Verse. 2658 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً۝۰ۡفَتُصْبِحُ الْاَرْضُ مُخْضَرَّۃً۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَطِيْفٌ خَبِيْرٌ۝۶۳ۚ
Alam tara anna Allaha anzala mina alssamai maan fatusbihu alardu mukhdarratan inna Allaha lateefun khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً» مطرا «فتصبح الأرض مخضرة» بالنبات وهذا من أثر قدرته «إن الله لطيف» بعباده في إخراج النبات بالماء «خبير» بما في قلوبهم عند تأخير المطر.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة. أولها: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في قوله: {أَلَمْ تَرَ } وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن المراد هو الرؤية الحقيقية، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى وثانيها: أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام وثالثها: المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل. المسألة الثانية: قرىء {مُخْضَرَّةً } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال: {فَتُصْبِحُ الأرض} ولم يقل فأصبحت؟ الجواب: لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكراً له، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع. السؤال الثاني: لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام؟ والجواب: لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. السؤال الثالث: لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة، كما قال أبو مسلم. الجواب: يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه. السؤال الرابع: ما تعلق قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } بما تُقدم؟ الجواب: من وجوه أحدها: أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع. ومعنى {خَبِيرٌ } أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها: قال ابن عباس {لَطِيفٌ } بأرزاق عباده {خَبِيرٌ } بما في قلوبهم من القنوط وثالثها: قال الكلبي {لَطِيفٌ } في أفعاله {خَبِيرٌ } بأعمال خلقه ورابعها: قال مقاتل: {لَطِيفٌ } باستخراج النبت {خَبِيرٌ } بكيفية خلقه. الدلالة الثانية: قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضاً لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم، لا لحاجة به إلى ذلك. وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه فكان مستحقاً للحمد. فكأنه قال إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للإحسان، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً. فلهذا قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ }. الدلالة الثالثة: قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها، فلولا أن سخر الله تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة. الدلالة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب. فنبه تعالى على نعمه بذلك، وبأن خلق ما تعمل منه السفن، وبأن بين كيف تعمل، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعاً، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة. الدلالة الخامسة: قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلباً. ووجب أن يكون ثقيلاً، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام، وقوله تعالى: {أَن تَقَعَ } قال الكوفيون: كي لا تقع، وقال البصريون كراهية أن تقع، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام، فهو إذن رؤوف رحيم. الدلالة السادسة: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ } والمعنى أن من سخر له هذه الأمور، وأنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم. ونبه بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى. يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقي، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل تعالى هذه النعم قال: {إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ } وهذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجراً له عن الكفران وبعثاً له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى: { أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } تفسير : [سبأ: 13] وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر، وقال أيضاً هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف، والأولى تعميمه في كل المنكرين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} دليل على كمال قدرته؛ أي من قَدَر على هذا قَدَر على إعادة الحياة بعد الموت؛ كما قال الله عز وجل: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تفسير : [فصلت: 39]. ومثله كثير. «فتُصبِحُ» ليس بجواب فيكون منصوباً، وإنما هو خبر عند الخليل وسيبويه. قال الخليل: المعنى انْتَبِه! أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا؛ كما قال:شعر : ألم تسأل الرَّبْع القَوَاء فيَنْطِقُ وهل تُخْبِرَنْكَ اليوم بَيْدَاءُ سَمْلَقُ تفسير : معناه قد سألته فنطق. وقيل استفهام تحقيق؛ أي قد رأيت، فتأمل كيف تصبح! أو عطف لأن المعنى ألم تر أن الله ينزل. وقال الفراء: «ألم تر» خبر؛ كما تقول في الكلام: اِعلم أن الله عز وجل ينزل من السماء ماء. {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} أي ذات خضرة؛ كما تقول: مُبْقِلة ومُسْبِعَة؛ أي ذات بقل وسباع. وهو عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة. قال ابن عطية: وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتِهامة. ومعنى هذا: أنه أخذ قوله: «فتصبِح» مقصوداً به صباح ليلة المطر، وذهب إلى أن ذلك الاخضرار يتأخر في سائر البلاد، وقد شاهدت هذا بسُوسِ الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط أصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف رقيق. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} قال ابن عباس: «خبير» بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. «لطيف» بأرزاق عباده. وقيل: لطيف باستخراج النبات من الأرض، خبير بحاجتهم وفاقتهم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً} استفهام تقرير ولذلك رفع. {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً } عطف على {أَنَزلَ} إذ لو نصب جواباً لدل على نفي الاخضرار كما في قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، والمقصود إثباته وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق. {خَبِيرٌ } بالتدابير الظاهرة والباطنة.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح فتثير سحاباً، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوادء ممحلة، {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تفسير : [الحج: 5]. وقوله: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} الفاء ههنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} تفسير : [المؤمنون: 14] الآية، وقد ثبت في "الصحيحين": أن بين كل شيئين أربعين يوماً، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا ههنا قال: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} أي: خضراء بعد يباسها ومحولها. وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب، وإن صغر، ولا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء، فينبته به، كما قال لقمان: {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } تفسير : [لقمان: 16] وقال: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النحل: 25] وقال تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] وقال: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61] ولهذا قال أمية بن أبي الصلت أو زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته:شعر : وقَولا لهُ مَنْ ينبتُ الحَبَّ في الثَّرى؟ فيصبح منه البَقْل يهتزُّ رابيا ويُخْرِجُ منهُ حَبَّه في رؤوسه ففي ذاك آياتٌ لمنْ كانَ واعِيا تفسير : وقوله: {لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي: من حيوان وجماد وزروع وثمار؛ كما قال: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه {وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العجاج وتلاطم الأمواج تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاؤوا من تجائر وبضائع ومنافع من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك مما يحتاجون إليه ويطلبونه ويريدونه {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الرعد: 6]. وقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ} كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28]. وقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [الجاثية: 26]. وقوله: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} تفسير : [غافر: 11] ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أنداداً، وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَحْيَاكُمْ} أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً يذكر، فأوجدكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أي: يوم القيامة؟ {إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ} أي: جحود.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً } مطراً {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً } بالنبات وهذا من أثر قدرته {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } بعباده في إخراج النبات بالماء {خَبِيرٌ } بما في قلوبهم عند تأخير المطر.

ابن عطية

تفسير : {ألم تر} تنبيه وبعده خبر {أن الله} تعالى {أنزل من السماء ماء} فظلت {الأرض} تخضرعنه، وقوله {فتصبح الأرض} بمنزلة قوله فتضحي أو فتصير عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ورفع قوله {فتصبحُ} من حيث الآية خبر والفاء عاطفة وليست بجواب لأن كونها جواباً لقوله {ألم تر} فاسد المعنى، وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتهامة ومعنى هذا أنه أخذ قوله {فتصبح} مقصوداً به صباح ليلة المطر وذهب إلى أن ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر. قال القاضي أبو محمد: وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر بعد قحط وأصبحت تلك الأرض التي تسقيها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف دقيق، وقرأ الجمهور "مخضرة" و"اللطيف" المحكم للأمور برفق، واللام في {له ما في السماوات} لام الملك والمعنى الذي لا حاجة به إلى شيء هكذا هو على الإطلاق، وقوله {سخر لكم ما في الأرض} يريد من الحيوان والمعادن وسائر المرافق، وقرأ الجمهور "والفلكَ" بالنصب، وذلك يحتمل وجهين من الإعراب أحدهما أن يكون عطفاً على {ما} بتقدير وسخر الفلك، والآخر أن يكون عطفاً على المكتوبة بتقدير وإن الفلك وقوله، {تجري} على الإعراب الأول. في موضع الحال، وعلى الإعراب الثاني في موضع الخبر. وقرأت فرقة "والفلكُ" بالرفع فتجري خبر على هذه القراءة. قوله: {بإذنه} يحتمل أن يريد يوم القيامة كأن طيّ السماء ونقض هذه الهيئة كوقوعها، ويحتمل أن يريد بذلك الوعيد لهم في أنه إن أذن في سقوط لكسفها عليهم سقطت، ويحتمل أن يعود قوله {إلا بإذنه} على "الإمساك" لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، فكأنه أراد إلا بإذنه فيه يمسكها، وباقي الاية بين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} قوله: {فَتُصْبِحُ} عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء؛ وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكونُ إلاَّ بـ «بمكَّة» وتهامة. قال * ع *: ومعنى هذا أنه أخذ قوله: {فَتُصْبِحُ} مقصوداً به صباحُ ليلة المطر، وذهب إلى أَنَّ ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر. قال * ع *: وقد شاهدتُ هذا في السُّوسِ الأقصى، نزل المطرُ ليلاً بعد قَحْطٍ، وأصبحت تلك الأرض الرملة التي تسفيها الرياح قد اخضَرَّت بنبات ضعيف دقيق. قلت: وقد شاهدتُ أنا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق، وهي في حكمُ مكةَ إلاَّ أَنَّ البحر قد حال بينهما؛ وذلك أَنَّ التعدية من جده إلى «سواكنَ» مقدار يومين في البحر أو أقلَّ بالريح المعتدلة، وكان ذلك في أَوَّلِ الخريف، وأجرى اللّه العادة أَنَّ أَمطارَ تلك البلاد تكونُ بالخريف فقط، هذا هو الغالب، ولَمَّا شاهدتُ ذلك تذكرتُ هذه الآية الكريمة، فسبحان اللّه ما أعظم قدرته! واللطيف: المُحَكَّمُ للأمور برفق.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} الآية لما دل على قدرته بما تقدم أتبعه بأنواع أُخَر من الدلائل على قدرته ونعمته فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، فحمل الكلام على حقيقته أولى. والثاني: المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام. الثالث: المراد ألم تعلم. قال ابن الخطيب: والأول ضعيف، لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل. قوله: "فتصبح" فيه قولان: أحدهما: أنه مضارع لفظاً ماض معنى تقديره: فأصبحت، قاله أبو البقاء، ثم قال بعد أن عطفه على "أَنْزَل": فلا موضع له إذاً. وهو كلام ضعيف، لأن عطفه على "أنزل" يقتضي أن يكون له محل من الإعراب وهو الرفع خبراً لـ "أن". لكنه لا يجوز لعدم الربط. الثاني: أنه على بابه، ورفعه على الاستئناف. قال أبو البقاء: فهي، أي: القصة، و(تُصْبِح) الخبر. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ، بل هذه جملة فعلية مستأنفة لا سيما وقَدَّر المبتدأ ضمير القصة ثم حذفه، وهو لا يجوز، لأنه لا يؤتى بضمير القصة إلا للتأكيد والتعظيم والحذف ينافيه. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع. قلت: لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول: أنعَمَ عليَّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت: فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جواباً بالاستفهام. قلت: لو نصب لأعطى عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. وقال ابن عطية: قوله: "فَتُصْبِِحُ" بمنزلة قوله: فتضحى أو تصير، عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ووقع قوله: "فتُصْبحُ" من حيث الآية خبر، والفاء عاطفة وليست بجواب، لأن كونها جواباً لقوله: "أَلَمْ تَر" فاسد المعنى. قال أبو حيان: ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا كون المعنى فاسداً. قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} فقال: هذا واجب وتنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. قال ابن خروف: وقوله: هذا واجب. وقوله: فكان كذا. يريد أنهما ماضيان وفسر الكلام بـ "أتسمع". (ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام) لضعف حكم الاستفهام فيه. وقال بعض شراح الكتاب: "فتُصْبِحُ" لا يمكن نصبه، لأن الكلام واجب، ألا ترى أن المعنى أن الله أنزل فالأرض هذه حالها. وقال الفراء: "ألَمْ تَر" خبر، كما تقول في الكلام: اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. ويقول: إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا، لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام، وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام، هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وكذلك الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب. فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا. بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً، وإنما تأتينا ولا تُحَدَِّث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين، والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة وينفي الجواب، فيلزم من هذا التقدير إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار، وهو خلاف المقصود. وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء كقوله: شعر : 3775- أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِركَ الرُّسُومُ تفسير : يتقدر: إن تسأل تخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر: إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة، لأن اخضرارِها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال. وإنما عبر بالمضارع، لأن فيه تصوير الهيئة التي الأرض عليها والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء، وهذا كقول جحدر بن معاوية يصف حاله مع أسد نازله في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي أبيات فمنها: شعر : 3776- يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيْهمَا لَما أَجَالَهُمَا شُعَاعَ سِرَاجِ لَما نَزَلْتَ بِحصْنٍ أَزْبَرَ مِهْصَرٍ لِلْقِرْنِ أَرْوَاح العِدَا مَحَّاجِ فَأَكِرُّ أَحْمِلُ وَهو يُقْعِي باسْتِه فَإِذَا يَعُوْدُ فَرَاجِعٌ أَدْرَاجِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أَبَيْتُ نِزَالَهُ أَنِّيْ مِنَ الحَجَّاجِ لَسْتُ بَنَاجِ تفسير : فقوله: فأَكِرُّ تصوير للحالة التي لابسها. قال شهاب الدين: أما قوله: وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد مع الاستفهام. إلى قوله: إنما هو مترتب على الإنزال. منتزع من كلام أبي البقاء. قال أبو البقاء: إنما رفع الفعل هنا وإن كان قبله استفهام لأمرين: أحدهما: أنه استفهام بمعنى الخبر، أي قدر رأيت فلا يكون له جواب. والثاني: أن ما بعد الفاء ينصب إذا كان المستفهم عنه سبباً له، ورؤيته لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض، وإنما يجب على الماء. وأما قوله: وإنما عبر بالمضارع. فهو معنى كلام الزمخشري بعينه، وإنما غير عبارته وأوسعها. وقوله: "فَتُصْبح" استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب، قال: لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة. وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، فالفاء على بابها. قال ابن عطية: شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف. وقيل: تراها كل شيء بحسبه، وقيل: ثم جُمَلٌ محذوفة قبل الفاء تقديره: فتهتز وتربو وتنبت، بيّن ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ} تفسير : [الحج: 5] وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام كقوله تعالى: {أية : فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا} تفسير : [يوسف: 45، 46] إلى آخر القصة. و"تُصْبِحُ" يجوز أن تكون الناقصة وأن تكون التامة "مُخَضَرَّة" حال قاله أبو البقاء. وفيه بعد عن المعنى إذ يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال. ويجوز فيها أيضاً أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص، وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون بمعنى تصير. وقرأ العامة "مُخضَرَّة" بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل من اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّة، والأصل مُخْضَررَة بكسر الراء الأولى فأدغمت في مثلها. وقرأ بعضهم "مَخْضَرَة" بفتح الميم وتخفيف الراء بزنة مَبْقَلة ومَسْبعة. والمعنى: ذات خضروات وذات سِبَاع وذات بَقْل. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي: أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة، والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوان أجمع. ومعنى "خَبِير" أي؛ عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقال ابن عباس: "لطيفٌ" بأرزاق عباده "خبير" بما في قلوبهم من القنوط. وقال الكلبي: "لطيف" في أفعاله "خبير" بأعمال خلقه. وقال مقاتل: "لطيف" باستخراج النبت "خبير" بكيفية خلقه. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} عبيداً وملكاً، وهو غني عن كل شيء لأنه كامل لذاته، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من مطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم لا لحاجة به إلى ذلك، وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه، فكان مستحقاً للحمد، فكأنه قال: إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للإحسان، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً، فلهذا قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد، ولا أكثر هيبة من النار، وقد سخرها لكم، وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها للأكل والركوب والحمل. قوله: "والفُلْكَ" العامة على نصب"الفُلْكَ" وفيه وجهان: أحدهما: أنها عطف على {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} أي سخر لكم ما في الأرض وسخر لكم الفلك، وأفردها بالذكر وإن اندرجت بطريق العموم تحت "ما" في قوله {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} لظهور الامتنان بها، ولعجيب تسخيرها دون سائر المسخرات، و"تَجْرِي" على هذا حال. والثاني: أنها عطف على الجلالة، وتقديره: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْر، فـ "تجري" خبر على هذا. وضم لام "الفُلْك" هنا الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءة ابن مقسم، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع "والفُلْك" على الابتداء، و"تَجْرِي" بعده الخبر. ويجوز أن يكون ارتفاعه عطفاً على محل اسم "إن" عند من يجيز ذلك نحو إن زيداً وعمرو قائمان، وعلى هذا فـ "تجري" حال أيضاً والباء في "بأمره" للسببية. فصل وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياحُ تجريها، فلولا صفتها على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف فنبه تعالى على نعمته بذلك، وبأن خلق ما تُعْمَل منه السفن، وبأن بين كيف تعمل، وقال: "بأَمْرِه" لما كان تعالى هو المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعاً، لأن ذلك يفيد (تعظيمه بأكثر مما يفيد) لو أضافه إلى فعله على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة. قوله: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ} (في "أَنْ تَقَعَ") ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محل نصب أو جر لأنها على حذف حرف الجر تقديره من أن تقع. الثاني: أنها في محل نصب فقط لأنها بدل من "السماء" بدل اشتمال أي ويمسك وقوعها بمنعه. الثالث: أنها في محل نصب على المفعول من أجله، فالبصريون يقدرون كراهة أن تقع، والكوفيون لئلا تقع. قوله: "إِلاَّ بإِذْنِه" في هذا الجار وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "تَقَع" أي: إلا بإذنه فتقع. والثاني: أنه متعلق بـ "يمسك". قال ابن عطية: ويحتمل أن يعود قوله: "إلا بإذنه" على الإمساك، لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، كأنه أراد إلا بإذنه فيه نمسكها. قال أبو حيان: ولو كان على ما قال لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناء ويكون التقدير: ويمسك السماء بإذنه. قال شهاب الدين: فهذا الاستثناء مفرغ، ولا يقع في موجب، لكنه لما كان الكلام قبله في قوة النفي ساغ ذلك إذ التقدير: لا يتركها تقع إلا بإذنه، والذي يظهر أن هذه الباء حالية، أي: إلا ملتبسة بأمره. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام، فهو إذاً رؤوف رحيم قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ} أنشأكم ولم تكونوا شيئاً "ثُمَّ يُميتُكُمْ" عند انقضاء آجالكم "ثُمَّ يُحْييْكُمْ" يوم القيامة للثواب والعقاب {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} لنعم الله عزَّ وجلَّ، وهذا كما يعدد المرء نعمه على ولده ثم يقول: إن الولد لكفور لنعم الوالد زجراً له عن الكفران، وبعثاً له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]. قال ابن عباس: الإنسان هنا هو الكافر، وقال في رواية: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف. والأولى أنه في كل المنكرين.

السلمي

تفسير : قوله عزَّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الآية: 63]. قال بعضهم: أنزل مياة الرحمة من سحائب القربة ففتح إلى قلوب أوليائه وعباده عيونًا من ماء الرحمة فأنبت المعرفة فاخضرت القلوب بزينة وأثمرت الإيمان، وأينعت التوحيد، وأضاءت بالمحبة فهامت إلى سيدها، واشتاقت إلى ربها فطارت بهمتها فأناخت بين يديه، وعطفت عليه، وأقبلت إليه، وانقطعت عن الأكوان أجمع إذ ذاك آواها الحق إليه، وفتح لها خزائن أنواره، وأطلق لها فترة فى بساتين الحق ورياض الشوق والأنس.

القشيري

تفسير : ماءُ السماءِ يحيي الأرض بعد موتها، وماءُ الرحمةِ يحيي أحوال أهلِِ الزَّلةِ بعد تَرْكِها، وماءُ العناية يحيي أحوال (...) بعد زوال رونقها، وماء الصولة يحيي أهل القربة بعد نضوبها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} انزل مياه تجلى الصفات من بحار الذات على صحارى قلوب الصديقين فتصبح ارضها بصبح صفات مشاهدته مخضرة بانوار ورد المكاشفات ونور المحبة والشوق والعشق ورياحين الزلفات وشقاق المودة ونرجس المداناة وتنبت فيها رياحين المعارف بزلال الكواشف قال بعضهم انزل حياه الرحمة من سحايب القربة وفتح الى قلوبه عباده عيونا من ماء الرحمة فانبت المعرفة فاخضرت القلوب بزينة المعرفة فأثرت الايمان واينعت التوحيد واضاءت بالمحبة فهامت الى سيدها واشتاقت الى ربها وطارت بهمتها فاناخت بين يديه وعكفت عليه واقبلت عليه وانقطعت عن الاكوان اجمع اذ ذاك اواها الحق اليه وفتح لها خزئان انواره واطلق لها تنزه فى بساتين الانس ورياض الشوق والقدس.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة} [سبز كشته يكبار بعد ازبزمردكى وخشكى]، قال الراغب الخضرة احد الالوان بين البياض والسواد وهو الى السواد اقرب ولهذا يسمى الاسود اخضر والاخضر اسود وقيل سواد العراق للموضع الذى تكثر فيه الخضرة قوله ألم تر استفهام تقرير ولذلك رفع فتصبح عطفا على انزل اذ لو نصب جوابا للاستفهام لدل على نفى الاخضرار والمقصود اثباته كما يدل النصب على نفى النظر فى قوله {أية : افلم يسيروا فى الأرض فينظروا} تفسير : واورد تصبح بصيغة المضارع ليدل على بقاء اثر المطر زمانا بعد زمان {ان الله لطيف} يصل لطفه الى الكل من حيث لا يعلم ولا يحتسب، وقال الكاشفى [لطف كننده است بربندكان باروييدن كياه تا ايشانرا ازان روزى دهد] {خبير} بما يليق من التدابير الحسنة ظاهرا وباطنا، وقال الكاشفى [داناست بحال رزقا ومرزوقا]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فتصبح}: عطف على {أنزل}، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير، وإيثار صيغة الاستقبال؛ للإشعار بتجدد أثر الإنزال، وهو الاخضرار واستمراره، أو لاستحضار صورة الاخضرار، وإنما لم ينصب جوابًا للاستفهام؛ لأنه لو نصب لبطل الغرض؛ لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار، فينقلب في النصب إلى نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته نفيت شكره، وشكوت من تفريطه، وإن رفعته أثبت شكره. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم تر} يا محمد، أو يا من يسمع، {أن الله أنزل من السماء ماءً}؛ مطرًا {فتصبحُ الأرض مخضرةً} بالنبات، بعدما كانت مسودة يابسةً، {إِنَّ اللهَ لطيفٌ} بعباده، أو في ذاته لا يدرك، {خبيرٌ} بمصالح خلقه ومنافعهم، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير، الخبير بكل جليل وحقير، قليل وكثير. {له ما في السماوات وما في الأرض}؛ مُلكًا ومِلْكًا، قد أحاط بهم؛ قدرةً وعلمًا، {وإِنَّ الله لهو الغني} عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، {الحميد}: المحمود بنعمته، قبل ثناء من في السماوات والأرض عليه، أو المستحق للحمد، أعطى أو لم يعط. ثم ذكر موجب الحمد من عباده، فقال: {ألم ترَ أن الله سخَّر لكم ما في الأرض} من الأنعام؛ لتأكلوا منها، ومن البهائم؛ لتركبوها في البر، {والفُلكَ تجري في البحر بأمره}: بقدرته وإذنه، أي: وسخر لكم المراكب حال كونها جارية في البحر بإذنه، {ويُمسكُ السماء أن تقعَ على الأرض} أي: يحفظها من السقوط، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك، {إِلا بإِذنه}: إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها؛ فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبُولَ غيرها. {إِنَّ الله بالناس لرؤوفٌ رحيمٌ}؛ حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم، وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار، فأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، فله الحمد وله الشكر. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب، وهو علم أسرار الذات وأنوار الصفات، أعني: التوحيد الخاص، فإذا نزل على أرض النفوس، اهتزت وربت، واخضرت بالعلوم والمعارف، إن الله لطيف خبير، لطيف؛ لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء، خبير ببواطن كل شيء، فمن كوشف بلطيف معانيه وإحاطة علمه في كل شيء، وبكل شيء، حيي قلبه بمعرفة الله، واخضرت أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، يكون عند أمركم ونهيكم، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره، ويُمسك سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه، بعد الرسوخ في معرفته، والتمكين من الفهم عنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم؛ حيث فتح لهم باب العلوم، وهيأ لهم أسباب الفهوم، وهي الرياضة والتأديب. ثمَّ ذكر دليلاً آخر على قدرته

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تقرير لعلوّه وكبره واحاطة علمه وسمعه وبصره {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} لا يخفى تعميم الماء والسّماء والارض واخضراره بين الصّوريّة والمعنويّة فى الكبير والصّغير {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} فى ذاته فلا يدركه مدركٌ لطيف فى صفاته لطيف فى فعاله فلا يدرك دقائق صنعه والغايات المترتّبة عليه والحكم المودعة فيه الاّ هو {خَبِيرٌ} يعلم بخبرته دقائق كلّ موجودٍ ومصالح كلّ مصنوع له.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} الاستفهام للتقرير ولذلك رفع (تصبح) عطفا على (انزل) ولو نصب في جوابه لدل على نفي الاخضرار وهو ثابت مثاله ان تقول: (الم ترني انعمت عليك فتشكر) ان نصبت فانت ناف لشكره، شاك تفريطه فيه وان رفعت مثبت لشكره وهذا وامثاله مما يجب ان يرغب فيه من اتصف بالعلم في علم الاعراب وتوقير أهله. قال شيخ الاسلام: ووجه ذلك ان النصب بتقدير (ان) وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مرتغبا والرفع جزم باثباته وكذلك يرفع ان جعل الاستفهام للانكار. وان قلت الفاء للتعقيب واصباح الارض مخضرة لا يكون عقب انزال الماء؟ قلت: هي للتعقيب ولكن التعقيب في كل شيء بحسبه نحو، (تزوج فلان فولد له) إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل ولو كانت مدة طويلة. وقيل: الفاء هنا للسببية وفاء السببية لا تستلزم التعقيب بدليل صحة قولك (ان يسلم فهو يدخل الجنة) ومعلوم ما بينهما من المهلة. قاله ابن هشام: وذكر التوجيه الاول السعد والرضي ايضا وضعف الدماميني ذاك القول الثاني بان الاصل في الفاء السببية استلزام التعقيب وان عدمه في بعض المواضع كالمثال لعدم استكمال السبب إذ السبب التام لدخول الجنة في المثال مجموع الاسلام واستمرار حكمه لكن اطلاق السبب على جزئه مجازا له باختصار ويجاب بان السبب عند علماء الادب كون الشيء له مدخل في غيره لا السبب التام الذي يلزم وجوده وجود المسبب ولك ان تقول: الفاء استعملت في الآية بمعنى (ثم) مجازا ومعنى (تصبح) تصير. وان قلت: لَم عبر بالمضارع والمعنى على المضي؟ قلت: الذي يظهر لي انه عبر بالمضارع مرادا به الحال استحضار لصورة الاخضرار. وقال جار الله: عبر بالمضارع ليفيد بقاء اثر المطر زمانا بعد زمان كما تقول: (أنعم علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له) فلو قلت: (فرحت وغدوت) لم يقع ذلك الموقع. وهو ايضا حسن. ومخضرة اسم فاعل اصله مخضررة بكسر الراء الاولى حذف كسرها وادغمت في الراء وقرئ (مخضرة) بكسر الضاد وتخفيف الراء أي ذات خضرة كمبقلة ومسبعة أي ذات بقل وسباع. وان قلت: تصبح الارض مخضرة معطوف على الخبر فكانه خبر فيحتاج الرابط؟ قلت: ذكر ابن هشام ان الربط يكون بفاء السببية كما يكون بالضمير هذا ويصح ان تكون الفاء للتعقيب اتصالا عبارة عن استعجال لاخضرار اثر نزول الماء. وعن عكرمة ان التعقيب هنا حقيقي وان هذا يختص بمكة وما حولها. قال عياض: ينزل الماء ليلا قرب الصبح فتنبت الارض في الصبح قال وقد شاهدت هذا في السوس الاقصى نزل المطر ليلا بعد قحط فاصبحت تلك الارض الرملة التي تسفيها الريح قد اخضرت وقد شاهد الثعالبي ذلك في رحلته للحج بصحراء سواكن {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} بعباده في اخراج النبات بالماء رزقا لهم ولدوابهم وحطبا ومنفعة للبيوت وغيرها. وقيل: اللطف وصول علمه أو فضله إلى كل ما دقّ وجل. وقيل: احكام الامور برفق {خَبِيرٌ} باعمالهم ومنافعهم وبكل ظاهر وباطن. وقيل: خبير بما في قلوبهم عند تأخر المطر.

اطفيش

تفسير : {أَلمْ تَرَ} بعينك، أو لم تعلم {أنَّ الله أنْزل من السَّماء} مما علا كالسقف وهو السحاب، أو من جهة لسماء إحدى السبع {ماء فتُصْبح الأرضُ} تصير، وعبر به لتقريب الإنبات حتى أنه شوهد فى بعض المواضع أنه نزل ليلا فتنبت الأرض فيه {مُخضرَّة} بالنبات والفاء سببية، تغنى عن ضمير يرجع الى المبتدأ المخبر عنه بالجملة المعطوف عليها ما بعد الفاء، واسم أن مبتدأ قبل دخولها، ولا مانع من أن تجعل الفاء عاطفة سببية غير مقيدة للاتصال، ومجرد الترتيب مفهوم من السببية، وهو مما وفقت لاستخراجه، ثم رأيته لبعض فلا إشكال فى تأخير الاخضرار، ويجوز أن يكون الاتصال معتبرا بالاستعداد. {إنَّ الله لَطيفٌ} يوصل المنافع والأرزاق الى عباده برفق، أو من حيث لا يشعرون، ومن ذلك إنزال الماء ولاخضرار {خَبيرٌ} عليم بدقائق الأمور والمصالح، وبما فى قلب ألفاظ من الرزق، بكيفية خلق النبات، وبأفعال العباد.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء} أي من جهة العلو {مَاءً} أي ألم تعلم ذلك، وجوز كون الرؤية بصرية نظراً للماء المنزل، والاستفهام للتقرير، وقوله تعالى: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} أي فتصير، وقيل تصبح على حقيقتها والحكم بالنظر إلى بعض الأماكن تمطر السماء فيها ليلاً فتصبح الأرض مخضرة، والأول أولى عطف على {أَنَزلَ} والفاء مغنية عن الرابط فلا حاجة إلى تقدير بإنزاله، والتعقيب عرفي أو حقيقي وهو إما باعتبار الاستعداد التام للإخضرار أو باعتباره نفسه وهو كما ترى، وجوز أن تكون الفاء لمحض السبب فلا تعقيب فيها، والعدول عن الماضي إلى المضارع لإفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول: أنعم عليَّ فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له ولو قلت: فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع أو لاستحضار الصورة البديعة ولم ينصب الفعل في جواب الاستفهام هنا في شيء من القراءات فيما نعلم وصرح غير واحد بامتناعه، ففي «البحر» أنه / يمتنع النصب هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى قوله تعالى: { أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا بالنصب فالمعنى ما تأتينا محدثاً إنما تأتينا ولا تحدث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتينا فكيف تحدثنا فالحديث منتف في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزة الاستفهام وينفي الجواب فيلزم من ذلك هنا إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المراد، وأيضاً جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام شرط وجزاء ولا يصح أن يقال هنا إن تر إنزال الماء تصبح الأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال اهـ. وإلى انعكاس المعنى على تقدير النصب ذهب الزمخشري حيث قال: لو نصب الفعل جواباً للاستفهام لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار لكن تعقبه صاحب «الفرائد» حيث قال: لا وجه لما ذكره صاحب «الكشاف» ولا يلزم المعنى الذي ذكر بل يلزم من نصبه أن يكون مشاركاً لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} تابعاً له ولم يكن تابعاً لأنزل ويكون مع ناصبه مصدراً معطوفاً على المصدر التي تضمنه {أَلَمْ تَرَ} والتقدير ألم تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرة وهذا غير مراد من الآية بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء فيكون حصول اخضرار الأرض تابعاً للإنزال معطوفاً عليه اهـ وفيه بحث. وقال صاحب «التقريب» في ذلك: إن النصب بتقدير إن وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بإخباره وتلخيصه أن الرفع جزم بإثباته والنصب ليس جزماً بإثباته لا أنه جزم بنفيه، ولا يخفى أنه إن صح في نفسه لا يطابق مغزى الزمخشري، وعلل أبو البقاء امتناع النصب بأمرين، أحدهما انتفاء سببية المستفهم عنه لما بعد الفاء كما تقدم عن «البحر»، والثاني أن الاستفهام المذكور بمعنى الخبر فلا يكون له جواب وإلى هذا ذهب الفراء فقال: {أَلَمْ تَرَ} خبر كما تقول في الكلام اعلم أن الله تعالى يفعل كذا فيكون كذا، وقال سيبويه: وسألته يعني الخليل عن قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} فقال هذا واجب وهو تنبيه كأنك قلت: أتسمع؟ وفي النسخة الشرقية من «الكتاب» انتبه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. وقال بعض المتأخرين: يجوز أن يعتبر تسبب الفعل عن النفي ثم يعتبر دخول الاستفهام التقريري فيكون المعنى حصل منك رؤية إنزال الله تعالى الماء فإصباح الأرض مخضرة لأن الاستفهام المذكور الداخل على النفي يكون في معنى نفي النفي وهو إثبات، فإن قلت: الرؤية لا تكون سبباً لا نفياً ولا إثباتاً للاخضرار، قلت: الرؤية مقحمة والمقصود هو الإنزال أو هي كناية عنه لأنها تلزمه مع أنه يكفي التشبيه بالسبب كما نص عليه الرضي في ما تأتينا فتحدثنا في أحد اعتباريه، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز النصب أن النصب مخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية على ما قرر في علم النحو ولا يمكن ذلك في الآية الكريمة كما ترى. وبالجملة إن الذي عليه المحققون أن من جوز النصب هنا لم يصب، وأن المعنى المراد عليه ينقلب. وقرىء {مخضرة} بفتح الميم وتخفيف الضاد مثل مبقلة ومجزرة أي ذات خضرة. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} أي متفضل على العباد بإيصال / منافعهم إليهم برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء واخضرار الأرض بسببه {خَبِيرٌ} أي عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده. وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبات خبير بكيفية خلقه، وقال الكلبـي: لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده، وقال ابن عطية: اللطيف هو المحكم للأمور برفق، ونقل الآمدي أنه العالم بالخفيات، وأنت تعلم أنه المعنى المشهور للخبير، وفسره بعضهم بالمخبر ولا يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى التذكير بنعم الله تعالى على الناس بمناسبة ما جرى من قوله {أية : بأن الله يولج الليل في النهار}تفسير : [الحج: 62] الآية. والمقصود: التعريض بشكر الله على نعمه وأن لا يعبدوا غيره كما دلّ عليه التذييل عقب تعداد هذه النعم بقوله {أية : إن الإنسان لكفور}تفسير : [الحج: 66]، أي الإنسان المشرك. وفي ذلك كله إدماج الاستدلال على انفراده بالخلق والتدبير فهو الرب الحق المستحق للعبادة. والمناسبة هي ما جرى من أن الله هو الحق وأن ما يدْعُونه الباطل، فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. والخطاب لكلّ من تصلح منه الرؤية لأنّ المرئِيّ مشهور. والاستفهام: إنكاري، نزلت غفلة كثير من الناس عن الاعتبار بهذه النعمة والاعتدادِ بها منزلة عدم العلم بها، فأُنكر ذلك العدم على الناس الذين أهملوا الشكر والاعتبار. وإنما حكي الفعل المستفهم عنه الإنكاري مقترناً بحرف (لم) الذي يخلّصه إلى المضي، وحكي متعلقه بصيغة الماضي في قوله: {أنزل من السماء ماء} وهو الإنزال بصيغة الماضي كذلك ولم يراع فيهما معنى تجدّد ذلك لأن موقع إنكار عدم العلم بذلك هو كونه أمراً متقرراً ماضياً لا يدّعى جهله. و{تصبح} بمعنى تصير فإن خَمساً من أخوات (كان) تستعمل بمعنى: صار. واختير في التعبير عن النبات الذي هو مقتضى الشكر لما فيه من إقامة أقوات الناس والبهائم بذكر لونه الأخضر لأنّ ذلك اللون ممتع للأبصار فهو أيضاً مُوجب شكرٍ على ما خلق الله من جمال المصنوعات في المرأى كما قال تعالى: {أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل: 6]. وإنما عبّر عن مصير الأرض خضراء بصيغة {تصبح مخضرة} مع أن ذلك مفرّع على فعل {أنزل من السماء ماء} الذي هو بصيغة الماضي لأنه قصد من المضارع استحضار تلك الصورة العجيبة الحسنة، ولإفادة بقاء أثر إنزال المطر زماناً بعد زمانٍ كما تقول: أنعم فلان عليّ فأروح وأغدو شاكراً له. وفعل {تصبح} مفرّع على فعل {أنزل} فهو مثبَت في المعنى. وليس مفرّعاً على النفي ولا على الاستفهام، فلذلك لم ينصب بعد الفاء لأنه لم يقصد بالفاء جوابٌ للنفي إذ ليس المعنى: ألم تر فتصبحَ الأرض. قال سيبويه: «وسألته (يعني الخليل) عن {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} فقال: هذا واجب (أي الرفع واجب) وهو تنبيه كأنك قلت: أتسمع: أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا اهــــ. قال في «الكشاف»: «لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه (أي الكلام) إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار. مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يَرغبَ له من اتسم بالعلم في علم الإعراب» اهــــ. والمخضرّة: التي صار لونها الخضرة. يقال: اخضرّ الشيء، كما يقال: اصفرّ الثَمر واحمرّ، واسودّ الأفق: وصيغة افعلَّ مما يصاغ للاتصاف بالألوان. وجملة {إن الله لطيف خبير} في موقع التعليل للإنزال، أي أنزل الماء المتفرّع عليه الاخضرار لأنه لطيف، أي رفيق بمخلوقاته، ولأنه عليم بترتيب المسببات على أسبابها.

الشنقيطي

تفسير : الظاهر: أن "تر" هنا من رأى بمعنى: علم. لأن إنزال المطر وإن كان مشاهداً بالبصر فكون الله هو الذي أنزله، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر. فالرؤية هنا علمية عَلَى التحقيق. فالمعنى: ألم تعلم الله منزلاً من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة: أي ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب إنزاله من الماء من السماء، وهذه آية من آياته وبراهين قدرته عَلَى البعث كما بيناه مراراً. وهذا المعنى المذكور هنا من كون إنبات نبات الأرض، بإنزاله الماء من آياته الدالة، عَلَى كمال قدرته جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}تفسير : [فصلت: 39] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [فصلت: 39] وكقوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}تفسير : [الروم: 50] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الروم: 50] وقوله: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً}تفسير : [ق: 9-11] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: {أية : كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}تفسير : [ق: 11] أي خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، كقوله: {أية : وَيُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الروم: 19] وقوله: {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً}تفسير : [ق: 11] {أية : كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57] والآيات بمثل هذا كثيرة. تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان: الأول: هو ما حكمة عطف المضارع في قوله: فتصبح على الماضي الذي هو أنزل؟ السؤال الثاني: ما وجه الرفع في قوله: فتصبح مع أن قبلها استفهاماً؟ فالجواب عن الأول: أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول: أنعم على فلان عام كذا وكذا، فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت: فغدوت ورحت، لم يقع ذلك الموقع، هكذا أجاب به الزمخشري. والذي يظهر لي والله أعلم: أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيأة التي اتصفت بها الأرض: بعد نزول المطر، والماضي لا يفيد دوام استحضارها لأنه يفيد انقطاع الشيء، أما الرفع في قوله: فتصبح، فلأنه ليس مسبباً عن الرؤية التي هي موضع الاستفهام، وإنما هو مسبب الإنزال في قوله: أنزل، والإنزال الذي هو سبب إصباح الأرض مخضرة ليس فيه استفهام، ومعلوم أن الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط، ولا يمكن أن تقول هنا: إن تر أن الله أنزل من السماء ماء، تصبح الأرض مخضرة، لأن الرؤية لا أثر لها ألبتة في اخضرار الأرض، بل سببه إنزال الماء لا رؤية إنزاله. وقد قال الزمخشري في الكشاف في الجواب عن هذا السؤال: فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام. قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار. مثاله: أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن تنصبه فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله. انتهى منه. وذكر نحوه أبو حيان وفسره ظاناً أنه أوضحه، ولا يظهر لي كل الظهور، والعلم عند الله تعالى. فإن قيل: كيف قال: فتصبح مع أن اخضرار الأرض، قد يتأخر عن صبيحة المطر. فالجواب: أنه على قول من قال: فتصبح الأرض مخضرة: أي تصير مخضرة فالأمر واضح، والعرب تقول: أصبح فلان غنياً مثلاً بمعنى صار. وذكر أبو حيان عن بعض أهل العلم: أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر. ذكره عكرمة وابن عطية وعلى هذا فلا إشكال. وقال بعضهم: إن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه كقوله: {أية : ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً}تفسير : [المؤمنون: 14] مع أن بين ذلك أربعين يوماً كما في الحديث، قاله ابن كثير. وقوله: لطيف خبير: أي لطيف بعباده، ومن لطفه بهم إنزاله المطر وإنباته لهم به أقواتهم، خبير بكل شيء، لا يغرب عن عمله مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض سبحانه وتعالى علواً كبيراً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تعلم. مخضرة: أي بالعشب والكلأ والنبات. الغني الحميد: الغني عن كل ما سواه المحمود في أرضه وسمائه. سخر لكم ما في الأرض: أي سهل لكم تملكه والتصرف فيه والانتفاع به. أحياكم: أي أوجدكم أحياء بعدما كنتم عدما. لكفور: أي كثير الكفر والجحود لربِّه ونعمه عليه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد بذكر مظاهر القدرة والعلم والحكمة قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ} يا رسولنا {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي مطراً فتصبح الأرض بعد نزول المطر عليها مخضرة بالعشب والنباتات والزروع، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} بعباده {خَبِيرٌ} بما يصلحهم ويضرهم وينفعهم. وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقاً وملكاً وتصرفاً، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ} عن خلقه {ٱلْحَمِيدُ} أي المحمود في الأرض والسماء بجميل صنعه وعظيم إنعامه وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} من الدواب والبهائم على اختلافها {وَٱلْفُلْكَ} أي وسخر لكم الفلك أي السفن {تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي بإذنه وتسخيره، {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} أي كيلا تقع على الأرض {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي لا تقع إلا إذا أذن لها في ذلك وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} من مظاهر رأفته ورحمته بهم تلك الرحمة المتجلية في كل جانب من جوانب حياتهم في حملهم في إرضاعهم في غذائهم في نومهم في يقظتهم في تحصيل أرزاقهم في عفوه عن زلاتهم في عدم تعجيل العقوبة لهم بعد استحقاقهم لها في إرسال الرسل في إنزال الكتب فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ} بالإِنشاء والإِيجاد من العدم، ثم يميتكم عند انتهاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} ويبعثكم ليجزيكم بكسبكم كل هذه النعم يكفرها الإِنسان فيترك ذكر ربه وشكره ويذكر غيره ويشكر سواه، فهذه المظاهرلقدرة الرب وعلمه وحكمته وتلك الآلاء والنعم الظاهرة والباطنة توجب الإِيمان بالله وتحتم عبادته وتوحيده وذكره وشكره، وتجعل عبادة غيره سُخفاً وضلالاً عقلياً لا يُقادر قدره ولا يُعرف مداه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بذكر مقتضياته من القدرة والنعمة. 2- إثبات صفات الله تعالى: اللطيف الخبير الغني الحميد الرؤوف الرحيم المحيي المميت. 3- بيان إنعام الله وإفضاله على خلقه. 4- مظاهر قدرة الله تعالى في إمساك السماء أن تقع على الأرض، وفي الإِحياء والأماتة والبعث.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - وَمِنْ دَلائِلِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَظِيمِ شَأْنِهِ أَنَّهُ يُنْزِلُ المَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْضَرُّ الأَرْضُ، وَتُنْبِتُ بِالنَّبَاتِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَيِّتَةً. وَمِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى أَنْ تَتَحَرَّكَ النَّبَاتَاتُ في بَاطِنِ الأَرْضِ ثُمَّ تَشُقُّها وَتَخْرُجُ مِنْهَا. وَهُوَ عَلِيمٌ بِجِميعِ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، لاَ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيةٌ، وَهُوَ تَعَالَى لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ فَيُدَبِّرُها وَيَتَوَلاّهَا بِعِنَايِتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ ..} [الحج: 63] إنْ كانت للأمر الحِسِّي الذي تراه العين، فأنت لم تَرَهُ ونُنبهك إليه، وإنْ كانت للأمر الذي لا يُدرَك بالعين فهي بمعنى: ألم تعلم. وتركنا العلم إلى الرؤية لنبين لك أن الذي يُعلِّمك الله به أوثق مما تهديك إليه عَيْنك. فالمعنى: ألم تعلم وألم تنظر؟. المعنيان معاً. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ..} [الحج: 63] فهذه آية تراها، لكن ترى منها الظاهر فقط، فترى الماء ينهمر من السماء، إنما كيف تكوَّن هذا الماء في طبقات الجو؟ ولماذا نزل في هذا المكان بالذات؟ هذه عمليات لم تَرَها، وقدرة الله تعالى واسعة، ولك أن تتأمل لو أردتَ أنْ تجمع كوب ماء واحد من ماء البخار، وكم يأخذ منك من جهد ووقت وعمليات تسخين وتبخير وتكثيف، فهل رأيتَ هذه العمليات في تكوين المطر؟ إذن: رأيت من المطر ظاهره، لذلك يلفتك ربك إلى ما وراء هذا الظاهر لتتأمله. لذلك؛ جعل الخالق - عز وجل - مسطح الماء ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فاتساع مُسطَّح الماء يزيد من البَخْر الذي ينشره الله تعالى على اليابس، كما لو وضعتَ مثلاً كوبَ ماء في غرفتك، وتركتَه مدة شهر أو شهرين، ستجد أنه ينقص مثلاً سنتيمتراً، أما لو نثرتَ الكوب على أرض الغرفة فسوف يجفّ بعد دقائق. إذن: فاتساع رقعة الماء يزيد من كمية البخار المتصاعد منها، ونحن على اليابس نحتاج كمية كبيرة من الماء العَذْب الصالح للزراعة وللشرب .. الخ، ولا يتوفر هذا إلا بكثرة كمية الأمطار. ثم يُبيِّن سبحانه نتيجة إنزال الماء من السماء: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً ..} [الحج: 63] يعني: تصير بعد وقت قصير خضراء زاهية. دون أن يذكر شيئاً عن تدخُّل الإنسان في هذه العملية، فالإنسان لم يحرث ولم يبذر ولم يَرْو، إنما المسألة كلها بقدرة الله، لكن من أين أتت البذور التي كوَّنَتْ هذا النبات؟ ومَنْ بذرها ووزَّعها؟ البذُور كانت موجودة في التربة حيَّة كامنة لم يُصِبْها شيء، وإنْ مَرَّ عليها الزمن؛ لأن الله تعالى يحفظها إلى أنْ تجد الماء وتتوفَّر لها عوامل الإنبات فتنبت؛ لذلك نُسمِّي هذا النبات (العِذْى)؛ لأنه خرج بقدرة الله لا دَخْل لأحد فيه. وتولَّتْ الرياح نَقْل هذه البذور من مكان لآخر، كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22] ولو سلسلْتَ هذه البذرة ستجدها من شجرة إلى شجرة حتى تصل إلى شجرة أُمٍّ، خلقها الخالق سبحانه لا شجرةَ قبلها ولا بذرة. لذلك يُرْوى أن يوسف النجار وكان يرعى السيدة مريم عليها السلام ويشرف عليها، ويقال كان خطيبها - لما رآها حاملاً وليس لها زوج سألها بأدب: يا مريم، أتوجد شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتتْ أول بذرة. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] اللطْف هو دِقَّة التناول للأشياء، فمثلاً حين تريد أن تدخل خيطاً في إبرة، تجد الخيط لا ينفذ من ثقبها لأول مرة، فتحاول أنْ تُرفِّق من طرف الخيط وتبرمه حتى يدِقّ فينفذ من الثقب، فالخيط بعد أنْ كان غليظاً أصبح لطيفاً دقيقاً. ويقولون: الشيء كلما لَطُف عَنُف، في حين يظن البعض أن الشيء الكبير هو القوي، لكن هذا غير صحيح، فكلما كان الشيء لطيفاً دقيقاً كان خطره أعظم، أَلاَ ترى الميكروب كيف يصيب الإنسان وكيف لا نشعر به ولا نجد له ألماً؟ ذلك لأنه دقيق لطيف، وكذلك له مدخل لطيف لا تشعر به؛ لأنه من الصِّغَر بحيث لا تراه بالعين المجردة. والبعوضة كم هي هيِّنة صغيرة؛ لذلك تُؤلمك لدغتها بخرطومها الدقيق الذي لا تكاد تراه، وكلما دَقَّ الشيء احتاج إلى احتياط أكثر لتحمي نفسك من خطره، فمثلاً إنْ أردتَ بناء بيت في الخلاء أو منطقة نائية، فإنك ستضطر أنْ تضع حديداً على الشبابيك يحميك من الحيوانات المفترسة كالذئاب مثلاً، ثم تضع شبكة من السلك لتحميك من الفئران، فإن أردْتَ أن تحمي نفسك من الذباب والبعوض احتجت إلى سِلْك أدق، وهكذا كلما صَغُر الشيء ولطف احتاج إلى احتياط أكثر. فاللطيف هو الذي يدخل في الأشياء بلطف؛ لذلك يقولون: فلان لطيف المدخل يعني: يعني: يدخل لكل إنسان بما يناسبه، ويعرف لكل إنسان نقطة ضَعْف يدخل إليه منها، كأن معه (طفاشة) للرجال، يستطيع أن يفتح بها أي شخصية. لكن، ما علاقة قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] بعد قوله: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً ..} [الحج: 63] ؟ قالوا: لأن عملية الإنبات تقوم على مَسَامّ وشعيرات دقيقة تخرج من البذرة بعد الإنبات، وتمتصّ الغذاء من التربة، هذه الشعيرات الجذرية تحتاج إلى لُطْف، وامتصاص الغذاء المناسب لكل نوع يحتاج إلى خبرة، كما قال تعالى: {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ..} تفسير : [الرعد: 4]. فالأرض تصبح مُخضَرَّة من لُطْف الحق سبحانه، ومن خبرته في مداخل الأشياء، لذلك قال بعدها: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63]. ولدِقّة الشعيرات الجذرية نحرص ألاَّ تعلو المياه الجوفية في التربة؛ لأنها تفسد هذه الشعيرات فتتعطن وتموت فيصفرُّ النبات ويموت. ثم يقول الحق سبحانه: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى ما دلَّ على قدرته الباهرة من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ونبه به على نعمه، أتبعه هنا بأنواع أخر من الدلائل على قدرته وحكمته، وجعلها كالمقدمة لإِثبات البعث والمعاد، وختم السورة بدعوة المؤمنين إلى عبادة الله الواحد الأحد. اللغَة: {سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً {يَسْطُونَ} يبطشون، والسطوة: القهر وشدة البطش يقال: سطا يسطو إذا بطش به {يَسْلُبْهُمُ} سلب الشيء: اختطفه بسرعة {قَدَرُواْ} عظموا {يَصْطَفِي} يجتبي ويختار {حَرَجٍ} ضيق {مِّلَّةَ} الملة: الدين. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} استفهام تقريري أي ألم تعلم ايها السامع أن الله بقدرته أنزل من السحاب المطر؟ {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} أي فأصبحت الأرض منتعشة خضراء بعد يبسها ومحولها، وجاء بصيغة المضارع {فَتُصْبِحُ} لاستحضار الصورة وإفادة بقائها كذلك مدة من الزمن {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} قال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط، والغرض من الآية إقامة الدليل على كمال قدرته وعلى البعث والنشور فمن قدر على هذا قدر على إعادة الحياة بعد الموت ولهذا قال {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي جميع ما في الكون ملكه جل وعلا، خلقاً وملكاً وتصرفاً، والكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي هو تعالى غني عن الأشياء كلها لا يحتاج لأحد، وهو المحمود في كل حال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} تذكير بنعمة أُخرى أي ألم تر أيها العاقل أن الله سخر لعباده جميع ما يحتاجون إليه من الحيوانات والأشجار والأنهار والمعادن {وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي وسخر السفن العظيمة المثقلة بالأحمال والرجال تسير في البحر لمصالحكم بقدرته ومشيئته {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} أي ويمسك بقدرته السماء كي لا تقع على الأرض فيهلك من فيها {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي إلا إذا شاء وذلك عند قيام الساعة {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي وذلك من لطفه بكم ورحمته لكم حيث هيأ لكم أسباب المعاش فاشكروا آلاءه {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ} أي أحياكم بعد أن كنتم عدماً {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} أي يميتكم عند انتهاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أي بعد موتكم للحساب والثواب والعقاب {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} أي مبالغ في الجحود لنعم الله قال ابن عباس: المراد بالإِنسان الكافر والغرض من الآيات توبيخ المشركين كأنه يقول: كيف تجعلون لله أنداداً وتعبدون معه غيره وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف!! {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي لكل نبي من الأنبياء وأمةٍ من الأمم السابقين وضعنا لهم شريعة ومتعبداً ومنهاجاً كقوله {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48] {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي هم عاملون به أي بذلك الشرع {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} أي لا ينازعك أحدٌ من المشركين فيما شرعتُ لك ولأمتك فقد كانت الشرائع في كل عصر وزمان، وهو نهيٌ يراد به النفي أي لا ينبغي منازعةُ النبي صلى الله عليه وسلم لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسع النزاع فيه {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي أدعُ الناس إلى عبادة ربك وإلى شريعته السمحة المطهرة {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} أي فإِنك على طريق واضحٍ مستقيم، موصل إلى جنات النعيم {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي وإِن خاصموك بعد ظهور الحق وقيام الحجة عليهم فقل لهم: الله أعلم بأعمالكم القبيحة وبما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا وعيد وإِنذار {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي الله يفصل في الآخرة بين المؤمنين والكافرين فيما كانوا فيه يختلفون من أمر الدين، فيعرفون حينئذٍ الحق من الباطل {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} الاستفهام تقريري أي لقد علمت يا محمد أنَّ الله أحاط علمه بما في السماء والأرض فلا تخفى عليه أعمالهم {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} أي إن ذلك كله مسطر في اللوح المحفوظ {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي إن حصر المخلوقات تحت علمه وإِحاطته سهلٌ عليه يسيرٌ لديه ثم بيَّن سبحانه ما يقدم عليه الكفار مع عظيم نعمه، ووضوح دلائله فقال {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ويعبد كفار قريش غير الله تعالى أصناماً لا تنفع ولا تسمع {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي ما لم يرد به حجة ولا برهان من جهة الوحي والشرع {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي وما ليس عندهم به علم من جهة العقل وإنما هو مجرد التقليد الأعمى للآباء {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي ليس لهم ناصر يدفع عنهم عذاب الله {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإذا تليت على هؤلاء المشركين آيات القرآن الواضحة الساطعة وما فيها من الحجج القاطعة على وحدانية الله {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ} أي ترى في وجوه الكفار الإِنكار بالعبوس والكراهة {يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا} أي يكادون يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم القرآن {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ} أي قل لهم: هل أخبركم بما هو أسوأ أو أشنع من تخويفكم للمؤمنين وبطشكم بهم؟ إنه نار جهنم وعذابها ونكالها {وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وعدها الله للكافرين المكذبين بآياته {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي بئس الموضع الذي يصيرون إليه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} أي يا معشر المشركين ضرب الله مثلاً لما يعبد من دون الله من الأوثان والأصنام فتدبروه حق التدبر واعقلوا ما يقال لكم {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} أي إنَّ هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها وإن اجتمعت على ذلك، فكيف يليق بالعاقل جعلها آلهة وعبادتها من دون الله! قال القرطبي: وخص الذباب لأربعة أمور: لمهانته، وضعفه، ولاستقذاره، وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوهم من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأرباباً مطاعين؟ وهذا من أقوى الحجة وأوضح البرهان {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} أي لو اختطف الذباب وسلب شيئاً من الطيب الذي كانوا يضمخون به الأصنام لما استطاعت تلك الآلهة استرجاعه منه رغم ضعفه وحقارته {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} أي ضعف العابد الذي يطلب الخير من الصنم، والمطلوب الذي هو الصنم، فكل منهما حقير ضعيف {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق تعظيمه حيث جعلوا الأصنام - على حقارتها - شركاء للقوي العزيز ولهذا قال {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي هو تعالى قادر لا يعجزه شيء، غالب لا يغلب، فكيف يسوون بين القوي العزيز والعاجز الحقير؟! {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} أي الله يختار رسلاً من الملائكة ليكونوا وسطاء لتبليغ الوحي إلى أنبيائه، ويختار رسلاً من البشر لتبليغ شرائع الدين لعباده، والآية ردٌّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي يعلم ما قدموا وما أخَّروا من الأفعال والأقوال والأعمال {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي إليه وحده جل وعلا ترد أمور العباد فيجازيهم عليها {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} أي صلوا لربكم خاشعين، وإِنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما أشرف أركان الصلاة {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} أي أفردوه بالعبادة ولا تعبدوا غيره {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} أي افعلوا ما يقربكم من الله من أنواع الخيرات والمبرات كصلة الأرحام، ومواساة الأيتام، والصلاة بالليل والناس نيام {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لتفوزوا وتظفروا بنعيم الآخرة {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} أي جاهدوا بأموالكم وأنفسكم لإِعلاء كلمة الله حقَّ الجهاد باستفراغ الوسع والطاقة {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} أي هو اختاركم من بين الأمم لنصرة دينه، وخصكم بأكمل شرع وأكرم رسول {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي وما جعل عليكم في هذا الدين من ضيق ولا مشقة، ولا كلفكم ما لا تطيقون بل هي الحنيفية السمحة ولهذا قال {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} أي دينكم الذي لا حرج فيه هو دين ابراهيم فالزموه لأنه الدين القيم كقوله {أية : دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [الأنعام: 161] {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا} أي الله سماكم المسلمين في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن، ورضي لكم الإِسلام ديناً قال الإِمام الفخر: المعنى انه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضاً بيَّن فضلكم على الأمم وسمَّاكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة، فلما خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي ليشهد عليكم الرسول بتبليغه الرسالة لكم وتشهدوا أنتم على الخلائق أنَّ رسلهم قد بلَّغتهم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} أي وإذْ قد اختاركم الله لهذه المرتبة الجليلة فاشكروا الله على نعمته بأداء الصلاة ودفع الزكاة {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي استمسكوا بحبله المتين وثقوا واستعينوا بالله في جميع أموركم {هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} أي نعم هو تعالى الناصر والمعين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الامتنان بتعداد النعم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي..} الخ وكذلك الاستفهام الذي يفيد التقرير. 2- الطباق {يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}. 3- صيغة المبالغة {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} أي مبالغ في الجحود. 4- النهي الذي يراد منه نفي الشيء {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ} أي لا ينبغي لهم منازعتك فقد ظهر الحق وبان. 5- الاستعارة اللطيفة {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ} أي تستدل من وجوههم على المكروه وإرادة الفعل القبيح مثل قولهم: عرفت في وجه فلان الشر. 6- التمثيل الرائع {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} أي مثل الكفار في عبادتهم لغير الله كمثل الأصنام التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة قال الزمخشري: سميت القصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال. 7- المجاز المرسل {ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} من إطلاق الجزء على الكل أي صلوا لأن الركوع والسجود من اركان الصلاة. 8- ذكر العام بعد الخاص لإِفادة العموم مع العناية بشأن الخاص {ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} بدأ بخاص، ثم بعام، ثم بأعم.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {أَنَّ ٱللَّهَ} المتخصص بالآثار البديعة والصنائع العجيبة الغريبة {أَنزَلَ} بعد تصعيد الأبخرة والأدخنة و تركيبها و تراكبها {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: جانبها {مَآءً} مصفى على الأرض {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} بعدما كانت هامدة يابسة {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر بالتدابير الباهرة {لَطِيفٌ} دقيق رقيق، علمه متعلق برقائق المعلومات ودقائقها {خَبِيرٌ} [الحج: 63] لا يعزب عن خبرته شيء مما دق وغلظ. وكيف يعزب عن حيطة علمه شيء من المعلومات؟ إذ {لَّهُ} ملكاً وتصرفاً وإظهاراً وخلقاً {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات من الكوائن والفواسد {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات مثلها {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على عموم ما ظهر وبطن {لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ} بذاته عن جميع مظاهره وأظلاله {ٱلْحَمِيدُ} [الحج: 64] بآثار أوصافه وأسمائه. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {أَنَّ ٱللَّهَ} المتكفل لأمور عباده كيف {سَخَّرَ لَكُم} ولترتيب معاشكم {مَّا فِي ٱلأَرْضِ}؟ من الحيوانات التي تأكلون منها وتزرعون بها وتركبون عليها وتحملونها في البر {وَ} سخر لك {ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} وعلى مقتضى مشيئته وإرادته حيث سقتم وأجريتموها حسب مرامك تتميماً لأمور معاشكم {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ} معلقاً على الهواء بلا عمدٍ كراهة {أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} فيختل أمور معاشكم بوقوعها على الأرض، وإن ان لم يضركم؛ لأنها أجرام في غاية الخفة واللطافة، بل انسد من وقوعها إنزال المطر المقوي لإنبات الأقوات، إذ من شأنها الوقوع لولا إمساكه سبحانه إياها {إِلاَّ} أن تقع عليها {بِإِذْنِهِ} تعالى وتعلق مشيئته بوقوعها، وذلك يوم القيامة {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {بِٱلنَّاسِ} المجبولين على الكفران والنسيان {لَرَءُوفٌ} مشفق عطوف {رَّحِيمٌ} [الحج: 65] لهم يعفو عنهم زلتهم، ويرزقهم من حيث لا يحتسب. {وَ} كيف لا يرحكمكم ولا يرأف عليكم سبحانه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ} في النشأة الأولى، وأظهركم من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} إظهاراً لقدرته وبسطته، ومقتضيات جلاله وقهره {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} في النشأة الأخرى لتوفية الجزاء على ما أمركم به في النشأة الأولى {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ} المركب من النسيان {لَكَفُورٌ} [الحج: 66] لأنواع نعم الله عليه. ومن جملة إنعامنا عليه إنا {لِّكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {جَعَلْنَا} أي: عيَّنا وهيأنا {مَنسَكاً} معيناً ومقصداً مخصوصاً {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي: ينكسون ويتقربون فيه إلينا بالقرابين والهدايا {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ} يا أكمل الرسل {فِي ٱلأَمْرِ} الذي كنت عليه من الذبح وغيره من الشعائر المتعلقة بأمور الدين، ومعالم الهدى واليقين {وَٱدْعُ إِلَىٰ} توحيد {رَبِّكَ} حسبما أُمرت {إِنَّكَ} في دعوتك إلى الحق {لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] أي: طريق واضح سويّ موصل إلى التوحيد الذاتي بلا عوج وانحراف. {وَإِن جَادَلُوكَ} في أمرك هذا ودعوتك هذه عناداً ومكابرة، فلا تلتفت إليهم ولا تقابلهم {فَقُلِ ٱللَّهُ} المطلع لخفايا الأمور وسرائرها {أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج: 68] مقتضى أهوية نفوسكم، فيجازيكم على مقضى علمه وخبرته. وإن ألجأتموني إلى الخصومة فـ {ٱللَّهُ} المطلع لضمائر كلا الفريقين {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} وبيني {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 69] معي من شعائر ديني وعلامة هدايتي ويقيني. {أَ} تنكر أيها المنكر إحاطة علم الله بجميع المعلومات {لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} المتجلي لجميع ما ظهر وبطن {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} من الأمور الكائنة والفاسدة فيها، لا يعزب عن علمه شيء، وكيف لا يعلمها سبحانه {إِنَّ} جميع {ذٰلِكَ} مثبتُ مسطورُ {فِي كِتَابٍ} هولوح قضائه وحضرة علمه، ولا تستبعد أمثال هذا عن جنابه {إِنَّ ذٰلِكَ} الاطلاع على الوجه المذكور {عَلَى ٱللَّهِ} المتصف بجميع أوصاف الكمال {يَسِيرٌ} [الحج: 70].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا حث منه تعالى، وترغيب في النظر بآياته الدالات على وحدانيته، وكماله فقال: { أَلَمْ تَرَ } أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك { أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } وهو: المطر، فينزل على أرض خاشعة مجدبة، قد اغبرت أرجاؤها، ويبس ما فيها، من شجر ونبات، فتصبح مخضرة قد اكتست من كل زوج كريم، وصار لها بذلك منظر بهيج، إن الذي أحياها بعد موتها وهمودها لمحيي الموتى بعد أن كانوا رميما. { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } اللطيف الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفياتها، وسرائرها، الذي يسوق إلى عبده الخير، ويدفع عنه الشر بطرق لطيفة تخفى على العباد، ومن لطفه، أنه يري عبده، عزته في انتقامه وكمال اقتداره، ثم يظهر لطفه بعد أن أشرف العبد على الهلاك، ومن لطفه، أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت منه أنواع النبات، { خَبِيرٌ } بسرائر الأمور، وخبايا الصدور، وخفايا الأمور. { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في الأرْضِ } خلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بملكه وحكمته وكمال اقتداره، ليس لأحد غيره من الأمر شيء. { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ } بذاته الذي له الغنى المطلق التام، من جميع الوجوه، ومن غناه، أنه لا يحتاج إلى أحد من خلقه، ولا يواليهم من ذلة، ولا يتكثر بهم من قلة، ومن غناه، أنه ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، ومن غناه، أنه صمد، لا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلق بوجه من الوجوه، فهو يطعم ولا يطعم، ومن غناه، أن الخلق كلهم مفتقرون إليه، في إيجادهم، وإعدادهم وإمدادهم، وفي دينهم ودنياهم، ومن غناه، أنه لو اجتمع من في السماوات ومن في الأرض، الأحياء منهم والأموات، في صعيد واحد، فسأل كل منهم ما بلغت أمنيته، فأعطاهم فوق أمانيهم، ما نقص ذلك من ملكه شيء، ومن غناه، أن يده سحاء بالخير والبركات، الليل والنهار، لم يزل إفضاله على الأنفاس، ومن غناه وكرمه، ما أودعه في دار كرامته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { الْحَمِيدِ } أي: المحمود في ذاته، وفي أسمائه، لكونها حسنى، وفي صفاته، لكونها كلها صفات كمال، وفي أفعاله، لكونها دائرة بين العدل والإحسان والرحمة والحكمة وفي شرعه، لكونه لا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، الذي له الحمد، الذي يملأ ما في السماوات والأرض، وما بينهما، وما شاء بعدها، الذي لا يحصي العباد ثناء على حمده، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، وهو المحمود على توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله، وهو الغني في حمده، الحميد في غناه.