٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال: {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما حذف الواو في قوله: {لِكُلّ أُمَّةٍ } لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف. المسألة الثانية: في المنسك أقوال: أحدها: قال ابن عباس عيداً يذبحون فيه وثانيها: قرباناً ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها: مألفاً يألفونه إما مكاناً معيناً أو زماناً معيناً لأداء الطاعات ورابعها: المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى: { أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة: 48] ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص. فإن قيل هلا حملتموه على الذبح، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها؟ الجواب: عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام: « حديث : خذوا عني مناسككم » تفسير : وعن الثاني: أن قوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان. المسألة الثالثة: زعم قوم أن المراد من قوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكاً بشرع كاليهود والنصارى، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق، لأن قوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال. أما قوله تعالى: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ } فقرىء {فَلاَ ينزعنك } أي أثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه. وأما قوله: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ } ففيه قولان: أحدهما: وهو قول الزجاج: أنه نهى لهم عن منازعتهم، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني: أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه. فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى. كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال: {وَإِن جَـٰدَلُوكَ } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك {فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر. فقال: {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي شرعا. {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي عاملون به. {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} أي لا ينازعنك أحد منهم فيما يُشرع لأمتك؛ فقد كانت الشرائع في كل عصر. وروت فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح، وقولهم للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة، فكان ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم؛ فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة. وقد مضى هذا في «الأنعام» والحمد لله. وقد تقدم في هذه السورة ما للعلماء في قوله تعالى: {مَنسَكاً}. وقوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ} يعطي أن المَنْسك المصدر، ولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه. وقال الزجاج: «فلا يُنَازِعُنَّك في الأمر» أي فلا يجادلنّك؛ ودلّ على هذا «وإن جَادَلُوكَ». ويقال: قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك؛ فالجواب أن المعنى فلا تنازعهم أنت. نزلت الآية قبل الأمر بالقتال، تقول: لا يضاربنك فلان فلا تضاربه أنت؛ فيجري هذا في باب المفاعلة. ولا يقال: لا يضربنك زيد وأنت تريد لا تضرب زيداً. وقرأ أبو مِجْلَز «فلا يَنْزِعنّك في الأمر» أي لا يستخفَنَّك ولا يغلبنك عن دينك. وقراءة الجماعة من المنازعة. ولفظ النهي في القراءتين للكفار، والمراد النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى توحيده ودينه والإيمان به. {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى} أي دين. {مُّسْتَقِيمٍ } أي قويم لا اعوجاج فيه.
البيضاوي
تفسير : {لِكُلّ أُمَّةٍ } أهل دين. {جَعَلْنَا مَنسَكًا} متعبداً أو شريعة تعبدوا بها، وقيل عيدا. {هُمْ نَاسِكُوهُ } ينسكونه. {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ } سائر أرباب الملل. {فِي ٱلأَمْرِ} في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، وقيل المراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء، أو عن منازعتهم كقولك: لا يضار بك زيد، وهذا إنما يجوز في أفعال المبالغة للتلازم، وقيل نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله، وقرىء {فَلاَ ينزعنك} على تهييج الرسول والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته فنزعته إذا غلبته. {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ} إلى توحيده وعبادته. {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} طريق إلى الحق سوي.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكاً، قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكاً، قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان، ويتردد إليه، إما لخير، أو شر، قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس إليها، وعكوفهم عليها، فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكاً، فيكون المراد بقوله: فلا ينازعنك في الأمر، أي: هؤلاء المشركين، وإن كان المراد لكل أمة جعلنا منسكاً جعلاً قدرياً؛ كما قال: {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} تفسير : [البقرة: 148] ولهذا قال ههنا: {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي: فاعلوه، فالضمير ههنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهذا كقوله: {أية : وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} تفسير : [القصص: 87]. وقوله: {وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}. كقوله: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 41]. وقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} تهديد شديد ووعيد أكيد؛ كقوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [الأحقاف: 8] ولهذا قال: {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} وهذه كقوله تعالى: {أية : فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : . [الشورى: 15] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } بفتح السين وكسرها شريعة {هُمْ نَاسِكُوهُ } عاملون به {فَلاَ يُنَٰزِعُنَّكَ } يراد به لا تنازعهم {فِى ٱلأَمْرِ } أي أمر الذبيحة إذ قالوا: ما قتل الله أحقّ أن تأكلوه مما قتلتم {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ }أي إلى دينه {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى } دينٍ {مُّسْتَقِيمٍ }.
الشوكاني
تفسير : عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال: {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } أي لكلّ قرن من القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، وجملة: {وَهُمْ نَاسِكُوهُ } صفة لـ {منسكاً}، والضمير لكل أمة، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن منسك المسلمين، والمنسك: مصدر لا اسم مكان كما يدلّ عليه: {هم ناسكوه}، ولم يقل: ناسكون فيه. وقيل: المنسك: موضع أداء الطاعة، وقيل: هو الذبائح، ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص السبب، والفاء في قوله: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ } لترتيب النهي على ما قبله، والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم، أي: قد عينا لكل أمة شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج: إنه نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت، كما تقول لا يخاصمك فلان أي: لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد: لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية: فلا ينازعنك، أي فلا يجادلنك. قال: ودلّ على هذا {وَإِن جَـٰدَلُوكَ } وقرأ أبو مجلز: "فلا ينزعنك في الأمر" أي لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك. وقرأ الباقون: {ينازعنك} من المنازعة {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبّكَ } أي وادع هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس على العموم إلى دين الله وتوحيده والإيمان به {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } أي طريق مستقيم لا اعوجاج فيه. {وَإِن جَـٰدَلُوكَ } أي وإن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم {فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي فكل أمرهم إلى الله وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد {ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أي بين المسلمين والكافرين {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين فيتبين حينئذٍ الحق من الباطل، وفي هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل وقيل: إنها منسوخة بآية السيف. وجملة {أَلَمْ تَعْلَمْ } مستأنفة مقرّرة لمضمون ما قبلها. والاستفهام للتقرير، أي قد علمت يا محمد وتيقنت {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السماء وَٱلأَرْضِ} ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مخلتفون {إِنَّ ذٰلِكَ } الذي في السماء والأرض من معلوماته {فِى كِتَـٰبِ } أي مكتوب عنده في أمّ الكتاب {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } أي إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه يسير عليه غير عسير، أو إن إحاطة علمه بما في السماء والأرض يسير عليه. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } هذا حكاية لبعض فضائحهم، أي إنهم يعبدون أصناماً لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } من دليل عقل يدلّ على جواز ذلك بوجه من الوجوه {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في آل عمران، وجملة: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } معطوفة على يعبدون، وانتصاب بينات على الحال، أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ } أي الأمر الذي ينكر، وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها، أو المراد بالمنكر: الإنكار، أي تعرف في وجوههم إنكارها. وقيل: هو التجبر والترفع، وجملة: {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟ فقيل: يكادون يسطون، أي يبطشون، والسطوة: شدّة البطش، يقال: سطا به يسطو إذا بطش به بضرب، أو شتم، أو أخذ باليد، وأصل السطو: القهر. وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز، أو من السنة الصحيحة مخالفاً لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين، وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف، والله ناصر الحقّ ومظهر الدين وداحض الباطل ودامغ البدع وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم، المبينين للناس ما نزل إليهم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم أمر رسوله أن يردّ عليهم. فقال: {قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم } أي أخبركم {بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ } الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب عليهم، وهو النار التي أعدّها الله لكم، فالنار مرتفعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف، والجملة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: ما هذا الأمر الذي هو شرّ مما نكابده ونناهده عند سماعنا ما تتلوه علينا؟ فقال: هو {ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقيل: إن {النار} مبتدأ وخبره جملة: {وعدها الله الذين كفروا} وقيل: المعنى: أفأخبركم بشرّ مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم؟ وقرىء "النار" بالنصب على تقدير: أعني. وقرىء بالجرّ بدلاً من شرّ {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } أي الموضع الذي تصيرون إليه، وهو النار. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ } قال: يعني: هم ذابحوه {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ } يعني: في أمر الذبح. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ } قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } يعني: ما في السمٰوات السبع والأرضين السبع. {إِنَّ ذٰلِكَ } العلم {فِي كِتَـٰبِ } يعني: في اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلق السمٰوات والأرضين {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } يعني: هين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ } يبطشون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه العيد، قاله ابن قتيبة. الثاني: أنها المواضع المعتادة لمناسك الحج والعمرة، قاله الفراء. الثالث: المذبح، قاله الضحاك. الرابع: المنسك الْمُتَعَبد والنسك العِبَادَة ومنه سمي العَابِدُ ناسكاً، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَنسَكاً} عيداً، أو موضعاً معتاداً لمناسك الحج والعمرة، أو مذبحاً، أو متعبداً، النسك: العبادة، والناسك العابد "ح".
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} لما عدد نعمه وأنه لرؤوف رحيم بعباده، وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر، أتبعه بذكر نعمه بما كلَّف، فقال: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}. وحذف الواو من قوله: "لِكُلِّ أُمَّةٍ" لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فحذف العاطف. قال الزمخشري: لأن تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك فعطفت على أخواتها، وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفاً. قوله: "هم ناسكوه" هذه الجملة صفة لـ "مَنْسَكاً". وقد تقدم أنه يقرأ بالفتح والكسر، وتقدم الخلاف فيه هل هو مصدر أو مكان. وقال ابن عطية: "نَاسِكُوه" يعطي أن المنسك المصدر، ولو كان مكاناً لقال: ناسكون فيه. يعني أن الفعل لا يتعدى إلى ضمير الظرف إلا بواسطة (في). وما قاله غير لازم، لأنه قد يتسع في الظرف فيجري مجرى المفعول فيصل الفعل إلى ضميره بنفسه، وكذا ما عمل عمل الفعل. ومن الاتساع في ظرف الزمان قوله: شعر : 3777- وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِراً قَلِيْلٍ سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نَوَافِلُه تفسير : ومن الاتساع في ظرف المكان قوله: شعر : 3778- وَمَشْرَبٍ أَشْرَبُه وشيلٍ لاَ آجِنُ المَاءِ وَلاَ وَبِيْلُ تفسير : يريد أشرب فيْه. فصل روي عن ابن عباس: المَنْسَك شريعة عاملون بها، ويؤيده قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. وروي عنه أنه قال: عيداً يذبحون فيه. وقال مجاهد وقتادة: قربان يذبحون. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مألفاً يألفونه والأول أولى لأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الاسم على عبادة فلا وجه للتخصيص. فإن قيل: هلا حملتموه على الذبح، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح وهلا حملتموه على موضع العبادة وعلى وقتها؟ فالجواب عن الأول: لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح، لأن سائر أفعال الحج تسمى مناسك قال عليه السلام: "حديث : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ". تفسير : وعن الثاني: أن قوله: "هُمْ نَاسِكُوه" أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان. "فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ" قرأ الجمهور بتشديد النون، وقرئ بالنون الخفيفة وقرأ أبو مجلز "فَلاَ يَنْزِعُنَّكَ" من نَزَعتهُ من كذا أي قلعته منه. وقال الزجاج: هو من نَازعتُه فَنَزَعْتُه أَنْزِعُه أي: غلبته في المنازعة. ومجيء هذه الآية كقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} تفسير : [طه: 16] وقولهم: لا أَرَيَّنَكَ ههنا. فصل معنى الكلام على قراءة أبي مجلز: أي اثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه وعلى قراءة: "يُنَازِعُنَّكَ" فيه قولان: الأول: قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول: لا يضاربك فلان أي: لا تضاربه. قال بعض المفسرين: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} في أمر الذبائح، نزلت في بُدَيْل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن حُبَيش قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: مَا لَكُمْ تَأْكُلُونَ مَا تَقْتُلون بأَيْدِيْكُمْ وَلاَ تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّه. والثاني: أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الآن الأمر على شرعك، وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه، فكأنه قال: كل أمة بقيت منها بقية يلزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول - عليه السلام - فلذلك قال: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: لا تخص بالدعاء أمة دون أمة، فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك، فإنك على هدى مستقيم والهدى يحتمل أن يكون نفس الدين، وأن يكون أدلة الدين، وهو أولى. كأنه قال: ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة، ولهذا قال: "وَإِنْ جَادَلُوْك" أي فإن عدلوا عن هذه الأدلة إلى المراء والتمسك بعادتهم {فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي أنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قَبِل وبين نار وعقاب لمن رَدّ وأنكر. فقال: {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فتعرفون حينئذ الحق من الباطل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي المليح قال: الأمة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعداً. وأخرج أحمد والحاكم، وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن الحسين {لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} قال: ذبحاً هم ذابحوه. حدثني أبو رافع حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى: اشترى كبشين سمينين أملحين أقرنين، فإذا خطب وصلى ذبح احدهما، ثم يقول: "اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد ولي بالبلاغ"، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: "اللهم هذا عن محمد وآل محمد" تفسير : ثم يطعمهما المساكين، ويأكل هو وأهله منهما. فمكثنا سنتين قد كفانا الله الغرم والمؤنة، ليس أحد من بني هاشم يضحي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هم ناسكوه} يعني هم ذابحوه {فلا ينازعنك في الأمر} يعني في أمر الذبائح. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة رضي الله عنه {ولكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} قال ذبحاً هم ذابحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه {منسكاً هم ناسكوه} قال: اهراقه دم الهدي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه {لكل أمة جعلنا منسكاً} قال: ذبحاً وحجاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه {فلا ينازعنك في الأمر} قول أهل الشرك. أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلون، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل رضي الله عنه {وادع إلى ربك} قال: إلى دين ربك {إنك لعلى هدى} قال: دين مستقيم {وإن جادلوك} يعني في الذبائح. وأخرج ابن المنذر، عن جريج {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} لنا أعمالنا، ولكم أعمالكم.
القشيري
تفسير : جَعَلَ لكلِّ فريقٍ شِرْعةً هم واردوها، ولكلِّ جماعةٍ طريقةً هم سالكوها. وجعل لكلِّ مقامٍ سُكَّانَه، ولكلِّ محلِّ قُطَّانَه، فقد ربط كُلاً بما هو أهلٌ له، وأوصل كلاًّ إلى ما جعله محلاًّ له؛ فبِساط التَّعَبُّدِ موطوءٌ بأَقدامِ العابدين، ومشاهد الاجتهاد معمورةٌ بأصحاب التكلف من المجتهدين، ومجالسُ أصحابِ المعارفِ مأنوسةٌ بلزوم العارفين، ومنازلُ المحبين مأهولةٌ بحضور الواجدين. قوله: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ...} اشْهَدْ تصاريفَ الأقدار، واعمل بموجِب التكليف، وانتِه دون ما أُذِنْتْ له من المناهل.
اسماعيل حقي
تفسير : {لكل امة} معينة من الامم الماضية والباقية والامة جماعة ارسل اليم رسول {جعلنا} [معني ساختيم] {منسكا} مصدر مأخوذ من النسك وهو العبادة اى شريعة خاصة لا لامة اخرى منهم على معنى عينا كل شريعة لامة معينة من الامم بحيث لا تتخطى امة منهم شريعتها المعينة لها الى شريعة اخرى لا استقلالا ولا اشتراكا {هم ناسكوه} صفة لمنسكا مؤكدة للقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور على الفعل والضمير لكل امة باعتبار خصوصها اى تلك الامة المعينة ناسكوه والعاملون به لامة اخرى فالامة التى كانت من مبعث موسى الى مبعث عيسى علهيما السلام منسكهم التوراة هم ناسكوها والعاملون بها لاغيرهم والامة التى من مبعث عيسى الى مبعث النبى عليه السلام منسكهم الانجيل هم ناسكوه والعاملون به لا غيرهم واما الامة الموجودة عند بعث النبى عليه السلام ومن بعدهم من الموجودين الى يوم القيامة فهم امة واحدة منسكهم الفرقان ليس الا {فلا ينازعنك} اى من يعاصرك من اهل الملل يقال نزع الشىء جذبه من مقره كنزع القوس عن كبده والمنازعة المخاصمة {فى الامر} اى فى امر الدين زعما منهم ان شريعتهم ما عين لآبائهم الاولين من التوراة والانجيل فانهما شريعتان لمن مضى من الامم قبل انتساخهما وهؤلاء امة مسستقلة منسكهم القرآن المجيد فحسب: وبالفارسية [بس بايدكه نزاع نكنند سائر ارباب اديان باتو دركار دين جه امردين توازان ظاهر تسرت كه تصور نزاع دران توان كرد درنور آفتاب جاى تأمل است] {وادع} الناس كافة ولا تخص امة دون امة بالدعوة فان كل الناس امتك {الى ربك} الى توحيده وعبادته حسبما بين لهم فى منسكهم وشريعتهم {انك لعلى هدى مستقيم} اى طريق موصل الى الحق سوى وهو الدين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لكل أمةْ} من الأمم الخالية والباقية {جعلنا} أي: وضعنا، وعَيَّنا {منسَكًا}: شريعة خاصة يتمسكون بها، أي: عيّنا كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، لا استقلالاً ولا اشتراكًا، فكل جيل لهم شرع مخصوص، {هم ناسكوه}: عاملون به، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - منسكهم التوراة، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منسكهم الإنجيل، هم ناسكوه وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي - عليه الصلاة والسلام - ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ فهم أمة واحدة، منسكهم القرآن، ليس إلا. والفاء في قوله: {فلا ينازعنك في الأمر} لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص، يجب اتباعه، يُوجب اتباع هؤلاء الموجودين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم له في أمر الدين، أي: فلا يجادلنك في أمر الدين، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر، أي: أمر الدين أو أمر الذبائح. قيل: نزلت حين قال المشركون للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعني: الميتة، فأمر الله بالغيبة عنهم، وعدم الالتفات إلى قولهم. {وادعُ إلى ربك} أي: دم على الدعاء إلى الله، والتمسك بدينه القويم؛ {إِنك لعلى هُدىً مستقيم}: طريق قويم موصل إلى الحق. {وإن جادلوك} بعد ظهور الحق؛ مِراء وتعنتًا، كما يفعله السفهاء، بعد اجتهادك ألاَّ يكون بينك وبينهم تَنازع وجدال، {فقل اللهُ أعلمُ بما تعملون} أي: فلا تجادلهم، وادفعهم بهذا القول، والمعنى: إن الله عالم بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء، فهو يُجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين، يُجيب به العاقلُ كلَّ متعنت سفيه. قال تعالى: {اللهُ يحكمُ بينكم يومَ القيامةِ فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين، وهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين والكافرين، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم. {ألم تعلم أن الله يعلمُ ما في السماء والأرض}، الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أن الله يعلم كل ما يحدث في السماء والأرض، ولا يخفى عليه شيء من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، {إِنَّ ذلك في كتاب}؛ في اللوح المحفوظ، {إِنَّ ذلك على الله يسير} أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير، فلا يخفى عليه معلوم، ولا يعسُر عليه مقدور. {ويعبدونَ من دون الله} أي: متجاوزين إياه، مع ظهور دلائل عظمته وقدرته وتوحيده، {ما لم يُنزل به سلطانًا}: حجة وبرهانًا، {وما ليس لهم به علمٌ} أي: وما ليس لهم بجواز عبادته علم؛ من ضرورة أو استدلال، أي: لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي، بل لمجرد التقليد الرديء، {وما للظالمين من نصير} أي: وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم من أحد ينصرهم، أو يصوب مذهبَهم، أو يدفع العذاب عنهم، حين يعتريهم بسبب ظلمهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل، اختلفت التربية باختلاف الأشخاص والأعصار، وقد تقدم عند قوله {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. وجملتها ترجع إلى الهمة والحال، وبهما كانت التربية في الصدر الأول، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث؛ لقربهم من النور النبوي. فلما بَعُد الأمر، وأظلمت القلوب، أحدثوا تربية الاصطلاح، وهو التزيي بزي مخصوص، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق، والركوة، وغير ذلك من مسائل التجريد، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب، واستعمال أوراد مخصوصة، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح، إذا رآه ينجع فيه ذلك، فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مُدَّعُون، لا همة لهم ولا حال، فقال الحضرمي حسمًا لهذه الدعوى: قد انقطعت التربية بالاصطلاح، وما بقي إلا الهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة، أي: بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان، يعني طريق الأحوال والاصطلاح. ومراده بذلك: قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل: أن الحضرمي ما حكم إلا على وقته؛ لِمَا رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وقد وُجد بعده رجال مُربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة: العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وبالحال: إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر الله؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : خَيْرُكُمْ مَنْ إِذا رُؤوا ذُكر اللهُ"تفسير : . ولا بد من إذن خاص من الشيخ، أو من يقوم مقامه، وإلا فلا تنجح تربيته، ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم. فإن تأهلتَ للتربية بإذن خاص، فلا ينازعنك في الأمر، أي: لا تلفت إلى من ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية؛ تعنتًا وعنادًا. وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم. قال القشيري: قوله: {وإن جادلوك…} الخ، أي: كِلْهُم إلينا، عندما راموا أمر الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوحَ قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال؛ فإنهم قوالبُ خاويةٌ. وأشباحٌ من رؤية المعاني خالية. هـ. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل، ويقال في شأن من يعبد هواه: {ويعبدون من دون الله…} الآية. ثمَّ ذكر وصفاً آخر لأهل الإنكار فقال:-
الجنابذي
تفسير : {لِّكُلِّ أُمَّةٍ} كلام منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل جعل الله طريقاً الى ادراك الاحياء بعد الاماتة او الى الوصول الى خيراته بعد الاحياء الثّانى؟- فقال: لكلّ امّة {جَعَلْنَا مَنسَكاً} عبادة او شرعة من العبادات او ذبيحة يتقرّبون بها، او مكان عبادة، او محلّ ذبحٍ وقربانٍ {هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} اى امر عبادتك او امر حجّك او شريعتك او مساجدك او ذبيحتك فانّ كلّ امّةٍ كان ذلك لهم وقد اختلفوا فى الكلّ بحسب اقتضاء الوقت والمكان والحال يعنى لا ينبغى لهم ان ينازعوك ولا ينبغى لك ان تضطرب بمنازعتهم وتتوانى فى دعوتهم فاثبت على ما انت عليه {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} الجملة استيناف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل.
الأعقم
تفسير : {لكل أمة جعلنا منسكاً} يعني جعلنا لكل قوم شريعة كما جعلنا لك ولأمتك وليس أمرك ببدع، وقيل: أراد جميع العبادات {فلا ينازعنك في الأمر} قيل: نهي لهم عن منازعته، وقيل: نهي له لأن المنازعة تكون بين اثنين، وقيل: المنازعة قولهم أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ وهي الميتة التي قتلها الله تعالى، يعني فلا يخاصمنك في أمر الذبح، وقيل: المنازعة في نسخ أمر الشريعة، أي ليس لهم أن ينازعوك في شريعتهم، وقيل: نسخت هذه الشريعة شريعة من تقدم {وادع إلى ربك} أي لا تلتفت إلى منازعتهم وادع إلى توحيد ربك ودينك {إنك لعلى هدى مستقيم} {وإن جادلوك} قيل: على سبيل المراء والتعتب بعد لزوم الحجة كما يفعله السفهاء فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول {فقل الله أعلم بما تعملون} {الله يحكم بينهم يوم القيامة} أي يفصل بين المحق والمبطل {فيما كنتم فيه تختلفون} من الدين، فتعرفون الحق من الباطل ضرورة، قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} استفهام والمراد التقرير تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {إن ذلك في كتاب} قيل: الكتاب الحفظ، أي تعلمونه محفوظ للجزاء لأن العادة جرت بأن الأشياء تحفظ بالكتب، وقيل: في كتاب في اللوح المحفوظ كتبه لطفاً للملائكة {إن ذلك على الله يسير} يعني حفظه وعلمه يسير عليه لما قدَّم أدلة التوحيد بين أن ما هم عليه لاحجة فيه فقال سبحانه: {ويعبدون من دون الله} يعني الأصنام {ما لم ينزّل به سلطاناً} أي حجة، يعني أنهم عبدوها من غير حجة {وما ليس لهم به علم} يعني كما لا دليل لهم على ذلك فلا علم لهم بذلك أيضاً إنهم آلهة لأن الإِنسان قد يعلم الأشياء من غير دليل كالضروريات ونحو وجوب الشكر وقبح الظلم {وما للظالمين من نصير} قال جار الله: ويعبدون ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا ألجأهم إليها علم ضروريٌ، ولا حملهم عليها دليلٌ عقليٌ، وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرونهم ويصوّب مذهبهم {وإذا تتلى عليهم آياتنا} حجتنا المؤدية إلى الحق، وقيل: القرآن {بيّنات} واضحات لم يتفكروا {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} يعني تبين في وجوههم الكراهة والعبوس {يكادون يسطون} يريدون البطش والقهر {بالذين يتلون عليهم آياتنا قل} يا محمد {أفأنبئكم بشرٍ من ذلكم} يعني بشر من غضبكم على التالين، وقيل: أشد عليكم من سماع القرآن، ثم فسّر فقال: {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} أي المرجع والمأوى، ثم ضرب لهم مثلاً فقال: {يأيها الناس ضرب مثل} يعني جعل لهم تشبيهاً {فاستمعوا له} أي تدبروا وتفكروا {إن الذين تدعون من دون الله} يعني الأوثان {لن يخلقوا ذباباً} في صغره لأن أحداً لا يقدر على الجواهر والأجسام ولا على الحياة غيره تعالى: {ولو اجتمعوا له} يعني لو اجتمع الأصنام لم يقدروا على خلق ذباب {وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه} يعني لو سلب الذباب على الأصنام شيئاً مما عليهم ما قدروا على تخليصه، قال جار الله: وهذا ما أنزل الله على تجهيل قريش واستركاك عقولهم حيث وصفوا الأصنام بالإِلهية وهذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً واجتمعوا على أن يتخلصوه لم يقدروا، وقوله: {ضعف الطالب والمطلوب} كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف لأن الذباب حيوان وهو جماد وغالبٌ وذلك مغلوبٌ، وعن ابن عباس: أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، وقيل: الطالب الذباب والمطلوب الصنم سمي ضعيف العابد والمعبود {ما قدروا الله حق قدره} أي ما عرفوه حق معرفته حتى لا يسموا باسمه تعالى من هو منسلخ عن صفاته، يعني ما عظموه حق تعظيمه حيث جعلوا الملائكة والأنبياء أولاداً له تعالى عما يقولون وهو اصطفاهم واختارهم لرسالته {يعلم ما بين أيديهم} الآخرة {وما خلفهم} الدنيا، وقيل: يعلم ما مضى قبل خلق الملائكة وما يكون بعد خلقهم {وإلى الله ترجع الأمور} إلى حكمه يصير الأمر.
اطفيش
تفسير : {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} متعبد أو شريعة أو عيدا. وقرئ بكسر السين وقد مر تفسير مثله * {هُمْ نَاسِكُوه} عاملون به قيل هذا يفيد ان للنسك المصدر ولو كان مكانا لقال ناسكون فيه وليس بمتعين لجواز اضافة الشيء إلى ظرفه {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ} اي سائر ارباب الملل * {فِي الأَمْرِ} امر الدين أو النسائك أو الذبائح مطلقا وهذا النهي لهؤلاء لانهم جهال وأهل عناد وبين الجهال والمعاندين أو لان امر دينك أظهر من ان يقبل النزاع وقيل: المراد نهي في المعنى للرسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم فانها انما تنفع طالب الحق وهؤلاء اهل مراء واما في اللفظ فهي لهم فهو من باب (لا ارينك هاهنا) اي لا تكن هاهنا فاراك والمراد لا تكن على وصف يكون سببا لمنازعتهم أو نهي عن منازعتهم كقولك: (لا يضاربنك زيد) وهذا انما يجوز في افعال المغالبة التي لا نكون الا بين متعدد اي لا تعتد بهم فتنازعهم وينازعوك وهو قول الزجاج. وروي ان بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعنون الميتة. وقرئ (فلا ينزعنك) اي (اثبت) في دينك ثباتا لا يطمعون ان يجذبوك ليزيلوك عنه والمراد زيادة التثبيت له صلى الله عليه وسلم بما يهيج غضبه لله وهيهات ان يكون بحيث ينزع وان يحوم حول حماه ولكن المراد ارادة التهيج. وقال الزجاج هو من نازعته فنزعته اي غلبته اي لا يغلبنك في المنازعة وعطف {كل امة جعلنا منسكا} فيما مر ولم يعطفه هنا لوقوعه هنا مع ما باعد عن معناه مع انه يحتمل كون الواو هنالك للاستئناف {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} إلى توحيده وعبادته {إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُّسْتَقِيمٍ} دين سوي.
اطفيش
تفسير : {لكل أمةٍ} مضت أو حضرت {جَعَلنا منْسَكا} لا تتعداه الى منسك آخر قيل والتقديم للحصر أى لكل أمة لا لغيرها منسكا مختصا بها لأمة موسى ما فى التوراة، ولأمة عيسى ما فى الإنجيل، ويرد اليها من أدركها من أمة موسى، ولهذه الأمة، ولأمة بعدها ما فى القرآن، ويرد اليها كل من أدركها من أمة موسى، وأمة عيسى وقوله {هُم ناسِكوهُ} نعت منسكا، والآية زجر لأمتى موسى وعيسى عن معارضة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأكد ذلك بقوله: {فلا ينزعنك فى الأمر} أمر الدين، فإنه يجب على كل من ادرك نبيا اتباعه فى كل ما خلف فيه ديانتهم وذلك من نهى الغائب، وقد يقال ذلك نهى له صلى الله عليه وسلم، أو كناية عن نهيه، عن أن يكون بحيث يطلق أنه شاركهم فى النزاع، أو مبتدئا له معهم كقولك: لا أريناك ها هنا، أى لا تكن هنا فضلا عن أن أراك، وذلك خلاف الظاهر، إلا انه يناسبه قوله عز وجل. {وادْع الى ربك إنَّك لعَلى هُدًى مُستقيم * وإن جادلوك فقل الله أعْلم بمَا تعْمَلون} والمنسك الشريعة أو العبادة، ويقوى هذا هم ناسكوه، أو زمان النسك أو مكانه، ويضعفها أنه لم يقل ناسكون فيه فيحتاج الى حذف الضمير المجرور بدون شرط حذفه على القلة، وأجازه بعض حيث ظهر المعنى، والواو فى ينازعك المحذوفة لأهل الكتاب، وقيل: المنسك الذبح، فالواو لمشركى العرب القائلين للمسلمين، مالكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، كبديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس الخزاعيين، ووجهه مع أنه لا دين لهم أن المعنى كيف ينازعون بما لا أثر له فى الشرائع الإلهية. وعطفت آية النسك قبل دون هذه لقوة الجامع لها من المنافع بخلاف هذه، ومفعول ادع محذوف، ادع الناس أو هؤلاء المنازعين الى عبادة ربك بما أوحينا إليك، والهدى المستقيم الدين أو أدلته شبهه بالطريق، ورمز اليه بمستقيم، وعلى استعارة تخييلية، وإن جادلوك فى أمر الدين، وقد أشرقت دلائله، فهددهم بأن الله عز وجل أعلم بما تعملون من الأباطيل، فيعاقبكم عليها، واستأنف الله عز وجل له صلى الله عليه وسلم قوله: {الله يحْكُم بيْنكُم} يا أيها المؤمنون ويا أيها الكافرون، ويبعد أن يكون من المقول على معنى أن الله يفصل بين المؤمنين منكم، والكافرين بالثواب والعقاب، {يوم القيامة فيما كنتم فيه تخْتلفُون} من الدين والجدال أو الذبائح.
الالوسي
تفسير : {لِكُلّ أُمَّةٍ} كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه الصلاة والسلام من أهل الأديان السماوية عن منازعته عليه الصلاة والسلام ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع وإظهار خطئهم في النظر أي لكل أمة معينة من الأمم الخالية والباقية {جَعَلْنَا} وضعنا وعينا {مَنْسَكًا} أي شريعة خاصة، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر لا لأمة أخرى منهم، والكلام نظير قولك لكل من فاطمة وزينب وهند وحفصة أعطيت ثوباً خاصاً إذا كنت أعطيت فاطمة ثوباً أحمر وزينب ثوباً أصفر وهنداً ثوباً أسود وحفصة ثوباً أبيض فإنه بمعنى لفاطمة أعطيت ثوباً أحمر لا لأخرى من أخواتها ولزينب أعطيت ثوباً أصفر لا لأخرى منهن وهكذا، وحاصل المعنى هنا عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالاً ولا اشتراكاً. وقوله تعالى: {هُمْ نَاسِكُوهُ} صفة لمنسكاً مؤكدة للقصر، والضمير لكل أمة باعتبار خصوصها أي تلك الأمة المعينة ناسكون به وعاملون لا أمة أخرى؛ فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام منسكهم ما في التوراة هم عاملون به لا غيرهم والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم منسكهم ما في الإنجيل هم عاملون به لا غيرهم، وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبـي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من الموجودين إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم ما في القرآن ليس إلا. والفاء في قوله سبحانه: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ} أي أمر الدين لترتيب النهي على ما قبلها فإن تعيينه تعالى لكل أمة من الأمم التي من جملتها أمته عليه الصلاة والسلام شريعة مستقلة بحيث لا تتخطى أمة منهم ما عين لها موجب لطاعة هؤلاء له صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم إياه في أمر الدين زعماً منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم مما في التوراة والإنجيل فإن ذلك شريعة لمن مضى قبل انتساخه وهؤلاء أمة مستقلة شريعتهم ما في القرآن فحسب، والظاهر أن المراد نهيهم حقيقة عن النزاع في ذلك. واختار بعضهم كونه كناية عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى نزاعهم المبني على زعمهم المذكور لأنه أنسب بقوله تعالى الآتي {وَٱدْعُ} الخ، وأمر الأنسبية عليه ظاهر إلا أنه في نفسه خلاف الظاهر، وقال الزجاج: هو نهي له عليه الصلاة والسلام عن منازعتهم كما تقول: لا يضاربنك زيد أي لا تضاربنه وذلك بطريق الكناية، وهذا إنما يجوز على ما قيل وبحث فيه في باب المفاعلة للتلازم فلا يجوز في مثل لا يضربنك زيد أن تريد لا تضربنه. وتعقب بأنه لا يساعده المقام. وقرىء {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ} بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز ولاحق بن حميد {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ} بكسر الزاي على أنه من النزع بمعنى الجذب كما في «البحر»، والمعنى كما قال ابن جني فلا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم فتكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره. وفي «الكشاف» أن المعنى اثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه، والمراد زيادة / التثبيت له عليه الصلاة والسلام بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله تعالى ولدينه ومثله كثير في القرآن. وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه أي غلبته، فالمعنى لا يغلبنك في المنازعة والمراد بها منازعة الجدال يعني أن ذلك من باب المغالبة، لكن أنت تعلم أنها عند الجمهور تقال في كل فعل فاعلته ففعلته أفعله بضم العين ولا تكسر إلا شذوذاً، وزعم الكسائي ورده العلماء أن ما كان عينه أو لامه حرف حلق لا يضم بل يترك على ما كان عليه فيكون ما هنا على توجيه الزجاج شاذاً عند الجمهور. وقال سيبويه: كما في «المفصل»: وليس في كل شيء يكون هذا أي باب المغالبة ألا ترى أنك تقول: نازعني فنزعته استغنى عنه بغلبته، ثم إن المراد من لا يغلبنك في المنازعة لا تقصر في منازعتهم حتى يغلبوك فيها، وفيه مبالغة في التثبيت فليس هناك نهى له صلى الله عليه وسلم عن فعل غيره. هذا وما ذكرنا من تفسير المنسك بالشريعة هو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره القفال، وقال الإمام: هو الأقرب، وقيل: هو مصدر بمعنى النسك أي العبادة، قال ابن عطية: يعطي ذلك {هُمْ نَاسِكُوهُ} وقيل: هو اسم زمان، وقيل: اسم مكان، وكان الظاهر ناسكون فيه إلا أنه اتسع في ذلك، وقال مجاهد: هو الذبح. وأخرج ذلك الحاكم وصححه والبيهقي في «الشعب» عن علي بن الحسن رضي الله تعالى عنهما؛ وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن عكرمة، وجعل ضمير {يُنَـٰزِعُنَّكَ} للمشركين. والأمر المتنازع فيه أمر الذبائح لما ذكر من أن الآية نزلت بسبب قول الخزاعيين بُديل بن ورقاء وبِشر بن سفيان ويزيد بن خنيس للمؤمنين ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله تعالى. ومنهم من اقتصر على جعل محل النزاع أمر النسائك وجعله عبارة عن قول الخزاعيين المذكور. وتعقبه شيخ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلاً كيف لا وأنه يستدعي أن يكون أكل الميتة وسائر ما يدين به المشركون من الأباطيل من المناسك التي جعلها الله تعالى لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل. وأجيب بأن المعنى عليه لا ينازعنك المشركون في أمر النسائك فإنه لكل أمة شريعة شرعناها وأعلمناك بها فكيف ينازعون بما ليس له عين ولا أثر فيها، وقيل: المعنى عليه لا تلتفت إلى نزاع المشركين في أمر الذبائح فإنا جعلنا لكل أمة من أهل الأديان ذبحاً هم ذابحوه. وحاصله لا تلتفت إلى ذلك فإن الذبح شرع قديم للأمم غير مختص بأمتك وهذا مما لا شك في صحته، ومن قال بصحة الآثار وعض عليها بالنواجذ لا يكاد يجد أولى منه في بيان حاصل الآية على ما تقتضيه، ومن لم يكن كذلك ورأى أن الآية متى احتملت معنى جزلاً لا محذور فيه قيل به وإن لم يذكره أحد من السلف فعليه بما ذكرناه أولاً في تفسير الآية. وأياً ما كان فالظاهر أنه إنما لم تعطف هذه الجملة كما عطف قوله تعالى: { أية : وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ } تفسير : [الحج: 34] الخ لضعف الجامع بينها وبين ما تقدمها من الآيات بخلاف ذلك. وفي «الكشف» بياناً لكلام «الكشاف» في توجيه العطف هناك وتركه هنا أن الجامع هناك قوي مقتض للعطف فإن قوله تعالى: { أية : لَكُمْ فِيهَا } تفسير : [الحج: 33] أي في الشعائر منافع دينية ودنيوية كوجوب نحرها منتهية إلى البيت العتيق كالإعادة لما في قوله تعالى: { أية : لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ } تفسير : [الحج: 28] إلا أن فيه تخصيصاً بالمخاطبين فعطف عليه { أية : وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا } تفسير : [الحج: 34] للذكر لتتم الإعادة، والغرض من هذا الأسلوب أن يبين أنه شرع قديم وأنه / لم يزل متضمناً لمنافع جليلة في الدارين، وأما فيما نحن فيه فأين حديث النسائك من حديث تعداد الآيات والنعم الدالة على كمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة، ولعمري إن شرعية النسائك لكل أمة وإن كانت من الرحمة والنعمة لكن النظر إلى المجانسة بين النعم وما سيق له الكلام فالحالة مقتضية للقطع، وذكره هٰهنا لهذه المناسبة على نحو خفي ضيق اهـ، وهو حسن وظاهره تفسير النسك بالذبح. وذكر الطيبـي أن ما تقدم عطف على قوله تعالى: { أية : وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 32] الخ وهو من تتمة الكلام مع المؤمنين أي الأمر ذلك والمطلوب تعظيم شعائر الله تعالى وليس هذا مما يختص بكم إذ كل أمة مخصوصة بنسك وعبادة. وهذه الآية مقدمة نهي النبـي صلى الله عليه وسلم عما يوجب نزاع القوم تسلية له وتعظيم لأمره حيث جعل أمره منسكاً وديناً يعني شأنك وشأن أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ترك المنازعة مع الجهال وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى النزاع وملازمة الدعوة إلى التوحيد أو لكل أمة من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقاً وديناً هم ناسكوه فلا ينازعنك هؤلاء المجادلة. سمى دأبهم نسكاً لإيجابهم ذلك على أنفسهم واستمرارهم عليه تهكماً بهم ومسلاة لرسوله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم، وأما اتصاله بما سبق من الآيات فإن قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } تفسير : [الحج: 55] يوجب القلع عن إنذار القوم والإياس منهم ومتاركتهم والآيات المتخللة كالتأكيد لمعنى التسلية فجيء بقوله تعالى: {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ} تحريضاً له عليه الصلاة والسلام على التأسي بالأنبياء السالفة في متاركة القوم والإمساك عن مجادلتهم بعد الإياس من إيمانهم وينصره قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الحج: 69] فالربط على طريقة الاستئناف وهو أقوى من الربط اللفظي. والذي يدور عليه قطب هذه السورة الكريمة الكلام في مجادلة القوم ومعانديهم والنعي عليهم بشدة شكيمتهم ألا ترى كيف افتتحها بقوله سبحانه: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } تفسير : [الحج: 3] وكررها وجعلها أصلاً للمعنى المهتم به وكلما شرع في أمر كر إليه تثبيتاً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ومسلاة لصدره الشريف عليه الصلاة والسلام فلا يقال: إن هذه الآية واقعة مع أباعد عن معناها انتهى، ولعمري إنه أبعد عن ربوع التحقيق وفسر الآية الكريمة بما لا يليق. وقد تعقب في «الكشف» اتصاله بما ذكر بأنه لا وجه له فقد تخلل ما لا يصلح لتأكيد معنى التسلية المذكورة أعني قوله تعالى: { أية : وَمَنْ عَاقَبَ } تفسير : [الحج: 60] الآيات لا سيما على ما آثره من جعلها في المقاتلين في الشهر الحرام ولو سلم فلا مدخل للاستئناف وهو تمهيد لما بعده أعني قوله تعالى: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ} الخ، وأما قوله والذي يدور عليه الخ فهو مسلم وهو عليه لا له فتأمل والله تعالى الموفق للصواب. {وَٱدْعُ} أي وادع هؤلاء المنازعين أو الناس كافة على أنهم داخلون فيهم دخولاً أولياً {إِلَىٰ رَبّكَ} إلى توحيده وعبادته حسبما بين في منسكهم وشريعتهم {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى} أي طريق موصل إلى الحق ففيه استعارة مكنية وتخييليتها على، وقوله تعالى: {مُّسْتَقِيمٍ} أي سوي أو أحدهما تخييل والآخر ترشيح، ثم المراد بهذا الطريق إما الدين والشريعة أو أدلتها، والجملة استئناف في موضوع التعليل.
ابن عاشور
تفسير : هذا متصل في المعنى بقوله: {أية : ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم}تفسير : [الحج: 34] الآية. وقد فُصل بين الكلامين ما اقتضى الحال استطراده من قوله: {أية : وبشر المحسنين إن الله يدافع عن الذين آمنوا}تفسير : [الحج: 37ــــ38] إلى هنا، فعاد الكلام إلى الغرض الذي في قوله:{أية : ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله}تفسير : [الحج: 34] الآية ليبنى عليه قوله: {فلا ينازعنك في الأمر}. فهذا استدلال على توحيد الله تعالى بما سبق من الشرائع لقصد إبطال تعدد الآلهة، بأن الله ما جعل لأهل كلّ ملة سبقت إلا مَنسكاً واحداً يتقرّبون فيه إلى الله لأنّ المتقرّب إليه واحد. وقد جعل المشركون مناسك كثيرة فلكلّ صنم بيت يذبح فيه مثل الغبغب للعُزّى، قال النّابغة:شعر : وما هُريق على الأنصاب من جَسَد ............ تفسير : (أي دم). وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {أية : ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكُروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا}تفسير : [الحج: 34] كما تقدم آنفاً. فالجملة استئناف. والمناسبة ظاهرة ولذلك فُصلت الجملة ولم تعْطف كما عطفت نظيرتها المتقدمة. والمنسَك ــــ بفتح الميم وفتح السين ــــ: اسم مكان النّسُك بضمهما كما تقدّم. وأصل النُّسك العبادة ويطلق على القربان، فالمراد بالنسك هنا مواضع الحج بخلاف المراد به في الآية السابقة فهو موضع القربان. والضمير في {ناسكوه}منصوب على نزع الخافض، أي ناسكون فيه. وفي «الموطأ»: «أن قريشاً كانت تقف عند المَشعر الحرام بالمزدلفة بقُزح، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعَرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال الله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} الآية، فهذا الجدال فيما نرى والله أعلم وقد سمعت ذلك من أهل العلم اهــــ. قال الباجي في «المنتقى»: «وهو قول ربيعة». وهذا يقتضي أن أصحاب هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع المشركون منه، أي نزلت في سنة تسع، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة. وفرّع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها، فالنهي ظاهره موجّه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ما أعطيه من الحجج كافٍ في قطع منازعة معارضيه، فالمعارضون هم المقصود بالنهي، ولكن لما كان سبب نهيهم هو ما عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحجج وُجه إليه النهي عن منازعتهم إياه كأنه قيل: فلا تترك لهم ما ينازعونك به، وهو من باب قول العرب: لا أعْرِفَنّك تفعل كذا، أي لا تَفْعل فأعرِفك، فجعل المتكلم النهي موجهاً إلى نفسه، والمراد نهي السامع عن أسبابه، وهو نهي للغير بطريق الكناية. وقال الزجاج: هو نهي للرسول عن منازعتهم لأن صيغة المفاعلة تقتضي حصول الفعل من جانبي فاعله ومفعوله، فيصحّ نهي كل من الجانبين عنه. وإنما أسند الفعل هنا لضمير المشركين مبالغة في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن منازعته إياهم التي تفضي إلى منازعتهم إياه فيكون النهي عن منازعته إياهم كإثبات الشيء بدليله. وحاصل معنى هذا الوجه أنه أمر للرسول بالإعراض عن مجادلتهم بعدما سيق لهم من الحجج. واسم {الأمر} هنا مجمل مراد به التوحيدُ بالقرينة، ويحتمل أن المشركين كانوا ينازعون في كونهم على ضلال بأنهم على ملّة إبراهيم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر الحَجّ الذي هو من مناسكهم، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ادعاء أنهم على الحق وملّة إبراهيم، فكان قوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} كشفاً لشبهتهم بأن الحج منسك حقّ، وهو رمز التوحيد، وأن ما عداه باطل طارىء عليه فلا ينازعُنّ في أمر الحجّ بعد هذا. وهذا المحمل هو المناسب لتناسق الضمائر العائدة على المشركين مما تقدم إلى قوله {أية : وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير}تفسير : [الحج: 72]، ولأن هذه السورة نزل بعضها بمكة في آخر مُقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بها وبالمدينة في أول مُقامه بها فلا منازعة بين النبي وبين أهل الكتاب يومئذ، فيبعد تفسيرُ المنازعة بمنازعة أهل الكتاب. وقوله {وادع إلى ربك} عطف على جملة {فلا ينازعنك في الأمر}. عطف على انتهاء المنازعة في الدين أمرٌ بالدوام على الدعوة وعدم الاكتفاء بظهور الحجّة لأن المُكابرة تجافي الاقتناع، ولأنّ في الدوام على الدعوة فوائد للناس أجمعين، وفي حذف مفعول {ادع}إيذان بالتّعميم. وجملة {إنك لعلى هدى مستقيم} تعليل للدوام على الدعوة وأنها قائمة مقام فاء التعليل لا لردّ الشك. و{على}مستعارة للتمكن من الهدى. ووصف الهدى بالمستقيم استعارة مكنية؛ شبه الهُدى بالطريق الموصل إلى المطلوب ورُمز إليه بالمستقيم لأن المستقيم أسرع إيصالاً، فدين الإسلام أيسر الشرائع في الإيصال إلى الكمال النفساني الذي هو غاية الأديان. وفي هذا الخبر تثبيت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتجديد لنشاطه في الاضطلاع بأعباء الدعوة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ}. الأظهر في معنى قوله {مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} أي متعبداً هم متعبدون فيه، لأن أصل النسك التعبد وقد بين تعالى أن منسك كل أمة فيه التقرب إلى الله بالذبح، فهو فرد من أفراد النسك صرح القرآن بدخوله في عمومه. وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك. والآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ}تفسير : [الحج: 34] الآية وقوله {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} في الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها. قوله تعالى: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يدعو الناس إلى ربهم أي إلى طاعته، وطاعة رسله، وأخبره فيها أنه على صراط مستقيم: أي طريق حق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام الذي أمره أن يدعو الناس إليه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين، جاء واضحاً في مواضع أخر كقوله في الأول منهما {أية : وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [القصص: 87] وقوله تعالى {أية : فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}تفسير : [الشورى: 15] الآية وقوله تعالى {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [النحل: 125] وأخبر جل وعلا أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله تعالى {أية : وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [المؤمنون: 73] وقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] وكقوله في الأخير {أية : فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [النمل: 79] وقوله {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا}تفسير : [الجاثية: 18] الآية وقوله تعالى {أية : وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}تفسير : [الفتح: 2]. والآيات بمثل هذا كثيرة.
الواحدي
تفسير : {لكلّ أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} شريعةً هم عاملون بها {فلا يُنازِعُنَّكَ} يُجادِلُنَّكَ {في الأمر} نزلت في الذين جادلوا المؤمنين فقالوا: ما لكم تأكلون ما تقتلون، ولا تأكلون ممَّا قتله الله؟ {وإن جادلوك} بباطلهم مِراءً وتعنُّتاً فادفعهم بقولك: {الله أعلم بما تعملون} من التَّكذيب والكفر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 67- وقد جعلنا لكل أمة من أصحاب الشرائع السابقة شريعة خاصة بهم لائقة بعصرهم، يعبدون اللَّه عليها إلى أن ينسخها ما يأتى بعدها. ومن أجل هذا جعلنا لأمتك - أيها النبى - شريعة يُعْبَدُ اللَّه عليها إلى يوم القيامة، وإذا كان هذا هو أمرنا ووضعنا، فلا يجوز أن يشتد فى منازعتك فيه هؤلاء المتعبدون بأديانهم السابقة عليك، فقد نَسختْ شريعتك شرائعهم، فلا تلتفت لمجادلتهم، واستمر فى الدعوة إلى ربك حسبما يوحى إليك، إنك لتسير على هدى ربك المستقيم. 68- وإن أصروا على الاستمرار فى مجادلتك فأعرض عنهم وقل لهم: اللَّه أعلم بأعمالكم، وبما تستحقون عليها من الجزاء. 69- اللَّه يحكم بينى وبينكم يوم القيامة فيما كنتم تختلفون فيه معى، فَيُثيب المهتدى ويعاقب الضال. 70- واعلم - أيها العاقل - أن علْم اللَّه محيط بكل ما فى السماء وما فى الأرض، فلا يخفى عليه شئ من أعمال هؤلاء المجادلين، فكل ذلك ثابت عند اللَّه فى لوح محفوظ، لأن إحاطته بذلك وإثباته وحفظه يسيرٌ عليه كل اليسر. 71- ويعبد المشركون من دون اللَّه أوثانا وأشخاصا لم ينزل بعبادتها حجة فى كتاب سماوى، وليس لديهم عليها دليل عقلى، ولكن لمجرد الهوى والتقليد، وليس لهؤلاء المشركين الذين ظلموا وامتهنوا عقولهم نصيرٌ ينصرهم ويدفع عنهم عذاب النار يوم القيامة كما يزعمون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: جعلنا منسكاً: أي مكاناً يتعبدون فيه بالذبائح أو غيرها. فلا ينازعنك: أي لا ينبغي أن ينازعوك. هدىً مستقيم: أي دين مستقيم هو الإِسلام دين الله الحق. في كتاب: هو اللوح المحفوظ. ما لم ينزل به سلطاناً: أي حجة وبرهاناً. المنكر: أي الإِنكار الدال عليه عبوس الوجه وتقطيبه. يسطون: يبطشون. بشر من ذلكم: هو النار. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان هداية الله تعالى لرسوله والمؤمنين ودعوة المشركين إلى ذلك قال تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي ولكل أمة من الأمم التي مضت والحاضرة أيضاً جعلنا لهم منسكاً أي مكاناً يتنسكون فيه ويتعبدون {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي الآن، فلا تلتفت إلى ما يقوله هؤلاء المشركون، ولا تقبل منهم منازعة في أمر واضح لا يقبل الجدل، وذلك أن المشركين انتقدوا ذبائح الهدي والضحايا أيام التشريق، واعترضوا على تحريم الميتة وقالوا كيف تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح الله بيمينه وقوله تعالى لرسوله: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي أعرض عن هذا الجدل الفارغ وادع إلى توحيد ربك وعبادته {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} أي طريق قاصد هاد إلى الإِسعاد والاكمال وهو الإِسلام وقوله: {وَإِن جَادَلُوكَ} في بيان بعض المناسك والنسك فاتركهم فإنهم جهلة لا يعلمون وقل: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي وسيجزيكم بذلك حسنة وسيئة {ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي يقضي بينكم أيها المشركون فيما كنتم فيه تختلفون وعندها تعرفون المحق من المبطل منا وذلك يوم القيامة. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} بلى إن الله يعلم كل ما في السماوات والأرض من جليل ودقيق وجليّ وخفي وكيف لا وهو اللطيف الخبير. {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} وهو اللوح المحفوظ فكيف يجهل أو ينسى، و {إِنَّ ذٰلِكَ} أي كتبه وحفظه في كتاب المقادير {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي هين سهل، لأنه تعالى على كل شيء قدير. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع [67، 68، 69، 70] وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي ويعبد أولئك المشركون المجادلون في بعض المناسك أصناماً لم ينزل الله تعالى في جواز عبادتها حُجَّة ولا برهاناً بل ما هو إلا إفك افتروه، ليس لهم به علم ولا لآبائهم، وسوف يحاسبون على هذا الإِفك ويجزون به في ساعة لا يجدون فيها ولياً ولا نصيراً إذ هم ظالمون بشركهم بالله آلهة مفتراة ويوم القيامة ما للظالمين من نصير. هذا ما دلت عليه الآية [71] وأما قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يخبر تعالى عن أولئك المشركين المجادلين بالباطل أنهم إذا قرأ عليهم أحد المؤمنين آيات الله وهي بينات في مدلولها تهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم {تَعْرِفُ} يا رسولنا {فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ} أي تتغيّر وجوههم ويظهر عليها الإِنكار على التالي عليهم الآيات {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} أي يبطشون ويقعون بمن يتلون عليهم آيات الله لهدايتهم وصلاحهم. وقوله تعالى: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ} أي قل لهم يا رسولنا أفأنبكم بشر من ذلك الذي تكرهون وهو من يتلون عليكم آيات الله أنه النار التي وعدها الله الذين كفروا أي من أمثالكم، وبئس المصير تصيرون إليه النار إن لم تتوبوا من شرككم وكفركم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير حقيقة وهي أن كل أمة من الأمم بعث الله فيها رسولاً وشرع لها عبادات تعبده بها. 2- استحسان ترك الجدال في البديهيات والإِعراض عن ما فيها. 3- تقرير علم الله تعالى بكل خفي وجلي وصغير وكبير في السماوات والأرض. 4- تقرير عقيدة القضاء والقدر بتقرير الكتاب الحاوي لذلك وهو اللوح المحفوظ. 5- بيان شدة بغض المشركين للموحدين إذا دعوهم إلى التوحيد وذكروهم بالآيات. 6- مشروعية إغاظة الظالم بما يغيظه من القول الحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ} (67) - وَلَقَدْ جَعَلْنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ، مِنَ الأُمَمِ ذَاتِ الشَّرائعِ السَّابِقَةِ، شَرْعاً وَمِنْهاجاً (مَنْسَكاً)، يَسِيرونَ عَليه، وَيَعْمَلُونَ بِهِ وَيَعْبُدُونَ اللهَ وَفْقَهُ إِلى أَنْ يَنْسَخَهُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، فَقَدْ جَعَل اللهُ التَّورَاةَ شَرِيعةً لِلْيَهُودِ حَتَّى مَبْعَثِ عِيسَى عَلَيِهِ السَّلامُ، وَجَعَلَ الإِنْجِيلَ شِرْعَةً للنَّصَارَى حَتَّى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، وَجَعَلَ القُرآنَ شِرْعَةً لِلْمُسْلِمينَ لأنَّه نَسَخَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الشَّرائِع، فَلاَ تَتْرُكْ يَا مُحمَّدُ هؤُلاءِ المُتَمَسِّكِينَ بِالشَّرائِعِ المَنْسُوخَةِ يَصْرِفُوكَ، بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، عَنِ الحَقِّ الذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، وَتَابعْ طَرِيقَكَ، وَأدِّ مَهَمَّتَكَ فِي إِبلاغِ الدَّعْوةِ للنَّاسِ فَإِنَّكَ عَلَى طَرِيقِ الهُدَى المُسْتَقِيمِ الوَاضِحِ. مَنْسَكاً - شَرِيعَةً خَاصَّةً أَوْ نُسْكاً وِعِبَادَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - خلق آدم عليه السلام خليفة له في الأرض، وأجرى له تدريباً على مهمته بالأمر الإلهي والنهي الإلهي، وأخبره بعداوة الشيطان له ولذريته، وحذَّره أن يتبع خطواته، وقد انتهت هذه التجربة بنزول آدم من الجنة إلى الأرض ليباشر مهمته كخليفة لله في أرضه على أنْ يظلَّ على ذِكْر من تجربته مع الشيطان. وقد سخَّر الله له كل شيء في الوجود يخدمه ويعمل من أجله. ثم أنزل الله عليه منهجاً، يعمل به لتستقيم حركة حياته وحياة ذريته، وذكَّره بالمنهج التدريبي السابق الذي كلَّفه به في الجنة، وما حدث له لما خالف منهج ربه، حيث ظهرت عورته: {أية : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ..} تفسير : [الأعراف: 22]. كذلك إنْ خالفت هذا المنهج الإلهي في الدنيا ستظهر عوراتكم لذلك إذا رأيت أيّ عورة في المجتمع في أيّ ناحية: في الاجتماع، في الاقتصاد، في التربية، فاعلم أن حكماً من أحكام الله قد عُطِّل، فظهرت سوأة من سوءات المجتمع؛ لأن منهج الله هو قانون الصيانة الذي يحميك وينظم حياتك لتؤدي مهمتك في الحياة. كما لو دخلتَ بيتك فوجدتَ آلة من آلات البيت لا تؤدي مهمتها، فتعلم أن بها عطلاً فتذهب بها إلى المهندس المختص بصيانتها، كذلك إن تعطل في حياتكم شيء عن أداء مهمته فردُّوه إلى صاحب صيانته إلى الله وإلى الرسول، وهذا منطق حازم يعترف به الجميع المؤمن والكافر أن ترد الصنعة إلى صانعها، وإلى العالِم بقانون صيانتها، وأنت لم يدّع أحد أنه خلقك، فحين يحدث فيك خَلَل، فعليك أنْ تذهبَ إلى ربك وخالقك. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة، ومعنى "حزبه أمر" يعني: شيء فوق طاقته وأسبابه، يُهرَع إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه عز وجل، فإنْ وجدتَ في نفسك خللاً في أي ناحية، فما عليك إلا أنْ تتوضأ، وتقف بين يدي ربك ليصلح ما تعطل فيك. وإن كان المهندس يُصلح لك الآلة بشيء مادي، ولو قطعة صغيرة من السلك، فإن ربك عز وجل غَيْب، وعلاجه أيضاً غَيْب يأتيك من حيث لا تدري. ومنهج الله الذي وضعه لصيانة خَلْقه فيه أصول وفيه فروع، الأصول: أن تؤمن بالإله الواحد الفاعل المختار، وهذه قاعدة ما اختلف عليها أيٌّ من رسالات السماء أبداً، كما يقول تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ..} تفسير : [الشورى: 13]. فهذه أصول لا يختلف عليها دين من الأديان، لكن لما كان الناس منثورين في شتى بقاع الأرض، تعيش كل جماعة منهم منعزلةً عن الأخرى لبُعْد المسافات وانعدام وسائل الاتصال والالتقاء التي نراها اليوم، والتي جعلتْ العالم كله قرية واحدة، ما يحدث في أقصى الشرق تراه وتسمع به في أقصى الغرب، وفي نفس الوقت. لما عاش الناس هذه العزلة لا يدري أحد بأحد لدرجة أنهم كانوا منذ مائتي عام يكتشفون قارات جديدة. وقد نشأ عن هذه العزلة أنْ تعددت الداءات بتعدد الجماعات، فكان الرسول أو النبي يأتي ليعالج الداءات في جماعة بعينها يُبعَث إلى قومه خاصة، فهذا ليعالج مسألة الكيل والميزان، وهذا ليعالج طغيان المال، وهذا ليعالج انحراف الطباع وشذوذها، وهذا ليعالج التعصب القبلي. أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت في بداية التقاء الجماعات هنا وهناك، فكانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة للناس كافة، وتجد أصول الرسالات عند موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أصولاً واحدة، أمّا الفروع فتختلف باختلاف البيئات. لكن، لما كان في علمه تعالى أن هذه العزلة ستنتهي، وأن هذه البيئات ستجتمع وتلتقي على أمر واحد وستتحد فيها الداءات؛ لذلك أرسل الرسول الخاتم لهم جميعاً على امتداد الزمان والمكان. وفي هذه الآية: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ ..} [الحج: 67] أي: أن الحق سبحانه جعل لكل أمة من الأمم التي بعث فيها الرسل مناسك تناسب أقضية زمانهم؛ لأنهم كانوا في عزلة بعضهم عن بعض، كما جاء في قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ..} تفسير : [المائدة: 48]. فالشرائع تختلف في الفروع المناسبة للزمان وللمكان وللبيئة، أما الأخلاق والعقائد فهي واحدة، فالله عز وجل إله واحد في كل ديانات السماء، والكذب مُحرَّم في كل ديانات السماء لم يأْتِ نبي من الأنبياء ليبيح لقومه الكذب. والمنسك: المنهج التعبدي، ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 162]. {أية : هُمْ نَاسِكُوهُ ..} تفسير : [الحج: 67] يعني: فاعلوه. ثم يقول سبحانه: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ ..} [الحج: 67] كأنْ يقولوا: أنت رسول ونحن أيضاً نتبع رسولاً، له منهج وله شريعة، نعم: لكن هذه شريعة خاتمة جاءت مهيمنة على كل الشرائع قبلها، ومناسبة لمستجدّات الأمور. لذلك يُطمئن الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - بعدها: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] يعني: اطمئن، فأنت على الحق وادْعُ إلى ربك؛ لأنك على هدى مستقيم سيصل إليهم إنْ لم يكن إيماناً فسيكون إصلاحاً وتقنيناً بشرياً تلجئهم إليه أحداث الحياة ومشاكلها، فلن يجدوا أفضل من شرع الله يحكمون به، وإنْ لم يؤمنوا. وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تنازعهم ولا ينازعونك، وخُذ ما أمرك الله به: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الحجر: 94] الذين يجادلونك وينازعونك في الرسالة، وسوف تحدث لهم أقضية بقدر ما يُحدِثون من الفجور ويلجئون إلى شرعك وقانونك ليحلوا به مشاكلهم. والهدى وُصِف بأنه مستقيم، لأنه هدى من الله صنعه لك، هدى الخالق الذي يعلم ملَكات النفس الإنسانية كلها، وشرع لكل ملكة ما يناسبها، وأحداث الحياة ستضطرهم إلى ما قنن الله لخلافته في الأرض. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} [الآية: 67] /48 و/ قال: يعني به الدماءَ، دماءَ الهدي. أَنا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} [الآية: 72]. يعني: يتسطون. يعني به كفار قريش. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ}. يقول: الله سماكم المسلمين {مِن قَبْلُ}. يعني: من قبل الكتب كلها، ومن قبل الذكر. {وَفِي هَـٰذَا}. يعني القرآن [الآية: 78].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه جعل لكل أمة { مَنْسَكًا } أي: معبدا وعبادة، قد تختلف في بعض الأمور، مع اتفاقها على العدل والحكمة، كما قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } تفسير : الآية، { هُمْ نَاسِكُوهُ } أي: عاملون عليه، بحسب أحوالهم، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع، خصوصا من الأميين، أهل الشرك والجهل المبين، فإنه إذا ثبتت رسالة الرسول بأدلتها، وجب أن يتلقى جميع ما جاء به بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض، ولهذا قال: { فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ } أي: لا ينازعك المكذبون لك، ويعترضون على بعض ما جئتهم به، بعقولهم الفاسدة، مثل منازعتهم في حل الميتة، بقياسهم الفاسد، يقولون: " تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله " وكقولهم { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } ونحو ذلك من اعتراضاتهم، التي لا يلزم الجواب عن أعيانها، وهم منكرون لأصل الرسالة، وليس فيها مجادلة ومحاجة بانفرادها، بل لكل مقام مقال، فصاحب هذا الاعتراض، المنكر لرسالة الرسول، إذا زعم أنه يجادل ليسترشد، يقال له: الكلام معك في إثبات الرسالة وعدمها، وإلا فالاقتصار على هذه، دليل أن مقصوده التعنت والتعجيز، ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويمضي على ذلك، سواء اعترض المعترضون أم لا وأنه لا ينبغي أن يثنيك عن الدعوة شيء، لأنك {أية : على هُدًى مُسْتَقِيمٍ } تفسير : أي: معتدل موصل للمقصود، متضمن علم الحق والعمل به، فأنت على ثقة من أمرك، ويقين من دينك، فيوجب ذلك لك الصلابة والمضي لما أمرك به ربك، ولست على أمر مشكوك فيه، أو حديث مفترى، فتقف مع الناس ومع أهوائهم، وآرائهم، ويوقفك اعتراضهم، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } تفسير : مع أن في قوله: { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ } إرشاد لأجوبة المعترضين على جزئيات الشرع، بالعقل الصحيح، فإن الهدى وصف لكل ما جاء به الرسول، والهدى: ما تحصل به الهداية، من مسائل الأصول والفروع، وهي المسائل التي يعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة السليمة، وهذا يعرف بتدبر تفاصيل المأمورات والمنهيات. ولهذا أمره الله بالعدول عن جدالهم في هذه الحالة، فقال: { وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي: هو عالم بمقاصدكم ونياتكم، فمجازيكم عليها في يوم القيامة الذي يحكم الله بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، فمن وافق الصراط المستقيم، فهو من أهل النعيم، ومن زاغ عنه، فهو من أهل الجحيم، ومن تمام حكمه، أن يكون حكما بعلم، فلذلك ذكر إحاطة علمه، وإحاطة كتابه فقال: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ } لا يخفى عليه منها خافية، من ظواهر الأمور وبواطنها، خفيها وجليها، متقدمها ومتأخرها، أن ذلك العلم المحيط بما في السماء والأرض قد أثبته الله في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، حين خلق الله القلم، قال له: حديث : " اكتب " قال: ما أكتب؟ قال: " اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" . تفسير : { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } وإن كان تصوره عندكم لا يحاط به، فالله تعالى يسير عليه أن يحيط علما بجميع الأشياء، وأن يكتب ذلك في كتاب مطابق للواقع.
همام الصنعاني
تفسير : 1949- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}: [الآية: 67]، قال ذبحاً وحجّاً قال: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} فلا (يتخالجُنَّكَ).
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):