٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ} يريد كفار قريش. {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة وبرهاناً. وقد تقدم في «آل عمران». {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
البيضاوي
تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً} حجة تدل على جواز عبادته. {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } حصل لهم من ضرورة العقل أو استدلاله. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ } وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم. {مِن نَّصِيرٍ } يقرر مذهبهم أو يدفع العذاب عنهم. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} من القرآن. {بَيّنَـٰتٍ } واضحات الدلالة على العقائد الحقية والأحكام الإِلهية. {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ } الانكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليداً، وهذا منتهى الجهالة وللإِشعار بذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير أو ما يقصدونه من الشر {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا} يثبون ويبطشون بهم. {قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ } من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم، أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم. {ٱلنَّارُ} أي هو النار كأنه جواب سائل قال: ما هو، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: {وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقرىء بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلاً من شر فتكون الجملة استئنافاً كما إذا رفعت خبراً أو حالاً منها. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } النار. { يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ } بين لكم حال مستغربة أو قصة رائعة ولذلك سماها مثلاً، أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة. {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } للمثل أو لشأنه استماع تدبر وتفكر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يعني الأصنام، وقرأ يعقوب بالياء وقرىء مبنياً للمفعول والراجع إلى الموصول محذوف على الأولين. {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن {لَنْ } بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه، و {ٱلذُّبَابُ } من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان. {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } أي للخلق هو بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين. {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلهاً قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء، وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له، بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها. قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } عابد الصنم ومعبوده، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب والصنم يطلب الذباب منه السلب، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات. {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة. {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ } على خلق الممكنات بأسرها. {عَزِيزٌ } لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة عن أقلها مقهورة من أذلها. {ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } يدعون سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم، كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها بين أن له عباداً مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والإِقتداء بهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن سواه من الموجودات تقريراً للنبوة وتزييفاً لقولهم {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى }تفسير : [الزمر: 3] والملائكة بنات الله تعالى، ونحو ذلك. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} مدرك للأشياء كلها. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } عالم بواقعها ومترقبها. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} وإليه ترجع الأمور كلها لأنه مالكها بالذات لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسألون. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } في صلاتكم، أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونها أول الإِسلام، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها، أو اخضعوا لله وخروا له سجداً. {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } بسائر ما تعبدكم به. {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم، والآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرؤها»تفسير : {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ } أي لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه رجع من غزوة تبوك فقال«حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»تفسير : {حَقَّ جِهَـٰدِهِ } أي جهاداً فيه حقاً خالصاً لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك: هو حق عالم، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعاً أو لأنه مختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله تعالى ومن أجله. {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } اختاركم لدينه ولنصرته، وفيه تنبيه على المقتضى للجهاد والداعي إليه وفي قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به من حيث شق عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم»تفسير : . وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } منتصبة على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف أي: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإِغراء أو على الاختصاص، وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم. {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } من قبل القرآن في الكتب المتقدمة. {وَفِى هَـٰذَا } وفي القرآن، والضمير لله تعالى ويدل عليه أنه قرىء «الله سماكم»، أو لـ {إِبْرَاهِيمَ} وتسميتهم بمسلمين في القرآن وإن لم تكن منه كانت بسبب تسميته من قبل في قوله {أية : وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ }تفسير : [البقرة: 128] وقيل وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم مسلمين. {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ } يوم القيامة متعلق بسماكم. {شَهِيداً عَلَيْكُمْ } بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتماداً على عصمته، أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى. {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} بتبليغ الرسل إليهم. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ} فتقربوا إلى الله تعالى بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف. {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } وثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا الإِعانة والنصرة إلا منه. {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ } ناصركم ومتولي أموركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } هو إذ لا مثل له سبحانه في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة. عن النبي عليه الصلاة والسلام «حديث : من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، يعني: حجة وبرهاناً؛ كقوله: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 117] ولهذا قال ههنا: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان، وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي: من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال، ثم قال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن، والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا} أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء {قُلْ} أي: يا محمد لهؤلاء: {أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وقوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي: وبئس النار مقيلاً ومنزلاً ومرجعاً وموئلاً ومقاماً {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَعْبُدُونَ } أي المشركون {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } هو الأصنام {سُلْطَٰناً } حجّة {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } أنها آلهة {وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ } بالإِشراك {مِن نَّصِيرٍ } يمنع عنهم عذاب الله.
القشيري
تفسير : الآية تشير أَنَّ مَنْ جملة خواصِّه أفرده - سبحانه - ببرهان، وأَيَّده ببيان، وأعزَّه بسلطان. ومَنْ لا سلطانَ له يمتد إليه قَهْرُه، ومن لا برهان له ينبسط عنه - إلى غيره - نورُه، فهو بِمَعزِلٍ عن جملته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويعبدون} اى اهل الشرك {من دون الله} اى متجاوزين عبادة الله تعالى {مالم ينزل به} اي بجواز عبادته وما عبارة عن الاصنام {سلطانا} اى حجة وبرهانا {وما ليس لهم به} اى بجواز عبادته {علم} حصل لهم من ضرورة العقل او استدلاله فهم انما يعبدون الاصنام بمجرد الجهل ومحض التقليد {وما للظالمين} اى المشركين الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم {من نصير} يدفع عنهم العذاب الذى يعتريهم بسبب ظلمهم. وفى التأويلات النجمية يشير الى من كان من جملة خواصه افرده ببرهان وايده ببيان واعزه بسلطان وما لاهل الخذلان سلطان فميا عبدوه من اصناف الاوثان ولا برهان على ما طلبوه ومالهم نصرة من الله بل خذلان.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال الكفار الذين يعبدون مع الله الاصنام، والاثان: انهم {يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً} أي لا حجة ولا برهاناً، وإنما قيل للبرهان سلطان، لانه يتسلط على انكار المنكر، فكل محق فى مذهبه، فله برهان يتسلط به على الانكار لمذهب خصمه. وقوله {وما ليس لهم به علم} معناه ولا هو معلوم لهم ايضاً من جهة الدلالة، لان الانسان قد يعلم صحة أشياء يعمل بها من غير برهان أدى اليها كعلمه بوجوب شكر المنعم، ووجوب رد الوديعة، ومدح الحسن وذم المسيء، وغير ذلك، مما يعلمه بكمال عقله، وإن لم يكن معلوماً بحجة، فلذلك قال {وما ليس لهم به علم}. ثم اخبر انه ليس {للظالمين} أنفسهم بارتكاب المعاصي وترك المعرفة بالله من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله إذا نزل بهم. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار وشدة عنادهم، فقال {وإذا تتلى عليهم آياتنا} يعني من القرآن وغيره من حجج الله تعالى الظاهرات البينات {تعرف} يا محمد {في وجوه الذين كفروا} بنعم الله، وجحدوا ربوبيته {المنكر} من القول {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} فالسطوة اظهار الحال الهائلة للاخافة، يقال: سطا عليه سطوة وسطواً وسطا به ايضاً فهو ساط. والانسان مسطو به. والانسان يخاف سطوات الله ونقماته. والسطوة والاستطالة والبطشة نظائر في اللغة. والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم، قاربوا أن يوقعوا بمن يتلوها المكروه. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل} يا محمد {أفأنبؤكم بشر من ذلكم} أي بشر من اعتدائكم على التالي لآيات الله. وقيل: بشر عليكم مما يلحق التالي منهم. ثم ابتدأ فقال {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} وقيل التقدير كان قائلا قال ما ذلك الشر؟ فقيل {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} اي بئس الموضع، وكان يجوز في {النار} الجر على البدل من {ذلكم} لأنه في موضع جر بـ {من} وكان يجوز النصب بمعنى أعرفكم شراً من ذلكم النار، والذي عليه القراء الرفع. ثم اخبر تعالى عن النار بأن الله وعدها الذين كفروا وبئس المرجع. ثم خاطب جميع المكلفين من الناس، فقال {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} يعني ضرب مثل، جعل، كقولهم ضرب على أهل الذمة الجزية، لأنه كالتثبيت شبهه بالضرب المعروف، وكذلك الضربة. والمثل: شبه حال الثاني بالأولى فى الذكر الذي صار كالعلم. ومن حكم المثل أن لا يتغير، لأنه صار كالعلم. كقولهم "أطري انك فاعلة". ثم قال {إن الذين تدعون من دون الله} قرأ يعقوب بالياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب، كقوله {يا أيها الناس}. والذي عبدوه من دون الله الأصنام والاوثان {لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} على ذلك وعاون بعضهم بعضاً مع صغر الذباب، فكيف بالعظيم من الاشياء. ثم زاد في ضرب المثل، فقال {وإن يسلبهم الذباب شيئاً...} يعني هؤلاء الكفار، ومن جرى مجراهم لو سلبهم الذباب شيئاً وطار، لما قدروا على استنقاذه منه وتخليصه من يديه. ثم اخبر تعالى بانه {ضعف الطالب} يعني من الأوثان {والمطلوب} من الذباب - وهو قول ابن عباس - ولم يأت بالمثل، لأن فى الكلام دلالة عليه، كأنه قال يا أيها الناس مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذباباً، فلم يقدروا عليه، وإن يسلبها الذباب شيئاً، فلم تستنقذه منه. ومثل ذلك فى الحذف قول امرئ القيس: شعر : وجدك لو شيء اتانا رسوله سواك ولكن لم نجد عنك مدفعاً تفسير : وتقديره لو أتانا رسول غيرك لرددناه وفعلنا به، ولكن لم نجد عنك مدفعاً، فاختصر لدلالة الكلام عليه. وقال قوم: اراد أن الكافرين جعلوا لي الامثال من الاصنام التي عبدوها فاستمعوا لما ضرب لي من الامثال. ثم أخبر عنها كيف هي، وكيف بعدها مما جعلوه مثلا، ويدل عليه قوله {ما قدروا الله حق قدره} واختلفوا في معنى {ما قدروا الله حق قدره} فقال الحسن: معناه ما عظموه حق عظمته، إذ جعلوا له شريكاً فى عبادته. وهو قول المبرد والفراء. وقال قوم: معناه ما عرفوه حق معرفته. وقال آخرون: ما وصفوه حق صفته. وهو مثل قول أبي عبيدة. قال: يقول القائل: ما عرفت فلاناً على معرفته، اي ما عظمته حق تعظيمه. وفي ذلك دلالة على أن من جوز عبادة غير الله فهو كافر، وكذلك من جوز ان يكون المنعم - بخلق النفس، والبصر، والسمع، والعقل - غير الله، فهو كافر بالله. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال {إن الله لقوي} أي قادر على ما يصح ان يكون مقدوراً {عزيز} لا يقدر احد على منعه. ثم قال تعالى {الله يصطفي من الملائكة رسلاً} أي يختار منهم من يصلح للرسالة {ومن الناس} أي ويختار من الناس ايضاً مثل ذلك. وفى ذلك دلالة على انه ليس جميع الملائكة رسلا، لأن (من) للتبعيض عند اهل اللغة، وكما ان الناس ليس جميعهم أنبياء فكذلك الملائكة. وقوله {إن الله سميع بصير} أي يسمع جميع ما يدرك بالسمع من الاصوات ودعاء من يدعوه خالصاً، ودعاء من يدعو على وجه الاشراك به بصير بأحوالهم.
الجنابذي
تفسير : {وَيَعْبُدُونَ} عطف على جملة ان جادلوك كأنّه قال: ويجادلونك ويعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} ظرف لغو متعلّق بيعبدون، ولفظة من ابتدائيّة اى يعبدون من دون اذن الله او حال من قوله {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} ولفظة الباء سببيّة، او بمعنى مع، او بمعنى فى، والسّلطان بمعنى الحجّة والبرهان، او بمعنى الاستقلال والسّلطنة، والقيد تقييد لا بيان يعنى يعبدون عبادة اعمّ من عبادة عبوديّة وعبادة طاعةٍ معبوداً ومطاعاً لم ينزل معه برهاناً على جواز طاعته او عبادته من الاصنام والكواكب والعناصر والمواليد من النّبات والحيوان والانسان يعنى انّهم ان عبدوا ما كان معه حجّة الهيّة واذن الهىّ فى معبوديّته ومطاعيّته لم يكونوا مذمومين، نسب الى موسى بن جعفر (ع) انّه قال: لمّا نزلت هذه الآية لكلّ امّةٍ جعلنا منسكاً جمعهم رسول الله (ص) ثمّ قال: يا معشر الانصار والمهاجرين انّ الله تعالى يقول: لكلّ امّةٍ جعلنا منسكاً هم ناسكوه والمنسك هو الامام، ولكلّ امّةٍ نبيّها حتّى يدركه نبّى الا وانّ لزوم الامام وطاعته هو الدّين وهو المنسك، وعلىّ بن ابى طالبٍ (ع) امامكم بعدى فانّى ادعوكم الى هداه فانّه على هدًى مستقيمٍ فقام القوم يتعجّبون من ذلك ويقولون واذن لننازعنّ ولا نرضى طاعته ابداً وكان رسول الله (ص) يضيق به فأنزل الله عزّ وجلّ {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} تفسير : [النحل:125] (الى آخر الآيات) وعلى هذا فليفسّر الآيات هكذا لكلّ امّةٍ جعلنا اماماً هم مقتدون به وجعلنا لامّتك عليّاً (ع) اماماً يقتدون به فلا ينازعنّك فى امر امامته وادع الى ربّك فى الولاية انّك لعلى هدىً مستقيم فى ولاية علىّ (ع) واستخلافه وان جادلوك فى ولاية علىّ (ع) فلا تجادل معهم وقل: الله اعلم بما تعملون بعدى فى حقّ علىّ (ع) الله يحكم بينكم اى بين علىّ (ع) واتباعه وبينكم فيما كنتم فيه من امر الولاية تختلفون، ويعبدون بعد وفاتك عبادة طاعةٍ من دون اذن الله تعالى خليفة لم ينزّل الله على خلافته حجّة او لم يجعل فى وجوده سلطنةً على غيره {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ} اى خليفة ليس لهم به من جهة خلافته ومطاعيّته {عِلْمٌ} يعنى انّ المطاع لا بدّ وان يكون مأذوناً من الله وان يحصل للمطيع علم بكونه مأذوناً من الله فمن اطاع مطاعاً علم انّه لم يكن مأذوناً من الله او مطاعاً لم يعلم انّه مأذون او غير مأذون كان مشركاً وظالماً، لانّه وضع طاعته الّتى هى اعظم الحقوق فى غير موضعها الّذى هو من لم يكن مأذوناً من الله او لم يُعلم مأذونيّته ومنعها عن ذيحقّه الّذى هو الامام المأذون من الله {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} الّذين وضعوا طاعتهم غير موضعها {مِن نَّصِيرٍ} فى امر الآخرة فانّ النّصير هو الامام او من نصبه الامام للنّصرة.
اطفيش
تفسير : {وَيَعْبِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ} الله {بِهِ سُلْطَاناً} حجة تدل على جواز عبادته من السمع {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} ضروري أو عقلي أنه آلة والمراد الاصنام {وَمَا لِلظَّالِمِين} بالشرك وهو ظاهر في موضع الضمير تشنيعا عليهم بالظلم {مِنْ نَّصِيرٍ} يثبت دينهم أو يدفع العذاب عنهم.
اطفيش
تفسير : {ويعْبدُون من دون الله مَا لَم ينزل} أى الله {به} بعبادته {سلطاناً} حجة ما، وهى الدليل السمعى الحاصل بالوحى، وقدمه لأنه أقوى يشترك الناس فى فهمه، ولا يحتاج الى نظر، ولأنه يفيد اليقين، ولقوته عبر عنه بالسلطان، أى الحجة القاطعة القاهرة {ومَا لَيس لَهُم به} أى بعبادته {علم} من ضرورة أو استدلال، وهذا دليل عقلى، ولا يفيد اليقين، والكلام فيما لا إشكال فيه من الشرعيات، وما أشكل احتاج الى العقل فلم يبنوا أمرهم على دليل سمعى، ولا عقلى بل على باطل محض {وما للظَّالمين} مطلقاً، ودخل هؤلاء أولا وبالذات، أو المراد هؤلاء ذكرهم باسم الظلم تقبيحاً لهم وتعليلا للحكم به {من نَصير} فى الدنيا بنصيب دينهم، ولا فى الآخرة بدفع العذاب.
الالوسي
تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} حكاية لبعض أباطيل المشركين وأحوالهم الدالة على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم وهي بناء أمرهم على غير مبنى دليل سمعي أو عقلي وإعراضهم عما ألقي إليهم من سلطان بين هو أساس الدين أي يعبدون متجاوزين عبادة الله تعالى {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ} أي بجواز عبادته {سُلْطَـٰناً} أي حجة، والتنكير للتقليل، وهذا إشارة إلى الدليل السمعي الحاصل من جهة الوحي. وقوله سبحانه: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} إشارة إلى الدليل العقلي أي ما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة العقل أو استدلاله، والحاصل يعبدون من دون الله ما لا دليل من جهة السمع ولا من جهة العقل على جواز عبادته، وتقديم الدليل السمعي لأن الاستناد في أكثر العبادات إليه مع أن التمسك به في هذا المقام أرجى في الخلاص إن حصل لوم من التمسك بالدليل العقلي، وإن شككت فارجع إلى نفسك فيما إذا لامك شخص على فعل فإنك تجدها مائلة إلى الجواب بأني فعلت كذا لأنك أخبرتني برضاك بأن أفعله أكثر من ميلها إلى الجواب بأني فعلته لقيام الدليل العقلي وهو كذا على رضاك به وإنكار ذلك مكابرة، وقد يقال: إنما قدم هنا ما يشير إلى الدليل السمعي لأنه إشارة إلى دليل سمعي يدل على جواز تلك العبادة منزل من جهته تعالى غير مقيد بقيد بخلاف ما يشير إلى الدليل العقلي فإن فيه إشارة إلى دليل عقلي خاص بهم، وحاصله أن التقديم والتأخير للإطلاق / والتقييد وإن لم يكونا لشيء واحد فافهم. وقال العلامة الطيبـي: في اختصاص الدليل السمعي بالسلطان والتنزيل ومقابله بالعلم دليل واضح على أن الدليل السمعي هو الحجة القاطعة وله القهر والغلبة وعند ظهوره تضمحل الآراء وتتلاشى الأقيسة ومن عكس ضل الطريق وحرم التوفيق وبقي متزلزلاً في ورطات الشبه؛ وإن شئت فانظر إلى التنكير في {سُلْطَـٰناً. وَعَلَّمَ} وقسهما على قول الشاعر: شعر : له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب تفسير : لتعلم الفرق إلى آخر ما قال، ومنه يعلم وجه للتقديم واحتمال آخر في تنوين {سُلْطَـٰناً} غير ما قدمنا، وظاهره أن الدليل السمعي يفيد اليقين مطلقاً وأنه مقدم على الدليل العقلي، ومذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة أنه لا يفيد اليقين مطلقاً لتوقف ذلك على أمور كلها ظنية فتكون دلالته أيضاً ظنية لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة، والحق أنه قد يفيد اليقين في الشرعيات دون العقليات بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات. وذكر الفاضل الرومي في «حواشيه على شرح المواقف» بعد بحث أن الحق أنه قد يفيد اليقين في العقليات أيضاً وأما أنه مقدم على الدليل العقلي فالذي عليه علماؤنا خلافه، وأنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب تأويل الدليل السمعي إلى ما لا يعارضه الدليل العقلي إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم السمع على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال الفرع وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضاً لنفسه وكان باطلاً لكن ظاهر كلام محي الدين بن العربـي قدس سره في مواضع من «فتوحاته» القول بأنه مقدم، ومن ذلك قوله في الباب الثلاثمائة والثمانية والخمسين من أبيات: شعر : كل علم يشهد الشرع له هو علم فبه فلتعتصم وإذا خالفه العقل فقل طورك الزم ما لكم فيه قدم تفسير : وقوله في الباب الأربعمائة والاثنين والسبعين: شعر : على السمع عولنا فكنا أولي النهي ولا علم فيما لا يكون عن السمع تفسير : إلى غير ذلك وهو كأكثر كلامه من وراء طور العقل. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ} أي وما لهم إلا أنه عدل إلى الظاهر تسجيلاً عليهم بالظلم مع تعليل الحكم به، وجوز أن لا يكون هناك عدول، والمراد ما يعمهم وغيرهم ودخولهم أولى، و {مِنْ} في قوله تعالى: {مِن نَّصِيرٍ} سيف خطيب، والمراد نفي أن يكون لهم بسبب ظلمهم من يساعدهم في الدنيا بنصرة مذهبهم وتقرير رأيهم ودفع ما يخالفه وفي الآخرة بدفع العذاب عنهم.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون الواو حرف عطف وتكون الجملة معطوفة على الجملة السابقة بما تفرّع عليها عطف غرض على غرض. ويجوز أن يكون الواو للحال والجملة بعدها حالاً من الضمير المرفوع في قوله {أية : جادلوك}تفسير : [الحج: 68]، والمعنى: جادلوك في الدين مستمرين على عبادة ما لا يستحق العبادة بعدما رأوا من الدلائل، وتتضمن الحال تعجيباً من شأنهم في مكابرتهم وإصرارهم. والإتيان بالفعل المضارع المفيد للتجدّد على الوجهين لأن في الدلائل التي تحفّ بهم والتي ذُكّروا ببعضها في الآيات الماضية ما هو كاف لإقلاعهم عن عبادة الأصنام لو كانوا يريدون الحق. و{من دون} يفيد أنهم يُعرضون عن عبادة الله، لأن كلمة {دون}وإن كانت اسماً للمباعَدة قد يصدق بالمشاركة بين ما تضاف إليه وبين غيره. فكلمة (دون) إذا دخلت عليها (مِن) صارت تفيد معنى ابتداء الفعل من جانب مباعد لما أضيف إليه (دون). فاقتضى أن المضاف إليه غيرُ مشارك في الفعل. فوجه ذلك أنهم لما أشربت قلوبهم الإقبال على عبادة الأصنام وإدخالها في شؤون قرباتهم حتى الحج إذ قد وضعوا في شعائره أصناماً بعضها وضعوها في الكعبة وبعضها فوق الصفا والمروة جعلوا كالمعطلين لعبادة الله أصلاً. والسلطان: الحجة. والحجة المنزّلة: هي الأمر الإلهي الوارد على ألْسنة رسله وفي شرائعه، أي يعبدون ما لا يجدون عذراً لعبادته من الشرائع السالفة: وقصارى أمرهم أنهم اعتذروا بتقدم آبائهم بعبادة أصنامهم، ولم يدّعوا أن نبياً أمر قومه بعبادة صنم ولا أن ديناً إلهياً رخص في عبادة الأصنام. و{ما ليس لهم به علم}، أي ليس لهم به اعتقاد جازم لأنّ الاعتقاد الجازم لا يكون إلاّ عن دليل، والباطل لا يمكن حصول دليل عليه. وتقديم انتفاء الدليل الشرعي على انتفاء الدليل العقلي لأنّ الدليل الشرعي أهمّ. و{ما} التي في قوله {وما للظالمين من نصير} نافية. والجملة عطف على جملة {ويعبدون من دون الله} أي يَعبدون ما ذكر وما لهم نصير فلا تنفعهم عبادة الأصنام. فالمراد بالظالمين المشركون المتحدّث عنهم، فهو من الإظهار في مقام الإضمار للإيماء إلى أن سبب انتفاء النصير لهم هو ظلمهم، أي كفرهم. وقد أفاد ذلك ذهاب عبادتهم الأصنام باطلاً لأنهم عبدوها رجاء النصر. ويفيد بعمومه أن الأصنام لا تنصرهم فأغنى عن موصول ثالث هو من صفات الأصنام كأنه قيل: وما لا ينصرهم، كقوله تعالى: {أية : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم}تفسير : [الأعراف: 197].
القطان
تفسير : سلطانا: حجة، برهانا. نصير: ناصر، معين. يسطون: يبطشون. يستنقذوه: يخلّصوه. يصطفي: يختار. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً.... }. وأعجبُ شيء ان هؤلاء المشركين يعبدون أوثاناً واشخاصاً ولا يعبدون الله، مع أن هؤلاء الذين يعبدونهم لم ينزل بهم كتاب من الله ولم يقم دليلٌ على أنهم آلهة.... ليس لهؤلاء الظالمين ناصرٌ يوم القيامة ولا معين. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ.... }. وهؤلاء الجاحِدون لا يناهضون الحُجَّة بالحجةِ، وإنما يلجأون الى العنف والبطش، فإذا تُليتْ عليهم آياتنا الواضحة تلحظ في وجوهِهم الحَنَقَ والغيظ. بل يحاولون البطشَ بالّذين يتلُون عليهم هذه الآيات. ثم بين الله أن هذا الغيظَ الكمين في نفوسهم ليس بشيء إذا قِيسَ بما سيلاقونه من العذابِ يوم القيامة فقال: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ.... }. قل لهم ايها النبي: هل أخبركم بشرٍّ من غيظِكم وبطشكم؟ إنه النارُ التي وعدَ الله الكافرين أمثالكم يوم القيامة، وبئس المصير. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ.... }. يعلن الله في هذه الآية على الناس جميعا ضعفَ هذه المعبودات المزيفة، فهي عاجزة عن خَلق ذباب واحد على حقارته، بل اعجب من ذلك انها عاجزةٌ عن مقاومة الذباب. فلو سلبهم شيئا لما استطاعوا ان يخلصوا ذلك الشيء منه. وما اضعف الذي يهزم امام الذباب! فكيف يليق بانسان عاقل أن يعبد تلك الأوثان ويلتمس النفع منها! ويختم الله تعالى هذه الآية بعبارة ناطقة مصوِّرة للحقيقة: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}. ما أضعف الطالب وهو تلك الآلهة، وما أضعف المطلوب وهو الذباب! {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ما عرفَ هؤلاء المشركون الله حق معرفته، ولا عظّموه حق تعظيمه، حين اشركوا به في العبادة اعجز الاشياء، وهم يرون آثار قدرته وبدائع مخلوقاته. {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} اقتضت ارادة الله تعالى وحكمته ان يختار من الملائكة رسُلا يبلّغون الانبياءَ الوحي، ويختار من البشر رسلا، ليبلّغوا شرعه الى خلقه، فكيف يعترض المشركون على من اختاره رسولاً اليهم؟ انه تعالى سميعٌ لأقوال عباده بصيرٌ بهم، فيعلم من يستحقّ ان يختار منهم لهذه الرسالة. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} يعلم سبحانه مستقبل احوالهم وماضيَها، فهو يسمع ويرى ويعلم عِلماً شاملاً لا يندّ عنه حاضر ولا غائب، وإليه وحدَه مرجعُ الأمور كلّها، فهو الحَكَم الأخير، وله السيطرة والتدبير.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَاناً} {لِلظَّالِمِينَ} (71) - وَيَعْبُدُ هؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ أَصْنَاماً وأَوْثَاناً وَأَنْدَاداً مِنْ دُونِ اللهِ، لَيْسَ لَهُمْ فِي عِبَادَتِها حُجَّةٌ وَلاَ بُرْهَانٌ، وَلاَ عِلْمَ لَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ، وَفِيمَا ادَّعَوْهُ، وإِنَّمَا نَقَلُوه عَنْ أَسْلاَفِهِمْ، فَسَارُوا عَلَيْهِ بِدُونِ تَمْحِيصٍ، وَلاَ إِعْمَالِ عَقْلٍ فِيهِ، وَيَتَوَعَّدُهٌمْ اللهُ تَعَالَى عَلَى كُفْرِهِمْ هَذَا بِأَنَّ الظَّالِمِينَ لَنْ يَجِدْوا لَهُمْ مِنْ يَنْصُرُهُم مِنَ اللهِ فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذَابِ والنَّكَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ. سُلْطَاناً - حُجَّةً وَبُرْهاناً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن العبادة - وهي: طاعة أمر واجتناب نهي - يجب أن تكون صادرة من أعلى منا جميعاً، فليس لأحد منا أن يُشرِّع للآخر، فيأمره أو ينهاه؛ لأن الأمر من المساوى لك لا مُرجح له، وله أنْ يقول لك: لماذا أنت تأمر وأنا أطيع؟ أما إنْ جاء الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض، ومعك الحجة أن الأمر من أعلى، تقول: أبي أمرني بكذا وكذا، أو ربي أمرني بكذا وكذا، أو نهاني عن كذا وكذا. إذن: كل دليل على حكم الفعل أو الترك لا بُدَّ أنْ يكون مصدره من الحق سبحانه وتعالى، فهو الأعلى مني ومنك، وإذا انصعْتَ لأمره ونهيه فلا حرجَ عليَّ ولا ضرر؛ لأنني ما انصعت لمساوٍ إنما انصعت لله الذي أنا وأنت عبيد له، ولا غضاضةَ في أن نتبع حكمه. لذلك في حِكَم أهل الريف يقولون: (اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم) لماذا؟ لأنك ما قطعته أنت إنما قطعه الله، فليس الأمر تسلط أو جبروت من أحد، وليس فيه مذلّة ولا استكانة لأحد. ومعنى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [الحج: 71] يعني: يعبدون غيره تعالى {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ..} [الحج: 71] السلطان: إما سلطان قَهْر، أو سلطان حجة، سلطان القهر أن يقهرك ويجبرك على ما لم تُرِدْ فِعْله، أما سلطان الحجة فيقنعك ويُثبِت لك بالحجة أن تفعل باختيارك، وهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله ليس لها سلطان، لا قَهْر ولا حُجّة. لذلك؛ في جدل إبليس يوم القيامة للذين اتبعوه يقول لهم: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي ..} تفسير : [إبراهيم: 22] يعني: كنتم على إشارة فاستجبتم لي، وليس لي عليكم سلطان، لا قوة أقهركم بها على المعصية، ولا حجة أقنعكم بها. ثم يقول تعالى: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ..} [الحج: 71] يعني: علم الاجتهاد الذي يستنبط الأحكام من الحكم المُجْمل الذي يُنزِله الحق تبارك وتعالى، وهذه هي حجة العلم التي قال الله تعالى عنها: {أية : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ..} تفسير : [النساء: 83] يعني: أهل العلم. إذن: العبادة لا بُدَّ أن تكون بسلطان من الله نصاً قاطعاً وصريحاً لا يحتمل الجدل، وإما أنْ تكونَ باجتهاد أُولِي العلم. وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71] لم يقُلْ سبحانه: لن ينتصر الظالمون، ولم ينْفِ عنهم النصر؛ لأن هذه مسألة مُسلمة إنما لا يفزع لنصرتهم أحد، فلن ينتصروا ولن ينصرهم أحد، ولا يفزع أحد لينصر أحداً إلا إذا كان المنصور ضعيفاً. ثم يقول سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} هو بسبب إنكارهم إحاطة علم الله {يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المستحق للعبادة بالاستحقاق {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي: أصناماً وأوثاناً، لم ينزل سبحانه على استحقاقهم العبادة برهاناً من عند الله ليكون لهم حجة دالة على مدَّعاهم {وَ} أيضاً يعبدون {مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي: دليلُ عقلي دالُ على لياقتها واستحقاقها للعبادة والانقياد، بل يعبدونها ظلماً وزوراً بلا مستند عقلي ونقلي {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} المتجاوزين عن مقتضى العقل والنقل {مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71] ينصرهم ويستدفع عنه عذاب الله، أو يستشفع لهم عنده سبحانه بتخفيفه عنهم. {وَ} من غاية ظلمهم وخروجهم عن حدود العقل والنقل {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الدالة على توحيد ذاتنا وكمال أسمائنا وصفاتنا مع كونها {بَيِّنَاتٍ} واضحات الدلالات {تَعْرِفُ} وتبصر أيها الرائي {فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بها {ٱلْمُنْكَرَ} أي: علامات الإنكار، وأمارات العتو والاستكبار، بحيث ترونهم من شدة شكيمتهم وغيظهم المفرط {يَكَادُونَ} ويقربون {يَسْطُونَ} يبطشون ويأخذون {بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا} هم: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غيظاً عليهم، وعلى ما جرى على ألسنتهم {قُلْ} يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع {أَ} تنقبضون وتضجرون عن استماع هذه الآيات العظام وتتشاءمون من سماعها {فَأُنَبِّئُكُم} وأخبركم {بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ} الآيات، هي أشد عيظاً وأكثر تضجراً منها ألا وهي {ٱلنَّارُ} التي {وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بسبب كفرهم وضلالهم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الحج: 72] النار لأصحاب الضلال والإنكار. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الذين جبلوا على الغفلة والنيسان والجهل والطغيان عن عظمة الله وحق قدره، لذلك أثبتُّم له أمثالاً وأشباهاً مع تعاليه وتنزهه في ذاته عنها، اسمعوا: {ضُرِبَ مَثَلٌ} في حق شركائكم ومعبوداتكم {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} سمع وتدبير وتأمل، ثم أنصفوا {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} وتعبدون أيها المدَّعون المكابرون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} القادر بجميع المقدورات بالعلم التام، والإدارة الكاملة، والحكمة المتقنة {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} بل لن يقدروا على خلق أحقر منها وأخس، لا كل واحد منهم فرادى، بل {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} أي: لخلق الذباب وتظاهروا لإيجاده مجتمعين لن يقدروا أيضاً، وكيف خلْقُ الذباب وإظهاره؟ {وَإِن يَسْلُبْهُمُ} ويأخذ منهم {ٱلذُّبَابُ} الحقير الضعيف {شَيْئاً} من الآلهة الباطلة من حيلهم وتزييناتهم {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} ولا يقدروا على أن يخرجوه من يده لعجزهم وعدم قدرتهم، فكيف تعبدون أيها الحمقى العابدون أولئك الهلكى العاجزين الساقطين؟! فظهر للمتأمل المتدبر أنه {ضَعُفَ} أي: انحط وسقط عن زمرة العقلاء ورتبتهم {ٱلطَّالِبُ} العابد الجاهل {وَٱلْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] المعبود المجهول المنحط عن رتبة أحقر الأشياء وأخسها فكيف عن أعلاها؟! فيكف عن خالقها وموجودها؟! تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. كل ذلك بواسطة أنهم {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على جميع المقدورات والمرادات وما علموه {حَقَّ قَدْرِهِ} كما هو اللائق بشأنه، وما عرفوه حتى معرفته، لذلك ما صفوه حق وصفه، ونسبوه إليه سبحانه مالا يليق بجانبه جهلاً وعناداً، وأثبتوا له شركاء عاجزين من أضعف الأشياء {إِنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {لَقَوِيٌّ} في ذاته لا حول ولا قوة إلا به {عَزِيزٌ} [الحج: 74] غالبٌ في أمره وحكمه، متصرف مستقل في ملكه وملكوته، يفعل بالإدارة والاختيار، ويحكم ما يريد، لا راد لفعله، ولا معقب لحكمه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى حالة المشركين به، العادلين به غيره، وأن حالهم أقبح الحالات، وأنه لا مستند لهم على ما فعلوه، فليس لهم به علم، وإنما هو تقليد تلقوه عن آبائهم الضالين، وقد يكون الإنسان لا علم عنده بما فعله، وهو -في نفس الأمر- له حجة ما علمها، فأخبر هنا، أن الله لم ينزل في ذلك سلطانا، أي: حجة تدل علي وتجوزه، بل قد أنزل البراهين القاطعة على فساده وبطلانه، ثم توعد الظالمين منهم المعاندين للحق فقال: { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم وحل. وهل لهؤلاء الذين لا علم لهم بما هم عليه قصد في اتباع الآيات والهدى إذا جاءهم؟ أم هم راضون بما هم عليه من الباطل؟ ذكر ذلك بقوله: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا } التي هي آيات الله الجليلة، المستلزمة لبيان الحق من الباطل، لم يلتفتوا إليها، ولم يرفعوا بها رأسا، بل { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ } من بغضها وكراهتها، ترى وجوههم معبسة، وأبشارهم مكفهرة، { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: يكادون يوقعون بهم القتل والضرب البليغ، من شدة بغضهم وبغض الحق وعداوته، فهذه الحالة من الكفار بئس الحالة، وشرها بئس الشر، ولكن ثم ما هو شر منها، حالتهم التي يؤولون إليها، فلهذا قال: { قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } فهذه شرها طويل عريض، ومكروهها وآلامها تزداد على الدوام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):