٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} «ذلك» في موضع رفع؛ أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك. قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم؛ فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام؛ فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين؛ وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء؛ فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت في قوم من المشركين، مثّلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أُحُد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. فمعنى «من عاقب بمثل ما عوقب به» أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه؛ فسمَّى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصورة؛ فهو مثل {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]. ومثل {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194]. وقد تقدم. {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} أي بالكلام والإزعاج من وطنه؛ وذلك أن المشركين كذبوا نبيَّهم وآذَوْا من آمن به وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، وظاهروا على إخراجهم. {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ} أي لينصرَنَّ الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فإن الكفار بغوا عليهم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي عفا عن المؤمنين ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام وستر.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك. {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } ولم يزد في الاقتصاص، وإنما سمي الإِبتداء بالعقاب الذي هو الجزاء للازدواج أو لأنه سببه. {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ } بالمعاودة إلى العقوبة. {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } لا محالة. {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } للمنتصر حيث اتبع هواه في الانتقام وأعرض عما ندب الله إليه بقوله ولَمن صبر وغفران ذلك لَمِنْ عزمِ الأُمُورِ وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته وتعالى شأنه لما كان يعفو ويغفر فغيره بذلك أولى، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.
المحلي و السيوطي
تفسير : الأمر {ذٰلِكَ } الذي قصصناه عليك {وَمَنْ عَاقَبَ } جازى من المؤمنين {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } ظلما من المشركين: أي قاتلهم كما قاتلوه في الشهر المحرّم {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ } منهم أي ظلم بإخراجه من منزله {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ } عن المؤمنين {غَفُورٌ } لهم عن قتالهم في الشهر الحرام.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَنْ عَاقَبَ} لقي قوم من المسلمين قوماً من المشركين لليلتين بقيتا من المحرم فحملوا عليهم فناشدوهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله ـ تعالى ـ المسلمين بهم فنزلت، أو لما مَثَّلُوا بالمسلمين بأُحُد عاقبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمثله فنزلت {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} ـ تعالى ـ في الدنيا بالقهر والغلبة وفي الآخرة بالحجة والبرهان.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله: {ذلك ومن عاقب} الآية. قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم، فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام. وإن أصحاب محمد: ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم؛ فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدأوا وقاتلوهم فاستحل الصحابة قتالهم عند ذلك، فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {ذلك ومن عاقب}. قال: تعاون المشركون على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فأخرجوه، فوعد الله ان ينصره وهو في القصاص أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {وإن ما يدعون من دونه هو الباطل} قال: الشيطان.
القشيري
تفسير : نَصْرُه - سبحانه - للأولياء نَصْرٌ عزيز، وانتقامه بتمام، واستئصالُه بكمال، وإزهاقه أعداءَه بتمحيق جملتهم، وأَلا يحتاجَ المنصورُ إلى الاحتيالِ أو الاعتضادِ بأَشكال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} خبر مبتدأ محذوف اى الامر ذلك الذى قصصنا علكيم وبينا لكم والجملة لتقرير ما قبله والتنبيه على ان ما بعده كلام مستأنف {ومن} [وهركه] {عاقب بمثل ما عوقب به} اى من جازى الظالم بمثل ماظلم ولم يزد فى الاقتصاص والعقوبة اسم لما يعقب الجرم من الجزاء وانما سمى الابتداء بالعقاب الذى هو جزاء الجناية اى مع انه ليس بجزاء يعقب الجريمة للمشالكة او على المجاز المرسل فانه ما وقع ابتداء سبب لما وقع جزاء وعقوبة فسمى السبب باسم المسبب {ثم بغى عليه} ظلم عاليه بالمعاودة الى العقوبة يقال بغى عليه بغيا علا وظلم، قال الراغب البغى طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه اولم يتجاوزه فتارة يعتبر فى القدرة التى هى الكمية وتارة يعتبر فى الوصف الذى هو الكيفية يقال بغيت الشىء اذا طلبت اكثر ما يجب {لينصرنه الله} على من بغى عليه لا محالة وهو خبر من {ان الله لعفو غفور} مبالغ فى العفو والغفران فيعفو عن المنتصر ويغفر له ما صدر عنه من ترجيح الانتقام على العفو والصبر المندوب اليهما بقوله {أية : ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الامور}تفسير : فالعفو وان اقتضى سابقية الجناية من المعفو عنه لكن الجناية لا تلزم ان تكون بارتكاب المحرم بل قد يعد ترك ما ندم اليه جناية على سبيل الزجر والتغليظ وفى بحر العلوم العفو محاء للذنوب بازالة آثرها من ديوان الحفظة والقلوب بالكلية كى لا يطالبهم بها يوم القيامة ولا يخجلوا عند تذكرها وبان يثبت مكان كل ذنب عملا صالحا كما قال {أية : اولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}تفسير : غفور اى مريد لازالة العقوبة عن مستحقها من الغفر وهو الستر اى ستور عليهم وقدم العفو لانه ابلغ لانه يشعر بالمحو الذى هو ابلغ من الستر وفيه اشارة الى ان الاليق بالمنتصر والاقرب بحاله ان يعفو ويغفر عن كل من ظلمه ويقابله بالاحسان شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اساء تفسير : ولا يذكر ما صدر منه من انواع الجفاء والاذى فانه متى فعل ذلك فان الله اكرم الاكرمين اولى ان يفعل ذلك على ان الانتصار لا يؤمن فيه تجاوز التسوية والاعتداء خصوصا فى حال العضب والحرب والتهاب الحمية فربما كان المنتصر من الظالمين وهو لايشعر انتهى كلام البحر، يقول الفقير سمعت من فى حضرة شيخى وسندى قدس سره وهو يقول الانسان الكامل كالبحر فمن آذاه واغتابه او قصد اليه بسوء فانه لا يتكدر به بل يعفو عنه ألا يرى ان الوبل اذا وقع فى البحر فالبحر يطهره وكذا من اجنب اذا دخل البحر واغتسل فانه يتطهر ولا يتغير البحر لا بالبول ولا بدخول الجنب وقال روح الله روحه من قال حقنا قولا فاحشا او فعل فعلا مكروها فهو فى حل فانه ارادة الانتقام له او وقوعه فى امر مكروه من باب الشرك فى طريقنا فنحن لانلتف اليه اصلا بل الى ما وتر الله لنا من الامور وكل فعله حسن وقد اخفى جماله فى جلاله واطال فى ذلك وهو مذكور فى كتابنا المسمى بتمام الفيض، قال فى الخلاصة فى كتاب الحدود رجل قال لآخر يا خبيث هل يقول له بل انت الاحسن ان يكف عنه ولا يجيب ولو رفع الامر الى القاضى ليؤدب يجوز ومع هذا لو اجاب لا بأس به، وفى مجمع الفتاوى فى كتاب الجنايات لو قال لغيره يا خبيت فجازاه بمثله جاز لانه انتصار بعد الظلم وذلك مأذون فيه قال الله تعالى {أية : ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل}تفسير : والعفو افضل قال الله تعالى {أية : فمن عفا و اصلح فاجره على الله}تفسير : وان كانت تلك الكلمة موجبة للحد لا ينبغى له ان يجيبه بمثلها تجرزا عن ايجاب الحد على نفسه انتهى كما قال فى التنوير لو قال لآخر يا زانى فقال الآخر لا بل انت الزانى حد بخلاف مالو قال له مثلا يا خبيث فقال انت تكافئا، وفى التنوير ايضا ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب بعزران ويبدأ فى اقامة التعزير بالبادى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ذلك}: خبر، أي: الأمر ذلك. و {مَن عاقب}: شرط سدّ مسد جوابه، أي: من عاقب بمثل ما عُوقب به ينصره الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذلك} أي: الأمر ذلك، كما أخبرتك في بيان الفريقين، ثم استأنف فقال: {ومن عاقب بمثل ما عُوقِبَ به} أي: لم يزد في القصاص على ما فُعل به، وسمى الابتداء عقابًا؛ للمشاكلة ولملابسته له، من حيث إنه سبب له وهو مسبب عنه. {ثم بُغِيَ عليه لينصُرَنَّه اللهُ} أي: من جازى بمثل ما فُعل به من الظلم، ثم ظُلم، بعد ذلك، وبُغي عليه بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره؛ {إِنَّ الله لعفوٌّ} يمحو آثار الذنوب، {غفورٌ} يستر أنواع العيوب. ومناسبة الوصفين لما قبلهما: أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله، بقوله {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40]، {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [الشورى: 43]، فحين لم يفعل ذلك، وانتصر لنفسه، فكأنه مُذنب، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء، وأنه ضامن لنصره في الكرة الثانية، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه، وعَرَّضَ، مع ذلك، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين. ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله: {ذلك بأن الله يُولج الليلَ في النهار ويُولجُ النهارَ في الليل وأنَّ الله سميع بصيرٌ} أي: ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه {يُولجُ الليلَ في النهار ويُولجُ النهارَ في الليل} أي: يُدخل أحدهما في الآخر، فيدخل الليلَ في النهارِ إذا طال النهار، ويُدخل النهارَ في الليل إذا طال الليلُ، فيزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما، بإدخال أحدهما على الآخر، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي والإنصاف. {وأن الله سميع} لما يقولون، لا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفُنون اللغات، {بصير} بما يفعلون، فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. {ذلك بأن الله هو الحقُّ} الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مُبديًا لكل ما يوجد من الموجودات، عالمًا بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينُه حق، وعبادته حق، {وأن ما تدعون من دونه} إلهًا {هو الباطل} ي: المعدوم في حد ذاته. أو الباطل ألوهيته، {وأن الله هو العليُّ الكبيرُ} أي: المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنًا وعظمةً وكبرياء؛ إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا؛ لأن له الوجود المطلق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدَّبها في أيام اليقظة، بمثل ما عاقبته وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته؛ لينصرنه الله عليها، حتى يغلبها ويملكها، فكلما هاجت عليه هجم عليها، حتى يملكها؛ ذلك بأن الله يُولج ليلَ المعصية في نهار الطاعة، ويولجُ نهارَ الطاعة في ليلِ المعصية، أي: يدخل أحدهما على الآخر، فلا يزال العبد يعصي ويطيع حتى يمنَّ عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة، فتنقلب الطاعة معصية، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما دونه باطل. ثمَّ ذكر دليلاً آخر على قدرته
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} قد مضى قبيل هذا نظيره {وَمَنْ عَاقَبَ} اى جازى الظّالم {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} اى بمثل ما ظلم به سمّاه عقاباً مع انّ العقاب يستعمل فى الجزاء بمشاكله قوله: من عاقب {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} اى على من عاقب ماكافاة او على من ظلم ابتداءً فانّه وان لم يذكر صريحاً لكنّه مذكور بالالتزام {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ} اى لينصرنّ الله المعاقب او الظّالم ابتداء {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل يعنى ينصر الله المعاقب المقتصّ الّذى بغى عليه لانّه عفوٌّ لزلاّته الّلازمة له من اتّباعه الهوى فى الامتصاص حيث كان المرضىّ منه العفو او ينصر الظّالم بعد البغى عليه لانّه يعفو عن ظلمه بعد ما عوقب بمثل ظلمه.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} اي الامر ذلك وقد مر مثله ففيه ما فيه * {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} العقاب الجزاء وسمي الفعل الواقع ابتداء وهو الذي بعد مثل (عقابا) ليناسب لفظ الفعل الواقع ثانيا وهو الذي بعد (من) أو (لان) الواقع ابتداء سبب للواقع ثانيا المستحق للتسمية عقابا اي ومن جازى من المؤمنين بمثل ما ظلمه به المشركون اي قاتلهم كما (قاتلوه) في شهر حرام * {ثم بُغِيَ} اي بغى المشركون {عَلَيْهِ} باخراجه من منزله. روي ان المشركين ضروا المسلمين حتى اخرجوهم عن اوطانهم {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} لا محالة. وقيل: لما اخرجوا عارضهم قوم مشركون في المحرم فكره المسلمون قتالهم لحرمة الشهر وابى المشركون الا القتال فنصر الله المؤمنين {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ} عن مساوئ المؤمنين {غَفُورٌ} لذنوبهم أو عفو غفور لقتالهم في الشهر الحرام اي لا يعاقبهم عليه لانهم لم يقاتلوا انتهاكا لحرمة بل لان المشركين الجأوهم ولو كان الأولى لهم الانفكاك عن القتال بما وجدوه أو(عفو غفور) عن انتقام المظلوم لنفسه مع ان العفو افضل وهذا بناء على انهم عاقبوا المشركين بدون ان يعترض لهم المشركون أو تعرضوا لهم وقاتلوهم واحضرت انفسهم الانتقام. وفي الآية تنبيه على افضلية العفو وحث عليه حيث جعل الانتصار كالذنب في العفو عنه وغفرانه وان الله مع كمال قدرته يعفو فغيره أولى مع ما يتطرق إلى الخلق من الوقوع في الظلم ولو كان مظلوما بخلافه تعالى وتنبيه على قدرته تعالى على العقوبة لانه يوصف بالعفو من قدر على الانتقام.
اطفيش
تفسير : {ذلك} قد حقق أوقد فرغ منه، أو واضح أو الأمر ذلك {ومن عاقَبَ بمثْل ما عُوقبَ بِهِ} سميت الجناية الأولى عقاباً فى قوله: "عوقب به" لأنها سبب للعقاب المذكور فى قوله: " عاقب" أو ملزوم له، أو للجوار فذلك مجاز مرسل أو تشبيه فهو استعارة، ولا يثبت عندى أن العرف جار على إطلاق العقاب علىالعذاب مطلقاً ولو أولياء {ثم بغِىَ عليه} بالعود الى الظلم وأراد العقاب ثانياً، والله {لينصرنَّه اللَّهُ} على الباغى القسم، وجوابه خبر من الموصولة أو الموصوفة، وإن جعلت شرطية قدر جابها مدلولا عليه بجواب القسم، أى نصره الله أو جاز له العود وينصر. {إن الله لَعفوٌّ غفُورٌ} له فيما قد يزيد مما لا يدرك إنه زائد، أو فى الانتقام لنفسه لا الله أو فى إعراضه عن قوله تعالى: "أية : فمن عفا" تفسير : [الشورى: 40] "أية : وإن تعفوا" تفسير : [التغابن: 14] و "أية : لمن صبر" تفسير : [الشورى: 43] الآيات أو ذلك تعليل للنصر بالمماثلة، والجانى يستحق فوق ذلك فاقتصر له على المماثلة، والآية نزلت فى تلك المعانى الخارجة عن سبب النزول على ما قيل فى مسليمن قاتلوا فى الشهر الحرام مشركين قصدوهم بالقتل طمعاً فى أن لا ينصروا لحرمه الشهر، فغلبوهم لكن خافوا غضب الله للشهر الحرام، وإنما قلت بخروج الآية ليس فى السبب ابتداء، ثم جزاء، ثم ابتداء وجزاء، وقيل الآية فى القصاص الجراحات كما أمر عمر جبلة بن الأيهم أن يذعن، لأن يعور عينه الذى أعور هو عينه، والمماثلة فى الآية تحسب ما يكمن، وبحسب الحديث وسائر القرآن كقطع أصبع بأصبع أو يد بيد، وفى الحديث لا قود إلا بالسيف، أى بالسلاح، وجاء من غرق غرقناه، ومن حرق حرقناه، فقيل لم يصح، وفى القرآن ما يدل أنه من قال: يا زانى فقيل له أنت الزانى جلدا مما حد القذف.
ابن عاشور
تفسير : اسم الإشارة للفصل بين الكلامين لفتاً لأذهان السامعين إلى ما سيجيء من الكلام لأنّ ما بعده غير صالح لأن يكون خبراً عن اسم الإشارة. وقد تقدم نظيره عند قوله: {أية : ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه}تفسير : [الحج: 30]. وجملة {ومن عاقب} الخ، معطوفة على جملة {أية : والذين هاجروا في سبيل الله}تفسير : [الحج: 58] الآية. والغرض منها التهيئة للجهاد والوعد بالنصر الذي أشير إليه سابقاً بقوله تعالى: {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}تفسير : [الحج: 39] إلى قوله: {أية : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}تفسير : [الحج: 40]، فإنه قد جاء معترضاً في خلال النّعي على تكذيب المكذبين وكفرِهم النعمَ، فأكمل الغرض الأول بما فيه من انتقالات، ثمّ عطف الكلام إلى الغرض الذي جرت منه لمحة فعاد الكلام هنا إلى الوعد بنصر الله القوم المعتدى عليهم كما وعدهم بأن يدخلهم في الآخرة مدخلاً يرضونه. وجيء بإشارة الفصل للتنبيه على أهمية ما بعده. وما صْدَقُ (مَن) الموصولة العموم لقوله فيما سلف {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا}تفسير : [الحج: 39]، فنبه على أن القتال المأذون فيه هو قتال جَزاء على اعتداء سابق كما دلّ عليه أيضاً قوله {أية : بأنهم ظلموا}تفسير : [الحج: 39]. وتغيير أسلوب الجمع الذي في قوله {أية : أذن للذين يقاتلون}تفسير : [الحج: 39] إلى أسلوب الإفراد في قوله {ومن عاقب} للإشارة إلى إرادة العموم من هذا الكلام ليكون بمنزلة القاعدة الكلية لسنّة من سنن الله تعالى في الأمم. ولما أتي في الصلة هنا بفعل {عاقَب}مع قصد شمول عموم الصلة للذين أُذِن لهم بأنهم ظُلموا عَلم السامع أنّ القتال المأذون لهم به قتال جزاء على ظلم سابق. وفي ذلك تحديد لقانون العقاب أن يكون مماثلاً للعدوان المجزى عليه، أي أن لا يكون أشدّ منه. وسُميّ اعتداء المشركين على المؤمنين عقاباً في قوله {بمثل ما عوقب به} لأن الذي دفع المعتدين إلى الاعتداء قصد العقاب على خروجهم عن دين الشرك ونبذ عبادة أصنامهم. ويعلم أنّ ذلك العقاب ظلم بقوله فيما مضى: {أية : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله}تفسير : [الحج: 40]. ومعنى {بمثل ما عوقب به} المماثلةُ في الجنس فإن المشركين آذوا المسلمين وأرْغموهم على مغادرة موطنهم فيكون عقابهم على ذلك بإخراج من يمكنهم أن يخرجوه من ذلك الوطن. ولا يستطيعون ذلك إلا بالجهاد لأنّ المشركين كانوا أهل كثرة وكانوا مستعصمين ببلدهم فإلجاء من يمكن إلجاؤه إلى مفارقة وطنه، إما بالقتال فهو إخراج كامل، أو بالأسر. و{ثمّ} من قوله: {ثم بغي عليه} عطف على جملة {ومن عاقب بمثل ما عوقب به}، فــــ (ثم) للتراخي الرتبي فإن البغي عليه أهم من كونه عاقب بمثل ما عوقب به إذ كان مبدوءاً بالظلم كما يقال «البادىء أظلم». فكان المشركون محقوقين بأن يعاقبوا لأنهم بغوا على المسلمين. ومعنى الآية في معني قوله: {أية : ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة}تفسير : [التوبة: 13]. وكان هذا شرعاً لأصول الدفاع عن البيضة، وأما آيات الترغيب في العفو فليس هذا مقام تنزيلها وإنما هي في شرع معاملات الأمة بعضها مع بعض، وقد أكد لهم الله نصره إن هم امتثلوا لما أذنوا به وعاقبوا بمثل ما عُوقبوا به، وللمفسرين في تقرير هذه الآية تكلفات تنبىء عن حَيرة في تلئيم معانيها. وجملة {إن الله لعفو غفور} تعليل للاقتصار على الإذن في العقاب بالمماثلة في قوله: {ومن عاقب بمثل ما عوقب به} دون الزيادة في الانتقام مع أن البادىء أظلم بأن عفو الله ومغفرته لخلقه قَضَيَا بحكمته أن لا يأذن إلا بمماثلة العقاب للذنب لأن ذلك أوفق بالحق. ومما يؤثر عن كسرى أنه قيل له: بم دام ملككم؟ فقال: لأننا نعاقب على قدر الذنب لا على قدر الغَضب، فليس ذكر وصفي {عفو غفور} إيماء إلى الترغيب في العفو عن المشركين. ويجوز أن يكون تعليلاً للوعد بجزاء المهاجرين اتباعاً للتعليل في قوله: {أية : إن الله لعليم حليم}تفسير : [الحج: 59] لأن الكلام مستمر في شأنهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 60- ذلك شأننا فى مجازاة الناس: لا نظلمهم، والمؤمن الذى يقتص ممن جنى عليه، ويجازيه بمثل اعتدائه دون زيادة، ثم يتمادى الجانى فى الاعتداء عليه بعد ذلك، فإن اللَّه يعطى عهدا مؤكدا بنصره على من تعدى عليه، وإن اللَّه لكثير العفو عمن جازى بمثل ما وقع عليه، فلا يؤاخذه به، كثير المغفرة فيستر هفوات عبده الطائع ولا يفضحه يوم القيامة. 61- ذلك النصر هيَّن على اللَّه لأنه قادر على كل شئ، من آيات قدرته البارزة أمامكم هيمنته على العالم فيداول بين الليل والنهار بأن يزيد فى أحدهما ما ينقصه من الآخر، فتصير بعض ظلمة الليل مكان بعض ضوء النهار وينعكس ذلك، وهو سبحانه مع تمام قدرته سميع لقول المظلوم، بصير بفعل الظالم، فينتقم منه. 62- ذلك النصر منه تعالى للمظلومين، وتصرفه المطلق فى الكون كما تلمسون مرجعه أنه هو الإله الحق الذى لا إله معه غيره، وأن ما يعبده المشركون من الأصنام هو الباطل الذى لا حقيقة له، وأن اللَّه - وحده - هو العلى على ما عداه شأنا، الكبير سلطانا. 63- ألا تعتبر - أيها العاقل - بما ترى حولك من مظاهر قدرة اللَّه فتعبده وحده؟ فهو الذى أنزل ماء الأمطار من السحاب فأصبحت الأرض به مخضرة بما ينبت فيها من النبات، بعد أن كانت مجدبة، إن اللَّه كثير اللطف بعباده، خبير بما ينفعهم فيهيئه لهم بقدرته. 64- كل ما فى السموات وما فى الأرض ملك له، وعبيد له وحده، ويتصرف فيه كما يشاء، وهو الغنى عن عباده، وهم المفتقرون إليه، وهو الحقيق وحده بالحمد والثناء عليه من جميع خلقه.
د. أسعد حومد
تفسير : (60) - وَكَمَا يَعِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ المُهَاجِرِينَ بأَنْ يُدْخِلَهم مُدْخَلاً كَرِيماً، يَعِدُهم أيْضاً بالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، إِذَا هُمْ قَاتَلُوهُم وَبَغَوْا عَلَيْهِم. وأَخْرَجُوهُم مِنْ دِيَارِهِمْ. فالذينَ يَقَعُ عَلَيْهِم العُدْوَانُ مِنَ البَشَرِ قَدْ لاَ يَحْلُمُونَ وَلاَ يَصْبِرُونَ فَيَردُّونَ العُدْوَانَ، وَيُعاقِبُونَ بِمِثْلِ مَا وَقَعَ عَلَيهم مِنْ الأذى، فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ المُعْتَدُونَ عَنْ عُدْوَانِهِم، وَعَادُوا إٍِلَى البَغْي عَلى المَظْْلُومِينَ، تَكَفَّلَ اللهُ عَِنْدَئِذٍ بِنَصْرِ المَظْلُومِينَ عَلَى المُعْتَدِينَ. فَشَرْطُ هَذَا النَّصْرِ أَنْ يَكُونَ العِقَابُ قِصَاصَاً عَلَى اعْتِدَاءٍ، لاَ عُدْوَاناً وَتَبَطُّراً، وَأَلاَّ يُجَاوِزَ العِقَابُ العدَوانَ الواقِعَ دونَ مُغَالاةٍ. وَمَنْ قَامَ بِرَدِّ الاعْتِدَاءِ الوَاقِعِ عَليهِ، وَلَمْ يَغْفِرْ فَإِنَّ اللهَ يَعْفُو عَنْه، وَيَغْفِرُ لَهُ لأَِنَّهُ تَعَالَى هُوَ العَفُوُّ الغَفُورُ. (نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَتْ جَمَاعَةً مِنَ المُشْرِِكِينَ فِي شَهْرِ محَرَّمٍ، فَنَاشَدَهُمُ المُسْلِمُون لَئِلاَّ يُقَاتِلُوا في الشَّهْرِ الحَرَامِ فَأَبَى المُشْرِكُون إِلاَّ قِتَالَهُمْ، فَقَاتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ ونَصَرَهُمُ اللهُ عَلَيهم).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ذٰلِكَ} يعني: هذا الأمر الذي تحدثنا فيه قد استقر، وإليك هذا الكلام الجديد {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ..} [الحج: 60]. الحق - سبحانه وتعالى - خلق الإنسان وجعل فيه ملكات مختلفة ليؤدي خلافته في الأرض بحركات متوازنة، فخلق لنا عواطف وجعل لها مهمة، هذه العواطف لا يحكمها قانون. وخلق لنا أيضاً غرائز ولها مهمة، لكن محكومة بقانون تعلية الغرائز عند الخلق، فإياك أنْ تتعدى بغريزتك إلى غير المهمة التي خلقها الله لها. فمثلاً، غريزة حب الطعام جعلها الله فيك لاستبقاء الحياة، فلا تجعلها غرضاً أصيلاً لذاتها، فتأكل لمجرد أنْ تلتذَّ بالأكل؛ لأنها لذة وقتية تعقبها آلام ومتاعب طويلة. وهذه الغريزة جعلها الله في النفس البشرية منضبطة تماماً كما تضبط المنبّة مثلاً، فحين تجوع تجد نفسك تاقتْ للطعام وطلبته، وإنْ عطشتْ مالتْ نفسك نحو الماء، وكأن بداخلك جرساً يُنبِّهك إلى ما تحتاجه بنيتك من مُقوِّمات استبقائها. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله فيك لتنظر بها وتستطلع ما في الكون من أسرار دالة على قدرة الله وعظمته، فلا تتعدى هذا الغرض، ولا تحرِّك هذه الغريزة إلى التجسُّس على الخَلْق والوقوف على أسرارهم. التناسل غريزة جعلها الله لحِفْظ النوع، فلا ينبغي أنْ تتعدى ما جعلت له إلى ما حرَّم الله. الغضب غريزة وانفعال قَسْري لا تختاره بعقلك تغضب أو لا تغضب، إنما إنْ تعرضتَ لأسبابه فلا تملك إلا أنْ تغضب، ومع ذلك جعل له حدوداً وقنَّن له وأمر فيه بضبط النفس وعدم النزوع. الحب والكُرْه غريزة وعاطفة لا تخضع لقانون، ولا يحكمها العقل، فلك أن تحب وأن تكره، لكن إياك أنْ تتعدَّى هذه العاطفة إلى عمل عقليٍّ ونزوع تعتدي به أو تظلم. لذلك يقول تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ..} تفسير : [المائدة: 8]. لأن هذه المسألة لا يحكمها قانون، وليس بيدك الحب أو الكره؛ لذلك لما قابل سيدنا عمر قاتل أخيه قال له عمر: أَدِرْ وجهك عني فإنِّي لا أحبك. وكان الرجل عاقلاً فقال لسيدنا عمر: أَوَ عَدمُ حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ قال عمر: لا، فقال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. يعني أحِبّ أو اكره كما شِئْتَ، لكن لا تتعدَّ ولا تحرمني حقاً من حقوقي. فهل وقفنا بالغرائز عند حدودها وأهدافها؟ لو تأملتَ مثلاً الغريزة الجنسية التي يصِفُها البعض بِمْلء فيه يقول: غريزة بهيمية .. سبحان الله أَلاَ تستحي أنْ تظلم البهائم لمجرد أنها لا تتكلّم، وهي أفهم لهذه الغريزة منك، أَلاَ تراها بمجرد أن يُخصِّب الذكَر أُنثاه لا يقربها أبداً، وهي لا تمكِّنه من نفسها إذا ما حملَتْ، في حين أنك تبالغ في هذه الغريزة، وتنطلق فيها انطلاقاً يُخرِجها عن هدفها والحكمة منها؟ على مثل هذا أن يخزى أن يقول مثل هذه المقولة، وألاَّ يظلم البهائم، فمن الناس مَنْ هم أَدنْى من البهائم بكثير. وما يقال عن غريزة الجنس في الحيوان يقال كذلك في الطعام والشراب. إذن: الخالق سبحانه خلق الغرائز فيك، ولم يكبتها، وجعل لها منافذ شرعية لتؤدي مهمتها في حياتك؛ لذلك أحاطها بسياج من التكليف يُنظِّمها ويحكمها حتى لا تشرد بك، فقال مثلاً في غريزة الطعام والشراب: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ..} تفسير : [الأعراف: 31]. وقال في غريزة حب الاستطلاع: {أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ ..} تفسير : [الحجرات: 12] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدوداً يجب عليك ألاَّ تتعداها. لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف المؤمنين بأنهم {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء، والرحمة مع إخوانهم المؤمنين، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها، ويلتزم بقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..} تفسير : [المائدة: 54]. وكأن الخالق عز وجل يُسوِّينا تسوية إيمانية، فالمؤمن لم يُخلَق عزيزاً ولا ذليلاً، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب، فهو عزيز شامخ مع الكفار، وذليل مُنكسِر متواضع مع المؤمنين. ويتفرع عن هذه المسألة مسألة ردِّ العقوبة إذا اعتُدِي عليك: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ..} [الحج: 60]. الحق - سبحانه وتعالى - هو خالق النفس البشرية، وهو أعلم بنوازعها وخَلَجاتها؛ لذلك أباح لك إن اعتدى عليك أنْ تردَّ الاعتداء بمثله، حتى لا يختمر الغضب في نفسك، وقد ينتج عنه ما هو أشد وأبلغ في ردِّ العقوبة، يبيح لك الرد بالمثل لتنتهي المسألة عند هذا الحد ولا تتفاقم، فمَنْ ضربك ضربة فلك أنْ تُنفِّس عن نفسك وتضربه مثلها، لك ذلك، لكن تذكرَّ المثلية هنا، لا بد أن تكون تامة، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 126]. وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فتردّ الضربة بمثلها؟ وهل قوتك كقوته، وحِدَّة انفعالك في الرد كحِدَّة انفعاله؟ ولو حدث وزدْتَ في ردِّك نتيجة غضب، ماذا تفعل؟ أتسمح له أنْ يردَّ عليك هذه الزيادة؟ أم تكون أنت ظالماً معتدياً؟ إذن: ماذا يُلجئك لمثل هذه المتاهة، ولك في التسامح سِعَة، وفي قول الله بعدها: {أية : وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126] مَخْرج من هذا الضيق؟ وسبق أنْ حكينا قصة المرابي اليهودي الذي قال لطالب الدَّيْن: إن تأخرت في السداد أشترط عليك أنْ آخذ رطلاً من لحمك. وجاء وقت السداد ولم يُوف المدين، فرفعه الدائن إلى القاضي وأخبره بما اشترطه عليه، فقال القاضي: نعم من حقك أن تأخذ رطلاً من لحمه لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلاً، إنْ زاد أو نقص أخذناه منك. إذن: مسألة المثلية هنا عقبةٌ تحدُّ من ثورة الغضب، وتفتح باباً للارتقاءات الإيمانية، فإنْ كان الحق سبحانه سمح لك أن تُنفِّس عن نفسك فقال: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40] فإنه يقول لك: لا تنسَ العفو والتسامح {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. لذلك، فالآية التي معنا تلفتنا لَفْتةً إيمانية: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ..} [الحج: 60] واحدة بواحدة {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ ..} [الحج: 60] يعني: زاده بعد أنْ ردَّ العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ..} [الحج: 60] ينصره على المعتدي الذي لم يرتَض حكم الله في رَدِّ العقوبة بمثلها. وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] مع أن الصفة التي تناسب النُّصْرة أن يقول قوي عزيز؛ لأن النُّصْرة تحتاج قوة وتحتاج عزة، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر مَنْ أراد أنْ يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم واعْفُ؛ لأن ربك عفو غفور، فاختار الصفة التي تُحنِّن قلب المؤمن على أخيه المؤمن. ثم أليس لك ذنب مع الله؟ {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..} تفسير : [النور: 22] فما دُمْت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده، وحين تغفر لمَنْ يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك عز وجل: {أية : فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم الإيماني، فأعطاك حقَّ رَدِّ العقوبة بمثلها لتنفِّس عن نفسك الغيظ، ثم دعاك إلى العفو والمغفرة. ثم يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج: 60] أي: غلبت النفس على القلب باستيلائها وغلبات صفاتها، ويرجع القلب منظراً إلى الله تعالى في قهر النفس وصفاتها {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ} [الحج: 60] يعفو عن زلات بعض الطالبين؛ ليصف حالهم {غَفُورٌ} [الحج: 60] ستر على عيوب بعض الصادقين؛ لبقايا صفات نفوسهم. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ} [الحج: 61] أي: هذا بأن الله {يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} [الحج: 61] أي: ليل الستر على نهار التجلي. {ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ} [الحج: 61] أي: نهار التجلي في ليل الستر لبعضهم يولج ليل القبض في نهار البسط، ولبعضهم يولج نهار الأنس في ليل الهيبة، ومنهم من يدوم نهاره ولا يدخلها عليهم ليلة وذلك لأهل الأنس {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [الحج: 61] يسمع تضرع المشتاقين {بَصِيرٌ} [الحج: 61] يرى حرقة الواصلين {ٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} [الحج: 62] يحقق أماني الصادقين، ويبطل دعاوى الكاذبين {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ} [الحج: 62] من دون الله؛ أي: يطلبون ما سواه {هُوَ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ} [الحج: 62] أي: أعلى من أنم وجده الطالبون {ٱلْكَبِيرُ} [الحج: 62] العظيم الذي لا يدرك الواصلون نهايته {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [الحج: 63] من سماء القلب ماء الحكمة {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] أي: أرض البشرية بخضرة الشريعة، وأرض القلوب بخضرة الأسرار، وأرض الأرواح بخضرة الكشوف، وأرض الأسرار بخضرة الأنوار. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الحج: 63-64] أي: ما في سماوات القلب مواهبه وما في الأرض؛ أي: أرض البشرية مراحمه {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ} [الحج: 64] لا ينقص غناه من مواهبه {ٱلْحَمِيدُ} [الحج: 64] في ذاته مستغن عن حمد الحامدين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ذلك بأن من جني عليه وظلم، فإنه يجوز له مقابلة الجاني بمثل جنايته، فإن فعل ذلك، فليس عليه سبيل، وليس بملوم، فإن بغي عليه بعد هذا، فإن الله ينصره، لأنه مظلوم، فلا يجوز أن يبغي عليه، بسبب أنه استوفى حقه، وإذا كان المجازي غيره، بإساءته إذا ظلم بعد ذلك، نصره الله، فالذي بالأصل لم يعاقب أحدا إذا ظلم وجني عليه، فالنصر إليه أقرب. { إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي: يعفو عن المذنبين، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويغفر ذنوبهم فيزيلها، ويزيل آثارها عنهم، فالله هذا وصفه المستقر اللازم الذاتي، ومعاملته لعباده في جميع الأوقات بالعفو والمغفرة، فينبغي لكم أيها المظلومون المجني عليهم، أن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ليعاملكم الله كما تعاملون عباده {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):