٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
جزء
١٨
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعاً لصفات سبع، وقبل الخوض في شرح تلك الصفات لا بد من بحثين: البحث الأول: أن {قَدْ } نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. البحث الثاني: الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير، وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير. الصفة الأولى: قوله: {ٱلْمُؤْمِنُونَ } وقد تقدم القول في الإيمان في سورة البقرة. الصفة الثانية: قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } واختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى. فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولكن الخشوع الذي يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى، قال: الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة؟ قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: { أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } تفسير : [محمد: 24] والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله تعالى: { أية : وَرَتّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً } تفسير : [المزمل: 4] معناه قف على عجائبه ومعانيه وثانيها: قوله تعالى: { أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } تفسير : [طه: 14] وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره وثالثها: قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 205] وظاهر النهي للتحريم ورابعها: قوله: { أية : حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } تفسير : [النساء: 43] تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا وخامسها: قوله عليه السلام: « حديث : إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع » تفسير : وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه السلام: « حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً » تفسير : وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، وقال عليه السلام: « حديث : كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب » تفسير : وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضاً: « حديث : ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل » تفسير : وسادسها: قال الغزالي رحمه الله: المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى. فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة، وكذا الحج أفعال شاقة، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضراً أو لم يكن. أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى. فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات، ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح. فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبراً عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الفاتحة: 6] وكان القلب غافلاً عنه؟ بل أقول لو حلف إنسان، وقال: والله لأشكرن فلاناً وأثني عليه وأسأله حاجة. ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير باراً في يمينه، ولا يكون كلامه خطاباً معه ما لم يكن حاضراً بقلبه، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر باراً في يمينه، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى، فإذا كان القلب محجوباً بحجاب الغفلة وكان غافلاً عن جلال الله وكبريائه، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول. وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم، ولو جاز أن يكون تعظيماً لله تعالى مع أنه غافل عنه، لجاز أن يكون تعظيماً للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عماداً للدين، وفاصلاً بين الكفر والإيمان، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة، ويجب القتل بسببه على الخصوص، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها: أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معاً. فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب: من وجوه: أحدها: أن الحضور عندنا ليس شرطاً للإجزاء، بل شرط للقبول، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب. والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب، وغرضنا في هذا المقام هذا، ومثاله في الشاهد من استعار منك ثوباً ثم رده على الوجه الأحسن، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة، ولكنه استحق الذم، كذا من عظم الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقيماً للفرض مستحقاً للثواب، ومن استهان بها صار مقيماً للفرض ظاهراً لكنه استحق الذم وثانيها: أنا نمنع هذا الإجماع، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع، واحتجوا عليه بأن السجود لله تعالى طاعة وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين: أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر. وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن رحمه الله: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له. وروي أيضاً مسنداً قال عليه السلام: « حديث : إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » تفسير : . وقال عبد الواحد بن زيد: أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الاختلاف، والله أعلم. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ } وفي اللغو أقوال: أحدها: أنه يدخل فيه كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو كان مباحاً، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها: أنه عبارة عن كل ما كان حراماً فقط، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها: أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة، وهذا أخص من الثاني ورابعها: أنه المباح الذي لا حاجة إليه، واحتج هذا القائل بقوله تعالى: { أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [المائدة: 89] فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغواً بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو، فوجب أن يكون كل حرام لغواً، ثم اللغو قد يكون كفراً لقوله: { أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [فصلت: 26] وقد يكون كذباً لقوله: { أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } تفسير : [الغاشية: 11] وقوله: { أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } تفسير : [الواقعة: 25] ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه، وعلى هذا الوجه قال تعالى: { أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ } وفي الزكاة قولان: أحدهما: قول أبي مسلم: أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: { أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14] وقوله: { أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32] ومن جملته ما يخرج من حق المال، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله تعالى: { أية : تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } تفسير : [التوبة: 103]. والثاني: وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب. لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة، قلنا قال صاحب «الكشاف»: الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل. ويقال لمحدثه فاعل، يقال للضارب فاعل الضرب، وللقاتل فاعل القتل، وللمزكى فاعل الزكاة، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة، فلم فصل ههنا بينهما بقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ }؟ قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب: قال الفراء معناه إلا من أزواجهم وذكر صاحب «الكشاف» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة، ونظيره كان زياد على البصرة أي والياً عليها، ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشاً. والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم وثانيها: أنه متعلق بمحذوف يدل عليه {غير ملومين} كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وهو قول الزجاج وثالثها: أن تجعله صلة لحافظين. السؤال الثاني: هلا قيل من ملكت الجواب: لأنه اجتمع في السرية وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشتري كسائر السلع، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء. السؤال الثالث: هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد الجواب: نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له، وإنما قلنا إنها ليست زوجة له لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى: { أية : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } تفسير : [النساء: 12] وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } وهو أعلم. السؤال الرابع: أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في أحوال كحال الحيض وحال العدة وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله وتعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } والجواب: من وجهين: أحدهما: أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً واحتج عليه بقوله عليه السلام: « حديث : لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي » تفسير : فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ } معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات الثاني: أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة. أما قوله تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه. الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } قرأ نافع وابن كثير {لأمانتهم} واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } تفسير : [النساء:58] وقال: { أية : وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضاً على ما أمر الله تعالى به كقوله: { أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } تفسير : [آل عمران: 183] والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية، ويقال من راعى هذا الشيء؟ أي موليه. واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلاً في الخيانة وقد قال تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك، لأنها إما أن تخفى أصلاً كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام: « حديث : أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته » تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه: « حديث : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة » تفسير : ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما. ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والأيمان والنذور، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح. الصفة السابعة: قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ } وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها. بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] الجواب: من وجوه: الأول: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أبين على ما يقال فيه وهو: أنه لا مكلف إلا أعد الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة. فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لا بد معه من حرمان الثواب كموتهم، فسمى ذلك ميراثاً لهذا الوجه، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا، فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه وثانيها: أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث وثالثها: أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيهاً بالميراث. السؤال الثاني: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة والجواب: أن قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات الخمس لكونها من شرائطها. السؤال الثالث: أفيدل قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } على أنه لا يدخلها غيرهم؟ الجواب: أن قوله: {هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، لقوله تعالى: { أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48]. السؤال الرابع: أفكل الجنة هو الفردوس؟ الجواب: الفردوس هو الجنة بلسان الحبشة وقيل بلسان الروم، وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار » تفسير : وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال: « حديث : سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش » تفسير : . السؤال الخامس: هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها يكونون مؤمنين أم لا؟ الجواب: ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك، لأن قوله: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة داخلان في مسمى الناس فكذا ههنا. السؤال السادس: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : لما خلق الله تعالى جنة عدن قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون » تفسير : وقال كعب: « حديث : خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده، ثم قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون » تفسير : وروي أنه عليه السلام قال: « حديث : إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت حفظك الله كما حافظت علي، وشفعت لصاحبها. وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها » تفسير : الجواب: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها، وهو كقوله تعالى: { أية : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر. السؤال السابع: هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة؟ الجواب: قال القاضي دل قوله تعالى: { أية : أُكُلُهَا دَائِمٌ } تفسير : [الرعد: 35] على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثاً للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله تعالى: { أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 50] وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله: { أية : أُكُلُهَا دَائِمٌ } تفسير : [الرعد: 35] ثم إن أكلها دائم، يوم القيامة، وإذا تعارض هذان الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: { أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133].
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } روى البَيْهَقِيّ من حديث أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لما خلق الله جنة عَدْن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلّمي فقالت قد أفلح المؤمنون»تفسير : . وروى النّسائِيّ عن عبد الله بن السائب قال: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فصلّى في قِبَل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سَعْلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سُمع عند وجهه كدَوِيّ النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا عنده ساعةً فسُرِّيَ عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: «اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنّا ـ ثم قال ـ أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ـ ثم قرأ ـ قد أفلح المؤمنون»» تفسير : حتى ختم عشر آيات؛ صحّحه ابن العربي. وقال النحاس: معنى «من أقامهن» من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «قد أُفْلح المؤمنون» بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أُبْقُوا في الثواب والخير. وقد مضى في أوّل «البقرة» معنى الفلاح لغةً ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى: {خَاشِعُونَ } روى المُعْتَمِر عن خالد عن محمد بن سِيرين قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هُشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ }؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلّي إلى حيث ينظر في «البقرة» عند قوله: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 144]. وتقدم أيضاً معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضاً عند قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلّها لخشوعه؛ إذ هو مَلِكُها، حسبما بيّناه أوّل البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمنَ أن يمدّ بصره إلى شيء وأن يحدّث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء: هو ألاّ يعبث بشيء من جسده في الصلاة. «حديث : وأبصر النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»»تفسير : . وقال أبو ذَرٍّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى»تفسير : . رواه الترمذي. وقال الشاعر:شعر : ألاَ في الصلاة الخيرُ والفضل أجمعُ لأن بها الآراب لله تخضعُ وأوّل فرضٍ من شريعة ديننا وآخِر ما يبقى إذا الدِّين يُرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة وكان كعبدٍ بابَ مولاه يَقْرَعُ وصار لربّ العرش حين صلاتِه نَجِيًّا فيَا طُوباه لو كان يخشع تفسير : وروى أبو عمران الجَوْنِيّ قال: قيل لعائشة مَا كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل: نعم. قالت: اقرؤوا؛ فقرىء عليها «قد أفلح المؤمنون ـ حتى بلغ ـ يحافظون». وروى النَّسائيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: ثم أصلي قريباً منه ـ يعني من النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ وإذا التفتّ نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأوّل، ومحله القلب، وهو أوّل علم يرفع من الناس؛ قاله عُبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جُبير بن نُفير عن أبي الدّرداء، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النّسائي من حديث جبير بن نفير أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعِيّ من طريق صحيحة. قال أبو عيسى: ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحداً تكلم فيه غير يحيـى بن سعيد القَطّان. قلت: معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيـى بن معين، ووثّقه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زُرْعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في «البقرة» معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإِعادة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك؛ وقولُ من قال هو الغناء؛ كما روى مالك بن أنس عن محمد بن المُنْكَدِر، على ما يأتي في «لُقْمان» بيانه. ومعنى «فاعلون» أي مؤدّون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أُمَيّة بن أبي الصَّلْت:شعر : المطعمون الطعام في السنة الأزْ مة والفاعلون للزّكَواتِ تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } قال ابن العربي: «من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامّةٌ في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامّة فيهم، إلا قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات؛ بدليل قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}. وإنما عُرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموماً وخصوصاً وغير ذلك من الأدلّة». قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحلّ لامرأة أن يطأها مَن تملكه إجماعاً من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد مِلْكها له جاز أن يتزوّجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر: ولا يقول هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملّكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنما هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدّة منه. الخامسة: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حَرْملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكاً عن الرجل يَجْلِد عُمَيرة، فتلا هذه الآية {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ـ إلى قوله ـ ٱلْعَادُونَ }. وهذا لأنهم يَكْنُون عن الذَّكَر بعُمَيْرة؛ وفيه يقول الشاعر: شعر : إذا حَلَلتَ بوادٍ لا أنيس به فاجلد عُمَيرة لا داءٌ ولا حَرَجُ تفسير : ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المَنِيّ. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوّزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله الفَصْد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قِيلة، ويا ليتها لم تُقَل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يَعْرِض عنها لدناءتها. فإن قيل: إنها خير من نكاح الأَمَة؛ قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضاً، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عارٌ بالرجل الدنيء فيكف بالرجل الكبير. السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} قال الفَرّاء: أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} في موضع خفض معطوفة على «أزواجهم» و«ما» مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستمناء ونكاح المُتْعة؛ لأن المتمتَّع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدّة التي عُقدت عليها وصارت كالمستأجرَة. ابن العربي: إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت: وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحدّ ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحدّ للشبهة ويلحق الولد؛ قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ خَيْبَر، ثم حللّها في غَزاة الفتح، ثم حرمها بعدُ؛ قاله ابن خُويْزمَنْدَاد من أصحابنا وغيرُه، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في «النساء» القول فيها مستوفًى. السابعة: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } فسمّى من نكح ما لا يحل عادِيا، وأوجب عليه الحدّ لعدوانه، واللائط عادٍ قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} وكما تقدم في «الأعراف»؛ فوجب أن يقام الحدّ عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت: فيه نظر، ما لم يكن جاهلاً أو متأوّلاً، وإن كان الإجماع منعقداً على أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } خصّ به الرجال دون النساء؛ فقد روى مَعْمَر عن قتادة قال: تسرّرَت امرأة غلامها؛ فذُكر ذلك لعمر فسألها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحلّ لي بمِلْك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رَجْمها أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأوّلتْ كتاب الله عزّ وجلّ على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر: لا جَرَم! والله لا أُحِلّك لحرّ بعده أبداً. عاقبها بذلك ودرأ الحدّ عنها، وأمر العبد ألاّ يقربها. وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وَضِيء فقالت: إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك؛ وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فانْهَ عني بني عمي؛ فقال عمر: أتزوّجتِ قبله؟ قالت: نعم؛ قال: أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و«وَرَاءَ» بمعنى سِوى، وهو مفعول بـ«ـابتغَى» أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج: أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و«وَرَاءَ» ظرف. و«ذَلِكَ» يشار به إلى كل مذكور مؤنثاً كان أو مذكراً. {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي المجاوزون الحدّ؛ من عدا أي جاوز الحدّ وجازه. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } قرأ الجمهور «لأماناتهم» بالجمع. وابن كَثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كلّ ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيدَ وغيرَ ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور «صَلَوَاتِهمْ» وحمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع. والمحافظة على الصلاة إقامتُها والمبادرةُ إليها أوائلَ أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في «البقرة» مستوفًى. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ } أي من عمِل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار»تفسير : . خرجه ابن ماجه بمعناه. عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورِث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ }»تفسير : . إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمي الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين: والفردوس رَبْوَة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرّجه الترمذيّ من حديث الرُّبَيِّع بنت النضر أم حارثة، وقال: حديث حسن صحيح. وفي حديث مسلم: «حديث : فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تُفْجَر أنهار الجنة»تفسير : . قال أبو حاتم محمد بن حِبّان: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه أوسط الجنة» يريد أن الفردوس في وسط الجِنان في العرض وهو أعلى الجنة؛ يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة: إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد: رُومِية عُرّبت. وقيل: هي فارسية عربت. وقيل حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وِفاق بين اللغات. وقال الضحاك: هو عربيّ وهو الكَرْم؛ والعرب تقول للكروم فراديس. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فأنّث على معنى الجنة.
البيضاوي
تفسير : مكية وهي مائة وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني عشرة عند الكوفيين {بسم الله الرحمن الرحيم} {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم، وقرأ ورش عن نافع {قَدْ أَفْلَحَ } بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها، وقرىء «أفلحوا» على لغة: أكلوني البراغيث، أو على الإِبهام والتفسير، و {أَفْلَحَ } بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و «أَفْلَحَ» على البناء للمفعول.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة، فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: «حديث : اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا ــــ ثم قال ــــ لقد أنزل علي عشر آيات، من أقامهن، دخل الجنة» تفسير : ثم قرأ: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم العشر، ورواه الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحداً رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه. وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فقرأت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ــــ حتى انتهت إلى ــــ {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ} قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن، وغرسها بيده، نظر إليها، وقال لها: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فدخلتها الملائكة، فقالت: طوبى لك منزل الملوك، ثم قال: وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك ــــ قال البزار: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك ــــ فقال لها: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» تفسير : ثم قال البزار: لا نعلم أحداً رفعه إلا عدي بن الفضل، وليس هو بالحافظ. وهو شيخ متقدم الموت. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}» تفسير : بقية عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس يرفعه: «حديث : لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل».تفسير : وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9]. وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: قد فازوا وسعدوا، وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {خَـٰشِعُونَ}: خائفون ساكنون، وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر، فليغمض، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضاً مرسلاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له، وقرة عين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : حبب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا بلال أرحنا بالصلاة» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد: أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتيني بوضوء؛ لعلي أصلي فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قم يا بلال فأرحنا بالصلاة».تفسير : وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك؛ كما قاله بعضهم، والمعاصي؛ كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك. وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ} الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {أية : وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 141] وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس من الشرك والدنس؛ كقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّٰهَا} تفسير : [الشمس: 9 ــــ 10] وكقوله: {أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} تفسير : [فصلت: 6 ــــ 7] على أحد القولين في تفسيرهما، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم. وقوله: { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنى ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له، فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} أي: غير الأزواج والإماء {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي: المعتدون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ} فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تأولت آية من كتاب الله عز وجل على غير وجهها، قال: فغرب العبد وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم، هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة، وهو ههنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم. وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة: { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري عن مسلمة بن جعفر عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» تفسير : هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته، والله أعلم. وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لاَِمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ} أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا، أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».تفسير : وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ} أي: يواظبون عليها في مواقيتها؛ كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «حديث : الصلاة على وقتها»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : بر الوالدين»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : الجهاد في سبيل الله»تفسير : . أخرجاه في "الصحيحين". وفي مستدرك الحاكم قال: «حديث : الصلاة في أول وقتها».تفسير : وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ} يعني: في مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» تفسير : ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. وثبت في "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ}» تفسير : وقال ابن جريج عن ليث عن مجاهد: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ} قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن، فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر، فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبنى بيته الذي في النار. وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل، بل أبلغ من هذا أيضاً، وهو ما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى»تفسير : ، وفي لفظ له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا كان يوم القيامة، دفع الله لكل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقال: هذا فكاكك من النار» تفسير : فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: فحلف له، قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} تفسير : [مريم: 63] وكقوله: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الزخرف:72] وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير، الجنة بالرومية هي الفردوس، وقال بعض السلف: لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَدْ } للتحقيق {أَفْلَحَ } فاز {ٱلْمُؤْمِنُونَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } قال الفراء: "قد" ها هنا يجوز أن تكون تأكيداً لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريباً للماضي من الحال؛ لأن قد تقرّب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة قبل حال قيامها، ويكون المعنى في الآية: أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد والنجاة من المكروه. وقيل: البقاء في الخير، وأفلح إذا دخل في الفلاح، ويقال: أفلحه: إذا أصاره إلى الفلاح، وقد تقدّم بيان معنى الفلاح في أوّل البقرة. وقرأ طلحة بن مصرف "قد أفلح" بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول. وروي عنه أنه قرأ: "أفلحوا المؤمنون" على الإبهام والتفسير، أو على لغة أكلوني البراغيث. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } وما عطف عليه. والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين: قيل: الصحيح الأوّل، وقيل: الثاني. وادّعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في تفسيره. قال: ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ }تفسير : [محمد: 24]. والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي } تفسير : [طه: 14]. والغفلة تضادّ الذكر، ولهذا قال: {أية : وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 205]. وقوله: {أية : حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } تفسير : [النساء: 43]. نهي للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. واللغو، قال الزجاج: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل، وقد تقدم تفسيره في البقرة. قال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها. ومعنى إعراضهم عنه: تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولاً أوّلياً كما تفيده الجملة الإسمية، وبناء الحكم على الضمير، ومعنى فعلهم للزكاة: تأديتهم لها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، والمراد بالزكاة هنا: المصدر؛ لأنه الصادر عن الفاعل، وقيل: يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي وَٱلَّذِينَ هُم لتأدية ٱلزَّكَوٰةَ * فَـٰعِلُونَ. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ}: الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة، ومعنى حفظهم لها: أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحلّ لهم. قيل: والمراد هنا: الرجال خاصة دون النساء، بدليل قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. قال الفراء: إن "على" في قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ } بمعنى: "من". وقال الزجاج: المعنى: أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم فأمروا بحفظه إلا على أزواجهم ودلّ على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية. والجملة في محل نصب على الحال. وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ، أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوّامين عليهم من قولهم: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان. والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوّجهم أو تسرّيهم، وجملة: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } في محل جرّ عطفاً على أزواجهم، و"ما" مصدرية. والمراد بذلك: الإماء، وعبر عنهنّ بـ"ما" التي لغير العقلاء؛ لأنه اجتمع فيهنّ الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهنّ كسائر السلع، فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، وجملة: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تعليل لما تقدّم مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه. {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } الإشارة إلى الزوجات وملك اليمين، ومعنى العادون: المجاوزون إلى ما لا يحلّ لهم، فسمى سبحانه من نكح ما لا يحلّ عادياً. ووراء هنا بمعنى: سوى وهو مفعول ابتغى. قال الزجاج: أي فمن ابتغى ما بعد ذلك فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة، واستدلّ بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر، وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها "بلوغ المني في حكم الاستمنا"، وذكرنا فيها أدلة المنع والجواز وترجيح الراجح منهما. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } قرأ الجمهور: {لأماناتهم} بالجمع. وقرأ ابن كثير بالإفراد. والأمانة: ما يؤتمنون عليه، والعهد: ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أو جهة عباده، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، والأمانة أعمّ من العهد، فكل عهد أمانة، ومعنى {راعون}: حافظون. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ } قرأ الجمهور: {صلواتهم} بالجمع. وقرأ حمزة والكسائي: "صلاتهم" بالإفراد، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس وهو في معنى الجمع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها. ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } أي الأحقاء بأن يسموا بهذا الاسم دون غيرهم. ثم بين الموروث بقوله: {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } وهو أوسط الجنة، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وفيه استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم. وقيل: المعنى: أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فرقوها على أنفسهم؛ لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. ولفظ الفردوس لغة رومية معرّبة، وقيل: فارسية. وقيل: حبشية. وقيل: هي عربية. وجملة: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } في محل نصب على الحال المقدّرة، أو مستأنفة لا محل لها، ومعنى الخلود: أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة. وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن المنذر والعقيلي، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب قال: كان إذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدويّ النحل، فأنزل الله عليه يوماً فمكثنا ساعة، فسريّ عنه فاستقبل القبلة فقال: "حديث : اللّهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا"تفسير : ، ثم قال: "حديث : لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة"تفسير : ، ثم قرأ {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم العشر. وفي إسناده يونس بن سليم الصنعاني. قال النسائي: لا نعرف أحداً رواه عن ابن شهاب إلا يونس بن سليم ويونس لا نعرفه. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، والنسائي وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنين؟ اقرأ: {قد أفلح المؤمنون} حتى بلغ العشر، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ }. وأخرجه عبد الرزاق، عنه، وزاد: فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده. وأخرجه عنه أيضاً عبد بن حميد، وأبو داود في المراسيل، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن بلفظ: كان إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا، يميناً وشمالاً، فنزلت: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } فحنى رأسه. وروي عنه من طرق مرسلاً هكذا. وأخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه عن أبي هريرة؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } فطأطأ رأسه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين بلفظ: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون رؤوسهم وأبصارهم إلى السماء في الصلاة يلتفتون يميناً وشمالاً، فأنزل الله {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } فمالوا برؤوسهم فلم يرفعوا أبصارهم بعد ذلك في الصلاة، ولم يلتفتوا يميناً وشمالاً. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن عليّ: أنه سئل عن قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } قال: الخشوع في القلب، وأن تلين كتفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } قال: خائفون ساكنون. وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ } قال: الباطل. وأخرج عبد الرزاق، وأبو داود في ناسخه عن القاسم بن محمد: أنه سئل عن المتعة فقال: إني لأرى تحريمها في القرآن، ثم تلا: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ }. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } تفسير : [المعارج: 23]. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صلاتهم يُحَـٰفِظُونَ } قال: ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، قال: تركها كفر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، والحاكم وصححه عن أبي هريرة في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ }»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وقال: حسن صحيح غريب عن أنس، فذكر قصة، وفيها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها"تفسير : ، ويدلّ على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً }تفسير : [مريم: 63]. وقوله: {أية : تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الأعراف: 43]. ويشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى»تفسير : . وفي لفظ له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار».
الماوردي
تفسير : {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه قد سعد المؤمنون ومنه قول لبيد: شعر : فاعقلي إن كنت لم تعقلي إنما أفلح من كان عقل تفسير : الثاني: أن الفلاح البقاء ومعناه قد بقيت لهم أعمالهم، وقيل: إنه بقاؤهم في الجنة، ومنه قولهم في الأذان: حي على الفلاح أي حي على بقاء الخير قال طرفة بن العبد: شعر : أفبعدنا أو بعدهم... يرجى لغابرنا الفلاح تفسير : الثالث: أنه إدْراك المطالب قال الشاعر: شعر : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح تفسير : قال ابن عباس: المفلحون الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. روى عمر بن الخطاب قال كان النبي صل الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يسمع عند وجهه دويٌ كدوي النحل، فنزل عليه يوماً فلما سرى عنه استقبل القبلة ورفع يديه ثم قال: "حديث : اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تُنْقِصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَينَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا" تفسير : ،ثم قال: "حديث : لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ عَشْرَ أَيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ" تفسير : ،ثم قرأ علينا {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم العشر. روى أبو عمران الجوني قال قيل لعائشة ما كان خُلُق رسول الله صل الله عليه وسلم؟، قالت أتقرأُون سورة المؤمنون؟ قيل: نعم، قالت اقرأُوا فقرىء عليها {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} حتى بَلَغَ {يَحَافِظُونَ}. فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {الَّذِيِنَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: خائفون، وهوقول الحسن، وقتادة. والثاني: خاضعون، وهو قول ابن عيسى. والثالث: تائبون، وهو قول إبراهيم. والرابع: أنه غض البصر، وخفض الجناح، قاله مجاهد. الخامس: هو أن ينظر إلى موضع سجوده من الأرض، ولا يجوز بصره مُصَلاَّهُ، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء فنزلت: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} فصار لا يجوِّز بصره مُصَلاَّهُ. فصار في محل الخشوع على هذه الأوجه قولان: أحدهما: في القلب خاصة، وهو قول الحسن وقتادة. والثاني: في القلب والبصر، وهو قول الحسن وقتادة. قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن اللغو الباطل، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الكذب، قاله ابن عباس. الثالث: أنه الحلف، قاله الكلبي. الرابع: أنه الشتم لأن كفار مكة كانوا يشتمون المسلمين فهو عن الإِجابة، حكاه النقاش. الخامس: أنها المعاصي كلها، قاله الحسن. قوله: {أُوْلئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَا مِنْكُم إِلاَّ لَهُ مَنزِلاَنِ: مَنزِلٌ فِي الجَنَّةِ وَمَنزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِن مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، وإِنْ مَاتَ وََدَخَلَ الجَنَّةَ، وَرِثَ أَهْلُ النَّارِ مَنزِلَهُ، فَذلِكَ قولَه {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}" تفسير : ، ثم بيَّن ما يرثون فقال: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الجنة، قاله الحسن. الثاني: أنه أعلى الجنان قاله قطرب. الثالث: أنه جبل الجنة الذي تتفجر منه أنهار الجنة، قاله أبو هريرة. الرابع: أنه البستان وهو رومي معرب، قاله الزجاج. الخامس: أنه عربي وهو الكرم، قاله الضحاك.
ابن عطية
تفسير : أخبر الله تعالى عن فلاح المؤمنين وأنهم نالوا البغية وأحرزوا البقاء الدائم، وروي عن كعب الأحبار أن الله تعالى لما خلق جنة عدن قال لها تكلمي فقالت {قد أفلح المؤمنون}، وروي عن مجاهد أن الله تعالى لما خلق الجنة وأتقن حسنها قال {قد أفلح المؤمنون}، وقرأ طلحة بن مصرف "قد أفلحُ المؤمنون" بضم الحاء يريد قد أفلحوا، وهي قراءة مردودة، وروي عنه "قد أُفلِح" بضم الهمزة وكسر اللام، ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين فقال {الذين هم في صلاتهم خاشعون} والخشوع التطامن وسكون الأعضاء والوقار، وهذا إنما يظهر ممن في قلبه خوف واستكانة، وروي عن بعض العلماء أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع هذا خشعت جوارحه، وروي أن سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة فنزلت هذه الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء قبلته أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، وروي عن ابن سيرين وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية في ذلك، و {اللغو} سقط القول وهذا يعم جميع ما لا خير فيه ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكأن الآية فيها موادعة، وقوله {والذين هم للزكاة فاعلون} ذهب الطبري وغيره إلى أنها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بين، ويحتمل اللفظ أن يريد بـ"الزكاة" الفضائل كأنه أراد الأزكى من كل فعل، كما قال تعالى {أية : خيراً منه زكاة وأقرب رحماً} تفسير : [الكهف: 81] وقوله {والذين هم لفروجهم حافظون} صفة العفة، وقوله {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} الآية، يقتضي تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة البهائم وكل ذلك في قوله، {وراء ذلك} ويريد وراء هذا الحد الذي حد، ومعنى {ما ملكت أيمانهم} من النساء ولما كان {حافظون} بمعنى محجزون حسن استعمال {على}، و"العادي" الظالم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} سعدوا، أو بقيت لهم أعمالهم، أو بقوا في الجنة، الفلاح: البقاء، أو أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا "ع".
النسفي
تفسير : مكية وهي مائة وثمان عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } «قد» نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة ــ وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم ــ فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب أي فازوا بما طلبوا ونجوا مما هربوا، والإيمان في اللغة التصديق، والمؤمن المصدق لغة. وفي الشرع كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن. قال عليه السلام «حديث : خلق الله الجنة فقال لها: تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون ثلاثاً أنا حرام على كل بخيل مراء»تفسير : لأنه بالرياء أبطل العبادات البدنية وليس له عبادة مالية {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } خائفون بالقلب ساكنون بالجوارح. وقيل: الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها والإعراض عما سواها وأن لا يجاوز بصره مصلاه وأن لا يلتفت ولا يعبث ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه ولا يقلب الحصى ونحو ذلك. وعن أبي الدرداء: هو إخلاص المقال وإعظام المقام واليقين التام وجمع الاهتمام. وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له لانتفاع المصلي بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فغني عنها.
الخازن
تفسير : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حديث : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً فمكث ساعة ثم سري عنه فقرأ قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات من أولها. وقال: من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا اللهم أرضنا وأرض عنا" تفسير : أخرجه الترمذي. قوله عزّ وجلّ {قد أفلح المؤمنون} قال ابن عباس قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة وقيل الفلاح البقاء والنجاة {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال ابن عباس: مخبتون أذلاّء خاضعون. وقيل خائفون وقيل: متواضعون وقيل الخشوع من أفعال القلب كالخوف والرهبة وقيل هو من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات وغض البصر. وقيل لا بد من الجمع بين أفعال القلب والجوارح وهو الأولى فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له الخشوع في جميع الجوارح، فأما ما يتعلق بالقلب من الأفعال فنهاية الخضوع والتذلل للمعبود ولا يلتفت الخاطر إلى شيء سوى ذلك التعظيم. وأما ما يتعلق بالجوارح فهو أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده. وقيل الخشوع هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله (ق) عن عائشة قالت: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد تفسير : الاختلاس هو الاختطاف عن أبي ذر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه"تفسير : . وفي رواية "حديث : أعرض عنه"تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي. وقيل الخشوع هو أن لايرفع بصره إلى السماء (خ) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم"تفسير : وقال أبو هريرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل {الذين هم في صلاتهم خاشعون} رمقوا بأبصارهم إلى موضع السجود. وقيل الخشوع هو أن لا يعبث بشيء من جسده في الصلاة لما روي حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه"تفسير : . ذكره البغوي بغير سند. عن أبي ذر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وقيل الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة والإعراض عمّا سوى الله والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراآت: {لأماناتهم} على التوحيد: ابن كثير {على صلاتهم} موحدة: حمزة وعلي وخلف. و{عظماً} {العظم} موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد و {جبلة} الأول موحداً والثاني مجموعاً: زيد بن يعقوب. وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما. الباقون مجموعين {سيناء} بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون بفتحها. {تنبت} من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح. الآخرون بفتح التاء وضم الباء من النبات. {تسقيكم} بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. بالتاء الفوقانية: يزيد: الباقون بضم النون. {منزلاً} بفتح الميم وكسر الزاء: ابو بكر وحماد. الآخرون بضم الميم وفتح الزاء. الوقوف: {المؤمنون} ه لا {خاشعون} ه لا {معرضون} ه لا {فاعلون} ه لا {حافظون} ه {ملومين} ه لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا فالآيتان من أوصاف المؤمنين ايضاً {العادون} ه ج {راعون} ه لا {يحافظون} ه م وإلا لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط {الوارثون} ه لا {الفردوس} ط {خالدون} ه {طين} ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر {مكين} ه ج للعطف {لحماً} صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيماً {آخر} ط {الخالقين} ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة {لميتون} ه ط لذلك {لقادرون} ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء {وأعناب} م لئلا يوهم أن الجار والمجرور وصف أعناب {تأكلون} ه لا لأن شجرة مفعول {أنشأنا} {لآكلين} ه {لعبرة} ط لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها {تأكلون} ه لا {تحملون} ه ط {غيره} ط {تتقون} ه {مثلكم} لا لأن قوله {يريد} صفة {بشر} {عليكم} ط {ملائكة} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول {الأولين} ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول الكفار مع اتحاد مقصود الكلام {حين} ه {كذبون} ه {التنور} ه لا لأن ما بعده جواب فإذا {منهم} ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء {ظلموا} ج للابتداء بأن مع احتمال إضمار اللام والفاء للتعليل {مغرقون} ه {الظالمين} ه {المنزلين} ه {المبتلين} ه. التفسير: لما أنجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. "وقد" نقيضة "لما" لأنها تثبت المتوقع و "لما" تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم. وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول "البقرة". وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصاً أو سوطاً ونحوهما. وقال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاة، وهذا الخشوع واجب عند المحققين. نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن: كلا صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له. وروي عنه مرفوعاً: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها. وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته. ومما يدل على صحة هذا القول قوله سبحانه {أية : أفلا يتدبرون القرآن}تفسير : [النساء: 82] والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله {أية : وأقم الصلاة لذكرى}تفسير : [طه: 14] والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال {أية : ولا تكن من الغافلين}تفسير : [الأعراف: 205] وقوله {حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المصلي يناجي ربه"تفسير : ولا مناجاة مع الغفلة أصلاً بخلاف سائر أركان الإسلام فإِن المقصود منها يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدّو الله، وكذا الحج فإِن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضراً. والمتكلمون أيضاً اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله تعالى طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور. وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه الثواب؟ فمن استعار ثوباً ثم ردّه على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا إن ردّه على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى والذم في الصورة الثانية.حديث : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحهتفسير : . ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زّوجني الحور العين. فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟ فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي. وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الخلاف. قال علماء المعاني: سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ذلك. ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، وأيضاً كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال {والذين هم عن اللغو معرضون} واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لا ضرورة إليه ولا حاجة قولاًَ أو فعلاً. فمن الحرام قوله تعالى حكاية عن الكفار {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن وَالغَواْ فيه}تفسير : [فصلت: 26] فإِن ذلك اللغو كفر والكفر حرام. ومن المباح قوله {أية : لا يؤاخذكم الله بِاللَّغوِ في أيمانكم}تفسير : [البقرة: 225] ولو لم يكن مباحاً لم يناسبه عدم المؤاخذة. والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال عز من قائل {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72] ثم وصفهم بفعل الزكاة وهو مناسب للصلاة. وليس المراد بالزكاة ههنا عين القدر المخرج من النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب. وعن أبي مسلم أنه حمل الزكاة ههنا على فعل محمود مرضي كقوله {أية : قد افلح من تزكى}تفسير : [الأعلى: 14] والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع. الصفة الرابعة قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم} قال الفراء: "على" بمعنى "عن": وقال غيره: هو في موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم "كان زياد على البصرة" اي والياً عليها، والمعنى أنهم مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسربهم. أو تعلق الجار بمحذوف يدل عليه {غير ملومين} كأنه قيل: يلامون على كل من يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن، وجوّز في الكشاف أن يكون صلة لحافظين من قولهم "احفظ عليّ عنان فرسي" على تضمينه معنى الفي أي لا تسلط علي فرسي. وإنما لم يقل "أو من ملكت" لأنه اجتمع في السرية وصفان: الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع {فمن ابتغى} حداً {وراء ذلك} الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما الإماء من الإماء وكفى به حداً فسيحاً {فأولئك هم} الكاملون في العدوان المتناهون فيه. قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة الأزواج إذا صح النكاح. ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله {أية : ولكم نصف ما ترك أزواجكم}تفسير : [النساء: 12] ولورثت منه لقوله {أية : ولهن الربع}تفسير : [النساء: 12] ثم الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع الحرث، وكذا الزوجة والأمة في أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها. وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ليس بإثبات فقوله "حديث : لا صلاة إلا بطهور" "حديث : ولا نكاح إلا بولي"تفسير : لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده في الآية. والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره. الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء المؤمتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية. ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}تفسير : [النساء: 58] وقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}تفسير : [المائدة: 1] ويحتمل الخصوص فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم. الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر في قوله {أية : حافظوا على الصلوات}تفسير : [البقرة: 238] وذلك في "البقرة" وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمداومة عليها وبمراقبة أعداها وأوقاتها فرائض كانت أو سنناً، رواتب أو غيرها. فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف الاعتباران والعبارتان. {أولئك هم الوارثون} الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم ممن يرث مالاً فانياً أو متاعاً قليلاً أو ممن يدخل الجنة سواهم كالأطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور. ثم بين الموروث بقوله {الذين يرثون الفردوس} وقد سبق معنى هذه الوراثة في "الأعراف" في قوله {أية : ونودوا أن تِلكُمُ الجنة أورثتموها}تفسير : [الأعراف: 43] قال الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك قالوا للدية إنها ميراث المقتول. وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار على تقدير طفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن كل افردوس لا يكون ميراثاً بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنت الضمير في قوله {هم فيها خالدون} وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده كان شبيهاً بالميراث. والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر. وروى أبو موسى الشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار"تفسير : وعن أبي أماة مرفوعاً "حديث : سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش"تفسير : ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لما خلق الله تعالى جنة عدن قال لها: تكلمي. فقالت: قد افلح المؤمنون" تفسير : ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما حافظت علي وتشفع لصاحبها. فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها"تفسير : قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله {أية : قالتا أتينا طائعين}تفسير : [فصلت: 11] وكذا الكلام في كلام "طوبى". وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة. وأما حديث الصلاة فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل كقولك للمنعم عليك "إن إحسانك إليّ ينطق بالشكر". ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في {جعلناه} راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: الإنسان ههنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منياً في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء المسمى بالسلالة. ثم إن تلك السلالة تصير منياً وعلى هذا فكلتا لفظي "من" للابتداء. قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على التفسير الأول فقط. والقرار المستقر اراد به الرحم. وإنما وصفت بالمكين لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي باعتبار المستقر فيها كقولك "طريق سائر". وترتيب الأطوار كما مر في أول الحج. ومعنى "ثم" في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} اي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة أربعينات. ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن البيضة ولا يردّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة. وروى العوفي عن ابن عباس أن ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} ويروى هذا القول أيضاً عن مجاهد وابن عمر {فتبارك الله} كثر خيره وبركته أو هو وصف له بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما زاد على الشيء فقد علاه. ومعنى {أحسن الخالقين} أحسن المقدّرين تقديراً فحذف المميز للعلم به. قالت المعتزلة: في الاية دلالة على أن كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقاً للكفر والمعاصي. وأجيب بأن الحسن ههنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه لا يقبح منه شيء لأنه تعالى يتصرف في ملكه. قالوا: لولا أن غيره تعالى خالق لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله. وعورض بقوله {أية : الله خالق كل شيء}تفسير : [الزمر: 62] وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم واعتقادكم. وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه تعالى وصف عيسى بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصوّرين. والحق أن الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه الإشكالات. روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هكذا نزلت. فقال عبد الله: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ فلحق بمك كافراً ثم اسلم يوم الفتح. وروي عن عمر ايضاً سبق لسانه بقوله {فتبارك الله أحسن الخالقين} قبل أن ينزل. واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به. سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في الأنعام أبلغ؟ جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتياً بها لمحض الجنة والثواب فلا جرم أوقع الله تعالى الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات أدخل في الإخلاص وابعد عن صورة المبايعة. وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر. ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها ايضاً من جنس الإعادة. النوع الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل. وقال علي بن عيسى: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم. وقيل: لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها {وما كنا عن الخلق} أي عن السموات وحفظها أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة. وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ما كنا {غافلين} عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها. ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر. ويمكن أن يراد خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي اردنا كونها عليه نظيره {أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}تفسير : [الملك: 3] النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات. ونزول المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه سبحانه يصعد الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ذلك. ومعنى {بقدر} بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، او بمقدار يوافق حاجاتهم. ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مدداً للينابيع والآبار. وقيل: أراد إثابته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار خمسة: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض. {وإنا على ذهاب به لقادرون} أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه. ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على ايّ وجه اراد به، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر. ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً، ووصف النخل بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم. وجوز في الكشاف أن يكون قوله {ومنها تأكلون} من قولهم "فلان يأكل من حرفة كذا" كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه ارزاقكم ومعايشكم ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً. قال جار الله: طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافاً إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون المجموع اسماً للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور الذي منه نودي موسى. من قرأ {سيناء} بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون الفه حينئذ للتأنيث كعلباء وحرباء. قال في الكشاف {بالدهن} في موضع الحال والباء للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل. فالمعنى تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت. ويجوز أن يكون أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز. قلت: لا يبعد أن يريد بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في {بالدهن} للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعدياً. قال المفسرون: إنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك. قوله {وإن لكم في الأنعام لعبرة} قد مر في "النحل". ولعل القصد بالأنعام ههنا. الإِبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولانه قرنها بالفلك وهي سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر. وإنما قال في هذه السورة. {فواكه كثيرة} بالجمع بخلاف ما في "الزخرف" لتناسب قوله هنا {منافع كثيرة} لتناسب قوله {جنات} كما قال هنالك {أية : فاكهة}تفسير : [الرحمن: 11] على التوحيد لتناسب قوله {أية : تلك الجنة}تفسير : [مريم: 63] وإنما قال هنا في الموضعين {ومنها تأكلون} بزيادة الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الاية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم. وأعلم أنه لما أنجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من الهم صنعتها، وفيه أيضاً تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط. وقوله {ما لكم من إله غيره} جملة مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة. ومعنى {أفلا تتقون} أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان وهي الجمادية. ثم حكى الله سبحانه عنهم شبهاً: الأولى قولهم {ما هذا إلا بشر مثلكم} إنكار كون الرسول من جنس البشر أو إنكار مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله {يريد أن يتفضل عليكم} أي يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره {أية : وتكون لكما الكبرياء في الأرض}تفسير : [يونس: 78] ويتأكد الاحتمال والأول بالشبهة الثالثة وهي قوله {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم. وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرن في "حم السجدة" {أية : قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة}تفسير : [فصلت: 14] خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله {أية : ذلك رب العالمين}تفسير : [فصلت: 9] وهم من جملة العالمين قالوه إما اعتقاداً وإما استهزاء. الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل التقليد {ما سمعنا بهذا} أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي صلى الله عليه وسلم بأيّ وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ظاهراً بأنه أرجح الناس عقلاً ورزانة. قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن. ثم رتبوا على هذه الشبهة قولهم {فتربصوا به حتى حين} أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل. وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام فإنه عليه السلام كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم. وكان رؤساؤهم يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره. ويحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوّي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه. واعلم أنه سبحانه لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9] {أية : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً}تفسير : [الإسراء: 95] {أية : أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم}تفسير : [هود: 28] {أية : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}تفسير : [البقرة: 170] وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ضائعاً يجب قبول قول من يدعي النبوّة بعد ظهور المعجزة من غير توقف. ثم حكى أن نوحاً عليه السلام لما علم إصرارهم على الكفر {قال رب انصرني} أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك "هذا بذاك" والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله {أية : إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}تفسير : [الأعراف: 59] وباقي القصة إلى قوله {إنهم مغرقون} قد مر تفسير مثلها في سورة هود. ومعنى {فأسلك} أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله {أية : كذلك نسلكه}تفسير : [الاية: 12] و {سبق عليه القول} نقيض {أية : سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] لأن "على" تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع. وقد جاء زيادة منهم ههنا على الأصل وحذفت في "هود" ليحسن عطف {ومن آمن} من غير التباس وبشاعة. قيل: في قوله {بأعيننا} على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على صورته. أما قوله {فإذا استويت} أي ركبت واستوليت {أنت ومن معك على الفلك فقل} لم يقل "فقولوا" لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق لخطاب رب العزة. وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة كقوله {أية : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}تفسير : [الأنعام: 45] وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه كان عرفه أن ذلك سبب نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك. ثم أمره أن يسأل ما هو أهم وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف {وقل} على جزاء {فإذا استويت} أو ينزله في الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما يتعلق بالخروج منها {منزلاً} اي إنزالاً أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو قوله {وأنت خير المنزلين} أي إنزالاً وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه {إن في ذلك} الذي ذكر من القصة {لآيات} لعبراً ودلالات لمن اعتبر وادّكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها إلى مقارّها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير {وإن كنا} هي المخففة من الثقيلة واللام في {لمبتلين} هي الفارقة. والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من يعتبر كقوله {أية : ولقد تركناها آية فهل من مدكر}تفسير : [القمر: 15] وقيل: المراد كما يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، فليس الغرق كله على وجه واحد. التأويل: الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوابه بعد أن فنوا فيه. الخشوع في الظاهر انتكاس الراس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في الركوع وثبات القدمين. والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكوّنات، واستغراق الروح في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفات الجمال والجلال. واللغو كل ما يشغلك عن الله. والزكاة تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه راس خطيئة {إلا على أزواجهم} في كلمة "على" دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا بالعكس وإلا كن عدوّاً لهم كقوله {أية : إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم}تفسير : [التغابن: 14] وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية السنة في أوانها لاحظ النفس وإلا كان متجاوزاً طريق الكمال {لأمانتهم} يعني التي حملها الإنسان {وعهدهم} هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب {من سلالة} لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين. بل بحسب اختلاف المركبات من الطين. ففيه حرص الفأرة والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وفيه شجاعة السد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة {فتبارك الله أحسن الخالقين} لأنه خلق أحسن المخلوقين. أما من حيث الصورة فلأنه تعالى خلق من نطفة متشابهة الأجزاء بدناً مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح. وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان مستعداً لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ذلك في موضعه {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} إلى قوله {تبعثون} فيه أن الإنسان قابل لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما. وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره. وموت القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الاتية عليه من طرق الحواس الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} هي الأغشية والحجب من الجهات المذكورة {وما كنا عن} مصالح {الخلق غافلين} فلا نترك العبد في تلك الحجب بدليل قوله {وأنزلنا من السماء} سماء العناية {ماء} الرحمة {بقدر} استعداد السالك {فأسكناه} في أرض وجوده {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل} المعارف {وأعناب} الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات {تنبت} بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة لأنه سر بين الله وبين الروح. {وصبغ} لآكل الكونين بقوة الهمة. ثم أخبر عن نعم الغلب أن فيها منافع لأنها آلة تحصيل الكمال {وعليها وعلى} ذلك الشريعة في سفر السير إلى الله {تحملونه} وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} أخبر اللّه سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم نالوا البُغْيَةَ، وأحرزوا البقاءَ الدائم. قلت: وعن عُمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: «حديث : كان رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ صلى الله عليه وسلم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْماً، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرُنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأرْضِنَا وَٱرْضَ عَنَّا»تفسير : ، ثُمَّ قَالَ: «حديث : أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ»تفسير : ، ثُمَّ قَرَأَ: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم عشر آيات؛ رواه الترمذي واللفظ له والنسائيُّ والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «سلاح المؤمن». قلت: وقد نَصَّ بعض أئمتنا على وجوب الخشوع في الصلاة، قال الغزاليُّ رحمه اللّه: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات؛ لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك عن معاني قراءتك فهو وسواس؛ فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة؛ بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء». وروي عن مجاهد: أَنَّ اللّه تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة؛ لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً؛ فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون بصرٍ المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، و {ٱللَّغْوِ}: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أي: يُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} ذهب الطبريُّ وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل؛ كما قال تعالى: {أية : خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} تفسير : [الكهف:81].
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الآيات العشر، روى ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ابن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حديث : كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي يسمع عند وجهه كَدَوِيّ النحل فَمَكَثْنَا ساعة، وفي رواية: فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة، فَاسْتَقْبَلَ القبلة فرفع يديه، وقال: "اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تَنْقِصْنَا، وأكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا" ثم قال: "لَقَدْ أُنْزِلَ علينا عشر آيات مَنْ أَقَامَهُنَّ دخل الجنة" ثم قرأ: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} عشر آيات"تفسير : . ورواه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وجماعة عن عبد الرزاق وقالوا: "وَأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا وارْضَ عَنَّا". قوله: "قَدْ" هنا للتوقع، قال الزمخشري: "قد" نقيضة "لَمَّا" قد تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لهذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه. وقال البغوي: قد حرف تأكيد. وقال المحققون: قد يقرب الماضي من الحال يدل على أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال. وهو أبلغ من تجريد ذلك الفعل. والعامة على "أَفْلَحَ" مفتوح الهمزة والحاء فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وورش على قاعدته من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها. وعن حمزة في الوقف خلاف، فروي عنه كورش وكالجماعة. وقال أبو البقاء: من أَلْقَى حركة الهمزة على الدال وحذفها فعلّته أنَّ الهمزة بعد حذف حركتها صُيِّرت ألفاً، ثم حذفت لسكونها (وسكون الدال قبلها في الأصل ولا يُعْتَدُّ بحركة الدال لأنها عارضة. وفي كلامه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ اللغة الفصيحة في النقل حذف الهمزة من الأصل فيقولون: المَرَة والكَمَة في المَرْأَة والكَمْأَة، واللغة الضعيفة فيه إبقاؤها وتدبيرها بحركة ما قبلها، فيقولون: المَرَاة والكَمَاة بمدة بدل الهمزة كـ (رَاس وفَاس) فيمن خففها، فقوله: صُيّرت ألفاً. ارتكاب لأضعف اللغتين. الثاني: أنه وإن سُلم أنها صُيّرت ألفاً فلا نُسلّم أنَّ حذفها) لسكونها وسكون الدال في الأصل بعد حذفها لساكن محقق في اللفظ، وهو الفاء من "أَفْلَحَ"، ومتى وجد سبب ظاهر أُحيل الحكم عليه دون السبب المقدر. وقرأ طلحة بن مُصرّف وعمرو بن عبيد "أُفلح" مبنياً للمفعول، أي: دخلوا في الفلاح فيحتمل أن يكون من أَفْلَح متعدياً، يقال: أفلحه، أي: أصاره إلى الفلاح، فيكون "أَفْلَحَ" مستعملاً لازماً ومتعدياً. وقرأ طلحة أيضاً: "أَفْلَحُ" بفتح الهمزة واللام وضم الحاء، وتخريجها على أنّ الأصل أفلحوا المؤمنون، بإلحاق علامة جمع قبل الفاعل كلغة: أكلوني البراغيثُ، فيجيء فيها ما تقدم في قوله: {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 71] {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3]. قال عيسى: سمعتُ طلحة يقرؤها فقلتُ له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي، يعني أني اتّبعتهم فيما قَرَأْتُ به، فإن لَحِنُوا على سبيل فَرْض المحالِ، فأنا لاَحِنٌ تبعاً لهم. وهذا يدل على شدة اعتناء القدماء بالنقل وضبطه خلافاً لمن يُغلّط الرواة. وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يُردُّونها مع ثبوت مثلها في القرآن بإجماع، وهما الآيتان المتقدمتان. وقال الزمخشري: وعنه أي: عن طلحة - "أَفْلَحُ" بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: شعر : 3780- فَلَوْ أَنَّ الأَطِّبَّا كَانُ حَوْلِي تفسير : وفيه نظر من حيث إن الواو لا تثبت في مثل هذا درجاً، لئلا يلتقي ساكنان فالحذف هنا لا بدّ منه، فكيف يقول اجتزأ بها عنها. وأما تنظيره بالبيت فليس بمطابق، لأنّ حذفها من الآية ضروري ومن البيت ضرورة، وهذه الواو لا يظهر لفظها في الدرج بل يظهر في الوقف وفي الخط. وقد اختلف النقلة لقراءة طلحة هل يثبت للواو صورة؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي اللوامح: وحذفت الواو بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الشورى: 24]. قال شهاب الدين: ومثله "سَندْعُ الزَّبَانِيَةَ" "لَصَالُ الجَحِيم". قال المفسرون: والفلاح: النجاة والبقاء. قال ابن عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. وتقدم الكلام في الإيمان في البقرة. قوله: {فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} الجار متعلق بما بعده، وقُدّم للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه فاصلة، وكذا فيما بعده من أخواته، وأضيف الصلاة إليهم، لأنهم هم المنتفعون بها، والمُصلى له غَنِيٌّ عنها، فلذلك أضيفت إليهم دونه. فصل اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ومنهم من جمع بين الأمرين، وهو الأولى. قال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت، والخشوع قريب من الخضوع إلا أنّ الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [طه: 108]. وعن عليّ: هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وقال سعيد بن جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره. وقال عطاء: هو أن تعبث بشيء من جسدك، حديث : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"تفسير : . وقال ابن الخطيب: وهو عندنا واجب، ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]. والتدبير لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وقوله تعالى: {أية : وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 4] أي: قفوا على عجائبه ومعانيه. وثانيها: قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14] وظاهر الأمر للوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره. وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 205] وظاهره للتحريم، وقوله: {أية : حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 43] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق في الدنيا. ورابعها: قوله - عليه السلام - "حديث : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً" تفسير : وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، قال عليه السلام: "حديث : كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنصب" تفسير : وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضاً: "حديث : ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل"تفسير : ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة، فقال: "حديث : هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ من صلاة العبد" تفسير : وعن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لا يزال الله - عزَّ وجلَّ - مُقْبِلاً على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه"تفسير : . وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأنّ اشتراط الخضوع والخشوع خلاف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه. وأُجيب بأن هذا الإجماع ممنوع، لأن المتكلمين اتفقوا على أنه لا بُدّ من الخضوع والخشوع، واحتجوا بأن السجود لله تعالى طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا: وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد: إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: كل باطل، ولهو وما لا يجمل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب، قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. واعلم أن اللغو قد يكون كفراً كقوله تعالى: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26]، وقد يكون كذباً لقوله تعالى: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11]، وقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} تفسير : [الواقعة: 25]. ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} اللام في قوله: "لِلزَّكَاةِ" مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعاً. والزكاة في الأصل مصدر، ويطلق على القدر المُخْرَج من الأعيان، وقال الزمخشري: اسم مشترك بين عين ومعنًى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، والمعنى فعل المزكي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث: (من فعل هذا) فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت: شعر : 3781- المطعمُون الطَّعام في السنة الـ أَزْمة والفاعلون للزكوات تفسير : ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف، وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصح، لأنها فيه مجموعة. قال شهاب الدين: إنما أحوج أبا القاسم إلى هذا أن بعضهم زعم أنه يتعين أنْ يكون الزكاة هنا المصدر؛ لأنه لو أراد العين لقال: مؤدون ولم يقل: فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنع ذلك لعدم صحة تناول فاعلون لها بل لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وإنما جعل الزكوات في بيت أمية أعياناً لجمعها، لأنّ المصدر لا يجمع، وناقشه أبو حيان وقال: يجوز أن يكون مصدراً وإنما جمع لاختلاف أنواعه. وقال أبو مسلم: إنّ فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14]، وقوله: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النجم: 32] ومن جملتهم ما يخرج من حق المال، وإنما سمي بذلك؛ لأنها تطهر من الذنوب، لقوله تعالى: {أية : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]. وقال الأكثرون: المراد بها هنا: الحق الواجب في الأموال خاصة؛ لأنّ هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى. فإنْ قيل: إن الله تعالى لم يفصل بين الصلاة والزكاة فَلِمَ فصل هنا بينهما بقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ}؟ فالجواب: لأنّ ترك اللغو من متمات الصلاة. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} الفرج اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج التعفف عن الحرام. قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ "حَافِظُونَ" على التضمين معنى ممسكين أو قاصرين وكلاهما يتعدى بعلى قال تعالى: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} تفسير : [الأحزاب: 37]. الثاني: أنّ "عَلَى" بمعنى "مِنْ" أي: إلا من أزواجهم كما جاءت "مِنْ" بمعنى "عَلَى" في قوله: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنبياء: 77] وإليه ذهب الفراء. الثالث: أنْ يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري: إلاَّ وَالِينَ على أزواجهم أو قوّامين عليهنّ من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة أي: والياً عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمّ سميت المرأة فراشاً. الرابع: أنْ يتعلق بمحذوف يدل عليه "غَيْرُ مَلُومِينَ" قال الزمخشري: كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه. قال شهاب الدين: وإنما لم يجعله متعلقاً بـ "مَلُومِينَ" لوجهين: أحدهما: أن ما بعد "إِنَّ" لا يعمل فيما قبلها. الثاني: أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. الخامس: أن يجعل صلة لحافظين، قال الزمخشري: من قولك: احفظ عليّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى: ما طلبت منك إلا فعلك يعني أنّ صورته إثبات ومعناه نفي. قال أبو حيان بعدما ذكر ذلك عن الزمخشري: وهذه وجوه متكلفة ظاهر فيها العجمة. قال شهاب الدين: وأي عجمةٍ في ذلك على أنّ الشيخ جعلها متعلقة بـ "حَافِظُونَ" على ما ذكره من التضمين، وهذا لا يصح له إلا بأن يرتكب وجهاً منها وهو التأويل بالنفي كنشدتك الله، لأنه استثناء مفرغ ولا يكون إلا بعد نفي أو ما في معناه. السادس: قال أبو البقاء: في موضع نصب بـ "حَافِظُونَ" على المعنى؛ لأنّ المعنى صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. قال شهاب الدين: وفيه سببان: أحدهما تضمين "حَافِظُونَ" معنى صانوا، وتضمين "على" معنى "عَنْ". قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ} "مَا" بمعنى: اللاتي، و"مَا" في محل الخفض يعني: أو على ما ملكت أيمانهم. وفي وقوعها على العقلاء وجهان: أحدهما: أنها واقعة على الأنواع كقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ} تفسير : [النساء: 3] أي: أنواع. والثاني: قال الزمخشري: أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث. قال أبو حيان: وقوله: وهم. ليس بجيد، لأنّ لفظ هُمْ مختص بالذكور فكان ينبغي أن يقول: "وَهُوَ" على لفظ "مَا" أو "هُنَّ" على معنى (ما). وأجيب بأن الضمير عائد على العقلاء فقوله: "وَهُمْ" أي: العقلاء الإناث. وقال ابن الخطيب هلا قيل: مَنْ ملكت؟ فالجواب: لأنه اجتمع في السُّرِّيَّةِ وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل. والآخر: كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع. فلهذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء. فصل هذه الآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها. فإن قيل: أليست الزوجه والمملوكة لا تحل له الاستمتاع بها في أحوال كحال الحيض، وحال العدة، والصيام، والإحرام، وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنّ مذهب أبي حنيفة أنّ الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً، لقوله عليه السلام: "حديث : لا صلاة إلا بطهور، ولا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليّ" تفسير : فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور، وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} معناه أنه يجب حفظ الفرج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات. الثاني: (أَنَّا إنْ) سلمنا أنّ الاستثناء من النفي إثبات فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى حجة فيما عداه. وقوله: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} يعني: يحفظ فرجه إلا من امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك إذا كان على وجه أذن الشرع فيه دون الإتيان في غير المأتى، وفي حال الحيض والنفاس فإنه محظور ويلام على فعله. قوله: {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} أي: التمس وطلب سوى الأزواج والمملوكات {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام، وفيه دليل أنَّ الاستمناء باليد حرام قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أنّ قوماً يحشرون وأيديهم حُبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عَذَّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} قرأ ابن كثير هنا وفي سأل "لأَمَانَتِهِم" بالتوحيد، والباقون بالجمع. وهما في المعنى واحد إذ المراد العموم والجمع أوفق. والأمانة في الأصل مصدر، ويطلق على الشيء المؤتمن عليه لقوله: {أية : أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} تفسير : [النساء: 58]. "وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ"، وإنما يُؤدَّى ويُخان الأعيان لا المعاني، كذا قال الزمخشري. أما ما ذكره من الآيتين فمسلم، وأما هذه الآية فيحتمل المصدر ويحتمل العين، والعهد ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى الله، ويقع أيضاً على ما أمر الله به كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} تفسير : [آل عمران: 183]، والعقود التي عاقدوا الناس عليها يقومون بالوفاء بها. فالأمانات تكون بين الله وبين العبد كالصلاة، والصيام، والعبادات الواجبة وتكون بين العبيد كالودائع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها. وقوله: "رَاعُونَ" الراعي القائم على الشيء يحفظه ويصلحه كراعي الغنم، ومنه يقال: مَنْ راعي هذا الشيء؟ أي متوليه. وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قرأ الأخوان "عَلَى صَلاَتِهِمْ" بالتوحيد، والباقون "صَلَوَاتِهِمْ" بالجمع، وليس في المعارج خلاف. والإفراد والجمع كما تقدم في (أَمَانَتِهم) و(أَمَانَاتِهِمْ). قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: كيف كرر ذكر الصلاة أولاً وآخراً؟ قلت: هما ذكران مختلفان وليس بتكرير، وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم، وآخراً بالمحافظة عليها. ثم قال: وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أي صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن الراتبة، وهذا إنما يتجه في قراءة غير الأخوين وأما الأخوان فإنهما أفردا أولاً وآخراً على أنَّ الزمخشري قد حكى الخلاف في جمع الصلاة الثانية وإفرادها بالنسبة إلى القراءة. وقيل: كرر ذكر الصلاة ليبين أنّ المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} "أُولَئِكَ" أي: أهل هذه الصفة "هُمُ الوارِثُونَ" فإن قيل: كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأنَّ الجنة حقهم في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111]. فالجواب من وجوه: الأول: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ما منكم من أحد إلاَّ وله منزلان منزل في الجنّة ومنزلٌ في النار، فإنْ مات ودخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة مَنْزله"تفسير : وذلك قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}. وأيضاً: فقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما ذكر فإن قيل: إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. فالجواب: لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو (منزلة) لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل بذلك إليه. الثاني: أنَّ انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث. الثالث: أنَّ الجنة كانت مسكن أبينا آدم - عليه السلام - فإذا انتقلت إلى أولاده كان ذلك شبيهاً بالميراث. فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؟ فالجواب: أنَّ قوله: {لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها. واعلم أنَّ قوله: "هُمُ الوَارِثُونَ" يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به، لأنه ثبت أنَّ الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]، وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف. قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً مقدرة إما من الفاعل بـ "يَرِثُونَ" وإما من مفعوله إذ فيها ذكر كل منهما ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون، وقد جاء في الحديث: "حديث : أن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث ".
البقاعي
تفسير : {قد} وهي نقيضة لما تثبت المتوقع وتقرب الماضي من الحال ولما تنفيه {أفلح} أي فاز وظفر الآن بكل ما يريد، ونال البقاء الدائم في الخير {المؤمنون*} وعبر بالاسم إشارة إلى أن من أقر بالإيمان وعمل بما أمر به في آخر التي قبلها، استحق الوصف الثابت لأنه اتقى وأنفق مما رزق فأفلح {أية : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} تفسير : [الحشر: 9]؛ ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في الإيمان فقال: {الذين هم} أي بضمائرهم وظواهرهم {في صلاتهم} أضيفت إليهم ترغيباً لهم في حفظها، لأنها بينهم وبين الله تعالى، وهو غني عنها، فهم المنتفعون بها {خاشعون*} أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنَهم وظواهرهم على ما هم فيه؛ قال الرازي: خائفون خوفاً يملأ القلب حرمة، والأخلاق تهذيباً، والأطراف تأديباً، أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم، ومن ذلك خفض البصر إلى موضع السجود، قال الرازي: فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب، وإذا التفت أرخى، قال: وهو خوف ممزوج بتيقظ واستكانة، ثم قد يكون في المعاملة إيثاراً ومجاملة و إنصافاً ومعدله، وفي الخدمة حضوراً واستكانة. وفي السر تعظيماً وحياء وحرمة، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، وإذا كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات. فهم به فيما سواها أولى. قال ابن كثير: والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين "حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة" تفسير : رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه "حديث : يا بلال! أرحنا بالصلاة"تفسير : - رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه. ولما كان كل من الصلاة والخشوع صاداً عن اللغو، أتبعه قوله: {والذين هم} بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم {عن اللغو} أي ما لا يعنيهم، وهو كل ما يستحق أن يسقط ويلغى {معرضون*} أي تاركون عمداً، فصاروا جامعين فعل ما يعني وترك ما لا يعني. ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف: فعل الخشوع وترك اللغو، وكان الإنسان محل العجز ومركز التقصير، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه، وكان المال مكفراً لما قصد من الإيمان فضلاً عما ذكر منها على سبيل اللغو، فكان مكفراً للغو في غير اليمين من باب الأولى {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} تفسير : [التوبة: 103] أتبعه قوله: {والذين هم} وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل فقال: {للزكاة} أي التزكية، وهي إخراج الزكاة، أو لأداء الزكاة التي هي أعظم مصدق للإيمان {فاعلون*} ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب والمال؛ قال ابن كثير: هذه مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب، وأن أصل الزكاة كان واجباً بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام {أية : وآتوا حقه يوم حصاده} تفسير : [الأنعام: 141]. ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة، وأن حبسه عن ذلك تلفة، أتبعه الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة، وحفظه طهرة. فقال: {والذين هم لفروجهم} في الجماع وما داناه بالظاهر والباطن {حافظون*} أي دائماً لا يتبعونها شهوتها، بل هم قائمون عليها يذلونها ويضبطونها، وذكرها بعد اللغو الداعي إليها وبذل المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة؛ ثم استثنى من ذلك فقال: {إلا على أزواجهم} اللاتي ملكوا أبضاعهن بعقد النكاح، ولعلو الذكر عبر بـ "على" {أو ما ملكت أيمانهم} رقابة من السراري، وعبر بـ "ما" لقربهن مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات عن الذكور {فإنهم غير ملومين*} أي على بذل الفرج في ذلك إذا كان على وجهه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن المنذر والعقيلي والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب قال: "حديث : كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة، فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تُنْقِِِِِِِِصْنَا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا ارضنا، ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن. ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنون {قد أفلح المؤمنون} فقرأ حتى بلغ العشر فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم". واخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق الله جنة عدن، وغرس أشجارها بيده وقال لها: تكلمي. فقالت {قد أفلح المؤمنون} ". تفسير : وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {قد أفلح المؤمنون} قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، والتوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده ثم قال: تكلمي.. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} لما علمت فيها من الكرامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: لما غرس الله الجنة نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون}. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: لما خلق الله الجنة قال {قد أفلح المؤمنون} وأنزل الله به قرآناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {قد أفلح المؤمنون} يعني: سعد المصدقون بتوحيد الله. وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه كان يقرأ {قد أفلح المؤمنون} برفع أفلح. وأخرج عن عاصم أنه قرأ بنصب (أفلح). وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {قد أفلح المؤمنون} قال: فازوا وسعدوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول لبيد: شعر : فاعقلي إن كنت ما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
ابو السعود
تفسير : سورة المؤمنون مكية وهي عند البصريين مائة وتسع عشرة آية وعند الكوفيين مائة وثماني عشرة آية {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الفلاحُ الفوزُ بالمرام والنجاةُ من المكروه، وقيل: البقاءُ في الخير والإفلاحُ الدُّخولُ في ذلكَ كالإبشارِ الذي هو الدخولُ في البشارةِ وقد يجيءُ متعدياً بمعنى الإدخال فيه وعليه قراءةُ مَن قرأ على البناء للمفعول. وكلمةُ قد هٰهنا لإفادةِ ثبوتِ ما كان متوقعَ الثُّبوتِ من قبلُ لا متوقعَ الإخبارِ به ضرورةَ أنَّ المتوقعَ من حال المؤمنينَ ثبوتُ الفلاحِ لهم لا الإخبارُ بذلك فالمعنى قد فازوا بكلِّ خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك متوقعاً من حالِهم فإنَّ إيمانَهم وما تفرَّعَ عليه من أعمالهم الصالحةِ من دواعي الفلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ خلا أنَّه إنْ أُريد بالإفلاح حقيقةُ الدُّخولِ في الفلاح الذي لا يتحققُ إلا في الآخرة فالإخبارُ به على صيغة الماضي للدِّلالة على تحققه لا محالةَ بتنزيله منزلةَ الثابتِ وإنْ أُريد كونُهم بحالٍ تستتبعُه البتةَ فصيغةُ الماضي في محلِّها. وقُرِىءَ أفلحُوا على الإبهامِ والتفسيرِ أو على أكلوني البراغيثُ. وقُرىءَ أفلحُ بضمة اكتفَى بها عن الواوِ كما في قولِ من قال: شعر : ولو أنَّ الأطبَّا كانُ حَولي تفسير : والمرادُ بالمؤمنينَ إمَّا المصدِّقون بما عُلمَ ضرورة أنَّه من دينِ نبـينا صلى الله عليه وسلم من التَّوحيدِ والنبوةِ والبعثِ والجزاءِ ونظائرِها فقولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ} وما عُطف عليه صفاتٌ مخصصةٌ لهم وإما الآتون بفروعه أيضاً كما يُنبىء عنه إضافةُ الصَّلاة إليهم فهي صفاتٌ موضحةٌ أو مادحةٌ لهم حسب اعتبارِ ما ذُكر في حيز الصِّلةِ من المعاني مع الإيمان إجمالاً أو تفصيلاً كما مرَّ في أوائل سُورة البقرة. والخشوعُ الخوفُ والتَّذللُ أي خائفون من الله عزَّ وجلَّ متذلِّلون له ملزمون أبصارَهم مساجدَهم. رُوي حديث : أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان إذا صلَّى رفع بصره إلى السَّماءِ فلمَّا نزلتْ رمى ببصره نحوَ مسجدِه. وأنَّه رأى مُصلِّياً يعبث بلحيته فقال: "لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه"تفسير : . {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ} أي عمَّا لا يعنيهم من الأقوال والأفعال {مُّعْرِضُونَ} أي في عامَّة أوقاتهم كما يُنبىء عنه الاسمُ الدَّالُّ على الاستمرار فيدخل في ذلك إعراضُهم عنه حالَ اشتغالِهم بالصَّلاةِ دخولاً أوليًّا ومدارُ إعراضهم عنه ما فيه من الحالة الدَّاعيةِ إلى الإعراض عنه لا مجرَّدَ الاشتغالِ بالجدِّ في أمور الدِّينِ كما قيل فإنَّ ذلك رُبَّما يُوهم أنْ لا يكونَ في اللَّغوِ نفسه ما يزجرُهم عن تعاطيهِ وهو أبلغُ من أنْ يُقالَ لا يلهون من وجوه جعلِ الجملةِ اسميَّةً وبناءِ الحكم على الضَّميرِ والتَّعبـيرِ عنه بالاسمِ وتقديمُ الصِّلةِ عليه، وإقامةُ الإعراضِ مُقامَ التَّركِ ليدلَّ على تباعدهم عنه رأساً مباشرةً وتسبُّباً وميلاً وحضوراً فإنَّ أصلَه أنْ يكونَ في عرضٍ غيرِ عرضِه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[1،2] قيل: ما الخشوع؟ قال: الخشوع علانية، وهو الوقوف بين يدي الله تعالى على الإقامة على شروط آداب الآمر، وهو تخليص الحركات والسكون عما سواه، وأصل ذلك الخشية في السر، فإذا أعطي الخشية ظهر الخشوع على ظاهره، وهي من شروط الإيمان. وقد حكي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه إذا فرغ من وضوئه تغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: يحق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ: "حديث : يا معاذ: إن المؤمن قد قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه، وحال بينه وبين أن يهلك فيما هوي بإذن الله، إن المؤمن لذي الحق أسير. يا معاذ: إن المؤمن يسعى في فكاك رقبته. يا معاذ: إن المؤمن لا تسكن روعته، ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم. يا معاذ: إن المؤمن يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجليه وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره، وفتات الطينة بإصبعه، وكحل عينه، وجميع سعيه، التقوى رفيقه، والقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، والصيام جنته، والصدقة فكاكه، والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه من وراء ذلك بالمرصاد. يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل صلوات الله عليه، فلا أعرفن أحداً يوافيني يوم القيامة أسعد بما آتاك الله تعالى منك ".
السلمي
تفسير : قال أحمد بن عاصم الأنطاكى: المؤمن من تكون بضاعته مولاه، وبغيضته دنياه، وحبيبته عقباه، وزاده تقواه، ومجلسه ذكراه. قال ابن عطاء رحمة الله عليه فى هذه الآية: وصل إلى المحل الأعلى والقربة والسعادة، وأفلح ما كان مصدقًا لله وعده. قال بعضهم: المؤمن يكون أمينًا على قلبه، أمينًا على روحه، أمينًا على سره، أمينًا على جوارحه، فإذا كان أمينًا على الظاهر والباطن فهو مؤمن. قال أبو بكر بن طاهر: المؤمن يكون من نفسه فى أمن، والخَلقُ منه فى أمن، ويألفه كل من يراه، ويفرح برؤيته كل محزون، ويأنس به كل مستوحش، ويأوى إليه كل هائم، ويكون لقاؤه سلوة للمؤمنين، ومجالسته رحمة للمريدين، وكلامه موعظة للمتقين.
القشيري
تفسير : ظَفِرَ بالبُغْيَةِ وفاز بالطِّلْبَةِ مَنْ آمَنْ بالله. و"الفَلاَحُ": الفوزُ بالمطلوبِ والظَّفَرُ بالمقصود. والإيمانُ انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرةُ التصديقِ خلاصةَ القلب، واستمكانُ التحقيقِ من تأمور الفؤاد. والخشوعُ في الصلاة إطراقُ السِّرِّ على بِساطِ النَّجوى باستكمالِ نَعْتِ الهيبة، والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والامتحاءِ عند غَلَبَاتِ التَّجلِّي. ويقال أَدْرَكَ ثَمَرَاتِ القُرْبِ وفَازَ بكمالِ الأُنْسِ مَنْ وَقَفَ على بِساط النجوى بنعت الهيبة، ومراعاةِ آداب الحضرة. ولا يَكْملُ الأنْسُ بلقاءِ المحبوب إلا عند فَقْدِ الرقيب. وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصاً لأوان القرب النَّفْسُ؛ فلا راحةَ للمُصَلِّي مع حضورِ نَفْسه، فإذا خنس عن نَفْسِه وشاهِدِه عَدِمَ إحساسَه بآفاتِ نَفْسِه، وطابَ له العيشُ، وتَمَّتْ له النُّعْمَى، وتَجلَّتَ له البُشْرى، ووَجَدَ لذَّةَ الحياةِ.
البقلي
تفسير : فاز بالله العارفون بمشاهدته عن حجبه الذين اجابوا الله من العدم بخطاب القدم وشاهدوا القدم بالقدم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قد افلح المؤمنون} سعد المصدقون ونالوا البقاء فى الجنة ويدل عليه ان الله تعالى لما خلق جنة عدن بيده قال تكلمى فقالت قد افلح المؤمنون فقال طوبى لك منزل الملوك اى ملوك الجنة وهم الفقراء الصابرون. فصيغة الماضى للدلالة على تحقق الدخول فى الفلاح وكلمة قد لافادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل لان المؤمنين كانوا متوقعين ذلك الفلاح من فضل الله والفلاح البقاء والفوز بالمراد والنجاة من المكروه والافلاح الدخول فى ذلك كالابشار الذى هو الدخول فى البشارة وقد يجيء متعديا بمعنى الادخال فيه وعليه قراءة من قرأ على البناء للمفعول ولما كان الفلاح الحقيقى لا يحصل بمطلق الايمان وهو التصديق بما علم ضرورة انه من دين نبينا عليه السلام من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها بل يحصل بالايمان الحقيقى المقيد بجميع الشرائط قال بطريق الايضاح او المدح.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قد أفلح المؤمنون} أي: فازوا بكل مطلوب، ونالوا كل مرغوب، فالفلاح: الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام، وقيل: البقاء في الخير على الأبد، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع، فهي هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة؛ وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم، فخُوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والإيمان في اللغة: التصديق بالقلب، والمؤمن: المصدِّق لِما جاء به الشرع، مع الإذعان بالقلب، وإلا.. فكم من كافر صدّق بالحق ولم يذعن، تكبُّراً وعناداً، فكل من نطق بالشهادتين، مواطئاً لسانُه قلبَه فهو مؤمن شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ، قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون - ثلاثاً - أنا حرامٌ على كلِّ بخيل مُرائي"تفسير : ؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية، وليس له أعمال صافية. ثم وصف أهل الإيمان بست صفات، فقال: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}: خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح، وقيل: الخشوع في الصلاة: جمع الهمة، والإعراض عما سواها، وعلامته: ألا يجاوز بصرُه مصلاه، وألاّ يلتفت ولا يعبث. وعن أبي الدرداء: (هو إخلاص المقال، وإعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام). وأضيفت الصلاة إلى المصلين؛ لانتفاع المصلِّي بها وحده, وهي عُدَّته وذخيرته, وأما المُصلَّى له فَغَني عنها. {والذين هم عن اللغو مُعرضون}، اللغو: كل كلام ساقط، حقه أن يُلغَى، كالكذب والشتم ونحوهما. والحق إن اللغو: كل ما لا يَعني من الأقوال والأفعال، وصفهم بالحزم والاشتغال بما يعنيهم وما يقربهم إلى مولاهم في عامة أوقاتهم، كما ينبىء عنه التعبير بالاسم الدال على الثبوت والاستمرار، بعد وصفه لهم بالخشوع؛ ليجمع لهم بين الفعل والترك، الشاقَّين على النفس، اللذَيْن هما قاعدتا التكليف. {والذين هم للزكاة فاعلون}: مؤدون، والمراد بالزكاة: المصدر، الذي هو الإخراج، لا المخرج. ويجوز أن يراد به العين، وهو الشيء المُخْرج، على حذف مضاف، أي: لأداء الزكاة فاعلون. وصفهم بذلك، بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة؛ للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من القيام بالطاعة البدنية والمالية، والتجنب عن النقائص، وتوسيط الإعراض عن اللغو بينهما؛ لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة؛ لأن من لزم الصمت والاشتغال بما يعني عَظُم خشوعُه وأُنسه بالله. {والذين هم لفروجهم حافظون}: ممسكون لها، ويشمل فرجَ الرجل والمرأة، {إلا على أزواجهم}، الظاهر أن "على" بمعنى "عن" أي: إلا عن أزواجهم، فلا يجب حفظها عنهن، ويمكن أن تبقى على بابها، تقول العرب: احفظ عليّ عنان فرسي، أي: أمسكه، ويجوز أن يكون ما بعد الإستثناء حالاً، أي: إلا والين على أزواجهم، من قولك: كان زياد على البصرة، أي: والياً عليها، والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حالة تزوجهم أو تسريهم. أو يتعلق "على" بمحذوف يدل عليه: (غير ملومين)، كأنه قيل: يُلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أبيح لهم، فإنهم غير ملومين عليه، {أو ما ملكت أيمانهم} أي: سراريهم، وعبَّر عنهن بما؛ لأن المملوك يجري مجرى غير العقلاء، لأنه يباع كما تباع البهائم. وقال في الكشاف: وإنما قال "ما"، ولم يقل "مَن"؛ لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء. هـ. يعني: لكونهن ناقصات عقل، كما في الحديث. وفيه احتراس من الذكور بالملك، فلا يباح إتيانهم والتمتع بهم للمالك ولا للمالكة، بإجماع. وقوله تعالى: {فإنهم غير مَلومين} أي: لا لوم عليهم في عدم حفظ فروجهم عن نسائهم وإمائهم. {فمن ابتغى وراء ذلك}؛ طلب قضاء شهوته في غير هذين، {فأولئك هم العادُون}: الكاملون في العدوان، وفيه دليل على تحريم المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة؛ لأن نكاح المتعة فاسد، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ويدل على فساده عدم التوارث فيه بالإجماع، وكان في أول الإسلام ثم نُسخ. {والذين هم لأمانتهم وعهدهم} أي: لما يؤتمنون عليه، ويُعَاهَدون عليه من جهة الحق أو الخلق، {راعون}: حافظون عليها قائمون بها، والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم. {والذين هم على صلواتهم} المفروضة عليهم {يحافظون}: يداومون عليها في أوقاتها. وأعاد الصلاة؛ لأنها أهم، ولأن الخشوع فيها زائد على المحافظة عليها، وَوُحِّدَت أولاً؛ ليُفاد أَن الخشوع في جنس الصلاة أيَّةَ صلاة كانت، وجُمعت ثانياً؛ ليُفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل. قاله النسفي. {أولئك} الجامعون لهذه الأوصاف {هم الوارثون} الأحقاء بأن يُسَمَّوُا وارثين، دون غيرهم ممن ورث رغائِب الأموال والذخائر وكرائمها، وقيل: إنهم يرثون من الكفار منازلهم في الجنة، حيث فوَّتُوها على أنفسهم، لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، ففي الحديث: "حديث : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاّ ولَهُ مَنْزِلاَنِ: مَنْزِلٌ في الجنة ومَنْزِلٌ في النَّارِ، فَإِن مَاتَ ودَخَلَ الجَنَّة، وَرثَ أَهْلُ النَّارِ مَنْزِله، وإِنْ مَات ودَخَلَ النَّارَ، وَرثَ أَهْلُ الجَنَّةَ مَنْزِلَهُ ". تفسير : ثم ترجم الوارثين بقوله: {الذين يرثون الفردوس}، هو في لغة الروم والحبشة: البستان الواسع، الجامع لأصناف الثمر، والمراد: أعلى الجنان، استحقوا ذلك بأعمالهم المتقدمة حسبما يقتضيه الوعد الكريم، {هم فيها خالدون}، أنث الفردوس بتأويل الجنة، أو لأنه طبقة من طبقاتها، وهي العليا. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: الفلاح: الفوزُ بالمطلوب، والظَّفَرُ بالمقصود. والإيمان: انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرة التصديق بخُلاصة القلب، واستكمال التحقيق من تامور الفؤاد. والخشوع في الصلاة: إطراق السِّرِّ على بساط النَّجوى، باستكمال نَعْتِ الهيبة، والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والانمحاءِ عند غلبات التَّجلِّي. هـ. قلت: كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح: الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته: إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان: تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته: إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأول الخشوع: تدبر القول فيما يقول، وحضوره عندما يفعل، وغايته: غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً ". تفسير : ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله. قال في القوت: قال بعض العارفين: إن لله - عز وجل - إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما: إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له: حديث : عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، تفسير : وسِرٌ عن خروج روحه، يقول له: حديث : عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فالقاك بالوفاء والجزاء؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟ تفسير : فهذا داخل في قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}, وفي قوله عز وجل:أية : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 40] فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 58]. هـ. ثمَّ ذكر ابتداء خلق الانسان واطواره...
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى {قد أفلح المؤمنون} أي فازوا بثواب الله، الذين صدّقوا بالله واقروا بواحدانيته وصدقوا رسله. وقيل: معناه، قد سعدوا، قال لبيد: شعر : فاعقلي ان كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل تفسير : وقيل معنى {أفلح} بقي أي بقيت أعمالهم الصالحة، ومنه قولهم (حي على الفلاح) أي على بقاء أعمال الخير، ومعنى {قد} تقريب الماضي من الحال، فدل على أن فلاحهم قد حصل بما هم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفعل. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بأوصاف، فقال {الذين هم في صلاتهم خاشعون} أي خاضعون متذللون لله فيها. وقيل: معناه يسعون، مقبلون على الصلاة بالخضوع والتذلل لربهم. وقيل: معناه خائفون. وقال مجاهد: هو غض الطرف وخفض الجناح. وقيل: أن ينظر المصلي الى موضع سجوده. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يرفع بصره الى السماء. فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه، ونظر الى مصلاه. والخشوع في الصلاة هو الخضوع بجمع الهمة لها، والاعراض عما سواها، لتدبر ما يجري فيها: من التكبير، والتسبيح، والتحميد لله، وتلاوة القرآن. وهو موقف الخاضع لربه الطالب لمرضاته بطاعاته. ثم زاد في صفاتهم فقال {والذين هم عن اللغو معرضون} واللغو هو القول والفعل الذي لا فائدة فيه يعتد بها، وهو قبيح على هذا الوجه. وقال ابن عباس: اللغو - ها هنا - الباطل. وقال السدي: هو الكذب. وقال الكلبي هو الحلف. وحكى النقاش: انهم نهوا عن سباب الكفار إذا سبوهم، وعن محادثتهم. ثم قال {والذين هم للزكاة فاعلون} أي يؤدون ما يجب عليهم في أموالهم من الصدقات، وسميت زكاة، لأنه يزكو بها المال عاجلا وآجلا. ثم قال {والذين هم لفروجهم حافظون} قيل عنى بالفروج - ها هنا - فرج الرجل خاصة بدلالة قوله {الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ثم استثنى من الحافظين لفروجهم من لا يحفظ فرجه عن زوجته، أو ما تملك يمينه من الاماء على ما أباحه الله له، لأن التزويج ينبغي أن يكون، على وجه اباحة الله تعالى. و (ملك اليمين) في الآية المراد به الاماء لأن الذكور من المماليك لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم. ومن ملك الأيمان، لا يجمع بين الاختين في الوطئ، ولا بين الأم والبنت. وكل ما لم يجز الجمع بينهم في العقد، فلا يجوز الجمع بينهم في الوطئ بملك اليمين. ولا يخرج من الآية وطؤ المتمتع بها، لأنها زوجة عندنا، وإن خالف حكمها حكم الزوجات في احكام كثيرة، كما أن حكم الزوجات مختلف في نفسه. وذكره تعالى هذه الاوصاف ومدحه عليها يكفي ويغني عن الأمر بها، لما فيها من الترغيب كالترغيب في الأمر، وأنها مرادة، كما أن المامور به مراد، وكلها واجب. وانما قيل للجارية (ملك يمين) ولم يقل في الدار (ملك يمين) لأن ملك الجارية أخص من ملك الدار إذ له نقض بنية الدار، وليس له نقض بنية الجارية، وله عارية الدار، وليس له عارية الجارية، حتى توطأ بالعارية، فلذلك خص الملك في الأمة، وانما قال {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} مع تحريم وطئها على وجوه: كتحريم وطئ الزوجة. والأمة في حال الحيض، ووطئ الجارية إذا كان لها زوج، أو كانت في عدة من زوج. وتحريم وطئ المظاهرة قبل الكفارة، لأن المراد بذلك على ما يصح ويجوز، مما بينه الله، وبينه رسوله في غير هذا الموضع، وحذف لأنه معلوم، وهي من الامور العارضة في هذه الوجوه ايضاً، فان من وطأ الزوجة أو الأمة في الاحوال التي حرم عليه وطؤها، فانه لا يلزمه اللوم من حيث كانت زوجة أو ملك يمين وإنما يستحق اللوم من وجه آخر. واللوم والذم واحد، وضدهما الحمد والمدح. ثم قال تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك} ومعناه من طلب سوى ذلك يعني الزوجية، وملك اليمين، فهو عاد. والابتغاء والبغية الطلب. والبغاء طلب الزنا، والباغي طالب الاعتداء. و {العادون} هم الذين يتعدون الحلال الى الحرام. وقوله "وراء" - ها هنا - قيل: معناه غير. وقال الفراء معناه {إلا على أزواجهم} إلا من أزواجهم {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض.
الجنابذي
تفسير : بالايمان الخاصّ والبيعة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة فانّ المؤمن بمعنى المسلم ان كان واقفاً على اسلامه غير سالكٍ او واصلٍ الى الايمان لم يكن له فلاح ولم يكن منفعته سوى المنافع الرّاجعة الى الدّنيا من حفظ الدّم وجواز التّناكح والتّوارث والمعاملة نحو معاملة المسلمين من عدم جواز غيبته وهتك عرضه وغير ذلك، والتّوصيف بالاوصاف الآتية يدلّ على ارادة الايمان الخاصّ.
الأعقم
تفسير : {قد أفلح المؤمنون} أي فاز وظفر بالمطلوب المؤمنون فهي بشارة لهم، ثم ثنى صفة المؤمنين فقال: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} وحقيقة الخشوع في الصلاة في القلب والجوارح، ولقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته: "حديث : أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" تفسير : والخشوع أصله السكون والتذلل وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت، وقيل: خائفون، وقيل: متواضعون، وقيل: هو غض البصر وخفض الجناح ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً {والذين هم عن اللغو معرضون} عن المعاصي، وقيل: الحلف الكاذب، وقيل: الشتم {والذين هم للزكاة فاعلون} يودّون {والذين هم لفروجهم حافظون} يعني يحفظونها بما لا يجوز {إلا على أزواجهم} فأباح وطي الزوجة وملك اليمين {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، قيل: الخارجون عن حدود الله، يعني من طلب سوى ذلك فأولئك هم العادون {والذين هم لأماناتهم} يعني ما ائتمنوا عليه، وهو على وجهين: اما أمانات الله من العبادات، وإما أمانات العباد كالودائع والعواري والشركة والمضاربة والشهادات وغيرها من العقود {وعهدهم} عقودهم وهو على ثلاثة أوجه: أوامر الله، ونذور الانسان، والعقود التي بين الناس {راعون} والراعي القائم على شيء يحفظه كراعي الغنم وراعي الرعية، أي حافظون وافون {والذين هم على صلاتهم يحافظون} يداومون فلا يضيعونها ويراعون أوقاتها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة، والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الضحى وصلاة التهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل {أولئك} يعني من كان بهذه الصفة {هم الوارثون} يوم القيامة منازل أهل البيت النار روي مرفوع، وقيل: الوارثون الجنة ونعيمها لأنها تول إليهم الفردوس على تأويل الجنة، وهو البستان الواسع الجامع، وروي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن الرَّحِيمِ} قوله: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} أي: قد سَعِد المؤمنون، والسعداء أهل الجنة. ذكروا أن كعباً قال: [لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة؛ خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الجنة بيده] ثم قال لها تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤمِنُونَ}. وذكر بعضهم أن الله خلق الجنة فجعل لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها، يعني أرضها، مسكاً. ثم جعل فيها ما جعل، ثم نظر إليها ثم قال: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤمِنُونَ}، ثم أغلق بابها، فليس يعلم ما فيها مَلَك مقرَّب ولا نبيّ مرسَل، فالذي تجد من برد السَّحَر وطيبه فهو ما يخرج من خلل الباب. قوله: {الذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}. والخشوع هو الخوف الثابت في القلب. وذكر لنا أن أحدهم كان يرفع بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية غضّوا أبصارهم، فكان أحدهم ينظر إلى موضع سجوده.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} نالوا ما احبوا وفازوا به. قال كعب: ان الله خلق الجنة ثم قال لها تكلمي فقالت: (قد افلح المؤمنون). وعن بعض ان الله خلق الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وارضها مسك وجعل فيها ما جعل ونظر فيها وقال: (قد افلح المؤمنون) ثم اغلق بابها فليس يعلم ما فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل فالذي تجدون من برد السحر وطيبه هو الذي يخرج من خلال الباب ومعنى (نظر فيها) بارك فيها ولا ضمير في كون الباب باب الجنة له خلل الحكمة ذكر الحديثين الشيخ هود وزاد البغوي في الثاني وغرس غرسها بيده اي بقدرته لا بواسطة مخلوق ولما قالت (قد أفلح المؤمنون) قال طوبى لك منزل الملوك أي انت منزل الملوك أو يا منزل الملوك والمراد بالملوك من قدر الله ان يدخلها. وعن ابن عباس؛ قد سعد المصدقون بالتوحيد أي التصديق المؤدي إلى العمل وبقوا في الجنة. وقيل: الفلاح البقاء والنجاة (وقد) للتحقيق ويجوز ان تكون للتوقع اي دالة على ان ما بعدها منتظر وانه قد وقع والمؤمنون قد توقعوا البشارة بذلك كما ان لما لنفي ما توقع وقد مقربة للماضي من الحال ومجيئ (قد) للتوقع مع الماضي اثبته الاكثرون. وقال بعضهم: لا تكون للتوقع من الماضي لان التوقع انتظار الوقوع والماضي واقع ويرده ان معنى كونها للتوقع انها تدل على ان الماضي قبل الاخبار به كان متوقع. واختار ابن هشام انها لا تكون للتوقع البتة وقد تدخل على ماض متوقع وليس هي المفيدة للتوقع (انتهى) والافلاح الدخول في الفلاح كالابشار الدخول في البشارة وقد يتعدى يقال: (افلحه) اي (ادخله في الفلاح) وعليه قراءة طلحة بن مصرف (افلح) بالبناء للمفعول وعنه (افلح) بضمة بغير واو لا في الخط إذا كتب ولا في اللفظ إذا نطق فاما حذفها للساكن في النطق فاتبع الخط النطق فيقف بردها أو حذفها استغناء بالضمة كقوله: ولو ان الاطباء كان حولي فيقف بالاسكان. وعنه (افلحوا المؤمنون) بالضم وحذف الواو نطقا وثبتها في الخط إذا كتب وهاتان القراءتان على لغة (يتعاقبون فيكم ملائكة) أو على ان (المؤمنون) مبتدأ والجملة قبله خبر والواو فاعل والمؤمنون بدل مفسر لابهام الواو. وقرأ ورش عن نافع بفتح الدال نقلا من الهمزة فتحذف من الهمزة وكذا قاعدة ورش انه ينقل حركة الهمزة التي في أول الكلمة إلى الساكن الصحيح الذي هو آخر كلمة أو مثل الصحيح وهو الواو والياء الواقعان بعد فتح وكذا إذا كانت الهمزة كلمة (لا) بعض كلمة أو كان الساكن كذلك وإذا نقل حركتها حذفها. والمؤمن لغة المصدق وشرعا للمصدق البر التقي عندنا وعند بعض قومنا والمصدق مطلقا عند جلهم.
اطفيش
تفسير : {قد} لتحقيق الإفلاح الذى يتوقعه المؤمنون {أفلح} دخل فى الفلاح، كأصبح دخل فى الصباح، وأبشر دخل بالبشارة، والفلاح الفوز بالمقصود، وقيل البقاء فى الخير، ومن الخطأ البين تقديم القسم، مع أنه لا دليل عليه ولا محوج إليه يحوجنا {المؤمنون} بالله ورسوله، وما جاء به بشرط أن يأتوا بما فى قوله: {الَّذين هُم فى صلاتهم خاشعُونَ} إلى قوله: "أية : يحافظون"تفسير : [المؤمنون: 9] وما يتبع ذلك، أو المؤمنون الموفون بذلك كله وزيادة، فقوله: {الذين هم} الخ مدح لهم، وهو أولى لأن الأصل اطلاق المؤمن على الموفى، والخشوع التذلل مع خوف ويزاد فى الصلاة إذا فسر خشوعها بترك اشتغال القلب والجوارح بغيرها، ولو بأمر الآخرة، وتنكيس الرأس أفضل للخضوع، أو إقامته أفضل، لأنها إكمال للقيام، وهو أصح مع ضم خشوع القلب إليها، وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مصليا يعبث بلحيته فقال: "حديث : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء فى الصلاة، فأنزل الله عز وجل: {الذين هم فى صلاتهم خاشعون} فكان ينكس رأسه فاستدل به على فضل النكس، وأجيب بأن النكس فى الحديث ترك الرفع إلى السماء، ولو مع استواء القامة. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو لتخطفنَّ" تفسير : فقيل هذا شامل للأعمى، ولا شك أنه لا يجوز له، كما لا يجوز للمبصر، وفى الأثر: "من رأى السماء عمدا فسدت صلاته ومن غمض عينيه عمداً بلا ضرورة فسدت صلاته" وجاء النهى عنه من طريق ضعيف، واليهود تفعله، واستحب بعض قومنا، لآنه يحضر القلب قالت أم رومان، والدة عائشة رضى الله عنها: رآنى أبو بكر أتميل فى الصلاة، فزجرنى حتى كدت أنصرف عنها، وقال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يتميلن أحدكم فى الصلاة وليسكن" تفسير : وفى الحديث: "حديث : الاختصار فى الصلاة أى وضع اليد على الخاصرة راحة أهل النار"تفسير : ، أى راحة فى الصلاة لأهل النار فى الآخرة، وهم اليهود، إذ لا راحة فيها، وقدم فى صلاتهم الفاصلة، وليلى الإيمان كما أطلق الإيمان عليها فى:{أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143]. ويجوز أن يكون التقديم فى مثل هذا للاعتناء بالمقدم والتشويق للمؤخر لا للحصر، لأنه هنا بمعنى خاشعون فى صلاتهم لا فى غيرها، وليس هذا مراد، أو ليس المعنى فى الحصر فى صلاتهم لا فى بعضها، لأنه لم يقل فى صلاتهم كلها، وعلى إرادته يحصل هذا المعنى، ولو مع التأخير، وعن عبادة بن الصامت موقوفاً: "يوشك أن تدخل المسجد ولا ترى فيه خاشعاً" وعن حذيفة موقوفاً: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون الصلاة وتنتقض عرا الإسلام عروة عروة" ويقال الصلاة بلا خشوع جسد بلا روح.
الالوسي
تفسير : والفلاح الفوز بالمرام، وقيل: البقاء في الخير، والإفلاح الدخول في ذلك كالإبشار الذي هو الدخول بالبشارة، وقد يجىء متعدياً وعليه قراءة طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد {أَفْلَحَ} بالبناء للمفعول، و {قَدْ} لثبوت أمر متوقع وتحققه، والظاهر أنه هنا الفلاح لأن (قد) دخلت على فعله وهو متوقع الثبوت من حال المؤمنين، وجعله الزمخشري الإخبار بثباته وذلك لأن الفلاح مستقبل أبرز في معرض الماضي مؤكداً بقد دلالة على تحققه فيفيد تحقق البشارة وثباتها كأنه قيل: قد تحقق أن المؤمنين من أهل الفلاح في الآخرة، وجوز أن يكون جملة {قَدْ أَفْلَحَ} جواب قسم محذوف، وقد ذكر الزجاج في قوله تعالى: { أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } تفسير : [الشمس: 9] أنه جواب القسم المذكور قبله بتقدير اللام. وقرأ ورش عن نافع {قَدْ أَفْلَحَ} بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها لفظاً لالتقاء الساكنين كما قال أبو البقاء وهما الهمزة الساكنة بعد نقل حركتها والدال الساكنة بحسب الأصل لأنه لا يعتد بحركتها العارضة. وقرأ طلحة أيضاً {قَدْ أَفْلَحُواْ} بضم الهمزة والحاء وإلقاء واو الجمع وهي مخرجة على لغة أكلوني البراغيث، وقول ابن عطية هي قراءة مردودة مردود، وعن عيسى بن عمر قال: سمعت طلحة يقرأ {قَدْ أفلحوا ٱلْمُؤْمِنُونَ } فقلت له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابـي، ولعل مراده أن مرجع قراءتي الرواية ومتى صحت في شيء / لا يكون لحناً في نفس الأمر وإن كان كذلك ظاهراً، وإثبات الواو في الرسم مروي عن «كتاب ابن خالويه». وفي «اللوامح» أنها حذفت في الدرج لالتقاء الساكنين وحملت الكتابة على ذلك فهي محذوفة فيها أيضاً، ونظير ذلك { أية : يَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } تفسير : [الشورى: 24] وقد جاء حذف الواو لفظاً وكتابة والاكتفاء بالضمة الدالة عليها كما في قوله: شعر : ولو أن الأطبا كان حولي وكان مع الأطباء الاساة تفسير : وهو ضرورة عند بعض النحاة. والمراد بالمؤمنين قيل إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا صلى الله عليه وسلم من التوحيد والنبوة والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها فقوله تعالى:{ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}
سيد قطب
تفسير : هذه سورة "المؤمنون".. اسمها يدل عليها. ويحدد موضوعها.. فهي تبدأ بصفة المؤمنين، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله ـ صلوات الله عليهم ـ من لدن نوح ـ عليه السلام ـ إلى محمد خاتم الرسل والنبيين؛ وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها، ووقوفهم في وجهها، حتى يستنصر الرسل بربهم، فيهلك المكذبين، وينجي المؤمنين.. ثم يستطرد إلى اختلاف الناس ـ بعد الرسل ـ في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد.. ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر.. وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب، يختم بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران.. فهي سورة "المؤمنون" أو هي سورة الإيمان، بكل قضاياه ودلائله وصفاته. وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل. ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط: يبدأ الشوط الأول بتقرير الفلاح للمؤمنين: {قد أفلح المؤمنون}.. ويبين صفات المؤمنين هؤلاء الذين كتب لهم الفلاح.. ويثني بدلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، فيعرض أطوار الحياة الإنسانية منذ نشأتها الأولى إلى نهايتها في الحياة الدنيا متوسعاً في عرض أطوار الجنين، مجملاً في عرض المراحل الأخرى.. ثم يتابع خط الحياة البشرية إلى البعث يوم القيامة.. وبعد ذلك ينتقل من الحياة الإنسانية إلى الدلائل الكونية: في خلق السماء، وفي إنزال الماء، وفي إنبات الزرع والثمار. ثم إلى الأنعام المسخرة للإنسان؛ والفلك التي يحمل عليها وعلى الحيوان. فأما الشوط الثاني فينتقل من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق إلى حقيقة الإيمان. حقيقته الواحدة التي توافق عليها الرسل دون استثناء: {أية : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. تفسير : قالها نوح ـ عليه السلام ـ وقالها كل من جاء بعده من الرسل، حتى انتهت إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان اعتراض المكذبين دائماً: {أية : ما هـذا إلا بشر مثلكم}.. {أية : ولو شاء الله لأنزل ملائكة}.. تفسير : وكان اعتراضهم كذلك: {أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون؟}.. تفسير : وكانت العاقبة دائماً أن يلجأ الرسل إلى ربهم يطلبون نصره، وأن يستجيب الله لرسله، فيهلك المكذبين.. وينتهي الشوط بنداء للرسل جميعاً: {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً، إني بما تعملون عليم. وإن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون }. تفسير : والشوط الثالث يتحدث عن تفرق الناس ـ بعد الرسل ـ وتنازعهم حول تلك الحقيقة الواحدة. التي جاءوا بها: {أية : فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون}. تفسير : وعن غفلتهم عن ابتلاء الله لهم بالنعمة، واغترارهم بما هم فيه من متاع. بينما المؤمنون مشفقون من خشية ربهم، يعبدونه ولا يشركون به، وهم مع ذلك دائمو الخوف والحذر {أية : وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}.. تفسير : وهنا يرسم مشهداً لأولئك الغافلين المغرورين يوم يأخذهم العذاب فإذا هم يجأرون؛ فيأخذهم التوبيخ والتأنيب: {أية : قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون، مستكبرين به سامراً تهجرون}.. تفسير : ويستنكر السياق موقفهم العجيب من رسولهم الأمين، وهم يعرفونه ولا ينكرونه؛ وقد جاءهم بالحق لا يسألهم عليه أجراً. فماذا ينكرون منه ومن الحق الذي جاءهم به؟ وهم يسلمون بملكية الله لمن في السماوات والأرض، وربوبيته للسماوات والأرض، وسيطرته على كل شيء في السماوات والأرض. وبعد هذا التسليم هم ينكرون البعث، ويزعمون لله ولداً سبحانه! ويشركون به آلهة أخرى {أية : فتعالى عما يشركون }. تفسير : والشوط الأخير يدعهم وشركهم وزعمهم؛ ويتوجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن، وأن يستعيذ بالله من الشياطين، فلا يغضب ولا يضيق صدره بما يقولون.. وإلى جوار هذا مشهد من مشاهد القيامة يصور ما ينتظرهم هناك من عذاب ومهانة وتأنيب.. وتختم السورة بتنزيه الله سبحانه: {أية : فتعالى الله الملك الحق لا إلـه إلا هو رب العرش الكريم}.تفسير : وبنفي الفلاح عن الكافرين في مقابل تقرير الفلاح في أول السورة للمؤمنين: {أية : ومن يدع مع الله إلـهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه، إنه لا يفلح الكافرون}.تفسير : وبالتوجه إلى الله طلباً للرحمة والغفران: {أية : وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }.. تفسير : جو السورة كلها هو جو البيان والتقرير، وجو الجدل الهادئ، والمنطق الوجداني، واللمسات الموحية للفكر والضمير. والظل الذي يغلب عليها هو الظل الذي يلقيه موضوعها.. الإيمان.. ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}. وفي صفات المؤمنين في وسطها: {أية : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}.. تفسير : وفي اللمسات الوجدانية: {أية : وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون }.. تفسير : وكلها مظلّلة بذلك الظل الإيماني اللطيف. {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكـاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولـئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون.. أولـئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}. إنه الوعد الصادق، بل القرار الأكيد بفلاح المؤمنين. وعد الله لا يخلف الله وعده؛ وقرار الله لا يملك أحد رده. الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة. فلاح الفرد المؤمن وفلاح الجماعة المؤمنة. الفلاح الذي يحسه المؤمن بقلبه ويجد مصداقه في واقع حياته؛ والذي يشمل ما يعرفه الناس من معاني الفلاح، وما لا يعرفونه مما يدخره الله لعباده المؤمنين. فمن هم المؤمنون الذين كتب الله لهم هذه الوثيقة، ووعدهم هذا الوعد، وأعلن عن فلاحهم هذا الإعلان؟ من هم المؤمنون المكتوب لهم الخير والنصر والسعادة والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض؟ والمكتوب لهم الفوز والنجاة، والثواب والرضوان في الآخرة؟ ثم ما شاء الله غير هذا وذلك في الدارين مما لا يعلمه إلا الله؟ من هم المؤمنون. الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون؟ إنهم هؤلاء الذين يفصل السياق صفاتهم بعد آية الافتتاح: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} {والذين هم عن اللغو معرضون} {والذين هم للزكـاة فاعلون} {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم.. الخ.} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.} {والذين هم على صلواتهم يحافظون}. فما قيمة هذه الصفات؟ قيمتها أنها ترسم شخصية المسلم في أفقها الأعلى. أفق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول الله، وخير خلق الله، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، والذي شهد له في كتابه بعظمة خلقه: {أية : وإنك لعلى خلق عظيم}..تفسير : فلقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: كان خلقه القرآن. ثم قرأت. {قد أفلح المؤمنون} حتى {والذين هم على صلواتهم يحافظون}. وقالت. هكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ومرة أخرى.. ما قيمة هذه الصفات في ذاتها؟ ما قيمتها في حياة الفرد، وفي حياة الجماعة، وفي حياة النوع الإنساني؟ {الذين هم في صلاتهم خاشعون}.. تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن وتخشع، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات. ويغشى أرواحهم جلال الله في حضرته، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغولون بنجواه. ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم، فلا يشهدون إلا الله، ولا يحسون إلا إياه، ولا يتذوقون إلا معناه. ويتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة؛ فما يضمون جوانحهم على شيء من هذا مع جلال الله.. عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها، وتجد الروح الحائرة طريقها، ويعرف القلب الموحش مثواه. وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها بالله. {والذين هم عن اللغو معرضون}.. لغو القول، ولغو الفعل، ولغو الاهتمام والشعور. إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر.. له ما يشغله من ذكر الله، وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق. وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب، ويشغل الفكر، ويحرك الوجدان.. وله ما يشغله من تكاليف العقيدة: تكاليفها في تطهير القلب، وتزكية النفس وتنقية الضمير. وتكاليفها في السلوك، ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان. وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف. وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها، والسهر عليها من كيد الأعداء.. وهي تكاليف لا تنتهي، ولا يغفل عنها المؤمن، ولا يعفي نفسه منها، وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية. وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري. والطاقة البشرية محدودة. وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها؛ وإما أن تنفق في الهذر واللغو اللهو. والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى إنفاقها في البناء والتعمير والإصلاح. ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين. ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ.. {والذين هم للزكاة فاعلون}.. بعد إقبالهم على الله، وانصرافهم عن اللغو في الحياة.. والزكاة طهارة للقلب والمال: طهارة للقلب من الشح، واستعلاء على حب الذات، وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر، وثقة بما عند الله من العوض والجزاء. وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيباً حلالا، لا يتعلق به حق ـ إلا في حالات الضرورة ـ ولا تحول حوله شبهة. وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب، فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعاً، وهي ضمان اجتماعي للعاجزين، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكيك والانحلال. {والذين هم لفروجهم حافظون}. وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة. ووقاية النفس والأسرة والمجتمع. بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال، وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال؛ وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب، ومن فساد البيوت فيها والأنساب. والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد. لأنه لا أمن فيها للبيت، ولا حرمة فيها للأسرة. والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة، إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه الطفولة وتدرج؛ ولا بد له من الأمن والاستقرار والطهارة، ليصلح محضناً ومدرجاً، وليعيش فيه الوالدان مطمئناً كلاهما للآخر، وهما يرعيان ذلك المحضن. ومن فيه من فراخ! والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية، فالمقياس الذي لا يخطئ للإرتقاء البشري هو تحكم الإرادة الإنسانية وغلبتها. وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مثمرة نظيفة، لا يخجل الأطفال معها من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم، لأنها طريقة نظيفة معروفة، يعرف فيها كل طفل أباه. لا كالحيوان الهابط الذي تلقى الأنثى فيه الذكر للقاح، وبدافع اللقاح، ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء!. والقرآن هنا يحدد المواضع النظيفة التي يحل للرجل ان يودعها بذور الحياة: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}.. ومسألة الأزواج لا تثير شبهة ولا تستدعي جدلاً. فهي النظام المشروع المعروف. أما مسألة ملك اليمين فقد تستدعي شيئاً من البيان. ولقد فصلت القول في مسألة الرق في الجزء الثاني من الظلال، وبينت هناك أن الإسلام قد جاء والرق نظام عالمي. واسترقاق أسرى الحرب نظام دولي. فما كان يمكن والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه الواقفين بالقوة المادية في طريقه أن يلغي هذا النظام من جانب واحد، فيصبح أسارى المسلمين رقيقاً عند اعدائه، بينما هو يحرر أسارى الأعداء.. فجفف الإسلام كل منابع الرق ـ عدا أسرى الحرب ـ إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى. ومن هنا كان يجيء إلى المعسكر الإسلامي أسيرات، تقضي قاعدة التعامل بالمثل باسترقاقهن ومن مقضيات هذا الاسترقاق ألا يرتفعن إلى مستوى الزوجات بالنكاح. فأباح الإسلام حينئذ الاستماع بهن بالتسري لمن يملكهن خاصة إلا أن يتحرَّرن لسبب من الأسباب الكثيرة التي جعلها الإسلام سبلاً لتحرير الرقيق. ولعل هذا الاستمتاع ملحوظ فيه تلبية الحاجة الفطرية للأسيرات أنفسهن، كي لا يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق ـ هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام! وذلك حتى يأذن الله فيرتفعن إلى مرتبة الحرية. والأمة تصل إلى مرتبة الحرية بوسائل كثيرة.. إذا ولدت لسيدها ثم مات عنها. وإذا أعتقها هو تطوعاً أو في كفارة. وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها. وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها.. الخ وعلى أية حال فقد كان الإسترقاق في الحرب ضرورة وقتية، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى، ولم يكن جزءاً من النظام الاجتماعي في الإسلام. {فمن ابتغى وراء ذلك فأولـئك هم العادون}.. وراء الزوجات وملك اليمين، ولا زيادة بطريقة من الطرق. فمن ابتغى وراء ذلك فقد عدا الدائرة المباحة، ووقع في الحرمات، واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد. وهنا تفسد النفس لشعورها بأنها ترعى في كلأ غير مباح، ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان؛ وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا ومن هناك: وهذا كله هو الذي يتوقاه الإسلام. {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} راعون لأماناتهم وعهدهم أفراداً؛ وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة.. والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة؛ وفي أولها أمانة الفطرة؛ وقد فطرها الله مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الذي هي منه وإليه شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته، بحكم إحساسها الداخلي بوحدة الناموس الذي يحكمها ويحكم الوجود، ووحدة الإرادة المختارة لهذا الناموس المدبرة لهذا الوجود.. والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها، فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته. ثم تأتي سائر الأمانات تبعاً لتلك الأمانة الكبرى. والعهد الأول هو عهد الفطرة كذلك. وهو العهد الذي قطعه الله على فطرة البشر بالإيمان بوجوده وبتوحيده. وعلى هذا العهد الأول تقوم جميع العهود والمواثيق. فكل عهد يقطعه المؤمن يجعل الله شهيداً عليه فيه، ويرجع في الوفاء به إلى تقوى الله وخشيته. والجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة، مسؤولة عن عهدها مع الله تعالى، وما يترتب على هذا العهد من تبعات. والنص يجمل التعبير ويدعه يشمل كل أمانة وكل عهد. ويصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون. فهي صفة دائمة لهم في كل حين. وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأمانات؛ وترعى فيها العهود؛ ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة، الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان. {والذين هم على صلواتهم يحافظون}.. فلا يفوّتونها كسلاً، ولا يضيعونها إهمالاً؛ ولا يقصرون في إقامتها كما ينبغي أن تقام؛ إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن، مستوفية الأركان والآداب، حية يستغرق فيها القلب، وينفعل بها الوجدان. والصلاة صلة ما بين القلب والرب، فالذي لا يحافظ عليها لا ينتظر أن يحافظ على صلة ما بينه وبين الناس محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير.. ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان، بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى الله. تلك الخصائص تحدد شخصية المؤمنين المكتوب لهم الفلاح. وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة ونوع الحياة التي تحياها. الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه الله؛ وأراد له التدرج في مدارج الكمال. ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان، يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الأنعام. ولما كانت الحياة في هذه الأرض لا تحقق الكمال المقدر لبني الإنسان، فقد شاء الله أن يصل المؤمنون الذين ساروا في الطريق، إلى الغاية المقدرة لهم، هنالك في الفردوس، دار الخلود بلا فناء، والأمن بلا خوف، والإستقرار بلا زوال: {أولـئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}.. وتلك غاية الفلاح الذي كتبه الله للمؤمنين. وليس بعدها من غاية تمتد إليها عين أو خيال.. ومن صفات المؤمنين ينتقل إلى دلائل الإيمان في حياة الإنسان ذاته، وفي أطوار وجوده ونموه، مبتدئاً بأصل النشأة الإنسانية، منتهياً إلى البعث في الآخرة مع الربط بين الحياتين في السياق: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً. ثم أنشأناه خلقاً آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.. وفي أطوار هذه النشأة، وتتابعها بهذا النظام، وبهذا الاطراد، ما يشهد بوجود المنشئ أولاً، وما يشهد بالقصد والتدبير في تلك النشأة وفي اتجاهها أخيراً. فما يمكن أن يكون الأمر مصادفة عابرة، ولا خبط عشواء بدون قصد ولا تدبير؛ ثم تسير هذه السيرة التي لا تنحرف، ولا تخطئ، ولا تتخلف؛ ولا تسير في طريق آخر من شتى الطرق التي يمكن عقلاً وتصوراً أن تسير فيها. إنما تسير النشأة الإنسانية في هذا الطريق دون سواه من شتى الطرق الممكنة بناء على قصد وتدبير من الإرادة الخالقة المدبرة في هذا الوجود. كما أن في عرض تلك الأطوار بهذا التتابع المطرد، ما يشير إلى أن الإيمان بالخالق المدبر، والسير على نهج المؤمنين الذي بينه في المقطع السابق.. هو وحده الطريق إلى بلوغ الكمال المقدر لتلك النشأة؛ في الحياتين: الدنيا والآخرة. وهذا هو المحور الذي يجمع بين المقطعين في سياق السورة. {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}.. وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها. فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.. وهي حقيقة نعرفها من القرآن، ولا نطلب لها مصداقاً من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان، أو نشأة الأحياء. إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالاً للتدبر في صنع الله، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين. ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة. أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والإرتقاء، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان. وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة ـ التي سكت القرآن عن تفصيلها ـ وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن.. حقيقة التسلسل.. وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتنقض غداً، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان. والقرآن يعبر أحياناً عن تلك الحقيقة باختصار فيقول: {... بدأ خلق الإنسان من طين}.. دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها. والمرجع في هذا النص الأكثر تفصيلاً، وهو الذي يشير إلى أنه {من سلالة من طين} فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك. أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية. وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان.. ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان. وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقاً كلياً عن نظرة الماديين. والله أصدق القائلين. ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني.. من سلالة من طين.. فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك، فتمضي في طريق آخر معروف: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}.. لقد نشأ الجنس الإنساني من سلالة من طين. فأما تكرار أفراده بعد ذلك وتكاثرهم فقد جرت سنة الله أن يكون عن طريق نقطة مائية تخرج من صلب رجل، فتستقر في رحم امرأة. نقطة مائية واحدة. لا بل خلية واحدة من عشرات الألوف من الخلايا الكامنة في تلك النقطة. تستقر: {في قرار مكين}.. ثابتة في الرحم الغائرة بين عظام الحوض، المحمية بها من التأثر باهتزازات الجسم، ومن كثير مما يصيب الظهر والبطن من لكمات وكدمات، ورجات وتأثرات! والتعبير القرآني يجعل النطفة طوراً من اطوار النشأة الإنسانية، تالياً في وجوده لوجود الإنسان.. وهي حقيقة. ولكنها حقيقة عجيبة تدعو إلى التأمل، فهذا الإنسان الضخم يختصر ويلخص بكل عناصره وبكل خصائصه في تلك النطفة، كما يعاد من جديد في الجنين وكي يتجدد وجوده عن طريق ذلك التلخيص العجيب. ومن النطفة إلى العلقة. حينما تمتزج خلية الذكر ببويضة الأنثى، وتعلق هذه بجدار الرحم نقطة صغيرة في أول الأمر، تتغدى بدم الأم.. ومن العلقة إلى المضغة، حينما تكبر تلك النقطة العالقة، وتتحول إلى قطعة من دم غليظ مختلط.. وتمضي هذه الخليقة في ذلك الخط الثابت الذي لا ينحرف ولا يتحول، ولا تتوانى حركته المنظمة الرتيبة. وبتلك القوة الكامنة في الخلية المستمدة من الناموس الماضي في طريقه بين التدبير والتقدير.. حتى تجيء مرحلة العظام.. {فخلقنا المضغة عظاماً} فمرحلة كسوة العظام باللحم: {فكسونا العظام لحماً}.. وهنا يقف الإنسان مدهوشاً أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيراً بعد تقدم علم الأجنة التشريحي. ذلك أن خلايل العظام غير خلايا اللحم. وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي تتكون أولاً في الجنين. ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين. وهي الحقيقة التي يسجلها النص القرآني: {فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً}.. فسبحان العليم الخبير! {ثم أنشأناه خلقاً آخر}.. هذا هو الإنسان ذو الخصائص المتميزة. فجنين الإنسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية. ولكن جنين الإنسان ينشأ خلقاً آخر، ويتحول إلى تلك الخليقة المتميزة، المستعدة للارتقاء. ويبقى جنين الحيوان في مرتبة الحيوان، مجرداً من خصائص الارتقاء والكمال، التي يمتاز بها جنين الإنسان. إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد. وهو ينشأ {خلقاً آخر} في آخر أطواره الجنينية؛ بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني لأنه غير مزود بتلك الخصائص. ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية، فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطوراً آلياً ـ كما تقول النظريات المادية ـ فهما نوعان مختلفان. اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنساناً. واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفخة والتي ينشأ بها الجنين الإنساني {خلقاً آخر}. إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني؛ ثم يبقى الحيوان حيواناً في مكانه لا يتعداه. ويتحول الإنسان خلقاً آخر قابلاً لما هو مهيأ له من الكمال. بواسطة خصائص مميزة، وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان. {فتبارك الله أحسن الخالقين}.. وليس هناك من يخلق سوى الله. فأحسن هنا ليست للتفضيل، إنما هي للحسن المطلق في خلق الله. {فتبارك الله أحسن الخالقين}.. الذي أودع فطرة الإنسان تلك القدرة على السير في هذه الأطوار، وفق السنة التي لا تتبدل ولا تنحرف ولا تتخلف، حتى تبلغ بالإنسان ما هو مقدر له من مراتب الكمال الإنساني، على أدق ما يكون النظام! وإن الناس ليقفون دهشين أمام ما يسمونه "معجزات العلم" حين يصنع الإنسان جهازاً يتبع طريقاً خاصاً في تحركه، دون تدخل مباشر من الإنسان.. فأين هذا من سير الجنين في مراحله تلك وأطواره وتحولاته، وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها، وتحولات كاملة في ماهيتها؟ غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون، مغلقي القلوب، لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب.. وإن مجرد التفكر في أن الإنسان ـ هذا الكائن المعقد ـ كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة التي لا تراها العين المجردة؛ وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عندما ينشأ خلقاً آخر. فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة آخرى. وإذا كل طفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة. هذه الوراثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة الصغيرة.. إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكاف وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب.. ثم يتابع السياق خطاه لاستكمال مراحل الرحلة، وأطوار النشأة. فالحياة الإنسانية التي نشأت من الأرض لا تنتهي في الأرض، لأن عنصراً غير أرضي قد امتزج بها، وتدخل في خط سيرها؛ ولأن تلك النفخة العلوية قد جعلت لها غاية غير غاية الجسد الحيواني، ونهاية غير نهاية اللحم والدم القريبة؛ وجعلت كمالها الحقيقي لا يتم في هذه الأرض، ولا في هذه الحياة الدنيا؛ إنما يتم هنالك في مرحلة جديدة وفي الحياة الأخرى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.. فهو الموت نهاية الحياة الأرضية، وبرزخ ما بين الدنيا والآخرة. وهو إذن طور من أطوار النشأة الإنسانية وليس نهاية الأطوار. ثم هو البعث المؤذن بالطور الأخير من أطوار تلك النشأة. وبعده تبدأ الحياة الكاملة، المبرأة من النقائص الأرضية، ومن ضرورات اللحم والدم، ومن الخوف والقلق، ومن التحول والتطور لأنها نهاية الكمال المقدر لهذا الإنسان. ذلك لمن يسلك طريق الكمال. الطريق الذي رسمه المقطع الأول في السورة. طريق المؤمنين فأما من ارتكس في مرحلة الحياة إلى درك الحيوان. فهو صائر في الحياة الأخرى إلى غاية الارتكاس. حيث تهدر آدميته، ويستحيل حصباً من حصب جهنم، وقوداً للنار، التي وقودها الناس والحجارة. والناس من هذا الصنف هو والحجارة سواء! ومن دلائل الإيمان في الأنفس ينتقل إلى دلائل الإيمان في الآفاق. مما يشهده الناس ويعرفونه، ثم يمرون عليه غافلين: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وما كنا عن الخلق غافلين. وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض؛ وإنا على ذهاب به لقادرون. فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة، ومنها تأكلون. وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين. وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها، ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون}.. إن السياق يمضي في استعراض هذه الدلائل، وهو يربط بينها جميعاً. يربط بينها بوصفها من دلائل القدرة؛ ويربط بينها كذلك بوصفها من دلائل التدبير؛ فهي متناسقة في تكوينها، متناسقة في وظائفها، متناسقة في اتجاهها. كلها محكومة بناموس واحد؛ وكلها تتعاون في وظائفها؛ وكلها محسوب فيها لهذا الإنسان الذي كرمه الله حساب. ومن ثم يربط بين هذه المشاهد الكونية وبين أطوار النشأة الإنسانية في سياق السورة. {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين}.. والطرائق هي الطبقات بعضها فوق بعض. أو وراء بعض. وقد يكون المقصود هنا سبع مدارات فلكية. أو سبع مجموعات نجمية كالمجموعة الشمسية. أو سبع كتل سديمية. والسدم ـ كما يقول الفلكيون ـ هي التي تكون منها المجموعات النجمية.. وعلى أية حال فهي سبع خلائق فلكية فوق البشر ـ أي إن متسواها أعلى من مستوى الأرض في هذا الفضاء ـ خلقها الله بتدبير وحكمة، وحفظها بناموس ملحوظ: {وما كنا عن الخلق غافلين}.. {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض؛ وإنا على ذهاب به لقادرون}.. وهنا تتصل تلك الطرائق السبع بالارض. فالماء نازل من السماء؛ وله علاقة بتلك الأفلاك. فتكوين الكون على نظامه هذا، هو الذي يسمح بنزول الماء من السماء، ويسمح كذلك بإسكانه في الأرض. ونظرية أن المياه الجوفية ناشئة من المياة السطحية الآتية من المطر؛ وأنها تتسرب إلى باطن الأرض فتحفظ هناك.. نظرية حديثة. فقد كان المظنون إلى وقت قريب أنه لا علاقة بين المياه الجوفية والمياة السطحية. ولكن ها هو ذا القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة قبل ألف وثلاث مائة عام. {وأنزلنا من السماء ماء بقدر}.. بحكمة وتدبير، لا أكثر فيغرق ويفسد؛ ولا أقل فيكون الجدب والمحل؛ ولا في غير أوانه فيذهب بدداً بلا فائدة.. {فأسكناه في الأرض}.. وما أشبهه وهو مستنكن في الأرض بماء النطفة وهو مستقر في الرحم. {في قرار مكين}.. كلاهما مستقر هنالك بتدبير الله لتنشأ عنه الحياة.. وهذا من تنسيق المشاهد على طريقة القرآن في التصوير.. {وإنا على ذهاب به لقادرون}.. فيغور في طبقات الأرض البعيدة بكسر أو شق في الطبقات الصخرية التي استقر عليها فحفظته. أو بغير هذا من الأسباب. فالذي أمسكه بقدرته قادر على تبديده وإضاعته. إنما هو فضل الله على الناس ونعمته. ومن الماء تنشأ الحياة: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون}.. والنخيل والأعناب نموذجان من الحياة التي تنشأ بالماء في عالم النبات ـ كما ينشأ الناس من ماء النطفة في عالم الإنسان ـ نموذجان قريبان لتصور المخاطبين إذ ذاك بالقرآن، يشيران إلى نظائرهما الكثيرة التي تحيا بالماء. ويخصص من الأنواع الأخرى شجرة الزيتون: {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}.. وهي من أكثر الشجر فائدة بزيتها وطعامها وخشبها. وأقرب منابتها من بلاد العرب طور سيناء. عند الوادي المقدس المذكور في القرآن. لهذا ذكر هذا المنبت على وجه خاص. وهي تنبت هناك من الماء الذي أسكن في الأرض وعليه تعيش. ويعرج من عالم النبات إلى عالم الحيوان: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها، ولكم فيها منافع كثيرة، ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون}.. فهذه المخلوقات المسخرة للإنسان بقدرة الله وتدبيره، وتوزيعه للوظائف والخصائص في هذا الكون الكبير.. فيها عبرة لمن ينظر إليها بالقلب المفتوح والحس البصير؛ ويتدبر ما ورائها من حكمة ومن تقدير؛ ويرى أن اللبن السائغ اللطيف الذي يشربه الناس منها خارج من بطونها؛ فهو مستخلص من الغذاء الذي تهضمه وتمثله؛ فتحوله غدد اللبن إلى هذا السائل السائغ اللطيف. {ولكم فيها منافع كثيرة}.. يجملها أولاً، ثم يخصص منها منفعتين: {ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون}.. وقد أحل للإنسان أكل الأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز ولم يحل له تعذيبها ولا التمثيل بها، لأن الأكل يحقق فائدة ضرورية في نظام الحياة. فأما التعذيب والتمثيل فهما من قسوة القلب، وفساد الفطرة. وليس وراءهما فائدة للاحياء. ويربط السياق بين حمل الإنسان على الأنعام وحمله على الفلك. بوصفهما مسخرين بنظام الله الكوني، الذي ينظم وظائف الخلائق جميعاً، كما ينسق بين وجودها جميعاً. فهذا التكوين الخاص للماء، والتكوين الخاص للسفن، والتكوين الخاص لطبيعة الهواء فوق الماء والسفن.. هو الذي يسمح للفلك أن تطفو فوق سطح الماء. ولو اختل تركيب واحد من الثلاثة أو اختلف أدنى اختلاف ما أمكن أن تتم الملاحة التي عرفتها البشرية قديماً، وما تزال تعتمد عليها جل الاعتماد. وكل هذا من دلائل الإيمان الكونية، لمن يتدبرها تدبر الفهم والإدراك. وكلها ذات صلة بالمقطع الأول في السورة والمقطع الثاني، متناسقة معهما في السياق..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح بديع لأنه من جوامع الكلم فإن الفلاح غاية كل ساع إلى عمله، فالإخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلِّق بفعل الفلاح يقتضي في المقام الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب، فكأنه قيل: قد أفلح المؤمنون في كل ما رغبوا فيه. ولما كانت همة المؤمنين منصرفة إلى تمكن الإيمان والعمَلِ الصالح من نفوسهم كان ذلك إعلاماً بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة وللحق من خيْر الدنيا، ويتضمن بشارة برضى الله عنهم ووعداً بأن الله مكمل لهم ما يتطلبونه من خير. وأكد هذا الخبر بحرف (قد) الذي إذا دخل على الفعل الماضي أفاد التحقيق أي التوكيد، فحرف (قد) في الجملة الفعلية يفيد مفاد (إنّ واللام) في الجملة الاسميَّة، أي يفيد توكيداً قويّاً. ووجه التوكيد هنا أن المؤمنين كانوا مؤملين مثل هذه البشارة فيما سبق لهم من رجاء فلاحِهم كالذي في قوله: { أية : وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } تفسير : [الحج: 77]، فكانوا لا يعرفون تحقق أنهم أتوا بما أرضى ربهم ويخافون أن يكونوا فرطوا في أسبابه وما علق عليه وعده إياهم، بلْهَ أن يعرفوا اقتراب ذلك؛ فلما أخبروا بأن ما ترجَّوه قد حصل حقق لهم بحرف التحقيق وبفعل المضي المستعمل في معنى التحقق. فالإتيان بحرف التحقيق لتنزيل ترقبهم إياه لفرط الرغبة والانتظار منزلة الشك في حصوله، ولعل منه: قد قامت الصلاة، إشارة إلى رغبة المصلين في حلول وقت الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أرِحْنَا بها يا بلال » تفسير : وشأن المؤمنين التشوق إلى عبادتهم كما يشاهد في تشوق كثير إلى قيام رمضان. وحُذِف المتعلق للإشارة إلى أنهم أفلحوا فلاحاً كاملاً. والفلاح: الظفَر بالمطلوب من عمل العامل، وقد تقدم في أول البقرة. ونيط الفلاح بوصف الإيمان للإشارة إلى أنه السبب الأعظم في الفلاح فإن الإيمان وصف جامع للكمال لتفرع جميع الكمالات عليه.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات المؤمنين المفلحين فقال {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فازوا وظفروا بخير الدنيا والآخرة. وفلاح المؤمنين مذكور ذكراً كثيراً في القرآن كقوله {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 47] وقوله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} أصل الخشوع: السكون، والطمأنينة، والانخفاض ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : رماد ككحل العين لأياً أبينه ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح. وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً في قوله في الأحزاب {أية : وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ}تفسير : [الأحزاب: 35] إلى قوله {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}تفسير : [الأحزاب: 35]. وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون الفردوس، وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45] وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} على أن من خشوع المصلي: أن يكون نظره في صلاته إلى موضع سجوده، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة, فأنزل الله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} فطأطأ رأسه" تفسير : اهـ منه. وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره. وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، واستدلوا لذلك بقوله تعالى {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144] قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام. وظاهر قوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا. واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين: الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد: شعر : فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل تفسير : أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر. والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضاً في رجز له: شعر : لو أن حياً مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح تفسير : يعني مدرك البقاء، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع: شعر : لكل هم من الهوم سعه والمسى والصبح لا فلاح معه تفسير : أي لا بقاء معه، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما، فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة: حي على الفلاح.
الواحدي
تفسير : {قد أفلح المؤمنون} سعد المصدِّقون، ونالوا البقاء في الجنَّة. {الذين هم في صلاتهم خاشعون} ساكنون لا يرفعون ابصارهم عن مواضع سجودهم. {والذين هم عن اللغو معرضون} عن كلِّ ما لا يجمل في الشَّرع من قولٍ وفعلٍ. {والذين هم للزكاة فاعلون} للصَّدقة الواجبة مُؤَدُّون. {والذين هم لفروجهم حافظون} يحفظونها عن المعاصي. {إلاَّ على أزواجهم} من زوجاتهم {أو ما ملكت أيمانهم} من الإماء {فإنهم غير ملومين} لا يلامون في وطئهنَّ. {فمن ابتغى} طلب ما {وراء ذلك} بما بعد الزَّوجة والأَمَة {فأولئك هم العادون} المتعدُّون عن الحلال إلى الحرام.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تَحَقَّق الفلاح للمؤمنين بالله وبما جاءت به الرسل، وفازوا بأمانيهم. 2- الذين ضموا إلى إيمانهم العمل الصالح، فهم فى صلاتهم متوجهون إلى الله بقلوبهم، خائفون منه، متذللون له، يَحُسُّون بالخضوع المطلق له. 3- هم مؤثرون للجد، معرضون عمَّا لا خير فيه من قول وعمل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قد أفلح المؤمنون: أي فاز قطعاً بالنجاة من النار ودخول الجنة المؤمنون. في صلاتهم خاشعون: أي ساكنون متطامنون لا يتلفتون بعين ولا قلب وهم بين يدي ربهم. عن اللغو معرضون: اللغو كل ما لا رِضىً فيه لله من قول وعمل وتفكير، معرضون أي منصرفون عنه. للزكاة فاعلون: أي مؤدون. لفروجهم حافظون: أي صائنون لها عن النظر إليها لا يكشفونها وعن إتيان الفاحشة. أو ما ملكت أيمانهم: من الجواري والسَّراري إن وجدن. فمن ابتغى وراء ذلك: أي طلب ما دون زوجته وجاريته المملوكة شرعياً. فأولئك هم العادون: أي الظالمون المعتدون على حدود الشرع. راعون: أي حافظون لأماناتهم وعهودهم. الفردوس: أعلى درجة في الجنة في أعلى جنة. معنى الآيات: قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} يخبر تعالى وهو الصادق الوعد بفلاح المؤمنين وقد بين تعالى في آية آل عمران معنى الفلاح وهو الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة ووصف هؤلاء المؤمنين المفلحين بصفات من جمعها متصفاً بها فقد ثبت له الفلاح وأصبح من الوارثين الذين يرثون الفردوس يخلدون فيها وتلك الصفات هي: (1) الخشوع في الصلاة بأن يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه مع رقة قلب ودموع عين وهذه أكمل حالات الخشوع في الصلاة، ودونها أن يطمئن ولا يتلفت برأسه ولا بعينه ولا بقلبه في أكثرها. هذه الصفة تضمنها قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}. (2) إعراضهم عن اللغو وهو كل قول وعمل وفكر لم يكن فيه لله تعالى إذن به ولا رضى فيه ومعنى إعراضهم عنه: إنصرافهم عنه وعدم التفاتهم إليه، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ}. (3) فعلهم الزكاة أي أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم الناطقة كالمواشي والصامتة كالنقدين والحبوب والثمار، وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ}. (4) حفظ فروجهم من كشفها ومن وطء غير الزوج أو الجارية المملوكة بوجه شرعي وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} في إتيان أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ولكن اللوم والعقوبة على من طلب هذا المطلب من غير زوجه وجاريته {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي الظالمون المعتدون حيث تجاوزوا ما أحل الله لهم ما حرم عليهم. (5) مراعاة الأمانات والعهود بمعنى محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية حتى الغسل من الجنابة فإنه من الأمانة وعلى عهودهم وسائر عقودهم الخاصة والعامة فلا خيانة ولا نكث ولا خُلْف وقد تضمن هذا قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أي حافظون. (6) المحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها المحددة لها فلا يقدمونها ولا يؤخرونها مع المحافظة على شروطها من طهارة الخبث وطهارة الحدث وإتمام ركوعها وسجودها واستكمال أكثر سننها وآدابها وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. فهذه ست صفات إجمالاً وسبع صفات تفصيلاً فمن اتصف بها كمل إيمانه وصدق عليه اسم المؤمن وكان من المفلحين الوارثين للفردوس الأعلى جعلنا الله تعالى منهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الخشوع في الصلاة. 2- تحريم نكاح المتعة لأن المتمتع بها ليست زوجة لأنها لا ترث ولا تورث بخلاف الزوجة فإنها لها الربع والثمن، ولزوجها النصف والربع، لأن نكاح المتعة هو النكاح إلى أجل معين قد يكون شهراً أو أكثر أو أقل. 3- تحريم العادة السريّة وهي نكاح اليد وسحاق المرأة لأن ذلك ليس بنكاح زوجة ولا جارية مملوكة. 4- وجوب أداء الزكاة ووجوب حفظ الأمانات ووجوب الوفاء بالعهود ووجوب المحافظة على الصلوات. 5- تقرير حكم التوارث بين أهل الجنة وأهل النار فأهل الجنة يرثون منازل أهل النار وأهل النار يرثون منازل أهل الجنة اللهم اجعلنا من الوارثين الذين يرثون الفردوس.
القطان
تفسير : أفلح المؤمنون: ظفروا وفازوا. خاشعون: خاضعون، اقبلوا بقلوبهم على صلاتهم. اللغو: ما لا فائدة فيه من الكلام. الزكاة: اخراج شيء من المال. وأصل الزكاة: التزكية وطهارة النفس. او ما ملكت أيمانهم: من الجواري، وهذا لم يعد موجودا. فمن ابتغى وراء ذلك: فمن طلب غير. العادون: الذين يتجاوزون الحدود. راعون: حافظون. الفردوس: الجنة. في هذه الآيات الكريمة صورةٌ للمؤمن الحقيقي، وهو الذي يجمع هذه الخصالَ السبع الحميدة. لقد فاز المؤمنون الّذين هم خاضعون في صلاتهم مقبلين عليها بقلوبهم، والذين هم معرِضون عما لا يفيد من الكلام، والذين يؤدون الزكاة، ذلك الركن الاسلامي العظيم الذي يؤدي الى توثيق الروابط الاجتماعية بين المسلمين، واشعار كل فرد منهم بأنه مسئول عن أخيه ومجتمعه، والزكاة من اكبر الاهداف الاقتصادية التي تقضي على الفقر اينما حل. والذين يحافظون على أنفسِهم من أن تكونَ لهم علاقةٌ محرّمة بالنساء، اذ أن الزنا من الامور التي حرّمها الاسلام تحريماً قاطعا، لما فيه من الآثار الاجتماعية السيّئة التي لا يشك فيها عاقل، وما له من عواقب وخيمة من الناحية الصحية لما ينقله من الأمراض، وما يؤدي إليه من اختلاط الانساب. والله تعالى أباح لنا الزواج او مِلْكَ اليمين من الإماء فقال: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فلا مؤاخذة عليهم فيه. {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} فمن طلب ما بعد ذلك مما حرّم الله فهو متعدٍّ للحدود المشروعة، وبذلك يكون مؤاخَذاً ومذنباً يستحق العقاب. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} من صفات المؤمن مراعاةُ الأمانة وحفظُها وأداؤها، وحفظُ العهود التي بينه وبين الله، او بينه وبين الناس، فالمؤمنون لا يخونون الأماناتِ، ولا ينقضون العهود. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. وقد كرر ذِكر الصلاة والمحافظة عليها لما لها من أهمية في حياة المؤمنين، وذلك لتعظيم شأنها، وإشارةً إلى انها أَولى بالعناية فهي مصدر جميع الكمالات النفسية، إذ بها يستمدّ الانسان من الله روحاً عالية، وتكون له نوراً فياضا.... فمن خشع فيها وحافظ عليها كان جديراً بأن يتّصف بجميع الصفات السامية التي تقدمت. وقد افتتح الله هذه الصفاتِ الحميدةَ بالصلاة واختتمها بالصلاة، دلالةً على عظيم فضلها، وكبير مناقبها. وقد ورد في الحديث "حديث : اعلموا أن خير أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظ على الوضوءِ إلا مؤمن " تفسير : وماذا ينتظر من اتصف بهذه الصفات؟ ان من تحلّى بهذه الصفات يجازيه الله بالجنة. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. يتفضل الله عليهم بالفردوس، أعلى مكانٍ في الجنة، يتمتعون فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون. وتلك غاية الفلاح الذي كتبه الله للمؤمنين، وليس بعدَها من غاية تمتد إليها عينٌ او خيال. قراءات: قرأ ابن كثير وحده: لأمانتهم، والباقون: لأماناتهم بالجمع. وقرأ حمزة والكسائي: على صلاتهم، والباقون: على صلواتهم بالجمع.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - لَقَدْ فَازَ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وسَعِدُوا وَأَفْلَحُوا. الإِفْلاَحُ - الفَوْزُ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ سَعْيٍ واجْتِهَادٍ.
الثعلبي
تفسير : {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} قد حرف تأكيد، وقال المحققون: معنى قد تقريب بالماضي من الحال، فدلَّ على أنّ فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفلاح، والفلاح: النجاح والبقاء. أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر بقراءته عليَّ في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو عمرو المعتزّ بن محمد بن الفضل القاضي قال: حدَّثنا أحمد بن الحسين الفريابي قال: حدَّثنا عبد الرحيم بن حبيب البغدادي عن إسحاق بن تجيح الملطي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لمّا خلق الله سبحانه جنّة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،ثمَّ قال لها: تكلّمي، قالت: قد أفلح المؤمنون - ثلاثاً - ثمَّ قالت: أنا حرام على كلّ بخيل ومرائي ". تفسير : وقرأطلحة بن مصرف: قد أُفلح المؤمنون على المجهول، أي أُبقوا في الثواب. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} اختلف المفسّرون في معنى الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلاّء، الحسن وقتادة: خائفون. مقاتل: متواضعون على الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت. مجاهد: هو غضّ البصر وخفض الجناح وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرَّحْمن أن يمدّ بصره إلى شيء أو أن يحدّث نفسه بشيء من شأن الدنيا. عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود ولكنّه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. ابن سيرين وغيره: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. قالوا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يميناً ويساراً حتى نزلت هذه الآية، فجعلوا بعد ذلك وجوههم حيث يسجدون، وما رؤي بعد ذلك أحد منهم ينظر ألاّ إلى الأرض. ربيع: هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. أخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: حدَّثنا السراج قال: حدَّثنا محمد بن الصباح قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان قال: حدَّثنا إبراهيم الخوزي عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : انَّ العبد إذا قام إلى الصلاة فإنّه بين عينيّ الرَّحْمن عزّ وجلّ فإذا التفت قال له الربّ: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك منّي؟ ابن آدم أقبل إليَّ فأنا خيرٌ ممّن تلتفت إليه . تفسير : عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة، وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: حديث : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه . تفسير : وأخبرنا محمد بن أحمد بن عقيل القطان قال: أخبرنا صاحب بن أحمد بن ترحم بن سفيان قال: حدَّثنا أبو عبد الرَّحْمن بن نبيت المروزي عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن المبارك عن معمّر أنه سمع الزهري يحدّث عن أبي الاحوص عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الرحمة تواجهه فلا يحرّكن الحصى ". تفسير : ويقال: نظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوّجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث. خليد بن دعلج عن قتادة: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة. بعضهم: هو جمع الهمّة لها وإلاعراض عمّا سواها. أبو بكر الواسطي: هو الصلاة لله سبحانه على الخلوص من غير عوض. سمعت ابن الإمام يقول: سمعت ابن مقسم يقول: سمعت أبا الفضل جعفر بن أحمد الصيدلي يقول: سمعت ابن أبي الورد يقول: يحتاج المصلي إلى أربع خلال حتى يكون خاشعاً: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التمام، وجمع الهمّة. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} قال الحسن: عن المعاصي، ابن عباس: الحلف الكاذب، مقاتل: الشتم والأذى، غيرهم: ما لا يحمل من القول والفعل، وقيل: اللغو الفعل الذي لا فائدة فيه. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ} الواجبة {فَاعِلُونَ} مؤدّون، وهي فصيحة وقد جاءت في كلام العرب قال أُميّة بن أبي الصلت: شعر : المطعمون الطعام في السنة الأزمة والفاعلون للزكوات تفسير : { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} أي من أزواجهم، على بمعنى من {أَوْ مَا} في محل الخفض يعني أو من ما {مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} على إتيان نسائهم وإمائهم. {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} أي التمس وطلب سوى زوجته وملك يمينه {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} من الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} التي ائتمنوا عليها {وَعَهْدِهِمْ} وعقودهم التي عاقدوا الناس عليها {رَاعُونَ} حافظون وافون. وقرأ ابن كثير: لأمانتهم على الواحد لقوله: «وعهدهم». الباقون: بالجمع لقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}تفسير : [النساء: 58]. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} يداومون على فعلها ويراعون أوقاتها، فأمر بالمحافظة عليها كما أمر بالخشوع فيها لذلك كرّر ذكر الصلاة. {أُوْلَـٰئِكَ} أهل هذه الصفة {هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} يوم القيامة منازل أهل الجنة من الجنة. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما منكم من أحد إلاّ وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} . تفسير : وقال مجاهد: لكل واحد منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأمّا المؤمن فيبنى منزله الذي له في الجنة، ويهدم منزله الذي هو في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة، ويبنى منزله الذي في النار. وقال بعضهم: معنى الوراثة هو أنّه يؤول أمرهم إلى الجنة وينالونها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث. {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} أي البستان ذا الكرم، قال مجاهد: هي بالرومية، عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش، السدّي: هي البساتين عليها الحيطان بلسان الروم. وفي الحديث: حديث : إن حارثة بن سراقة قُتل يوم بدر فقالت أُمّه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنة لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في البكاء، فقال: "يا أُمّ حارثة إنّها جنان وإنّ ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنة" . تفسير : أخبرني أبو الحسن عبد الرَّحْمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن يونس بن إبراهيم بن النضر المقري قال: حدَّثنا العباس بن الفضل المقري قال: حدَّثنا أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: حدّثني عبد الله بن لهيعة الحضرمي قال: حدَّثنا عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله سبحانه {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} يعني قد سعد المصدّقون بتوحيد الله سبحانه، ثم نعتهم ووصف أعمالهم فقال عزَّ من قائل { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} يعني متواضعين لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من الخشوع لله {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} يعني الباطل والكذب {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} يعني الأموال كقوله سبحانه في الأعلى {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14] يعني من ماله {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} يعني عن الفواحش، ثم قال {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} يعني ولائدهم {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} لا يُلامون على جماع أزواجهم وولائدهم {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} فمن طلب الفواحش بعد الأزواج والولائد ما لم يحلّ {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} يعني المعتدين في دينهم {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} يعني ما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الناس {وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} يعني حافظين يؤدّون الأمانة ويوفون بالعهود {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} يعني يحافظون عليها في مواقيتها، ثمَّ أخبر بثوابهم فقال {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} ثمَّ بين مايرثون فقال {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} يعني الجنة بلسان الرومية {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يموتون فيها. أخبرنا محمد بن عقيل القطان قال: أخبرنا حاجب بن أحمد بن سفيان قال: حدَّثنا محمد بن حماد البيوردي قال: حدَّثنا عبد الرزاق قال: أخبرني يونس بن سليم قال أملى علىّ صاحب ايلة عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرَّحْمن بن عبد القاري قال: حديث : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يُسمع عند وجهه كدوىّ النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل ورفع يديه فقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ارض عنّا، ثمَّ قال: لقد أُنزل علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنّة، ثمَّ قرأ {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} عشر آيات" .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لما قال الحق - تبارك وتعالى - في الآية قبل السابقة من سورة الحج {أية : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الحج: 77] ولعلَّ تفيد الرجاء، أراد سبحانه أن يؤكد هنا على فلاح المؤمنين فقال: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] وأن الرجاء من الله واقع ومؤكد، لذلك جاء بأداة التحقيق {قَدْ} التي تفيد تحقُّق وقوع الفعل، وهكذا تنسجم بداية سورة (المؤمنون) مع نهاية سورة (الحج). وقوله تعالى هناك {أية : تُفْلِحُونَ} تفسير : [الحج: 77] وهنا {أَفْلَحَ} [المؤمنون: 1] مادة (فلح) مأخوذة من فلاحة الأرض، والفَلْح هو الشق؛ لذلك قالوا: إن الحديد بالحديد يفلح، وشَقُّ الأرض: إهاجتها وإثارتها بالحرث، وهذه العملية هي أساس الزرع، ومن هنا سُمِّي الزرع حَرْثاً في قوله سبحانه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} تفسير : [البقرة: 204-205]. ومعنى أفلح: فاز بأقصى ما تتطلع إليه النفس من خير. والأرض حين تحرثها تكون خالية ليس فيها شيء يُهْلَك، إذن: المراد بالحرث هنا الزرع الناتج عن عملية الحرث، والتي لا بُدَّ منها كي تتم عملية الزراعة؛ لأنك بالحرث تثير التربة ليتخللها الهواء، فيزيد من خصوبتها وصلاحها لاستقبال البذرة، وسبق أن تحدثنا عن عملية الإنبات، وكيف تتم، وأن النبات يتغذى على فَلْقتي البذرة إلى أن يصبح له جذر قوي يستطيع أن يمتصّ من التربة، فإن ألقيتَ البذرة في أرض صماء غير مثارة فإن الجذر يجد صعوبة في اختراق التربة والامتصاص منها. فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا صورة من واقعنا المشاهد، ويستعير من فلاحة الأرض ليعبر عن فلاح المؤمن وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة، فالفلاح يحرث أرضه ويسقيها ويرعاها فتعطيه الحبة بسبعمائة حبة، وهكذا سيكون الجزاء في الآخرة: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. فإذا كانت الأرض المخلوقة لله عز وجل تعطي كل هذا العطاء، فما بالك بعطاء مباشر من خالقك وخالق الأرض التي تعطيك؟ وكما أن الفلاح إذا تعب واجتهد زاد محصوله، كذلك المؤمن كلما تعب في العبادة واجتهد زاد ثوابه وتضاعف جزاؤه في الآخرة.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال نا شيبان عن جابر عن مجاهد، قال أَن الله ، عزل وجل غرس جنات عدن بيده. فلما تكاملت أُغلقت فهي تفتح في كل سحر. فينظر الله، عز وجل، إِليها فتقول: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [الآية: 1].
الصابوني
تفسير : اللغَة: {سُلاَلَةٍ} السُّلالة: الخلاصة مشتقة من السَّل وهو استخراج الشيء من الشيء، تقول: سللت الشَّعر من العجين، والسيف من الغمد قال أمية: شعر : خلق البريَّة من سلالة منتن وإِلى السُّلالة كلُّها ستعود تفسير : ويقال: الولد سلالة أبيه لأنه انسلَّ من ظهر أبيه {مَّكِينٍ} ثابت راسخ تقول: هذا شيء مكين أي متمكن في الثبوت والرسوخ {طَرَآئِقَ} جمع طريقة والمراد بالطرائق السماوات السبع سميت بذلك لكون بعضها فوق بعض، ومنه قولهم: طارق النعل إِذا جعل إحداهما على الأخرى {صِبْغٍ} الصبغ: الإِدام وأصله الصباغ وهو الذي يلون به الثوب قال الهروي: كل إِدامٍ يؤتدم به فهو صبغ {ٱلأَنْعَامِ} الحيوانات المأكولة "الإِبل، والبقر، والغنم". التفسِير: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فاز وسعد وحصل على البغية والمطلوب المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة، و {قَدْ} للتأكيد والتحقيق فكأنه يقول لقد تحقَّق ظفرهم ونجاحهم بسبب الإِيمان والعمل الصالح، ثم عدَّد تعالى مناقبهم فقال {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} قال ابن عباس: خاشعون: خائفون ساكنون أي هم خائفون متذللون في صلاتهم لجلال الله وعظمته لاستيلاء الهيبة على قلوبهم {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} أي عن الكذب والشتم والهزل قال ابن كثير: اللغو: الباطل وهو يشمل الشرك، والمعاصي، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} أي يؤدون زكاة أموالهم للفقراء والمساكين، طيبة بها نفوسهم طلباً لرضى الله {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} هذا هو الوصف الرابع أي عفَّوا عن الحرام وصانوا فروجهم عمَّا لا يحل من الزنا واللواط وكشف العورات {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي هم حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إِلا من زوجاتهم وإِمائهم المملوكات {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} أي فإنهم غير مؤاخذين {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} أي فمن طلب غير الزوجات والمملوكات {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي هم المعتدون المجاوزون الحدَّ في البغي والفساد {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أي قائمون عليها بحفظها وإِصلاحها، لا يخونون إِذا ائتمنوا، ولا ينقضون عهدهم إِذا عاهدوا قال أبو حيان: والظاهر عموم الأمانات فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قولٍ وفعلٍ واعتقاد، وما ائتمنه الإِنسان من الودائع والأمانات {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} هذا هو الوصف السادس أي يواظبون على الصلوات الخمس ويؤدونها في أوقاتها قال في التسهيل: فإِن قيل كيف كرّر ذكر الصلوات أولاً وآخراً؟ فالجواب أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولاً الخشوع فيها، وذكر هنا المحافظة عليها فهما مختلفان {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} أي أولئك الجامعون لهذه الأوصاف الجليلة هم الجديرون بوراثة جنة النعيم {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} أي الذين يرثون أعالي الجنة، التي تتفجر منها أنهار الجنة وفي الحديث "حديث : إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإِنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة" تفسير : {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي هم دائمون فيها لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حولاً.. ثم ذكر تعالى الأدلة والبراهين على قدرته ووحدانيته فقال {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} اللام جواب قسم أي والله لقد خلقنا جنس الإِنسان من صفوة وخلاصة استلت من الطين قال ابن عباس: هو آدم لأنه انسلَّ من الطين {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} أي ثم جعلنا ذرية آدم وبنيه منيّاً ينطف من أصلاب الرجال {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي في مستقر متمكن هو الرحم {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي ثم صيَّرنا هذه النطفة - وهي الماء الدافق - دماً جامداً يشبه العلقة {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم لا شكل فيها ولا تخطيط {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} أي صيَّرنا قطعة اللحم عظاماً صلبة لتكون عموداً للبدن {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} أي سترنا تلك العظام باللحم وجعلناه كالكسوة لها {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} أي ثم بعد تلك الأطوار نفخنا فيه الروح فصيرناه خلقاً آخر في أحسن تقويم قال الرازي: أي جعلناه خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث صار إِنساناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً وكان أكمه، وأودع كل عضو من أعضائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أي فتعالى الله في قدرته وحكمته أحسن الصانعين صنعاً {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي ثم إِنكم أيها الناس بعد تلك النشأة والحياة لصائرون إلى الموت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أي تبعثون من قبوركم للحساب والمجازاة، ولما ذكر تعالى الأطوار في خلق الإِنسان وبدايته ونهايته ذكر خلق السماوات والأرض وكلها أدلة ساطعة على وجود الله فقال {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} أي والله لقد خلقنا فوقكم سبع سماوات، سميت طرائق لأ ن بعضها فوق بعض {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} أي وما كنا مهملين أمر الخلق بل نحفظهم وندبر أمرهم {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} أي أنزلنا من السحاب القطر والمطر بحسب الحاجة، لا كثيراً فيفسد الأرض، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} أي جعلناه ثابتاً مستقراً في الأرض لتنتفعوا به وقت الحاجة {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} وعيدٌ وتهديدٌ أي ونحن قادرون على إِذهابه بالتغوير في الأرض فتهلكون عطشاً أنتم ومواشيكم قال ابن كثير: لو شئنا لجعلناه إِذا نزل يغور في الأرض إِلى مدى لا تصلون إِليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه تعالى ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذباً فراتاً، فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع فيها فيفتح العيون والأنهار، ويسقى الزروع والثمار، فتشربون منه أنتم ودوابكم وأنعامكم {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي فأخرجنا لكم بذلك الماء حدائق وبساتين فيها النخيل والأعناب {لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} أي لكم في هذه البساتين أنواع الفواكه والثمار تتفكهون بها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي ومن ثمر الجنات تأكلون صيفاً وشتاءً كالرطب والعنب والتمر والزبيب، وإِنما خصَّ النخيل والأعناب بالذكر لكثرة منافعهما فإِنهما يقومان مقام الطعام، ومقام الإِدام، ومقام الفواكه رطباً ويابساً وهما أكثر فواكه العرب {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} أي وممَّا أنشأنا لكم بالماء أيضاً شجرة الزيتون التي تخرج حول جبل الطور وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} أي تُنبت الدهن أي الزيت الذي فيه منافع عظيمة {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} أي وإِدام للآكلين سمي صبغاً لأنه يلون الخبز إذا غُمس فيه، جمع الله في هذه الشجرة بين الأُدم والدهن، وفي الحديث "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإِنه من شجرةٍ مباركة"تفسير : {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} أي وإن لكم أيها الناس فيما خلق لكم ربكم من الأنعام وهي "الإِبل والبقر والغنم" لعظةً بالغةً تعتبرون بها {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} أي نسقيكم من ألبانها من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} أي ولكم في هذه الأنعام منافع عديدة: تشربون من ألبانها، وتلبسون من أصوافها وتركبون ظهورها، وتحملون عليها الأحمال الثقال {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي وتأكلون لحومها كذلك {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أي وتحملون على الإِبل في البر كما تحملون على السُّفن في البحر، فإِنَّ الإِبل سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِخبار بصيغة الماضي لإِفادة الثبوت والتحقق {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} كما أنَّ {قَدْ} لإِفادة التحقيق أيضاً. 2- التفصيل بعد الإِجمال {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ..} الخ. 3- إِنزال غير المنكر منزلة المنكر {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} الناس لا ينكرون الموت ولكنَّ غفلتهم عنه وعدم استعدادهم له بالعمل الصالح يعدَّان من علامات الإنكار ولذلك نزلوا منزلة المنكرين وأُلقي الخبر مُؤكداً بمؤكدين "إٍنَّ واللام". 4- الاستعارة اللطيفة {سَبْعَ طَرَآئِقَ} شبهت السماوات السبع بطرائق النعل التي يجعل بعضها فوق بعض بطريق الاستعارة. 5- التهديد {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}. 6- السجع غير المتكلف {خَاشِعُونَ}، {حَافِظُونَ}، {عَادُونَ} وكذلك {طِينٍ}، {مَّكِينٍ}، {ٱلْخَالِقِينَ} وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: ذكر تعالى في هذه الآيات من قوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} إِلى قوله {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أربعة أنواع من دلائل قدرته تعالى، الأول: تقلب الإِنسان في أطوار الخلق وهي تسعة آخرها البعث بعد الموت، الثاني: خلق السماوات السبع، الثالث: إِنزال الماء من السماء، الرابع: منافع الحيوانات وذكر منها أربعة أنواع "الانتفاع بالألبان، وبالصوف، وباللحوم، وبالركوب". فَائِدَة: روى الإِمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حديث : كان إِذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ذات يوم ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تُؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا ثم قال: لقد أُنزل عليَّ عشر آيات من أقامهنَّ دخل الجنة ثم قرأ {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم العشر ".
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الآية، هذه السورة مكية بلا خلاف وفي الصحيح للحاكم عنه صلى الله عليه والسلم أنه قال: لقد أنزلت علي عشر آيات * ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهرة لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ}تفسير : [الحج: 77] الآية، وفيها لعلكم تفلحون، وذلك على سبيل الترجية فناسب ذلك قوله: قد أفلح المؤمنون اخبار بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح وقوله: أو ما ملكت أريد بما النوع كقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3] وهو مختص بالإِناث بإِجماع وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين وبين المملوكة وعمتها وخالتها خلاف ومعنى وراء ذلك وراء هذا الحد من الأزواج ومملوكات النساء وانتصابه على أنه مفعول بأبتغى أي خلاف ذلك ويشمل قوله وراء ذلك الزنا واللواط ومواقعة البهائم والجمهور على تحريم الاستمناء وكان أحمد بن حنبل يجيز ذلك لأنه فضلة في البدن فجاز إخراجها عند الحاجة كالفصد والحجامة وقد ذكر عن بعض العرب فعل ذلك وأنشد لهم فيه أبيات ذكر بعض ذلك في النوادر لأبي علي * والظاهر عموم الأمانات فيدخل فيها ما ائتمن تعالى عليه العبد من قول وفعل واعتقاد فيدخل في ذلك جميع الواجبات من الأفعال والتروك وما ائتمنه الإِنسان والخشوع والمحافظة متغايران بدأ أولاً بالخشوع وهو الجامع للمراقبة القلبية والتذلل بالأفعال البدنية وثني بالمحافظة وهي تأديتها في وقتها بشروطها من طهارة المصلي وملبوسه ومكانه وأداء أركانها على أحسن هيآتها ويكون ذلك دأبه في كل وقت. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الجامعون لهذه الأوصاف. {هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} الاحقاء أن يسموا وراثاً دون من عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله: {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} فجاء بفخامة وجزالة لإِرثهم لا تخفى على الناظر وتقدّم الكلام في الفردوس في آخر الكهف. {هُمْ فِيهَا} يدل على تأنيث الفردوس. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} لما ذكر تعالى أن المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة هم يرثون الفردوس فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على صحة النشأة الآخرة. {مِّن طِينٍ} قال ابن عباس: هو آدم لأنه أنسل من الطين. {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ} عائد على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر. {نُطْفَةً} هو المني. {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} هي الرحم وتقدم تفسير العلقة والمضغة. {عِظَاماً} دليل على أن المضغة تصير بنفسها عظاماً وقرىء: عظماً. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قال ابن عباس وجماعة: هو نفخ الروح فيه وقيل خروجه إلى الدنيا وتبارك فعل ماض لا يتصرف ومعناه تعالى وتقدّس. و{أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أفعل التفضيل والخلاف فيها إذا أضيفت إلى معرفة هل أضافتها محضة أم غير محضة أعربه بدلاً والإِشارة بقوله: بعد ذلك إلى هذا التطوير والإِنشاء خلقاً أي وانقضاء مدة حياتكم. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} ونبه تعالى على عظيم قدرته بالاختراع أولاً ثم بالاعدام ثم بالإِيجاد. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} لما ذكر ابتداء خلق الإِنسان وانتهاء أمره ذكره بنعمه وسبع طرائق قيل لها طرائق لتطارق بعضها فوق بعض يقال طارق النعل جعله على نعل وطارق بين ثوبين لبس أحدهما على الآخر. {فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ} أي جعلنا مقره في الأرض وعن ابن عباس أنزل الله من الجنة خمسة أنهار جيحون وسيحون ودجلة والفرات والنيل وفي قوله: فأسكناه دليل على أن مقر ما نزل من السماء هو في الأرض فمنه الأنهار والعيون والآبار وكما أنزله تعالى بقدرته هو قادر على ذهابه والباء في به للتعدية أي على إذهابه كان الفعل لازماً فصار بالباء متعدياً كما قال تعالى: {أية : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}تفسير : [البقرة: 20] أي لأذهب سمعهم ولما ذكر تعالى نعمة الماء ذكر ما ينشأ عنه فقال: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ} وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون كأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع ووصف النخل والعنب بقوله: لكم فيها إلى آخره لأن ثمرها جامع بين أمرين أحدهما أنه فاكهة يتفكه بها والآخر أنه طعام يؤكل رطباً ويابساً رطباً وتمراً وعنباً وزبيباً والزيتون فإِن دهنه صالح للاصطباح والاصطباغ جميعاً والضمير في ولكم عائد على الجنات وهو أعم لسائر الثمرات وعطف وشجرة على جنات وهي شجرة الزيتون وهي كبيرة بالشام * تخرج من طور سيناء الطور الجبل أضيف إلى سيناء والظاهر أنه علم اسم بقعة امتنع من الصرف للعلمية والتأنيث وقرىء: بفتح السين وكسرها وقرىء: {تَنبُتُ} بفتح التاء وضم الباء ويكون بالدهن حالاً أي ملتبسة بالدهن وقرىء: تنبت فالباء في بالدهن زائدة أي تنبت الدهن فيكون مفعولاً به. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ} تقدّم الكلام عليه في النحل. {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ} من الحمل والركوب والحرث والانتفاع بجلودها وأوبارها ونبه على أغزر فوائدها وألزمها وهو الشرب والأكل وأدرج باقي المنافع في قوله: ولكم فيها منافع كثيرة ثم ذكر ما يكاد يختص به بعض الأنعام وهو الحمل عليها وقرنها بالفلك لأنها سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر قال ذو الرمة: شعر : سفينة بر تحت خدي زمامها يريد صيدح ناقته الفلك تفسير : معطوف على قوله: وعليها أعيد معه حرف الجر. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} الآية لما ذكر أولاً بدأ الإِنسان وتطوره في تل الأطوار وما امتن به عليه مما جعله سبباً لحياتهم وإدراك مقاصدهم ذكر أمثالاً لكفار قريش من الأمم السالفة المنكرة لإِرسال الله تعالى رسلاً المكذبة بما جاءتهم به الأنبياء عن الله وابتدأ بقصة نوح صلى الله عليه وسلم لأنه أبو البشر الثاني كما ذكر أولاً آدم في قوله من سلالة من طين ولقصته أيضاً مناسبة بما قبلها إذ قبلها وعلى الفلك تحملون فذكر قصة من صنع الفلك أولاً وأنه كان سبب نجاة من آمن وهلك من لم يكن فيه فالفلك من نعمة الله كل هذه القصص يحذر بها قريشاً نقم الله تعالى ويذكرهم نعمه. {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله: {أية : وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس: 78] والإِشارة في بهذا إلى إفراد الله بألوهية وترك الأصنام. {بِهِ جِنَّةٌ} معلوم عندهم أنه ليس بمجنون. {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ} أي انتظروا حاله حين يتجلى أمره وعاقبة خبره فدعا ربه بأن ينصره ويظفره بهم بسبب ما كذبوه وتقدّم تفسير أكثر الألفاظ التي في هود ونهاه تعالى أن يخاطبه في قومه بدعاء نجاة أو غيره وبين النهي بأنه تعالى قد حكم عليهم بالإِغراق وأمره تعالى بأن يحمده على نجاته وهلاكهم فكان الأمر له وحده وان كان الشرط قد شمله ومن معه لأنه نبيهم وإمامهم وهم متبعوه في ذلك ثم أمره أن يدعوه بأن ينزله منزلاً مباركاً قيل: قال ذلك عند الركوب في السفينة وقيل: عند الخروج منها. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن في ما جرى على هذه أمة نوح لدلائل وعبرا. {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم أو لمختبرين بهذه الآيات عبادنا ليعتبروا كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}تفسير : [القمر: 15]. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} الآية، ذكر هذه القصة عقيب قصة قوم نوح فظهر أن هؤلاء هم قوم هود وهو قول الأكثرين. {بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي بلقاء الجزاء من الثواب والعقاب فيها. {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} أي بسطنا لهم الآمال والأرزاق ونعمناهم واحتملت هذه الجملة أن تكون معطوفة على صلة الذين وكان العطف مشعراً بعلية التكذيب والكفر أي الحامل لهم على ذلك كوننا نعمناهم وأحسنا إليهم وكان ينبغي أن يكون الأمر بخلاف ذلك وأن يقابلوا انعمنا بالإِيمان وتصديق من أرسلته إليهم وأن يكون جملة حالية أي وقد أترفناهم أي كذبوا في هذه الحال ويؤول هذا المعنى إلى المعنى الأول أي كذبوا في حال الإِحسان إليهم وكان ينبغي أن لا يكفروا وأن يشكروا النعمة بالإِيمان بي والتصديق لرسلي. {مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} تحقيق للبشرية وحكم بالتساوي بينه وبينهم وأن لا مزية له عليهم والظاهر أن ما موصولة في قوله مما تشربون وأن العائد محذوف تقديره مما تشربون منه فحذف منه لوجود من الداخلة على الموصول قال الزمخشري: إذن واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم أي تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم "انتهى" ليس إذن واقعاً في جزاء الشرط بل واقعاً بين انكم والخبر وانكم والخبر ليس جزاء للشرط بل ذلك جملة جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة ولو كانت إنكم والخبر جواباً للشرط لزمت الفاء في انكم بل لو كانت بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ واختلف المعربون في تخريج إنكم الثانية فالمنقول عن سيبويه أن انكم بدل من الأولى وفيها معنى التأكيد وخبر انكم الأولى محذوفة لدلالة خبر الثانية عليه تقديره انكم تبعثون إذا متم وهذا الخبر المحذوف هو العامل في إذا.
الجيلاني
تفسير : {قَدْ أَفْلَحَ} وفاز بمرتبة حق اليقين التي هي أعلى مراتب التوحيد، ومنتهى السلوك ومنقطع الطلب والعرفان {ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] الراسخون في اليقين العلمي، الجازمون الثابتون فيه بلا تزلزلٍ وتلوينٍ. {ٱلَّذِينَ هُمْ} من كمال رسوخهم وشدة تمكنهم وجزمهم {فِي صَلاَتِهِمْ} التي هي معراجهم للوصول إلى مرتبة الرضا والقبول {خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2] مخبتون متضرعون متحننون نح الحق عن ظهر القلب، وجميع الجوارح والأركان بلا تلعثم وعثور. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ} المشغل لهم عن التوجه نحو الحق {مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] منصرفون إعراضهم وانصرافهم عما تستكرهه نفوسهم وقلوبهم. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ} المطهرة لنفوسهم عن الميل نحو حطام الدينا ومتاعها الفانية {فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] تمريناً لنفوسهم على ترك الميل و الالتفات إليها. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ} التي هي مواريث بهيميتهم، وأقوى قوائم بشريتهم {حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] ناكثون عن مقتضاهها، راكنون عما أملها وتهويلها. {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من الإماء والسواري حفظاً لحكمة إبقاء النوع، ومصلحة التناسل {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمون: 6] على ذلك إن فعلوا بلا مبالغة مفرطة زائدة عن قدر الحاجة. {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} وطلب التجاوز والتعدي عن قدر الحاجة من الحلائل المذكورة {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء الخارجون عن مقتضى الحد الإلهي، والحكمة المتقنة {هُمُ ٱلْعَادُونَ} [المؤمنون: 7] المقصورون على التجاوز والعدوان لا يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح. {وَٱلَّذِينَ هُمْ} من كمال عدالتهم وقسطهم الفطري واعتدال أوصافهم وأخلاقهم الصورية والمعنوية {لأَمَانَاتِهِمْ} التي ائتمنوا عليها {وَعَهْدِهِمْ} الذي عهدوا به سواء كانت الأمنة والعهد لله أو لسائر عباده {رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] قائمون بحفظها مواظبون لرعاية حقها بلا فوت شيء من حقوقها ورعايتها. {وَٱلَّذِينَ} بالجملة المؤمنون المفلحون الفائزون بالعاقبة الحميدة التي هي مرتبة الكشف والشهود المعبر عند أرباب المحبة والولاء بالحق اليقين {هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ} المقربة لهم إلى ربهم، الفاصلة بين مرتبتي الناسوت واللاهوت {يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] أي: يداومون ويواظبون لأدائها بأوقاتها وبشرائطها وآدابها، مع ما ذكر من الأوصاف الجميلة المذكورة والأخلاق المرضية المشكورة، مخلصين فيها، مجتنبين عن الرياء والرعونة والعجب والسمعة. {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {هُمُ} الأولياء {ٱلْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10] عن الأنبياء والرسل وصفوة عباد الله وخيرتهم وهم: {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} الذي هو التحقق بمقام الكشف والشهود باستحقاقهم الذاي مع استرشادهم، واستفادتهم من الأنبياء والرسل الهادين المهديين المرشدين لهم إلى ما جبلوا لأجله لذلك {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11] متمكنون متقربون، لا يتحولون ولا يتبدلون.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2] يشير إلى أن الفلاح الحقيقي لا يحصل بمطلق الإيمان بل بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط التي هي مذكورة في الآية، ومعنى الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي: ظفروا بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوا به بعد أن فنوا فيه، ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] بالظاهر والباطن: أما الظاهر: فخشوع الرأس بانتكاسه، وخشوع العين بانغماصها عن الالتفات، وخشوع الأذن بالتذلل للاستماع، وخشوع اللسان للقراءة بالحضور، وخشوع اليدين وضع اليمين على الشمال بالتعظيم كالعبيد، وخشوع الظهر انحناؤه في الركوع مستوياً، وخشوع الفرج بنفي الخواطر الشهوانية، وخشوع القدمين بثباتهما عن الموضع وسكونهما عن الحركة. وأنا الباطن: فخشوع النفس سكونها عن الخواطر والهواجس، وخشوع القلب بملازمة الذكر ودوام الحضور، وخشوع السر بالمراقبة في ترك اللحظات إلى المكونات، وخشوع الروح استغراقه في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفة الجلال والجمال. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] واللغو كل فعل لا لله تعالى وكل قول من الله تعالى ورؤية غير الله، وكل ما يشغلك عن الله تعالى. وبقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] يشير إلى أن الزكاة إنما وجبت لتزكية النفس عن الصفات الذميمية النجسة من حب الدنيا وغيره، كقوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} تفسير : [التوبة: 103]، فإن الفلاح في تزكية النفس لقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14]، وقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9-10]، ولم يكن المراد من الزكاة مجرد إعطاء المال وحبه في القلب باقٍ، وإنما كان لمصلحة إزالة حب الدنيا عن القلب؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، فلا تحصل هذه المصلحة إلا بفعل الزكاة، وهو أن يفعل الزكاة وهو أن يفعل كل ما يزكي نفسه وقلبه عن حب الدنيا وجميع الصفات الذميمة إلى أن يتم إزالتها. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5-6] يعني يحفظون عن الدنيا التلذذ بالشهوات أي: ألا يكون أزواجهم وإماؤهم عدواً لهم بأن يشغلهم عن الله وطلبه، فحينئذ يلزمهم الحذر لقوله تعالى: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن: 14]، وإنما ذكر بلفظ على لاستيلائهم على أزواجهم لاستيلائهن عليهم وكانوا مالكين عليهن لا مملوكين لهن، {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] إذا كانت المناكحة لابتغاء النسل ورعاية السنة في أدائها. {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} [المؤمنون: 7] لاستيفاء الحظوظ، وإهمال الحقوق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} [المؤمنون: 7] [لأنهم تجاوزوا حد الكرام الكارمين، وتعدوا على الأكابر الصادقين، وخالفوا طريق الواصلين. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} [المؤمنون: 8] أي: الأمانة التي حملها الإنسان وهي الفيض الإلهي بلا واسطة في القبول، وذلك الذي يخص الإنسان بكرامة حمله وعهدهم وهو الذي عاهدهم الله يوم الميثاق على ألا يعبدوا إلا إياه لقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس: 61] راعون ألا يخونوا في الأمانة الظاهرة والباطنة، وألا يعبدوا غير الله، فإن أبغض ما عبد غير الله الهوى؛ لأن بالهوى عبد ما عبد من دون الله. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9]؛ لئلا يقع خلل في صورتهما ومعناها ولا يضيع عنهم الحضور في الصف الأول صورة ومعنى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون: 10-11] وهو أعلى مراتب القرب قد بقي ميراثاً عن الأموات قلوبهم، فورثه الذين كانوا أحياء القلوب {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى الأبد. ثم أخبر عن الإحسان في خلق الإنسان بقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] يُشير إلى أن سلالة سلة من جميع الأرض طينها وسبخها وسهلها وجبلها باختلاف ألونها وطبائعها المتفاوتة، ولهذا اختلف ألوانها وأخلاقهم لأنه موضوع في طبيعتهم ما هو من خواص الطين الذي يختص بخاصية منها نوع من الحيوان أي: من جنس البهائم والسباع والجوارح والحشرات والمؤذيات الغالبة على كل واحد منها صفة من الصفات الذميمة والحميدة. أما الذميمة: فكالحرص في الفأرة والنملة، وكالشهوة في الحمار والعصفور، وكالغضب في الفهد والأسد، وكالكبر في النمر، وكالبخل في الكلب، وكالشره في الخنزير، والحقد في الحية وغير ذلك من الصفات الذميمة. وأما المحمودة: كالشجاعة في الأسد، والسخاوة في الديك، والقناعة في البوم، وكالحلم في الجمل، وكالتواضع في الهرة، وكالوفاء في الكلب، وكالبكور في الغراب، وكالهمة في البازي والسلحفاة وغيرها من الصفات الحميدة، ثم أودعها في طينة الإنسان وهو آدم عليه السلام.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة أنهم { فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ }. والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها. { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، { مُعْرِضُونَ } رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه -إلا في الخير- كان مالكا لأمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: حديث : " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كف عليك هذا " تفسير : فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات. { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } أي مؤدون لزكاة أموالهم، على اختلاف أجناس الأموال، مزكين لأنفسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال التي تزكو النفس بتركها وتجنبها، فأحسنوا في عبادة الخالق، في الخشوع في الصلاة، وأحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة. { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } عن الزنا، ومن تمام حفظها تجنب ما يدعو إلى ذلك، كالنظر واللمس ونحوهما. فحفظوا فروجهم من كل أحد { إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } من الإماء المملوكات { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } بقربهما، لأن الله تعالى أحلهما. { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } غير الزوجة والسرية { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } الذين تعدوا ما أحل الله إلى ما حرمه، المتجرئون على محارم الله. وعموم هذه الآية، يدل على تحريم نكاح المتعة، فإنها ليست زوجة حقيقة مقصودا بقاؤها، ولا مملوكة، وتحريم نكاح المحلل لذلك. ويدل قوله { أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } أنه يشترط في حل المملوكة أن تكون كلها في ملكه، فلو كان له بعضها لم تحل، لأنها ليست مما ملكت يمينه، بل هي ملك له ولغيره، فكما أنه لا يجوز أن يشترك في المرأة الحرة زوجان، فلا يجوز أن يشترك في الأمة المملوكة سيدان. { وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } أي: مراعون لها، ضابطون، حافظون، حريصون على القيام بها وتنفيذها، وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله، والتي هي حق للعباد، قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ } تفسير : فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين {أية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } تفسير : وكذلك العهد، يشمل العهد الذي بينهم وبين ربهم والذي بينهم وبين العباد، وهي الالتزامات والعقود، التي يعقدها العبد، فعليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها ، { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } أي: يداومون عليها في أوقاتها وحدودها وأشراطها وأركانها، فمدحهم بالخشوع بالصلاة، وبالمحافظة عليها، لأنه لا يتم أمرهم إلا بالأمرين، فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع، أو على الخشوع من دون محافظة عليها، فإنه مذموم ناقص. { أُولَئِكَ } الموصوفون بتلك الصفات { هم الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } الذي هو أعلى الجنة ووسطها وأفضلها لأنهم حلوا من صفات الخير أعلاها وذروتها أو المراد بذلك جميع الجنة ليدخل بذلك عموم المؤمنين على درجاتهم و مراتبهم كل بحسب حاله { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يظعنون عنها ولا يبغون عنها حولا لاشتمالها على أكمل النعيم وأفضله وأتمه من غير مكدر ولا منغص. __________
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْمُؤْمِنُونَ} [1] 370 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، نا جعفرٌ، عن أبي عمران، نا يزيدُ بنُ بابنُوسَ قال: قُلنا لعائشة يا أُمَّ المُؤمنين: كيف كان خلقُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالت: كان خُلُقَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم القُرآنُ؛ فقرأتْ {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [1] حتَّى انتهتْ {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [9] قالت:/ هكذا كان خُلُقُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. 371 - أنا أحمدُ بنُ سُليمان، نا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيل، عن عبدِ الأعلى أنهُ سمع سعيد بن جُبيرٍ يُحدِّثُ عن ابن عباسٍ، قال: إنما كُره السَّمَرُ حتى نزلت هذهِ الآيةُ: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ} [67] فقال: {مُسْتَكْبِرِينَ} بالبيتِ يقولون: نحن أهلُهُ {سَامِراً} قال: كانوا: [يَتكَّبرون ويسمُرُونَ فيهِ] فلا يعمرونَهُ، يهجرونهُ. 372 - أنا محمدُ بن عقيلٍ، أنا عليُّ بن الحُسين، نا أبي، ناني يزيدُ عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ قال: جاءَ أبو سُفيان إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا مُحمدُ! أنشُدُكَ الله والرَّحم، فقد أكلنا الْعِلْهِز - يعني الوبر والدم - فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [76] 373 - أنا محمدُ بن جعفر بن مُحمدٍ، نا عليُّ بن المدينيِّ، نا بشارُ بن عيسى، عن عبد اللهِ بن المُبارك، قال: حدَّثني موسى ابن عُقبة، قال سمعتُ عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله {بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} [64-65] قال هُم أهلُ بدرٍ. 374 - قال حمزةُ بنُ محمدٍ: - نا محمدُ بن جعفر بن الإِمام قال: حدَّثني عليُّ بن المدِينِيِّ، بإسنادهِ مِثلَهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 1952- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: [الآية: 1]، قال: قال كعْبٌ: إنَّ الله لم يخلق بيده إلاّ ثلاثة: خلق آدم بيده، والتَّوْراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال للجنَّةِ تكلمي: فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} لما علمت فيها مِن كرامة الله لأهْلِها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):