Verse. 2673 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَجَاہِدُوْا فِي اللہِ حَقَّ جِہَادِہٖ۝۰ۭ ہُوَاجْتَبٰىكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ۝۰ۭ مِلَّـۃَ اَبِيْكُمْ اِبْرٰہِيْمَ۝۰ۭ ہُوَسَمّٰىكُمُ الْمُسْلِـمِيْنَ۝۰ۥۙ مِنْ قَبْلُ وَفِيْ ھٰذَا لِيَكُوْنَ الرَّسُوْلُ شَہِيْدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُوْنُوْا شُہَدَاۗءَ عَلَي النَّاسِ۝۰ۚۖ فَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَاٰتُوا الزَّكٰوۃَ وَاعْتَصِمُوْا بِاؘ۝۰ۭ ہُوَمَوْلٰىكُمْ۝۰ۚ فَنِعْمَ الْمَوْلٰى وَنِعْمَ النَّصِيْرُ۝۷۸ۧ
Wajahidoo fee Allahi haqqa jihadihi huwa ijtabakum wama jaAAala AAalaykum fee alddeeni min harajin millata abeekum ibraheema huwa sammakumu almuslimeena min qablu wafee hatha liyakoona alrrasoolu shaheedan AAalaykum watakoonoo shuhadaa AAala alnnasi faaqeemoo alssalata waatoo alzzakata waiAAtasimoo biAllahi huwa mawlakum faniAAma almawla waniAAma alnnaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاهدوا في الله» لإقامة دينه «حق جهاده» باستفراغ الطاقة فيه ونصب حَقَّ على المصدر «هو اجتباكم» اختاركم لدينه «وما جعل عليكم في الدين من حَرَج» أي ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر «مِلة أبيكم» منصوب الخافض الكاف «إبراهيم» عطف بيان «هو» أي الله «سمَّاكم المسلمين من قبل» أي قبل هذا الكتاب «وفي هذا» أي القرآن «ليكون الرسول شهيداً عليكم» يوم القيامة أنه بلَّغكم «وتكونوا» أنتم «شهداء على الناس» أن رسلهم بلَّغوهم «فأقيموا الصلاة» داوموا عليها «وآتوا الزكاة واعتصموا بالله» ثقوا به «هو مولاكم» ناصركم ومتولي أموركم «فنعم المولى» هو «ونعم النصير» الناصر لكم.

78

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه؛ أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردّها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في ردّ وسوسته، والظَّلمةَ في رد ظلمهم، والكافرين في ردّ كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]. وكذا قال هبة الله: إن قوله «حَقَّ جِهاده» وقولَه في الآية الأخرى: «حَقَّ تُقاتِهِ» منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ؛ فإن هذا هو المراد من أوّل الحكم؛ لأن «حق جهاده» ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيرُ دينكم أيْسَرُه»تفسير : . وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ؛ لأنه واجب على الإنسان، كما روى حَيْوَة بن شُريح يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل»تفسير : . وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة «حديث : أن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أين السائل؟» فقال أنا ذا، فقال عليه السلام: «كلمةُ عَدْل عند سلطان جائر»».تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} أي اختاركم للذبّ عن دينه والتزام أمره؛ وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {مِنْ حَرَجٍ} أي من ضِيق. وقد تقدّم في «الأنعام». وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام؛ وهي مما خص الله بها هذه الأمة. روى معمر عن قتادة قال: أعطِيتْ هذه الأمة ثلاثاً لم يُعْطَها إلا نبيّ: كان يقال للنبيّ اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدِّين من حرج}. والنبيّ شهيد على أمته، وقيل لهذه الأمة: {لتكونوا شُهَدَاءَ على الناس}. ويقال للنبيّ: سلْ تُعْطَه، وقيل لهذه الأمة: {ادعوني أستجِبْ لكم}. الثانية: واختلف العلماء في هذا الحَرَج الذي رفعه الله تعالى؛ فقال عكرمة: هو ما أحِلّ من النساء مَثْنَى وثلاثَ ورُباع، وما ملكتْ يَمينك. وقيل: المراد قصر الصلاة، والإفطارُ للمسافِر، وصلاةُ الإيماء لمن لا يقدر على غيره، وحَطُّ الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعَدِيم الذي لا يجد ما ينفق في غَزْوه، والغَرِيم ومن له والدان، وحَطّ الإصْر الذي كان على بني إسرائيل. وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء. وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن هذه في تقديم الأهِلّة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. وما ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المُنْكَدِر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فِطركم يوم تُفْطِرون وأضحاكم يوم تضحون»تفسير : . خرجه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ، ولفظه ما ذكرناه. والمعنى: باجتهادكم من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء، فما يُسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «حديث : افعل ولا حرج».تفسير : الثالثة: قال العلماء: رفع الحَرَج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلاّبة والسُّرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدّين، وليس في الشرع أعظم حرجاً من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى؛ ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ} قال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم. الفرّاء: انتصب على تقدير حذف الكاف؛ كأنه قال كمِلّة. وقيل: المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم، فأقام الفعل مقام الملة. وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة. وقيل: الخطاب لجميع المسلمين، وإن لم يكن الكل من ولده؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد. {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} قال ابن زيد والحسن: «هو» راجع إلى إبراهيم؛ والمعنى: هو سماكم المسلمين من قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَفِي هَـٰذَا} أي وفي حكمه أن من اتبع محمداً صلى الله عليه وسلم فهو مسلم. قال ابن زيد: وهو معنى قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البقرة: 128]. قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول عظماء الأمة. روى علّي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: سماكم الله عز وجل المسلمين من قبلُ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن؛ قاله مجاهد وغيره. {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أي بتبليغه إياكم. {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أن رسلهم قد بلّغتهم؛ كما تقدّم في «البقرة». {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} قد تقدم مستوفًى والحمد لله رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ } لإِقامة دينه {حَقَّ جِهَٰدِهِ } باستفراغ الطاقة فيه ونصب حَقَّ على المصدر {هُوَ ٱجْتَبَٰكُمْ } اختاركم لدينه {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي ضيق بأن سهله عند الضرورة كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ } منصوب بنزع الخافض الكاف {إِبْرَاهِيمَ } عطف بيان {هُوَ } أي الله {سَمَّٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } أي قبل هذا الكتاب {وَفِى هَٰذَا } أي القرآن {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } يوم القيامة أنه بلّغكم {وَتَكُونُواْ } أنتم {شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } أن رسلهم بلغوهم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} داوموا عليها {وءَاتُوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } ثقوا به {هُوَ مَوْلَٰكُمْ } ناصركم ومتولّي أموركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } هو {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } أي الناصر لكم.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة: هذه آية أمر الله تعالى فيها بالجهاد في سبيله وهو قتال الكفار، وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكافرين وجهاد الظلمة وغير ذلك، أمر الله تعالى عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله ع والعموم حسن وبين أن عرف اللفظة تقتضي القتال في سبيل الله، وقال هبة الله وغيره: إن قوله {حق جهاده} وقوله في الأخرى، {أية : حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة ع ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعاً ثابتاً فيقال إنه نسخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق، و {اجتباكم} معناه تخيركم، وقوله {وما جعل عليكم في الدين من حرج} معناه من تضييق يريد في شرعة الملة، وذلك أنها حنيفية سمحة ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم بل فيها التوبة والكفارات والرخص ونحو هذا مما كثر عده، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ورفع الحرج لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجاً من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج، وقوله {ملة}، نصب بفعل مضمر تقديره بل جعلها أو نحوه من أفعال الإغراء، وقال الفراء هو نصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كملة وقيل هو كما ينصب المصدر، وقوله {هو سماكم}، قال ابن زيد الضمير لـ {إبراهيم} والإشارة إلى قوله {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} تفسير : [البقرة: 128]، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد الضمير لله تعالى، و {من قبل}، معناه في الكتب القديمة {وفي هذا}، في القرآن، وهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير لـ {إبراهيم} ولا يتوجه إلا على تقدير محذوف من الكلام مستأنف، وقوله {ليكون الرسول شهيداً عليكم} أي بالتبليغ، وقوله {وتكونوا شهداء على الناس} أي بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نبيكم، وأسند الطبري إلى قتادة أنه قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي، كان يقول للنبي أنت شهيد على أمتك وقيل لهذه {وتكونوا شهداء على الناس}، وكان يقال للنبي ليس عليك حرج وقيل لهذه {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وكان يقول للنبي سل تعط وقيل لهذه {أية : ادعوني استجب لكم} تفسير : [غافر: 60] أمر تعالى بـ {الصلاة} المفروضة أن تقام ويدام عليها بجميع حدودها، وبـ {الزكاة} أن تؤدي كما أنعم عليكم، فافعلوا كذا ثم أمر بـ"الاعتصام بالله" أي بالتعلق به والخلوص له وطلب النجاة منه، ورفض التوكل على سواء، و {المولى} في هذه الآية الذي يليكم نصره وحفظه وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَقَّ جِهَادِهِ} اعملوا له حق عمله، أو أن يُطاع فلا يُعصى ويُذكر فلا يُنسى ويُشكر فلا يُكفر نسخها {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] أو هي محكمة لأن حق جهاده ما لا حرج فيه. {اجْتَبَاكُمْ} اختاركم {حَرَجٍ} ضيق فخلصكم من المعاصي بالتوبة، أو من الأيمان بالكَفَّارة، أو بتقديم الأهلة وتأخيرها في الصوم والفطر والأضحى "ع" أو رُخص السفر القصر والفطر، أو عام إذ ليس في الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من الإثم فيه {مِّلَّة أَبِيكُمْ} وسع دينكم كما وسع ملة إبراهيم، أو افعلوا الخير كفعل إبراهيم، أو ملة إبراهيم وهي دينه لازمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم داخلة في دينه، أو عليكم ولاية إبراهيم ولا يلزمكم حكم دينه {هُوَ سَمَّاكُمُ} الله سماكم المسلمين قبل القرآن، أو إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لقوله {أية : أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128] {شَهِيداً} ليشهد الرسول عليكم أنه بلغكم وتشهدوا على من بعدكم أنكم بلغتموهم ما بلغكم، أو يشهد الرسول عليكم بأعمالكم، وتشهدوا على الناس أن رسلهم بلغوهم {فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ} المكتوبة {وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ} المفروضة {وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ} امتنعوا به، أو تمسكوا بدينه {مَوْلاكُمْ} مالككم، أو المتولي لأموركم {فَنِعْمَ الْمَوْلَى} لما لم يمنعكم الرزق إذ عصيتموه {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} لما أعانكم حين أطعتموه.

النسفي

تفسير : {وَجَـٰهِدُواْ } أمر بالغزو أو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر أو هو كلمة حق عند أمير جائر {فِى ٱللَّهِ } أي في ذات الله ومن أجله {حَقَّ جِهَـٰدِهِ } وهو أن لا يخاف في الله لومة لائم. يقال: هوحق عالم وجد عالم أن عالم حقاً وجداً ومنه {حق جهاده} وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه لكن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه. ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله شعر : ويوم شهدناه سليماً وعامراً تفسير : {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } اختاركم لدينه ونصرته {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } ضيق بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الطهارة والصلاة والصوم والحج بالتيمم وبالإيماء وبالقصر والإفطار لعذر السفر والمرض وعدم الزاد والراحلة. {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } أي اتبعوا ملة أبيكم، أو نصب على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم. وسماه أباً وإن لم يكن أباً للأمة كلها، لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أباً لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده قال عليه السلام «حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد»تفسير : {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي الله بدليل قراءة أبيّ: {الله سماكم المسلمين} {مِن قَبْلُ } في الكتب المتقدمة {وَفِى هَـٰذَا } أي في القرآن أي فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أنه قد بلغكم رسالة ربكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة {فأقيموا الصلاة} بواجباتها {وءاتوا الزكاة} بشرائطها {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } وثقوا بالله وتوكلوا عليه لا بالصلاة والزكاة {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ } أي مالككم وناصركم ومتولي أموركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } أي الناصر هو حيث أعانكم على طاعتكم وقد أفلح من هو مولاه وناصره والله الموفق للصواب.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجل: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي جاهدوا في سبيل الله أعداء الله ومعنى حق جهاده هو استفراغ الطاقة فيه قال ابن عباس: وعنه قال لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد كما تجاهدون في سبيل الله لا تخافون لومة لائم وقيل معناه اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته قيل نسخها قوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16] وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله ولتكون كلمة الله هي العليا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري وقيل مجاهدة النفس والهوى هو حق الجهاد وهو الجهاد الأكبر روي"حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه سلم لما رجع من غزوة تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر""تفسير : ذكره البغوي بغير سند قيل أراد بالأصغر جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس {هو اجتباكم} يعني اختاركم لدينه والاشتغال بخدمته وعبادته وطاعته فأي رتبة أعلى من هذا وأي سعادة فوق هذا {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ضيق وشدة وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرّجاً بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد فيه سبيلاً إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن وفق. وقيل: معناه رفع الضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس عليكم وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا. وقيل: معناه الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة والفطر في السفر والتيمم عند عدم الماء وأكل الميتة عند الضرورة والصلاة قاعداً والفطر مع العجز بعذر المرض ونحو ذلك من الرخص التي رخص الله لعباده، قيل أعطى الله هذه الأمة خصلتين لم يعطهما أحداً غيرهم جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج. وقال ابن عباس: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة {ملة أبيكم إبراهيم} لأنها داخلة في ملة محمد صلّى الله عليه وسلم. فإن قلت لم يكن إبراهيم أباً للأمة كلها فكيف سماه أباً في قوله {ملة إبيكم إبراهيم}. قلت إن كان الخطاب للعرب فهو أبو العرب قاطبة وإن كان الخطاب للمسلمين فهو أبو المسلمين. والمعنى وجوب احترامه وحفظ حقه يجب كما يجب احترام الأب فهو كقوله {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأَحزاب: 6] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما أنا لكم كالوالد" تفسير : وفي قوله {هو سماكم المسلمين من قبل} قولان أحدهما: أن الكناية ترجع إلى الله تعالى يعني أن الله سماكم المسلمين في الكتب القديمة من قبل نزول القرآن القول الثاني: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم يعني أنّ إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو قوله {أية : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}تفسير : [البقرة: 128] فاستجاب الله دعاءه فينا {وفي هذا} أي وفي القرآن سماكم المسلمين {ليكون الرسول شهيداً عليكم} يوم القيامة أن قد بلغكم {وتكونوا شهداء على الناس} أي تشهدون يوم القيامة على الأمم أن رسلهم قد بلغتهم {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله} يعني ثقوا به وتوكلوا عليه وقيل تمسكوا بدين الله. وقال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره وقيل معناه ادعوا ربكم أن يثبتكم على دينه. وقيل: الاعتصام هو التمسك بالكتاب والسنة {هو مولاكم} يعني وليكم وناصركم وحافظكم {فنعم المولى ونعم النصير} أي الناصر لكم والله تعالى أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَـٰهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ} قالت فرقة: الآية في قتال الكُفَّارِ. وقالت فرقة: بل هي أَعَمُّ من هذا، وهو جهاد النفس، وجهادُ الكفار والظَّلَمَةِ، وغيرِ ذلك، أمر اللَّه عباده بأَنْ يفعلوا ذلك في ذات اللّه حَقَّ فعله. قال * ع *: والعموم أحسن، وبَيِّنٌ أَنَّ عُرْفَ اللفظة يقتضي القتال في سبيل اللّه. وقوله: {هُوَ ٱجْتَبَٰكُمْ} أي: تخيَّرَكم، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: من تضييقٍ، وذلك أَنَّ المِلَّةَ حنيفية سَمْحَةٌ، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكَفَّارَاتُ، والرُّخَصُ، ونحو. هذا مِمَّا يكثر عَدُّهُ، ورفع الحرج عن هذه الأمة لمن استقام منهم على منهاج الشرع، وأَمَّا السُّلابة والسُّرَّاقُ وأصحابُ الحدود فهم أَدخلوا الحَرَجَ على أنفسهم بمفارقتهم الدِّين، وليس في الدِّين أَشَدُّ من إلزام رجل لاثنين في سبيل اللّه، ومع صحة اليقين، وجودة العزم ليس بِحَرَج و {مِّلَّةَ} نُصِبَ بفعل مُضْمَرٍ من أفعال الإغراء. وقوله: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال ابن زيد: الضمير لـــ {إِبْرَٰهِيمْ} - عليه السلام - والإشارة إلى قوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} تفسير : [البقرة:128]، وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: الضمير للَّه عز وجل: و {مِن قَبْلُ} معناه: في الكتب القديمة، {وَفِي هَـٰذَا} أي: في القرآن، وهذه اللفظة تُضْعِفُ قولَ مَنْ قال: الضمير لإبراهيم عليه السلام، ولا يتوجه إلاَّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف. قال * ص *: {هو} قيل: يعود على اللّه تعالى، وقيل: على إبراهيم، وعلى هذا فيكون: {وَفِي هَـٰذَا}: القرآن، أي: وسميتم بسببه فيه، انتهى. وقوله سبحانه: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أي: بالتبليغ. وقوله: {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي: بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نَبِيُّكم، ثم أمر سبحانه بالصلاة المفروضة أَنْ تُقَامَ ويُدَامَ عليها بجميع حدودها، وبالزكاة أَنْ تُؤَدَّى، ثم أمر سبحانه بالاعتصام به، أي: بالتعلُّق به والخلوص له وطَلَبِ النجاة منه، ورَفْضِ التَوَكُّلِ على سواه. وقوله سبحانه: {هُوَ مَوْلـٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَى وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} المولى: في هذه الآية معناه: الذي يليكم نصره وحفظه، وباقي الآية بيّن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه، عن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ قال لي عمر ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏} ‏ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله قلت‏:‏ بلى‏.‏ فمتى هذا يا أمير المؤمنين‏؟‏ قال‏:‏ إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء‏. وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة‏.‏ قال‏:‏ قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏} ‏ قال‏:‏ جاهدوا عدو محمد حتى يدخلوا في الإسلام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏} ‏ قال‏:‏ ان الرجل ليجاهد في الله حق جهاده وما ضرب بسيف‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل رضي الله عنه ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏} ‏ يعني العمل أن يجتهدوا فيه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏} ‏ قال‏:‏ يطاع فلا يعصى‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج - رضي الله عنه - ‏ {‏وجاهدوا في الله حق جهاده‏}‏ قال‏:‏ لا تخافوا في الله لومة لائم ‏{‏هو اجتباكم‏}‏ قال‏:‏ استخلصكم‏. وأخرج ابن مردويه، عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ‏"حديث : ‏المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه، حديث : عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية ‏ {‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏} ‏ قال‏:‏ من ضيق‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد قال‏:‏ قال أبو هريرة لابن عباس أما علينا في الدين من حرج؛ في أن نسرق أو نزني قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏فما جعل عليكم في الدين من حرج‏} ‏ قال‏:‏ الأصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول‏:‏ في قوله‏:‏ ‏ {‏ما جعل عليكم في الدين من حرج‏} ‏ توسعة الإسلام؛ ما جعل الله من التوبة ومن الكفارات‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن بشار، عن ابن عباس ‏ {‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ قال‏:‏ هذا في هلال رمضان؛ إذا شك فيه الناس، وفي الحج، إذا شكوا في الهلال، وفي الأضحى وفي الفطر وفي أشباهه‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل، عن الحرج‏؟‏ فقال‏:‏ ادعوا لي رجلاً من هذيل فجاءه فقال‏:‏ ما الحرج فيكم‏؟‏ فقال‏:‏ الحرجة من الشجر التي ليس لها مخرج‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ هذا الحرج الذي ليس له مخرج‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبيدالله بن أبي يزيد، ان ابن عباس سئل عن الحرج‏؟‏ فقال‏:‏ ههنا أحد من هذيل‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا‏.‏ فقال‏:‏ ما تعدون الحرجة فيكم‏؟‏ قال‏:‏ الشيء الضيق‏.‏ قال‏:‏ هو ذاك‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال‏:‏ الحرج الضيق لم يجعله ضيقاً، ولكنه جعله واسعاً ‏{‏أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع‏}‏ ‏{‏وما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏{‏وحرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير‏}‏‏.‏ وأخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات وابن عساكر، عن ابن شهاب قال‏:‏ سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبدالله، عن هذه الآية‏؟‏ ‏ {‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏} ‏ فقال علي بن عبدالله‏:‏ الحرج، الضيق؛ جعل الله الكفارات مخرجاً من ذلك‏.‏ سمعت ابن عباس يقول ذلك‏. وأخرج البيهقي في سننه، عن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر قال‏:‏ قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ‏ {‏ما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ ثم قال‏:‏ ادعوا لي رجلاً من بني مدلج‏.‏ قال عمر‏:‏ ما الحرج فيكم‏؟‏ قال‏:‏ الضيق‏. وأخرج أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال‏:‏ غاب عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، فظننا أن نفسه قد قبضت‏!‏ فلما رفع رأسه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن ربي عز وجل إستشارني في أمتي ماذا أفعل بهم‏؟‏ فقلت‏:‏ ما شئت أي رب؛ هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية‏؟‏ فقلت له كذلك، فقال‏:‏ لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني‏:‏ إن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب‏.‏ ثم أرسل إلي ادع تجب، وسل تعط، فقلت لرسوله‏:‏ أو معطي ربي سؤلي‏؟‏ قال‏:‏ ما أرسلني إليك إلا ليعطيك‏.‏ ولقد أعطاني ربي عز وجل ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حياء، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب،وأعطاني الكوثر، فهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب، يسعى بين يدي أمتي شهراً، وأعطاني‏:‏ أني أول الأنبياء أدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً ممن شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد لي شكراً إلا هذه السجدة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في قوله‏:‏ ‏{‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ يقول‏:‏ لم يضيق الدين عليكم، ولكن جعله واسعاً لمن دخله، وذلك أنه ليس مما فرض عليهم فيه، إلا ساق إليهم عند الاضطرار رخصة؛ والرخصة في الدنيا فيها وسع عليهم رحمة منه، إذا فرض عليهم الصلاة في المقام أربع ركعات، وجعلها في السفر ركعتين وعند الخوف من العدو ركعة، ثم جعل في وجهة رخصة؛ أن يوميء إيماء أن لم يستطيع السجود، في أي نحو كان وجهه، لمن تجاوز عن السيئات منه والخطأ، وجعل في الوضوء والغسل رخصة، إذا لم يجد الماء أن يتيمموا الصعيد، وجعل الصيام على المقيم واجباً، ورخص فيه للمريض، والمسافر عدة من أيام أخر، فمن لم يطق فإطعام مسكين مكان كل يوم، وجعل في الحج رخصة؛ إن لم يجد زاداً أو حملاناً أو حبس دونه، وجعل في الجهاد رخصة؛ إن لم يجد حملاناً أو نفقة، وجعل عند الجهد والاضطرار من الجوع‏:‏ أن رخص في الميتة والدم ولحم الخنزير قدر ما يرد نفسه؛ لا يموت جوعاً في أشباه هذا في القرآن، وسعة الله على هذه الأمة رخصة منه ساقها إليهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏ملة أبيكم إبراهيم‏} ‏ قال‏:‏ دين أبيكم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏هو سماكم المسلمين من قبل‏} ‏ قال الله عز وجل ‏ {‏سماكم‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏هو سماكم المسلمين‏} ‏ قال الله عز وجل ‏ {‏سماكم من قبل‏} ‏ قال الكتب كلها ‏ {‏وفي الذكر‏}‏ ‏{‏وفي هذا‏}‏، قال‏:‏ القرآن‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏هو سماكم‏}‏ قال الله ‏ {‏سماكم المسلمين من قبل وفي هذا‏}‏ أي في كتابكم‏:‏ ‏{‏ليكون الرسول شهيداً عليكم‏} ‏ أنه قد بلغكم ‏ {‏وتكونوا شهداء على الناس‏} ‏ أن رسلهم قد بلغتهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سفيان في قوله‏:‏ ‏ {‏هو سماكم المسلمين‏}‏ قال الله عز وجل ‏ {‏من قبل‏}‏ قال‏:‏ في التوراة والإنجيل ‏{‏وفي هذا‏}‏ قال‏:‏ القرآن ‏ {‏ليكون الرسول شهيداً عليكم‏}‏ قال‏:‏ ‏ {‏بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس‏}‏ قال‏:‏ على الأمم بأن الرسل قد بلغتهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ لم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة، ذكرت بهما جميعاً ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏هو سماكم المسلمين‏} ‏ قال إبراهيم‏:‏ ألا ترى إلى قوله ‏{‏ربنا واجعلنا مسلمين لك‏}‏ الآية‏:‏ كلها‏. وأخرج الطيالسي وأحمد وابن حبان والبخاري في تاريخه والترمذي وصححه والنسائي والموصلي وابن خزيمة وابن حبان والبوردي وابن قانع والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن الحارث الأشعري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏‏حديث : "من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثاء جهنم" قال رجل‏:‏ يا رسول الله، وإن صام وصلّى‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏‏"‏فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن يزيد الأنصاري قال‏:‏ تسموا بأسمائكم التي سماكم الله بها‏:‏ بالحنيفية والإسلام والإيمان‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحق بن راهويه في مسنده، عن مكحول‏:‏ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ حديث : تسمى الله باسمين، سمى بها أمتي‏:‏ هو السلام، وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن، وسمى أمتي المؤمنين، والله تعالى أعلم‏ .

ابو السعود

تفسير : {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ} أي لله تعالى ولأجلِه أعداءَ دينِه الظاهرة كأهلِ الزَّيغِ والباطنةِ كالهَوَى والنَّفسِ وعنه عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه رجعَ من غزوةِ تبوكَ فقال: « حديث : رجعنا من الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ » تفسير : {حَقَّ جِهَـٰدِهِ} أي جهاداً فيه حقًّا خالصاً لوجهه فعكسَ وأضيف الحقُّ إلى الجهادِ مبالغةً كقولِك: هو حقٌّ عالمٌ وأُضيف الجهادُ إلى الضَّمير اتِّساعاً أو لأنَّه مختصٌّ به تعالى من حيثُ أنَّه مفعولٌ لوجهِه ومن أجلِه {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ} أي هو اختاركُم لدينِه ونصرتِه لا غيرُه وفيه تنبـيهٌ على ما يقتضي الجهادَ ويدعُو إليه {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي ضيقٍ بتكليف ما يشقُّ عليكم إقامتُه إشارة إلى أنَّه لا مانعَ لهم عنْهُ ولا عذرَ لهم في تركِه أو إلى الرُّخصةِ في إغفالِ بعضِ ما أمرَهم به حيث يشقُّ عليهم لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : إذا أمرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استطعتُم » تفسير : وقيل: ذلك بأنْ جعلَ لهم من كلِّ ذنبٍ مخرجاً بأنْ رخَّص لهم في المضايقِ وفتحَ لهم بابَ التَّوبةِ وشرَع لهم الكفَّاراتِ في حقوقِه والأروشَ والدِّياتِ في حقوقِ العبادِ {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ} نُصب على المصدرِ بفعلٍ دلَّ عليه مضمونُ ما قبلَه بحذفِ المضافِ أي وسع عليكم دينَكم توسعةَ ملَّةِ أبـيكم أو على الإغراءِ أو على الاختصاصِ وإنَّما جعله أباهم لأنَّه أبوُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأبِ لأمَّتِه من حيثُ أنَّه سببٌ لحياتِهم الأبديَّةِ ووجودِهم على الوجه المعتدِّ به في الآخرةِ أو لأنَّ أكثرَ العربِ كانُوا من ذُرِّيتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فغُلِّبُوا على غيرِهم {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} في الكتبِ المُتقدِّمةِ. {وَفِى هَـٰذَا} أي في القرآنِ والضَّميرُ لله تعالى ويُؤيِّده أنَّه قُرىء الله سمَّاكُم، أو لإبراهيمَ وتسميتُهم بالمسلمينَ في القُرآن وإنْ لم تكُنْ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كانت بسببِ تسميته من قبلُ في قوله: { أية : وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}. تفسير : [البقرة: 128] وقيل: وفي هذا تقديرُه: وفي هذا بـيانُ تسميتِه إيَّاكم المسلمينَ {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ} يومَ القيامةِ متعلِّقٌ بسمَّاكُم {شَهِيداً عَلَيْكُمْ} بأنَّه بلَّغكُم فيدلُّ على قبولِ شهادتِه لنفسِه اعتماداً على عصمتِه أو بطاعة مَن أطاعَ وعصيانِ مَن عصى {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} بتبليغِ الرُّسلِ إليهم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} أي فتقرَّبُوا إلى الله بأنواعِ الطَّاعاتِ. وتخصيصُهما بالذِّكرِ لإنافتِهما وفضلِهما. {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي ثقُوا به في مجامعِ أمورِكم ولا تطلبُوا الإعانةَ والنُّصرةَ إلاَّ منْه {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ} ناصرُكم ومتولِّي أمورِكم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} هو إذْ لا مثلَ له في الوَلاَيةِ والنُّصرةِ بل لا ولِيَّ ولا نصيرَ في الحقيقةِ سواهُ عزَّ وجلَّ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَن قرأ سُورةَ الحجِّ أُعطيَ من الأجرِ كحجَّةٍ حجَّها وعمرةٍ اعتمرَها بعددِ مَن حجَّ واعتمرَ فيما مَضَى وفيما بَقِيَ ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى وتقدس: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الآية: 78]. قال بعضهم: المجاهدة على ضروب: مجاهدة مع أعداء الله، ومجاهدة مع الشيطان، وأشد المجاهدة مع النفس والهوى وهو الجهاد فى الله. كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" تفسير : وهو مجاهدة النفس وحملها على اتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. قوله عز وعلا: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ} [الآية: 78]. قال ابن عطاء: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية. قوله تعالى وتقدس: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. قال ابن عطاء: ملة إبراهيم هو السخاء والبذل، والأخلاق السنية، والخروج من النفس، والأهل، والمال، والولد أمر الله العوام أن يتبعوا ملة إبراهيم في الشريعة، وأمر الخواص ان يتبعوا ملته فى بذل المال والنفس والولد لمولاه، وتوافقونه موافقة الحنين فى كل الأوقات. قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الآية: 78]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: زينكم بزينة الخواص قبل أن أوجدكم، لأنكم فى القدرة عند الإيجاد كما كنتم قبل الإيجاد، سبقت لكم من الله الخصوصية فى أزله. قوله تعالى ذكره: {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الآية: 78]. قال النورى: الاعتصام بالله هو خلو القلب والسر عما يشغل عنه، والاشتغال بموافقته، والإقبال عليه. قال الله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} أى هو الذى يغنيكم به إن أقبلتم على الاعتصام. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: الاعتصام هو العجز، والثقة بالقوى، والرجوع إليه، والالتجاء به، {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}. قال جعفر: نعم المعين لمن استعان به، ونعم النصير لمن استنصره. وقال بعضهم: المستعين به من يكون خالصًا له، ومفوضًا إليه، ومتوكلاً عليه. والله أعلم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}. {حَقَّ جِهَادِهِ}: حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوعِ، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده. ويقال المجاهدة على أقسام: مجاهدةٌ بالنَّفْسِ، ومجاهدةٌ بالقلبِ، ومجاهدةٌ بالمال. فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق، ولا يطلب الرخص والإرفاق. والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة، والعزمُ على المخالفات، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات. والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار. ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق، وتقديم الأشق على الأسهل - وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق. ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً، قال قائلُهم: شعر : يا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ فكلُّ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ}. يحتمل أن يقول مِنْ حَقِّ اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظمِّوا أَمْرَ مولاكم. ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ. ويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك. قوله جلّ ذكره: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. الشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه - يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك. قوله جلّ ذكره: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان. قوله جلّ ذكره: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ}. اللَّهُ هو الذي اجتباكم، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين. وقيل إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128]. قوله: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ}، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا، وأمره بالشفاعة لأمته، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً. قوله جلّ ذكره: {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}. وتلك الشهادة إنما نؤديها لله، ومَنْ كانت له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا يجرح شاهده، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده. قوله جلّ ذكره: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}. أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل الاستقامة. والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة، والنهوض بعبادة الله بالله لله. ويقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة. {هُوَ مَوْلاَكُمْ}: سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه. {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} نِعْمَ المولى: إخبارُ عن عظمته، ونعم النصير: إخبارُ عن رحمته. ويقال إن قال لأيوب: {أية : نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} تفسير : [ص: 44] ولسليمان: {أية : نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ}تفسير : [ص: 30] فلقد قال لنا: {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُّ من مدحه لك. ويقال: {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ}: بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو عَبَدته. {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}: إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان ناصِرَك، ولا عند السؤال أو عند الصراط.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاهدوا} الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع فى مدافعة العدو {فى الله} اى فى سبيل الله كما فى تفسير الجلالين، وقال فى غيره اى لله ولاجله اعداء دينه الظاهرة كاهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس {حق جهاده} [جنانكه سزاوار جهاد او باشد يعنى بدل صافى وينت خالص] اى جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس واضيف الحق الى الجهاد مبالغة واضيف الجهاد الى الضمير الراجع الى الله اتساعا، قال الامام الراغب الجهاد ثلاثة اضرب مجاهدة العدو الظاهر ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها فى قوله تعالى {وجاهدوا فى الله حق جهاده} وفى الحديث "حديث : جاهدوا الكفار بايديكم والسنتكم"تفسير : وفى الحديث "حديث : جاهدوا اهواءكم كما تجاهدون اعداءكم" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم انه رجع من غزوة تبوك فقال "حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر"تفسير : فجهاد النفس اشد من جهاد الاعداء والشياطين وهو حملها على اتباع الاوامر والاجتناب عن النواهى: وفى المثنوى شعر : اى شهان كشتيم ماخصم برون ماند ازو خصمى بتر در اندرون كشتن اين كارعقل وهوش نيست شير باطن سخره خركوش نيست تفسير : {هو اجتباكم} اى هو اختاركم لدينه ونصرته لا غيره وفيه تنبيه على ما يقتضى الجهاد ويدعو اليه، قال ابن عطاء الاجتبائية اورثت المجاهدة لا المجاهدة اورثت الاجتبائية، وفى التأويلات النجمية {وجاهدوا فى الله حق جهاده} بان تجاهدوا النفوس فى تزكيتها باداء الحقوق وترك الحظوظ وتجاهدوا القلوب فى تصفيتها بقطع تعلقات الكونين ولزوم المراقبات عن الملاحظات وتجاهدوا الارواح فى تحليتها بافناء الوجود فى وجوده ليبقى بوجوده وجوده {هو اجتباكم} لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا ان اجتباكم واستعداد هذا الجهاد اعطاكم واليه هداكم لما جهدتم فى الله كما قيل شعر : فلولا كمو ماعرفنا الهوى ولولا الهوا ماعرفنا كمو تفسير : ومن مبادى الحق الجهاد وهو ان لايفتر مجاهدة النفس لحظة كما قال قائلهم شعر : يارب ان جهادى غير منقطع فكل ارضك لى ثغر وطرطوس تفسير : {وما جعلا عليكم فى الدين من حرج} اصل الحرج والحراج مجتمع الشىء وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج اى ما جعل فيه من ضيق بتكليف ما يشق عليه اقامته ولذلك ازال الحرج فى الجهاد عن الاعمى والاعرج وعادم النفقة والراحلة والذى لا يأذن له ابواه، قال الكاشفى [يعنى برشماتنك فرانكرفت ودر احكام دين تكليف مالا يطاق نكرد بوقت ضرورت رخصتها دادجون قصر تميم وافطار در مرض وسفر]. وفى التأويلات النجمية اى ضيف في السير الى الله والوصول اليه لانك تسير الى الله بسيره لا يسيرك وتصل اليه بتقربه اليك لا بتقربك اليه وان كنت ترى ان تقربك اليه منك ولا ترى ان تقربك اليه من نتائج تقربه اليك وتقربه اليك سابق على تقربك اليه كما قال "حديث : من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا"تفسير : فالذراع اشارة الى الشبرين شبر سابق على تقربك اليه وشبر لاحق يتقربك اليه حتى لو مشيت اليه فانه يسارعك من قبل مهر ولا انتهى {ملة ابيكم ابراهيم} نصب على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف اى وسع عليكم دينكم توسعة ملة ابيكم ابراهيم واتبعوا ملة ابيكم كما فى الجلالين، قال الراغب الملة كالدين وهو اسم لما شرع الله لعباده على لسان الانبياء ليتوصلوا به الى جوار الله تعالى والفرق بينها وبين الدين ان الملة لاتضاف الا الى النبى الذى تسند اليه نحو اتبعوا ملة ابراهيم واتبعت ملة آبائى ولا يكاد يوجد مضافا الى الله تعالى ولا الى آحاد مة النبى ولا يستعمل الا فى جملة الشرائع دون آحادها ولايقال ملة الله ولا ملتى وملة زيد كما يقال دين الله واصل الملة من مللت الكتاب ويقال الملة اعتبارا بالنبى الذى شرعها والدين يقال اعتبارا بمن يقيمه اذا كان معناه الطاعة هذا كله في مفردات الراغب وانما جعله اباهم لانه ابو رسول الله وهو كالاب لامته من حيث انه سبب لحياتهم الابدية ووجودهم على الوجه المعتد به فى الآخرة او لان اكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم، قال ابن عطاء ملة ابراهيم هو السخاء والبذل وحسن الاخلاق والخروج عن النفس والاهل والمال والولد. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان السير والذهاب الى الله من سنة ابراهيم عليه السلام لقوله {أية : اني ذاهب الى ربى سيهدين}تفسير : وانما سماه بابيكم لانه كان اباكم فى طريقة السير الى الله كا قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : انا لكم كالوالد لولده"تفسير : {هو} اى الله تعالى {سماكم المسلمين من قبل} اى فى الكتب المتقدمة {وفى هذا} اى في القرآن {ليكون الرسول} يعنى حضرة محمد يوم القيامة متعلق بسماكم واللام لام العاقبة {شهيدا عليكم} بانه بلغكم فيدل على شهادته لنفسه اعتمادا على عصمته او بطاعة من اطاع وعصيان من عصى {وتكونوا شهداء على الناس} بتبليغ الرسل اليهم {فاقيموا الصلوة وآتوا الزكوة} اى فتقربوا الى الله بانواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف وتخصيصهما بالذكر لفضلها فان الاول دال على تعظيم امر الله والثانى على الشفقة على الخلق {واعتصموا بالله} اى ثقوا به فى مجامع اموركم ولا تطلبوا الاعانة والنصرة الا منه: وبالفارسية [وجنك در زنيد بفضل خداى يعنى در مجامع امور خود اعتماد بدو كنيد يا بكتاب وسنت متمسك شويد سلمى فرموده كه اعتصام بحبل الله امر عوام است وبالله كار خواص اما اعتصام بحبل الله تمسك باوامر وتنفر ازنواهى واعتصام بالله خلوت دلست ازماسواى حضرت الهى] {هو مولاكم} ناصركم ومتولى اموركم {فنعم المولى ونعم النصير} اذ لا مثل له فى الولاية والنصرة بل لاولى ولا نصير فى الحقيقة سواه تعالى، قال الكاشفى [بس نيك ياريست او ونيكو مدد كارى بيارى عيبها ببوشد وبمدد كارى كناهان بجشديارى ازوجوى كه ازبارى درنماند مدد كارى ازوى طلب كه از مددكارى عاجز نشود] شعر : ازيارى خلق بكذراى مرد خدا يارى طلب آنجنان كه از روى وفا كارتوتواند كه بسازد همه وقت دست توتواند كه بكيرد همه جا تفسير : قال فيتاغورث متى التمست فعلا من الافعال فابدأ الى ربك بالابتهال فى النحج فيه، وشكا رجل الى اخيه الحاجة والضيق فقال له يااخى أغير تدبير ربك تريد لا تسأل الناس وسل من انت له، ودخل سليمان بن عبدالملك الكعبة فقال لسالم بن عبدالله ارفع حوائجك فقال الله لااسأل فى بيت الله غير الله فينبغى للعبد الطالب لعصمة الله تعالى ان يعتصم به فى كل الامور ويجتهد فى رضاه فى الخفاء والظهور ولا يقول ان هذا الامر عسير فان ذلك على الله يسير فانه هو المولى فنعم المولى ونعم النصير قال تعالى ذلك اى النصر بان الله مولى الذين آمنوا الاية تمت سورة الحج فى اواخر جمادى الاولى من سنة الف ومائة وسبع

الجنابذي

تفسير : {وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} لمّا كان الخطاب لآل محمّدٍ (ص) خاطبهم بهذا الخطاب والاّ فمثل هذا التّكليف لغيرهم تكليف بما لا يطاق بل يقال لهم: جاهدوا فى الله حقّ جهادكم لا حقّ جهاده فانّ حقّ الجهاد فى الله على الاطلاق وحقّ الجهاد الّلائق بالله ان لا يبقى شيءٌ من انانيّة العبد ويبقى بعد فنائه بحيث يلاحظ الحقّ فى الخلق والخلق فى الحقّ من دون نقصانٍ لشيءٍ منهما، ولحاظ الوحدة والكثرة على ما ينبغى لا يتيسّر الاّ لصاحب الجمع المطلق يعنى صاحب الولاية الكلّيّة والرّسالة الكلّيّة كما قيل: شعر : جمع صورت باجنين معنىّ زرف مى نيايد جز زسلطان شكرف تفسير : {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} استيناف فى مقام التّعليل {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} عطف على قوله هو اجتباكم ويفيد التّعليل ايضاً والدّين كما سبق مكرّراً عبارة عن صورة الملّة الّتى هى الاحكام القالبيّة الاسلاميّة، وعن احكام الايمان القلبيّة، وعن طريق النّفس الى القلب، والقلب الى الرّوح! والرّوح الى العقل، وهكذا، وما جعل الله لاحدٍ فى شيءٍ من ذلك حرجاً فانّ التّكليف بقدر الوسع، واذا بلغ السّالك الى الطّريق كان له وسعة لا يتصوّر سعة مثلها فانّه ما دام يكون سالكاً الى الطّريق يكون فى ضيقٍ وحرجٍ وقبضٍ وقلقٍ، واذا بلغ الى الطّريق الى الله وهو مثال شيخه وملكوته تبدّل ضيقه بالسّعة وقبضه بالبسط وقلقه بالاطمينان، وتعبه بالرّاحة؛ رزقنا الله وجميع المؤمنين {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} فى هذا اشارة الى انّ تنزيل الآية لاهل بيت محمّدٍ (ص) كما فسّروها لنا واذا اريد بالابوّة الابوّة الرّوحانيّة كان التّفسير صرفاً من التّنزيل الى التّأويل وتصدق هذه النّسبة على من صار منتسباً الى ابراهيم (ع) بالبنوّة، وهذا الانتساب لا يكون الاّ اذا صدق الاتّصال بالبيعة العامّة ان لم نقل بلزوم البيعة الخاصّة الولويّة فى صدق هذه النّسبة {هُوَ} اى ابراهيم (ع) او الله {سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يعنى من قبل هذا الزّمان او من قبل القرآن او من قبل هذا العالم فى العوالم العالية {وَفِي هَـٰذَا} الزّمان او القرآن او العالم، وتسمية ابراهيم (ع) لهم مسلمين فى هذا الزّمان بواسطة بقاء هذا الاسم لهم منه فى هذا الزّمان {لِيَكُونَ} تعليل للاوامر السّابقة، او للمدائح الّلائقة، او للمجموع يعنى جاهدوا ليكون {ٱلرَّسُولُ} واجتباكم ليكون الرّسول (ص) {شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} هذا ايضاً يدلّ على اختصاص الآية بالائمّة (ع) {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} قد مضى فى اوّل البقرة بيان الصّلٰوة واقسامها واقامتها وبيان الزّكٰوة واطوارها وايتائها {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} بالاعتصام بالولاية فانّ الاعتصام بالله باعتبار مقام الغيب لا يتصوّر للانسان ما كان شاعراً بذاته فالمراد الاعتصام بخلفائه والاعتصام بطريقه الّذى هو طريق الولاية {هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} يعنى اذا كان موليكم فنعم المولى {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} هو.

الهواري

تفسير : قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وهو مثل قوله: (أية : اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)تفسير : [آل عمران: 102]. وهما منسوختان؛ نسختهما الآية التي في التغابن: (أية : فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) تفسير : [التغابن: 16]. قوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي: هو اصطفاكم. ويقال: هو اختاركم لدينه، وهو واحد. قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: من ضيق. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خير دينكم أيسره . تفسير : وقال [قتادة]: إن كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة: (أية : يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) تفسير : [البقرة: 185]. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده ما اجتمع أمران في الإِسلام إلا كان أحبُّهما إلى الله أيسرَهما. تفسير : ذكروا عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: حديث : ما عرض لرسول الله أمران إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثماً، وكان أبعد الناس من المآثم . تفسير : قوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ} أي: الله هو سمّاكم المسلمين {مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا القرآن، أي: في الكتب الأولى وفي الذكر. {وَفِي هَذَا} القرآن. قوله: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أي: بأنه قد بلّغ {وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} أي: على الأمم بأن الرسل قد بلغت قومها. ذكروا أن كعباً قال: إن الله أعطى هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهن قبلهم إلا نبياً مرسلاً؛ كان يبعث النبي فيقول: أنت شاهدي على أمتك، وإن الله جعلكم شهداء على الناس. ويبعث النبي فيقول: ادعني أستجب لك. وقال: (أية : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) تفسير : [غافر: 60]. ويبعث النبي فيقول: ليس عليك في الدين من حرج، وقال الله: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. قوله: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} إنهما فريضتان واجبتان؛ أما الصلاة فالصلوات الخمس يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. وأما الزكاة فقد فسّرناها في أحاديث الزكاة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ} أي: بدين الله، فهو اعتصامكم بالله في قول الحسن. وقال الكلبي: بتوحيد الله وبفرائضه، وهو واحد. قوله: {هُوَ مَوْلاَكُمْ} أي: وليّكم {فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وعدهم النصر على أعدائهم من المشركين.

اطفيش

تفسير : {وجاهدوا فى الله} جاهدوا الكفار لله، أو جاهدوا فى سبيل الله، والجهاد استفراغ لجهد أى الطاقة فى شىء، والمراد جهاد المشركين، ويقاس عليه المبتدعة والفسقة، بحسب ما يكون، وجهاد الشيطان والنفس، قال جابر بن عبد الله: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال: "حديث : "قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر" قيل: ما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة الهوى"" تفسير : وفى سنده ضعف يجبره صحة المعنى، والأحاديث الأخر فى هذا المعنى، ولا مانع من تفسير الآية بذلك كله، وقرأ الحسن الآية فقال: إن رجل ليجاهد فى الله وما ضرب بسيف. {حقَّ جهادِهِ} أى الجهاد الذى ينسب الله، ويفعل لوجهه بأن أمر به، ويعبد به وهو الذى بإخلاص وعدم تقصير، كما تقول فى التمر المحبس لله: تمر الله، باضافته لله، ولا حاجة الى تقدير جهاداً فيه حقاً، ومن قال: المراد أطيعوا الله جداً قال نسخ بقوله تعالى: "أية : فاتقوا الله ما استطعتم" تفسير : [التغابن: 16] وأما أن تفسر بلا تعصوا البتة، فلا يقبل النسخ، لأنه يفضى الى إباحة بعض المعصية. قال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما: ألسنا كنا نقرأ {وجاهدوا فىالله حق جهاده} فى آخر الزمان كما جاهدتم فى أوله فقال: بلى، قال: متى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنوا أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء، وهذا الزيادة تفسير لا تلاوة، ولو كانت ونسخت تلاوتها لشهر. {هُو اجتباكم}اختاركم لعبادته وجهاد عدوه، ومجاهدة أنفسكم بترك ما تدعو اليه مما لا يرضى الله به {وما جَعَل عليْكُم فى الدين من حَرجٍ} تكليف ما لا تطيقونه، أو يشتد عليكم جداً، وذلك إما ابتداء أو تسهيل بعد تكليف، قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم" تفسير : ويل ذلك جعله التوبة لنا كلما أذنبنا، والقصاص والدية والأرش والكفارة واستشكل بعض إدخال التوبة فى ذلك. {ملة أبيكُم إبراهيمَ} منصوب على الإغرء، أى الزموا ملة أبيكم إبراهيم أو مفعول بأعنى أى أعنى بالدين ملة أبيكم قيل أو مفعول مطلق من معنى نفى الحرج، لأن معناه التوسعة على حذف مضاف، أى وسع عليكم توسعة ملة أبيكم، وهذا عجيب، كما أجيز أن يكون ابراهيم لاتبعوا محذوفاً، وإنما هو بدل أو بيان من أبيكم، والمراد بالملة الأصول، وما لم ينسخ من الفروع، وسمى أباً لأن أكثر العرب أو أشرفهم وهم قريش من ذريته، ولأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كالأب لأمته، إذ هو سبب لمنافع الدنيا والدين، والحياة الطيبة فى الآخرة، بل ابراهيم نفسه أيضا كذلك، ولو كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم فى ذلك. {هُو} أى الله كما قرأ أبىّ: {سمَّاكم المسْلمينَ من قَبلُ} قبل نزول القرآن فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، {وفى هذا} أى فى هذا الكتاب وهو القرآن، وهذا مما يقوى أن الضمير لله سبحانه، وقيل الضمير لابراهيم لقرب ذكره، وذلك أنه قال: "أية : ربنا واجعلنا مسلِمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" تفسير : [البقرة: 128] وكلامه هذا سبب لتسميته فى هذا الكتاب القرآن مسلمين لدخول أكثر العرب فى الذرية، فهو مسم لهم فى القرآن مجازاً، ففى قوله: " سماكم" أى بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة، وقيل فى هذا خبر لمحذوف، أى فى هذا بيان تسميته لكم مسلمين، إذ ذكر فى القرآن تسميته فى هذا مسلمين. { ليَكون الرَّسُولُ} متعلق بسماكم واللام للعاقبة، ويجوز أن تكون للتعليل، لأنه صلى الله عليه وسلم مسلم والأسلام سبب لقبول الشهادة {شهيداً} يوم القيامة {عليْكُم} أنه بلَّغكم قيل على بمعنى اللام وأنه يشهد لهم بالخير، ويزكيهم وفى ذلك قبول شهادته لنفسه يوم القيامة، وذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأما فى الدنيا فقد احتاج لمن يشهدان بفرسه، حتى شهد له خزيمة فأذعن خصمها بشهادته، ولم يقبل الله عن الأنبياء على أممهم أنكروا حتى شهدت لهم هذه الأمة كما قال عز وجل: {وتكُونُوا شُهداء عَلَى الناس} الأمم السابقة فيقولون: أنتم بعدنا كيف تشهدون علينا، فيقولون: أخبر الله نبينا بكفركم فى القرآن الذى أنزل عليه، وذلك فى الأقوال المهلكة، لا فى الأفراد، وإن كان على العموم فقد يجعل الله لهم علامات كما تجعل لأمته صلى الله عليه وسلم له. {فأقيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزكاة} شكراً لذلك، ولأن كونكم شهداء يقتضى أن تكونوا عدولا، وفى ذلك تعظيم شأن الصلاة، والزكاة، ولا بد من غيرهما تبعاً لهما {واعْتصموا بالله} فى أمُوركم كلها الدنيوية والدينية {هُو مولاكم} ناصركم، ومتولى أموركم، والسيد لا يخذل عبده {فنعْم المَوْلى} هو {ونعم النَّصير} هو لكمال ولايته ونصره. أسأل الله أن يجعلنا ممن اعتصم به فتولاه ونصره. اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضا وارض عنَّا.

الالوسي

تفسير : {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ} أي لله تعالى أو في سبيله سبحانه، ((والجهاد كما قال الراغب استفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر كالكفار، ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس)) وهي أكبر من مجاهدة العدو الظاهرة كما يشعر به ما أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال: حديث : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال: «قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه » تفسير : وفي إسناده ضعف مغتفر في مثله. والمراد هنا عند الضحاك جهاد الكفار حتى يدخلوا في الإسلام، ويقتضي ذلك أن تكون الآية مدنية لأن الجهاد إنما أمر به بعد الهجرة. وعند عبد الله بن المبارك جهاد الهوى والنفس، والأولى أن يكون المراد به ضروبه الثلاثة وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء، وإلى هذا يشير ما روى جماعة عن الحسن أنه قرأ الآية وقال: إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف، ويشمل ذلك جهاد المبتدعة والفسقة فإنهم أعداء أيضاً ويكون بزجرهم عن الابتداع والفسق. {حَقَّ جِهَـٰدِهِ} أي جهاداً فيه حقاً فقدم حقاً وأضيف على حد جرد قطيفة، وحذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى ضميره تعالى على حد قوله: شعر : ويوم شهدناه سليماً وعامراً تفسير : وفي «الكشاف» الإضافة تكون لأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله تعالى من حيث أنه مفعول لوجهه سبحانه ومن أجله صحت إضافته إليه، وأياً ما كان فنصب {حَقّ} على المصدرية، وقال أبو البقاء: إنه نعت لمصدر محذوف أي جهاداً حق جهاده، وفيه أنه معرفة فكيف يوصف به النكرة ولا أظن أن أحداً يزعم أن الإضافة إذا كانت على الاتساع لا تفيد تعريفاً فلا يتعرف بها المضاف ولا المضاف إليه. والآية تدل على الأمر بالجهاد على أتم وجه بأن يكون خالصاً لله تعالى لا يخشى فيه لومة لائم وهي محكمة. ومن قال كمجاهد والكلبـي: إنها منسوخة بقوله تعالى: { أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16] فقد أراد بها أن يطاع سبحانه فلا يعصى أصلاً وفيه بحث لا يخفى، وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال لي عمر رضي الله تعالى عنه: ألسنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ قلت: بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، وأخرجه البيهقي في «الدلائل» عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره، ولا يخفى عليك حكم هذه القراءة، وقال النيسابوري: ((قال العلماء لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسيره صلى الله عليه وسلم وليست من نفس القرآن وإلا لتواترت)) وهو كما ترى. {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ} أي هو جل شأنه اختاركم لا غيره سبحانه، والجملة مستأنفة لبيان علة الأمر بالجهاد فإن المختار إنما يختار من يقوم بخدمته ومن قربه العظيم يلزمه دفع أعدائه ومجاهدة نفسه بترك ما لا يرضاه ففيها تنبيه على المقتضي للجهاد. وفي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ} أي في جمع أموره ويدخل فيه الجهاد دخولاً أولياً {مِنْ حَرَجٍ} أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه، والحاصل أنه تعالى أمرهم بالجهاد وبين أنه لا عذر لهم في تركه حيث وجد المقتضي وارتفع المانع. / ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى الرخصة في ترك بعض ما أمرهم سبحانه به حيث شق عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » تفسير : فانتفاء الحرج على هذا بعد ثبوته بالترخيص في الترك بمقتضى الشرع وعلى الأول انتفاء الحرج ابتداء، وقيل: عدم الحرج بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد، ولا يخفى أن تعميمه للتوبة ونحوها خلاف الظاهر وإن روي ذلك من طريق ابن شهاب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وفي «الحواشي الشهابية» أن الظاهر أن حق جهاده تعالى لما كان متعسراً، ذيله بهذا ليبين أن المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به جل وعلا من كل الوجوه. وذكر الجلال السيوطي أن هذه الآية أصل قاعدة المشقة تجلب التيسير، وهو أوفق بالوجه الثاني فيها. {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ} نصب على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفي الحرج بعد حذف مضاف أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الاختصاص بتقدير أعني بالدين ونحوه وإليهما ذهب الزمخشري، وقال الحوفي وأبو البقاء: نصب على الإغراء بتقدير اتبعوا أو الزموا أو نحوه، وقال الفراء: نصب بنزع الخافض أي كملة أبيكم، والمراد بالملة إما ما يعم الأصول والفروع أو ما يخص الأصول فتأمل ولا تغفل، و {إِبْرَاهِيمَ} منصوب بمقدر أيضاً أو مجرور بالفتح على أنه بدل أو عطف بيان، وجعله عليه السلام أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته عليه السلام فغلبوا على جميع أهل ملته صلى الله عليه وسلم. {هُوَ} أي الله تعالى كما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وسفيان، ويدل عليه ما سيأتي بعد في الآية وقراءة أبـي رضي الله تعالى عنه {ٱللَّهِ} {سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} أي من قبل نزول القرآن وذلك في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل {وَفِى هَـٰذَا} أي في القرآن، والجملة مستأنفة، وقيل إنها كالبدل من قوله تعالى: {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ} ولذا لم تعطف، وعن ابن زيد والحسن أن الضمير لإبراهيم عليه السلام واستظهره أبو حيان للقرب وتسميته إياهم بذلك من قبل في قوله: { أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } تفسير : [البقرة: 128] وقوله هذا سبب لتسميتهم بذلك في هذا لدخول أكثرهم في الذرية فجعل مسمياً لهم فيه مجازاً، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة والمجاز وفي جوازه خلاف مشهور، وقال أبو البقاء: المعنى على هذا وفي هذا بيان تسميته إياكم بهذا الاسم حيث حكى في القرآن مقالته، وقال ابن عطية: يقدر عليه وسميتكم في هذا المسلمين، ولا يخفى ما في كل ذلك من التكلف. واستدل بالآية من قال: إن التسمية بالمسلمين مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر. {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ} يوم القيامة {شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أنه قد بلغكم، ويدل هذا القول منه تعالى على قبول شهادته عليه الصلاة والسلام لنفسه اعتماداً على عصمته ولعل هذا من خواصه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم وإلا فالمعصوم يطالب في الدنيا بشاهدين إذا ادعى شيئاً لنفسه كما يدل على ذلك قصة الفرس وشهادة خزيمة رضي الله تعالى عنه، وأيضاً لو كان كل معصوم تقبل شهادته لنفسه في ذلك اليوم لما احتيج إلى شهادة هذه الأمة على الأمم حين يشهد عليهم أنبياؤهم / فينكرون كما ذكر ذلك كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى: {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم: هل بلغتم أممكم؟ فيقولون: نعم بلغناهم فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنهم قد بلغوا فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق أو شهيداً عليكم بإطاعة من أطاع وعصيان من عصى، ولعل علمه صلى الله عليه وسلم بذلك بتعريف الله تعالى بعلامات تظهر له في ذلك الوقت تسوغ له عليه الصلاة والسلام الشهادة، وكون أعمال أمته تعرض عليه عليه الصلاة والسلام وهو في البرزخ كل أسبوع أو أكثر أو أقل إذا صح لا يفيد العلم بأعيان ذوي الأعمال المشهود عليهم وإلا أشكل ما رواه أحمد في «مسنده» والشيخان عن أنس وحذيفة قالا: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ليردن عليَّ ناس من أصحابـي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصيحابـي أصيحابـي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » تفسير : وربما أشكل هذا على تقدير صحة حديث العرض سواء أفاد العلم بالأعيان أم لا، وإذا التزم صحة ذلك الحديث وأنه صلى الله عليه وسلم لم يستحضر أعمال أولئك الأقوام حين عرفهم فقال ما قال وأن المراد من ـ إنك لا تدري ـ الخ مجرد تعظيم أمر ما أحدثوه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا نفي العلم به يبقى من مات من أمته طائعاً أو عاصياً في زمان حياته صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم بحاله أصلاً كمن آمن ومات ولم يسمع صلى الله عليه وسلم به فإن عرض الأعمال في حقه لم يجيء في خبر أصلاً، والقول بعدم وجود شخص كذلك بعيد، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أعمال أمته ويعرفهم واحداً واحداً حياً وميتاً ولذا ساغت شهادته عليهم بالطاعة والمعصية يوم القيامة لم يأت بدليل، والآية لا تصلح دليلاً له إلا بهذا التفسير وهو محل البحث، على أن في حديث الإفك ما يدل على خلافه. وزعم بعضهم أن معرفته صلى الله عليه وسلم للطائع والعاصي من أمته لما أنه يحضر سؤالهم في القبر عنه عليه الصلاة والسلام كما يؤذن بذلك ما ورد أنه يقال للمقبور: ما تقول في هذا الذي بعث إليكم؟ واسم الإشارة يستدعي مشاراً إليه محسوساً مشاهداً وهو كما ترى. واختار بعض أن الشهادة بذلك على بعض الأمة وهم الذين كانوا موجودين في وقته صلى الله عليه وسلم وعلم حالهم من طاعة وعصيان. والخطاب في {عَلَيْكُمْ} إما خاص بهم أو عام على سبيل التغليب وفيه ما فيه فتدبر، وقيل على في {عَلَيْكُمْ} بمعنى اللام كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } تفسير : [المائدة: 3] فالمعنى شهيداً لكم، والمراد بشهادته لهم تزكيته إياهم إذا شهدوا على الأمم ولا يخفى بعده، واللام متعلقة بسماكم على الوجهين في الضمير وهي للعاقبة على ماقيل، وقال الخفاجي: لا مانع من كونها للتعليل فإن تسمية الله تعالى أو إبراهيم عليه السلام لهم بالمسلمين حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام الداخل فيهم دخولاً أولياً وقبول شهادتهم على الأمم وفيه نوع خفاء. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} أي فتقربوا إليه تعالى لما خصكم بهذا الفضل والشرف بأنواع الطاعات، وتخصيص هذين الأمرين بالذكر لإنافتهما وفضلهما {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي ثقوا به تعالى في جميع أموركم {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ} ناصركم ومتولي أموركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} هو إذ لا مثل له تعالى في الولاية والنصرة فإن من تولاه لم يضع ومن نصره لم يخذل بل لا ولي ولا ناصر في الحقيقة سواه عز وجل، وفي / هذا إشارة إلى أن قصارى الكمال الاعتصام بالله تعالى وتحقيق مقام العبودية وهو وراء التسمية والاجتباء، وجوز أن يكون {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ} تتميماً للاجتباء وليس بذاك. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كيد عدوهم من الشيطان والنفس { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } تفسير : [الحج: 38] ويدخل في ذلك الشيطان والنفس، وصدق الوصفين عليهما ظاهر جداً بل لا خوان ولا كفور مثلهما { أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ } تفسير : [الحج: 41] الخ فيه إشارة إلى حال أهل التمكين وأنهم مهديون هادون فلا شطح عندهم ولا يضل أحد بكلماتهم { أية : فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } تفسير : [الحج: 45] قيل: في القرية الظالمة إشارة إلى القلب الغافل عن الله تعالى، وفي البئر المعطلة إشارة إلى الذهن الذي لم يستخرج منه الأفكار الصافية، وفي القصر المشيد إشارة إلى البدن المشتمل على حجرات القوى. { أية : فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } تفسير : [الحج: 46] فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين المنكرين فإن قلوبهم عمي عن رؤية أنوار أهل الله تعالى فإن لهم أنواراً لا ترى إلا بعين القلب وبهذه العين تدرك حقائق الملك ودقائق الملكوت، وفي الحديث: « حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى » { أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } تفسير : [الحج: 47] قد تقدم الكلام في اليوم وانقسامه فتذكر {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي ستر عن الأغيار من أن يقفوا على حقيقتهم كما يشير ما يروونه من الحديث القدسي « حديث : أوليائي تحت قبابـي لا يعرفهم أحد غيري » { أية : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الحج: 50] وهو العلم اللدني الذي به غذاء الأرواح. وقال بعضهم: رزق القلوب حلاوة العرفان ورزق الأسرار مشاهدة الجمال ورزق الأرواح مكاشفة الجلال وإلى هذا الرزق يشير عليه الصلاة والسلام بقوله: « حديث : أبيت عند ربـي يطعمني ويسقيني » تفسير : والإشارة في قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] الآيات على قول من زعم صحة حديث الغرانيق إلى أنه ينبغي أن يكون العبد فناء في إرادة مولاه عز وجل وإلا ابتلي بتلبيس الشيطان ليتأدب ولا يبقى ذلك التلبيس لمنافاته الحكمة {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة {ثُمَّ قُتِلُواْ} بسيف الصدق والرياضة {أَوْ مَاتُواْ} بالجذبة عن أوصاف البشرية { أية : لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً } تفسير : [الحج: 58] هو رزق دوام الوصلة كما قيل: أو هو كالرزق الكريم { أية : وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ } تفسير : [الحج: 60] فيه إشارة إلى نصر السالك الذي عاقب نفسه بالمجاهدة بعد أن عاقبته بالمخالفة ثم ظلمته باستيلاء صفاتها { أية : وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } تفسير : [الحج: 68] أخذ الصوفية منه ترك الجدال مع المنكرين وذكر بعضهم أن الجدال معهم عبث كالجدال مع العنين في لذة الجماع { أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَـٰتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ } تفسير : [الحج: 72] الآية فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفي قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } تفسير : [الحج: 73] الخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى وإنما ننذر لله عز وجل ونجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين { أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } تفسير : [الزمر: 3]، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو / ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل: انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا، ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى وكذا لأهل النحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية. {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ} شامل لجميع أنواع المجاهدة، ومنها جهاد النفس وهو بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بإفناء الوجود، وقد قيل: شعر : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب تفسير : {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} تمسكوا به جل وعلا في جميع أحوالكم {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ} على الحقيقة {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} في إفناء وجودكم { أية : وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } تفسير : [الحج: 78] في إبقائكم، وما أعظم هذه الخاتمة لقوم يعقلون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

ابن عاشور

تفسير : {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ} الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدّين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسرّه النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». تفسير : وأن ما روي حديث : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حين قفل من غزوة تبوك قال لأصحابه: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، تفسير : وفسّره لهم بمجاهدة العبد هواه، فذلك محمول على المشاكلة بإطلاق الجهاد على منع داعي النفس إلى المعصية. ومعنى (في) التعليل، أي لأجل الله، أي لأجل نصر دينه كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : دخلت امرأة النارَ في هِرّة» تفسير : أي لأجل هِرة، أي لعمل يتعلق بهرّة كما بيّنه بقوله: «حديث : حَبَسَتْها لا هِيَ أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً».تفسير : وانتصب {حق جهاده} على المفعول المطلق المبيّن للنوع، وأضيفت الصفة إلى الموصوف، وأصله: جهادَه الحقّ، وإضافة جهاد إلى ضمير الجلالة لأدنى ملابسة، أي حق الجهاد لأجله، وقرينة المراد تقدّم حرف (في) كقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102]. والحق بمعنى الخالص، أي الجهاد الذي لا يشوبه تقصير. والآية أمر بالجهاد، ولعَلّها أول آية جاءت في الأمر بالجهاد لأنّ السورة بعضها مكي وبعضها مدنيّ ولأنه تقدم آنفاً قوله: {أية : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله}تفسير : [الحج: 60]، فهذا الآن أمر بالأخذ في وسائل النصر، فالآية نزلت قبل وقعة بدر لا محالة. {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} جملة {هو اجتباكم} إن حملت على أنها واقعة موقع العلة لما أمروا به ابتداء من قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}تفسير : [الحج: 77] الخ، أي لأنه لما اجتباكم، كان حقيقاً بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها. والاجتباء: الاصطفاء والاختبار، أي هو اختاركم لتلقي دينه ونشره ونصره على معانديه. فيظهر أن هذا موجّه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتّحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع. وإن حمل قوله {هو اجتباكم} على معنى التفضيل على الأمم كان ملحوظاً فيه تفضيل مجموع الأمة على مجموع الأمم السابقة الراجع إلى تفضيل كل طبقة من هذه الأمة على الطبقة المماثلة لها من الأمم السالفة. وقد تقدم مثل هذين المحملين في قوله تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : [آل عمران: 110]. وأعقب ذلك بتفضيل هذا الدّين المستتبع تفضيل أهله بأن جعله ديناً لا حرج فيه لأنّ ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله بسهولة امتثاله، وقد امتنّ الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185]. ووصفهِ الدين بالحنيف، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : بُعِثت بالحنيفيّة السّمحة».تفسير : والحرج: الضيق، أطلق على عسر الأفعال تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثمّ شاع ذلك حتى صار حقيقة عُرفية كما هنا. والمِلّة: الدين والشريعة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : في[سورة النحل: 123]. وقوله: {أية : واتبعت ملة آباءي} تفسير : في[سورة يوسف: 38]. وقوله {ملة أبيكم إبراهيم} زيادة في التنويه بهذا الدّين وتحْضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - وهذا لم يستتب لدين آخر، وهو معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم» تفسير : أي بقوله: {أية : ربّنا وابْعَث فيهم رسولاً منهم}تفسير : [البقرة: 129]، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أنّ هذا الدّين دين إبراهيم، أي أنّ الإسلام احتوى على دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -. ومعلوم أن للإسلام أحكاماً كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم، جعل كأنه عين ملّة إبراهيم، فعلى هذا الاعتبار يكون انتصاب {ملة أبيكم إبراهيم} على الحال من {الدّين}باعتبار أن الإسلام حوى ملّة إبراهيم. ثم إن كان الخطاب موجّهاً إلى الذين صحبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإضافة أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة، لأنّ غالب الأمة يومئذ من العرب المُضَرية وأمّا الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لأنّهم من العرب القحطانيين؛ على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من قِبل الأمهات. وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى التشبيه في الحُرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى: {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأحزاب: 6]، ولأنه أبو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد له مقام الأبوة للمسلمين وقد قرىء قوله تعالى: {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأحزاب: 6] بزيادة وهو أبوهم. ويجوز أن يكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التعظيم كأنه قال: ملّة أبيك إبراهيم. والضمير في {هو سماكم المسلمين} عائد إلى الجلالة كضمير {هو اجتباكم} فتكون الجملة استئنافاً ثانياً، أي هو اجتباكم وخصّكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم. و {قبْلُ} إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون لفظه. والاسم الذي أضيف إليه {قبلُ} محذوف، وبني {قبلُ} على الضم إشعاراً بالمضاف إليه. والتقدير: من قبل القرآن. والقرينة قوله {وفي هذا}، أي وفي هذا القرآن. والإشارة في قوله {وفي هذا} إلى القرآن كما في قوله تعالى: {أية : ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين}تفسير : [الأحقاف: 4]، أي وسماكم المسلمين في القرآن. وذلك في نحو قوله: {أية : فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}تفسير : [آل عمران: 64] وقوله: {أية : وأمرت لأن أكون أول المسلمين}تفسير : [الزمر: 12]. واللاّم في قوله {ليكون الرسول شهيداً عليكم} يتعلّق بقوله {أية : اركعوا واسجدوا}تفسير : [الحج: 77] أو بقوله {اجتباكم} أي ليكون الرسول، أي محمد - عليه الصلاة والسلام - شهيداً على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على النّاس، أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون. ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا، وقدمت شهادة الأمة في آية [البقرة:143] {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}؛تفسير : لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدّين الذي جاء به الرسول. فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم، وآية البقرة صُدّرت بالثناء على الأمّة فكان ذكر شهادة الأمة أهمّ. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَـٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} تفريع على جملة {هو اجتباكم} وما بعدها، أي فاشكروا الله بالدوام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله. والاعتصام: افتعال من العَصْم، وهو المنع من الضُرّ والنجاةُ، قال تعالى: {أية : قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله}تفسير : [هود: 43]، وقال النابغة:شعر : يظل من خوفه الملاحُ مُعتصماً بالخيزرانة بعد الأيْن والنجد تفسير : والمعنى: اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم. وجملة {هو مولاكم} مستأنفة معلّلة للأمر بالاعتصام بالله لأنّ المولى يُعتصم به ويُرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته. والمولى: السيد الذي يراعي صلاح عبده. وفرع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير. أي نِعم المدبر لشؤونكم، ونِعم الناصر لكم. ونصير: صيغة مبالغة في النصر، أي نِعم المولى لكم ونِعم النصير لكم. وأما الكافرون فلا يتولاّهم تولي العناية ولا ينصرهم. وهذا الإنشاء يتضمّن تحقيق حسن ولايَة الله تعالى وحسن نصره. وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به. وهذا من براعة الختام، كما هو بَيّن لذوي الأفهام

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ}. أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد. ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] الآية. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. الحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف. وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع كقوله تعالى {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}تفسير : [البقرة: 185] وقوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء: 28] وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، حديث : وابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ خواتم سورة البقرة "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله قد فعلت"" تفسير : في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحجر في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام قاعداً وإباحة المحظور للضرورة كما قال تعالى {أية : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 119] الآية إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير، وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، هو إحدى القواعد الخمس، التي بنى عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس. الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: "حديث : لا ضرر ولا ضرار ". تفسير : الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وما ذكرنا في معناها من الآيات. الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث "حديث : من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً" تفسير : لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها. الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله {أية : وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}تفسير : [الأعراف: 199] الآية. الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث "حديث : إنما الأعمال بالنيات" تفسير : الحديث. وقد اشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله: شعر : قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر ونفى رفع القطع بالشك وأن يحكم العرف وزاد من فطن كون الأمور تبع المقاصد مع التكلف ببعض وارد تفسير : قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير: أي ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم، وأعربه بعضهم منصوباً بمحذوف: أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} شاملاً لما ذكر قبله من الأوامر في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 77-78]. ويوضح هذا قوله تعالى {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [الأنعام: 161] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله. قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا}. اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله {هُوَ سَمَّاكُمُ} فقال بعضهم الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، وهذا القول مروى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، من قبل وفي هذا، وهذا القول مروى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو أي إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128] وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنهم ابن كثير. وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب. إحداهما: أن الله قال {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا} أي القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير. القرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم فقوله {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} أي الله وما جعل عليكم في الدين من حرج: أي الله هو سماكم المسلمين: أي الله. فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم. فالجواب أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله وفي هذا يعني القرآن، دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية بعد أن ذكر: أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه: قلت: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتاب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} أي من قبل هذا القرآن. وفي هذا روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام، أخبره عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من دعا دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وإن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" تفسير : وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 21] اهـ من تفسير ابن كثير. وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين. قوله تعالى: {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}. يعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين من قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيداً، أنه بلغكم، وقيل: شهيداً على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ. وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة: 143] وقال فيه صلى الله عليه وسلم {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً}تفسير : [الفتح: 8] الآية. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {وجاهدوا في الله} في سبيل الله {حق جهاده} بنيَّةٍ صادقةٍ {هو اجتباكم} اختاركم لدينه {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ضيقٍ؛ لأنَّه سهَّل الشَّريعة بالتَّرخيص {ملَّة أبيكم} اتبعوا ملَّة أبيكم {إبراهيم} كان هو في الحرمة كالأب صلى الله عليه وسلم، ولذلك جُعل أبا المسلمين {هو سماكم} أَيْ: الله تعالى سمَّاكم {المسلمين من قبل} [أي: من قبل القرآن] في سائر الكتب {وفي هذا} يعني: القرآن {ليكون الرسول شهيداً عليكم} وذلك أنَّه يشهد لمَنْ صدَّقه، وعلى مَنْ كذَّبه {وتكونوا شهداء على الناس} تشهدون عليهم أنَّ رسلهم قد بلَّغتهم، وقوله: {واعتصموا بالله} أَيْ: تمسَّكوا بدينه {هو مولاكم} ناصركم ومتولي أموركم {فنعم المولى ونعم النصير}.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَاهِدُوا} {ٱجْتَبَاكُمْ} {إِبْرَاهِيمَ} {سَمَّاكُمُ} {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتُواْ} {ٱلزَّكَـاةَ} {مَوْلاَكُمْ} (78) - يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بٍِالجِهَادِ فِي اللهِ حَقَّ الجِهَادِ وأَخْلَصَهُُ: بِالأَمْوَالِ والأَنْفُسِ والألْسِنَةِ، فَقَدْ اصْطَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، واخْتَارَهُمْ عَلَى مَنْ سَِِواهُم، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لاَ يُطِيقُونَ، وَلَمْْ يُلْزِمْهُم بِشَىْءٍ يَشُقُّ عَلَيْهِم إِلاَّ جَعَلَ لَهُمْ مِنْهُ فَرَجاً وَمَخْرَجاً، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْهِمِ فِي شَيْءٍٍ مِنْ أُمورِ دِينِِهِم، بَلْ وَسَّعَ عَلَيْهِم، كَمَا وَسَّعَ فِي مِلَّةِ إبْرِاهِيمَ عَلَيْهِِ السَّلاَمُ (وَنَصَبَ (مِلَّةَ) عَلَى تَقْدِيرِ الزَمُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، وَقَدْ سَمَّاهُم اللهُ تَعَالَى بِالمُسْلِمين فِي شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وَفي هَذَا القُرْآنِ (مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا). وَقَدْ جَعَلَ اللهُ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً عُدُولاً لِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لأَِنَّ النَّاسَ جَمِيعاً يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِ المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمِ، فِي أَنَّ الرُّسُلَ أَبْلَغَتْهُم رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، والرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنَّهُ أَبْلَغَهَا مَا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيهِ، فَلْيُقَابِلِ المُسْلِمُونَ هَذِهِ النِعْمَةَ العَظِيمَةَ بالقِيَامِ بِشُكْرِ اللهِ عَلَيهَا، وَأداءِ حَقِّ اللهِ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِم، ومِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقَامَةُ الصَّلاَةِ وأداؤها حَقَّ أَدَائِها، وَدفْعُ الزَّكَاةِ، والاعْتِصَامُ بِاللهِ، وَالاسْتِعَانَةُ بِهِ، والاتِّكَالُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَوْلاَهُمْ وَحَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ، وَهُوَ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّاصِر عَلَى الأَعْدَاءِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ - حديث : بُعِثْتُ بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَةِتفسير : ). حديث : وَأَوْصَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعَاذَ بنَ جبَلٍ وَأَبَا مُوسَى حِينَما بَعَثَهُمَا أمِيرَيْنَ عَلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: بَشِّرِا وَلاَ تُنَفَّرَا، وَيَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرا . تفسير : الجِهَادُ - بَذْلُ الجُهْدِ فِي مُدَافَعَةِ العَدُوِّ. هو اجْتَبَاكُم - اخْتَارَكُم لِدِينِهِ وعِبَادَتِهِ ونُصْرَتِهِ. حَرَجٌ - ضِيقٌ بِتَكْلِيفٍ يَشُقُّ وَيَعْسُرُ. هُوَ مَوْلاَكُم - مَالِكُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ومُتَولِّي أُمْرِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] كالذي قلناه في {أية : مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الحج: 74] لأن الجهاد أيضاً يحتاج إلى إخلاص، وأنْ تجعل الله في بالك، فربما خرجتَ لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملتَ السلاح فعلاً ودخلت المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعاً في الغنائم، أو لأنه مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه ، هذه وغيرها أمور تُخرِج القتال عن هدفه وتُفرغه من محتواه. لذلك لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمَنْ في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"تفسير : وهذا هو حق الجهاد، وأنت فيه حكَم على نفسك، لأن ميزان ذلك في يدك. وقد تسأل: ولماذا الجهاد؟ قالوا: لأنك إذا انتفعتَ بالمنهج تطبيقاً له بعد التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك - عز وجل - يريد أنْ يُشيع النفع لمن معك أيضاً، وهذا لا يتأتّى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ ..} تفسير : [التوبة: 111]. وكما أن للجنود في ساحة القتال مهمة، كذلك لمن قعد ولم يخرج مهمة: الجندي حين يقتحم الأهوال والمخاطر ويُعرِّض نفسه للموت، فهذا يعني أنه دخل المعركة وما عرَّض نفسه للقتل إلا وهو واثق تمام الثقة، أن ما يذهب إليه بالقتل خير مما يناله بالجُبْن، وهذا يشجع الآخرين ويحثّهم على القتال. لذلك، في غزوة بدر لما سمع الصحابي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد وكان في فمه تمرة يمصُّها، فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فيه وخرج لتوِّه إلى الجهاد لأنه واثق تمام الثقة أن ما سيذهب إليه بالشهادة خير مما ترك. أما الذين بَقَوْا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن يحملوا المنهج، وأنْ يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعاً، فمَنْ يحمل منهج الله وينشره؟ وجاءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل أنواع الجهاد، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يَعُدْ هناك كفار، أو خَلَّوْا طريق دعوتنا وتركونا، وأحبوا أنْ يعيشوا في بلادنا أهل ذمة، فلا داعي - إذن - للقتال، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر هو جهاد النفس. لذلك قال تعالى بعدها: {هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ..} [الحج: 78] يعني: اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أُخرجت للناس، وثمن هذا الاجتباء أن نكون أهلاً له، وعلى مستوى مسئوليته، وأنْ نحقق ما أراده الله منّا. كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم الله، فكونوا أَهْلاً لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محلّه. ثم يقول سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ..} [الحج: 78] يعني: ما اجتباكم ليُعنتكم، أو ليُضيِّق عليكم، أو ليُعسِّر عليكم الأمور، إنما جعَل الأمر كله يُسْر، وشرعه على قَدْر الاستطاعة، ورخَّص لكم ما يُخفِّف عنكم، ويُذهِب عنكم الحرج والضيق، فمَنْ لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومَنْ كان مريضاً أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج .. الخ. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 220] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضَيَّق عليكم، وما كلَّفكم إلا ما تستطيعون القيام به. وقوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] كلمة (ملة) جاءت هكذا بالنصب، لأنها مفعول به لفعل تقديره: (الزموا) مِلة أبيكم إبراهيم؛ لأنكم دعوته حين قال: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ..} تفسير : [البقرة: 128]. ومن دعوة إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 129] لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى ". تفسير : يعني: من ذريته وذرية ولده إسماعيل {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ..}تفسير : [البقرة: 128] أعطنا التكاليف، وكأنه مُتشوِّق إلى تكاليف الله، وهل يشتاق الإنسان للتكليف إنْ كان فيه ضيق أو مشقة؟ وكذلك كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يعشقون تكاليف الإسلام، ويسألون عنها رسول الله رغم قوله لهم: "حديث : ذروني ما تركتكمتفسير : إلا أنهم كانوا يسألون عن أمور الدين ليبنوا حياتهم الجديدة، لا على ما كانت الجاهلية تفعله، بل على ما أمر به الإسلام. ولنا مَلْحظ في قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ..} [الحج: 78] فالخطاب هنا لأمة الدعوة، ولأمة الإجابة، وهل أمة الإسلام كلها من ذرية إبراهيم حتى يقول {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ..} [الحج: 78]؟ نقول: الإسلام انقياد عَقَديٌّ للجميع، وفي أمة الإسلام مَنْ ليس من ذرية إبراهيم، لكن إبراهيم عليه السلام أبٌ لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والرسول أب لكل مَنْ آمن به؛ لأن أبوة الرسول أبوة عمل واتباع، كما جاء في قول الله تعالى في قصة نوح عن ابنه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ..} تفسير : [هود: 46]. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً لكل مَنْ آمن به سَمَّى الله زوجاته أمهات للمؤمنين، فقال سبحانه: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 6]. وما دامت الأزواج أمهات، فالزوج أب، وبناءً على هذه الصلة يكون إبراهيم عليه السلام أباً لأمة الإسلام، وإنْ كان فيهم مَنْ ليس من سلالته. ونجد البعض ممَّنْ يحبون الاعتراض على كلام الله يقولون في مسألة أبوة الرسول لأمته: لكن القرآن قال غير ذلك، قال في قصة زيد بن حارثة: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..}تفسير : [الأحزاب: 40] فنفى أن يكون محمد أباً لأحد، وفي هذا ما يناقض كلامكم. نقول: لو فهمتم عن الله ما اعترضتُم على كلامه، فالله يقول: ما كان محمد أباً لأحدكم، بل هو أب للجميع، فالمنفيّ أن يكون رسول الله أباً لواحد، لا أن يكون أباً لجميع أمته. وقال بعدها: {أية : وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 40] وما دام رسول الله، فهو أب للكل. ثم يقول تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ..} [الحج: 78] يعني: إبراهيم عليه السلام سماكم المسلمين، فكأن هذه مسألة واضحة وأمْر معروف أنكم مسلمون منذ إبراهيم عليه السلام: {وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ..} [الحج: 78]. وفي موضع آخر يحدث تقديم وتأخير، فيقول سبحانه: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. لماذا؟ قالوا: لأن رسول الله بلَّغ رسالة الله، وأشهد الله على ذلك حين قال: "حديث : اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد" تفسير : أشهد أنِّي بلغتُ، وهو صلى الله عليه وسلم يريد من أمته أن يكون كل شخص فيها حاملاً لهذه الرسالة، مُبلِّغاً لها حتى يسمع كلام الرسول مَنْ لم يحضره ولم يَرَهُ، وهكذا يكون الرسول شهيداً على مَنْ آمن به، ومَنْ آمن شهيداً على مَنْْ بلّغه. لذلك من شرف أمة محمد أولاً أنه لا يأتي بعده رسول؛ لأنهم مأمونون على منهج الله، وكأن الخير لا ينطفىء فيهم أبداً. وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أنْ يعُمَّ الفساد، ويفقد الناس المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر، وكذلك يفقدها المجتمع كله فلا ينهى أحد أحداً عن شر؛ عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليُصلح ما فسد. فختام الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم شهادة أن الخير لا ينقطع من أمته أبداً، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم. لذلك حدَّد رسول الله هذه المسألة فقال: "حديث : الخير فيَّ حصراً، وفي أمتي نثراً"تفسير : فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله، ومنثور في أمته. ثم يعود السياق إلى الأمر بالصلاة: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ ..} [الحج: 78] لأنها الفريضة الملازمة للمؤمن، وفيها إعلاء الولاء المكرر في اليوم خمس مرات، وبها يستمر ذِكْر الله على مدى الزمن كله لا ينقطع أبداً في لحظة من لحظات الزمن حين تنظر إلى العالم كله، وتضم بعضه إلى بعض. والمتأمل في الزمن بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - يجده دائماً لا ينقطع، فاليوم مثلاً عندنا أربع وعشرون ساعة، واليوم عند الله ألف سنة مما تعدُّون، واليوم في القيامة خمسون ألف سنة، وهناك يوم اسمه يوم الآن أي: اللحظة التي نحن فيها، وهو يوم الله الذي قال عنه: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29] لذلك يقول: ما شغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال: "أمور يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً، ويضع آخرين". فيوم الآن يوم عام، لا هو يوم مصر، ولا يوم سوريا، ولا يوم اليابان إذن: في كل لحظة يبدأ لله يوم ينتهي يوم، فيومه تعالى مستمر لا ينقطع. ونقرأ في الحديث النبوي الشريف: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسِيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل ". تفسير : نهار مَنْ؟ وليل مَنْ؟ فالنهار والليل في الزمن دائم لا ينقطع، وفي كل لحظة من لحظات الزمن ينتهي يوم ويبدأ يوم، وينتهي ليل ويبدأ ليل. إذن: فالله تعالى يده مبسوطة دائماً لا يقبضها أبداً، كما قال سبحانه: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [المائدة: 64]. ثم يقول سبحانه: {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} [الحج: 78] الجئوا إليه في الشدائد، وهذا يعني أنكم ستُواجهون وتُضطهدون، فما من حامل منهج لله إلا اضُطهد، فلا يؤثر فيكم هذا ولا يفُتُّ في عَضُدكم، واجعلوا الله ملجأكم ومعتصمكم في كل شدة تداهمكم، كما قال سبحانه: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : [هود: 43]. واعتصامكم بالله أمر لا تأتون إليه بأنفسكم إنما {هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحج: 78] يعني: المتولّي لشأنكم، وما دام هو سبحانه مولاكم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 692 : 32 : 29 - سفين في قوله {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال، الله تبارك وتعالى سماكم المسلمين. [الآية 78].

همام الصنعاني

تفسير : 1950- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}: [الآية: 78]، قال: مِنْ ضيقٍ، وقال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً، لم يعطها إلاّ نبيٌّ، كان يقال للنبي اذهب فليس عليك حرج، وقال الله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وكان يقال للنبي: أنت شهيد على قومِكَ وقَال الله: {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}: [الآية: 78]، وكَانَ يُقَالُ للنبي: سَلْ تُعط، وقال الله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : : [غافر: 60]. 1951- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}: [الآية: 78]، {وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً}: [الآية: 78]، أنه قد بلغكم {وَتَكُونُواْ} أنتم {شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}: [الآية: 78]، أنَّ الرُّسُلَ قد بلغتهم.