Verse. 2672 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا ارْكَعُوْا وَاسْجُدُوْا وَ اعْبُدُوْا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَــيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ۝۷۷ۚ۞
Ya ayyuha allatheena amanoo irkaAAoo waosjudoo waoAAbudoo rabbakum waifAAaloo alkhayra laAAallakum tuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا» أي صلوا «واعبدوا ربكم» وحدوه «وافعلوا الخير» كصلة الرحم ومكارم الأخلاق «لعلكم تفلحون» تفوزون بالبقاء في الجنة.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها: تعيين المأمور وثانيها: أقسام المأمور به وثالثها: ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها: تأكيد ذلك التكليف. أما النوع الأول: وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} وفيه قولان: أحدهما: المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمناً أو كافراً، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني: أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولاً: فلأن اللفظ صريح فيه، وأما ثانياً: فلأن قوله بعد ذلك {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } وقوله: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ } وقوله: {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين. أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجباً على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها. ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريف لهم في ذلك الإقرار والتخصيص. أما النوع الثاني: وهو المأمور به فقد ذكر الله أموراً أربعة: الأول: الصلاة وهو المراد من قوله: {ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جارياً مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني: قوله: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها: واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها: افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث: قوله تعالى: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فقيل معناه لتفلحوا، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة «وكل ميسر لما خلق له» الرابع: قوله تعالى: {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ } قال صاحب «الكشاف» {فِى ٱللَّهِ } أي في ذات الله، ومن أجله. يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وجداً ومنه {حَقَّ جِهَـٰدِهِ } وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال: {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ }؟ والجواب: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه. السؤال الثاني: ما هذا الجهاد؟ الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن المراد قتال الكفار خاصة، ومعنى {حَقَّ جِهَـٰدِهِ } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني: أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة. فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال صدقت والثالث: قال ابن عباس: حق جهاده، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع: قال الضحاك: واعملوا لله حق عمله والخامس: استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس: قال عبدالله ابن المبارك: حق جهاده، مجاهدة النفس والهوى. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال: « حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » تفسير : والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد. السؤال الثالث: هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله: { أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }تفسير : [التغابن: 16] كما أن قوله: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102] منسوخ بذلك؟ الجواب: هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى: { أية : لاَ يُكَلّفُ الِلَّهِ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة:286] فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة، ثم خففه الله بقوله: { أية : الآن خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } تفسير : [الأنفال: 66] أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ. النوع الثالث: بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة: الأول: قوله: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير. أما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحرج في أصل اللغة؟ الجواب: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟ قال الضيق، وعن عائشة رضي الله عنها: « حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق » تفسير : . السؤال الثاني: ما المراد من الحرج في الآية؟ الجواب: قيل هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه. وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس» وعن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما » تفسير : وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء: «جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال أدعوني أستجب لكم». السؤال الثالث: استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق، فقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب: لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى القدمان زال السؤال. الموجب الثاني: لقبول التكليف قوله: {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } وفي نصب الملة وجهان: أحدهما: وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني: أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال: {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما: وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده، ومنه قوله تعالى {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى: { أية : وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6]. السؤال الثاني: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى: { أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [النحل:123]، الجواب: هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان، فكأنه تعالى قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع. السؤال الثالث: ما معنى قوله تعالى: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ }؟ الجواب: فيه قولان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: { أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } تفسير : [البقرة: 128] فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني: أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن الله سماكم المسلمين من قبل» أي في كل الكتب، وفي هذا أي في القرآن. وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله، ويدل عليه أيضاً قراءة أبي بن كعب {ٱللَّه سَمَّـٰكُمُ } والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة. فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو العلة الثالثة: الموجبة لقبول التكليف، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا، وكيف تكون أمته شهداء على الناس؟ فقد تقدم في سورة البقرة، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة. النوع الرابع: شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى، وهو قوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة {واعتصموا بالله} أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس: «سلوا الله العصمة عن كل المحرمات» وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه: أحدها: أن قوله: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فاسقاً، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلاً وثانيها: قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه؟ وثالثها: قوله: {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه. فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين. فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى، ورابعها: أن قوله: {سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب: عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً، فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه. وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام. وأما قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} تقدّم في أوّل السورة أنها فضلت بسجدتين، وهذه السجدة الثانية لم يرها مالك وأبو حنيفة من العزائم؛ لأنه قرن الركوع بالسجود، وأن المراد بها الصلاةُ المفروضة؛ وخصّ الركوع والسجود تشريفاً للصلاة. وقد مضى القول في الركوع والسجود مبيَّناً في «البقرة» والحمد الله وحده. قوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} أي امتثلوا أمره. {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} نَدْب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع.

ابن كثير

تفسير : اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها، أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما، فلا يقرأهما»تفسير : . وقوله: {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102]. وقوله: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ} أي: يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً، وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصليها المريض جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة» تفسير : وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: «حديث : بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا»تفسير : ، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} يعني: من ضيق. وقوله: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ} قال ابن جرير: نصب على تقدير: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: من ضيق، بل وسعه عليكم؛ كملة أبيكم إبراهيم، قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم. (قلت): وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} تفسير : [الأنعام: 161] الآية، وقوله: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا} قال الإمام عبد الله بن المبارك: عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} قال: الله عز وجل، وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البقرة: 128] قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر، {وَفِى هَـٰذَا} يعني: القرآن، وكذا قال غيره. (قلت): وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا القرآن، {وَفِى هَـٰذَا} روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام: أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام: أنه أخبره، قال: أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثي جهنم» تفسير : قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: «حديث : نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» تفسير : وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 21] من سورة البقرة، ولهذا قال: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً عدولاً خياراً، مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة {شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}؛ لأن جيمع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} تفسير : [البقرة: 143] وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته. وقوله: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ} أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة. وقوله: {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} أي: اعتضدوا بالله، واستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به، {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ} أي: حافظكم وناصركم، ومظفركم على أعدائكم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم، والله أعلم. وله الحمد والمنة والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة في سائر الأفعال والأقوال وهذا آخر تفسير سورة "الحج"، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم وشرف وكرم، ورضي الله عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } أي صلُّوا {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } وحدوه {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } كصلة الرحم ومكارم الأخلاق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون بالبقاء في الجنة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِِهِ} قال السدي: اعملوا لله حق عمله، وقال الضحاك أن يطاع فلا يعصى ويُذْكر فلا يُنْسَى ويُشْكر فلا يُكْفَر. وهو مثل قوله تعالى: {أية : اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102]. واختلف في نسخها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَاتَقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]. والثاني: أنها ثابتة الحكم لأن حق جهاده ما ارتفع معه الحرج، روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خَيْرُ دِيْنِكُمْ أَيْسَرَهُ ". تفسير : {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي اختاركم لدينه. {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} يعني من ضيق، وفيه خمسة أوجه: أحدها: أنه الخلاص من المعاصي بالتوبة. الثاني: المخرج من الأيمان بالكفارة. الثالث: أنه تقديم الأهلة وتأخيرها في الصوم والفطر والأضحى، قاله ابن عباس. الرابع: أنه رخص السفر من القصر والفطر. الخامس: أنه عام لأنه ليس في دين الإٍسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من المأثم فيه. {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه وسع عليكم في الدين كما وسع ملة أبيكم إبراهيم. الثاني: وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم. الثالث: أن ملة إبراهيم وهي دينه لازمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وداخلة في دينه. الرابع: أن علينا ولاية إبراهيم وليس يلزمنا أحكام دينه. {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا} فيه وجهان: أحدهما: أن الله سماكم المسلمين من قبل هذا القرآن وفي هذا القرآن، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أن إبراهيم سماكم المسلمين، قاله ابن زيد احتجاجاً بقوله تعالى: {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} تفسير : [البقرة: 128]. {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} فيه وجهان: أحدهما: ليكون الرسول شهيداً عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم، وتكونوا شهداء على الناس تُبَلِغُونَهُم رسالة ربهم كما بلغتم إليهم ما بلغه الرسول إليكم. الثاني: ليكون الرسول شهيداً عليكم بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس بأن رُسُلَهُم قد بَلَّغُوهم. {فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} يعني المفروضة. {وَءَآتُواْ الزَّكَاةِ} يعنى الواجبة. {وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: امتنعوا بالله، وهو قول ابن شجرة. والثاني: معناه تمسّكوا بدين الله، وهو قول الحسن. {هُوَ مَوْلاَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: مَالِكُكُم. الثاني: وليكم المتولي لأموركم. {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصَيرُ} أي فنعم المولى حين لم يمنعكم الرزق لما عصيتموه، ونعم النصير حين أعانكم لما أطعتموه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} إلى آخر السورة. لما ذكر الإلهيات ثم النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع، وهو من أربعة أوجه: الأول: تعيين المأمور. والثاني: أقسام المأمور به. والثالث: ذكر ما يوجب تلك الأوامر. والرابع: تأكيد ذلك التكليف. فأما تعيين المأمور به فهو قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا خطاب للمؤمنين؛ لأنه صرح بهم، ولقوله: "هُوَ اجْتَبَاكُمْ"، ولقوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ}، وقوله {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}. وقيل: خطاب لكل المكلفين مؤمناً كان أو كافراً؛ لأن التكليف بهذه الإشارة عامّ في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمن بذلك. وأما فائدة التخصيص، فلأنه لما لم يقبله إلا المؤمنون خصهم بالذكر ليحرضهم على المواظبة على ما قبلوه، وكالتشريف لهم في ذلك الإفراد. وأما المأمور به فأربعة أمور: الأول: الصلاة وهو المراد بقوله: "ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود، والصلاة هي المختصة بهذين الركنين، فجرى ذكرهما مجرى ذكر الصلاة، وذكر ابن عباس: أن الناس كانوا في أول إسلامهم يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية. والثاني: قوله: "وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ" قيل: وحدوه. وقيل: اعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات. وقيل: افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات بنية العبادة. الثالث: قوله: "وَافْعَلُوا الخَيْرَ" قال ابن عباس: هو صلة الرحم ومكارم الأخلاق "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" لكي تفوزوا بالجنة. وقيل: كلمة "لَعَلَّ" للترجي، فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير، فليس هو على يقين من أن الذي أتى به هل هو مقبول عند الله والعواقب مستورة "وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له" فصل اختلفوا في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية، فذهب عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس: إلى أنه يسجد، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق لما روى عقبة بن عامر قال: حديث : قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال: "نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما"تفسير : . وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يسجد هاهنا. وعدد سجود القرآن أربع عشرة سجدة عند أكثر أهل العلم منها ثلاث في المفصل، وروي عن أبيّ بن كعب وابن عباس: ليس في المفصل سجود، وبه قال مالك. وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في "اقْرَأ" و {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1]. وأبو هريرة متأخر الإسلام. واختلفوا في سجدة ص فروي عن ابن عباس أنها سجدة شكر وهو مذهب الشافعي وعن عمر أنه يسجد فيها، وهو قول الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق. الرابع: قوله: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} يجوز أن يكون "حَقَّ جِهَادِهِ" منصوباً على المصدر، وهو واضح. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي جهاداً حق جهاده. وفيه نظر من حيث إن هذا معرفة فكيف يجعل صفة لنكرة. قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حقّ الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ}. قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول من أجله ولوجهه صحت إضافته إليه، ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله: شعر : 3779- وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِرا تفسير : يعني بالظرف الجار والمجرور كأنه كان الأصل: حق جهاد فيه. فحذف حرف الجر وأضيف المصدر للضمير، وهو من باب هو حقّ عالم وجد، أي: عالم حقاً وعالم جداً. فصل المعنى: جاهدوا في سبيل الله "أعداء اللَّه حَقَّ جِهَادِهِ" هو استفراغ الطاقة فيه. قاله ابن عباس، وعنه قال: لا تخافون لومة لائم. وقال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] وهذا بعيد لأن التكليف شرطه القدرة لقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [البقرة: 78] و{أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]. فكيف يقول: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ} على وجه لا يقدرون عليه؟ وقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن يكون بنية صادقة. وقيل: يفعله عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم والغنيمة. وقيل: يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً، فقد كان جهادهم في الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ "وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله"؟ قال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء. واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن، وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: "وَجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جَهَادِهِ كما جاهدتم أول مرة" فقال عمر - رضي الله عنه -: من الذي أمرنا بجهاده؟ فقال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال: صدقت. وقيل: معنى الآية: استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله، وإقامة حقوقه بالحرب واليد واللسان، وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل وقال ابن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر [وهو حق الجهاد وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك قال: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"تفسير : ] وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس. وأما بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر، فهو ثلاثة: الأول: قوله: "هُوَ اجْتَبَاكُمْ" اختاركم لدينه، وهذه من أعظم التشريفات، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا. ثم قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وهو كالجواب عن سؤال، وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً لكنه شاق على النفس؟ أجاب بعضهم بقوله: {مَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، [روي أن أبا هريرة - رضي الله عنه قال: كيف قال الله {ما جعل عليكم في الدين من حرج}] مع أنه منعنا عن الزنا؟ فقال ابن عباس: بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنّا. وهذا قول الكلبي، قال المفسرون: معناه لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منها مخرجاً بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بالكفارات وليس في دين الله ذنب إلا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العذاب منه. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، ومن لم يستطع ذلك فَلْيُوم، وإباحة الفطر في السفر للصائم، والقصر فيه والتيمم وأكل الميتة عند الضرورة. فصل استدلت المعتزلة بهذه الآية على المنع من تكليف ما لا يطاق، وقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي، ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج، وذلك منفي بصريح هذا النص. والجواب أنه لما أمره بترك الكفر، وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً، فقد أمر المكلف بقلب علم الله جهلاً، وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى العدمان زال السؤال. الموجب الثاني: قوله: "مِلَّةَ أَبِيكُمْ" فيه أوجه: أحدها: أنها منصوبة باتبعوا مضمراً. قاله الحوفي وتبعه أبو البقاء. الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. الثالث: أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قاله الزمخشري. وهذا أظهرها. الرابع: أنها منصوبة بجعلها مقدراً. قاله ابن عطية. الخامس: أنها منصوبة على حذف كاف الجر، أي: كملة أبيكم. قاله الفراء، وقال أبو البقاء قريباً منه، فإنه قال: وقيل تقديره: مثل ملة، لأن المعنى سهل عليكم الدين مثل ملة أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: "إبراهيم" بدل أو بيان أو منصوب بأعني. فصل والمقصود من ذكر "إِبْرَاهِيم" التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم والعرب كانوا محبين لإبراهيم - عليه السلام - لأنهم من أولاده، فكان ذكره كالسبب لانقيادهم لقبول هذا الدين. فإن قيل: ليس كل المسلمين يرجع نسبه إلى إبراهيم. فالجواب: أن هذا خطاب مع العرب، وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين، وإبراهيم أب لهم على معنى وجوب إكرامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب، فهو كقوله تعالى: "وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد"تفسير : . فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص، ويؤكده قوله: {أية : ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [النحل: 123]. فالجواب: إنما وقع هذا الكلام مع عبدة الأوثان، فكأنه قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم، وأما تفاصيل الشرائع فلا تعلّق لها بهذا الموضع. قوله: "هُو سَمَّاكُمْ" في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود على "إبْرَاهِيمَ"، لأنه أقرب مذكور إلا أن ابن عطية قال: وفي هذه اللفظة يعني قوله: "وَفِي هَذَا" ضعف قول من قال: الضمير لـ "إبراهيم" ولا يتوجه إلا بتقدير محذوف من الكلام مستأنف. انتهى. ومعنى ضعف من قال بذلك أن قوله: "وَفِي هَذَا" عطف على "مِنْ قَبْلُ" و"هَذَا" إشارة إلى القرآن، فيلزم أن "إبْرَاهِيمَ" سمّاهم المسلمين في القرآن، وهو غير واضح؛ لأن القرآن المشار إليه إنما أنزل بعد إبراهيم بمدد طوال، فلذلك ضعف قوله. قوله: إلا بتقدير محذوف الذي ينبغي أن يقدر: وسميتهم في هذا القرآن المسلمين وقال أبو البقاء: قيل: الضمير لـ "إبْرَاهِيمَ" فعلى هذا الوجه يكون قوله "وَفِي هَذَا" أي: وفي هذا القرآن سبب تسميتهم وهو قول إبراهيم: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البقرة: 128]، فاستجاب الله له، وجعلها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أن الضمير يعود على الله تعالى، ويدلّ له قراءة أُبيّ "اللَّهُ سَمَّاكُمْ" بصريح الجلالة، أي سماكم في الكتب السالفة وفي هذا القرآن الكريم أيضاً. وهو مرويّ عن ابن عباس ويؤيده قوله: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}. فبيّن أنه سمّاهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله. فقوله: "لِيَكُونَ الرَّسُولُ" متعلق بـ "سَمَّاكُمْ" فبيّن فضلكم على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم لأجل الشهادة المذكورة، فلما خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو الموجب الثالث لقبول التكليف، وتقدم الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا وكيف تكون أمته شهداء على الناس في سورة البقرة. وأما ما يجري مجرى المؤكد لما مضى فهو قوله: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} فهي المفروضات، لأنها المعهودة. واعتصموا بحبل الله أي بدلائله العقلية والسمعية. قال ابن عباس: سلوا الله العِصمة عن كل المحرمات. وقيل: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله "هُوَ مَوْلاَكُمْ" سيدكم والمتصرف فيكم وناصركم وحافظكم. {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} فكأنه تعالى قال: أنا مولاكم بل أنا ناصركم. وحسن حذف المخصوص بالمدح وقوع الثاني رأس آية وفاصلة. فصل احتجت المعتزلة بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن قوله: "لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" يدلّ على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل؛ لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن يكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن يكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فسّاقاً، فدل ذلك على أن الله - تعالى - أراد من الفاسق كونه عدلاً. وثانيها: قوله: "وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ" وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه. وثالثها: قوله: "فَنِعْمَ المَوْلَى" فإنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شر المولى أحد إلا وهو شرٌّ منه، فكان يجب أن يوصف بأنه بئْس المولى. وذلك باطل فدل على أنه - سبحانه - ما أراد من جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا: إنه - تعالى - مولى الكافرين والمؤمنين جميعاً، فيجب أن يقال: نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين، فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله - تعالى - تعالى الله عند ذلك. ورابعها: أن قوله: {سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله - تعالى - لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب عن الأول: وهو قولهم إن كونه - تعالى - مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً. فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر يوجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله، ويلزم كونه - تعالى - مريداً لجهل نفسه، وإن لم يكن ذلك واجباً فقد سقط الكلام. وأما قوله: "واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ" فيقال: هذا أيضاً وارد عليكم، فإنه - سبحانه - خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه شياطين الإنس والجن، وعلم لا محالة أنه يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى. فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازمٌ عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية والله أعلم. روى الثعلبي بإسناده عن أُبيّ بن كعب: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي ".

البقاعي

تفسير : ولما أثبت سبحانه أن الملك والأمر له وحده، وأنه قد أحكم شرعه، وحفظ رسله، وأنه يمكن لمن يشاء أيّ دين شاء، وختم ذلك بما يصلح للترغيب والترهيب، وكانت العادة جارية بأن الملك إذا برزت أوامره وانبثت دعاته، أقبل إليه مقبلون، خاطب المقبلين إلى دينه، وهم الخلص من الناس، فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي قالوا: آمنا {اركعوا} تصديقاً لقولكم {واسجدوا} أي صلوا الصلاة التي شرعتها للآدميين، فإنها رأس العبادة، لتكون دليلاً على صدقكم في الإقرار بالإيمان، وخص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما، لأنهما - لمخالفتهما الهيئات المعتادة - هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما عنها جداً في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح - لما غلب عليه من العتو - بعض الهيئات الدالة على ذل. ولما خص أشرف العبادة، عم بقوله: {واعبدوا} أي بأنواع العبادة {ربكم} المحسن إليكم بكل نعمة دنيوية ودينية. ولما ذكر عموم العبادة، أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها، وقد يكون بلا نية، فقال: {وافعلوا الخير} أي كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المرضى ونحو ذلك، من معالي الأخلاق بنية وبغير نية، حتى يكون ذلك لكم عادة فيخف عليكم عمله لله، وهو قريب من "ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" قال أبو حيان: بدأ بخاص ثم بأعم. {لعلكم تفلحون*} أي ليكون حالكم حال من يرجو الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب؛ قال ابن القطاع: أفلح الرجل: فاز بنعيم الآخرة، وفلح أيضاً لغة فيه. وفي الجمع بين العباب والمحكم: الفلح والفلاح: الفوز والبقاء وفي التنزيل {أية : قد أفلح المؤمنون} تفسير : [المؤمنون: 1] أي نالوا البقاء الدائم، وفي الخبر: أفلح الرجل: ظفر. ويقال لكل من أصاب خيراً: مفلح. ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو - مع كونه حقيقة في قتال الكفار - صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: {وجاهدوا في الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا يخرج شيء من المظروف عن الظرف {حق جهاده} باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما أمر به من الجهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما جهاداً يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه. ولما أمر سبحانه بهذه الأوامر، أتبعها بعض ما يجب به شكره، وهو كالتعليل لما قبله، فقال: {هو اجتباكم} أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم - لكونكم أتباعه - خير الأمم {وما جعل عليكم في الدين} الذي اختاره لكم {من حرج} أي ضيق يكون به نوع عذر لمن توانى في الجهاد الأصغر والأكبر كما جعل على من كان قبلكم كما تقدم ذكره بعضه في البقرة وغيرها، أعني {ملة}. ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه اباً، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع، ولذلك حثهم على ملته بالتعليل بقوله: {هو} أي إبراهيم عليه السلام {سمّاكم المسلمين*} في الأزمان المتقدمة {من قبل} أي قبل إنزال هذا القرآن، فنوّه بذكركم والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، وسماكم أيضاً مسلمين {وفي هذا} الكتاب الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}تفسير : [البقرة: 128] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون {هو سمّاكم} تعليلاً للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله {هو اجتباكم} فيكون الضمير لله تعالى، ويشهد له بالحسن قراءة أبي رضي الله عنه بالجلالة عوضاً عن الضمير، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه {أية : السلامتفسير : [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله. ولما كان الاسم إذا كان ناشئاً عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبراً عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقياداً لتكونوا خيرهم، علل هذا المعنى بقوله: {ليكون الرسول} يوم القيامة {شهيداً عليكم} لأنه خيركم، والشهيد يكون خيراً ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام فقط، لم يقتض الحال تقديم الظرف بخلاف آية البقرة، فإنها لإثبات ما هو أخص منه {وتكونوا} بما في جبلاتكم من الخير {شهداء على الناس} بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم، فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة. ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس، تسبب عنه قوله: {فأقيموا} أي فتسبب عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام الشريف أني أقول لكم: أقيموا {الصلاة} التي هي زكاة قلوبكم، وصلة ما بينكم وبين ربكم {وآتوا الزكاة} التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم {واعتصموا بالله} أي المحيط بجميع صفات الكمال. في جميع ما أمركم به، من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين، فيذب عنكم من يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة؛ ثم علل أهليته لاعتصامهم به بقوله: {هو} أي وحده {مولاكم} أي المتولي لجميع أموركم، فهو ينصركم على كل من يعاديكم، بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها؛ ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله: {فنعم المولى} أي هو {ونعم النصير*} لأنه إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحداً أعلاه على كل من خاصمه "حديث : ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته" تفسير : - الحديث، "حديث : إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت"تفسير : وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} [الآية: 77]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: اخضعوا وانقادوا لأوامره، وسلموا لقضائه وقدره، تكونوا من خالص عباده، وافعلوا الخير ابتغاء الوسيلة لعلكم تفلحون تجدون الطريق إليه. وقال ابن عطاء رحمة الله عليه: واعبدوا ربكم فى أداء الفرائض، واجتناب المحارم. وقال فارس: احتملوا البلايا فى الدين والدنيا بعد أن جعلكم الله من أهل خدمته، ورزقكم حلاوة مذاق صفوته.

القشيري

تفسير : الركوعُ والسجودُ والعبادةُ كُلُّها بمعنى الصلاة؛ لأنَّ الصلاةَ تشتمل على هذه الأفعال جميعها، ولكنْ فَرّقَها في الذكر مراعاةً لقلبِكَ من الخوف عند الأمر بالصلاة؛ فَقَسَّمها ليكونَ مع كلِّ لفظٍ ومعنى نوعٌ من التخفيف والترفيه، ولقلوبِ أهل المعرفةِ في كل لفظةٍ راحة جديدة. ويقال لَوَّنَ عليهم العبادةَ، وأَمَرَهم بها، ثم جميعُها عبادةٌ واحدةٌ، ووَعَدَ عليها من الثوابِ الكثيرِ ما تقْصُرُ عن عِلْمه البصائر. ويقال عَلِمَ أَنَّ الأحبابَ يُحِبُّون سماعَ كلامِه فَطَّولَ عليهم القولَ إلى آخر الآية؛ ليزدادوا عند سماع ذلك أُنَسَاً على أُنسٍ، ورَوْحَاً على روْح، ومُعَادُ خطابِ الأحبابِ وهو رَوْحُ رُوحهم وكمالُ راحتهم. ثم قال بعد هذا: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} فأدخل فيه جميعَ أنواع القُرَبِ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} هذا خبر عن مقام المكاشفة فى المراقبة الا اذا شاهدتم مشاهدة الكبرياء اركعوا اذا شاهدتم مشاهدة العظمة اسجدوا واذا شاهدتم جمال ربوبيته افنوا فى العبودية {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} تخيرون عن هذه المقامات طلاب معرفتى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بى عنى وتظفرون بعد فنائكم فى بقائكم مع بقائى قال ابن عطا اركعوا واسجدوا او اخضعوا وانقادوا الاوامر وسلموا القضائية وقدرة تكونوا من خالص عباده وافعلوا الخير ابتغاء الوسيلة لعلكم تفلحون اى لعلكم تجدون الطريق اليه ثم امرهم بخوالجها لوجدان حقيقة المعاد والرجوع الى المراد لان ما امرهم بالركوع والسجود على مقادير العبودية وطلب حق الربوبية فى العبودية منهم بقوله {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} لا تنظر ان هذا الامر امر مستحيل من حيث عجز الخلق عن درك ادراك حقيقة انما اراد بهذا الامر فناء الخليقة فى الحقيقة وهذا ممكن خاصة انه اخبر تعالى انهم بذلك مصطفون بقوله {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} اى هو اجتباكم بالفناء فى بقائه حين ينكشف انوار شوس القدم لاهل العدم جاهدوا فى الله اى افتوا فى الله حق الفناء بحيث لا ترون فنائكم فى بقائه بل ترون وجوده بوجوده لا بوجودكم لان هذه الاجتبائية الازلية يقتصر لكم مشاهدته ومشاهدته يقتضى لكم فناءكم فيه ثم بين ان فى هذا الطريق المبارك والدين الشريف لم يكن حرج وتكليف ما لا يطاق بقوله {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} اى اذا شاهدتم مشاهدة جمال سهل عليكم فناءكم فى جلالى ان من عاينى عشقنى وطاب عيشه معى وسهل عليه بذل مهجته الا لان هذا مقام عاشقين ----- المحبين مثل الخليل والحبيب والكليم الا ترى كيف قال {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ملة ابيكم العشق والمحبة والخلة والاستسلام والانقياد وبذلك الوجود بنعت السخاء والكرم يا اسباط خليلى راى ابوكم استعداد هذه المراتب الشريفة فيكم قبل وجودكم بنور النبوة بقوله {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} سماكم منقادين وبين يدى عرافين بوحدانيتى وفيما ذكرنا من اوصافكم حبيبى شاهد عليكم عندى يعرف هذه الفضائل منكم وهو بلغكم نشر فضايلى عليكم قوله تعالى {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} فانكم تعرفونهم فيما هم فيه وان رسلهم قد بلغهم رسالاتى التى سبب نجاتهم ثم أمرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة شكر النعمة وحمد الافضال اى اطلب فى مقام مناجاتكم فى الصلاة وادخلوا بمهمتكم فيها فانها حصتى وكونوا بنعت التجريد عن الدنيا ما فيها فى بذل أنفسكم الىّ وفى هذه المعاملات الشريفة اطلبوا الاعتصام منى استعينوا بى لاقويكم فى طاعتى {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} حبيبكم ناصركم فى الازل {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} حيث لا مولى غيره {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} يحث لا يخذل من نصره بان نصره عزيز ممتنع من نقائص النقص قال جعفر حق المجاهدة على القلب فان النفس لا تقوم بحق المجاهدة ان لا يختار عليه شيئا كما لم يخيّر عليكم بقوله هو اجتباكم قال بعضهم المجاهدة على ضروب مجاهدة مع اعداء الله ومجاهدة مع الشياطين و اشدها المجاهدة مع النفس هو الجهاد فى الله وهو الذروى عن النبى صلى الله عليه وسلم رجعتم من الجهاد والاصغر الى الجهاد الاكبر وهو مجاهدة النفس وحملها على اتباع ما امر به واجتناب ما نهى عنه وقال ابن عطا الاجتبائية اورثت المجاهدة لا المجاهدة اورثت الاجتبائية وقال ايضا ملة ابراهيم هو السخا والبذل والاخلاق والخروج من النفس والاهل والمال والولد قال ايضا فى قوله هو سماكم المسلمين زينكم بزينة الخواص قبل ان اوجدكم لانكم فى القدرة عند الايجاد كما كنتم قبل الايجاد سبق لكم من الله الخصوصية فى ازله وقال النورى الاعتصام بالله للخواص والاعتصام بحبل الله للعوام والاعتصام بحبل الله هو التمسك بالاوامر على السنن والاعتصام بالله هو حفظ القلب والسر عما يفعل عنه والاشتغال بمراقبته والاقبال عليه قال الله اعتصموا بالله هو مولاكم اى هو الذى يغنيكم به ان اقبلتم على الاعتصام وقال جعفر نعم المبين لمن استعان ونعم النصير لمن استنصره.

اسماعيل حقي

تفسير : {ياايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} اى فى صلاتكم امرهم بها لما انهم ما كانوا يفعلونها اول اسلام، قال ابو الليث كانوا يسجدون بغير ركوع فامرهم الله بان يركعوا ويسجدوا وقال بعضهم كانوا يركعون بلا سجود ويسجدون بلا ركوع، قال الكاشفى [در اول اسلام همين قعود وقيام بوده بدين آيت ركوع وسجود داخل شد] او المعنى صلوا عبر عن الصلاة بهما لانهما اعظم اركانها {واعبدوا ربكم} بسائر ما تعبدكم به {وافعلوا الخير} وتحروا ماهو خير واصلح فى كل ما تأتون وما تذرون كنوافل الطاعات وصلة الارحام ومكارم الاخلاق وفى الحديث "حديث : حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم"تفسير : وفى المرفوع "حديث : النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها"تفسير : ، قال فى المفردات الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا والعدل والفضل والشىء النافع والشر ضده وقيل الخير ضربان خير مطلق وهو ان يكون مرغوبا فيه بكل حال وعند كل احد كما وصف عليه السلام الجنة فقال "حديث : لاخير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة"تفسير : وخير مقيد وهو ان يكون خير الواحد شر الآخر كالمال الذى ربما كان خيرا لزيد وشرا لعمرو {لعلكم تفلحون} اى افعلوا هذه كلها وانتم راجون بها الافلاح غير متيقنين له واثقين باعمالكم: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بضاعت نياوردم الا اميد خدايا زعفوم مكن نا اميد تفسير : والفلاح الظفر وادراك البغية وذلك ضربان دنيوى واخروى فالدنيوى الظفر بالسعادات التى يطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز والعلم والاخروى اربعة اشياء بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل ولذلك قيل لا عيش الا عيش الآخرة شعر : زنهار دل مبند بر اسباب دنيوى تفسير : قالوا الآية آية سجدة عند الشافعى واحمد لظاهر مافيها من الامر بالسجود، قال الكاشفى [اين سجده مختلف فيه است وبمذهب امام شافعى سجده هفتم باشد از سجدات قرآن وحضرت شيخ اين را سجدة الفلاح كفته] وقال الامام الاعظم والامام مالك دل مقارنة السجود بالركوع فى الآية على ان المراد سجود الصلاة. قال فى التأويلات النجمية يشير بقوله {ياأيها الذين آمنوا} الآية الى الرجوع من تكبر قيام الانسانية الى تواضع خشوع الحيوانية فان الحيوانات على اربع فى الركوع لقوله {أية : ومنهم من يمشى على اربع}تفسير : والرجوع من الركوع الى الانكسار والذلة والنباتية فى السجود فان النبات فى السجود لقوله {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : لان الروح بهذه المنازل كان مجيئة من عالم الاوراح عبر على المنزل النباتى ثم على المنزل الحيوانى الى ان بلغ المنزل الانسانى فعند رجوعه الى الحضرة يكون عبورة على هذه المنازل وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة معراج المؤمنين"تفسير : ثم قال {واعبدوا ربكم} يعنى بهذا الرجوع اليه خالصا لوجه تعالى {وافعلوا الخير} بالتوجه الى الله فى جميع احوالكم واعمال الخير كلها {لعلكم تفلحون} بالعبور على هذا المنازل من حجب الظلمات النفسانية والانوار الروحانية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ملة أبيكم}: منصوب بمحذوف، أي: اتبعوا ملة إبراهيم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} في صلاتكم، وكانوا أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود، وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، وأن هذه السجدة للصلاة لا للتلاوة، قاله النسفي. {واعبدوا ربكم} أي: واقصدوا بعبادتكم وجه الله، وأخلصوا فيها، أو هو عطف عام على خاص؛ فإن العبادة أعم. {وافعلوا الخير} كله. قيل: لما كان للذكر مزية على غيره دعا المؤمنين أولاً للصلاة التي هي ذكر خالص؛ لقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]، ثم إلى العبادة بغير الصلاة، كالصوم والحج، ثم عم بالحث على سائر الخيرات. وقال ابن عرفة: وافعلوا الخير: راجع للعبادة المتعدية، وما قبله يختص بالقاصرة. قال المحشي: وفيه نظر؛ لشمول العبادة لِمَا هو متعدي النفع، كتعليم العلم، والصدقة ونحو ذلك، بل أمر أولاً بالصلاة، وهي نوع من العبادة، وثانيًا بالعبادة، وهي نوع من فعل الخير، وثالثًا بفعل الخير، وهو أعم من العبادة. فبدأ بخاص ثم عام ثم بأعم. هـ. {لعلكم تُفلحون}: كي تفوزوا، أي: افعلوا هذا كله، وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين، فلا تتكلوا على أعمالكم. {وجاهدوا في الله} أي: في ذات الله ومن أجله {حقَّ جهاده}، أمرٌ بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، ومنه: كلمة حق عند أمير جائر. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أعمال البر كلها، إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنفثة إلى جنب البحر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ كنفثة في بحر، والجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ إلى جنب مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي، كنفثة في جنب بحر لجيّ"تفسير : . وهذا على معنى الخبر الذي جاء: "حديث : جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"تفسير : . يعني: مجاهدة النفس. قاله في القوت. قال القشيري: حق الجهاد ما يوافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوعِ، فإذا حَصَل في شيءٍ منه مخالفة فليس حَقَّ جهاده. هـ. قلت: موافقة القَدْر، في جهاد النفس، أن يكون بغير إفراط ولا تفريط، فالإفراط يُمل، والتفريط يُخل، وموافقة الوقت أن يكون قبل حصول المشاهدة؛ إذ لا تجتمع مجاهدة ومشاهدة في وقت واحد. والنوع أن يجاهدها بما يُباح في الشرع، لا بمحرم ولا مكروه. وقال في الحاشية: هو الوفاء بالمشروع مع رفع الحرج، بدليل ما بعده، فهو موافق لقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التّغَابُن: 16]، ومما هو ظاهر في الآية: الذب عن دينه وتغيير المناكر. هـ. {هو اجتباكم}: اختاركم لدينه بإظهاره والذب عنه، وهو تأكيد للأمر بالجهاد، أي: وجب عليكم أن تجاهدوا؛ لأنَّ الله اختاركم لإظهار دينه، {وما جعل عليكم في الدين من حَرجٍ}: ضيقٍ، بل وسع عليكم من جميع ما كلفكم به، من الطهارة، والصلاة والصوم والحج، بالتيمم والإيماء، وبالقصر في السفر، والإفطار لعذر، وعدم الاستطاعة في الحج. فاتبعوا {ملةَ أبيكم إِبراهيم}؛ فإن ما جاءكم به رسولكم موافق لملته في الجملة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جئتكم بالحنيفية السمحة ". تفسير : وسماه أبًا، وإن لم يكن أبًا للأمة كلها؛ لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبًا لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَمَّا أَنَا لكُمْ مِثْلُ الوَالِدِ ". تفسير : {هو سماكم المسلمين} أي: الله، بدليل قراءة أُبي: "الله سماكم" أو إبراهيم لقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البَقَرَة: 128] {من قبلُ} أي: سماكم من قبل ظهورهم في الكتب السالفة، {وفي هذا} أي: القرآن، فقد فضلكم على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم الأكرم، {ليكون الرسولُ شهيدًا عليكم} أنه قد بلغكم رسالة ربكم، {وتكونوا شهداء على الناس} بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم. وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة {فأقيموا الصلاة} بواجباتها، {وآتوا الزكاة} لشرائطها، {واعتصموا بالله} أي ثقوا به وتوكلوا عليه، لا بالصلاة والزكاة. أو: ثقوا به في جميع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه. {هو مولاكم}: مالككم وناصركم ومتولي أموركم، {فنعم المولى}؛ حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم، {ونعمَ النصير} أي: الناصر؛ حيث أعانكم على طاعتكم ومجاهدة نفوسكم وأعدائكم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا تقربوا إليَّ بأنواع الطاعات وبالمسارعة إلى الخيرات، لعلكم تفوزون بمعرفة أسرار الذات وأنوار الصفات، وجاهدوا نفوسكم بأنواع المجاهدات، كي أجتبِيكم وأنزهكم في أسرار ذاتي، فإني قد اجتبيتكم قبل كونكم في أزل أزلي. وكأنه يشير إلى قوله: "حديث : لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به..." تفسير : الحديث. والمأمورُ به من التقرب والمجاهدة قدر الاستطاعة، من غير تشديد ولا تعقيد، لقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حَرج}؛ لأن مبني الشرع الكريم على السهولة، فالذي يتوصل إلى رضوانه أو صريح معرفته، لا يشترط أن يستغرق كنه إمكان العبد فيه. "لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدًا، ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونَعْتَكَ بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليه". كما في الحِكَم. وقال الورتجبي: {وما جعل...} الآية، أي: إذا شاهدتم مشاهد جمالي سهل عليكم فناؤكم في جلالي، وسهل عليكم بذل مهجكم إليه. ألا ترى كيف قال: {ملة أبيكم إبراهيم}، ومن ملته: الاستسلام والانقياد، وبذل الوجوه بنعت السخاء والكرم، يا أسباط خليلي، رأى أبوكم استعداد هذه المراتب الشريفة فيكم، قبل وجودكم بنور النبوة، فسماكم المسلمين، أي: منقادين بين يديَّ، عارفين بوحدانيتي. وفيما ذكرنا من أوصافكم، حبيبي شاهد عليكم، يعرف هذه الفضائل منكم، وهو بلغكم نشر فضائلي عليكم. ثم قال: اطلبوا الاعتصام مني، استعينوا لأقويكم في طاعتي. ثم قال: {فنعم المولى} حيث لا مولى غيره، {ونعم النصير} حيث لا يُخذل من نصره؛ فإن الله عزيز ممتنع من نقائص النقص. قال جعفر في قوله: {حق جهاده}: ألاَّ تختارَ عليه شيئًا، كما لم يختر عليك؛ لقوله: {هو اجتباكم}. هـ. وقوله تعالى: {وتكونوا شهداء على الناس...} الآية، أي: اجتباكم واختاركم وسماكم مسلمين، لتكونوا مرضيين عدولاً، تشهدون على الأمم، كما يشهد محمد صلى الله عليه وسلم عليكم ويزكيكم، فهو كقوله تعالى: {أية : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ} تفسير : [البَقَرَة: 143] الخ. وإذ قد خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه وثقوا به، ولا تطلبوا الولاية والنصرة إلا منه فهو خير ولي وناصر، ومن كان الله تعالى مولاه وناصره فقد أفلح وفاز، ولذلك افتتح السورة التي تليها به. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ} ركوع الصّلٰوة او تواضعوا لربّكم {وَٱسْجُدُواْ} سجدة الصّلٰوة او تواضعوا غاية التّواضع لربّكم {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} اى اخرجوا من انانيّاتكم بركوعكم وسجودكم وصيروا احراراً من عبوديّة انفسكم وعبيداً لربّكم {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قد مضى مكرّراً انّ التّرجّى من الله واجب. اعلم انّ الآية الشّريفة اشارة الى مراتب السّالكين واسفارهم فانّ اسفارهم وان كانت لا حدّ لها ولا نهاية لكنّها بحسب الامّهات محصورة فى اربعةٍ كما اسلفنا ذلك مكرّراً؛ الاوّل السّفر من الخلق الى الحقّ وفى هذا السّفر ينكسر الانانيّة الّتى هى من الخلق بحيث لم يبق نسبة الفعل الى نفس السّالك بل يرى الفعل من الفاعل الظّاهر فى وجوده وحينئذٍ ينتهى سفره من الخلق الى الحقّ، وبعد هذا يكون السّفر من الحقّ الى الحقّ وفى هذا السّفر ينكسر انانيّته الّتى هى رؤية الوجود لذاته ورؤية ذاته وما دام ذاته تكون باقيةً يكون سفره من الحقّ الى الحقّ ولم يكن عبداً لبقاء انانيّةٍ ما عليه فاذا انتهى فى هذا السّفر بحيث لم يبق له ذات واثر من ذاته صار عبداً لله فانياً من ذاته ويكون سفره بعد ذلك فى الحقّ، فان ادركته العناية الالهيّة وابقاه بعد فنائه يصير محسناً وفاعلاً للخيرات فانّه فى السّفر الاوّل والثّانى بواسطة بقاء الانانيّة لم يكن فعله خيراً على الاطلاق، وفى السّفر الثّالث لم يكن فعله منه حتّى يكون فاعلاً لشيءٍ وفى هذا السّفر وهو السّفر بالحقّ فى الخلق يكون له انانيّة بانانيّة الله وفاعليّة الله ويكون فعله خيراً على الاطلاق والى هذه الاربعة اشارت الآية فانّه تعالى اشار بقوله: اركعوا الى السّفر من الخلق الى الحقّ، وبقوله: اسجدوا الّذى هو خروج من الانانيّة حتّى من نسبة الذّات الى النّفس الى السّفر من الحقّ الى الحقّ، وبقوله: واعبدوا ربكم الى السّير بالحقّ فى الحقّ، وبقوله: وافعلوا الخير الى السّير بالحقّ فى الخلق، ولا ينافى ذلك الخطاب كمال الكامل حتّى ينافى تفسير الآية بالائمّة (ع) فانّ الكامل لكونه جامعاً لجميع المراتب يكون له على سبيل الاستمرار سير من الخلق الى الحقّ وسير مع الحقّ فى الخلق، وقد اشرنا فى المقدّمات وفى تفسير الفاتحة وفيما بعدها الى الاسفار وكيفيّة السّلوك فيها.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجُدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس 77و78} قال حدّثنا فرات بن إِبراهيم الكوفي معنعناً: عن بريد قال كنت عند أبي جعفر [عليه السلام. ر، أ] فسألته وقلت: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} إِلى آخر السورة. قال: إِيانا عنى ونحن المجتبون ولم يجعل علينا في الدين من ضيق والحرج أشد من الضيق {ملة أبيكم} إِيانا عنى خاصة {هو سماكم المسلمين} سمانا المسلمين {من قبل} في الكتب التي مضت [و] {في هذا} القرآن {ليكون الرسول عليكم شهيداً} فالرسول الشهيد علينا [بما بلغنا عن الله. أ، ر] ونحن الشهداء على الناس، فمن صدق يوم القيامة صدقناه ومن كذب كذبناه يوم القيامة.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيّها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} يعني صلّوا واعبدوا، وقيل: كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود فأمروا بأن تكون صلاتهم ركوع وسجود، وقيل: معنى {واعبدوا ربكم} اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله {وافعلوا الخير} قيل: الآداء والزكاة، وقيل: افعلوا الخيرات من الفرائض والنوافل، وعن ابن عباس: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق، قوله تعالى: {لعلكم تفلحون} أي افعلوا هذا كله وأنتم راجون الفلاح طامعون فيه، وعن عقبة بن عامر (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج....؟ قال: "حديث : نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما" تفسير : {وجاهدوا} أمروا بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه رجع من بعض غزواته فقال: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" تفسير : {في الله} أي في دينه {حق جهاده} قال جار الله: كان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه وهي ثلاثة مع الكفار بالسيف والحجة، ومع المبتدعة بالحجة ومع النفس بالامتناع عن المعاصي {هو اجتباكم} لدينه وجهاد أعدائه {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي من ضيق، وقيل: لم يكلفكم ما لم تطيقونه بل جعل فيه التوبة {ملة أبيكم إبراهيم} أي دينه وإنما ذكر ذلك لأن ملته داخلة في ملة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسماه أبا الجميع لأن حرمته كحرمة الوالد على الولد {هو سمَّاكم المسلمين} هو يرجع إلى الله تعالى، وقيل: إلى إبراهيم {من قبل} أي من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن، أي فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم {ليكون الرسول شهيداً عليكم} أنه قد بلّغكم {وتكونوا شهداء على الناس} بأن الرسل قد بلغتهم، وإذا خصَّكم بهذه الكرامة فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلاَّ منه فهو مولى وناصر ومعين.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} اي صلوا ولكنه عبر بهما لانهما اعظم اركانها وانت خبير ان للمذكور شأنا عظيما ليس لغيره من الطاعة تدل عليه السورة فلذا دعا المؤمنين اولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص واشرف الذكر القرآن والحق انه في الصلاة أولى منه في غيرها بالانفراد وفي الجماعة أولى منه في الصلاة. وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يصلون بركوع دون سجود وبه دون ركوع فامرهم عز وجل بالجمع بينهما. وقيل: المعنى اخضعوا لله وخروا له سجدا {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} وحدوه. وقيل: اخلصوا له العبادة من صلاة وغيرها. وقيل: اعبدوه بما تعبدتم به * {وَافْعَلُوا الخَيْرَ} حث على سائر الخيرات عموما من فرض ونفل. وقيل: المراد نوافل الطاعة. وعن ابن عباس صلة الارحام ومكارم الاخلاق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون ارجوا الفلاح غير واثقين باعمالكم أو لتفلحوا. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : ايما مسلم كسا مسلما ثوبا كساه الله من الجنة وايما مسلم اطعم مسلما اطعمه الله من ثمر الجنة وايما مسلم سقى مسلما عن ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم وايما مسلم كسا مسلما كان في حفظ الله ما بقيت عليه رقعة وبرءت ذمة الله من أهل محلة ظل فيهم جائع"تفسير : والحق انه لا سجدة هنا وهو مذهبنا معشر الاباضية ومذهب الحنفية والحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري ومالك لاقتران السجود بالركوع فدل على انه سجود صلاة لا سجود تلاوة. وعن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وابي الدرداء وابي موسى وابن المبارك الشافعي واحمد واسحاق انه يسجد هنا لما رواه عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال:"حديث : نعم ان في الحج سجدتين إن لم يسجدهما"تفسير : اي ان لم ترد سجودهما فلا تقراهما بعد ما قال له يا رسول الله: أفي الحج سجدتان؟ وعن مالك في موطئه عن ابن عمر فضلت سورة الحج بسجدتين. وروى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم فضلت سورة الحج بسجدتين وضعفه. واخرج ابو داود عن عمرو بن العاص عنه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وانه (السجدات) خمس عشرة. حديث : عن ابي هريرة سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ والانشقاق. وعن ابي الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم "احدى عشرة"تفسير : رواه ابو داود وضعف اسناده. واسقط الشافعي سجدة (صاد) والصحيح اثباتها وهو رواية عن احمد وانه لا سجدة في المفصل وهو قول ابيّ وابن عباس ومالك. وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع عند الشافعي وواجب عند ابي حنيفة والقولان في مذهبنا {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ} في سبيل الله لاقامة دينه أو جاهدوا الله اعداءه الظاهرة كالمشركين ودخل في ذلك جهاد الباغين وأهل الزيغ واعداءه الباطنة كالهوى والنفس و (في) ظرفية أو تعليلية أو بمعنى (لام التمليك) أي اخلصوا جهادكم له. ورجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فقال:"حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر"تفسير : أي جهاد النفس رواه البغوي بغير سند والبيهقي بسند ضعفه. وقال غيره: لا اصل له. وقيل: المراد جهاد الكفار. قال عياض: والعموم احسن {حَقَّ جِهَادِهِ} باستفراغ الطاقة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو ان لا تخافوا في الله لومة لائم. وقيل: المعنى اعملوا لله حق عمله وانه منسوخ بقوله عز وجل {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}. تفسير : وقال الاكثرون هو اخلاص النية لله ولتكون كلمة الله هي العليا. وقيل: المراد بالجهاد الذي هو حق الجهاد جهاد النفس (وحق) مفعول مطلق اي جهاد فيه حقا خالصا لله فعكس واضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك (حق عالم) بالاضافة ومرادك (عالم حق) بالوصف واضيف الجهاد للضمير اما على الاتساع في الظرفية اصله (حق جهاد فيه) فحذف الجار واضيف الجهاد للهاء كقوله: شعر : ويوما شهدناه سليما وعامرا تفسير : أي شهدنا فيه على أحد أوجه واما لان اضافة بادنى ملابسة والجهاد لما كان لوجه الله اضيف اليه. {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} اي اختاركم لدينه ونصرته ولا رتبة أعلى من هذه ولا سعادة فوقها وفيه تنبيه على المقتضي للجهاد والداعي إليه * {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ضيق كما جعله على الامم بل سهل لكم عند الضرورة كالقصر واليتيم وأكل الميته والفطر للمرض والسفر والضعف المؤدي لهلاك الصائم أو غيره والصلاة قاعدا وتوسيع الصوم والحج عند خفاء الهلاك إلى التيقن والصلاة حيث ادركت وكون ذنوبهم التي بينهم وبين الله تكفر بالمصائب مطلقا ومع التوبة ان كانت كبائر. وقال قومنا مطلقا وبعضها بالتكفير والتوبة ولا بد من التخلص إلى المظلوم فلم يجعل الله ذنبا لا مخرج له في هذه الامة. وعنه صلى الله عليه وسلم"حديث : خير دينكم ايسره ". تفسير : وقال:"حديث : ان كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ". تفسير : وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم"حديث : والذي نفسي بيده ما اجتمع أَمران في الاسلام إِلا كان أَحبهما إليّ أَيسرهما ". تفسير : وعن عروة بن الزبير عن عائشة "حديث : ما عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم امران الا اخذ بايسرهما ما لم يكن اثما"تفسير : وان كان لأبعد الناس من الاثم. وعنه صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا امرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ". تفسير : وهذه الامة امة مرحومة مذكورة بالرحمة في الكتب الماضية وفي الآية اشارة إلى انه لا مانع لكم من اداء ما فرض عليكم لسهولته فكيف تتركونه؟ وإلى توضيح تارك الفرض * {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ} مفعول لمحذوف اي اتبعوا ملته أو الزموها او اعينها فانها هي دين النبي صلى الله عليه وسلم أو مفعول مطلق لقوله: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) على حذف مضاف وملاحظة تضمين (ما جعل عليكم في الدين من حرج) معنى وسع عليكم الدين اي وسع دينكم توسعة (ملة ابيكم) اي يقدر وسعه توسعة ملة ابيكم. وقيل: منزوع الكاف اي (كملّة ابيكم) وهو تمثيل لانتفاء الحرج * {إِبْرَاهِيمَ} هو ابو نبينا صلى الله عليه وسلم فكانه اب لامته لان امة الرسول في حكم اولاده لانه سبب لحياتهم الابدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة. وان كان الخطاب للعرب فابراهيم ابو العرب قاطبة. وقيل: ابو اكثرهم * {هُوَ} اي الله بدليل قراءة ابيّ (الله سماكم) * {سَمَّاكُمُ الْمُسلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} قيل هذا الكتاب في سائر الكتب * {وَفِي هَذَا} اي القرآن هذا قول مجاهد وقتادة وابن عباس. وقال ابن زيد من سلف علماء الاندلس الضمير لابراهيم عليه السلام فالمعنى انه سماكم مسلمين من قبل هذا الزمان أو من قبل هذا الكتاب في زمانه وسماكم مسلمين في القرآن. وان قلت: كيف يسميهم في القرآن والقرآن كلام الله لا كلامه؟ قلت: لما سماهم في زمانه وكان ما سماهم به مذكورا في القرآن فكأنه هو الذي سماهم فيه إذ ذكروا فيه باسم هو الذي ابتدأ وسماهم في قوله من قبل {أية : ومن ذريتنا امة مسلمة لك}تفسير : وقال ابو يعقوب يوسف في الدليل والبرهان بعد كلام منقول النطفة انسان بالقوة وعند الحصول انسان بالفعل وفي المهر سابق القوة كما ولد وسابق بالفعل عند السبق ومنه (سماكم المسلمين من قبل) وفي هذا. وقيل: (في هذا) خبر لمحذوف اي (في هذا القرآن) بيان تسميته لكم والضمير لابراهيم وفي تسمية الله بذلك تشريف وتفضيل على الامم {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} يوم القيامة بانه بلغكم أو بطاعة المطيع وعصيان العاصي وفي ذلك كرامة عظيمة إذ قبلت شهادته لنفسه على انه بلغ وهذا على التفسير الاول فهو في غاية العصمة واللام قيل متعلق بسماكم {وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} ان رسلهم قد بلغتهم وعلموا بالتبليغ باخبار النبي صلى الله عليه وسلم فضل هذه الامة بجعلهم شهداء على الامم وكان الله يبعث النبي من الانبياء فيقول انت شاهد على امتك وبقوله: {أية : ادعوني أَستجب لكم} تفسير : وكأن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (ادعني استجب لك) وبقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وكأن يقول للنبي من الانبياء (ليس عليك في الدين من حرج) {فَأَقِيمُوا الصَّلٰوةَ} حافظوا عليها والمراد المفروضة {وَآتُوا الزَّكَٰوةَ} المفروضة اهلها * {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} ثقوا به وتوكلوا عليه. وقيل: تمسكوا بدينه من كتاب وسنة. وقال ابن عباس: سلوه العصمة من كل مكروه. وقيل: سلوه التثبيت على دينكم {هُوَ مَوْلاَكُمْ} وليكم الذي نصركم وحفظكم واموركم * {فَنِعْمَ المَوْلَى} هو {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} هو ولا مثيل له في الولاية والنصر بل لا ناصر ولا مولى سواه في الحقيقة. والفاء الاولى للسببية اي تقربوا إلى الله بتلك العبادات لما خصكم به من الشرف وثقوا به في كل شيء ولا تطلبوا الاعانة والنصر الا منه والثانية للتعليل اي لانه خير (مولى) وخير (ناصر) اللهم ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة اخز النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {يا أيها الَّذين آمنُوا اركَعُوا واسْجُدوا} ركوع الصلاة، وسجودها، وكانوا يركعون بلا سجود، ويسجدون بلا ركوع فى صلاتهم، فأمره الله سبحانه بالجمع بينهما، ذكره أبو حيان والفراء قبله، أو هما أمر بالصلاة، وخصا لأنهما أعظم أجزائها من حيث الخضوع، ولو كان القيام أعظم من حيث اشتماله على القرآن، وقيل: المراد الأُمر بالخضوع لله، ولا سجود هنا عندنا وعند مالك وأبى حنيفة، والحسن وابن المسيب، وابن جبير وسفيان الثوى، وقال الشافعى يسجد عند قوله تعالى: {لعلكم تفلحون} قال عقبة بن عامر: يا رسول الله فضلت سورة الحج بسجدتين، قال: "حديث : نعم" تفسير : وقوله بعد هذا: "حديث : ومن لا سجدهما لا يقرأهما موضوع ". تفسير : وقال عمروا بن العاص أقرأنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة، منها ثلاث فى المفصل، وفى سورة الحج سجدتان، وبذلك قال على، وعمر، وابنه عبد الله، وعثمان، وأبوا الدرداء، وأبو موسى، وابن عباس: {اعبدوا ربكم} بالفرض والنفل، وقيل: المراد الفرض {وافعلوا الخير} النفل، على أن ما قبله الفرض أو فيه والفرض، وعليه فهو تخصيص بعد تعميم أو فعل الخير فى الناس كمكارم الأخلاق، وصله الأرحام. قال أبو عبد الله الغرناطى: شملت الآية استئناف الهدية والمكافأة عليها، والصدقة بمخزون، وبحادث على من حضرها، وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويكافىء عليها، قال أبو حنيفة: أرى المكافأة بأحسن منها لقوله لقوله تعالى: "أية : وإذا حُييتم بتحية" تفسير : [النساء: 86] الخ، وقوله عز وجل "أية : ولا تنسوا الفضل بينكم" تفسير : [البقرة: 237] وأهدى اليه الحجاج ألف نعل، وفرقها، وبعد يوم أو يومين اشترى نعلا لابنه، فقيل له، فقال: مذهبى تفريق الهدايا والمكافأة عليها بمثلها أو أضعافها، وقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أهدى الى الرجل فجلساؤه شركاؤه" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس منا من وسع الله تعالى عليه فلم يوسع على نفسه وعياله" تفسير : قال الحسن: إذا وسع الله عليك فوسع وإن أمسك فأمسك. {لعلَّكم تُفلحُون} تفوزون لعل للتعليل، أو للترجية، والمعنى راجين الفلاح، وهو حال معنوية لا اصطلاحية، لأن ذلك إنشاء.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} أي صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها وأفضلها / والمراد أن مجموعهما كذلك وهو لا ينافي تفضيل أحدهما على الآخر ولا تفضيل القيام أو السجود على كل واحد واحد من الأركان، وقيل: المعنى اخضعوا لله تعالى وخروا له سجداً، وقيل: المراد الأمر بالركوع والسجود بمعناهما الشرعي في الصلاة فإنهم كانوا في أول إسلامهم يركعون في صلاتهم بلا سجود تارة ويسجدون بلا ركوع أخرى فأمروا بفعل الأمرين جميعاً فيها حكاه في «البحر» ولم نره في أثر يعتمد عليه، وتوقف فيه صاحب «المواهب» وذكره الفراء بلا سند {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} بسائر ما تعبدكم سبحانه به كما يؤذن به ترك المتعلق، وقيل: المراد أمرهم بأداء الفرائض. وقوله تعالى: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} تعميم بعد تخصيص أو مخصوص بالنوافل وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أمر بصلة الأرحام ومكارم الأخلاق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي افعلوا كل ذلك وأنتم راجون به الفلاح غير متيقنين به واثقين بأعمالكم. والآية آية سجدة عند الشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحٰق رضي الله تعالى عنهم لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولما تقدم عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: ( حديث : نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما )تفسير : ، وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وعمر وابنه عبد الله وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس في إحدى الروايتين عنه رضي الله تعالى عنهم، وذهب أبو حنيفة ومالك والحسن وابن المسيب وابن جبير وسفيان الثوري رضي الله تعالى عنهم إلى أنها ليست آية سجدة، قال ابن الهمام: ((لأنها مقرونة بالأمر بالركوع والمعهود في مثله من القرآن كونه أمراً بما هو ركن للصلاة بالاستقراء نحو { أية : وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى } تفسير : [آل عمران: 43] وإذا جاء الاحتمال سقط الاستدلال، وما روي من حديث عقبة قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي وكذا قال أبو داود وغيره)) انتهى. وانتصر الطيبـي لإمامه الشافعي رضي الله تعالى عنه فقال: الركوع مجاز عن الصلاة لاختصاصه بها وأما السجود فلما لم يختص حمل على الحقيقة لعموم الفائدة ولأن العدول إلى المجاز من غير صارف أو نكتة غير جائز والمقارنة لا توجب ذلك، وتعقبه صاحب «الكشف» بأن للقائل أن يقول: المقارنة تحسن ذلك، وتوافق الأمرين في الفرضية أو الإيجاب على المذهبين من المقتضيات أيضاً، ثم رجع إلى الانتصار فقال: الحق إن السجود حيث ثبت ليس من مقتضى خصوص تلك الآية لأن دلالة الآية غير مقيدة بحال التلاوة بل إنما ذلك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم أو قوله فلا مانع من كون الآية دالة على فرضية سجود الصلاة ومع ذلك تشرع السجدة عند تلاوتها لما ثبت من الرواية الصحيحة، وفيه أنه إن أراد أن ما ثبت دليل مستقل على مشروعيتها من غير مدخل للآية فذلك على ما فيه مما لم يقله الشافعي ولا غيره، وإن أراد أن الآية تدل على ذلك كما تدل على فرضية سجود الصلاة وما ثبت كاشف عن تلك الدلالة فذلك قول بخفاء تلك الدلالة والتزام أن الأمر بالسجود لمطلق الطلب الشامل لما كان على سبيل الإيجاب كما في طلب سجود الصلاة ولما كان على سبيل الندب كما في طلب سجود التلاوة فإنه سنة عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ولعله يتعين عنده ذلك ولا محذور فيه بل لا معدل عنه إن صح الحديث لكن قد سمعت آنفاً ما قيل فيه، ولك أن تقول: إنه قد قوي بما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في / القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان وبعمل كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الظاهر في كونه عن سماع منه صلى الله عليه وسلم أو رؤية لفعله ذلك.

ابن عاشور

تفسير : لما كان خطاب المشركين فاتحاً لهذه السورة وشاغلاً لمعظمها عدَا ما وقع اعتراضاً في خلال ذلك، فقد خوطب المشركون بــــ {يا أيها الناس} أربع مرات، فعند استيفاء ما سيق إلى المشركين من الحجج والقوارع والنداء على مساوي أعمالهم، خُتمت السورة بالإقبال على خطاب المؤمنين بما يُصلح أعمالهم وينوّه بشأنهم. وفي هذا الترتيب إيماء إلى أن الاشتغال بإصلاح الاعتقاد مقدم على الاشتغال بإصلاح الأعمال. والمراد بالركوع والسجود الصلوات. وتخصيصهما بالذكر من بين أعمال الصلاة لأنهما أعظم أركان الصلاة إذ بهما إظهار الخضوع والعبودية. وتخصيص الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات المشمولة لقوله {واعبدوا ربكم} تنبيه على أنّ الصلاة عماد الدين. والمراد بالعبادة: ما أمر الله النّاس أن يتعبدوا به مثل الصيام والحج. وقوله {وافعلوا الخير} أمر بإسداء الخير إلى الناس من الزكاة، وحسن المعاملة كصلة الرّحِم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق، وهذا مجمل بينته وبينت مراتبه أدلة أخرى. والرجاء المستفاد من {لعلكم تفلحون} مستعمل في معنى تقريب الفلاح لهم إذا بلغوا بأعمالهم الحدّ الموجب للفلاح فيما حدّد الله تعالى، فهذه حقيقة الرجاء. وأما ما يستلزمه الرجاء من تردّد الراجي في حصول المرجو فذلك لا يخطر بالبال لقيام الأدلة التي تُحِيل الشكّ على الله تعالى. واعلم أن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} إلى {لعلكم تفلحون} اختلف الأيمّة في كون ذلك موضع سجدة من سجود القرآن. والذي ذهب إليه الجمهور أن ليس ذلك موضع سجدة وهو قول مالك في «الموطأ» و«المدوّنة»، وأبي حنيفة، والثوري. وذهب جمع غفير إلى أن ذلك موضع سجدة، وروى الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وفقهاء المدينة، ونسبه ابن العربي إلى مالك في رواية المدنيين من أصحابه عنه. وقال ابن عبد البر في «الكافي»: «ومن أهل المدينة قديماً وحديثاً من يرى السجود في الثانية من الحجّ قال: وقد رواه ابن وهب عن مالك». وتحصيل مذهبه أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصّل منها شيء»، فلم ينسبه إلى مالك إلا من رواية ابن وهب، وكذلك ابن رشد في «المقدمات»: فما نسبه ابن العربي إلى المدنيين من أصحاب مالك غريب. وروى الترمذي عن ابن لهيعة عن مِشْرَح حديث : عن عقبة بن عامر قال: «قلت يا رسول الله فُضلت سورة الحجّ لأنّ فيها سجدتين؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» تفسير : اهــــ. قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ليس بالقويّ اهــــ، أي من أجل أن ابن لهيعة ضعّفه يحيى بن مَعين، وقال مسلم: تركه وكيع، والقطّان، وابن مهدي. وقال أحمد: احترقت كتبه فمن روى عنه قديماً (أي قبل احتراق كتِبه) قُبل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واعبدوا ربكم: أي أطيعوه في أمره ونهيه في تعظيم هو غاية التعظيم وذل له هو غاية الذل. وافعلوا الخير: أي من كل ما انتدبكم الله لفعله ورغبكم فيه من صالح الأقوال والأعمال. لعلكم تفلحون: أي كي تفوزوا بالنجاة من النار ودخول الجنة. حق جهاده: أي الجهاد الحق الذي شرعه الله تعالى وأمر به وهو جهاد الكفر والشيطان والنفس والهوى. اجتباكم: أي اختاركم لحمل دعوة الله إلى الناس كافة. من حرج: أي من ضيق وتكليف لا يطاق. ملة أبيكم: أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وهي عبادة الله وحده لا شريك له. وفي هذا: أي القرآن. اعتصموا بالله: أي تمسكوا بدينه وثقوا في نصرته وحسن مثوبته. ونعم النصير: أي هو تعالى نعم النصير أي الناصر لكم. معنى الآيات: بعد تقرير العقيدة بأقسامها الثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث والجزاء، نادى الربّ تبارك وتعالى المسلمين بعنوان الإِيمان فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ما من آمنتم بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإِسلام ديناً، {ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} أمرهم بإقام الصلاة {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} أي أطيعوه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه معظمين له غاية التعظيم خاشعين له غاية الخشوع {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} من كل ما انتدبكم الله إليه ورغبكم فيه من أنواع البر وضروب العبادات {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لتتأهلوا بذلك للفلاح هو الذي هو الفوز بالجنة بعد النجاة من النار. وقوله: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} أي أمرهم أيضاً بأمر هام وهو جهاد الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومعنى حق جهاده أي كما ينبغي الجهاد من استفراغ الجهد والطاقة كلها نفساً ومالاً ودعوة وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} هذه مِنَّة ذكّر بها تعالى المؤمنين حتى يشكروا الله بفعل ما أمرهم به أي لم يضيق عليكم فيما أمركم به بل وسع فجعل التوبة لكل ذنب، وجعل الكفارة لبعض الذنوب، ورخص للمسافر والمريض في قصر الصلاة والصيام، ولمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله في التيمُم. وقوله: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} أي الزموا ملة أبيكم وقوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي الله جل جلاله هو الذي سماهم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن وهو معنى قوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا} أي القرآن وقوله: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي اجتباكم أيها المؤمنون لدينه الإِسلامي وسماكم المسلمين ليكون الرسول شهيداً عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم وعليه فاشكروا هذا الإِنعام والإِكرام لله تعالى {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي تمسكوا بشرعه عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباًَ وقضاءاً وحكماً، وقوله تعالى: {هُوَ مَوْلاَكُمْ} أي سيدكم ومالك أمركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} هو سبحانه وتعالى {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} أي الناصر لكم ما دمتم أولياءه تعيشون على الإِيمان والتقوى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيلة الصلاة وشرف العبادة وفعل الخير. 2- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. 3- فضل الجهاد في سبيل الله وهو جهاد الكفار، وأن لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم. 4- فضيلة هذه الأمة المسلمة حيث أعطيت ثلاثاً لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي عليه السلام اذهب فليس عليك حرج فقال الله لهذه الأمة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وكان يقال للنبي عليه السلام أنت شهيد على قومك وقال الله: {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} وكان يقال للنبي سل تعطه وقال الله لهذه الأمة:{أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] دل على هذا قوله تعالى: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. 5- فرضية الصلاة، والزكاة، والتمسك بالشريعة.

القطان

تفسير : وجاهِدوا في الله: في سبيل الله. اجتباكم: اختاركم. من حرج: من ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم. شهيدا: شاهدا. واعتصِموا بالله: استعينوا به وتمسكوا بدينه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يا أيها الذين آمنوا: لا تلتفتوا إلى تضليل الكفار، واعبدوا الله بإقامة الصلاة كاملة، وافعلوا الخير الذي أمركم بفعله من صِلة الأرحام ومكارم الاخلاق والاستقامة التامة كي تكونوا من المصلحين السعداء وتنالوا رضوان الله. السجدة: عند قوله تعالى {وَٱسْجُدُواْ}: قال بعض العلماء إنه يُسنُّ للقارىء والمستمع ان يسجد عند تلاوتها، منهم ابنُ المبارك والشافعي واحمد، وقال بعضهم لا يُسنّ السجود لأنها للصلاة فقط ومنهم: الحسنُ البصري وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جُبير وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك. {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.... }. وجاهدوا في سبيل الله إعلاءً لكلمته ونشرِ دينه حتى تنتصروا على أعدائكم وشهواتكم، فإن الله تعالى اختاركم لنصر دينه، وجعلكم أمة وسطاً، ولم يكلّفكم في شرعه ما يشقُّ عليكم، ويسّر عليكم ما يعترضكم من المشقات التي لا تطيقونها بما جعله لكم من انواع الرُخَص. فتمسّكوا بهذا الدين القويم، فهو دين أبيكم إبراهيم الذي سماكم المسلمين. {مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا...}. من قبلُ في الكتب السابقة، وفي هذا القرآن الكريم، فكونوا كما سماكم وانصروا الله ينصركم.. ليكون الرسول شاهداً عليكم بانكم عملتم بما بلّغكم، وتكونوا شهداء على الأمم السابقة بأن رسُلها بلّغوها. فاذا كان الله قد خصكم بهذه الميزات كلها، فمن الواجب علكيم ان تقابلوها بالشكر والطاعة له، فتقيموا الصلاة على أتم وجوهها، وتؤدوا الزكاة، وتتوكلوا على الله وتعتصموا به في كل اموركم، وهو ناصركم، فنعم المولى ونعم النصير.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (77) - يَأْمُر اللهُ المؤمِنِينَ بِعِبََادَتِهِ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَبِالرُّكُوعِ والسُّجُودِِِ له، وَبِفِعْلِِ الخَيْرِ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُوصِلُُهُمْ إلَى الخَيْرِ والفَلاََحِ فِي الدُّنْيَا. والآخِرَةِِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : النداء في ضَرْب المثل السابق كان للناس كافَّة؛ لأنه يريد أنْ يَلفِت عُبَّاد الأصنام إلى هذا المثَل، ويُسْمعهم إياه، أمَّا هنا فالكلام عن منهج ودستور مُوجَّه، خاصّة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يُكلَّف بالحكم إلا مَنْ آمن به، أما مَنْ كفر فليس أَهْلاً لحمل هذه الأمانة؛ لذلك تركه ولم ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد مَنِ استعان به ووثق فيه، فيدلّه ويرشده، أما مَنْ شكَّ في كلامه وقلّلَ من شأنه يتركه يضل في مفترق الطرق. فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة مُنفكّة، كما في قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ ..} تفسير : [النساء: 136]. وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم يقول: آمِنوا، كيف وهم يؤمنون بالفعل؟ قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا قبل سماع الحكم الجديد ظَلُّوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمِرّوا على إيمانكم؛ لذلك إذا طلبتَ شيئاً ممَّنْ هو موصوف به فاعلم أن المراد الدوام عليه. كما أن هناك فَرْقاً بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشكّ فيه ولا تعترض عليه، لكنك لا تنفذه وتعصاه، فمثلاً في الحج يقول تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ..} تفسير : [آل عمران: 97] الذي لله تعالى على عباده أنْ يحجوا البيت {أية : مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران: 97] وهذا شرط ضروري، فلا تكليفَ بلا استطاعة، ثم يقول: {أية : وَمَن كَفَرَ} تفسير : [آل عمران: 97]. فهل يعني هذا أن مَنْ لم يحج فهو كافر؟ قالوا: لا، لأن المراد: لله على الناس حكم يعتقده المؤمن، بأن لله على الناس حج البيت، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فهو مؤمن، أما كونه ينفذه أو لا ينفذه هذه مسألة أخرى. ثم يبدأ أول ما يبدأ في التكليف بمسألة الصلاة: {ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ..} [الحج: 77] لقد جاء الرسل من عند الله بتكاليف كثيرة، لكن خَصَّ هنا الصلاة لأنها التكليف الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، أما بقية التكاليف فهي موسمية: فالصوم شهر في العام كله، والحج مرة في العمر كله لمن استطاع، والزكاة عند خروج المحصول لمن يملك النصاب أو عند حلول الحَوْل. إذن: تختلف فريضة الصلاة عن باقي الفرائض؛ لذلك خَصَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَنْ تركها فقد كفر ". تفسير : ويقول: "حديث : الصلاة عماد الدين ". تفسير : وخصَّها الحق - تبارك وتعالى - بظرف تشريعي خاص، حيث فُرِضت الصلاة بالمباشرة، وفُرِضت باقي الفرائض بالوحي. وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - قلنا: إن رئيس العمل يمكن أن يرسل لك ورقة يقول: افعل كذا وكذا، فإنْ كان أمراً هاماً اتصل بك تليفونياً، وأخبرك بما يريد لأهميته، فإنْ كان الأمر أهم من ذلك وجاء من جهة أعلى يقول لك: تعال عندي لأمر هام، ويُكلِّفك به مباشرة، وكذلك على حسب الأهمية يوجد ظرف التشريع. فالصلاة لم تأت بالوحي كباقي الفرائض، إنما جاءت مباشرة من المُوحِي سبحانه وتعالى؛ لأنها ستكون صلة بين العبد وربه، فشاء أن يُنزّهَها حتى من هذه الواسطة، ثم ميَّزها على غيرها من التكاليف، فجعلها الفريضة التي لا تسقط عن المسلم بحال أبداً. فقد تكون فقيراً فلا تلزمك الزكاة، وغير مستطيع فلا يلزمك حج، ومريض أو مسافر فلا يلزمك صوم. أما الصلاة فلا يُسقِطها عنك شيء من هذا كله، فإنْ كنت غير قادر على القيام فلك أنْ تُصلِّي قاعداً أو مضطجعاً أو راقداً، تشير بطرفك لركوعك وسجودك، ولو حتى تجري أفعال الصلاة على قلبك، المهم أن تظلّ ذاكراً لربك متصلاً به، لا يمر عليك وقت إلا وهو سبحانه في بالك. وقلنا: إن ذكر الله في الأذان والإقامة والصلاة ذِكْر دائم في كل الوقت لا ينقطع أبداً، فحين تصلي أنت الصبح مثلاً غيرك يصلي الظهر، وحين تركع غيرك يسجد، وحين تقول: بسم الله الرحمن الرحيم. غيرك يقول: الحمد لله رب العالمين .. الخ. فهي عبادة متداخلة دائمة لا تنقطع أبداً؛ لذلك يقول أحد أهل المعرفة مخاطباً الزمن: يا زمن فيك كل الزمن. يعني: في كل جزئية من الزمن الزمن كله، كأنه قال: يا ظُهْر، وفيك العصر، وفيك المغرب، وفيك العشاء، وهكذا العالم كله يدور بعبادة لله لا تنتهي. وذكر من الصلاة الركوع والسجود؛ لأنهما أظهر أعمال الصلاة، لكن الركوع والسجود حركات يؤديها المؤمن المخلص، ويؤديها المنافق، وقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُميِّز هذا من هذا، فقال: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ..} [الحج: 77]. فليست العبرة في حركات الركوع والسجود، إنما العبرة في التوجّه بها إلى الله، وإخلاص النية فيها لله، وإلا أصبحت الصلاة مجرد حركات لا تعدو أن تكون تمارين رياضية كما يحلو للبعض أن يقول: الصلاة فيها تمارين رياضية تُحرِّك كل أجزاء الجسم، نعم هي كما تقولون رياضة، لكنها ليست عبادة، العبادة أن تؤديها لأن الله تعالى أمرك بها. ثم يقول تعالى: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. والخير كلمة عامة تشمل كل أوامر التكليف، لكن جاءت مع الصلاة على سبيل الإجمال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالخير - إذن - كلمة جامعة لكل ما تؤديه وظائف المناهج من خير المجتمع؛ لأن المنهج ما جاء إلا لينظم حركة الحياة تنظيماً يتعاون ويتساند لا يتعاند، فإنْ جاء الأمر على هذه الصورة سَعِد المجتمع بأَسْره. ولا تنْسَ أن المنهج حين يُضيِّق عليك ويُقيِّد حركتك يفعل ذلك لصالحك أنت، وأنت المستفيد من تقييد الحركة؛ لأن ربك قيّد حركتك وضيَّق عليك حتى لا تُلحِق الشر بالآخرين، وفي الوقت نفسه ضيّق على الآخرين جميعاً أن يتحركوا بالشر ناحيتك، وأنت واحد وهم كثير، فمن أجل تقييد حركتك قيّد لك حركة الناس جميعاً، فمَنِ الكاسب في هذه المسألة. الشرع قال لك: لا تسرق وأنت واحد وقال للناس جميعاً: لا تسرقوا منه، وقال لك: غُضّ بصرك عن محارم الغير وأنت واحد. وقال لكل غير: غُضُّوا أبصاركم عن محارم فلان، فكل تكليف من الله للخَلْق يعود عليك. فالمعنى: {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} [الحج: 77] أي: الذي لا يأتي منه فساد أبداً، وما دامت الحركات صادرة عن مراد لهوى واحد فإنها تتساند وتتعاون، فإنْ كان لك هوى ولغيرك هوى تصادمتْ الأهواء وتعاندت، والخير: كل ما تأمر به التكاليف المنهجية الشرعية من الحق تبارك وتعالى. ثم يقول سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] لكن، أين سيكون هذا الفَلاَح: في الدنيا أم في الآخرة؟ الفلاَح يكون في الدنيا لمن قام بشرع الله والتزم منهجه وفعل الخير، فالفَلاح ثمرة طبيعية لمنهج الله في أيِّ مجتمع يتحرك أفرادُه في اتجاه الخير لهم وللغير، مجتمع يعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" تفسير : وعندها لن ترى في المجتمع تزاحماً ولا تنافراً ولا ظلماً ولا رشوة .. الخ هذا الفلاح في الدنيا، ثم يأتي زيادة على فلاح الدنيا فلاح الآخرة. إذن: لا تظنوا التكاليف الشرعية عِبْئاً عليكم؛ لأنها في صالحكم في الدنيا، وبها فلاح دنياكم، ثم يكون ثوابها في الآخرة مَحْض الفضل من الله. وقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة فقال: "حديث : لا يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أنْ يتغمّدني الله برحمته" تفسير : ذلك لأن الإنسان يفعل الخير في الدنيا لصالحه وصالح دنياه التي يعيشها، ثم ينال الثواب عليها في الآخرة من فضل الله كما قال تعالى: {أية : وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 173]. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] نعرف أن لعل أداة للترجي، وهو درجات بعضها أرْجى من بعض، فمثلاً حين تقول: لعل فلاناً يعطيك، فأنت ترجو غيرك ولا تضمن عطاءه، فإنْ قلت: لعلِّي أعطيك. فالرجاء - إذن - في يدك، فهذه أرجى من سابقتها، لكن ما زلنا أنا وأنت متساويين، وربما أعطيك أولاً، إنما حين تقول: لعل الله يعطيك فقد رجوْتَ الله، فهذه أرجى من سابقتها، فإذا قال الله تعالى بذاته: لعلي أعطيك فهذا أقوى درجات الرجاء وآكدها؛ لأن الوعد من الله والرجاء فيه سبحانه لا يخيب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نجاح أهل الفلاح بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} [الحج: 77] يشير إلى: الرجوع من تكبير قيام الإنسانية إلى تواضع خضوع الحيوانية، فإنها على أربع في الركوع، والرجوع من الركوع إلى الانكسار، والذلة النباتية في السجود، فإن النبات ذليل في السجود؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6] لأن الروح كان مجيئه بهذه المنازل من عالم الأرواح عبر على كلّ المنزل النباتي، ثم على المنزل الحيواني إلى أن بلغ المنزل الإنساني، فعند رجوعه إلى الحضرة يكون عبوره على كل هذه المنازل، وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة معراج المؤمن ". تفسير : ثم قال الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} يعني: بهذا الرجوع إليه؛ يعني: خالصاً لوجهه تعالى. {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} بالتوجه إلى الله تعالى في جميع أحوالكم وأعمال الخير كلها. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] بالعبور على هذه المنازل من حجب الظلمات النفسانية والأنوار الروحانية {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] بأن تجاهدوا النفوس في تزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وتجاهدوا القلوب في تصفيتها بقطع تعلقات الكونين، ولزوم المراقبات عن الملاحظات، وتجاهدوا بالأرواح في تحليتها بإفناء الوجود في وجوده؛ لتبقى بوجود وجوده. {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} [الحج: 78] لهذه الكرامات من بين سائر البريات، ولولا أنه اجتباكم واستعداد هذا الجهاد أعطاكم وأيد هداكم لمَّا جاهدكم في الله، كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى، ولولا الهوى ما عرفناكم، ومن مبادئ حق الجهاد: ألاَّ يفتر عن المجاهدة لحظة، كما قال قائلهم: يا رب إن جهادي غير منقطع، وكل أرضك لي ثغر وطرسوس {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] أي: ضيِّق في السير إلى الله تعالى والوصول إليه؛ لأنك تسير إلى الله تعالى بتيسيره لا بسيرك، وتصل إليه بتقربك إليك لا بتقربك إليه، وإن كنت ترى أن تقربك إليه منك، ولا ترى بأن تقربكم إليه من نتائج تقربه إليك لا بتقربك إليه، كما قال الله تعالى: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"تفسير : ، فالذراع إشارة إلى الشبرين، شبر سابق على تقربك إليه وشبر لاحق بتقربك إليه حتى لو مشيت إليه، فإنه يسارعك من قبل مهرولاً. وبقوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] يشير إلى أن السير والذهاب إلى الله تعالى من سنة إبراهيم عليه السلام بقوله: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99]، وإنما سمَّاه بأبيكم، لأنه كأب آباءكم في طريقة السير إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا لكم كالوالد لوالده" تفسير : {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الحج: 78] أي: الله في الأزل لاستسلامكم لقبول هذه الطريقة بأن جعلكم مستعدين {مِن قَبْلُ} [الحج: 78] إن خلقكم {وَفِي هَـٰذَا} [الحج: 78] أي: وبعد أن خلقكم {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} [الحج: 78] فيما تعملون؛ لأنه كان أول المخلوقات بالروح مشرفاً عليها. {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [الحج: 78] فيما يعملون وهم الأمم الماضية، وفي هذا إشارة إلى أن روح محمد صلى الله عليه وسلم كما كان مخلوقاً قبل أرواح الأنبياء، ومشرفاً على أحوالهم كانت أمته مخلوقة قبل أرواح جميع الأمم مشرفين على أحوالهم، ولا إشراف لروح نبي على روح نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا لأرواح روح الأمم إشراف لأرواح هذه الأمة {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الحج: 78] بدوام السير والعروج إلى الله تعالى والتعظيم لأمره {وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} [الحج: 78] بدعوة الخلق إلى الله تعالى، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم إلى الله تعالى بالشفقة على خلقه، وهذا حقيقة الاعتصام بحبل الله للوصول إليه. {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} [الحج: 78] إذا وصلتم إليه بإفناء الوجود فيه {هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحج: 78] أي: متولي إفنائكم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} [الحج: 78] في إفناء وجودكم {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج: 78] بإبقائكم به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى، عباده المؤمنين بالصلاة، وخص منها الركوع والسجود، لفضلهما وركنيتهما، وعبادته التي هي قرة العيون، وسلوة القلب المحزون، وأن ربوبيته وإحسانه على العباد، يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم بفعل الخير عموما. وعلق تعالى الفلاح على هذه الأمور فقال: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتنجون من المكروه المرهوب، فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسعي في نفع عبيده، فمن وفق لذلك، فله القدح المعلى، من السعادة والنجاح والفلاح. { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب، فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك. { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي: اختاركم -يا معشر المسلمين- من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضيه لكم، واختار لكم أفضل الكتب وأفضل الرسل، فقابلوا هذه المنحة العظيمة، بالقيام بالجهاد فيه حق القيام، ولما كان قوله: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه. ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن " المشقة تجلب التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام. { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } أي: هذه الملة المذكورة، والأوامر المزبورة، ملة أبيكم إبراهيم، التي ما زال عليها، فالزموها واستمسكوا بها. { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، { وَفِي هَذَا } أي: هذا الكتاب، وهذا الشرع. أي: ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا، { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } بأعمالكم خيرها وشرها { وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } لكونكم خير أمة أخرجت للناس، أمة وسطا عدلا خيارا، تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم، وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } بأركانها وشروطها وحدودها، وجميع لوازمها، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم، { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } أي: امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك، ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم، { هُوَ مَوْلاكُمْ } الذي يتولى أموركم، فيدبركم بحسن تدبيره، ويصرفكم على أحسن تقديره، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } أي: نعم المولى لمن تولاه، فحصل له مطلوبه { وَنِعْمَ النَّصِيرُ } لمن استنصره فدفع عنه المكروه. تم تفسير سورة الحج، والحمد لله رب العالمين.