، أو تحريك لقاح الذكورة بالأنوثة {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22] أما هذه فلا خَيْر فيها، ولا طائل منها، وليتها تقف عند عدم النفع، ولكن تتعدَّاه إلى جَلْب الضُّر {أية : مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 42] فهي تدمر كل شيء تمرُّ عليه. وكما جاء في قوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}تفسير : [الأحقاف: 24-25]. فالمعنى - إذن - {عَقِيمٍ} [الحج: 55] لا خيرَ فيها ولا نفع، بل فيها الشر والعذاب، أو عقيم يعني: لا يأتي يوم بعده؛ لأنكم تركتم دنيا الأغيار، وتقلّب الأحوال حال بعد حال، فالدنيا تتقلَّب من فقر إلى غنى، ومن صحة إلى مرض، ومن صِغَر إلى كِبَر، ومن أَمْن إلى خوف، وتتحول من صيف إلى شتاء، ومن حر إلى برد، ومن ليل إلى نهار .. وهكذا. أما في الآخرة فقد انتقلتم مِن عالم الأغيار الذي يعيش بالأسباب إلى عالم آخر يعيش مع المسبِّب سبحانه، وإلى يوم آخر لا يومَ بعده، كأنه عَقِم أن يكون له عَقِب من بعده أو مثيل له، كما لو حضرتَ حفلاً مثلاً قد استكمل ألوان الكمال والنعم، فتقول: هذا حدث لا يتكرر يعني: عقيم لا يأتي بعده مثله. وإذا كنتَ في الدنيا تعيش بالأسباب التي خلقها الله لك، فأنت في الآخرة ستجلس مستريحاً تتمتع بالمسبِّب عَزَّ وجَلَّ، ويكفي أن يخطر الشيء ببالك، فتراه بين يديك؛ ولأن القيامة لا أغيارَ فيها ولا تقلّب، فسيظل الجميع كلٌّ على حاله في سِنٍّ واحدة، لا يشيب ولا يهرم، ولا يمرض ولا يموت. ألاَ ترى إلى قوله تعالى في نساء الجنة: {أية : إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 35-38]. والكاره لزوجته في الدنيا لأنها كانت تتعبه نقول له: لا تقِسْ زوجة الدنيا بزوجة الآخرة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {أية : لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}تفسير : [النساء: 57]. أي: مطهرة من كل ما كنتَ تكرهه فيها في الدنيا شكلاً وطَبْعاً وخُلقاً، فأنت الآن في الآخرة التي لا يعكر نعيمها كَدَر. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 691 : 31 : 28 - سفين في قوله {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} يوم بدر. [الآية 55].

همام الصنعاني

تفسير : 1947- حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}: [الآية: 55]، قالَ: هَذا يَوْمُ بدْرٍ، ذكره عن أُبَيّ بن كَعْبٍ. 1948-حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: بلغني أن أُبيّ بن كعب، كانَ يقول: أربع آيات، أُنْزِلَت في يوم بدر، هذه إحداهنّ {يَوْمٍ عَقِيمٍ}: [الآية: 55]، يوم بدر، واللزام القتلى، يوم بدر، و{أية : ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : : [الدخان: 16]، يوم بدر {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}تفسير : : [السجدة: 21]، يوم بدر.