٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} يعني يوم القيامة هو لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع. والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ثم بيّن حكمه فقال: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }. قلت: وقد يحتمل أن تكون الإشارة بـ«ـيومئذٍ» ليوم بَدْر، وقد حكم فيه بإهلاك الكافر وسعادة المؤمن؛ وقد «حديث : قال عليه السلام لعمر «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»»
البيضاوي
تفسير : {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } التنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية أي: يوم تزول مريتهم. {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بالمجازاة، والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله: {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } أي يوم القيامة {لِلَّهِ } وحده وما تضمنه من الاستقرار ناصب للظرف {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بين المؤمنين والكافرين بما بيّن بعده {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ } فضلاً من الله.
ابو السعود
تفسير : {ٱلْمَلِكُ} أي السُّلطانُ القاهرُ والاستيلاء التَّامُّ والتَّصرُّفُ على الإطلاقِ {يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} وحدَه بلا شريكٍ أصلاً بحيث لا يكونُ فيه لأحدٍ تصرُّفٌ من التَّصرُّفاتِ في أمرٍ من الأمورِ لا حقيقةً ولا مجازاً ولا صورةً ولا معنى كما في الدُّنيا فإنَّ للبعضِ فيها تصرُّفاً صُورياً في الجملة وليس التَّنوينُ نائباً عمَّا تدلُّ عليه الغايةُ من زوالِ مريتهم كما قيل ولا عمَّا يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل لما أنَّ القيدَ المعتبر مع اليَّومِ حيث وُسِّط بـين طرفَيْ الجملة يجب أنْ يكون مداراً لحكمها أعني كون الملكِ لله عزَّ وجلَّ وما يتفرَّعُ عليه من الإثابة والتَّعذيبِ ولا ريبَ في أنَّ إيمانَهم أو زوالَ مريتهم ليس ممَّا له تعلُّقٌ بما ذُكر فضلاً عن المداريةِ له فلا سبـيل إلى اعتبارِ شيءٍ منهما مع اليَّومِ قطعاً وإنَّما الذي يدورُ عليه ما ذُكر إتيانُ السَّاعةِ التي هي مُنتهى تصرُّفاتِ الخلق ومبدأُ ظهور أحكام المَلك الحقِّ جلَّ جلالُه فإذن هو نائبٌ عن نفس الجملة الواقعة غايةً لمريتهم فالمعنى: الملكُ يوم إذْ تأتيهم السَّاعةُ أو عذابُها لله تعالى. وقولُه تعالى: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} جملةٌ مستأنفة وقعت جواباً عن سؤال نشأَ من الإخبار بكونِ الملكِ يومئذٍ لله كأنَّه قيل: فماذا يُصنع بهم حينئذٍ؟ فقيل: يحكم بـين فريقِ المؤمنينَ به والمُمارينَ فيه بالمجازاةِ. وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ، تفسير للحُكم المذكور وتفصيلٌ له أي فالذين آمنُوا بالقرآن الكريم ولم يُماروا فيه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} امتثالاً بما أُمروا في تضاعيفِه {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} أي مستقرُّون فيها. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} أي أصرُّوا على ذلك واستمرُّوا {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ باعتبار اتِّصافِه بما في حيِّز الصِّلةِ من الكفر والتَّكذيبِ وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ ببعد منزلتهم في الشَّرِّ والفساد أي أولئك الموصُوفون بما ذُكر من الكفر والتَّكذيبِ وهو مبتدأٌ وقوله تعالى: {لَهُمْ عَذَابَ} جملةٌ اسميَّةٌ من مــبــتــدأ وخــبــرٍ مــقــدَّمٍ عليه وقعت خبر لأولئك أو لهم خبرٌ لأولئك وعذابٌ مرتفعٌ على الفاعلية بالاستقرارِ في الجارِّ والمجرور لاعتمادِه على المبتدأ وأولئك مع خبرِه على الوجهينِ خبرٌ للموصولِ وتصديرُه بالفاء للدِّلالةِ على أنَّ تعذيب الكفَّارِ بسبب أعمالِهم السَّيئةِ كما أنَّ تجريدَ خبرِ الموصول الأوَّلِ عنها للإيذانِ بأنَّ إثابة المؤمنينَ بطريق التَّفضُّلِ لا لإيجاب الأعمال الصَّالحةِ إيَّاها. وقولُه تعالى: {مُّهِينٌ} صفة لعذابٌ مؤكِّدة لما أفاده التَّنوينُ من الفخامةِ وفيه من المبالغةِ من وجوهٍ شتَّى ما لا يخفى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [الآية: 56]. قال ابن عطاء: الملك لله على دوام الأحوال، وبجميع الأوقات ولكن للعوام الملك يومئذ لآية القهارية والجبارية فلا يقدر أن يجحد ما عاين.
القشيري
تفسير : لم يتخصصْ مُلْكه - سبحانه - بيومٍ، ولم تتحدد له وقتيةُ أَمْرٍ، ولا لجلاله قَدْرٌ، ولكنَّ الدعاوى في ذلك اليوم تنقطع، والظنون ترتفع، والتجويزات تتلاشى؛ فللمؤمنين وأهل الوفاق نِعَمٌ، وللكفار وأصحاب الشقاق نِقَم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ملك الجمال والجلال وكشف اللقاء العارفين والعاشقين لله يومئذ يواسى قلوبهم باعطائه ايام مامولهم فاذا برز انوار سلطانه كبريائه اضحمل فيها الظنون والخواطر والرسوم والاعلام قال ابن عطا الملك على دوام الاوقات وجميع الاحوال له ولكن يكشف للعوام الملك يومئذ لابداء القهارية والجبارية فلا يقدران بجحد ما عاين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الملك} اى السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف على الاطلاق: وبالفارسية [بادشاهى وفرمان وهى] {يومئذ} يوم اذتأتيهم الساعة او العذاب {لله} وحده بلا شريك اصلا لامجازا ولا حقيقة: يعنى [امروز ملوك وسلاطين دعوىء سلطنت ملك دارى ميكنند دران روز كمر تكبر ازميان متجبران بكشايند وتاج ازسر خسروان بربايند ودعويها منقطع وكماتها مرتفع كردد ومالك ملك رخت تخيلات وتصورات ملوك را در قعر درياى عدم افكند ورسوم توهمات وتفكرات سلاطين بصدمت لمن الملك اليوم درهم شكندهمه را جزا ظهار عبوديت واقرار بعجز ويجاركى جاره نباشد شعر : آن سركه صيت افسرش ازجرخ دركذشت روزى بر آستانه او خاك در شود تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : همه تخت وملكى بذيرد زوال بجز مالك فرمان ده لايزال تفسير : قال ابن عطاء الملك على دوام الاوقات وجميع الاحوال له تعالى ولكن يكشف للعوام الملك يومئذ لابراز القهاية والجبارية فلا يقدر احد ان يجحد ما عاين {يحكم بينهم} كأنه قيل فماذا يصنع بهم حينئذ فقيل يحكم بين فريقى المؤمنين بالقرآن والمجادلين فيه بالمجازاة ثم فسر هذا الحكم وفصله بقوله {فالذين آمنوا} بالقرآن ولم يجادلوا فيه {وعملوا الصالحات} امتثالا بما امر فى تضاعيفه {في جنات النعيم} مستقرون فيها، قال الكاشفى [در بوستانهاى ناز ونعمت اند بى رنج ومحنت]، قال الراغب النعيم النعمة الكثيرة.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {ثم قتلوا} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من شدد أراد التكثير. ومن خفف، فلأنه يحتمل القليل والكثير. يقول الله تعالى إن الملك فى اليوم الذي وصفه بأنه "عقيم" وانه لا مثل له فى عظم الاهوال، فيه الملك لله تعالى وحده. لا ملك لاحد معه. وانما خص ذلك به، لأن فى الدنيا قد ملك الله تعالى أقواماً أشياء كثيرة. والملك اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور، فالله تعالى يملك الأمور لنفسه، وكل مالك سواه، فانما هو مملك له بحكمه، اما بدليل السمع او بدليل العقل. وقوله {يحكم بينهم} أي يفصل فى ذلك اليوم بين الخلائق، وينصف بينهم فى الحكم، والحكم الخبر بالمعنى الذي تدعو اليه الحكمة، ولهذا قيل: الحكم له، لأن كل حاكم غيره، فانما يحكم باذنه واعلام من جهته إما من جهة العقل او جهة السمع. ثم اخبر تعالى ان {الذين آمنوا} اي صدقوا بواحدنيته، وصدقوا أنبياءه {وعملوا الصالحات} التي أمر الله بها انهم {في جنات النعيم} منعمين فيها. {وإن الذين كفروا} اي جحدوا ذلك {وكذبوا} بآيات الله، فان لهم عذاباً مهيناً، يهينهم ويذلهم. والهوان الاذلال بتصغير القدر، ومثله الاستخفاف والاحتقار، أهانه يهينه إهانة فهو مهان مذلل. وقيل نزلت الآية في قوم من المشركين أتوا جماعة من المسلمين، فقاتلوهم في الاشهر الحرم بعد ان نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا، فنصروا عليهم. وقيل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من اصحابه يوم أحد. وقوله {والذين هاجروا في سبيل الله} يعني الذين خرجوا من ديارهم واوطانهم بغضاً للمشركين الذين كانوا يؤذونهم بمكة {ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً} يعني الجنة {وإن الله لهو خير الرازقين} ثم اقسم تعالى انه ليدخلن هؤلاء المهاجرين في سبيل الله الذين قتلوا {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} ويؤثرونه يعني الجنة، وما فيها من انواع النعيم. وقرأ نافع "مدخلا" بفتح الميم، يريد المصدر او اسم المكان، وتقديره: ليدخلنهم فيدخلون مدخلا يرضونه أو مكاناً يرضونه. والباقون بضم الميم وهو الأجود، لانه من ادخل يدخل مدخلا لقوله {أية : وأدخلني مدخل صدق} تفسير : وإن الله لعليم بأحوالهم، حليم عن معاجلة الكفار بالعقوبة. وقوله {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله} قيل نزلت فى قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الاشهر الحرم بعد أن نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا. فنصروا عليهم. وقيل: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من أصحابه يوم أحد، والأول لم يكن عقوبة، وإنما هو كقولهم الجزاء بالجزاء. والاول ليس بجزاء، وانما هو لازدواج الكلام.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} يوم الاحتضار او يوم القيامة وهو المناسب لما بعده فلا بدّ ان يفسّر السّاعة او اليوم العقيم بيوم القيامة {للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تفصيل لحكمه تعالى.
اطفيش
تفسير : {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} اي يوم يؤمنون كما دلت عليه الغاية أو يوم إذ زالت مريتهم والمراد يوم القيامة فانه لا بد من تفسير اليوم العقيم به لما مر أو لانه لا ليل له أو تفسير الساعة به ويوم متعلق بقوله لله لنيابته عن الاستقرار أو بالاستقرار {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} بين المؤمنين والكافرين وبين الحكم بقوله {فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعِمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} تفضلا من الله كما يدل عليه عدم الفاء في الخبر وادخالها في قوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} للدلالة على ان العذاب المهين بسبب كفرهم ولذا قال: (لهم عذاب) ولم يقل (هم في عذاب) والمهين المذل لهم لشدته وروي ان طوائف من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما اعطاهم من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فمالنا ان متنا معك؟ فنزل {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} من مكة إلى المدينة وفارقوا المال والعشيرة والاقارب والوطن {فِي سَبيلِ اللَّهِ} طاعته {ثُمَّ قُتِلُوا} في الجهاد وشدد ابن عامر التاء {أَوْ مَاتُوا} في فرشهم مثلا {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ} جواب قسم والقسم وجوابه خبر المبتدأ {رِزْقاً حَسَناً} رزق الجنة سواء بين المقتول في الجهاد وغيره تفضلا منه واحسانا وله ان يفعل ما يشاء أو لاستوائهما في القصد والنية واصل العمل. وقيل: لما مات عثمان بن فطعون وابو سلمة قال قائل: ماتا في غير الجهاد فنزلت الآية. قال بعضهم: ليست الآية قاضية بتساويهم والمقتول أفضل ولو كان هو والميت في سبيل الله شهيدين قال ويحتمل الرزق الحسن ان يكون رزق الشهادة عند ربهم في البرزخ. {وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} خير المعطين قال رزق (السلطان) الجند؛ ورزق الرجل عياله أي اعطاهم ولا رازق سواه تعالى وتسمية غيره رازقا مجاز وهو أفضل لانه اجراه على يده فقط وهو الرازق بغير حساب.
الالوسي
تفسير : {ٱلْمَلِكُ} أي السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف على الإطلاق {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذا تأتيهم الساعة أو عذابها؛ وقيل أي يوم إذ تزول مريتهم وليس بذلك، ومثله ما قيل أي يوم إذ يؤمنون {لِلَّهِ} وحده بلا شريك أصلاً بحيث لا يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا حقيقة ولا مجاز أو لا صورة ولا معنى كما في الدنيا فإن للبعض فيها تصرفاً صورياً في الجملة والتنوين في إذ عوض عن المضاف إليه، وإضافة يوم إليه من إضافة العام إلى الخاص وهو متعلق بالاستقرار الواقع خبراً. وقوله سبحانه: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال نشأ من الإخبار بكون الملك يومئذ لله، وضمير الجمع للفريقين المؤمنين ولكافرين لذكرهما أولاً واشتمال التفصيل عليهما آخراً، نعم ذكر الكافرين قبيله ربما يوهم تخصيصه بهم كأنه قيل: فماذا يصنع سبحانه بالفريقين حينئذ؟ فقيل: يحكم بينهم بالمجازاة، وجوز أن تكون حالاً من الاسم الجليل. {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} وهم الذين لا مرية لهم فيما أشير إليه سابقاً كيفما كان متعلق الإيمان {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} أي مستقرون في جنات مشتملة على النعم / الكثيرة.
ابن عاشور
تفسير : آذنت الغاية التي في قوله: {أية : حتى تأتيهم الساعة بغتة}تفسير : [الحج: 55] أن ذلك وقت زوال مرية الذين كفروا، فكان ذلك منشأ سؤال سائل عن صورة زوال المرية: وعن ماذا يلقونه عند زوالها، فكان المقام أن يجاب السؤال بجملة {الملك يومئذ لله يحكم بينهم} إلى آخر ما فيها من التفصيل، فهي استئناف بياني. فقوله {يومئذ} تقدير مضافه الذي عُوّض عنه التنوين: يوم إذ تزول مريتهم بحلول الساعة وظهور أن ما وعدهم الله هو الحق، أو يوم إذ تأتيهم الساعة بغتة. وجملة {يحكم بينهم} اشتمال من جملة {الملك يومئذ لله}. والحكم بينهم: الحكمُ فيما اختلفوا فيه من ادّعاء كل فريق أنه على الحق وأن ضده على الباطل، الدال عليه قوله: {أية : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك}تفسير : [الحج: 54] وقوله: {أية : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه}تفسير : [الحج: 55] فقد يكون الحكم بالقول، وقد يكون بظهور آثار الحق لفريق وظهور آثار الباطل لفريق، وقد فُصل الحكم بقوله: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ، وهو تفصيل لأثر الحكم يدلّ على تفصيل أصله، أي ذلك حكم الله بينهم في ذلك اليوم. وأريد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات عمومه. وخص بالذكر منهم الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا تنويهاً بشأن الهجرة، ولأجلها استوى أصحابها في درجات الآخرة سواء منهم من قتل في سبيل الله أو مات في غير قتال بعد أن هاجر من دار الكفر. والتعريف في {الملك} تعريف الجنس، فدلّت جملة {الملك يومئذ لله} على أن ماهية الملك مقصورة يومئذ على الكون مِلكاً لله، كما تقدم في قوله تعالى {أية : الحمد لله}تفسير : [الفاتحة: 2] أي لا ملك لغيره يومئذ. والمقصود بالكلام هو جملة {يحكم بينهم} إذ هم البدل. وإنما قدمت جملة {الملك يومئذ لله} تمهيداً لها وليقع البيان بالبدل بعد الإبهام الذي في المبدل منه. وافتتح الخبر عن الذين كفروا باسم الإشارة في قوله {فأولئك لهم عذاب مهين} للتنبيه على أنهم استحقوا العذاب المُهين لأجل ما تقدم من صفتهم بالكفر والتكذيب بالآيات. والمُهين: المذل، أي لهم عذاب مشتمل على ما فيه مذلتهم كالضرب بالمقامع ونحوه. وقرن {فأولئك لهم عذاب مهين} بالفاء لما تضمنه التقسيم من معنى حرف التفصيل وهو (أما)، كأنه قيل: وأما الذين كفروا، لأنه لما تقدم ثواب الذين آمنوا كان المقام مثيراً لسؤال من يترقب مقابلة ثواب المؤمنين بعقاب الكافرين وتلك المقابلة من مواقع حرف التفصيل. والرزق: العطاء، وهو كل ما يتفضّل به من أعيان ومنافع، ووصفه بالحسن لإفادة أنه يُرضيهم بحيث لا يتطلبون غيره لأنه لا أحسن منه. وجملة {ليدخلنهم مدخلاً يرضونه} بدل من جملة {ليرزقنهم الله رزقاً حسناً}، وهي بدل اشتمال، لأن كرامة المنزل من جملة الإحسان في العطاء بل هي أبهج لدى أهل الهمم، ولذلك وصف المدخل بــــ {يرضونه}. ووقعت جملة {وإن الله لهو خير الرازقين} معترضة بين البدل والمبدل منه، وصريحها الثناء على الله. وكنايتُها التعريض بأن الرزق الذي يرزقهم الله هو خير الأرزاق لصدوره من خير الرازقين. وأكدت الجملة بحرف التوكيد ولامه وضمير الفصل تصويراً لعظمة رزق الله تعالى. وجملة: {وإن الله لعليم حليم} تذييل، أي عليم بما تجشموه من المشاق في شأن هجرتهم من ديارهم وأهلهم وأموالهم، وهو حليم بهم فيما لاقَوه فهو يجازيهم بما لقُوه من أجله. وهذه الآية تبيّن مزية المهاجرين في الإسلام. وقرأ نافع {مَدخلاً} ــــ بفتح الميم ــــ على أنه اسم مكان من دَخل المجردِ لأن الإدخال يقتضي الدخول. وقرأ الباقون ــــ بضم الميم ــــ جرياً على فعل {ليُدخلنّهم} المزيد وهو أيضاً اسم مكان للإدخال.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الملك يوم القيامة له، وإن كان الملك في الدنيا له أيضاً، لأن في الدنيا ملوكاً من المخلوقين، ويوم القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلا لله جل وعلا وحده، وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له، ومعلوم أن الملك هو الذي له الحكم بين الخلق بينه في غير هذا الموضع كقوله {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4] وقوله: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الفرقان: 26] الآية وقوله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16] وقوله تعالى {أية : وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ}تفسير : [الأنعام: 73] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. إدخال الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين: يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في قوله {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وما ذكره هنا من الوعد والوعيد قد بينا الآيات الدالة على معناه مرراً بكثرة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الواحدي
تفسير : {الملك يومئذ} يعني: يوم القيامة {لله} وحده من غير مُنازعٍ ولا مُدَّعٍ {يحكم بينهم} ثمَّ بيَّن حكمه فقال: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم}. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين}. {والذين هاجروا} فارقوا أوطانهم وعشائرهم {في سبيل الله} في طاعة الله {ثمَّ قتلوا أو ماتوا لَيَرْزُقّنَّهُمُ الله رزقاً حسناً} في الجنَّة. {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مدخلاً} أَيْ: إدخالاً وموضعاً {يرضونه} وهو الجنة. {ذلك} أَيْ: الأمر ذلك قصصنا عليك {ومَنْ عاقب بمثل ما عوقب به} أَيْ: جازى العقوبة بمثلها {ثم بغي عليه} ظُلم {لينصرنَّه الله} يعني: المظلوم. {ذلك} أَيْ: ذلك النَّصر للمظلوم بأنَّه القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنَّه {يولج الليل في النهار} يزيد من هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا، والباقي ظاهرٌ إلى قوله: {إنَّ الإنسان لكفور} يعني: إنَّ الكافر لجاحدٌ لآيات الله تعالى الدَّالة على توحيده.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتِ} (56) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونَ السُّلْطَانُ القَاهِرُ، والتَّصَرُّفُ المُطْلَقُ للهِ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِعَدْلِهِ، فَلاَ يَظْلِمُ أَحَداً شَيْئاً، وَيَجْزِي الذين آ مَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِجِنَّاتٍ يَكُونُ لَهُمْ فِيْهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ دَائِمٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولقائل أنْ يقول: أليس الملْك لله يومئذ، وفي كل يوم؟ نعم، الملْك لله في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الدنيا خلق الله خَلْقاً وملّكهم، وجعلهم ملوكاً من باطن مُلْكه تعالى، لكنه مُلْك لا يدوم، كما قال سبحانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 26]. إذن: ففي الدنيا ملوك مَلّكهم الله أمراً من الأمور، ففيها ملك للغير، أمّا في الآخرة فالملْك لله تعالى وحده: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. وفي القيامة {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ..} [الحج: 56] فقد رَدَّ الملْك كله إلى صاحبه، ورُدَّت الأسباب إلى مُسبِّبها. ومعنى {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ..} [الحج: 56] أن هناك خصومةً بين طرفين، أحدهما على حق، والآخر على باطل، والفَصْل في خصومات الدنيا تحتاج إلى شهود، وإلى بينة، وإلى يمين فيقولون في المحاكم: البينة على المدَّعي واليمين على مَنْ أنكر، هذا في خصومات الدنيا، أما خصومات الآخرة فقاضيها الحق - سبحانه وتعالى - الذي يعلم السرَّ وأخفى، فلا يحتاج إلى بينة ولا شهود ولا سلطة تُنفِّذ ما حكم به. محكمة الآخرة لا تحتاج فيها إلى مُحامٍ، ولا تستطيع فيها أنْ تُدلِّس على القاضي، أو تُؤجِّر شاهد زور، لا تستطيع في محكمة الآخرة أن تستخدم سلطتك الزمنية فتنقض الحكم، أو تُسقطه؛ لأن الملْك يومئذ لله وحدة، والحكم يومئذ لله وحدة، هو سبحانه القاضي والشاهد والمنفِّذ، الذي لا يستدرك على حكمه أحد. وما دام هناك حكومة، فلا بُدَّ أن تسفر عن محكوم له ومحكوم عليه، ويُوضِّحهما قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الحج: 56]. وهؤلاء هم الفائزون الذين جاء الحكم في صالحهم.
الجيلاني
تفسير : إذ {ٱلْمُلْكُ} والتصرف {يَوْمَئِذٍ} أي: بعد انقضاء دار الابتلاء والاختبار {للَّهِ} المستقل بالألوهية والربوبية والتصرف مطلقاً، وإن كان في النشأة الأولى أيضاً كذلك، إلا أنه سبحانه أقدرهم على الإطاعة والانقياد، كما أقدرهم على الإنكار والعناد لِحِكَم مصالح؛ إذ هي دار الفتن والابتلاء والاختيار، وبعد انقضائها لا يقبل منه جبرُ ما فوتوا على نفوسهم في تلك النشأة بل {يَحْكُمُ} سبحانه بحكمه المبرم {بَيْنَهُمْ} على مقتضى علم نهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله على جه الإخلاص والإخبات {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المترتبة على الإيمان واليقينن هم في النشأة الأخرى {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الحج: 56] دائمين يها مقيمين، لا يتحولون إلى ما هوأدنى، بل يترقونه إلى الأعلى حتى يفوزوا بشرف اللقاء. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله فيها {وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا} المنزلة على رسلنا لبيان توحيدنا {فَأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المذبون المردودون {لَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الحج: 57] لإهانتهم أنبياء الله ورسله، وما نزل عليهم من الآيات. ثم قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} وتركموا مضيق الإمكان ساكنين {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} طالبين فضاءً به الوجوب والفناء فيه {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ} على يد الغفلة الجهلة عن توحيد الله واستقلاله في الوجود {أَوْ مَاتُواْ} بالموت الاضطراري حتف أنوفهم بعدما خرجوا عن مقتضيات الحياة الصورية بالموت الإرادي {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ} المنعم المفضل {رِزْقاً حَسَناً} حقيقاً من لدنه تفضيلاً عليهم وامتناناً، وكيف لا يرزقهم مع أهم أولياؤه وهو رازق لأعدائه أيضاً؟ {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي في الآفاق، المتكفل لأرزاق من عليها وما عليها {لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الحج: 58] ممن نسب إليهم مجازاً، إذ مرجع الكل إليه، ومبدؤه منه وتوفيقهم بيده، وهم تحت ظله، وفعلهم حقيقةً منسوب إليه. وبعدما رزقهم الله بالرزق المعنوي بدل ما جاهدوا في سبيله من تحمل المشاق والمتاعب في الانقطاع عن مألوفات بقعة الإمكان ومطبوعات نفوسهم وهوياتهم من اللذات والشهوات البهيمية. {لَيُدْخِلَنَّهُمْ} سبحانه بفضله وسعة جوده {مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} أي: مسكناً ومقاماً يرضون منه نفوسهم بدل ما يتركون من البقاع والديار والقصور المشيدة المرتفعة ألا وهي المكاشفات والمشاهدات الواردة عليهم من الاطلاع على سرائر الأسماء والصفات الإلهية، والواردات الغيبية من عالم اللاهوت {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأمور عباده {لَعَلِيمٌ} بمصالحهم وما يستدعي استعداداتهم {حَلِيمٌ} [الحج: 59] يفعل معهم ما يرضى به استعداداتهم ويسع له قابلياتهم. {ذٰلِكَ} أي: الأمر والشأن ذلك المذكور لمن هاجر إلى الله طالباً لقياه، خالصاً لوجهه الكريم {وَمَنْ عَاقَبَ} ظالمه يوماً غلب عليه، وأراد أن ينتقم عنه {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي: بمقدار ظلمه بلا زيادة عليه ولا نقصان {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} أي: غلب الظالم على المظلوم المنتقم كرة أخرى، وأراد أن يظلم عليه ثانياً {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ} العزيز المنتقم في الكرّة الثانية أيضاً ما لم يتجاوز عن حد الانتقام، ولا ينظر سبحانه إلى اجترائه إلى الانتقام، ويتركه ما هو الأولى وهو العفو عند القدرة، وكظم الغيظ لدى الفرصة {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لمقتضيات استعداد عباده {لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] لما صدر عنهم من المبادرة إلى الانتقام لدى القدرة. {ذٰلِكَ} النصر على من ظُلم {بِأَنَّ ٱللَّهَ} أي: بسبب أن الله المستوي على القسط القويم {يُولِجُ} ويدخل {ٱللَّيْلَ} المظلم {فِي ٱلنَّهَارِ} المضيء {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ} المضيء {فِي ٱللَّيْلِ} المظلم على التدريج ليعتدلا ويعتدل من ظهر وما ظهر كرهما وتجددهما {وَأَنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح مظاهره بالحكمة المتقنة {سَمِيعٌ} سمع ما هو من قبيل المسموعات من الوقائع التي أدركها السمع {بَصِيرٌ} [الحج: 61] يبصر ما هو من قبيل املبصرات من الحوادث المدركة بالبصر. {ذٰلِكَ} أي: سمعه للمسموعات وإبصاره للمبصرات {بِأَنَّ ٱللَّهَ} المتجلي في الآفاق {هُوَ ٱلْحَقُّ} المقصور على التحقق والثبوت بالاستحقاق الواجب وجوده بلا ارتياب الممتنع نظيره على الإطلاق {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ} أيها المشركون {مِن دُونِهِ} من الآلهة الباطلة {هُوَ ٱلْبَاطِلُ} المصور على العدم والبطلان، لا وجود لهم فيكف ألوهيتهم، والإله لا بدَّ وأن يكون واجب الوجود، ثم ما يترتب عليه من الأوصاف الذاتية والأسماء الإلهية فهم معزولون عن الوجود، ثم ما يترتب عليه من الأوصاف الذاتية والأسماء الإلهية فهم معزولون عن الوجود، فكيف عن لوازمها {وَ} اعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء، المتعزز بالمجد والبهاء، المتوحد بالقيومية والبقاء الأبدي {هُوَ ٱلْعَلِيُّ} بذاته المتعالي على أن يصفه ألسنة العقلاء، ويعرب عنه أفهام العرفاء {ٱلْكَبِيرُ} [الحج: 62] المتكبر في شأنه جل جلاله عن أن يحيط به وبأوصافه وأسمائه شيء من مظاهره ومصنوعاته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حكم الفريقين وحالهم في الطريقين بقوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ} [الحج: 56] يشير إلى أن الحكم يومئذٍ لله لا لغيره، وأنه {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [الحج: 56] وإلا لم يتخصص ملكه تعالى بيوم دون يوم، ولم يتحدد له وقت إذا أمر، ولأجله أنه قدر ولكن الدعاوى في ذلك اليوم بالملكية والمالكية يتقطع والظنون ترتفع، ولا يكون حاكم ولا مالك إلا هو فيحكم {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الحج: 56] نعيم جوار الحق سبحانه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الحج: 57] إهانة عذاب البعد والطرد والقطيعة {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} [الحج: 58] عن أوطان الطبيعة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الحج: 58] في طلب الحقيقة {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ} [الحج: 58] مكنوا بسيف الصدق نفوسهم {أَوْ مَاتُواْ} [الحج: 58] عن الأوصاف البشرية {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} [الحج: 58] رزق القلوب حلاوة العرفان؛ فإن رزق الأسرار ومشاهدة الجمال، ورزق الأرواح مكاشفة الجلال {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الحج: 58] لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" تفسير : {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} إدخالاً فوق فوق ما يتمنونه، ومدخلاً فوق الذي يهوونه. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ} كل قاصد {حَلِيمٌ} [الحج: 59] لانبساط كل صادق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):