Verse. 2660 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْاَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِيْ فِي الْبَحْرِ بِاَمْرِہٖ۝۰ۭ وَيُمْسِكُ السَّمَاۗءَ اَنْ تَقَعَ عَلَي الْاَرْضِ اِلَّا بِـاِذْنِہٖ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِالنَّاسِ لَرَءُوْفٌ رَّحِيْمٌ۝۶۵
Alam tara anna Allaha sakhkhara lakum ma fee alardi waalfulka tajree fee albahri biamrihi wayumsiku alssamaa an taqaAAa AAala alardi illa biithnihi inna Allaha bialnnasi laraoofun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم ترَ» تَعلم «أن الله سخر لكم ما في الأرض» من البهائم «والفلك» السفن «تجري في البحر» للركوب والحمل «بأمره» بإذنه «ويمسك السماء» من «أن» أو لئلا «تقع على الأرض إلا بإذنه» فتهلكوا «إن الله بالناس لرؤوف رحيم» في التسخير والإمساك.

65

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} ذكر نعمة أخرى، فأخبر أنه سخر لعباده ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار. {وَٱلْفُلْكَ} أي وسخّر لكم الفلك في حال جريها. وقرأ أبو عبد الرحمن الأعرج «والفُلُك» رفعا على الابتداء وما بعده خبره. الباقون بالنصب نسقاً على قوله: «ما في الأرض». {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} أي كراهية أن تقع. وقال الكوفيون: لئلا تقع. وإمساكه لها خلق السكون فيها حالاً بعد حال. {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي إلا بإذن الله لها بالوقوع، فتقع بإذنه، أي بإرادته وتخليته. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي في هذه الأشياء التي سخرها لهم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم. {وَٱلْفُلْكَ} عطف على {مَا } أو على اسم {أَنَّ}، وقرىء بالرفع على الابتداء. {تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } حال منها أو خبر. {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} من أن تقع أو كراهة بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ } من البهائم {وَٱلْفُلْكِ } السُّفن {تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ } للركوب والحمل {بِأَمْرِهِ } بإذنه {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء } من {أن } أو لئلا {تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } فتهلكوا {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرءُوفٌ رَّحِيمٌ } في التسخير والإِمساك.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت: {ما لم ينزل} من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل. والآخرون بالتشديد {يصطون} بالصاد مثل {بصطة} [الآية: 247] في البقرة {الذين يدعون} بياء الغيبة: سهل ويعقوب. الوقوف: {بأمره} ط {بإذنه} ط {رحيم} ه {أحياكم} ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار {يحييكم} ه ط {لكفور} ه {إلى ربك} ط {مستقيم} ه {تعملون} ه {تختلفون} ه {والأرض} ط {في كتاب} ط {يسير} ه {علم} ط {نصير} ه {المنكر} ط {آياتنا} ط {ذلكم} ط {النار} ط {كفروا} ط {المصير} ه {فاستمعوا له} ط {اجتمعوا له} ط {منه} ط {والمطلوب} ه {قدره} ط {ومن الناس} ط {بصير} ه {خلفهم} ط {الأمور} ه {تفلحون} ه ج للآية مع العطف {جهاده} ط {حرج} ط {إبراهيم} ط {الناس} ج للعطف مع الفاء {بالله} ط {مولاكم} ط {النصير} ه. التفسير: إن من جملة نعم الله تعالى على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}تفسير : [الغاشية: 17] وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها. ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز. وفي قوله {إلا بإذنه} إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية. ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [الآية: 28] وقد سبق هنالك. وفي قوله {إن الإنسان لكفور} زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ. وعن ابن عباس أنه الكافر. وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال {لكل أمة} الآية. قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها. قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}تفسير : [المائدة: 48] وهو قول ابن عباس في رواية عطاء. وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات. وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق. أما الضمير في قوله {فلا ينازعنك} فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به. وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً. وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله". ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: {وأدع إلى ربك} أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك {إنك لعلى هدى مستقيم} أي على دين وسط دليل ظاهر. وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً {الله أعلم بما تعملون} وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن {الله يحكم بينكم} أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله سبحانه للأمم. {ألم تعلم} خطاب لكل عالم أو للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب. {إن ذلك} الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض {في كتاب} قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه. ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال {إن ذلك} الكتب {على الله يسير} وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته. وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله {ويعبدون} الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله {وما للظالمين من نصير} الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران {أية : وما للظالمين من أنصار}تفسير : [الآية: 192] وقد مر. والمنكر دلائل الغيظ والحنق. وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة. وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع. وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله تعالى. السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم. وقوله {من ذلكم} إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم. ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل {النار} اي هو النار. قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم. ثم استأنف للنار حكماً فقال {وعدها} الآية. ويحتمل أن تكون {النار} مبتدأ و {وعدها} خبراً. ثم ضرب للاصنام مثلا فقال {يا أيها الناس ضرب مثل} إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل. والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: {فاستمعوا له} أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له. قال جار الله: محل {ولو اجتمعوا له} نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟ وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل. ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله {وإن يسلبهم الذباب} الاية. بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه. عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب. ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله {ضعف الطالب والمطلوب} فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه. وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه. ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة {ما قدروا الله حق قدره} أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام". {إن الله لقوي عزيز} قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم. وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل. وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل. ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله {أية : جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1] والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم. وثانيهما أنه قال في موضع آخر {أية : لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء}تفسير : [الزمر: 4] وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً. والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟ والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً {يا ايها الذين آمنوا} والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك {هو اجتباكم} {هو سماكم المسلمين} وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب. ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران. وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس. قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما. وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين. وهو مذهب الشافعي. وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق. وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل. وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق. ومعنى {لعلكم تفلحون} افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة. ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال {وجاهدوا في الله} اي في ذاته ومن أجله {حق جهاده} اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه. وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر. وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ {وجاهدوا في الله حق جهاده} في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت. وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم. وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله. وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل. وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16] كما أن قوله {أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102] منسوخ بذلك. وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ. ثم عظم شأن المكلفين بقوله {هو اجتباكم} أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : [البقرة: 143] ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال {وما جعل عليكم في الدين من حرج} اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش. يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال سبحانه {وما جعل عليكم في الدين من حرج} مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟ فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم. قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج. وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج. ثم أثنى على هذه الأمة بقوله {ملة أبيكم} أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول صلى الله عليه وسلم وكل نبي أبو أمته. والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم. {هو} أي الله أو إبراهيم {سماكم المسلمين من قبل} اي في سائر الكتب أو في قوله {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}تفسير : [البقرة: 128] {وفي هذا} القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن. وقوله {ليكون الرسول} متعلق بقوله {هو اجتباكم} اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا}تفسير : [الآية: 143] والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله {فأقيموا الصلاة} والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته. قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات. وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر. استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة. الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى. وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله تعالى مريداً لجهل نفسه. وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك. التأويل: {سخر لكم ما}في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها {إلا بإذنه} بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما {وهو الذي أحياكم} بازدواج الروح إلى القالب {ثم يميتكم} عن صفات البشرية {ثم يحييكم} بنور الصفات الرحمانية {فلا ينازعنك} في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها {إن الذين يدعون من دون الله} كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت {ضعف الطالب} وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان {والمطلوب} وهو النفس والشيطان {اركعوا} بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: {أية : ومنهم من يمشي على أربع}تفسير : [النور: 45] {واسجدوا} بالنزول إلى مرتبة الحيواينة {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : [الرحمن: 6] {واعبدوا ربكم} بجعل الطاعة خالصة له {وافعلوا الخير} بمراقبة الله في جميع أحوالكم {لعلكم تفلحون} بالوصال. {وجاهدوا في الله حق جهاده} فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده {هو اجتباكم} لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: شعر : فلولاكم ما عرفنا الهوى تفسير : وما جعل عليكم في دين العشاق. وهو السير إلى الله من ضيق "حديث : من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً"تفسير : والسير إلى الله من سنة إبراهيم {أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99] {هو سماكم المسلمين} في الأزل وهو في هذا الطور. وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم. وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته {فأقيموا الصلاة} بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره {وآتوا الزكاة} بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم {واعتصموا بحبل الله} حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم {فنعم المولى} في إفناء وجودكم {ونعم النصير} في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي: سَخَّرَ لنا سبحانه ما في الأرض من الحيوان والمعادِنِ وسائر المرافق، وباقي الآية بيّن مِمَّا ذُكِرَ في غير هذا الموضع. وقوله سبحانه: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} المنسك: المصدر، فهو بمعنى: العبادة والشِّرْعَةُ، وهو أيضاً موضع النسك، وقوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ} يعطي أَنَّ المنسكَ: المصدر، ولو كان الموضعَ لقال: هم ناسكون فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني، عن ابن عباس قال‏:‏ إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو بك فقل‏:‏ الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعاً، الله أعز ممن أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان وجنوده وأشياعه، من الجن والإنس إلهي كن لي جاراً من شرهم، جل شأنك وعز جارك وتبارك إسمك ولا إله غيرك، ثلاث مرات‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏إن الإنسان لكفور‏}‏ قال‏:‏ يعد المصيبات، وينسى النعم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏ {إن الإنسان لكفور‏} ‏ يعني به الكفار، والله أعلم‏!‏

القشيري

تفسير : أراد به تسخيرَ الانتفاع بها؛ فما للخَلْقِ به انتفاع ومُيَسَّرٌ له الاستمتاع به فهو كالمُسّخَّرِ له على معنى تمكينه منه، ثم يُرَاعَى فيه الإذنُ؛ فَمَنْ استمتع بشيءٍ على وجه الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعامٌ وإِكرامٌ، ومَنْ كان بالعكس فمكْرٌ واستدراج. وأمَّا السفينة.. فإلهامُ العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها؛ بالحَمْل فيها وركوبها فَمِنْ أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد، ثم ما يحصل بها من قَطْع المسافات البعيدة. والتوصل بها إلى المضارب النائية، والتمكن من وجوه الانتفاع ففي ذلك أعظمُ نعمة، وأكملُ عافية. وجعل الأرضَ للخَلْقِ قراراً من غير أن تميد، وجعل السماءَ بناء من غير وقوع، وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء في الظلام، ثم هي زينة السماء - وفي ذلك من الأدلة ما يوجب ثَلَجَ الصدر وبَرْدَ اليقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {الم تر ان الله سخر لكم مافى الارض} اى جعل ما فيها من الاشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيها كيف شئتم فلا اصلب من الحجر ولا اشد من الحديد ولا اهيب من النار وهى مسخرة منقادة لكم {والفلك} عطف على ما او على اسم ان {تجرى فى البحر بامره} حال من الفلك والمراد بالامر التيسير والمشيئة {ويمسك السماء} من {ان تقع على الارض} بان خلقها على صورة متداعية الى الاستمساك يقال امسك الشىء اذا اخذه والوقوع السقوط {الا باذنه} اى بمشيئة، قال الراغب الاذن فى الشىء الاعلام باجازته والرخصة فيه انتهى، وذلك يوم القيامة وفيه رد لاستمساكها بذاتها فانها مساوية لسائر الاجسام فى الجسيمة فتكون قابلة للميل الهابط كقبول غيرها، يقول الفقير من الغرائب ما رأيت فى بعض الكتب ان طائرا كان يتدلى من الشجرة برجله كل ليلة الى الصباح ويصبح خوفا من وقوع السماء عليه ونظيره ما ذكره الحافظ ان الكركى لا يطأ الارض بقدميه بل باحدهما فاذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا ان تخسف الارض وفى هذين عبرة لاولى الابصار {ان الله بالناس لرؤوف رحيم} [مهربان وبخشاينده است] حيث هيأ لهم اسباب معاشهم وفتح لهم ابواب المنافع ودفع عنهم انواع المضار واوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية والرؤف بمعنى الرحيم او الرأفة اشد الرحمة او ارقها كما فى القاموس، قال فى بحر العلوم لرؤف لمريد للتخفيف على عباده رحيم مريد للانعام عليهم.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} تقرير لمالكيّته ومبدئيّته وغنائه عمّا فى الارض وانّ ايجاد ما فى الارض وتسخيره للانسان والخطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب {وَٱلْفُلْكَ} قرئ بالنّصب عطفاً على ما فى الارض او على اسم انّ، وبالرّفع مبتدءاً {تَجْرِي} مستأنفٌ او حالٌ او خبرٌ {فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} التّكوينىّ فانّ طفوّ الاخشاب وخرقها للماء وتحريك الرّياح او البخار لها كلّها بأمره التّكوينىّ {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ} من الافلاك والكواكب والسّحاب وامطارها كلّها فى احيازها ومراكزها {أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} اى من الوقوع عليها {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} يعنى اذا اذن الله فى وقوعها على الارض تقع عليها فلا بدّ من تعميم السّماء والارض حتّى يصحّ هذا بان يقال: انّ الله يمسك السّماء من الافلاك وكواكبها وآثارها، ومن النّفوس والعقول والارواح وآثارها من الوقوع على أرض التّراب وعلى اراضى الموادّ من جملة العناصر والافلاك والنّطف والبذور والعروق وجملة المواليد الاّ باذنه فان لم يأذن لم يتّصل اثرٌ بذى اثرٍ ولا قوّة بذى قوّةٍ ولا طبع بذى طبع، ولا نفس وعقل بذى نفسٍ وعقلٍ {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تعليل لتسخيره الاشياء للانسان وامساك السّماء، والفرق بين الرّأفة والرّحمة بان يجعل احداهما سجيّة الرّحمة والاخرى اثرها الظّاهر على الاعضاء وان كان يستعمل كلّ فى كلّ كسائر السّجايا.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ} من البهائم وغيرها ذلل لكم الجميع وسهله لمنافعكم ودخل في ذلك المعادن {وَالفُلْكَ} معطوف على ما {تَجْرِي} حالا أو معطوف على اسم ان وتجري على خبرها كأنه قيل: وان الفلك تجري عطفا على معمولي عامل. وقرئ بالرفع على الابتداء وتجري خبر {فِي البّحْرِ} للحمل والركوب {بِأَمْرِهِ} باذنه يرسل ريحا يجريها ويكف الماء عن بلعها {وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ} من ان تقع أو عن ان تقع أو كراهة ان تقع أو لئلا تقع على الارض فتهلكوا فانها كسائر الاجسام القابلة للهبوط إلى اسفل فلولا ان الله امسكها لهبطت {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} بمشيئته وذلك انها تهبط يوم القيامة كذا قيل: والظاهر أن المراد انها لا تقع الا ان شاء وهذا لا يستلزم مشيئة وقوعها. {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} في فتح ابواب المنافع ودفع انواع المضار ومن ذلك لخيره وامساكه وايجاد اسباب الاستدلال والباء متعلق برؤوف وهذا مما دخل فيه لام التأكيد على الخبر مع تقديم معموله عليه.

اطفيش

تفسير : {أَلَم تَر أنَّ الله سَخَّر} سهل {لكُم ما فى الأرْض} من نباتها وحيوانها، ومياهها ومعادنها وجبالها، تتصرفون فى ذلك بحسب المنافع {والفُلْك} عطف على ما عطف خاص على عام، لمزيته بالقرابة مع كثرة منافعها وقوله: {تجرى فى البَحْر بأمره} حال من الفلك، أو الواو عطفت الفلك على لفظ الجلالة، وتجرى على سخر عطف معمولين على معمولى عامل واحد هو أن، وهو ظاهر فصيح. {ويُمسكُ السَّماء أن تقَعَ على الأرْض} أى عن أن تقع، أو أو كراهة أن تقع بدل اشتمال من السماء على تضمين يمسك معنى يمنع، والعطف على سخر وهو دليل على قدرته تعالى إذا أوقف جسما ثقيلا فى الهواء بلا علاقة من فوق، ولا أعمدة من تحت، مع عظم ثقله، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطَّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلاَّ وفيه ملك قائم أو ساجد"تفسير : لا يقع بعضها على الأرض ولا كلها ولو كان بعلاقة أو أعمدة لاحتاجت الى علاقة أو أعمدة فيتسلسل {إلا بإذنه} بمعنى لو أراد أحد وقوعها لم تقع بسبب ما، إلا بإن أراد، ولا يريد، وغنما يكون المور والإشفاق والطى والتبدل، وصح التفريغ لأن فى الإمساك معنى النفى كأبى. والسماء الجنس لقول ابن عباس: إن خفت سلطانا فقل: الله أكبر، الله أكبر من خلقه جيمعا، الله أكبر من خلقه جميعا، الله أكبر مما اخاف وأحذر، أعوذ بالله الذى الذى لا اله الا هو، الممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبادك فلان وجنده وأتباعه من الجن والأنس، إلهى كن لى جاراً من شرهم، جل ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، لا إله غيرك ثلاث مرات، وليس هذا وعيداً، بل امتنان كما يدل له الامتنان فى قوله: "أية : ألم تر أن الله أنزل" تفسير : [الحج: 63] الخ، وقوله: {ألم تر أنَّ الله سخر} الخ. وقوله: {إنَّ الله بالنَّاس لرءوف رَحيمٌ} إذ أنزل ماء، وسخر لكم، وهيأ أسباب المنافع، ولم يعطل ذلك بوقوع السماء، وسهل لهم دلائل الدين والرأفة ما يقتضى دفع المضرة والرحمة، ما يقتضى جلب المنفعة، وأخرت لأن الرأفة أهم وأبلغ لا للفاصلة، لأنه لو أخر لفظ رؤوف لصح فاصلة، لأن الواو تعاقب الياء فى الردف كما فى الحميد، بل وجدت الواو في قوله: {وهُو الذى أحْياكُم ثمَّ يُميتكُم ثم يُحييكُم إنَّ الإنسان لَكَفُورٌ} وقيل: الرحمة أعم، والأظهر تعليق بالناس برءوف فتقديمه على طريق الاهتمام لا للفاصلة، والإحياء الأول من مضغة وعظم، والثانى من القبور، والإنسان الجنس، المراد أن فى الناس مبالغة فى الكفر لا فى كل فرد، وقيل: الإنسان الكافر مطلقا، ولو قل كفره لأن الكفرة الواحدة للتضمن كثيرا من الكفر، وعلى نوع عظيم منه، وقيل: الأسود بن عبد الأسد، وأبو جهل، وأبى بن خلف، فإما أن أل العهد عنده صلى الله عليه وسلم وإما تمثيل من قائله.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ} أي جعل ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيها كيف شئتم، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر {وَٱلْفُلْكِ} بالنصب وإسكان اللام. وقرأ ابن مقسم والكسائي عن الحسن بضمها وهو معطوف على {مَا} عطف الخاص على العام تنبيهاً على غرابة تسخيرها وكثرة منافعها. وجوز أن يكون عطفاً على الاسم الجليل، وقوله تعالى: {تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} على الأول حال منه وعلى الثاني خبر لأن وتكون الواو قد عطفت الاسم على الاسم والخبر على الخبر وهو خلاف الظاهر. وفي «البحر» هو إعراب بعيد عن الفصاحة. وقرأ السلمي والأعرج وطلحة وأبو حيوة والزعفراني {وَٱلْفُلْكِ} بالرفع على الابتداء وما بعده خبره والجملة مستأنفة. وجوز أن تكون حالية، وقيل: يجوز أن يكون الرفع بالعطف على محل {أَن} مع اسمها وهو على طرز العطف على الاسم. {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} أي عن أن تقع عليها فالكلام على حذف حرف الجر و{أَن} وما بعدها في تأويل مصدر منصوب أو مجرور على القولين المشهورين في ذلك، وجعل بعضهم ذلك في موضع المفعول لأجله بتقدير كراهة أن تقع عند البصريين، والكوفيون يقدرون لئلا تقع. وقال أبو حيان: الظاهر أن {تَقَعَ} في موضع نصب بدل اشتمال من السماء أي ويمنع وقوع السماء على الأرض. ورد بأن الإمساك بمعنى اللزوم يتعدى بالباء وبمعنى الكف بعن وكذا بمعنى الحفظ والبخل كما في «تاج المصادر» وأما بمعنى المنع فهو غير مشهور. وتعقب بأنه ليس بشيء لأنه مشهور مصرح به في «كتب اللغة»، قال الراغب: يقال أمسكت عنه كذا أي منعته قال تعالى: { أية : هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } تفسير : [الزمر: 38] وكنى عن البخل بالإمساك اهـ، وصرح به الزمخشري والبيضاوي في تفسير قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر: 41] نعم الأظهر هو الإعراب الأول. والمراد بإمساكها عن الوقوع على الأرض حفظ تماسكها بقدرته تعالى بعد أن خلقها متماسكة آناً فآناً. وعدم تعلق إرادته سبحانه بوقوعها قطعاً قطعاً، وقيل إمساكه تعالى إياها عن ذلك بجعلها محيطة لا ثقيلة ولا خفيفة، وهذا مبني على اتحاد السماء والفلك وعلى قول الفلاسفة المشهور / بأن الفلك لا ثقيل ولا خفيف، وبنوا ذلك على زعمهم استحالة قبوله الحركة المستقيمة وفرعوا عليه أنه لا حال ولا بارد ولا رطب ولا يابس، واستدلوا على استحالة قبوله الحركة المستقيمة بما أبطله المتكلمون في «كتبهم». والمعروف من مذهب سلف المسلمين أن السماء غير الفلك وأن لها أطيطاً لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد » تفسير : وأنها ثقيلة محفوظة عن الوقوع بمحض إرادته سبحانه وقدرته التي لا يتعاصاها شيء لا لاستمساكها بذاتها. وذكر بعض المتكلمين لنفي ذلك أنها مشاركة في الجسمية لسائر الأجسام القابلة للميل الهابط فتقبله كقبول غيرها وللبحث فيه على زعم الفلاسفة مجال، والتعبير بالمضارع لإفادة الاستمرار التجددي أي يمسكها آناً فآناً من الوقوع. {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي بمشيئته، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب، وصح ذلك في الموجب قيل لصحة إرادة العموم أو لكون {يُمْسِكُ} فيه معنى النفي أي لا يتركها تقع بسبب من الأسباب كمزيد مرور الدهور عليها وكثقلها بما فيها إلا بسبب مشيئته وقوعها، وقيل: استثناء من أعم الأحوال أي لا يتركها تقع في حال من الأحوال إلا في كونها ملتبسة بمشيئته تعالى ولعل ما ذكرناه أظهر. وفي «البحر» أن الجار والمجرور متعلق بتقع، وقال ابن عطية: يحتمل أن يتعلق بيمسك لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه فكأنه أراد إلا بإذنه فبه يمسكها ولو كان كما قال لكان التركيب بدون إلا انتهى، ولعمري إن ما قاله ابن عطية لا يقوله من له أدنى روية كما لا يخفى، ثم إنه لا دلالة في الآية على وقوع الإذن بالوقوع، وقيل فيها إشارة إلى الوقوع وذلك يوم القيامة فإن السماء فيه تتشقق وتقع على الأرض، وأنا ليس في ذهني من الآيات أو الأخبار ما هو صريح في وقوع السماء على الأرض في ذلك اليوم وإنما هي صريحة في المور والانشقاق والطي والتبدل وكل ذلك لا يدل على الوقوع على الأرض فضلاً عن أن يكون صريحاً فيه. والظاهر أن المراد بالسماء جنسها الشامل للسمٰوات السبع، ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو بك فقل: الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعاً الله أكبر مما أخاف وأحذر أعوذ بالله الذي لا إلٰه إلا هو الممسك السمٰوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس إلٰهي كن لي جاراً من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك لا إلٰه غيرك ثلاث مرات. والظاهر أيضاً أن مساق الآية للامتنان لا للوعيد كما جوزه بعضهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} حيث سخر لهم ما سخر ومن عليهم بالأمن مما يحول بينهم وبين الانتفاع به من وقوع السماء على الأرض، وقيل حيث هيأ لهم أسباب معايشهم وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، وجعل الجملة تعليلية لما في ضمن {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ} الخ أظهر فيما قلنا، والرأفة قيل ما تقتضي درء المضار، والرحمة قيل ما تقتضي جلب المصالح، ولكون درء المضرة أهم من جلب المصلحة قدم رؤوف على رحيم، وفي كل مما امتن به سبحانه درء وجلب، نعم قيل إمساك السماء عن الوقوع أظهر في الدرء ولتأخيره وجه لا يخفى، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ من الرحمة وتقديم {رؤف} للفاصلة. وذهب جمع إلى أن الرحمة أعم ولعله الظاهر، وتقديم {بِٱلنَّاسِ} للاهتمام وقيل للفاصلة والفصل بين الموضعين مما لا يستحسن.

ابن عاشور

تفسير : هذا من نسق التذكير بنعم الله واقع موقع قوله {أية : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة}تفسير : [الحج: 63]، فهو من عداد الامتنان والاستدلال، فكان كالتكرير للغرض، ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف. وهذا تذكير بنعمة تسخير الحيوان وغيره. وفيه إدماج الاستدلال على انفراده بالتسخير. والتقدير: فهو الرب الحق. وجملة {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} مستأنفة كجملة {أية : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء}تفسير : [الحج: 63]. والخطاب هنا والاستفهام كلاهما كما في الآية السابقة. والتسخير: تسهيل الانتفاع بدون مانع وهو يؤذن بصعوبة الانتفاع لولا ذلك التسخير، وأصله تسهيل الانتفاع بما فيه إرادة التمنع مثل تسخير الخادم وتسهيل استخدام الحيوان الداجن من الخيل، والإبل، والبقر، والغنم ونحوها بأن جعل الله فيها طبع الخوف من الإنسان مع تهيئتها للإلف بالإنسان، ثم أطلق على تسهيل الانتفاع بما في طبعه أو في حاله ما يُعذّر الانتفاع به لولا ما ألهم الله إليه الإنسان من وسائل التغلّب عليها بتعرف نواميسه وأحواله وحركاته وأوقات ظهوره، وبالاحتيال على تملكه مثل صيد الوحش ومغاصات اللؤلؤ والمرجان، ومثل آلات الحفر والنقر للمعادن، ومثل التشكيل في صنع الفلك والعَجل، ومثل التركيب والتصهير في صنع البواخر والمزجيات والصياغة، ومثل الإرشاد إلى ضبط أحوال المخلوقات العظيمة من الشمس والقمر والكواكب والأنهار والأودية والأنواء والليل والنهار، باعتبار كون تلك الأحوال تظهر على وجه الأرض، وما لا يحْصَى مما ينتفع به الإنسان مما على الأرض فكل ذلك داخل في معنى التسخير. وقد تقدم القول في التسخير آنفاً في هذه السورة. وتقدّم في سورة الأعراف وسورة إبراهيم وغيرهما، وفي كلامنا هنا زيادة إيضاح لمعنى التسخير. وجملة {تجري في البحر بأمره} في موضع الحال من {الفلك}وإنما خصّ هذا بالذكر لأن ذلك الجري في البحر هو مظهر التسخير إذ لولا الإلهام إلى صنعها على الصفة المعلومة لكان حظها من البحر الغَرق. وقوله {بأمره}هو أمر التكوين إذ جعل البحر صالحاً لحملها، وأوحى إلى نوح - عليه السلام - معرفة صنعها، ثم تتابع إلهام الصناع لزيادة اتقانها. والإمساك: الشدّ، وهو ضد الإلقاء. وقد ضُمّن معنى المنع هنا وفي قوله تعالى: {أية : إن الله يُمسك السماوات والأرض أن تزولا}تفسير : [فاطر: 41] فيقدر حرف جر لتعدية فعل الإمساك بعد هذا التضمين فيقدر (عن) أو (من). ومناسبة عطف إمساك السماوات على تسخير ما في الأرض وتسخير الفلك أن إمساك السماء عن أن تقع على الأرض ضرب من التسخير لما في عظمة المخلوقات السماوية من مقتضيات تغلّبها على المخلوقات الأرْضية وحطْمِها إياها لولا ما قدر الله تعالى لكل نوع منها من سُنن ونُظم تمنع من تسلط بعضها على بعض، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}تفسير : [يس: 40]. فكما سخّر الله للناس ما ظهر عل وجه الأرض من موجودات مع ما في طبع كثير منها من مقتضيات إتلاف الإنسان، وكما سخّر لهم الأحوال التي تبدو للناس من مظاهر الأفق مع كثرتها وسعتها وتباعدها، ومع ما في تلك الأحوال من مقتضيات تعذرّ الضبط، كذلك سخّر لمصلحة الناس ما في السماوات من الموجودات بالإمساك المنظم المنوط بما قدره الله كما أشار إليه قوله {إلا بإذنه} أي تقديره. ولفظ {السماء} في قوله: {ويمسك السماء} يجوز أن يكون بمعنى ما قابل الأرض في اصطلاح الناس فيكون كُلاً شاملاً للعوالم العلوية كلها التي لا نحيط بها علماً كالكواكب السيّارة وما الله أعلم به وما يكشفه للناس في متعاقب الأزمان. ويكون وقوعها على الأرض بمعنى الخرور والسقوط فيكون المعنى: أن الله بتدبير علمه وقدرته جعل للسماء نظاماً يمنعها من الخرور على الأرض، فيكون قوله {ويمسك السماء} امتناناً على الناس بالسلامة مما يُفسد حياتهم، ويكون قوله {إلا بإذنه} احتراساً جمعاً بين الامتنان والتخويف، ليكون الناس شاكرين مستزيدين من النعم خائفين من غضب ربّهم أن يأذن لبعض السماء بالوقوع على الأرض. وقد أشكل الاستثناء بقوله {إلا بإذنه} فقيل في دفع الإشكال: إن معناه إلا يوم القيامة يأذن الله لها في الوقوع على الأرض. ولكن لم يرد في الآثار أنه يقع سُقوط السماء وإنما ورد تشقق السماء وانفطارها. وفيما جعلنا ذلك احتراساً دفع للإشكال لأن الاحتراس أمر فرضي فلا يقتضي الاستثناء وقوع المستثنى. ويجوز أن يكون لفظ {السّماء}بمعنى المطر، كقول معاوية بن مالك: شعر : إذا نزَل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا حديث : وقول زيد بن خالد الجهني في حديث «الموطأ»: «صلّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية على إثْر سَماء كانت من اللّيل»تفسير : ، فيكون معنى الآية: أن الله بتقديره جعل لنزول المطر على الأرض مقادير قَدّر أسبابها، وأنه لو استمر نزول المطر على الأرض لتضرّر الناس فكان في إمساك نزوله باطّراد منة على الناس، وكان في تقدير نزوله عند تكوين الله إياه منة أيضاً. فيكون هذا مشتملاً على ذكر نعمتين: نعمة الغيث، ونعمة السلامة من طغيان المياه. ويجوز أن يكون لفظ السماء قد أطلق على جميع الموجودات العلوية التي يشملها لفظ {السماء}الذي هو ما علا الأرض فأطلق على ما يحويه، كما أطلق لفظ الأرض على سكانها في قوله تعالى: {أية : أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}تفسير : [الرعد: 41]. فالله يُمسك ما في السماوات من الشهب ومن كريات الأثير والزمهرير عن اختراق كرة الهواء، ويمسك ما فيها من القُوى كالمطر والبرَد والثلج والصواعق من الوقوع على الأرض والتحكك بها إلا بإذن الله فيما اعتاد الناس إذنه به من وقوع المطر والثلج والصواعق والشهب وما لم يعتادوه من تساقط الكواكب. فيكون موقع {ويمسك السماء} بعد قوله تعالى: {والفلك تجري في البحر بأمره} كموقع قوله تعالى: {أية : الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}تفسير : في [سورة الجاثية: 12 - 13]. ويكون في قوله {إلا بإذنه} إدماجاً بين الامتنان والتخويف: فإن من الإذن بالوقوع على الأرض ما هو مرغوب للناس، ومنه ما هو مكروه، وهذا المحمل الثالث أجمع لما في المحملين الأخرين وأوجز، فهو لذلك أنسب بالإعجاز. والاستثناء في قوله: {إلا بإذنه} استثناء من عموم متعلقات فعل {يمسك}وملابسات مفعوله وهو كلمة {السماء}على اختلاف محامله، أي يمنع ما في السماء من الوقوع على الأرض في جميع أحواله إلا وقوعاً ملابساً لإذن من الله: هذا ما ظهر لي في معنى الآية. وقال ابن عطيّة: «يحتمل أن يعود قوله {إلا بإذنه} على الإمساك لأن الكلام يقتضي بغير عَمَد (أي يدل بدلالة الاقتضاء على تقدير هذا المتعلق أخذاً من قوله تعالى: {أية : بغير عمد ترونها}تفسير : [الرعد: 2] ونحوه فكأنه أراد: إلا بإذنه فيمسكها» اهــــ. يريد أن حرف الاستثناء قرينة على المحذوف. والإذن حقيقته: قول يُطلب به فعل شيء، واستعير هنا للمشيئة والتكوين، وهما متعلّق الإرادة والقدرة. وقد استوعبت الآية العوالم الثلاثة: البرّ، والبحر، والجوّ. وموقع جملة {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} موقع التعليل للتسخير والإمساكِ باعتبار الاستثناء لأن في جميع ذلك رأفة بالناس بتيسير منافعهم الذي في ضمنه دفع الضر عنهم. والرؤوف: صيغة مبالغة من الرأفة أو صفة مشبهة، وهي صفة تقتضي صرف الضر. والرّحيم: وصف من الرحمة، وهي صفة تقتضي النفع لمحتاجه. وقد تتعاقب الصفتان، والجمع بينهما يفيد ما تختص به كل صفة منهما ويؤكد ما تجتمعان عليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الله سخر لخلقه ما في الأرض، وسخر لهم السفن تجري في البحر بأمره، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحاً في مواضع كثيرة كقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}تفسير : [الجاثية: 13] وقد بينا معنى تسخير ما في السماء بإِيضاح في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}تفسير : [الحجر: 17] وكقوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ}تفسير : [يس: 41-42] وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة النحل وغيرها. قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها، كما قال: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [سبأ: 9] الآية. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}تفسير : [فاطر: 41] الآية، وكقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ}تفسير : [المؤمنون: 17] على قول من فسرها: بأنه غير غافل عن الخلق بل حافظ لهم من سقوط السموات المعبر عنها بالطرائق عليهم. تنبيه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}تفسير : [فاطر: 41] وقوله: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [سبأ: 9] وقوله: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ: 12]، وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}تفسير : [الذاريات: 47]، وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32] الآية، ونحو ذلك من الآيات، يدل دلالة واضحة، على أن ما يزعمه ملاحدة الكفرة، ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإسلام أن السماء فضاء لا جرم مبنى، أنه كفر وإلحاد وزندقة، وتكذيب لنصوص القرآن العظيم، والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقرة: 143] أي ومن رأفته ورحمته بخلقه: أنه أمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 65- ألا تنظر - أيها العاقل - إلى مظاهر قدرة اللَّه فتراه ييسر للناس جميعاً الانتفاع بالأرض وما فيها، وهيَّأ لهم البحر تسير فيه السفن بمشيئته، وأمسك الكواكب فى الفضاء بقدرته حتى لا يختل نظامها، أو تقع على الأرض إلا إذا اقتضت إرادته ذلك، إن اللَّه سبحانه شديد الرأفة والرحمة بعباده فيهيئ كل سبل الحياة الطيبة لهم، كيف بعد ذلك كله لا يخلصون فى شكره وعبادته؟. 66- وهو الذى أوجد فيكم الحياة، ثم يميتكم حين تنقضى آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة للحساب والجزاء، إن الإنسان مع كل هذه النعم والدلائل لشديد الجحود باللَّه وبنعمه عليه.

القطان

تفسير : المنسك: موضع العبادة، والشريعة والمنهاج. ناسكون: عابدون فيه، ملتزمون به. والناسك: العابد، والنسك العبادة. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم.... } ألا تنظرُ أيها العاقل الى مظاهر قدرة الله، كيف يسَّر للناس جميعا الانتفاعَ بالأرض وما فيها، وهيّأ لهم البحرَ تجري فيه السفنُ بمشيئته، وسيّرَ هذه الأجرامَ السماوية بنظام محكَم لا يختل، وامسك كل ما في السماء ان تقع على الارض، وذلك بقدرته!! لقد تجلَّتْ مشيئة الله ورأفته بالعباد بان هيّأ غلافاً جوياً يحتوي على العناصر الغازية التي لا غنى للحياة عنها، كما يحمي سكانَ الأرض من الإشعاعات الكونية وأسرابِ الشهب والنيازك التي تَهيم في الفضاء، وتتساقط. وعندما تدنو من الارض تحترق في جوّها العلوي قبل ان تصل الى سطح الأرض. ومن رحمته تعالى بنا أن سقوط النيازك الكبير التي تدمر سطح الأرض نادرُ الحدوث جداً، وهو يتم في الأماكن الخالية من السكان. وفي هذا تأييدٌ وتصديق لقوله تعالى: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. كَم في هذا الكون وهذه الارض من قوة؛ وكم من ثروة سخّرها الله لهذا الانسان؟ والانسانُ غافل عن قدرة الله ونعمه التي لا تحصى. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} وهو الذي أنعم عليكم بهذه الحياة بعد أن كنتم تراباً، ثم يُميتكم حين تنقضي آجالكم، ثم يحييكم يومَ القيامة للحساب والجزاء، فيلقى كلٌّ حسابه. ثم بيّن طبيعةَ الانسان التي فُطِرَ عليها بقوله: {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} أي أن الانسان مع كل هذه الدلائل والنعم يظل شديد الجحود بالله وبنعمه عليه. {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ.... } لقد جعلنا لأهل كل دين من الأديان شريعةً خاصة يعملون بها، ومنهجاً يسيرون عليه ويعبدون الله به، فلا ينبغي للمشركين من قومك أن ينازعوك في أمر هذا الدين... فاثُبتْ أيها الرسول على دِينك، ولا تلتف لمجادلتهم واستمرَّ في الدعوة الى ربِّك كما أمرك. إنك تسير على هدى من ربك مستقيم، وشريعة توصل الى السعادة. {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}. وإن أصرّ هؤلاء المشركون على المجادلة، فأعرض عنهم وقل لهم: اللهُ أعلم بأعمالكم. إن الجدل يجدي مع القلوب المستعدّة للهدى، لا مع القلوب التي تصر على الضلال، فلا ضرورة لاضاعة الوقت والجهد معهم. {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} دعْهُم في غيّهم يا محمد، فقد انْذرتَ، وقل لهم: الله هو الذي يحكم بين الناس جميعاً يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. وعندها يتبين المحقّ من المبطِل، فيثيب المهتدي، ويعاقب المضليّن. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. ألم تعلم أيها الرسول ان الله يحكم بعلمٍ كامل، وهو محيطٌ بكل ما بكل ما في السماء والأرض، لا يندُّ عنه سبب، ولا تخفى عليه خافية في العمل والشعور.... كلّ ذلك ثابتٌ عنده في لوحٍ محفوظ، واثباتُه وحفظه يسيرٌ عليه كل اليسر.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَرَءُوفٌ} (65) - وَمِنْ إِحْسَانِه تَعَالَى وَفَضْلِهِ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ سَخَّرَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ وَنَبَاتٍ لِيَنْتَفِعُوا بهِ، وَسَخَّرَ لَهُمُ المَرَاكِبَ التِي تَسيرُ في البَحْرِ، وَتَنْقُلُ النَّاسَ وَمَتَاعَهُمْ وَدَوابَّهُمْ مِنْ مَكَانٍ إِلى آخَرَ وَرَفَعَ السَّمَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَأَمْسَكَهَا وَمَنَعَهَا بِلُطْفِهِ مِنْ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، وَلَوْ شَاءَ لأَذِنَ لَهَا فَسَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ فَدَمَّرَتْها وَأَهْلَكَتْ مَنْ فِيها، وَلكِنَّ اللهَ رَؤُوفٌ بالنَّاسِ رَحيمٌ، يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ، وَيَرْأَفُ بِحَالِهِمْ، مَعَ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَاسْتِكْبَارِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية امتداد للآية السابقة، فما في السماء وما في الأرض مِلْك له سبحانه لكنه سخَّره لمنفعة خَلْقه، فإنْ سأل سائل: فلماذا لا يجعلها الله لنا ويُملكنا إياها؟ نقول: لأن ربك يريد أنْ يُطمئِنك أنه لن يعطيها لأحد أبداً، وستظل مِلْكاً لله وأنت تنتفع بها، وهل تأمن إنْ ملّكها الله لغيره أنْ يتغيّر لك ويحرمك منها؟ فأمْنُك في أن يظل الملْك لله وحده؛ لأنه ربك ومُتولّيك، ولن يتغير لك، ولن يتنكّر في منفعتك. وقوله تعالى: {وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ..} [الحج: 65] الفُلْك: السفن، تُطلق على المفرد وعلى الجمع، تجري في البحر بأمره تعالى، فتسير السفن بالريح حيث أمرها الله، كما قال سبحانه: {أية : وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ..} تفسير : [البقرة: 164] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله، وقال في آية أخرى: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..} تفسير : [الشورى: 33]. وتأمَّل دِقَّة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، فلقائل الآن أنْ يقول: لم نَعُد في حاجة إلى الريح تُسيِّر السفن، أو توجهها؛ لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ومحركات، نعم السفن الآن تسير بالمحركات، لكن للريح معنى أوسع من ذلك، فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء، إنما الريح تعني القوة في ذاتها، أياً كانت ريحاً أم بُخَاراً أم كهرباء أم ذرة .. إلخ. بدليل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 46] يعني: تذهب قوتكم أيًا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي يركب البحر بقارب صغير يُسيِّره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضاً قوة، لا تخرج عن هذا المعنى. وهكذا يظل معنى الآية صالحاً لكل زمان ولكل مكان، وإلى أن تقوم الساعة. والريح إنْ أُفردَتْ دلَّتْ على حدوث شَرٍّ وضرر، كما في قوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41]. وقوله: {أية : وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 46]. وقوله: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الأحقاف: 24]. وإنْ جاءت بصيغة الجمع دلَّت على الخير، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..}تفسير : [الحجر: 22]. وسبق أنْ تحدثنا عن مهمة الريح في تماسك الأشياء وقيامها بذاتها، فالجبل الأشمّ الذي تراه ثابتاً راسخاً إنما ثبتَ بأثر الريح عليه، وإحاطته به من كل جانب، بحيث لو فُرِّغ الهواء من أحد جوانب الجبل لانهار، وهذه هي الفكرة التي قامت عليها القنبلة، فالهواء هو الذي يقيم المباني والعمارات ويثبتها؛ لأنه يحيطها من كل جانب، فيُحدِث لها هذا التوازن، فإنْ فُرِّغ من أحد الجوانب ينهار المبنى. ثم يقول سبحانه: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..} [الحج: 65] فالسماء مرفوعة فوقنا بلا عَمَد، لا يمسكها فوقنا إلا الله بقدرته وقيوميته أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه تعالى، كما قال في آية أخرى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..} تفسير : [فاطر: 41]. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: 65] فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة، والفَهْم السطحي لهاتين الصفتين يرى أنهما واحد، لكن هما صفتان مختلفتان، فالرأفة تزيل الآلام، والرحمة تزيد الإنعام، والقاعدة أن دَرْء المفسدة مُقدَّم دائماً على جَلْب المصلحة، فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعاً برحمته. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل: قلنا هَبْ أن واحداً يرميك بحجر، وآخر يرمي لك تفاحة، فأيُّهما يشغلك أولاً؟ لا شكَّ ستُشغل بالحجر، كيف تقي نفسك من ضرره ثم تحاول أن تنال هذه التفاحة؟ لذلك قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ ..}تفسير : [النحل: 61]. ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم} [الحج: 65] أيها الطالبون الصادقون {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية {وَٱلْفُلْكَ} أي: فلك الواردات الغيبية {تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} بحر القلب {بِأَمْرِهِ} يعني: لو لم يكن أمره ما ورد وارد في القلب {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ} سماء القلب {أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} [الحج: 65] أرض النفس؛ يعني: أن يتصف بصفاتها {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [الحج: 65] أي: إلا بما أباحه الشرع ممَّا مسَّت إليه الحاجة الإنسانية مثل المأكول والمنكوح {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: 65] فيما أباح لهم من الأوصاف الحيوانية للحاجة الضرورية {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ} [الحج: 66] بازدواج الروح إلى القالب {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الحج: 66] عن صفات البشرية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الحج: 66] بنور الصفات الربانية. {إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج: 66] بكفران هذه النعمة بألاَّ يعرف قدرها، ولا يؤدي حقوق شكرها. ثم أخبر عن هم الأمم في مسالك المناسك بقوله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج: 67] يشير إلى أن لكل فريق من الطلاب شرعةً هم واردوها ولكل قوم طريقة هم سالكوها، ومقاماتهم سكانه، ومحلاهم قطانه، وربط كل جماعة بما أهلهم، وأوصل كل ذوي رتبة إلى ما جعله محلهم، فبساط التعبد موطوء بأقدام العابدين ومشاهد الاجتهاد معمورة بأصحاب الكفل من المجتهدين، ومجالس أصحاب المعارف مأنوسة بلوازم العارفين، ومنازل المحبين مأهولة بحضور الواجدين. {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} [الحج: 67] أي: إشهد تعارف الأقدار، واعمل بمواجب التكليف، وانته دون ما أذنت له من المناهي {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} [الحج: 67] الجميع من المقبولين والمردودين {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] في دعوتهم {وَإِن جَادَلُوكَ} [الحج: 68] بالتأني والإنكار والاعتراض {فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج: 68] معي فيجازيكم وكلهم إلينا عندما راعوا من الجلال {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 69] أمَّا الأجانب فيقال لهم: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14] وأمَّا الأولياء فقوم منهم يحاسبهم حساباً يسيراً، وصنف منهم يؤتون أجورهم بغير حساب، وأمَّا الأجانب فيقعدون {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ألم تشاهد ببصرك وقلبك نعمة ربك السابغة، وأياديه الواسعة، و { أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ } من حيوانات، ونبات، وجمادات، فجميع ما في الأرض، مسخر لبني آدم، حيواناتها، لركوبه، وحمله، وأعماله، وأكله، وأنواع انتفاعه، وأشجارها، وثمارها، يقتاتها، وقد سلط على غرسها واستغلالها، ومعادنها، يستخرجها، وينتفع بها، { وَالْفُلْكَ } أي: وسخر لكم الفلك، وهي السفن { تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } تحملكم، وتحمل تجاراتكم، وتوصلكم من محل إلى محل، وتستخرجون من البحر حلية تلبسونها، ومن رحمته بكم أنه { يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ } فلولا رحمته وقدرته، لسقطت السماء على الأرض، فتلف ما عليها، وهلك من فيها { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } . { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } أرحم بهم من والديهم، ومن أنفسهم، ولهذا يريد لهم الخير، ويريدون لها الشر والضر، ومن رحمته، أن سخر لهم ما سخر من هذه الأشياء. { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } أوجدكم من العدم { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بعد أن أحياكم، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بعد موتكم، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، { إِنَّ الإنْسَانَ } أي: جنسه، إلا من عصمه الله { لَكَفُورٌ } لنعم الله، كفور بالله، لا يعترف بإحسانه، بل ربما كفر بالبعث وقدرة ربه.