Verse. 2680 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

فَمَنِ ابْتَغٰى وَرَاۗءَ ذٰلِكَ فَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْعٰدُوْنَ۝۷ۚ
Famani ibtagha waraa thalika faolaika humu alAAadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فمن ابتغى وراء ذلك» من الزوجات والسراري كالاستمناء باليد في إتيانهنَّ «فأولئك هم العادون» المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم.

7

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ } المستثنى. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} الكاملون في العدوان. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ } لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق. {رٰعُونَ } قائمون بحفظها وإصلاحها، وقرأ ابن كثير هنا وفي «المعارج» {لأمانتهم} على الإِفراد ولأمن الإِلباس أو لأنها في الأصل مصدر. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ } يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي، وليس ذلك تكريراً لما وصفهم به أولاً فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها. {أُوْلَـٰئِكَ} الجامعون لهذه الصفات. {هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } الأحقاء بأن يسموا وُرَّاثاً دون غيرهم. {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه. وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ} من خلاصة سلت من بين الكدر. {مِن طِينٍ} متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ {سُلَـٰلَةٍ } أو من بيانية أو بمعنى {سُلَـٰلَةٍ } لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى، والإِنسان آدم عليه الصلاة والسلام خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفاً بعد أدوار. وقيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته. {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ} ثم جعلنا نسله فحذف المضاف. {نُّطْفَةٍ} بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء. {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} مستقر حصين يعني الرحم، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار. {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء. {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } فصيرناها قطعة لحم. {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً } بأن صلبناها. {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة، وقرأ ابن عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، وقرىء بإفراد أحدهما وجمع الآخر. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً ءَاخَر} وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع، و {ثُمَّ } لما بين الخلقين من التفاوت، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر. {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ } فتعالى شأنه في قدرته وحكمته. {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} المقدرين تقديراً فحذف المميز لدلالة {ٱلْخَـٰلِقِينَ } عليه. {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ} لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرىء به. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ} للمحاسبة والمجازاة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ } من الزوجات والسراري كالاستمناء بيده {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } المتجاوزن إلى ما لا يحلّ لهم.

النسفي

تفسير : {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ } طلب قضاء شهوة من غير هذين {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } الكاملون في العدوان وفيه دليل تحريم المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ } {لأمانتهم} مكي وسهل. سمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً ومنه قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا }تفسير : [النساء: 58] وإنما تؤدى العيون لا المعاني والمراد به العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله عز وجل ومن جهة الخلق {رٰعُونَ } حافظون والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ } {صَلاَتِهِمْ } كوفي غير أبي بكر {يُحَافِظُونَ } يداومون في أوقاتها. وإعادة ذكر الصلاة لأنها أهم، ولأن الخشوع فيها غير المحافظة عليها، أو لأنها وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أية صلاة كانت، وجمعت آخراً ليفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل {أُوْلَـٰئِكَ } الجامعون لهذه الأوصاف {هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } الأحقاء بأن يسموا ورّاثاً دون من عداهم. ثم ترجم الوارثون بقوله {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ } من الكفار في الحديث «حديث : ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل الجنة ورث أهل النار منزله، وإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله» تفسير : {ٱلْفِرْدَوْسِ } هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. وقال قطرب: هو أعلى الجنان {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } أنث الفردوس بتأويل الجنة. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } أي آدم {مِن سُلَـٰلَةٍ } «من» للابتداء والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر. وقيل: إنما سمى التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سل من كل تربة {مِن طِينٍ } «من» للبيان كقوله {أية : مِنَ ٱلأوْثَـٰنِ}تفسير : [الحج: 30]

البقاعي

تفسير : ولما كان من لم يكتف بالحلال مكلفاً نفسه طلب ما يضره، سبب عن ذلك قوله معبراً بما يفهم العلاج: {فمن ابتغى} أي تطلب متعدياً {وراء ذلك} العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنى أو لواط أو استمناء يد أو بهيمة أو غيرها {فأولئك} البعيدون من الفلاح {هم العادون} أي المبالغون في تعدي الحدود، لما يورث ذلك من اختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وإيقاد الشر بين العباد. ولما كان ذلك من الأمانات العظيمة، أتبعه عمومها فقال: {والذين هم لأماناتهم} أي في الفروج وغيرها، سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة والصيام وغيرهما، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق، أو بينهم وبين خلق كالوادئع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها - قاله الرازي. ولما كان العهد أعظم أمانة، تلاها به تنبيهاً على عظمه فقال: {وعهدهم راعون*} أي الحافظون بالقيام والرعاية والإصلاح. ولما كانت الصلاة أجلّ ما عهد فيه من أمر الدين وآكد، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها، قال: {والذين هم على صلواتهم} التي وصفوا بالخشوع فيها {يحافظون*} أي يجددون تعهدها بغاية جدهم، لا يتركون شيئاً من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها، وحّدت في قراءة حمزة والكسائي للجنس، وجمعت عند الجماعة إشارة إلى أعدادها وأنواعها، ولا يخفى ما في افتتاح هذه الأوصاف واختتامها بالصلاة من التعظيم لها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ".تفسير : ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة، فخم جزاءهم فقال: {أولئك} أي البالغون من الإحسان أعلى مكان {هم} خاصة {الوارثون*} أي المستحقون لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون دار الله لقربهم منه واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها على قتلهم وضعفهم أعداءَنا الكفار على كثرتهم وقوتهم، فكانت العاقبة فيها لهم كما كتبنا في الزبور {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} {أية : لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} تفسير : [إبراهيم: 13، 14] {الذين يرثون الفردوس} التي هي أعلى الجنة، وهي في الأصل البستان العظيم الواسع، يجمع محاسن النبات والأشجار من العنب وما ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ضروباً من النبت: فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل وما كان أعد للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج أبويهم من الجنة {هم } خاصة {فيها} أي لا في غيرها {خالدون*} وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين، روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حديث : كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر"تفسير : - ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يُعرَف أحد رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير}تفسير : [الحج: 77] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين ما ورد الأول أمراً والثاني مدحه وتعريفاً بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله عن تفصيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولاً، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} - إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} وكأن قد قيل له: إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة. وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - والله أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى {أية : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} تفسير : [الحج: 5] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان - انتهى. ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها للبعث، استدل على القدرة عليه بابتداء الخلق للإنسان، ثم لما هو أكبر منه من الأكوان، وما فيهما من المنافع، فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين، وابتدأ بقصة نوح عليه الصلاة والسلام لأنه أول، ولأن نجاته كانت في الفلك المختوم به الآية التي قبله، وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة فيه لأن الكل من نسله، فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة بالاختيار، خوف العرب مثل ذلك العذاب، فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في الاستعطاف إلى الشكر بالنعم، بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك، ثم عاد إلى دلائل القدرة على البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى آخرها، ثم ذكر في أول التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج، فذكر حكم من لم يصن فرجه وأتبعه ما يناسبه من توابعه. ولما كان التقدير: فلقد حكمنا ببعث جميع العباد بعد الممات، فريقاً منهم إلى النعيم، وفريقاً إلى الجحيم، فإنا قادرون على الإعادة وإن تمزقتم وصرتم تراباً فإنه تراب له أصل في الحياة، كما قدرنا على البداءة فلقد خلقنا أباكم آدم من تراب الأرض قبل أن يكون للتراب أصل في الحياة، عطف عليه قوله، دلالة على هذا المقدر واستدلالاً على البعث مظهراً له في مقام العظمة، مؤكداً إقامة لهم بإنكارهم للبعث مقام المنكرين: {ولقد خلقنا الإنسان} أي هذا النوع الذي تشاهدونه آنساً بنفسه مسروراً بفعله وحسه {من سلالة} أي شيء قليل، بما تدل عليه الصيغة كالقلامة والقمامة، انتزعناه واستخلصناه برفق، فكان على نهاية الاعتدال، وهي طينة آدم عليه الصلاة السلام، سلّها - بما له من اللطف - {من طين*} أي جنس طين الأرض، روى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله خلق آدم عن قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك ".تفسير : ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه الطهورين، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط، لأن الخلق - كما مر عن الحرالي في أول البقرة: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين إنسان، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين: الماء الذي منه كل شيء حي، معبراً عنه بالجعل لأنه كما مر أيضاً إظهار أمر سبب وتصيير، وما هو من الطين مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له، وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جداً فقال: {ثم جعلناه} أي الطين أو هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف الوضع {نطفة} اي ماء دافقاً لا أثر للطين فيه {في قرار} أي من الصلب والترائب ثم الرحم، مصدر جعل اسماً للموضع {مكين*} أي مانع من الأشياء المفسدة.

القشيري

تفسير : أي مَنْ جَاوزَ قَصْدَ إيثار الحقوق، وجَنَحَ إلى جانب استيفاء الحظوظ.. فقد تَعَدَّى مَحَلَّ الأكابر، وخالف طريقتهم.

البقلي

تفسير : من افشى سر الحق عند غير اهله فقد تجاوز حد الله فيكون محجوبا عن الله بالله ومن لم يحافظ نفسه فى حركات شهواتها فليسقط فى هاوية الغفلة بغلبة الشهوة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فمن ابتغى} طلب: وبالفارسية [بس هركه جويد براى مباشرت] {وراء ذلك} الذى ذكر من الحد المتسع وهو اربع من الحرائر وما شاء من الاماء: وبالفارسية [غير زنان وكنيزان خود] {فاولئك هم العادون} الكاملون فى العدوان المتناهون فيه او المتعدون من الحلال الى الحرام والعدوان الاخلال بالعدالة والاعتداء مجاوزة الحق: وبالفارسية [كاملند درستكارى باايشان ودركذرندكانند از حلال بحرام وانكه استمنا بيدكندهم ازين قبل است] كما فى التفسير الفارسى، قال فى انوار المشارق فى الحديث "حديث : ومن لم يستطع"تفسير : اى التزوج {حديث : فعليه بالصوم}تفسير : استدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء لانه ارشد عند العجز عن التزوج الى ان الصوم الذى يقطع الشهوة جائز وفى رواية الخلاصة الصائم اذا عالج ذكره حتى امنى يجب عليه القضاء ولا كفارة عليه ولا يحل هذا الفعل خارج رمضان ان قصد تسكين شهوته وارجو ان لايكون عليه ويل، وفى بعض حواشى البخارى والاستمناء باليد حرام بالكتاب والسنة قال الله تعالى {أية : والذين هم لفروجهم حافظون}تفسير : الى قوله {فاولئك هم العادون} اى الظالمون المتجاوزون الحلال الى الحرام، قال البغوى فى الآية دليل على ان الاستمناء باليد حرام، قال ابن جريج سألت عطاء عنه فقال سمعت ان قوما يحشرون وايديهم حبالى واظنهم هؤلاء، وعن سعيد بن جبير عذب لله امة كانوا يعبثون بمذاكرهم والواجب على فاعله التعزير كما قال ابن الملقن وغيره نعم يباح عند ابى حنيفة واحمد اذا خاف على نفسه الفتنة وكذلك يباح الاستمناء بيد زوجته او جاريته لكن قال القاضى حسين مع الكراهة لانه فى معنى العزل، وفى التاتار خانية قال ابو حنيفة حسبه ان ينجو رأسا برأس.

الجنابذي

تفسير : {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} المذكور من الاسترسال على الازواج والمماليك {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} اى الظّالمون او المتجاوزون عن حدود الله.

اطفيش

تفسير : {فَمَنِ ابْتَغَى} مفعول محذوف اي شيئا {وَرَآءَ} خلف * {ذَلِك} اي سوى ذلك المذكور من الزوجات والسراري أو هو منزل منزلة اللازم اي فمن احدث ابتغاء * {فَأُولئِكَ} مراعاة لمعنى من واشارة البعد لبعد هؤلاء المبتغين عن ساحة الخير ولان ما انقضى ذكره بمنزلة البعيد * {هُم} لا يخفي ما فيه من التوكيد * {العَادُون} (أل) فيه للكمال أي الكاملون في العدوان وظلم انفسهم لانه ابيح لهم تزوج اربع حرائر وتسري ما شاء ومن الاماء ولو مائة أو الفا وفي العبارة حصر سواء جعلت (أل) للكمال أو غيره كان غيرهم غير عاد والعادي للمعادي والمجاوزة للحد الواسع ومتجاوزه ليستحق أفظع جزاء. ودخل في قوله: {وَرَآء ذَلِكَ} ناكح البهيمة والجماد وناكح يده ويبعث ويده حبلى كما قال ابن عباس وعطاء وينكل ولزمته الكفارة غليظة عند بعض وصغيرة عند بعض والتقرب بشيء عند بعض ولا يلزمه شيء عند بعض وعن سعيد بن جبير عذب الله امة يعبثون بمذاكرهم. وزعم بعض قومنا وشواذ المشارفة انه يجوز الاستمناء باليد لمن خاف الزنا ولم يجد ان يتزوج بدون ان يتمثل باحد. قال الامام احمد: يعزر ان لم يخف الزنا وفي الحديث "لعن الله ناكح يده" مع جملة الملعونين ومحل التحريم في غير يد الزوجة والامة والصحيح عدم الجواز فمن ابتلي بذلك فليصم. وان قلت: فما حكم نكاح المتعة وهو ان يتزوج لاجل بصداق؟ قلت: قال الشيخ عبد العزيز: نسخ نكاح المتعة عند الاكثر بآية الارث أو بالنهي وقد فعل بالجاهلية وأول الاسلام وهو تزوج امرأة بولي وشهود وصداق معلوم لاجل مسمى فاذا تم خرجت بلا طلاق وان اتفقا على زيادة الرجل في الصداق والمرأة في الاجل فعلا بولي وشهود ولا يتوارثان ان مات احدهما قبل الاجل وجوزه من يراه غير منسوخ بل أوجبه.

اطفيش

تفسير : {فَمَن ابتَغى وراء ذلك} الخ عطف على الجملة قبله، ووراء خارج عن الظرفية مفعول به أى من طلب غير ذلك، أو مخالف ذلك، أو ظرف نعت لمفعول محذوف، أى آمراً ثابتا وراء ذلك {فأولئك} البعداء لابتغائهم {هُم العَادُونَ} الكاملون فى مجاوزة الحد، حتى كأنه لا عادى إلا هو، وذلك مبالغة بالحصر، وقد علمت عقاب من جاوزه، ودخل فى ذلك من يمس فرجه من ذكر أو أنثى تلذذاً، أو يراه تلذذاً، أو يحكه إلى شىء، ونكاح المتعة بعد نسخة، وتسرى المرأة عبدها، وقد فعلته امرأة وشدد عليها عمر، وزاح عنها الحد، لأنها تأولت بتسرى الرجل سريته، ودخل فى ذلك تزوج القادر على الحرة أمة، وغير القادر أمتين، إلا إن لم تكفه الواحدة، ودخل فى ذلك أن يهب الرجل لأحد فرج أمته بلا تمليك، ودخل الوطء قبل العدة أو الاستبراء والزنى، والوطء فى الدبر.

الالوسي

تفسير : {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِك} أي المذكور من الحد المتسع وهو أربع من الحرائر وما شاء من الإماء، وانتصاب {وَرَاء} على أنه مفعول {أَبْتَغِى} أي خلاف ذلك وهو الذي ذهب إليه أبو حيان، وقال بعض المحققين: إن {وَرَاء} ظرف لا يصلح أن يكون مفعولاً به وإنما هو ساد مسد المفعول به، ولذا قال الزمخشري: أي فمن أحدث ابتغاء وراء ذلك {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} الكاملون في العدوان المتناهون فيه كما يشير إليه الإشارة والتعريف وتوسيط الضمير المفيد لجعلهم جنس العادين أو جميعهم، وفي الآية رعاية لفظ {مِنْ} ومعناها ويدخل فيما {وَرَاء ذٰلِك} الزنا واللواط ومواقعة البهائم وهذا مما لا خلاف فيه. واختلف في وطء جارية أبيح له وطؤها فقال الجمهور: هو داخل فيما وراء ذلك أيضاً فيحرم وهو قول الحسن وابن سيرين وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن أبـي شيبة وعبد الرزاق عنه أنه سئل عن امرأة أحلت جاريتها لزوجها فقال: لا يحل لك أن تطأ فرجاً أي غير فرج زوجتك إلا فرجاً إن شئت بعت وإن شئت وهبت وإن شئت أعتقت، وعن ابن عباس أنه غير داخل فلا يحرم، فقد أخرج عبد الرزاق عنه رضي الله تعالى عنه قال: إذا أحلت امرأة الرجل أو ابنته أو أخته له جاريتها فليصبها وهي لها وهو قول طاوس، أخرج عنه عبد الرزاق أيضاً أنه قال: هو أحل من الطعام فإن ولدت فولدها للذي أحلت له وهي لسيدها الأول، وأخرج عن عطاء أنه قال: كان يفعل ذلك يحل الرجل وليدته لغلامه وابنه وأخيه وأبيه والمرأة لزوجها وقد بلغني أن الرجل يرسل وليدته لصديقه وإلى هذا ذهبت الشيعة، والآية ظاهرة في رده لظهور أن المعارة للجماع ليست بزوجة ولا مملوكة وكذا قوله تعالى: { أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 3] فإن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر خصوصاً إذا كان المقام مقتضياً لذكر جميع ما لا يجب العدل فيه، وفي عدم وجوب العدل تكون العارية أقدم من الكل إذ لا يجب فيها إلا تحمل منة مالك الفرج فقط وكذا قوله سبحانه: { أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 25] ـ إلى قوله تعالى ـ: { أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [النساء: 25] فإنه لو جازت العارية لما كان خوف العنت والحاجة إلى نكاح الإماء وإلى الصبر على ترك نكاحهن متحققاً، ونحوه قوله سبحانه: { أية : وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النور: 33] فإنه لو كانت العارية جائزة لم يؤمر الذين لا يجدون نكاحاً بالاستعفاف، ولعل الرواية السابقة عن ابن عباس غير صحيحة. وكذا اختلف في المتعة فذهبت الشيعة أيضاً / إلى جوازها، ويرد عليهم بما ذكرنا من الآيات الظاهرة في تحريم العارية، وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في «ناسخه» عن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي محرمة في كتاب الله تعالى وتلا: { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ } تفسير : [المؤمنون: 5] الآية وقرر وجه دلالة الآية على ذلك أن المستمتع بها ليست ملك اليمين ولا زوجة فوجب أن لا تحل له أما أنها ليست ملك اليمين فظاهر وأما أنها ليست زوجة له فلأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة لحصل التوارث لقوله تعالى: { أية : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } تفسير : [النساء: 12] وتعقبه في «الكشف» بأن لهم أن يقولوا: إنها زوجة يكشف الموت عن بينونتها قبيله كما أنها تبين بانقضاء الأجل قضاءً لحق التعليق والتأجيل، وحاصله منع استفسار في الملازمة إن أريد لو كانت زوجة حال الحياة لم يفد وإن أريد بعد الموت فالملازمة ممنوعة فإن قيل: لا تبين بالموت كالنكاح المؤبد. أجيب بأنه قياس في عين ما افترق النكاحان به وهو فاسد بالإجماع. وتعقب هذا شيخ الإسلام لخفاء معناه عليه بأنه ليس للترديد معنى محصل ولو قيل: إن أريد لو كانت زوجة حال الحياة فالملازمة ممنوعة وإن أريد بعد الموت لم يفد لكان له وجه، وقال هو في رد الاستدلال: لهم أن يقولوا إنها زوجة له في الجملة وأما إن كل زوجة ترث فهم لا يسلمونه. وقال بعضهم: الحق أن الآية دليل على الشيعة فإن ظاهر كلامهم أنها ليست بزوجة أصلاً حيث ينفون عنها لوازم الزوجية بالكلية من العدة والطلاق والإيلاء والظهار وحصول الإحصان وإمكان اللعان والنفقة والكسوة والتوارث ويقولون بجواز جمع ما شاء بالمتعة ولا شك أن نفي اللازم دليل نفي الملزوم. وتعقب بأن هذا حق لو سلم أنهم ينفون اللوازم كلها لكنه لا يسلم، ونفي بعض اللوازم لا يكفي في الرد عليهم إذا قالوا: إن الزوجية قسمان كاملة وغير كاملة إذ بنفي ذلك البعض إنما ينتفي القسم الأول وهو لا يضرهم. وقيل: الذي يقتضيه الإنصاف أن الآية ظاهرة في تحريم المتعة فإن المستمتع بها لا يقال لها زوجة في العرف ولا يقصد منها ما هو السر في مشروعية النكاح من التوالد والتناسل لبقاء النوع بل مجرد قضاء الوطر وتسكين دغدغة المني ونحو ذلك، وزعم أنه يتم الاستدلال بالآية بهذا الطرز على التحريم سواء نفيت اللوازم أم لم تنف كما هو مذهب بعض القائلين بالحل كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. ولعل الأقرب إلى الإنصاف أن يقال: متى قيل بنفي اللوازم من حصول الإحصان وحرمة الزيادة على الأربع ونحو ذلك كانت الآية دليلاً على الحرمة لأن المتبادر من الزوجية فيها الزوجية التي يلزمها مثل ذلك وهو كاف في الاستدلال على مثل هذا المطلب الفرعي، ومتى لم يقل بنفي اللوازم ولم يفرق بينها وبين النكاح المؤبد إلا بالتوقيت وعدمه لم تكن الآية دليلاً على التحريم. هذا ولي هٰهنا بحث لم أر من تعرض له وهو أنه قد ذكر في «الصحيحين» أن النبـي صلى الله عليه وسلم حرم المتعة يوم خيبر، وفي «صحيح مسلم» أنه عليه الصلاة والسلام حرمها يوم الفتح، ووفق ابن الهمام بأنها حرمت مرتين مرة يوم خيبر ومرة يوم الفتح وذلك يقتضي أنها كانت حلالاً قبل هذين اليومين، وقد سمعت آنفاً ما يدل على أن هذه الآية مكية بالاتفاق فإذا كانت دالة على التحريم كما سمعت عن القاسم بن محمد وروى مثله ابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها لزم أن تكون محرمة بمكة يوم نزلت الآية وهو قبل هذين اليومين فتكون قد حرمت ثلاث مرات ولم أر أحداً صرح بذلك، وإذا التزمناه يبقى شيء آخر وهو عدم تمامية الاستدلال بها وحدها على تحريم المتعة لمن يعلم أنها أحلت بعد نزولها كما لا يخفى، لا يقال: ((إن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة، الأول: أن المكي ما نزل قبل الهجرة / والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بالمدينة أم بمكة عام الفتح أم عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار، الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة وعلى هذا تثبت الواسطة فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكي ولا مدني الثالث: أن المكي ما وقع خطاباً لأهل مكة والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة))، وحينئذ يمكن أن تكون هذه الآية مكية بالاصطلاح الثاني وتكون نازلة يوم الفتح يوم حرمت المتعة في المرة الثانية ولا يكون التحريم إلا مرتين ويكون استدلال من استدلوا بها من الصحابة والتابعين وغيرهم على التحريم وإن علموا أن المتعة أحلت بعد الهجرة في بعض الغزوات مما لا غبار عليه، وإذا التزم هذا الاصطلاح في مكية جميع السورة المجمع عليها حسبما سمعت عن «البحر» ينحل إشكال حمل الزكاة على الزكاة الشرعية مع فرضيتها بالمدينة بأن يقال: إن أوائل السورة نزلت بعد فرضية الزكاة في المدينة عام الفتح في مكة لأنا نقول: لا شبهة في أنه يمكن كون الآية مكية بالاصطلاح الثاني وكونها نازلة يوم الفتح وكذلك يمكن كون كل السورة أو أغلبها مكياً بذلك الإصطلاح وكل ما بني على ذلك صحيح بناء عليه إلا أن المتبادر من المكي والمدني المعنى المصطلح عليه أولاً لأن الإصطلاح الأول أشهر الاصطلاحات الثلاثة كما قاله الجلال السيوطي في «الاتقان». فالظاهر من قولهم: إن هذه السورة مكية أنها نزلت قبل الهجرة بل قد صرح الجلال المذكور بأنها إلا ما استثني منها مما سمعته مكية على الاصطلاح الأول دون الثاني ولا يجزم مثله بذلك إلا عن وقوف فما ذكر مجرد تجويز أمر لا يساعد على ثبوته صريح نقل بل النقل الصريح مساعد على خلافه وهو المرجع فيما نحن فيه. فقد قال القاضي أبو بكر في «الانتصار»: إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، وكونهما قد يعرفان بالقياس على ما ذكره الجعبري وغيره مع عدم جدواه ليس بشيء، نعم إذا جعل استدلال الصحابـي أو التابعي المطلع على إباحة المتعة بعد الهجرة بها قولاً باستثنائها عن أخواتها من آيات السورة وحكماً عليها بنزولها بعد الهجرة دونهن فالأمر واضح، وستطلع أيضاً إن شاء الله تعالى على ما يوجب استثناء غير ذلك، وبالجملة متى قيل المدار في أمثال هذه المقامات صريح النقل تعين القول بأن الآية مكية بمعنى أنها نزلت قبل الهجرة. وأشكل الاستدلال بها على تحريم المتعة بعد تحليلها بعد الهجرة لكون دليل التحليل مخصصاً لعمومها، ومذهب الأئمة الأربعة جواز تخصيص عموم القرآن بالسنة مطلقاً وهو المختار ويحتاج حينئذ إلى دليل غيرها على التحريم، وبعد ثبوت الدليل تكون هي دليلاً آخر بمعونته وهذا الدليل الأخبار الصحيحة من تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وقد تقدم بعضها. وفي «صحيح مسلم» عنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وقد حرم الله تعالى ذلك إلى يوم القيامة »تفسير : . وأخرج الحازمي بسنده إلى جابر قال: « حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا [منهن] وهن يظعن في رحالنا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهن وقال: من هؤلاء النسوة؟ فقلنا: يا رسول الله نسوة تمتعنا منهن فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه وتمعر وجهه وقام فينا خطيباً فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم نهى عن المتعة فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء ولم نعد ولا نعود إليها أبداً »تفسير : . وقد روى تحريمها عنه عليه الصلاة والسلام أيضاً علي كرم الله تعالى وجهه وجاء ذلك في «صحيح مسلم» ووقع على ما قيل إجماع الصحابة على أنها حرام / وصح عند بعض رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى القول بالحرمة بعد قوله بحلها مطلقاً أو وقت الاضطرار إليها، واستدل ابن الهمام على رجوعه بما رواه الترمذي عنه أنه قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلد ليس له بها معرفة فيتزوج [المرأة] بقدر ما يرى أنه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى إذا نزلت الآية { أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تفسير : [المؤمنون: 6] قال ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام، ولا أدري ما عنى بأول الإسلام فإن عنى ما كان في مكة قبل الهجرة أفاد الخبر أنها كانت تفعل قبل إلى أن نزلت الآية فإن كان نزولها قبل الهجرة فلا إشكال في الاستدلال بها على الحرمة لو لم يكن بعد نزولها إباحة لكنه قد كان ذلك، وإن عنى ما كان بعد الهجرة أوائلها وأنها كانت مباحة إذ ذاك إلى أن نزلت الآية كان ذلك قولاً بنزول الآية بعد الهجرة وهو خلاف ما روي عنه من أن السورة مكية المتبادر منه الاصطلاح الأول ولعله يلتزم ذلك؛ ويقال: إن استدلاله بالآية قول باستثنائها كما مر آنفاً أو يقال: إن هذا الخبر لم يصح، ويؤيد هذا قول العلامة ابن حجر: إن حكاية الرجوع عن ابن عباس لم تصح بل صح كما قال بعضهم عن جمع أنهم وافقوه في الحل لكن خالفوه فقالوا: لا يترتب على ذلك أحكام النكاح، وبهذا نازع الزركشي في حكاية الإجماع فقال: الخلاف محقق وإن ادعى جمع نفيه انتهى. ويفهم منه أن ابن عباس يدخل المستمتع بها في الأزواج وحينئذ لا تقوم الآية دليلاً عليه فتدبر. ونسب القول بجواز المتعة إلى مالك رضي الله تعالى عنه وهو افتراء عليه بل هو كغيره من الأئمة قائل بحرمتها بل قيل إنه زيادة على القول بالحرمة يوجب الحد على المستمتع ولم يوجبه غيره من القائلين بالحرمة لمكان الشبهة. وكذا اختلف في استمناء الرجل بيده ويسمى الخضخضة وجلد عميرة، فجمهور الأئمة على تحريمه وهو عندهم داخل فيما {وَرَاء ذٰلِك}، وكان أحمد بن حنبل يجيزه لأن المني فضلة في البدن فجاز إخراجها عند الحاجة كالفصد والحجامة، وقال ابن الهمام: يحرم فإن غلبته الشهوة ففعل إرادة تسكينها به فالرجاء أن لا يعاقب. ومن الناس من منع دخوله فيما ذكر ففي «البحر» ((كان قد جرى لي في ذلك كلام مع قاضي القضاة أبـي الفتح محمد بن علي بن مطيع القشيري بن دقيق العيد فاستدل على منع ذلك بهذه الآية فقلت: إن ذلك خرج مخرج ما كانت العرب تفعله من الزنا والتفاخر به في أشعارها وكان ذلك كثيراً فيهم بحيث كان في بغاياهم صاحبات رايات ولم يكونوا ينكرون ذلك وأما جلد عميرة فلم يكن معهوداً فيهم ولا ذكره أحد منهم في شعر فيما علمناه فليس بمندرج فيما وراء ذلك)) انتهى، وأنت تعلم أنه إذا ثبت أن جلد عميرة كناية عن الاستمناء باليد عند العرب كما هو ظاهر عبارة «القاموس» فالظاهر أن هذا الفعل كان موجوداً فيما بينهم وإن لم يكن كثيراً شائعاً كالزنا فمتى كان ذلك من أفراد العام لم يتوقف اندراجه تحته على شيوعه كسائر أفراده. وفي «الإحكام» إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص مثلاً فورد خطاب عام بتحريم الطعام نحو حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام على وجه يدخل فيه المعتاد وغيره وإن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون غيره خلافاً لأبـي حنيفة عليه الرحمة وذلك لأن الحجة إنما هي في اللفظ الوارد وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه ولا ارتباط له بالعوائد وهو حاكم على العوائد فلا تكون العوائد حاكمة عليه، نعم لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام كما خصصت الدابة بذوات القوائم الأربع لكان لفظ الطعام منزلاً عليه دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب على ما هو المفهوم لهم من لغتهم. / والفرق أن العادة أولاً إنما هي مطردة في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص فلا تكون قاضية على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام، وثانياً هي مطردة في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص فتكون قاضية على الاستعمال الأصلي اهـ، ومنه يعلم أن الاستمناء باليد إن كان قد جرت عادة العرب على إطلاق ما وراء ذلك عليه وجرت على إطلاقه على ما عداه من الزنا ونحوه لم يدخل ذلك الفعل في العموم عند الجمهور. ومن الناس من استدل على تحريمه بشيء آخر نحو ما ذكره المشايخ من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ناكح اليد ملعون » تفسير : وعن سعيد بن جبير عذب الله تعالى أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم، وعن عطاء سمعت قوماً يحشرون وأيديهم حبالى وأظن أنهم الذين يستمنون بأيديهم والله تعالى أعلم، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله. ولا يخفى أن كل ما يدخل في العموم تفيد الآية حرمة فعله على أبلغ وجه؛ ونظير ذلك إفادة قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 32] حرمة فعل الزنا فافهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} (7) - فَمَنْ تَجَاوَزَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الحَرَامِ، فَهْوَ مِنَ المُعْتَدِينَ، المُتَجَاوِزِينَ حُدُودَ مَا شَرَعَ اللهُ. العادُونَ - المُعْتَدُونَ المُتَجَاوِزُونَ الحَلاَلَ إِلَى الحَرَامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱبْتَغَىٰ}: طلب، {وَرَآءَ ذٰلِكَ}: غير ما ذكرناه من الأزواج ومِلْك اليمين. وسبق أن ذكرنا أن كلمة {وَرَآءَ} استُعمْلت في القرآن لمعَان عدة، فهي هنا بمعنى غير الأزواج ومِلْك اليمين. ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه: {أية : .. وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] يعني: حرَّمْت عليكم كذا وكذا، وأحلَلْتُ لكم غير ما ذُكِر. وتُستعمل وراء بمعنى بَعْد؛ لأن الغيرية قد تتحد في الزمن، فيوجد الاثنان في وقت واحد، أمّا البعدية فزمنها مختلف، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] يعني: من بعده؛ لأن الزمن مختلف. وتأتي وراء بمعنى: خلف، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 187] يعني: جعلوه خلف ظهورهم. وتأتي وراء أيضاً بمعنى أمام، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79] ومعلوم أن الملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة تمرُّ به فيأخذها غَصْباً. وقوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ..} تفسير : [ابراهيم: 16] وجهنم أمامه، وستأتي فيما بعد، ولم تَمْضِ فتكون خلفه. ومعنى: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ..} [المؤمنون: 7] أي: المعتدون المتجاوزون لما شُرع لهم، وربنا - تبارك وتعالى - حينما يُحذِّرنا من التعدي يُفرِّق بين التعدي في الأوامر، والتعدي في النواهي، فإنْ كان في الأوامر يقول: {أية : فَلاَ تَعْتَدُوهَا} تفسير : [البقرة: 229]. وإن كان في النواهي يقول: {أية : فَلاَ تَقْرَبُوهَا}تفسير : [البقرة: 187]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ ...}.