Verse. 2665 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

اَلَمْ تَعْلَمْ اَنَّ اللہَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاۗءِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكَ فِيْ كِتٰبٍ۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكَ عَلَي اللہِ يَسِيْرٌ۝۷۰
Alam taAAlam anna Allaha yaAAlamu ma fee alssamai waalardi inna thalika fee kitabin inna thalika AAala Allahi yaseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تعلم» الاستفهام فيه للتقرير «أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك» أي ما ذكر «في كتاب» هو اللوح المحفوظ «إن ذلك» أي علم ما ذكر «على الله يسير» سهل.

70

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { أية : ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الحج: 69] أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى. المسألة الثانية: الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلاً على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك. فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير. أما قوله: {إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ } ففيه قولان: أحدهما: وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله: {إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ } أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى. فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول: أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني: أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات. أما قوله: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه، ووضوح دلائله. فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً، وإن لم يعلم كونه كافراً، ويدل أيضاً على فساد التقليد. أما قوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } ففيه وجهان: أحدهما: أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني: ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم. أما قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب، قال صاحب «الكشاف» المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله، وللمفسرين في المنكر عبارات: أحدها: قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التجبر والترفع وثالثها: قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى. أما قوله تعالى: {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ } فقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والوثوب، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } قال صاحب «الكشاف» قوله: {مِّن ذٰلِكُمُ } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم، فقوله: {مِّن ذٰلِكُمُ } فيه وجهان: أحدهما: المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني: أن يكون المراد بشر من ذلكم ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها، وأما {ٱلنَّارِ } فقال صاحب «الكشاف» قرىء {ٱلنَّار } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً يقول ما شر من ذلك؟ فقيل النار أي هو النار. وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر. ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير، قال صاحب «الكشاف» {وَعَدَهَا ٱللَّهُ } استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و وَعَدَهَا خبراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي وإذ قد علمت يا محمد هذا وأيقنت فاعلم أنه يعلم أيضاً ما أنتم مختلفون فيه فهو يحكم بينكم. وقد قيل: إنه استفهام تقرير للغير. {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} أي كلّ ما يجري في العالَم فهو مكتوب عند الله في أم الكتاب. {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي إن الفصل بين المختلفين على الله يسير. وقيل: المعنى إن كتاب القلم الذي أمره أن يكتب ما هو كائِن إلى يوم القيامة على الله يسير.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } فلا يخفى عليه شيء. {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَـٰبٍ } هو اللوح كتبه فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له. {إِنَّ ذٰلِكَ } إن الإِحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ، أو الحكم بينكم. {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء، و لا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» تفسير : وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق، وهو على العرش تبارك وتعالى: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضاً، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علماً، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ } الاستفهام فيه للتقرير {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ } أي ما ذكر {فِى كِتَٰبِ } هو اللوح المحفوظ {إِنَّ ذٰلِكَ } أي علم ما ذكر {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } سَهْل.

ابن عطية

تفسير : لما أخبر تعالى في الآية قبلها أنه يحكم بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه أتبع ذلك الخبر بأن عنده علم كل شيء ليقع الحكم في معلوم، فخرجت العبارة على طريق التنبيه على علم الله تعالى وإحاطته و {إن ذلك} كله {في كتاب} وهو اللوح المحفوظ وقوله: {إن ذلك على الله يسير}، يحتمل أَن تكون الإشارة إلى كون ذلك في كتاب وكونه معلوماً، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الحكم في الاختلاف. ثم ذكر تعالى على جهة التوبيخ فعل الكفرة في أنهم {يعبدون} من الأصنام {من دون الله ما لم ينزل} الله فيه حجة ولا برهاناً. و"السلطان"، الحجة حيث وقع في القرآن، وقوله {وما للظالمين من نصير}، توعد، والضمير في {عليهم} عائد على كفار قريش، والمعنى أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي عليه السلام أو من أحد من أصحابه وسمعوا ما فيه من رفض آلهتهم والدعاء إلى التوحيد عرفت المساءة في وجوههم والمنكر من معتقدهم وعداوتهم وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتالي، والمعنى أنهم {يكادون يسطون} دهرهم أجمع، وأما في الشاذ من الأوقات فقد سطا بالتالين نحو ما فعل بعبد الله بن مسعود وبالنبي عليه السلام حين أغاثه، وحل الأمر أبو بكر، وبعمر حين أجاره العاصي ابن وائل وأبي ذر وغير ذلك، والسطو إيقاع بمباطشة أو أمر بها، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع {أأنبئكم} أي أخبركم {بشر من ذلكم} والإشارة بـ {ذلكم} إلى السطو ثم ابتدأ ينبىء كأن قائلاً قال له وما هو قال {النار} أي نار جهنم، وقوله {وعدها الله الذين كفروا}، يحتمل أن يكون أراد أن الله تعالى وعدهم بالنار فيكون الوعد في الشر ونحو ذلك لما نص عليه، ولم يجىء مطلقاً، ويحتمل أن يكون أراد أن الله تعالى وعد النار بأن يطعمها الكفار فيكون الوعد على بابه إذ الذي يقتضيه تسرعها إلى الكفار وقولها هل من مزيد ونحوه أن ذلك من مسارها، و {المصير} مفعل من صار إذا تحول من حال إلى حال ع، ويقتضي كلام الطبري في هذه الآية أن الإشارة بـ {بذلكم} هي إلى أصحاب محمد التالين ثم قال: ألا أخبركم بأكره إليكم من هؤلاء أنتم الذين وعدتم النار وأسند نحو هذا القول إلى قائل لم يسمه وهذا كله ضعيف.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لما قال: {أية : ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الحج: 69] أتبعه بما به يعلم أنه تعالى عالم بما يستحقه كل أحد، ويقع الحكم بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، وهذا استفهام معناه تقوية قلب الرسول - عليه السلام - والوعد له وإيعاد الكافرين بأن أفعالهم كلها محفوظة عند الله لا يضل عنه ولا ينسى. والخطاب مع الرسول والمراد سائر العباد لأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات، إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ لا يكون إظهار المعجزة دليلاً على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك، فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير ثم قال: {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} أي: كله في كتاب يعني اللوح المحفوظ. وقال أبو مسلم: معنى الكتاب الحِفْظ والضَّبْط والشَّد، يقال: كَتَبْتُ المزادة أكْتُبُها إذا خَرزْتها، فحفظت بذلك ما فيها، ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد بالآية أنه محفوظ عنده. وأيضاً فالقول الأول يوهم أن علمه مستفاد من الكتاب. وأجيب بأن هذا القول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن حمل اللفظ على المتعارف أولى، ومعلوم أن الكتاب هو ما كتب فيه الأمور. فإن قيل: أي فائدة في ذلك الكتاب إذا كان محفوظاً؟ فالجواب أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات دليل على أنه تعالى غني في علمه عن ذلك الكتاب. وفائدة أن الملائكة ينظرون فيه، ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فيصير ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات وقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي العلم بجميع ذلك على الله يسير. والمعنى: إن ذلك مما يتعذر على الخلق لكنه متى أراده الله تعالى كان، فعبر عن ذلك بأنه يسير، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك. ثم إنه تعالى بين ما يقدم الكفار عليه مع عظم نعمه ووضوح دلائله فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجة {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي: عن جهل، وليس لهم به دليل عقلي فهو تقليد وجهل، والقول الذي هذا شأنه يكون باطلاً. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي وما للمشركين من نصير مانع يمنعهم من عذاب الله. قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} يعني القرآن "بَيِّنَاتٍ" لأنه متضمن للدلائل العقلية وبيان الأحكام. وقوله: "تَعْرِفُ" العامة على "تعرف" خطاباً مبنياً للفاعل، "المُنْكَر" مفعول به. وعيسى بن عمر "يُعْرَف" بالياء من تحت مبنياً للمفعول، "المنكر" مرفوع قائم مقامل الفاعل، والمنكر اسم مصدر بمعنى الإنكار. وقوله: "الَّذِينَ كَفَرُوا" من إقامة الظاهر مقام المضمر للشهادة عليهم بذلك، قال الكلبي: تَعْرِف في وجوههم الكراهية للقرآن. وقال ابن عباس: التجبر والترفع. وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله. قوله: "يَكَادُونَ يَسْطُونَ" هذه حال إما من الموصول، وإن كان مضافاً إليه لأن المضاف جزؤه وإما من الوجوه لأنها يُعَبَّرُ بها عن أصحابها كقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} تفسير : [عبس: 40] ثم قال: "أُولَئِكَ هُم". و"يَسْطُونَ" ضُمن معنى يبطشون فتعدى تعديته، وإلا فهو متعدّ بـ (على). يقال: سطا عليه، وأصله القهر والغلبة، وقيل: إظهار ما يهول للإخافة، ولفلان سطوة أي تسلط وقهر. وقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا به. أي: يكادون يبطشون {بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من شدة الغيظ، يقال: سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ} أي بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون. أو من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم. قوله: "النار" تقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: أحدهما: الرفع على الابتداء والخبر الجملة من "وعَدَهَا اللَّهُ"، والجملة لا محل لها فإنها مفسرة للشر المتقدم كأنه قيل: ما شر من ذلك؟ (فقيل: النار وعدها الله. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل: ما شر من ذلك) فقيل: النار أي: هو النار وحينئذ يجوز في "وَعَدَهَا اللَّهُ" الرفع على كونها خبراً بعد خبر، وأجيز أن يكون بدلاً من النار. وفيه نظر من حيث إن المبدل منه مفرد، وقد يجاب عنه بأن الجملة في تأويل مفرد، ويكون بدل اشتمال، كأنه قيل: النار وعدها الله الكفار. وأجيز أن تكون مستأنفة لا محل لها. ولا يجوز أن تكون حالاً، قال أبو البقاء لأنه ليس في الجملة ما يصلح أن يعمل في الحال. وظاهر نقل أبي حيان عن الزمخشري أنه يجيز كونها حالاً فقال: وأجاز الزمخشري أن تكون "النَّارُ" مبتدأ و"وَعَدَها" خبر، وأن تكون حالاً على الإعراب الأول انتهى. والإعراب الأول هو كون "النار" خبر مبتدأ مضمر. والزمخشري لم يجعلها حالاً إلا إذا نصبت "النار" أو جررتها بإضمار قد. هذا نصه وإنما منع ذلك لما تقدم من قول أبي البقاء، وهو عدم العامل. وأما النصب فهو قراءة زيد بن علي وابن أبي عبلة. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الفعل الظاهر، والمسألة من الاشتغال. الثاني: قال الزمخشري: إنها منصوبة على الاختصاص. الثالث: أن ينتصب بإضمار أعني، وهو قريب مما قبله أو هو هو. وأما الجر فهو قراءة ابن إبي إسحاق وإبراهيم بن نوح، على البدل من "شَرّ" والضمير في "وَعَدَهَا" قال أبو حيان: الظاهر أنه هو المفعول الأول، على أنه تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]، ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني و"الَّذِينَ كَفَرُوا" هو المفعول الأول، كما قال: {أية : وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} تفسير : [التوبة: 68]. قال شهاب الدين: وينبغي أن يتعين هذا الثاني، لأنه متى اجتمع بعد ما يتعدى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول، ونعني بالفاعل المعنوي من يتأتى منه فعل، فإذا قلت: وعدت زيداً ديناراً. فالدينار هو المفعول، لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير أعطيت زيداً درهماً. فزيد هو الفاعل، لأنه آخذ للدرهم. وقوله: "وَبِئْسَ المَصِير" المخصوص بالذم محذوف تقديره: وبئس المصير هي النار. فصل والمعنى: أن الذي ينالكم من النار أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب والغم، وهي النار وعدها الله الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وبئس المصير هي.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال‏:‏ للقلم - قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش - اكتب قال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم ‏{ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض‏}‏ يعني ما في السموات السبع والأرضين السبع ‏ {‏إن ذلك‏} ‏ العلم ‏ {‏في كتاب‏} ‏ يعني في اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلق السموات والأرضين ‏{إن ذلك على الله يسير‏} ‏ يعني هين‏. وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سيفتح الله على أمتي باباً من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء، ويكفيكم من ذلك أن تقولوا‏:‏ ‏{‏ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير‏}‏ ‏". تفسير : وأخرج اللالكائي في السنة من طريق آخر، عن سليمان بن جعفر القرشي مرفوعاً مثله مرسلا‏ً.

القشيري

تفسير : يعلم السِّرَّ والنجوى، وما تكون حاجةُ العبدِ له أَمَسَّ وأقوى، وبكلِّ وجهٍ هو بالعبد أَوْلى، وله أن يحمل له النُّعْمى، ويزيل عنه البَلْوى، ولا يسمع منه الشكوى، فله الحُكْمُ تبارك وتعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير اى قد علمت {ان الله يعلم مافى السماء والارض} فلا يخفى عليه شىء من الاشياء التى من جملتها ما يقول الكفرة وما يعملونه {ان ذلك} اى مافى السماء والارض {فى كتاب} هو اللوح قد كتب فيه قبل حدوثه فلا يهمنك امرهم مع علمنا به وحفظنا له {ان ذلك} اى ما ذكر من العلم والاحاطة به واثباته فى اللوح {على الله يسير} سهل: وبالفارسية [آسانست] فان علمه وقدرته مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شىء ولا يعسر عليه مقدور. وفى الآيات اشارات، منها ان لكل فريق من الطلاب شرعة هم واردوها ولكل قوم طريقة هم سالكوها ومقاماهم سكانه ومحلاهم قطانه ربط كل جماعة بما اهلهم واوصل كل ذوى رتبة الى ما جعله محلهم فبساط التعبد موطوء باقدام العابدين ومشاهد الاجتهاد معمورة باصحاب الكلف من المجتهدين ومجالس اصحاب المعارف مأنوسة بلوازم العارفين ومنازل المحبين مأهولة بحضور الواجدين ولتفاوت مقامات السلوك والموصول تفاوتت الدعوة الى الله تعالى فمنهم من يدعو الخلق من باب الفناء فى حقيقة العبودية وهو قوله تعالى {أية : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا}تفسير : ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة العبودية وهو الذلة والافتقار وما يقتضيه مقام العبودية ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الاخلاق الرحمانية ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الاخلاق بالقهرية ومنهم من يدعوهم من باب الاخلاق الالهية وهو ارفع باب واجله وقد قالوا الطرق الى الله بعدد أنفاس الخلائق وبعدد الانفاس الالهية فان الشؤون المتجددة من الله تعالى فى كل مظهر انفاس الالهية، ومنها ان اهل المجادلة هم اهل التابى والانكار والاعتراض والله اعلم باحوالهم ويحكم يوم القيامة بين كل فريق بما يناسب حاله اما الاجانب فيقول لهم {أية : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}تفسير : واما الاولياء فقوم منهم يحاسبهم حسابا يسيرا وصنف منهم يؤتون اجورهم بغير حساب واما الاحباب فيقعدون فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومنها ان السماء سماء القلب وفيه نور اليقين والصدق والاخلاص والمحبة والارض ارض البشرية والنفس الامارة وفيها ظلمة الشك والكذب والشرك وحرص الدنيا فيزيل الله عن ارباب القلوب البلوى ويجمل لهم النعمى وتنزل بارباب النفوس البلوى ولا يسمع منهم الشكوى ان ذلك فى كتاب مكتوب بقلم التقدير فى القدم كما قال الشيخ سعدى شعر : كرت صورت خال بد يانكوست نكاريده دست تقدير اوست تفسير : ان ذلك على الله يسير مجازاتهم على وفق التقدير سهلة على الله تعالى ولكن ليعرف المؤمن ان كلا ميسر او مهيأ لما خلق له فمن وفق للعلم والعمل كان ذلك علامة للسعادة العظمى ومن ابتلى بالجهل والكسل كان ذلك امارة للشقاوة الكبرى فلم يبق الا التسليم للاحكام الالهية والاجتهاد فى طريق الحق بالشريعة والطريقة الى ان يحصل الوصول الى المعرفة والحقيقة واما قوله شعر : قضا كشتى انجا كه خواهد برد وكر ناخدا جامه برتن درد تفسير : فناظر الى عالم القضاء والعبد اعمى عنه وليس له التفحص عن ذلك والله تعالى يقول الحق وهو يهدى السبيل

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ} من جملة ما امر الرّسول (ص) ان يقوله لهم، او ابتداء كلامٍ من الله معهم والخطاب عامّ او خاصّ بالرّسول (ص) {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} فيعلم اختلافكم فيحكم بينكم {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} تأكيدٌ لعلمه تعالى او تعليلٌ له {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} جواب سؤالٍ عن حاله تعالى او عن علّة ثبته ذلك فى الكتاب.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمآءِ وَالأَرْضِِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} في اللوح المحفوظ قبل حدوثه فلا تهتم بما فعلوا فقد حفظناه فنجازيهم {إِنَّ ذَلِكَ} علم ما ذكر مع كثرته أو اثباته في اللوح قبل حدوثه والحكم بينكم أو ذلك المذكور كله {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} سهل لان علمه ذاتي لا يحل فيه من خارج فيحتاج لتذكر ودرس ويتصعب بكثرة المعلومات ما حاشاه فعلمه للمعلومات على حد سواء.

اطفيش

تفسير : {ألَم تَعْلم أنّ الله يعْلمُ ما فى السَّماءِ والأرْض} جنسهما من الأجسام والأعراض، كأقوال الكفرة وأفعالهم، واعتقادهم، {إنَّ ذلك} إن ما فى السَّماوات والأرضين {فى كتاب} اللوح المحفوظ طوله ألف عام كتب فيهما هو كائن فلا يهمك أمر الكفرة فيعاقبهم، ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد بالكتاب الضبط {إنّ ذلك} المذكور من علم ما فى السماء والأرض، وكونه فى كتاب والحكم {على الله يَسيرٌ} لأنّ قدرته ذاتية لا بعلاج، وقدم الجار والمجرور للفاصلة لا للحصر لأنه لا مدعى أن غيره يقدر على شىء من ذلك، اللهم إلا على مجرد المدح.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ} استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام للتقرير أي قد علمت {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} فلا يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها أقوال الكفرة وأعمالهم {إِنَّ ذٰلِكَ} أي ما في السماء والأرض {فِى كِتَـٰبِ } هو كما روي عن ابن عباس اللوح المحفوظ، وذكر رضي الله تعالى عنه أن طوله مسيرة مائة عام وأنه كتب فيه ما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم القيامة، وأنكر ذلك أبو مسلم وقال: المراد من الكتاب الحفظ والضبط أي أن ذلك محفوظ عنده تعالى، والجمهور على خلافه، والمراد من الآية أيضاً تسليته عليه الصلاة والسلام كأنه قيل: إن الله يعلم الخ فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له {إِنَّ ذٰلِكَ} أي ما ذكر من العلم والإحاطة بما في السماء والأرض وكتبه في اللوح والحكم بينكم، وقيل {ذٰلِكَ} إشارة إلى الحكم فقط، وقيل إلى العلم فقط، وقيل إلى كتب ذلك في اللوح، ولعل كونه إشارة إلى الثلاثة بتأويل ما ذكر أولى {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} فإن علمه وقدرته جل جلاله مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا يعسر عليه مقدور، وتقديم الجار والمجرور لمناسبة رؤوس الآي أو للقصر أي يسير عليه جل وعلا لا على غيره.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لزيادة تحقيق التأييد الذي تضمنه قوله {أية : الله يحكم بينكم يوم القيامة}تفسير : [الحج: 69]، أي فهو لا يفوته شيء من أعمالكم فيجازي كلاً على حساب عمله، فالكلام كناية عن جزاء كل بما يليق به. و{ما في السماء والأرض} يشمل ما يعمله المشركون وما كانوا يخالفون فيه. والاستفهام إنكاري أو تقريري، أي أنك تعلم ذلك، وهذا الكلام كناية عن التسلية أي فلا تضق صدراً مما تلاقيه منهم. وجملة {إن ذلك في كتاب} بيان للجملة قبلها، أي يعلم ما في السماء والأرض علماً مفصلاً لا يختلف، لأنّ شأن الكتاب أن لا تتطرق إليه الزيادة والنُقصان. واسم الإشارة إلى العمل في قوله {الله أعلم بما تعملون} أو إلى (مَا) في قوله: {أية : ما كنتم فيه تختلفون} تفسير : [الحج: 69]. والكتاب هو ما به حفظ جميع الأعمال: إما على تشبيه تمام الحفظ بالكتابة، وإما على الحقيقة، وهو جائز أن يجعل الله لذلك كتاباً لائقاً بالمغيبات. وجملة {إن ذلك على الله يسير} بيان لمضمون الاستفهام من الكتابة عن الجزاء. واسم الإشارة عائد إلى مضمون الاستفهام من الكناية فتأويله بالمذكور. ولك أن تجعلها بياناً لجملة {يعلم ما في السماء والأرض} واسم الإشارة عائد إلى العلم المأخوذ من فعل {يعلم}، أي أن علم الله بما في السماء والأرض لله حاصل دون اكتساب، لأن علمه ذاتي لا يحتاج إلى مطالعة وبحث. وتقديم المجرور على متعلّقه وهو {يسير} للاهتمام بذكره للدلالة على إمكانة في جانب علم الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {ألم تعلم أنَّ الله يعلم ما في السماء والأرض إنَّ ذلك} كلَّه {في كتاب} يعني: اللَّوح المحفوظ {إن ذلك} يعني: علمه بجميع ذلك {على الله يسير}. {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به} بعبادته {سلطاناً} حجَّةً وبرهاناً {وما ليس لهم به علم} لم يأتهم به كتابٌ ولا نبيٌّ {وما للظالمين} المشركين {من نصير} مانعٍ من عذاب الله تعالى. {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} يعني: القرآن {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} الإِنكار بالعبوس والكراهة {يكادون يسطون} يقعون ويبطشون {بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم} بِشَرٍ لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون {النار} أَيْ: هي النَّار. {يا أيها الناس} يعني: يا أهل مكَّة {ضرب مثل} بُيِّن لكم ولمعبودكم شَبَهٌ {فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله} من الأصنام {لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا} كلُّهم لخلقه {وإن يسلبهم الذباب شيئاً} ممَّا عليهم من الطَّيب {لا يستنقذوه منه} لا يستردُّوه منه لعجزهم {ضعف الطالبُ والمطلوب} يعني: العابد والمعبود، والطَّالب: الذُّباب يطلب من الصَّنم ما لطِّخ به من الزَّعفران والطِّيب، وهو مَثَلٌ لعابده يطلب منه الشَّفاعة والنُّصرة، والمطلوب: الصنم. {ما قدروا الله حق قدره} ما عظَّموه حقَّ تعظيمه إذ أشركوا به ما لا يمتنع من الذُّباب ولا ينتصر منه. {الله يصطفي من الملائكة رسلاً} مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السَّلام {ومن الناس} يعني: النبيِّين عليهم السَّلام {إنَّ الله سميع} لقول عباده {بصير} بمَنْ يختاره. {يعلم ما بين أيديهم} ما عملوه {وما خلفهم} وما هم عاملون ممَّا لم يعلموه.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٍ} (70) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَظَرَ النَّاسِ، إِلَى أَنَّهُ هُوَ الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ، وَخَلَقَ جَمِيعَ مَا فِيهِما مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَهُوَ عَالِمٌ بِحَالِ كُلِّ مَخْلُوقٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَقَدْ سَطَّرَ كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لَدَيْهِ (اللوحِ المَحْفُوظِ أو أُمِّ الكِتَابِ) ولَيْسَ ذَلِكَ صَعْباً عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وهِيَ قُدْرَةٌ لاَ حُدُودَ لَهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه قضية حكم بها الحق سبحانة لنفسه، ولم يدَّعِها أحد، فلا يعلم ما في السماء والأرض إلا الله، وهذه الآية جاءت بعد الحكم في المنازعة فربما اعترض أحد وقال: ما دام الأمر من الله أحكاماً تنظم حركة الحياة وقد جاء كل رسول بها، فما ضرورة أنْ يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة. وقلنا: إن الدين نوعان: نوع لا يختلف باختلاف الرسل والأمم والعصور، وهذا في القضايا العامة الشاملة التي لا تتغير، وهي العقائد والأصول والأخلاق، ونوع آخر يختلف باختلاف العصور والأمم، فيأتي الحكم مناسباً لكل عصر، ولكل أمة. وما دام الحق سبحانه هو الذي سيحكم بين الطرفين قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} [الحج: 70] أعلم كل شيء كائن في الوجود ظاهره وباطنه، فأنا أحكُم عن علم وعن خبرة. {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ ..} [الحج: 70] والعلم شيء، والكتاب شيء آخر، فما دام الله تعالى يعلم كل شيء، وما دام سبحانه لا يضل ولا ينسى، فما ضرورة الكتاب؟ قالوا: الكتاب يعني به اللوح المحفوظ الذي يحوي كل شيء. وفي آية أخرى قال: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ}تفسير : [عبس: 11-15]. حتى القرآن نفسه في ذلك الكتاب: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}تفسير : [البروج: 21-22]. وقال تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 39] ويقول تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. فضرورة الكتاب ليدلّك وليدلّ الملائكة المطَّلعين على أن الأشياء التي تحدث مستقبلاً كتبها الله أزلاً، فمجيئها في المستقبل على وَفْق ما كتبه دليل علمه سبحانه بها، فالذي كتب الشيء قبل أنْ يكون، ثم جاء الشيء موافقاً لما أكبر دليل على عِلْمه وإحاطته. إذن: مجيء الكتاب لا ليساعدنا على شيء، إنما ليكون حُجَّة عليك، فيقال لك: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14] ها هو تاريخك، وها هي قصتك، ليس كلاماً من عندنا، وإنما فعلْك والحجة عليك. وعِلْم الله تعالى في قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} [الحج: 70] يحمل الوعد والوعيد في وقت واحد، وهذا من عجائب الأداء القرآني، أنْ يعطي الشيء ونقيضه، كيف؟ هَبْ أن عندك ولديْن اعتدى أحدهما على الآخر في غَيبتك، فلما عُدْتَ أسرعا بالشكوى، كل من صاحبه، فقلتَ لهما: اسكتا لا أسمع لكما صوتاً. وقد عرفت ما حدث وسأرتب لكل منكما ما يناسبه وما يستحقه على وَفْق ما علمت، لا شكَّ عندها أن المظلوم سيفرح ويستبشر، وأن الظالم سيخاف ويتغير لونه. إذن: فعلم الله بكل شيء في السماء والأرض وإحاطته سبحانه بما يجري بين خَلْقه وَعْد للمحق، ووعيد للمبطل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ} [الحج: 70] أي: ما في سماء القلب من اليقين والصدق والإخلاص والمحبة {وَٱلأَرْضِ} [الحج: 70] أرض البشرية، والنفس الأمَّارة من الشك والكذب والشرك وحرص الدنيا؛ فيزيل عن أرباب القلوب البلوى، ويكمل لهم النعماء، وينزل بأرباب النفوس البلوى، ولا يسمع منهم الشكوى {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} [الحج: 70] مكتوب بقلم التقدير في القدم {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] أي: مجازاتهم على وفق التقدير سهل على الله. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} [الحج: 71] يشير إلى أن من كان من جملة خواصه أفرده ببرهان، وأيده ببيان، وأعزه بسلطان، ولأهل الخذلان لا بسلطان فيما عبدوه من أصناف الأوثان، ولا برهان على ما طلبوه {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71] أي: نصرة من الله تعالى بل خذلان {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [الحج: 72] من المعارف والحقائق {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ} [الحج: 72] أي: في وجوه المنكرين آثار إنكارهم، فإن وحشة ما يخامر في السرائر يلوح على الأسرة في الظاهر {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ} [الحج: 72] أي: بشر مما في قلوبكم من الإنكار {ٱلنَّارُ} [الحج: 72] وهي نار القطيعة والطرد الإبعاد {وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الحج: 72] أي: أنكروا {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الحج: 72] أي: المرجع والمآب. ثم أخبر عن مثل الذباب لأولي الألباب بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ} [الحج: 73] يشير إلى أن أهل النسيان في غفلة عن حقيقة الأمر بالعيان، فلا بدَّ من ضرب مثل؛ لعلهم ينتهون عن نومة الغفلة، فالخطاب للناس عهد الميثاق عام، وللمستمعين المستعدين؛ لإدراك فهم الخطاب ويتعظوا به. ثم بيَّن المعنى فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الحج: 73] آلهة، ويعبدون من أنواع الأصنام الظاهرة والباطنة {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} [الحج: 73] بل لا يطلعوا على كيفية خلق الذباب {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} [الحج: 73] أي: لذلك {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ} [الحج: 73] من الخواطر النفسانية والشيطانية {شَيْئاً} [الحج: 73] من صفات الوقت وجمعية القلب {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ} [الحج: 73] ليس في وسعهم استنقاؤه واستخلاصه منه من ذباب هواجس النفس ووساوس الشيطان {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ} [الحج: 73] وهو القلب إذ لم يكن مؤيداً بنور الإيمان {وَٱلْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] وهو النفس والشيطان، ومن كان بهذه الصفة فساء المثل مثلهم، فإنهم {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج: 74] أي: ما عرفوه حق معرفته؛ إذ عبدوا غيره ولم يتخلقوا بأخلاقه إذ هم مستعدون لذلك، مختصون لهذه الكرامة من الهدية كلها؛ ليكونوا خير البرية فصاروا شر البرية. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} [الحج: 74] على أن ينعم عليهم بنعمة هذه الكرامة لو رجعوا إليه وتركوا غيره {عَزِيزٌ} [الحج: 74] يعز من يشاء بنيل هذه الكرامة فيصطفي؛ أي: هو {ٱللَّهُ} [الحج: 74] الذي {يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [الحج: 75] بينه وبين العباد، لتربيتهم لأداء الرسالة إذ لم يكونوا بعد مستأهلين لسماع الخطب بلا واسطة فيربيهم بواسطة رسالة الملائكة {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} [الحج: 75] يعني: برسالة الأنبياء {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [الحج: 75] يسمع ضراعتهم في احتياج الوجود وهم في العدم {بَصِيرٌ} [الحج: 75] بمن يستحق وهو معدوم. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [الحج: 76] من قبول الدعوة وردها وما خلف الأنبياء يوم يسألهم ما أراد أجبتم {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [الحج: 76] من ابتداء إنشائها وانتهاء انقضائها.