٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال عز من قائل {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } واختلفوا فيمن أريد بذلك، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالباً لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرباً إلى الله تعالى، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده، ومنهم من حمله على الأمرين. واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم، وظاهر الكلام للعموم. ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم، أما الرزق فقوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة، وقال الأصم إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام { أية : وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [هود: 88] فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة، وقال الكلبي رزقاً حسناً حلالاً وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة. المسألة الثانية: لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا، ولخرج عن أن يكون أهلاً للجنة قطعاً على قول المعتزلة. فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم؟ قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم وقد قال تعالى: { أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } تفسير : [الحديد: 10] فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وظهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تالياً لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه. المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه: أحدها: التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها: أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى وثالثها: أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق ورابعها: أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل أن يخرج عن الواجب، وإما لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان وخامسها: أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى وسادسها: أن المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملاً من منة الغير، فكان هو خير الرازقين وسابعها: أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به، ورزق الغير لا بد وأن يكون مسبوقاً برزق الله وملحوقاً به حتى يحصل الانتفاع. وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره، فثبت أنه سبحانه خير الرازقين. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: أن الله تعالى قادر وثانيها: أن غير الله يصح منه أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك وثالثها: أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأن قوله {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } دلالة على كونهم ممدوحين والجواب: لا نزاع في كون العبد قادراً، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. وأما الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه. المسألة الخامسة: لما قال تعالى: {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } فسوى بينهما في الوعد، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك. وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق، فإنه روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : المقتول في سبيل الله تعالى، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل، هما في الخير والأجر شريكان » تفسير : ولفظ الشركة مشعر بالتسوية، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة. وروى أيضاً: أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك. فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر، فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيداً. أما المسكن فقوله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء مدخلاً بضم الميم وهو من الإدخال، ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع. المسألة الثانية: قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع، وقال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما قال يرضونه، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا } تفسير : [التوبة: 24] وقوله: { أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] وقوله: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } تفسير : [الفجر: 28] وقوله: { أية : وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [التوبة: 72]. المسألة الثالثة: إن قيل ما معنى {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } وما تعلقه بما تقدم؟ قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، وأما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة. أما قوله: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ذٰلِكَ } قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه السورة. وقال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا. المسألة الثانية: قوله: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ } معناه: قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدىء بالقتال، قال مقاتل: نزلت في قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأبوا وقاتلوهم. فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم. فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام ما وقع، فأنزل الله تعالى هذه الآية: وعفا عنهم وغفر لهم وههنا سؤالات: السؤال الأول: أي تعلق لهذه الآية بما قبلها؟ الجواب: كأنه سبحانه وتعالى قال مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم. السؤال الثاني: هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم وإلى المؤمنين؟ الجواب: الأقرب أنه يعود إلى الفريقين فإنه تقدم ذكرهما، وبين ذلك قوله تعالى: {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } وبعد القتل والموت لا يمكن ذلك في الدنيا. السؤال الثالث: ما المراد بالعقوبة المذكورة؟ الجواب: فيه وجهان: أحدهما: المراد ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم، ورد بعضهم إلى غير ذلك، فبين تعالى أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا فسينصره عليهم، وهذه النصرة المذكورة تقوي تأويل من تأوله على مجاهدة الكفار لا على القصاص، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك والجواب الثاني: أن هذه الآية في القصاص والجراحات، وهي آية مدنية عن الضحاك. السؤال الرابع: لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة؟ الجواب: أطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى:40]{ أية : ويُخَـادعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء:142]. السؤال الخامس: أي تعلق لقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } بما تقدم؟ الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن الله تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن الجاني بقوله: { أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الشورى: 40] { أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237]، { أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } تفسير : [الشورى: 43] فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة، فكأنه سبحانه قال: إني قد عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها، فإني أنا الذي أذنت لك فيه وثانيها: أنه سبحانه وإن ضمن له النصر على الباغي، لكنه عرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو والمغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين وثالثها: أنه سبحانه دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. السؤال السادس: أي تعلق لقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيْلِ } بما قبله؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: ذلك أي ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن آيات قدرته البالغة كونه خالقاً لليل والنهار ومتصرفاً فيهما، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر مصيباً فيه وثانيها: المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر. السؤال السابع: ما معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل الجواب: فيه وجهان: أحدهما: يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده وثانيهما: أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات. السؤال الثامن: أي تعلق لقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } بما تقدم؟ الجواب: المراد أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر. السؤال التاسع: ما معنى قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } وأي تعلق له بما تقدم؟ الجواب: فيه وجهان: أحدهما: المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن الله هو الحق أي هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد والوعيد ثانيهما: أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال: { أية : لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ } تفسير : [غافر: 43]. السؤال العاشر: أي تعلق لقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } بما تقدم؟ والجواب: معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه، وذلك أيضاً يفيد كمال القدرة. المسألة الثالثة: قوله: {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } إخبار عن الغيب فإنه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يقتل بالسيف. واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر عليه. المسألة الخامسة: قرأ نافع وابن عامر {تَدْعُونَ } بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب.
القرطبي
تفسير : أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقُتلوا تفضيلاً لهم وتشريفاً على سائر الموتى. وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مَظْعُون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قُتل في سبيل الله أفضلُ ممن مات حَتْف أنفه؛ فنزلت هذه الآية مُسَوِّيةً بينهم، وأن الله يرزق جميعهم رزقاً حسناً. وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل. وقد قال بعض أهل العلم: إن المقتول في سبيل الله والميتَ في سبيل الله شهيد؛ ولكن للمقتول مَزِيّة ما أصابه في ذات الله. وقال بعضهم: هما سواء؛ واحتج بالآية، وبقوله تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 100]، وبحديث أمّ حَرام؛ فإنها صُرعت عن دابتها فماتت ولم تُقتل فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنت من الأوّلين»تفسير : ، وبقول النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عَتيك: «حديث : من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فخرّ عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حَتْفَ أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قَعْصاً فقد استوجب المآب» تفسير : وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب في غَزاة بِمَنْجَنيق فمات والآخر مات هناك؛ فجلس فضالة عند الميت فقيل له: تركت الشهيد ولم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أيّ حفرتيهما بُعثت؛ ثم تلا قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} الآية كلها. وقال سليمان بن عامر: كان فضالة برُودس أميراً على الأرباع فخُرِج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوَفّى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته؛ فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أيّ حفرتيهما بُعثت، اِقرءوا قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ}. كذا ذكره الثعلبي في تفسيره، وهو معنى ما ذكره ابن المبارك. واحتج من قال: إن للمقتول زيادةَ فضل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه سئل: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من أُهْرِيق دمُه وعُقر جوادُه»»تفسير : . وإذا كان من أهريق دمه وعُقر جواده أفضلَ الشهداء عُلم أنه من لم يكن بتلك الصفة مفضول. قرأ ابن عامر وأهل الشام «قُتّلوا» بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف. {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} أي الجِنان. قراءة أهل المدينة «مَدخلا» بفتح الميم؛ أي دخولاً. وضمها الباقون، وقد مضى في «سبحان». {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ} في الجهاد. {أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً } الجنة ونعيمها، وإنما سوى بين من قتل في الجهاد ومن مات حتف أنفه في الوعد لاستوائهما في القصد وأصل العمل. روي أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا فنزلت. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} فإنه يرزق بغير حساب.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلباً لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله، ثم قتلوا، أي: في الجهاد، أو ماتوا، أي: حتف أنفهم، أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 100]. وقوله: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} أي: ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَٰزِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} أي: الجنة، كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـٰتُ نَعِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 88 ــــ 89] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال ههنا: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} ثم قال: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ} أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك {حَلِيمٌ} أي: يحلم ويصفح، ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه. فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169] والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم، وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الاية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ابن الحارث ــــ يعني: عبد الكريم ــــ عن ابن عقبة ــــ يعني: أبا عبيدة بن عقبة ــــ قال: قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان ــــ يعني: الفارسي رضي الله عنه ــــ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من مات مرابطاً، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَٰزِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}».تفسير : وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام: أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بجنازتين، إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا، وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت؟ اسمعوا كتاب الله: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} حتى بلغ آخر الآية، وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني: أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} الآيتين. فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه، ورزقت رزقاً حسناً؟ والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل، والآخر متوفى، فذكر نحو ما تقدم. وقوله: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} الآية، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج: أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعاً من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي طاعته من مكة إلى المدينة {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً } هو رزق الجنة {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ } أفضل المعطين.
الشوكاني
تفسير : أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد الشرف، فقال: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال بعض المفسرين: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر، ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكلّ من سبيل الله {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } أي في حال المهاجرة، واللام في {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً } جواب قسم محذوف، والجملة خبر الموصول بتقدير القول، وانتصاب {رزقاً} على أنه مفعول ثانٍ، أي: مرزوقاً حسناً، أو على أنه مصدر مؤكدة، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع وقيل هو الغنيمة لأنه حلال. وقيل: هو العلم والفهم كقول شعيب: {أية : وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [هود: 88]. قرأ ابن عامر وأهل الشام: "ثم قتلوا" بالتشديد على التكثير، وقرأ الباقون بالتخفيف {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } فإنه سبحانه يرزق بغير حساب، وكل رزق يجري على يد العباد لبعضهم البعض، فهو منه سبحانه، لا رازق سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقرّرة لما قبلها. وجملة: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ } مستأنفة، أو بدل من جملة: {ليرزقنهم الله}. قرأ أهل المدينة: "مدخلاً" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها، وهو اسم مكان أريد به الجنة، وانتصابه على أنه مفعول ثانٍ أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة سبحان. وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم، على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ } بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم {حَلِيمٌ } عن تفريط المفرطين منهم لا يعاجلهم بالعقوبة. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم. قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف، ومعنى {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ }: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي الابتداء باسم الجزاء مشاكلة كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40]. وقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194]. والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه. والمراد بالمثلية: أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به ولم يزد عليه، ومعنى {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ }: أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى. قيل: المراد بهذا البغي: هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به، واللام في {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } جواب قسم محذوف، أي لينصرن الله المبغيّ عليه على الباغي {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي كثير العفو والغفران للمؤمين فيما وقع منهم من الذنوب. وقيل: العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو. وقيل: إن معنى {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ } أي ثم كان المجازي مبغياً عليه، أي مظلوماً، ومعنى ثم تفاوت الرتبة، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم كما قيل في أمثال العرب: البادي أظلم. وقيل: إن هذه الآية مدنية، وهي في القصاص والجراحات. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ } إلى ما تقدّم من نصر الله سبحانه للمبغيّ عليه، وهو مبتدأ وخبره جملة: {بأن الله يولج}، والباء للسببية، أي ذلك بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وعبر عن الزيادة بالإيلاج، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، والمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر. وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع كلّ مسموع {بَصِيرٌ } يبصر كلّ مبصر، أو سميع للأقوال مبصر للأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرة. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } إلى ما تقدّم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام، أي هو سبحانه ذو الحق، دينه حقّ، وعبادته حقّ، ونصره لأوليائه على أعدائه حقّ، ووعده حقّ، فهو عزّ وجلّ في نفسه وأفعاله وصفاته حقّ {وَإِن مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ } قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة "تدعون" بالفوقية على الخطاب للمشركين، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيدة. والمعنى: إن الذين تدعونه إلٰهاً، وهي الأصنام، هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلٰهاً {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ } أي العالي على كلّ شيء بقدرته المتقدّس على الأشباه والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات {ٱلْكَبِيرُ } أي ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرّده بالإلٰهية. ثم ذكر سبحانه دليلاً بيناً على كمال قدرته، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً } الاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على {أنزل} وارتفع الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل وسيبويه. قال الخليل: المعنى أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا، كما قال الشاعر:شعر : ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق تفسير : معناه: قد سألته فنطق. قال الفراء: {ألم ترَ} خبر، كما تقول في الكلام: إن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة، أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة، أي ذوات بقل وسباع، وهو عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة، وصيغة الاستقبال، لاستحضار صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل، والرفع هنا متعين؛ لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفي الاخضرار، والمقصود إثباته. قال ابن عطية: هذا لا يكون، يعني الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة. والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها كما في قوله: {أية : فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ }تفسير : [الحج: 5]. والمراد بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } أنه يصل علمه إلى كل دقيق وجليل. وقيل: لطيف بأرزاق عباده. وقيل: لطيف باستخراج النبات، ومعنى {خَبِيرٌ } أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم. وقيل: خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر. وقيل: خبير بحاجتهم وفاقتهم. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خلقاً وملكاً وتصرّفاً وكلهم محتاجون إلى رزقه {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ} فلا يحتاج إلى شيء {ٱلْحَمِيدِ } المستوجب للحمد في كل حال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلاْرْضِ } هذه نعمة أخرى ذكرها الله سبحانه، فأخبر عباده بأنه سخر لهم ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار وجعله لمنافعهم {وَٱلْفُلْكِ } عطف على ما، أو على اسم أن، أي وسخر لكم الفلك في حال جريها في البحر، وقرأ عبد الرحمٰن الأعرج: "وَٱلْفُلْكِ" بالرفع على الابتداء وما بعده خبره، وقرأ الباقون بالنصب. ومعنى {تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } أي بتقديره، والجملة في محل نصب على الحال على قراءة الجمهور {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ } أي كراهة أن تقع، وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك، والجملة معطوفة على تجري {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي بإرادته ومشيئته، وذلك يوم القيامة {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم تفضلاً منه عل عباده وإنعاماً عليهم. ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي أَحْيَاكُمْ } بعد أن كنتم جماداً {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء أعماركم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } عند البعث للحساب والعقاب {إنْ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ } أي كثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد؛ لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } إلى قوله: {حَلِيمٌ }»تفسير : . وإسناد ابن أبي حاتم هكذا: حدّثنا المسيب بن واضح، حدّثنا ابن المبارك عن عبد الرحمٰن بن شريح عن عبد الكريم بن الحارث عن أبي عقبة، يعني: أبا عبيدة بن عقبة قال: قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمرّ بي سلمان: يعني: الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان برودس، فمرّوا بجنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى، فمال الناس عن القتيل، فقال فضالة: مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أيّ حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } الآية. وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: حدّثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام؛ أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المغافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. قلت: ويؤيد هذا قول الله سبحانه: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ }تفسير : [النساء: 100]. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } قال: إن النبيّ بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدأوا فقاتلوهم، فاستحلّ الصحابة قتالهم عند ذلك فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وهو مرسل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وَمَنْ عَاقَبَ } الآية قال: تعاون المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخرجوه، فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وَإِن مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ } قال: الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ } قال: يعدّ المصيبات وينسى النعم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {ذلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} الآية، فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قوم من مشركي قريش لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله المسلمين فنزل ذلك فيهم، حكاه النقاش. الثاني: أنها في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله فنزل ذلك فيهم، حكاه ابن عيسى. ونصر الله في الدنيا بالغلبة والقهر، وفي الآخرة بالحجبة والبرهان.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } خرجوا من أوطانهم مجاهدين {ثُمَّ قُتِلُواْ } شامي {أَوْ مَاتُواْ } حتف أنفهم {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً } قيل: الرزق الحسن الذي لا ينقطع أبداً {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } لأنه المخترع للخلق بلا مثال، المتكفل للرزق بلا ملال {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً } بفتح الميم مدني والمراد الجنة {يَرْضَوْنَهُ } لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ } بأحوال من قضى نحبه مجاهداً، وآمال من مات وهو ينتظر معاهداً {حَلِيمٌ } بإمهال من قاتلهم معانداً. رُوي أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله: هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين. {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك وما بعده مستأنف {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } سمي الابتداء بالجزاء عقوبة لملابسته له من حيث إنه سبب وذلك مسبب عنه {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم ثم ظلم بعد ذلك فحق على الله أن ينصره {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ } يمحو آثار الذنوب {غَفُورٌ } يستر أنواع العيوب. وتقرير الوصفين بسياق الآية أن المعاقب مبعوث من عند الله على العفو وترك العقوبة بقوله {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }تفسير : [البقرة: 237] فحيث لم يؤثر ذلك وانتصر فهو تارك للأفضل وهو ضامن لنصره في الكرة الثانية إذا ترك العفو وانتقم من الباغي، وعرف مع ذلك بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين، أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده كما قيل «العفو عند القدرة».
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ...} الآية, ابتداءُ معنى آخرُ؛ وذلك أَنَّهُ لما مات عثمانُ بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: مَنْ قُتِلَ من المهاجرين أَفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنفه. فنزلت هذه الآية مُسَوِّيَةً بينهم في أنَّ اللّه تعالى يرزقُ جميعهم رِزْقاً حسناً، وليس هذا بقاضٍ بتساويهم في الفضل، وظاهِرُ الشريعة أَنَّ المقتول أفضل، وقد قال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل اللّه شهيدَانِ، ولكن للمقتول مَزِيَّةُ ما أصابه في ذات اللّه، والرزق الحسن يحتمل: أن يريد به رزق الشهداءِ عند ربهم في البرزخ، ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة، وقرأت فرقة: «مُدْخَلاً» - بضم الميم -؛ من أدخل؛ فهو محمولٌ على الفعل المذكور، وقرأت فرقة: «مَدْخَلاً» بفتح الميم؛ من دخل؛ فهو محمول على فعل مُقَدَّرٍ تقديره: فَيَدْخُلُونَ مَدْخَلاً، ثم أخبر سبحانه عَمَّنْ عاقب من المؤمنين مَنْ ظلمه من الكفرة، وَوَعَدَ المَبْغِيَّ عليه بأنه ينصره، وذلك أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كُفَّارٌ في الأشهر الحُرْم؛ فأبى المؤمنون من قتالهم، وأبى المشركون إلاَّ القتال، فلمَّا اقتتلوا، جَدَّ المؤمنون ونصرهم اللّه تعالى؛ فنزلت الآية فيهم، وجَعَلَ تقصيرَ الليلِ وزيادَة النهار وعكسهما إيلاجاً؛ تجوُّزاً وتشبيهاً، وباقي الآية بيّن.
ابن عادل
تفسير : قوله: "والَّذِينَ هَاجَرُوا" مبتدأ، وقوله: "لَيَرْزُقَنَّهُم" جواب قسم مقدر، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله: "والَّذِينَ هَاجَرُوا". وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبراً للمبتدأ. ومن يمنع يضمر قولاً هو الخبر يحكي به هذه الجملة القسمية. وهو قول مرجوح. قوله: "رِزْقاً" يجوز أن تكون مفعولاً ثانياً على أنه من باب الرعي والذبح أي: مرزوقاً حسناً. وأن يكون مصدراً مؤكداً. وقوله: "ثُمَّ قُتِلُوا" وقوله: "مُدْخَلاً" تقدم الخلاف في القراءة بهما في آل عمران وفي النساء. فصل لما ذكر أن المُلْكَ له يوم القيامة، وأنه يَحكم بينهم، ويُدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال: "وَالَّذِينَ هَاجَرُوا" فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله، وطلب رضاه {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} وهم كذلك قال مجاهد: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم وظاهر الآية العموم. ثم قال: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} والرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبداً وهو نعيم الجنة. وقال الأصم: إنه العلم والفهم لقول شعيب - عليه السلام - {أية : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} تفسير : [هود: 88]. (وقال الكلبي: "رِزْقاً حَسَناً") أي حلالاً وهو الغنيمة. وهذان الوجهان ضعيفان لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت، وبعدهما لا يكون إلا نعيم الآخرة. ثم قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} معلوم بأن كل الرزق من عنده. فقيل: إن التفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره. وقيل: المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله. وقيل: إن غيره ينقل من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق. وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل خروجه عن الواجب أو لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، أو لأجل الرقّة الجنسية، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً، فالرزق الصادر منه لمحض الإحسان. وقيل: إن غيره إنما يرزق إذا حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله. فصل قالت المعتزلة: الآية تدل على أمور ثلاثة: الأول: أن غير الله قادر. الثاني: أن غير الله يصح أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك. الثالث: أن الرزق لا يكون إلا حلالاً، لأن قوله: "خَيْرُ الرَّازِقِيْن" يدل على كونهم ممدوحين. والجواب: لا نزاع في كون العبد قادراً، فإن القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. والثالث بحث لفظي تقدم الكلام فيه. فصل دل قوله: {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} على أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء، لأنه تعالى جمع بينهما في الوعد، ويؤيده ما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : المَقْتُولُ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ والمُتَوَفَّى فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ قَتْلٍ هُمَا فِي الأَجْرِ شَريكَان" تفسير : ولفظ الشركة مشعر بالتسوية وإلا فلا يبقى لتخصيصها بالذكر فائدة. قوله: "لَيُدْخِلَنَّهُمْ" هذه الجملة يجوز أن تكون بدلاً من "لَيَرْزُقَنَّهُم" وأن تكون مستأنفة. وقوله: "مُدْخَلاً يَرْضَوْنَه" قال ابن عباس: إنما قال: "يَرْضَوْنَه" لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فـ "يَرْضَوْنَه" وقوله: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 21] وقوله: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر: 28] {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التوبة: 72]. ثم قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم، أو عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، وأما الحليم فلا يعجل بالعقوبة على من يقدم على المعصية، بل يمهل لتقع منه التوبة فيستحق الجنة. قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} "ذَلِكَ" خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك وما بعده مستأنف. والباء في قوله: {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} للسببية في الموضعين قاله أبو البقاء والذي يظهر أن الأولى يشبه أن تكون للآلة. "وَمَنْ عَاقَبَ" مبتدأ خبره "لَيَنْصُرَنَّه اللَّهُ". فصل المعنى: الأمر ذلك الذي قصصناه عليك {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتُدِئ بالقتال. قال مقاتل: نزلت في قوم من قريش أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، وكره المسلمون قتالهم، وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام، فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصِروا، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام. فأنزل الله هذه الآية، وعفا عنهم وغفر لهم. والعقاب الأول بمعنى الجزاء، وأطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. وهذه النُّصْرة تقوي تأويل من تأول الآية على مجاهدة الكفار لا على القصاص لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك. وقال الضحاك: هذه الآية في القصاص والجراحات لأنها مدنية. قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: من حَرَّق حَرَّقْنَاه، ومن غَرَّق غَرَّقْنَاه لهذا الآية، فإن الله تعالى جوَّز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر. وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: بل يقتل بالسيف. فإن قيل: كيف تعلق الآية بما قبلها؟ فالجواب: كأنه تعالى قال: مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي إن الله ندب المعاقبين إلى العفو عن الجاني بقوله: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 237] {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال: إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها. وقيل: إنه تعالى وإن ضمن له النصر على الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة، فلوَّح بذكر هاتين الصفتين. وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} وفيه وجهان: الأول: أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر، ومن قدرته كونه خالقاً لليل والنهار ومتصرفاً فيهما، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر. الثاني: المراد أنه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر. ومعنى إيلاج أحدهما في الآخر أنه يحصل ظلمة هذا في ضياء ذلك بغيبوبة الشمس وضياء ذلك في ظلمة هذا بطلوعها كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده. وقيل هو أن يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات. و"ذَلَكَ" مبتدأ و"بأَنَّ اللَّهَ" خبره، ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي: أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، وذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر. قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} الآية. قرأ العامة "وأن ما" عطفاً على الأول. والحسن بكسرها استئنافاً. وقوله: "هُوَ الحَقّ" يجوز أن يكون فصلاً ومبتدأ. وجوَّز أبو البقاء أن يكون توكيداً. وهو غلط لأن المضمر لا يؤكد المظهر، ولكان صيغة النصب أولى به من الرفع فيقال: إياه، لأن المتبوع منصوب. وقرأ الأخوان وحفص وأبو عمرو هنا وفي لقمان "يَدْعُونَ" بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق، والفعل مبني للفاعل وقرأ مجاهد واليماني بالياء من تحت مبنياً للمفعول. والواو التي هي ضمير تعود على معنى "ما" والمراد بها الأصنام أو الشياطين، ومعنى الآية: أن ذلك الوصف الذي تقدم من القدرة على هذه الأمور لأجل أن الله هو الحق، أي: هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغيير والزوال وأن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كقوله: {أية : لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [غافر: 43]. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} العلي القاهر المقتدر نبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره، وأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه، وذلك يفيد كمال القدرة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سلمان الفارسي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن الفتانين، وأقرأوا إن شئتم" {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} إلى قوله: {حليم} . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي: - إنه كان برودس - فمروا بجنازتين: أحدهما قتيل، والآخر متوفى. فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا لقتيل في سبيل الله، فقال: والله، ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. اسمعوا كتاب الله {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {مدخلاً يرضونه} قال: الجنة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في الجهادِ حسبما يلوحُ به قوله تعالى: {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} أي في تضاعيف المُهاجرة. ومحلُّ الموصول الرَّفعُ على الابتداء وقوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ} جواب لقسم محذوفٍ والجملةُ خبرُه ومن منع وقوعَ الجملةِ القسميَّةِ وجوابِها خبراً للمبتدأ يُضمر قولاً هو الخبرُ والجملةُ محكمية. وقوله تعالى: {رِزْقًا حَسَنًا} إمَّا مفعول ثانٍ على أنَّه من باب الرَّعي والذَّبحِ أي مَرزوقاً حسناً أو مصدرٌ مؤكِّد والمراد به ما لا ينقطعُ أبداً من نعيمِ الجنَّةِ وإنَّما سوى بـينهما في الوعدِ لاستوائهما في القصد. وأصلُ العمل على أن مراتبَ الحُسنِ متفاوتةٌ فيجوزُ تفاوتُ حال المرزوقينَ حسب تفاوت الأرزاقِ الحسنةِ. ورُوي أنَّ بعضَ أصحابِ النَّبـيِّ عليه السَّلامُ قالوا: يا نبـيَّ الله هؤلاءِ الذين قُتلوا في سبـيلِ الله قد علمنا ما أعطاهُم الله تعالى من الخيرِ ونحنُ نجاهد معك كما جاهدُوا فما لنا إنْ مُتنا معك فنزلتْ. وقيل: نزلتْ في طوائفَ خرجُوا من مكَّةَ إلى المدينةِ للهجرةِ فتبعهم المشركونَ فقاتلُوهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ} فإنَّه يرزق بغير حسابٍ مع أنَّ ما يرزقه لا يقدِرُ عليه أحدٌ غيرُه والجملة اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لما قبله وقوله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} بدلٌ من قوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ} أو استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونه. ومُدخلاً إمَّا اسمُ مكانٍ أُريد به الجنَّة فهو مفعول ثانٍ للإدخال أو مصدرٌ ميميٌّ أُكِّد به فعلُه. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنَّما قيل يَرضونه لما أنَّهم فيها يَرون ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَر على قلبِ بشرٍ فيرضونه {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ} بأحوالِهم وأحوالِ معاديهم {حَلِيمٌ} لا يُعاجلهم بالعقوبة. {ذٰلِكَ} خبرُ مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملةُ لتقرير ما قبله والتَّنبـيهِ على أنَّ ما بعده كلامٌ مستأنفٌ {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي لم يَزد في الاقتصاصِ وإنَّما سُمِّي الابتداءُ بالعقابِ الذي هو جزاءُ الجنايةِ للمشاكلةِ أو لكونِه سبباً له {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ} بالمعاودة إلى العُقوبة {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ} على مَن بغى عليه لا محالة {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي مبالغٌ في العفوِ والغُفرانِ فيعفُو عن المنتصرِ ويغفرُ له ما صدرَ عنه من ترجيحِ الانتقامِ على العفوِ والصبرِ المندوبِ إليهما بقوله تعالى: { أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ} تفسير : [الشورى: 43] أي ما ذُكر من الصَّبرِ والمغفرةِ { أية : لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] فإنَّ فيه حثًّا بليغاً على العفوِ والمغفرةِ فإنَّه تعالى مع كمالِ قُدرتِه لمَّا كانَ يعفُو ويغفُر فغيرُه أَوْلى بذلك وتنبـيهاً على أنَّه تعالى قادرٌ على العقوبةِ إذ لا يُوصف بالعفوِ إلاَّ القادرُ على ضدِّهِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} [الآية: 58]. قال أبو عثمان: هو القناعة بما أعطى. وقال ابن عطاء رحمة الله عليه: ثقة بالله، وتوكلاً عليه، وانقطاعًا عن الخلق. قال بعضهم: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} قال أبو عثمان: قال: هو أن تملكه نفسه فلا تغلب عليه نفسه، وتكون تحت قهره. وقال بعضهم في قوله: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً}. قال: تصحيح العبودية على المشاهدة، وملازمة الخدمة على السُّنَّة. قال الجريرى فى قوله: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} قال: هو تصحيح التوحيد بالفردانية، ومعانقة التجريد بالسمع والطاعة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ} الذين هاجروا مما دون الله وقتلوا بسيوف محبة الله وماتوا من غلبة شوق الله تحت اثقال رؤية عظمة الله ليرزقنهم الله رزق مشاهدته ودوام وصلته على السرمدية ويجيبهم بروحه الى ابد الابدين وملك الحياة والارزاق غير مقطوعة ولا ممنوع قال الجريرى هو تصحيح التوحيد بالفردانية ومعانقة التجريد بالسمع والطاعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين هاجروا} فارقوا اوطانهم {في سبيل الله} فى الجهاد الموصل الى جنته ورضاه حسبما يلوح به قوله تعالى {ثم قتلوا} [بس كشته شدند درجهاد بادشمنان دين] والقتل ازالة الورح عن الجسد لكن اذا اعتبر بفعل المتولى لذلك يقال قتل واذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت {او ماتوا} ايى في تضاعيف المهاجرة. وبالفارسية [يابمردن شربت شهادت ناجشيده] {ليرزقنهم الله رزقا حسنا} مرزوقا حسنا والمراد نعيم الجنة الغير المنقطع ابدا، قال الكاشفى [هر آينه روزى دهد خداى تعالى ايشانرا روزى نيكركه نعيم بهشت است نه تعبى رسد در تحصيل آن ونه علتى بود درتناول آن ونه دغدغة انقطاع باشد دران روزى] {وان الله خير الرزاقين} فانه يرزق بغير حساب مع ان ما يرزقه لايقدر عليه احد غيره والرزق العطاء الجارى دنيويا كان او اخرويا ثم بين مسكنهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} بعدما آمنوا {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} لاجتماع جهات الخير فيه لانّه مالك لجميع الارزاق ومعطٍ لما يستحقّه المرزوق، وبقدر ما يحتاج اليه، ولعلمه بحاجات المرزوق جملةً، ولاعطائه بلا عوضٍ ولا غرضٍ من المرزوق وغيره، ولاعطائه ما يحتاج المرتزق فى ارتزاقه كما قيل: شعر : لقمه بخشى آيد از هركس بكس حلق بخشى كار يزدانست وبس حلق بخشد جسم راو روح را حلق بخشد بهر هر عضوى جدا كوه طور اندر تجلّى حلق يافت تا كه مى نوشيدو مى را بر نتافت اين كَهى بخشد كه اجلالى شود از دغا واز دغل خالى شود تفسير : ولانّ الرّزق ليس الاّ فى يده ولانّ رزقه فوق ما يتصوّر المتصوّرون فى الحسن والالتذاذ به اتى بهذه الجملة معطوفةً او حالاً بعد توصيف الرّزق بالحسن تفخيماً لشأن رزقه وتأكيداً لحسنه.
الأعقم
تفسير : {والذين هاجروا} أعاد ذكرهم وإن كانوا دخلوا في الذين آمنوا وعملوا الصالحات تعظيماً لهم وتفخيماً لشأنهم لكونهم فارقوا أوطانهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله {ثم قتلوا} في الجهاد {أو ماتوا} في المعركة {ليرزقنهم الله رزقاً حسناً} في الجنة {وإن الله لهو خير الرازقين} ما إذا رآه لا يمدن عينيه إلى غيره لا يقدر على ذلك إلا الله، وقيل: بل هو قوله: {أية : بل أحياء عند ربهم يرزقون} تفسير : [آل عمران: 169] {ليدخلنّهم مدخلاً يرضونه} يعني مكاناً يدخلونه ويرضونه وهو الجنة {وإن الله لعليم} بمواضع الجزاء ومقداره {حليم} بالإمهال إلى ذلك اليوم {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به} الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الشهر الحرام فنهاهم المسلمون عن ذلك فأبوا فنصِروا عليهم، ومعنى {من عاقب بمثل ما عوقب به} فينتقم من عدوه، وقيل: الأول لم يكن عقوبة ولكن هو كقولهم الحر بالحر، وقيل: أراد القصاص بالقتل أن يقتل قاتل وليه، وقيل: أراد أن يخرجوهم من ديارهم مثل ما أخرجوهم {لينصرنه الله إن الله لعفوٌ غفور} عمن ينتصر من ظالمه، غفور يغفر له، وقيل: هو عام، قوله تعالى: {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار} الإِيلاج الادخال، قال جار الله: {ذلك} أي ذلك النصر سبب أنه قادر، ومن آيات قدرته البالغة أنه {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أو سبب أنه خالق الليل والنهار ومصرّفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والإِنصاف، وأنه {سميع} لما يقولون {بصير} بما يفعلون، قال جار الله: فإن قلت: ما معنى إيلاج أحدهما في الآخر؟ قيل: يحصل ظلمة هذا في ضياء الآخر وضياء ذلك في مكان ظلمة الآخر بطلوعهما كما يضيء بالسراج ويظلم بفقده، وقيل: هو زيادة أحدهما بما نقص من الآخر من الساعات، وان الله سميع لما يقول عباده، بصير لا يخفى عليه شيء فيجازي به {ذلك بأن الله هو الحق} الدائم القادر وما دون ضعيف، وقيل: إنما يقوله ويفعله الحق، وقيل: عادته الحق {وأنَّ ما يدعون من دونه} قرئ بالياء والتاء والأوثان {هو الباطل وأَنَّ الله هو العلي} القادر على كل شيء {الكبير} العظيم في صفاته {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة} أي ذات خضرة بالنبات ولا يقدر عليها غيره {إن الله لطيف} قيل: فاعل الألطاف، وقيل: يحسن التدبير، {خبير} الخبير العالم {له ما في السماوات وما في الأرض} يعني جميعها، وقيل: جميع من فيهما عباده {وإن الله لهو الغني الحميد} الذي لا يجوز عليه الحاجة، الحميد المحمود بصفاته وأفعاله {ألم تر} أيها الإِنسان {أن الله سخّر لكم ما في الأرض} قيل: تسخيرها تمكينهم من الأشياء والإِنتفاع وتصريفهما فيما يريدون، وقيل: أراد تسخير الأنعام مع عظم قوتها وغير ذلك من الحيوانات {والفلك تجري في البحر بأمره} يعني السفن والله أعلم {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} أي بأمره بالإِمساك خلقه تعالى {وهو الذي أحياكم} في الدنيا {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} في الآخرة للثواب والعقاب {إن الإِنسان لكفور} أي جحود.
اطفيش
تفسير : {والَّذين هاجَرُوا فى سَبِيل اللَّهِ} تركوا ديارهم لأجل دين الله {ثمَّ قُتِلوا} لجهادهم، وهذا أولى من تفسير سبيل الله بالجهاد استدلالاله بذكر القتل بعده {أو ماتُوا} بغير قتل، والخبر هكذا، والله {ليرزقنَّهم الله} ومن منع الإخبار بالقيم وجوابه قدر الخبر قولا حاكياً لهما هكذا أقول أو يقال، أو مقول فيهم، وجوابه ليرزقهم الله {رزقاً حَسَناً} مفعول به ليرزق ثان، أى نعيماً حسناً أو مفعول مطلق على بعده على المعنى المصدرى، وعلى إخراجه الى معنى مرزوق كالوجه الأول، يكون من باب ضربته سوطاً، وذلك فى الجنة، ولو كان لا اختصاص للمهاجرين، لأن المراد التبشير بالسعادة، والإخبار بأن سببها الهجرة، وأيضاً لهم مزيد التأكيد بالقسم أو الرزق الحسن الذى أخبر به فاق رزق غيرهم. وقيل فى البرزخ لقول سلمان الفارسى رضى الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : من مات مرابطاً أى ولو لم تثبت له الهجرة، أو مهاجراً ولو لم يقتل أجرى عليه الرزق وأمن من الفتانيْن" تفسير : اقرءوا ان شئتم: " والذين هاجروا فى سبيل الله" الى "حليم" فالهجرة تساوى القتل فى الجهاد، لما مات عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد قيل: من قتل من المهاجرين أفضل ممن هاجر ولم يقتل، فنزلت الآية تسوية بينهم. وروى أنه مر على فضالة بن عبيد بجنازتين من المهاجرين، أحداهما قتيل فمال الناس على القتيل، فقال: هما سواء لقوله تعالى: " والذين هاجروا" الآية، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : المقتول فى سبيل الله والمتوفى فى سبيل الله بغير قتل هما فى الأجر شريكان" تفسير : وظاهره التسوية، وذكر بعض أن المهاجر شهيد، وقال جماعات من المهاجرين: يا رسول الله علمنا لهؤلاء الشهداء فما لنا ونحن نقاتل معك؟ فنزلت الآية مسوية. {وإنَّ الله لَهُوا خَيرُ الرَّازقين} لأنه رزق من يشاء بغير حساب. ويرزق ما لا يقدر غيره عليه، كالإنبات والأمطار والتوليد، ولا يمنّ ولا يرجو مكافأة، ولأن غيره يعطى مما أعطاه الله عز وجل، والآية صريحة فى تسمية غيره تعالى رازقاً على معنى مجرد الاعطاء كما جاز فى غيره أيضاً رزق ويرزق، ومنع الراغب فى غيره لفظ رازق.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في الجهاد حسبما يلوح به قوله تعالى: {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} أي في تضاعيف المهاجرة. وقرأ ابن عامر {قتلوا} بالتشديد، ومحل الموصول الرفع على الابتداء، وقوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ} جواب لقسم محذوف والجملة خبره على الأصح من جواز وقوع القسم وجوابه خبراً، ومن منع أضمر قولاً هو الخبر والجملة محكية به. وقوله سبحانه: {رِزْقًا حَسَنًا} إما مفعول ثان ليرزق على أنه من باب النقض والذبح أي مرزوقاً حسناً أو مصدر مبين للنوع، والمراد به عند بعض ما يكون للشهداء في البرزخ من الرزق، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : من مات مرابطاً أجري عليه الرزق وأمن من الفتانين » تفسير : واقرؤا إن شئتم {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ} [الحج: 58] إلى قوله تعالى { أية : حَلِيمٌ } تفسير : [الحج: 59] وقد نص سبحانه في آية أخرى على أن الذين يقتلون في سبيل الله تعالى أحياء / عند ربهم يرزقون وليس ذلك في تلك الآية إلا في البرزخ وقال آخرون: المراد به ما لا ينقطع أبداً من نعيم الجنة. ورد بأن ذلك لا اختصاص له بمن هاجر في سبيل الله ثم قتل أو مات بل يكون للمؤمنين كلهم. وتعقب بأن عدم الاختصاص ممنوع فإن تنكير {رِزْقاً} يجوز أن يكون للتنويع ويختص ذلك النوع بأولئك المهاجرين، وقيل المراد تشريفهم وتبشيرهم بهذا الوعد الصادر ممن لا يخلف الميعاد المقترن بالتأكيد القسمي ويكفي ذلك في تفضيلهم على سائر المؤمنين كما في المبشرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفيه نظر. وقال الكلبـي: هو الغنيمة، وقال الأصم: هو العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام: { أية : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [هود: 88] ويرد عليهما أنه تعالى جعل هذا الرزق جزاء على قتلهم أو موتهم في تضاعيف المهاجرة في سبيل الله تعالى فلا يصح أن يكون في الدنيا ولعل قائل ذلك يقول: إنه في الآخرة وفيها تتفاوت مراتب العلم أيضاً. وظاهر الآية على ما قيل: استواء من قتل ومن مات مهاجراً في سبيل الله تعالى في الرتبة وبه أخذ بعضهم. وذكر أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت الآية مسوية بينهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابـي أنه كان بموضع فمروا بجنازتين إحداهما قتيل والأخرى متوفى فمال الناس على القتيل في سبيل الله تعالى فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله تعالى فقال: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} الآية. ويؤيد ذلك بما روي عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : المقتول في سبيل الله تعالى والمتوفى في سبيل الله تعالى بغير قتل هما في الأجر شريكان » تفسير : فإن ظاهر الشركة يشعر بالتسوية، وظاهر القول بالتسوية أن المتوفى مهاجراً في سبيل الله تعالى شهيداً كالقتيل وبه صرح بعضهم، وفي «البحر» أن التسوية في الوعد بالرزق الحسن لا تدل على تفضيل في المعطى ولا تسوية فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل انتهى، وما تقدم في سبيل النزول غير مجمع عليه، فقد روي أن طوائف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا نبـي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فنزلت، واستدل بعضهم بهذا أيضاً على التسوية، وقال مجاهد: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون وقاتلوهم، وعلى هذا القول ليس المراد من المهاجرة في سبيله تعالى المهاجرة في الجهاد، وأياً ما كان فهذا ابتداء كلام غير داخل في حيز التفصيل. ويوهم ظاهر كلام بعضهم الدخول وأنه تعالى أفراد المهاجرين بالذكر مع دخولهم دخولاً أولياً في { أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } تفسير : [الحج: 56] تفخيماً لشأنهم وهو كما ترى. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ} فإنه جل وعلا يرزق بغير حساب مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره سبحانه وأن غيره تعالى إنما يرزق مما رزقه هو جل شأنه. واستدل بذلك على أنه قد يقال لغيره تعالى رازق والمراد به معطي، والأولى عندي أن لا يطلق رازق على غيره تعالى وأن لا يتجاوز عما ورد. وأما إسناد الفعل إلى غيره تعالى كرزق الأمير الجندي وأرزق فلاناً من كذا فهو أهون من إطلاق رازق ولعله مما لا بأس به، وصرح الراغب بأن الرزاق لا يقال إلا لله تعالى. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله.
سيد قطب
تفسير : انتهى الدرس الماضي ببيان عاقبة المؤمنين والمكذبين يوم يكون الملك لله وحده. وذلك في سياق نصرة الله لرسله، وصيانته لدعوته، وثوابه لمن يؤمن بها، وعقابه لمن يكذبها. فالآن يبدأ هذا الدرس بالحديث عن المهاجرين، بعدما سبق الإذن لهم بالقتال، دفاعاً عن عقيدتهم، وعن عبادتهم، ودفعاً للظلم عن أنفسهم، وقد أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولم تكن جريرتهم إلا أن يقولوا: ربنا الله، ويبين ما أعده لهم من عوض عما تركوا من ديار وأموال.. ثم يتحدث بصفة عامة في صورة حكم عام عمن يقع عليهم الاعتداء فيردون عليه بمثله، ثم يقع عليهم البغي والعدوان، فيعدهم نصر الله في صيغة التوكيد. ويعقب على هذا الوعد الوثيق باستعراض دلائل القدرة التي تضمن تحقيق ذلك الوعد الوثيق.. وهي دلائل كونية تتجلى في صفحات الكون ونواميس الوجود؛ وتوحي بأن نصر الله للمظلومين الذين يدفعون عن أنفسهم، ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم، ثم يقع عليهم البغي.. سنة كونية ترتبط بنواميس الوجود الكبرى.. وعندئذ يتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن لكل أمة منهجاً هي مأمورة به ومهيأة لنهجه، فلا يشغل نفسه بجدال المشركين، ولا يدع لهم فرصة لينازعوه في منهجه. فإن جادلوه فليكل أمرهم إلى الله، الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فهو أعلم بحقيقة ما هم عليه، وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض. ويعرّض بعبادتهم ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم؛ وبقسوة قلوبهم ونفورهم من سماع كلمة الحق، حتى ليكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات الله. ويهددهم إزاء همهم بالسطو على دعاة الحق بالنار التي جعلها الله مصيرهم ووعدهم بها وعداً لا بد آت! ثم يعلن في صورة بيان عام شامل للخليقة عن ضعف من يدعونهم من دون الله. ويصور ضعفهم في صورة زرية لا مبالغة فيها. ولكنها بطريقة عرضها تجسم الضعف المزري. فهي صورة من لا يقدرون على منازلة الذباب، ولا على استنقاذ ما يسلبهم إياه الذباب.. وهم آلهة كما يدعي لهم المشركون! وينتهي الدرس وتنتهي السورة معه بتوجيه الخطاب إلى الأمة المؤمنة لتنهض بتكاليفها. وهي تكاليف الوصاية على البشرية. مستعدة لها بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير، مستعينة عليها بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله.. {والذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا أو ماتوا، ليرزقنَّهم الله رزقاً حسناً، وإن الله لهو خير الرازقين. ليدخلنهم مدخلاً يرضونه، وإن الله لعليم حليم}.. والهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه: الأهل والديار والوطن والذكريات، والمال وسائر أعراض الحياة. وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان الله، وتطلعاً إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعاً. والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية. أما بعد الفتح فلم تعد هجرة. ولكن جهاد وعمل ـ كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : فمن جاهد في سبيل الله وعمل كان له حكم الهجرة، وكان له ثوابها ".. تفسير : {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً}.. سواء لاقوا الله شهداء بالقتل، أو لاقوه على فراشهم بالموت. فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير، واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق، وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا الله. فتكفل الله لهم بالعوض الكريم عما فقدوه: {ليرزقنهم الله رزقاً حسناً، وإن الله لهو خير الرازقين}.. وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا: {ليدخلنهم مدخلاً يرضونه} فقد خرجوا مخرجاً يرضي الله، فتعهد لهم الله بأن يدخلهم مدخلاً يرضونه. وإنه لمظهر لتكريم الله لهم بأن يتوخى ما يرضونه فيحققه لهم، وهم عباده، وهو خالقهم سبحانه. {وإن الله لعليم حليم}.. عليم بما وقع عليهم من ظلم واذى، وبما يرضي نفوسهم ويعوضها. حليم يمهل. ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى.. فأما الذين يقع عليهم العدوان من البشر فقد لا يحلمون ولا يصبرون، فيردون العدوان، ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم من الأذى. فإن لم يكف المعتدون، وعاودوا البغي على المظلومين تكفل الله عندئذ بنصر المظلومين على المعتدين: {ذلك. ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله. إن الله لعفو غفور} وشرط هذا النصر أن يكون العقاب قصاصاً على اعتداء لا عدواناً ولا تبطراً؛ وألا يتجاوز العقاب مثل ما وقع من العدوان دون مغالاة. ويعقب على رد الاعتداء بمثله بأن الله عفو غفور. فهو الذي يملك العفو والمغفرة. أما البشر فقد لا يعفون ولا يغفرون، وقد يؤثرون القصاص ورد العدوان. وهذا لهم بحكم بشريتهم ولهم النصر من الله. بعد ذلك يربط السياق بين وعد الله بالنصر لمن يعاقب بمثل ما عوقب به ثم يقع عليه البغي.. يربط بين هذا الوعد وسنن الله الكونية الكبرى، التي تشهد بقدرة الله على تحقيق وعده، كما تشهد بدقة السنن الكونية المطردة مما يوحي بأن ذلك النصر هو إحدى هذه السنن التي لا تتخلف. {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، وأن الله سميع بصير}.. وهي ظاهرة طبيعية تمر بالبشر صباحاً ومساء، وصيفاً وشتاء. الليل يدخل في النهار عند المغيب، والنهار يدخل في الليل عند الشروق. والليل يدخل في النهار وهو يطول في مدخل الشتاء، والنهار يدخل في الليل وهو يمتد عند مطلع الصيف.. ويرى البشر هذه الظاهرة وتلك من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل فينسيهم طول رؤيتها وطول ألفتها ما وراءها من دقة النواميس واطرادها. فلا تختل مرة، ولا تتوقف مرة. وهي تشهد بالقدرة الحكيمة التي تصرف هذا الكون وفق تلك النواميس. والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكرورة التي يمر عليها الناس غافلين. ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة، وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب.. وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من جانب. في دقة عجيبة لا تختل، وفي اطراد عجيب لا يتخلف.. وكذلك نصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان.. إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل. فكذلك يزوي الله سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين. فهي سنة كونية كتلك السنة، يمر عليها الناس غافلين، كما يمرون على دلائل القدرة في صفحة الكون وهم لا يشعرون! ذلك مرتبط بأن الله هو الحق. فالحق هو المسيطر على نظام هذا الكون. وكل ما دون الله باطل يختل ويتخلف ولا يطرد أو يستقيم. {ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير}.. وذلك تعليل كاف وضمان كاف لانتصار الحق والعدل، وهزيمة الباطل والبغي. وهو كذلك ضمان لاطراد سنن الكون وثباتها، وعدم تخلخلها أو تخلفها. ومن هذه السنن انتصار الحق وهزيمة البغي. والله أعلى من الطغاة، وأكبر من الجبارين: {وأن الله هو العلي الكبير}.. فلن يدع البغي يستعلي والظلم يستطيل. ويستطرد السياق في استعراض دلائل القدرة في مشاهد الكون المعروضة للناس في كل حين: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فتصبح الأرض مخضرة؟ إن الله لطيف خبير}. ونزول الماء من السماء، ورؤية الأرض بعده مخضرة بين عشية وصباح.. ظاهرة واقعة مكرورة. قد تذهب الألفة بجدتها في النفوس. فأما حين يتفتح الحس الشاعر، فإن هذا المشهد في الأرض يستجيش في القلب شتى المشاعر والأحساسيس. وإن القلب ليحس أحياناً أن هذا النبت الصغير الطالع من سواد الطين، بخضرته وغضارته، أطفال صغار تبسم في غرارة لهذا الوجود الشائق البهيج، وتكاد من فرحتها بالنور تطير! والذي يحس على هذا النحو يستطيع أن يدرك ما في التعقيب بقوله: {إن الله لطيف خبير}.. من لطف وعمق ومشاكلة للون هذا الإحساس، ولحقيقة ذلك المشهد وطبيعته. فمن اللطف الإلهي ذلك الدبيب اللطيف. دبيب النبتة الصغيرة من جوف الثرى، وهي نحيلة ضئيلة، ويد القدرة تمدها في الهواء، وتمدها بالشوق إلى الارتفاع على جاذبية الأرض وثقلة الطين.. وبالخبرة الإلهية يتم تدبير الأمر في إنزال الماء بقدر في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب ويتم امتزاج الماء بالتربة، وبخلايا النبات الحية المتطلعة إلى الانطلاق والنور! والماء ينزل من سماء الله إلى أرضه، فينشئ فيها الحياة، ويوفر فيها الغذاء والثراء.. والله المالك لما في السماء والأرض، غني عما في السماء والأرض. وهو يرزق الأحياء بالماء والنبات، وهو الغني عنهم وعما يرزقون: {إن الله لهو الغني الحميد}. فما به سبحانه من حاجة إلى من في السماء والأرض، أو ما في السماء والأرض فهو الغني عن الجميع.. وهو المحمود على آلائه، المشكور على نعمائه، المستحق للحمد من الجميع. ويستطرد السياق مرة أخرى إلى استعراض دلائل القدرة المعروضة للناس في كل حين: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره. ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. إن الله بالناس لرءوف رحيم}.. وفي هذه الأرض كم من قوة وكم من ثروة سخرها الله لهذا الإنسان؛ وهو غافل عن يد الله ونعمته التي يتقلب فيها بالليل والنهار! لقد سخر الله ما في الأرض لهذا الإنسان، فجعل نواميسها موافقة لفطرته وطاقاته. ولو اختلفت فطرة الإنسان وتركيبه عن نواميس هذه الأرض ما استطاع الحياة عليها، فضلاً على الانتفاع بها وبما فيها.. لو اختلف تركيبه الجسدي عن الدرجة التي يحتمل فيها جو هذه الأرض، واستنشاق هوائها، والتغذي بطعامها والارتواء بمائها لما عاش لحظة. ولو اختلفت كثافة بدنه أو كثافة الأرض عما هي عليه ما استقرت قدماه على الأرض، ولطار في الهواء أو غاص في الثرى.. ولو خلا وجه هذه الأرض من الهواء أو كان هذا الهواء أكثف مما هو أو أخف لاختنق هذا الإنسان أو لعجز عن استنشاق الهواء مادة الحياة! فتوافق نواميس هذه الأرض وفطرة هذا الإنسان هو الذي سخر الأرض وما فيها لهذا الإنسان. وهو من أمر الله. ولقد سخر الله له ما في الأرض مما وهبه من طاقات وإدراكات صالحة لاستغلال ثروات هذه الأرض، وما أودعه الله إياها من ثروات وطاقات ظاهرة وكامنة؛ يكشف منها الإنسان واحدة بعد واحدة ـ وكلما احتاج إلى ثروة جديدة فض كنوزاً جديدة. وكلما خشي أن ينفذ رصيده من تلك الكنوز تكشف له منها رصيد جديد.. وها هو ذا اليوم لم يستنفذ بعد ثروة البترول وسائر الفلزات ثم فتح له كنز الطاقة الذرية والطاقة الإيدروجينية. وإن يكن بعد كالطفل يعبث بالنار فيحرق نفسه بها ويحرق سواه، إلا حين يهتدي بمنهج الله في الحياة، فيوجه طاقاتها وثرواتها إلى العمران والبناء، ويقوم بالخلافة في الأرض كما أرادها الله! {والفلك تجري في البحر بأمره}.. فهو الذي خلق النواميس التي تسمح بجريان الفلك في البحر. وعلم الإنسان كيف يهتدي إلى هذه النواميس، فيسخرها لمصلحته وينتفع بها هذا الانتفاع. ولو اختلفت طبيعة البحر أو طبيعة الفلك. أو لو اختلفت مدارك هذا الإنسان.. ما كان شيء من هذا الذي كان! {ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه}.. وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له؛ وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة، لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضاً.. وكل تفسير فلكي للنظام الكوني ما يزيد على أنه محاولة لتفسير الناموس المنظم للوضع القائم الذي أنشأه خالق هذا النظام. وإن كان بعضهم ينسى هذه الحقيقة الواضحة، فيخيل إليه أنه حين يفسر النظام الكوني ينفي يد القدرة عن هذا الكون ويستبعد آثارها! وهذا وهم عجيب وانحراف في التفكير غريب. فإن الاهتداء إلى تفسير القانون ـ على فرض صحته والنظريات الفلكية ليست سوى فروض مدروسة لتفسير الظواهر الكونية تصح أو لا تصح، وتثبت اليوم وتبطل غداً بفرض جديد ـ لا ينفي وجود واضع القانون. وأثره في إعمال هذا القانون.. والله سبحانه {يمسك السماء أن تقع على الأرض} بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه. {إلا بإذنه} وذلك يوم يعطل الناموس الذي يُعمله لحكمة ويعطله كذلك لحكمة. وينتهي السياق في استعراض دلائل القدرة ودقة الناموس بالانتقال من الكون إلى النفس؛ وعرض سنن الحياة والموت في عالم الإنسان: {وهو الذي أحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم، إن الإنسان لكفور}.. والحياة الأولى معجزة، تتجدد في كل حياة تنشأ آناء الليل وأطراف النهار. وسرها اللطيف ما يزال غيباً يحار العقل البشري في تصور كنهه.. وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر.. والموت سر آخر يعجز العقل البشري عن تصور كنهه، وهو يتم في لحظة خاطفة، والمسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة عريضة ضخمة.. وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر.. والحياة بعد الموت ـ وهي غيب من الغيب، ولكن دليله حاضر من النشأة الأولى.. وفيه مجال كذلك للتأمل والتدبر.. ولكن هذا الإنسان لا يتأمل ولا يتدبر هذه الدلائل والأسرار: {إن الإنسان لكفور}.. والسياق يستعرض هذه الدلائل كلها، ويوجه القلوب إليها في معرض التوكيد لنصرة الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد عن نفسه العدوان. وذلك على طريقة القرآن في استخدام المشاهد الكونية لاستجاشة القلوب، وفي ربط سنن الحق والعدل في الخلق بسنن ونواميس الوجود.. وحين يصل السياق إلى هذا المقطع من عرض دلائل القدرة في مشاهد الكون الكبرى يتوجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليمضي في طريقه، غير ملتفت إلى المشركين وجدالهم له؛ فلا يمكنهم من نزاعه في منهجه الذي اختاره الله له، وكلفه تبليغه وسلوكه. {لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه، فلا ينازعنك في الأمر، وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وإن جادلوك فقل: الله أعلم بما تعملون. الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون. ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض؟ إن ذلك في كتاب. إن ذلك على الله يسير}.. إن لكل أمة منهجاً وطريقة في الحياة والتفكير والاعتقاد. هذا المنهج خاضع لسنن الله في تصريف الطبائع والقلوب وفق المؤثرات والاستجابات. وهي سنن ثابته مطردة دقيقة. فالأمة التي تفتح قلوبها لدواعي الهدى ودلائله في الكون والنفس هي أمة مهتدية إلى الله بالاهتداء إلى نواميسه المؤدية إلى معرفته وطاعته. والأمة التي تغلق قلوبها دون تلك الدواعي والدلائل أمة ضالة تزداد ضلالاً كلما زادت اعراضاً عن الهدى ودواعيه.. وهكذا جعل الله لكل أمة منسكاً هم ناسكوه، ومنهجاً هم سالكوه.. فلا داعي إذن لأن يشغل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه بمجادلة المشركين، وهم يصدون أنفسهم عن منسك الهدى، ويمعنون في منسك الضلال. والله يأمره ألا يدع لهم فرصة لينازعوه أمره، ويجادلوه في منهجه. كما يأمره أن يمضي على منهجه لا يتلفت ولا ينشغل بجدل المجادلين. فهو منهج مستقيم: {وادع ربك إنك لعلى هدى مستقيم}.. فليطمئن إذن على استقامة منهجه. واستقامته هو على الهدى في الطريق: فإن تعرض القوم لجداله فليختصر القول. فلا ضرورة لإضاعة الوقت والجهد: {وإن جادلوك فقل: الله أعلم بما تعملون}. فإنما يجدي الجدل مع القلوب المستعدة للهدى التي تطلب المعرفة وتبحث حقيقة عن الدليل. لا مع القلوب المصرة على الضلال المكابرة التي لا تحفل كل هذا الحشد من الدواعي والدلائل في الأنفس والآفاق وهي كثيرة معروضة للأنظار والقلوب.. فليكلهم إلى الله. فهو الذي يحكم بين المناسك والمناهج وأتباعها الحكم الفاصل الأخير: {والله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون}.. وهو الحكم الذي لا يجادل فيه أحد، لأنه لا جدال في ذلك اليوم، ولا نزاع في الحكم الأخير! والله يحكم بعلم كامل، لا يند عنه سبب ولا دليل، ولا تخفى عليه خافية في العمل والشعور. وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض كله؛ ومن ضمنه عملهم ونياتهم وهو بها محيط: {الم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض. إن ذلك في كتاب. إن ذلك على الله يسير}. وعلم الله الكامل الدقيق لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، ولا يتأثر بالمؤثرات التي تنسى وتمحو. فهو كتاب يضم علم كل شيء ويحتويه. وإن العقل البشري ليصيبه الكلال، وهو يتأمل ـ مجرد تامل ـ بعض ما في السماء والأرض، ويتصور إحاطة علم الله بكل هذا الحشد من الأشياء والأشخاص، والأعمال والنيات والخواطر والحركات، في عالم المنظور وعالم الضمير. ولكن هذا كله، بالقياس إلى قدرة الله وعلمه شيء يسير: {إن ذلك على الله يسير}.. وبعد أن يأمر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا يدع للمشركين فرصة لمنازعته في منهجه المستقيم، يكشف عما في منهج المشركين من عوج، وعما فيه من ضعف، وعما فيه من جهل وظلم للحق؛ ويقرر أنهم محرومون من عونه تعالى ونصرته. وهم بذلك محرومون من النصير: {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وما ليس لهم به علم. وما للظالمين من نصير}. وما لوضع ولا لشرع من قوة إلا أن يستمد قوته من الله. فما لم ينزل به الله من عنده قوة، هو ضعيف هزيل، خلو من عنصر القوة الأصيل. وهؤلاء إنما يعبدون آلهة من الأصنام والأوثان، أو من الناس أو الشيطان.. وهذه كلها لم ينزل الله بها قوة من عنده، فهي محرومة من القوة. وهم لا يعبدونها عن علم ولا دليل يقتنعون به، إنما هو الوهم والخرافة. وما لهم من نصير يلجأون إليه وقد حرموا من نصرة الله العزيز القدير. وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وما ليس لهم به علم. لا يستمعون لدعوة الحق، ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول. إنما تأخذهم العزة بالإثم، ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام الله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}.. إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة، ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عندما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل. وذلك شأن الطغاة دائماَ يشتجر في نفوسهم العتو، وتهيج فيهم روح البطش، ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ! ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد: {قل: أفأنبئكم بشر من ذلكم؟} بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه، ومن ذلك البطش الذي تهمون به.. {النار}.. وهي الرد المناسب للبطش والمنكر {وبئس المصير}.. ثم يعلن في الآفاق، على الناس جميعاً، إعلاناً مدوياً عاماً.. يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة؛ الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون الله. ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون، ويركن إليها أولئك الغاشمون. يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار، مصور في مشهد شاخص متحرك، تتملاه العيون والقلوب.. مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب}.. إنه النداء العام، والنفير البعيد الصدى: {يا أيها الناس}.. فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب، لا حالة ولا مناسبة حاضرة: {ضرب مثل فاستمعوا له}.. هذا المثل يضع قاعدة، ويقرر حقيقة. {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له}.. كل من تدعون من دون الله من آلهة مدعاة. من أصنام وأوثان، ومن أشخاص وقيم وأوضاع، تستنصرون بها من دون الله، وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه.. كلهم {لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا به}.. والذباب صغير حقير؛ ولكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون ـ ولو اجتمعوا وتساندوا ـ على خلق هذا الذباب الصغير الحقير! وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل. لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة. فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل.. ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير. وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب! ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري: {وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه}.. والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه، سواء كانت أصناماً أو أوثاناً أو أشخاصاً! وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس فلا يملكون رده. وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير. وهو في الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض ويسلب أغلى النفائس: يسلب العيون والجوارح، وقد يسلب الحياة والأرواح.. إنه يحمل ميكروب السل والتيفود والدوسنتاريا والرمد.. ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير!. وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز.. ولو قال: وإن تسلبهم السباع شيئاً لا يستنقذوه منها.. لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف. والسباع لا تسلب شيئاً أعظم مما يسلبه الذباب! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب! ويختم ذلك المثل المصور الموحي بهذا التعقيب: {ضعف الطالب والمطلوب}. ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال، وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب! وفي أنسب الظروف.. والمشاعر تفيض بالزراية والاحتقار لضعف الآلهة المدعاة يندد بسوء تقديرهم لله، ويعرض قوة الله الحق الحقيق بأنه إله: {ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز}.. ما قدروا الله حق قدره، وهم يشركون به تلك الآلهة الكليلة العاجزة التي لا تخلق ذباباً ولو تجمعت له. بل لا تستنقذ ما يسلبها الذباب إياه! ما قدروا الله حق قدره، وهم يرون آثار قدرته، وبدائع مخلوقاته، ثم يشركون به من لا يستطيعون خلق الذباب الحقير! ما قدروا الله حق قدره، وهم يستعينون بتلك الآلهة العاجزة الكليلة عن استنقاذ ما يسلبها إياه الذباب، ويدعون الله القوي العزيز.. إنه تقرير وتقريع في أشد المواقف مناسبة للخشوع والخضوع! وهنا يذكر أن الله القوي العزيز يختار رسله من الملائكة إلى الأنبياء. ويختار رسله من البشر إلى الناس. وذلك عن علم وخبرة وقدرة: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس. إن الله سميع بصير. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. وإلى الله ترجع الأمور}. فعن صاحب القوة العزيز الجناب يصدر الاختيار للملائكة والرسل. ومن لدن القوي العزيز جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بسلطان من عند القوي العزيز الذي اختاره واصطفاه. فأنّى يقف له من يركنون إلى تلك الآلهة العاجزة الضعيفة المزدراة؟! {إن الله سميع بصير}.. فهو يسمع ويرى فيعلم {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} علماً شاملاً كاملاً، لا يند عنه حاضر ولا غائب، ولا قريب ولا بعيد. {وإلى الله ترجع الأمور}.. فهو الحكم الأخير، وله السيطرة والتدبير. والآن وقد كشف عما في منسك المشركين من سخف وضعف؛ وعما في عبادتهم من قصور وجهل: الآن يتوجه بالخطاب إلى الأمة المسلمة، لتنهض بتكاليف دعوتها، وتستقيم على نهجها العريق القويم: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا، واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم؛ وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم. هو سماكم المسلمين من قبل وفي هـذا ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكـاة، واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير}.. وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة، ويلخص تكاليفها التي ناطها بها، ويقرر مكانها الذي قدره لها، ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل، متى استقامت على النهج الذي أراده لها الله. إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود. وهما ركنا الصلاة البارزان. ويكني عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها صورة بارزة، وحركة ظاهرة في التعبير، ترسمها مشهداً شاخصاً، وهيئة منظورة. لأن التعبير على هذا النحو أوقع أثراً وأقوى استجاشة للشعور. ويثني بالأمر العام بالعبادة. هي أشمل من الصلاة. فعبادة الله تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إلى الله. فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله. حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات. وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها، وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات، ولم يتحول في طبيعتها شيء، ولكن تحول القصد منها والاتجاه! ويختم بفعل الخير عامة، في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة.. يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح. فهذه هي أسباب الفلاح.. العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل. وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه. فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة، فاستقام ضميرها واستقامت حياتها.. نهضت بالتبعة الشاقة: {وجاهدوا في الله حق جهاده}.. وهو تعبير شامل جامع دقيق، يصور تكليفاً ضخماً، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد.. {وجاهدوا في الله حق جهاده}.. والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء، وجهاد النفس، وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء.. {وجاهدوا في الله حق جهاده}.. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده: {هو اجتباكم}.. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة، ولا يجعل هنالك مجالاً للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء! وهو تكليف محفوف برحمة الله: {وما جعلنا عليكم في الدين من حرج}.. وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. ملحوظ في تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم! وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية، موصول الماضي بالحاضر: {ملة أبيكم إبراهيم} وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم ـ عليه السلام ـ فلم تنتقطع من الأرض، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام. وقد سمى الله هذه الأمة بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك القرآن: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}.. والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك. فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات. حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد إليها بالوصاية على البشرية. فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله: {ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهدآء على الناس}.. فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها. وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوّامة على البشرية بعد نبيها؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج، المختار من الله. ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية. حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة. وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله. هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد.. ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكـاة واعتصموا بالله. هو مولاكم. فنعم المولى ونعم النصير}.. فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد. والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد. والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد. بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله. وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض. والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها، بل يدعو إلى إعدادها. ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله. فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء. إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدماً إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام. وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى. وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة، المستقيمة على منهج الله في ظل الله..
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد، لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل منهم، أو ماتوا على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد، أنه تعالى أقسم ليرزقهم رزقاً حسناً وأنه خير الرازقين، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا جاء مبيناً في غير هذا الموضع. أما الذين قتلوا في سبيل الله: فقد بين الله جل وعلا أنه يرزقهم رزقاً حسناً، وذلك في قوله تعالى {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169] ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن، وأما الذين ماتوا في غير قتال المذكورين في قوله هنا: أو ماتوا، فقد قال الله فيهم {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 100] ولا شك أن من وقع أجره على الله: أن الله يرزقه الرزق الحسن كما لا يخفى. والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفاً منها والعلم عند الله تعالى، وقوله تعالى في هذه الآية {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ} قرأه ابن عامر بتشديد التاء والباقون بتخفيفها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والذين هاجروا: أي هجروا ديار الكفر وذهبوا إلى دار الإِيمان المدينة المنورة. في سبيل الله: أي هجروا ديارهم لا لدنيا ولكن ليعبدوا الله وينصروا دينه وأولياءه. ليرزقهم رزقاً حسناً: أي في الجنة إذ أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة. ليدخلنهم مدخلا يرضونه: أي الجنة يوم القيامة. ذلك: أي الأمر ذلك المذكور فاذكروه ولا تنسوه. ثم بغى عليه: أي ظُلم بعد أن عاقب عدوه بمثل ما ظلم به. يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً من الليل في النهار والعكس بحسب فصول السنة كما أنه يومياً يدخل الليل في النهار إذا جاء النهار ويدخل النهار في الليل إذا جاء الليل. بأن الله هو الحق: أي الإِله الحق الذي تجب عبادته دون سواه. من دونه: أي من أصنام وأوثان وغيرها هو الباطل بعينه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان حكم الله تعالى بين عباده فذكر تعالى ما حكم به لأهل الإِيمان والعمل الصالح وما حكم به لأهل الكفر والتكذيب، وذكر هنا ما حكم به لأهل الهجرة والجهاد فقال عز وجل: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي خرجوا من ديارهم لأجل طاعة الله ونصرة دينه {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ} من قِبلِ أعداء الله المشركين {أَوْ مَاتُواْ} حتف أنوفهم بدون قتل {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} في الجنة إذا أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش {لَيُدْخِلَنَّهُمْ} يوم القيامة {مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} وهو الجنة، وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي لخير من يرزق فما رزقهم به هو خير زرق وأطيبه وأوسعه. وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} عليم بعباده وبأعمالهم الظاهرة والباطنة حليم يعفو ويصفح عن بعض زلات عباده المؤمنين فيغفرها ويسترها عليهم إذ لا يخلو العبد من ذنب إلا من عصمهم الله من أنبيائه ورسله. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} أي الأمر ذلك الذي بينت لكم، {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي ومن أخذ من ظالمه بقدر ما أخذ منه قصاصاً، ثم المعاقب ظلم بعد ذلك من عاقبه فإن المظلوم أولاً وآخراً تعهد الله تعالى بنصره، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} فيه إشارة إلى ترغيب المؤمن في العفو عن أخيه إذا ظلمه فإن العفو خير من المعاقبة وهذا كقوله تعالى {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } تفسير : [الشورى: 40-41] وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي أن القادر على إدخال الليل في النهار والنهار في الليل بحيث إذ جاء أحدهما غاب الآخر، وإذا قصر أحدهما طال الآخر والسميع لأقوال عباده البصير بأعمالهم وأحوالهم قادر على نصرة من بُغي عليه من أوليائه، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي المعبود الحق المستحق للعبادة، وإن ما يدعون من دونه من أصنام وأوثان هو الباطل أي ذلك المذكور من قدرة الله وعلمه ونصرة أوليائه كان لأن الله هو الإِله الحق وأن ما يعبدون من دونه من آلهة هو الباطل، وأن الله هو العلي على خلقه القاهر لهم المتكبر عليهم الكبير العظيم الذي ليس شيء أعظم منه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان فضل الهجرة في سبيل الله حتى إنها تعدل الجهاد في سبيل الله. 2- جواز المعاقبة بشرط المماثلة، والعفو أولى من المعاقبة. 3- بيان مظاهر الربوبية من العلم والقدرة الموجبة لعبادة الله تعالى وحده وبطلان عبادة غيره. 4- إثبات صفات الله تعالى: العلم والحلم والمغفرة والسمع والبصر والعفو والعلو على الخلق والعظمة الموجبة لعبادته وترك عبادة من سواه.
القطان
تفسير : مدخَلا يرضونه: الجنة. بغى عليه: اعتدى عليه، ظلم. بعد ان ذكر اللهُ أن المُلك له يوم القيامة، وانه يحكم بين عباده المؤمنين والكافرين - ذكَر هنا وعدَه الكريم للمهاجرين في سبيله بالجنّة، ثم بين أنه ينصر الذين يُضْطَرّون إلى مفارقة أوطانهم في سبيله، والذين يُعتدى عليهم، وجميعَ المظلومين، وذكر بعض آياته التي تتجلّى في صفحات الكون ونواميس الوجود. {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} الذين تركوا أوطانهم، وفارقوا أهلَهم وعشيرتهم، حفاظاً على عقيدتهم وابتغاءَ رِضوان الله، ثم قُتلوا في ميدان الجهاد، أو ماتوا على فراشِهم - لهم عند الله رزقٌ أكرمُ من كل ما تركوا في ديارهم. هذا وعدٌ من الله لهم بالعوض الكريم وهو خير الرازقين. ثم بيّن هذا الرزقَ الحسن بقوله: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} وهذا تعهّدٌ من كريم بأن يُدخلهم الجنة، ويحقّقَ لهم ما يرضونه، ويكرِمهم بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر. وإنه عليم بما وقع عليهم من ظلمٍ وأذى، وبما يرضي نفوسهم ويعوّضها، حليمٌ يمهِل، ثم يوفّى الظالمَ والمظلومَ الجزاء الأوفى. {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} ذلك شأننا في مجازاة الناس، لا نظلِمهم شيئا. والذي يقتصّ ممن جنى علي، ويجازيه بمثل اعتدائه عليه دون زيادة، ثم اعتُدي عليه بعد ذلك، فإن الله ينصره على من تعدّى عليه. واللهُ كثير العفو والمغفرة، فهو يستُرُ هفواتِ عباده الطائعين ويعفو عنهم. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. ذلك النصر الذي ينصره الله لمن بُغي عليه هيِّن على الله، لأنه قادر على كل شيء، ومن آياتِ قدرته البارزة هيمنتُه على العالَم، فيداول بين الليل والنهار، بأن يزيد في أحدِهما ما يُنْقِصُه من الآخر، فتصير بعض ظلمة الليل مكانَ ضوء النهار، وعكس ذلك. والقادرُ على هذا الكون، قادرٌ على نصر المظلومين. وهو مع تمام قُدرته سميعٌ لقول المظلوم بصيرٌ بفعل الظالم، لا يغيب عنه شيء. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} ذلك الاتصاف بكمال القدرة، والتصرّفُ المطلق في الكون، إنما هو لأن الله هو الحق الذي لا اله معه غيره، وأن ما يعبده المشركون من الأصنام هو الباطل. وهو العليُّ لا سلطان فوق سلطانه، وهو الكبير الذي وسع كل شيء قدرةً وعلما ورحمة. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} الم تتبصّر ايها العاقل بما ترى حولك من مظاهر قدرة الله، فهو الذي ينزل الماءَ من السماء فيُحيي به الأرضَ فتنبت أنواعاً مختلفة من النبات بديعةَ الألوان والأشكال تسرّ الناظرين، انه تعالى لطيف يصِل عِلمه الى الدقيق والجليل، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} كل ما في السماوات والأرض وما في هذا الكون مِلكٌ له، يتصرف فيه كما يشاء، فما به سبحانه حاجةٌ الى من في السماء والأرض.. انه الغنيُّ عن الجميع، وهو المحمود على نِعمه المشكور عليها من جميع خلقه. قراءات قرأ ابن عامر: ثم قتّلوا بتشديد التاء. والباقون: ثم قتلوا بالتخفيف، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر: وان ما تدعون من دونه بالتاء والباقون: ما يدعون بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّازِقِينَ} (58) - والذينَ هَاجَرُوا فِي سَبيلِ اللهِ تَعَالَى، ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَطَلَباً لِمَا عِنْدَهُ مِنْ أَجْرٍ وَثَوَابٍ، وَتَرَكُوا الأَهْلَ والأَوْطَانَ، ثُمَّ قُتِلُوا وَهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ، أَوْ مَاتُوا فِي مَهْجَرِهِم حَتْفَ أَنْفِهِم، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُمْ عَلَى اللهِ، وَسَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُم الجَزَاءَ الأَوْفَى، وَسَيُجْرِي عَلَيْهِم مِنْ فَضْلِهِ وَرِزْقِهِ فِي الجَنَّةِ لِتَقَرَّ عُيُونُهُمْ، واللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فَهُوَ تَعَالَى يَرْزُقُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} تفسير : [الحج: 40] هؤلاء تحملوا الكثير ، وتعبوا في سبيل عقيدتهم، فلا بُدَّ أنْ يُعوِّضهم الله عن هذه التضحيات، لذلك يقول هنا: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً} [الحج: 58] وأوضحنا أن الموت غير القتل: الموت أن تخرج الروح دون نَقْضٍ للبنية، أما القتل فهو نَقْض للبِنْية يترتب عليه خروج الروح. {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ..} [الحج: 58] تعويضاً لهم عَمَّا فاتوه في بلدهم من أهل ومال، كما يُعوّض الحاكم العادل المظلوم فيعطيه أكثر ممَّا أُخِذ منه؛ لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النساء: 100]. لأن مَنْ قُتِل فقد فاز بالشهادة ونال إحدى الحُسْنيين، أما مَنْ مات فقد حُرِم هذا الشرف؛ لذلك فقد وقع أجره على الله، وما بالك بأجر مُؤدِّيه ربك عز وجل؟ وكما لو أن رجلاً مُتْعباً يسير ليس معه شيء ولا يجد حتى مَنْ يقرضه، وفجأة سقطت رِجْله في حفرة فتكدَّر وقال: حتى هذه؟! لكن سرعان ما وجد قدمه قد أثارتْ شيئاً في التراب له بريق، فإذا هو ذهب كثير وقع عليه بنفسه. ويُروْى أن فضالة حضرهم وهم يدفنون شهيداً، وآخر مات غير شهيد، فرأوْه ترك قبر الشهيد وذهب إلى قبر غير الشهيد، فلما سألوه: كيف يترك قبر الشهيد إلى غير الشهيد؟ قال: والله ما أبالي في أيِّ حفرة منهما بُعثْت ما دام قد وقع أجري على الله، ثم تلا هذه الآية: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النساء: 100]. ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الحج: 58] حين يصف الحق سبحانه ذاته بصفة، ثم تأتي بصيغة الجمع، فهذا يعني أن الله تعالى أدخل معه الخَلْق في هذه الصفة، كما سبق أنْ تكلمنا في قوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. فقد أثبت للخَلْق صفة الخَلْق، وأشركهم معه سبحانه في هذه الصفة؛ لأنه سبحانه لا يبخس عباده شيئاً، ولا يحرمهم ثمرة مجهودهم، فكل مَنْ أوجد شيئاً فقد خلقه، حتى في الكذب قال {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ..} تفسير : [العنكبوت: 17]. لأن الخَلْق إيجاد من عدم، فأنت حين تصنع مثلاً كوب الماء من الزجاج أوجدتَ ما لم يكن موجوداً، وإن كنت قد استخدمت المواد المخلوقة لله تعالى، وأعملتَ فيها عقلك حتى توصلْتَ إلى إنشاء شيء جديد لم يكُنْ موجوداً، فأنت بهذا المعنى خالق حسن، لكن خلق ربك أحسن، فأنت تخلق من موجود، وربك يخلق من عدم، وما أوجدتَه أنت يظل على حالته ويجمد على خلْقتك له، ولا يتكرر بالتناسل، ولا ينمو، وليست فيه حياة، أما خَلْق ربك سبحانه فكما تعلم. كذلك يقول سبحانه هنا: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الحج: 58] فأثبت لخَلْقه أيضاً صفة الرزق، من حيث هم سَبَب فيه، لأن الرزق: هو كل ما ينتفع به حتى الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 172]. نقول: فالعبد سبب في الرزق؛ لأن الله تعالى هو خالق الرزق أولاً، ثم أعطاك إياه تنتفع به وتعمل فيه، وتعطي منه للغير، فالرزق منك مناولة عن الرازق الأول سبحانه، فأنت بهذا المعنى رازق وإنْ كرهوا أنْ يُسمَّى الإنسان رازقاً، رغم قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الحج: 58] لماذا؟ قالوا: حتى لا يفهم أن الرزق من الناس. لذلك نسمع كثيراً من العمال البسطاء، أو موظفاً صغيراً، أو بواب عمارة مثلاً حين يفصله صاحب العمل، يقول له: يا سيدي الأرزاق بيد الله. كيف وقد كنت تأخذ راتبك من يده ومن ماله؟ قالوا: لأنه نظر إلى المناوِل الأول للرزق، ولم ينظر إلى المناوِل الثاني. أما الرزق الحسن الذي أعدَّه الله للذين هاجروا في سبيله، فيوضحه سبحانه في قوله: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه بشارة كبرى، لمن هاجر في سبيل الله، فخرج من داره ووطنه وأولاده وماله، ابتغاء وجه الله، ونصرة لدين الله، فهذا قد وجب أجره على الله، سواء مات على فراشه، أو قتل مجاهدا في سبيل الله، { لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا } في البرزخ، وفي يوم القيامة بدخول الجنة الجامعة للروح والريحان، والحسن والإحسان، ونعيم القلب والبدن، ويحتمل أن المعنى أن المهاجر في سبيل الله، قد تكفل برزقه في الدنيا، رزقا واسعا حسنا، سواء علم الله منه أنه يموت على فراشه، أو يقتل شهيدا، فكلهم مضمون له الرزق، فلا يتوهم أنه إذا خرج من دياره وأمواله، سيفتقر ويحتاج، فإن رازقه هو خير الرازقين، وقد وقع كما أخبر، فإن المهاجرين السابقين، تركوا ديارهم وأبناءهم وأموالهم، نصرة لدين الله، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى فتح الله عليهم البلاد، ومكنهم من العباد فاجتبوا من أموالها، ما كانوا به من أغنى الناس، ويكون على هذا القول، قوله: { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ } إما ما يفتحه الله عليهم من البلدان، خصوصا فتح مكة المشرفة، فإنهم دخلوها في حالة الرضا والسرور، وإما المراد به رزق الآخرة، وأن ذلك دخول الجنة، فتكون الآية جمعت بين الرزقين، رزق الدنيا، ورزق الآخرة، واللفظ صالح لذلك كله، والمعنى صحيح، فلا مانع من إرادة الجميع { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ } بالأمور، ظاهرها، وباطنها، متقدمها، ومتأخرها، { حَلِيمٌ } يعصيه الخلائق، ويبارزونه بالعظائم، وهو لا يعاجلهم بالعقوبة مع كمال اقتداره، بل يواصل لهم رزقه، ويسدي إليهم فضله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):