٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } هو جنة أعلى الجنان {هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ } في ذلك إشارة إلى المعاد ويناسبه ذكر المبدأ بعده.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْفِرْدَوْسَ} اسم للجنة "ح" أو أعلى الجنان، أو جبل الجنة الذي تنفجر منه أنهارها، أو البستان رومي عُرِّب، قاله الزجاج. أو عربي وهو الكرم.
الخازن
تفسير : {الذين يرثون الفردوس} هو أعلى الجنة. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنّ في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس"تفسير : أخرجه الترمذي {هم فيها خالدون} أي لا يخرجون منها ولايموتون. قوله عزّ وجلّ {ولقد خلقنا الإنسان} يعني ولد آدم الإنسان اسم جنس {من سلالة من طين} قال ابن عباس السلالة صفوة الماء وقيل هي المني لأن النطفة تسل من الظهر من طين يعني طين آدم لأن السلالة تولدت من طين خلق منه آدم وقيل: المراد من الإنسان هو آدم، وقوله من سلالة أي سل من كل تربة {ثم جعلناه نطفة} يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة {في قرار مكين} أي حريز وهو الرحم وسمي مكيناً لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة {ثم خلقنا النطفة علقة} أي صيرنا النطفة قطعة دم جامد {فخلقنا العلقة مضغة} أي جعلنا الدم الجامد قطعة لحم صغيرة {فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً} وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة له. قيل إن بين كل خلق وخلق أربعين يوماً {ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي مبايناً للخلق الأول قال ابن عباس: هو نفخ الروح فيه وقيل جعله حيواناً بعد ما كان جماداً وناطقاً بعدما كان أبكم وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره عجائب صنعه وغرائب فطره وعن ابن عباس قال: إن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها {فتبارك الله} أي استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال {أحسن الخالقين} أي المصورين والمقدرين. فإن قلت كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى {أية : الله خالق كل شيء}تفسير : [الزمر: 62] وقوله {أية : هل من خالق غير الله؟}تفسير : [فاطر: 3]. قلت الخلق له معان: منها الإيجاد والإبداع ولا موجد ولا مبدع إلاّ الله تعالى. ومنها التقدير كما قال الشاعر: شعر : ولأنت تفري ماخلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : معناه أنت تقدّر الأمور وتقطعها وغيرك لا يفعل ذلك فعلى هذا يكون معنى الآية الله أحسن المقدرين. وجواب آخر وهو أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام خلق طيراً وسمّى نفسه خالقاً بقوله {أية : أَني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير}تفسير : [آل عمران: 49] فقال {تبارك الله أحسن الخالقين} {ثم إنكم بعد ذلك} أي بعد ما ذكر من تمام الخلق {لميتون} أي عند انقضاء آجالكم {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} أي للحساب والجزاء. قوله عزّ وجلّ {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} يعني سبع سموات طرائق لأن بعضها فوق بعض وقيل لأنها طرائق الملائكة في الصعود والهبوط {وما كنا عن الخلق غافلين} يعني بل كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. وقيل معناه بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. وقيل ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي وقيل معناه إنما خلقنا السماء فوقهم لتنزل عليهم الأرزاق والبركات منها. وقيل معناه و ما كنا عن الخلق غافلين أي عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم لا تخفى علينا خافية {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} أي يعلمه الله من حاجتهم إليه وقيل بقدر ما يكفيهم لمعايشهم في الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة {فأسكناه في الأرض} يعني ما يبقى في الغدران والمستنقعات مما ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل أسكناه في الأرض ثم أخرجناه منها ينابيع كالعيون والآبار فكل ماء في الأرض من السماء {وإنّا على ذهاب به لقادرون} وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة"تفسير : أخرجه مسلم. وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله عزّ وجلّ من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس فذلك قوله {وأنزلنا من السماء ماء بدر فأسكناه في الأرض} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عزّ وجلّ جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى {وإنا على ذهاب به لقادرون} فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا"تفسير : وروى هذا الحديث البغوي في تفسيره. وقال روى هذا الحديث الإمام الحسن بن سفيان بن عثمان بن سعيد بالإجازة عن سعيد بن سابق الإسكندارني عن مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عباس. ثم ذكر ما أنبت بالماء.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يرثون الفردوس} بيان لما يرثونه وتقييد للموارثة بعد اطلاقها وتفسير لها بعد ابهامها تفخيما لشانها ورفعا لمحلها وهى استعارة لاستحقاقهم الفردوس باعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه لان الوراثة اقوى سبب يقع فى ملك الشىء ولا يتعقبه رد ولا فسخ ولا اقالة ولا نقض {هم فيها} اى الفردوس والتأنيث لانه اسم للجنة او لطبقتها العليا وهو البستان الجامع لاصناف الثمر ـ روى ـ انه تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الاذفر وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان {خالدون} لايخرجون منها ولا يموتون. والخلود تبرى الشىء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التى هو عليها والخلود فى الجنة بقاء الاشياء على الحالة التى هى عليها من غير اعتراض الكون والفساد عليها. وفى التأويلات النجمية الفردوس اعلى مراتب القرب قد بقى ميراثا عن الاموات قلوبهم فيرثه الذين كانوا احياء القلوب انتهى، وفى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى رحمه الله اعلم ان الجنان ثلاث، الاولى جنة الاختصاص الالهى وهى التى يدخلها الاطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحدهم من اول ما يولد ويستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام ويعطى الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ماشاء ومن اهلها المجانين الذين ماعقلوا ومن اهلها اهل التوحيد العلمى ومن اهلها اهل الفترات ومن لم يصل اليهم دعوة رسول، والجنة الثانية ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين وهى الاماكن التى كانت معينه لاهل النار لو دخلوها، والجنة الثالثة جنة الاعمال وهى التى ينزل الناس فيها باعمالهم فمن كان افضل من غيره فى وجوه التفاضل كان له من الجنة اكثر سواء كان الفاضل بهذه الحالة دون المفضول اولم يكن فما من عمل الا وله جنة يقع التفاضل فيها بين اصحابها ورد فى الحديث الصحيح عن النبى عليه السلام انه قال لبلال "حديث : يابلال بم سبقتنى الى الجنة فما وطئت فيها موضعا الا سمعت خشخشتك امامى" فقال يا رسول الله ما احدثت قط الا توضأت وما توضأت الا صليت ركعتين فقال عليه السلام "بهما"تفسير : فعلمنا انها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه الا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص بمن دخلها ثم فصل مراتب التفاضل فمن اراد ذلك فليطلب هناك فما ذكره موافق لما قيل فى الآية انهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على انفسهم لانه تعالى خلق لكل انسان منزلا فى الجنة ومنزلا فى النار كا قال الكاشفى [منزل مؤمنان ازدوزخ اضافه منازل كفار كنند ومنزلهاى ايشان ازبهشت برمنزل مؤمنان افزايند ودرزاد المسير آورده بهشت بنظر كفار درآرند ومقامهاى ايشانرا اكر ايمان آوردندى بريشان نمايند تاحسرت ايشان زيادة كردد شعر : نظر ازدور درجانان بدان ماندكه كافررا بهشت ازدور بنمايند وآن سوز دكرباشد تفسير : اللهم اجعلنا من الذين يرثون الفردوس ويتنعمون بنعيمها ويصلون الى نسيمها واحفظنا عن الاسباب المؤدية الى النار وجحيمها.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} لم يقل هم الوارثون للفردوس لايهام انّهم هم الوارثون لجميع ما يمكن ان يورّث ليكون ابلغ فى مدحهم، والفردوس يطلق على الاودية الّتى تنبت ضروباً من النّبت، والبستان الّذى يكون فيه جميع ما يكون فى البساتين، وعلى طبقات الجنان، وعلى الطّبقة العليا منها ويؤنّث ويذكّر وهو عربىّ او رومىّ او سريانىّ معرّب {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} اتى به اشارةً الى تمام النّعمة فانّ تمامها بعدم زوالها. اعلم، انّ الانسان من بدو خلقته الّتى هى خلقة نطفته واولى مادّته وقرارها فى قرارٍ مكينٍ يكون بالقوّة فى جميع ما يمكن ان يحصل للانسان وكلّ آنٍ يحصل له فعليّة من فعليّات الانسانيّة الّتى هى فعليّات الولاية، وكلّ فعليّة تحصل له تكون مرتبة من الولاية التّكوينيّة الّتى هى سارية فى جميع الموجودات وبكلّ بعدٍ من مرتبة المادّة وقربٍ من الولاية يحصل له فعليّة من فعليّات الولاية ويخلع عنه نقص وعدم من اعدام المادّة، وحصول كلّ فعليّة له نحو وراثة من ابيه الّذى هو الولاية المطلقة الّتى هى المشيّة وهذا الخلع وتلك الوراثة مستمرّان له الى اوان المراهقة وزمان البلوغ وتميز الخير والشّرّ الانسانيّين، فاذا وصل الى ذلك وقع بين تصرّف الملك والشّيطان وبين النّسبة الى الرّحمن والنّسبة الى الشّيطان بالقوّة فاذا تصرّف فيه الشّيطان صار نسبته اليه بالفعل وكلّما حصل له فعليّة من تصرّف الشّيطان صار تلك الفعليّة ارثاً له من الشّيطان، وكلّما زاد تصرّف الشّيطان واشتّد بحسبها الفعليّات الحاصلة له من الشّيطان حتّى اذا حصل له جميع الفعليّات المناسبة لدركات النّيران وتمكّن فى اتّباع الشّيطان فيصير وارثاً لجميع مال الشّيطان وجميع مراتبه بحيث يصير الشّيطان من اجزائه واظلاله، واذا تصرّف فيه الرّحمن صار نسبته اليه بالفعل وكلّما حصل له فعليّة من تصرّف الرّحمن صار تلك الفعليّة ارثاً له من الرّحمن، لكن لمّا كان الشّيطان اقرب اليه حين البلوغ من الرّحمن جعل الله وسائط بينه وبين خلقه من الانبياء والاوصياء (ع) حتّى يكونوا بظاهر بشريّتهم موافقين للعباد ويكون العباد مدركين لهم بمداركهم الحيوانيّة حتّى يأنسوا بهم ويتوسّلوا الى الله بالتّوسّل بهم ويكون الرّسل (ع) وخلفاؤهم معاونين لهم فى قبول تصرّف الرّحمن، فمن توسّل بهم بالبيعة العامّة او البيعة الخاصّة تعرّض لتصرّف الرّحمن وحصّل النّسبة بينه وبين الرّحمن وبتلك النّسبة يصير ابناً لمن بايع معه البيعة العامّة او الخاصّة وكلّما حصل له من جهة تلك النّسبة من الفعليّات كان فعليّة الولاية والرّحمن وكان ارثاً له من صاحب الولاية المطلقة حتّى حصل له جميع فعليّات الولاية المطلقة من طبقات الجنان، والفرق بين هذا الارث والارث الدّنيوىّ الصّورىّ انّ الارث الصّورىّ لا يحصل للانسان ما دام المورّث لم يرفع يده بالموت عن المال الموروث وعن الوارث، وما لم ينقطع النّسبة بينه وبين الوارث، وانّ الارث المعنوىّ لا يحصل للانسان ما لم يشتدّ النّسبة بينه وبين الوارث وما لم يضع المورّث يده على الوارث وبحسب اشتداد النّسبة وقوّة وضع اليد يكون زيادة الارث وكثرة المال الموروث وهذا الارث موجب لسعة المورّث وكثرة ماله بخلاف الارث الصّورىّ، ولمّا كان لكلّ انسانٍ قوّة فعليّة الجحيم والجنان وكان دركات الجحيم ودرجات الجنان الّتى كان للانسان قوّة الوصول اليها بمنزلة ماله المملوك بالقوّة، واذا وصل الى احديهما ترك الاخرى ترك الميّت ماله لوارثه، ورد انّ منازل اهل الجنان فى الجحيم يرثها اهل الجحيم ومنازل اهل الجحيم فى الجنان يرثها اهل الجنان يعنى يرث كلّ من المتناسبين منازل الآخر وبهذا التّناسب يصحّ اطلاق التّوارث فعلى ما ذكر كان معنى الآية الّذين يرثون الفردوس من صاحب الولاية المطلقة او من متناسبيهم من اهل الجحيم.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَرِثُونُ الفِرْدَوْسَ} وفي ابهامه أولا وبيانه ثانيا مقيدا به الورثة تفخيم لهم ولما يرثونه يشبه حصول الفردوس عن أعمالهم وان كانت الفردوس بمحض فضله بالارث عن ميت فاعمالهم ماضية منقطعة وجزاها باق وسماهم وارثين لانهم يرثون منازل أهل النار في الجنة فانه ما من احد شقي أو سعيد الا له منزل فيها ومنزل في النار فاهل النار يرثون منازل أهل الجنة في النار زيادة على منازلهم وأهل الجنة يرثون منازل أهل النار في الجنة زيادة على منازلهم رواه ابو هريرة. والفردوس الجنة عند الحسن. ويقال: لكل بستان واسع جامع لاصناف التمر. وقيل: الفردوس اوسط الجنة وافضلها. وقيل: جبل في الجنة تفجر منها انهارها. وعن عبادة بن الصامت عن الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : في الجنة مائة درجة بين كل درجة كما بين السماء والارض والفردوس أعلاها تفجر أنهار الجنة الاربعة منها ومن فوقها العرش فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " تفسير : وروي"حديث : إِن جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وخلالها المسك الأَذفر " تفسير : وفي رواية ولبنة من مسك وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان. وقيل: كرر (الارثة) لتعدده ما الاول ارثهم منازل الكفار في الجنة ولا منزل للكفار في الفردوس على هذا القول والثاني ارثهم للفردوس اي حصولها لهم أو الاول ارثهم الجنة في مقابلة اعمالهم والثاني ارثهم الفردوس لا في مقابلتها {هُم فِيهَا} اتت الفردوس لتاويله بالجنة أو بالربوة أو بالطبقة العليا {خَالِدُونَ} لا يموتون ولا يخرجون.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} صفة كاشفة أو عطف بيان أو بدل، وأياً ما كان ففيه بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً، والفردوس أعلا الجنان، أخرج عبد بن حميد والترمذي وقال: حسن صحيح غريب عن أنس رضي الله تعالى عنه حديث : أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنها الحرث بن سراقة أصيب يوم بدر أصابه سهم غرب فقالت: أخبرني عن حارثة فإن كان أصاب الجنة احتسبت وصبرت وإن كان لم يصب الجنة اجتهدت في الدعاء فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «إنها جنان في جنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها » تفسير : وعلى هذا لا إشكال في الحصر على ما أشرنا إليه أولاً فإن غير المتصف بما ذكر من الصفات وإن دخل الجنة لا يرث الفردوس التي هي أفضلها، وبتقدير إرثه إياها فهو ليس حقيقاً بأن يسمى وارثاً لما أن ذلك إنما يكون في الأغلب بعد كد ونصب، وإرثهم إياها من الكفار حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزلة فذلك قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } » تفسير : وقيل الإرث استعارة للاستحقاق وفي ذلك من المبالغة ما فيه لأن الإرث أقوى أسباب الملك، واختير الأول لأنه تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما صححه القرطبـي. {هُمْ فِيهَا} أي في الفردوس وهو على ما ذكره ابن الشحنة مما يؤنث ويذكر. وذكر بعضهم أن التأنيث باعتبار أنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا، وقد تقدم لك تمام الكلام في الفردوس. {خَـٰلِدُونَ} لا يخرجون منها أبداً، والجملة إما مستأنفة مقررة لما قبلها وإما حال مقدرة من فاعل {يَرِثُونَ} أو مفعوله كما قال أبو البقاء إذ فيها ذكر كل منهما، ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون منها.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَالِدُونَ} (11) - فَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ هُمُ الذينَ يَرِثُونَ مَنَازِلَ الكُفَّارِ فِي الجَنَّةِ، وَيَبْقَونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (حديث : إِذَا سَأَلْتُم اللهَ الجَنَّةَ فَاسْأَلوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّه أَعْلَى الجَنَّةِ وأَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجِّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: الحق سبحانه ورَّثهم في الفانية ليعطيهم الفردوس الخالد في الآخرة، والفردوس أعلى الجنة، فورث الحق لينفع عباده ويُصعِّد النفع لهم، ففي الدنيا كنا ننتفع بالأسباب، وفي الآخرة ننتفع بغير أسباب، الحق ورث ليعطي، لا مِثْل ما أخذ إنما فوق ما أخذ؛ لأننا نأخذ في الميراث ما يفنى، ولله تعالى يعطينا في ميراثه ما يبقى. لكن مِمَّنْ يرثون الفردوس؟ قالوا: الحق - تبارك وتعالى - عندما خلق الخَلْق، وجعل فيهم الاختيار بين الإيمان والكفر، وبين الطاعة والمعصية رتَّبَ على ذلك أموراً، فجعل الجنة على فرض أن الخَلْق كلهم مؤمنون، بحيث لو دخلوا الجنة جميعاً ما كانت هناك أزمة أماكن ولا زحام، وكذلك جعل النار على فرض أن الخَلْق كلهم كافرون، فلو كفر الناس جميعاً لكان لكل منهم مكانه في النار. وعليه فحين يدخل أهل الجنةِ الجنةَ يتركون أماكنهم في النار، وحين يدخل أهل النارِ النارَ يتركّون أماكنهم في الجنة، فيرث أهل النار الأماكن الشاغرة فيها، ويرث أهل الجنة الأماكن الشاغرة فيها. والفردوس أعلى مكان في الجنة، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة" تفسير : ذلك؛ لأن الفردوس جنة على أعلى رَبْوة في الجنة. يعني: في مكان مُميّز منها، والعلو في مسألة المسكن والجنان أمر محبوب في الدنيا، الناس يُحبون السُّكْنى في الأماكن العالية، حيث نقاء الهواء ونقاء الماء، أَلاَ تراهم يزرعون في المرتفعات، وإنْ كانت الأرض مستوية يجعلون فيها مصارف منخفضة تمتصُّ الماء الزائد الذي يفسد الزرع؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} تفسير : [البقرة: 265]. كذلك الأرض المرتفعة لا تُسْقَى بالماء الغمر، إنما تُسْقَى من ماء السماء الذي يغسل الأوراق قبل أن يروي الجذور، فيكون النبات على أفضل ما يكون؛ لذلك يقول عنها رب العزة: {أية : فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}تفسير : [البقرة: 265]. ومعلوم أن الأوراق هي رئة النبات، وعليها تقوم عملية التمثيل الضوئي التي يصنع منها النبات غذاءه، فإذا ما سُدَّت مسام الأوراق وتراكم عليها الغبار فإن ذلك يُقلِّل من قدرة النبات على التنفس، مثل الإنسان حينما يُصَاب بشيء في رئته تزعجه وتُقلِّل من كفاءته. وفي الفردوس ميزة أخرى هي أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي غرس شجرها بيده، كما كرَّم آدم عليه السلام فخلقه بيده تعالى، فقال: {أية : يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..} تفسير : [ص: 75]. ويُروى أن الحق - تبارك وتعالى - لما خلق الفردوس، وغرس أشجارها بيده قال للفردوس: تكلمي، فلما تكلمت الفردوس قالت: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1]. ثم يقول تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11] لأن نعيم الجنة باقٍ ودائم لا ينقطع، وقد عرفنا أن نعيم الدنيا موقوت مهما أُوتِي الإنسان منه، فإنه منقطع زائل، إما أنْ يتركك بالفقر والحاجة، وإما أنْ تتركه أنت بالموت، لذلك يقول تعالى في نعيم الآخرة: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} تفسير : [الواقعة: 33]. وهكذا نلحظ على استهلال هذه السورة أن الحق سبحانه بدأ بالكلام عن الفلاح في الآخرة كأنه قدَّم ثمرة الإيمان أولاً، ووضع الجزاء بداية بين يديك كأنه سبحانه يقول لك: هذا جزاء مَنْ آمن بي واتبع منهجي. كما جاء في قوله تعالى في استهلال سورة (الرحمن): {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4] كيف وقد خلق الله الإنسان أولاً، ثم علَّمه القرآن؟ قالوا: لأن الذي يصنع صنعة يضع لها قانونها، ويُحدِّد لها مهمتها أولاً قبل أن يشرع في صناعتها، فمثلاً - ولله المثل الأعلى - الذي يصنع الثلاجة، قبل أن يصنعها حدد عملها ومهمتها وقانون صيانتها والغاية منها. والقرآن هو منهج الإنسان، وقانون صيانته في حركة الحياة؛ لذلك خلق الله المنهج ووضع قانون الصيانة قبل أن يخلق الإنسان.
همام الصنعاني
تفسير : 1959- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ}: [الآية: 11]، قال: قُتِل حارِثةُ بن سُرَاقة يوْمَ بدر، فقالت أُمُّهُ: يا رَسُول الله، إن كانَ ابني من أهل الجنةن لم أبْكِ عليه، وإن كانَ من أهْلِ النارِ بالغت في البكاء، فقال: يا أم حارثة، إنهما (جنتان)، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى في الجنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):