Verse. 2685 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنْ سُلٰـلَـۃٍ مِّنْ طِيْنٍ۝۱۲ۚ
Walaqad khalaqna alinsana min sulalatin min teenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» الله «لقد خلقنا الإنسان» آدم «من سُلالةِ» هي من سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته «من طين» متعلق بسلالة.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعاً: النوع الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهي تسعة: المرتبة الأولى: قوله سبحانه تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، فُعالة وهو بناء يدل على القلة كالقُلامة والقُمامة، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد منه آدم عليه السلام فآدم سل من الطين وخلقت ذريته من ماء مهين، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده، وقال آخرون: الإنسان ههنا ولد آدم والطين ههنا اسم آدم عليه السلام، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منياً، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى: { أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مهِين } تفسير : [السجدة: 7، 8] وفيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء فالإنسان بالحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات. المرتبة الثانية: قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت. المرتبة الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد. المرتبة الرابعة: قوله تعالى: {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف، وسمى التحويل خلقاً لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضاً غيرها فسمى خلق الأعراض خلقاً لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة. المرتبة الخامسة: قوله: {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً } أي صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظماً والمراد منه الجمع كقوله: {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }. المرتبة السادسة: قوله تعالى: {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها. المرتبة السابعة: قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقاً آخر } أي خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت، ودليل هذا القول أنه عقبه بقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ } وهذا المعنى مروي أيضاً عن ابن عباس وابن عمر، وإنما قال: {أَنشَأْنَـٰهُ } لأنه جعل إنشاء الروح فيه، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات، وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم، وإنه ليس بجسم. أما قوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ } أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى، وقيل أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال والبقاء والدوام. والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء، وقوله: {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه، قال الكعبي هذه الآية، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة، ولا يقول العبد لسيده هو ربي، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني: أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق؟ وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى: { أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء } تفسير : [الزمر: 62] فوجب حمل هذه الآية على أنه {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } في اعتقادكم وظنكم، كقوله تعالى: { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] أي هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم والجواب الثاني: هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله سبحانه محال، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجداً. المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما؟ والجواب: من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء. المسألة الثالثة: روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله تعالى: {خَلْقاً ءَاخَرَ } عجب من ذلك فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : اكتب فهكذا نزلت » تفسير : فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقاً فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه، وإن كان كاذباً فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات على الكفر، وقيل إنه أسلم يوم الفتح، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : هكذا نزلت يا عمر. تفسير : وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع، في الصلاة خلف المقام، وفي ضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن: لتنتهن أو ليبدلنه الله خيراً منكن، فنزل قوله تعالى: { أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوٰجاً خَيْراً مّنكُنَّ } تفسير : [التحريم: 5] والرابع قلت: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فقال هكذا نزلت. قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26] فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن، وذلك يقدح في كونه معجزاً كما ظنه عبدالله والجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز فسقطت شبهة عبدالله. المرتبة الثامنة: قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ } قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن {لمائتون} والفرق بين الميت والمائت، أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول زيد ميت الآن ومائت غداً، وكقولك يموت ونحوهما ضيق وضائق في قوله: { أية : وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } تفسير : [هود: 12]. المرتبة التاسعة: قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ } فالله سبحانه جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحكمة في الموت، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون ذلك في الأنعام أبلغ؟ والجواب: هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله، يبين ذلك أنه لو قيل لمن يصلي ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال، فإنه لا يأتي بذلك الفعل إلا لطلب الجنة، فلاجرم أخره الله تعالى وبعده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابداً لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع. السؤال الثاني: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ } ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة والجواب: من وجهين: الأول: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة والثاني: أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة. النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 17]. فقوله: { أية : سَبْعَ طَرَائِقَ } تفسير : [المؤمنون: 17] أي سبع سموات وإنما قيل لها طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض يقال طارق الرجل نعليه إذا أطبق نعلاً على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوباً فوق ثوب. هذا قول الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله: { أية : سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً } تفسير : [نوح: 15] وقال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة في العروج والهبوط والطيران، وقال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعاً لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقراً للملائكة، ولأنها موضع الثواب، ولأنها مكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي. أما قوله: { أية : وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 17] ففيه وجوه: أحدها: ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم وهذا قول سفيان بن عيينة، وهو كقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر: 41] وثانيها: إنما خلقناها فوقهم لننزل عليهم الأرزاق والبركات منها عن الحسن وثالثها: أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله: { أية : وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 17] يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر ورابعها: وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى: { أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } تفسير : [الملك: 3]. واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل: إحداها: أنها دالة على وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير. وثانيتها: أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئاً من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد وثالثتها: تدل على أن المدبر قادر عالم لأن الموجب والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها: تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها: تدل على جواز الحشر والنشر نظراً إلى صريح الآية ونظراً إلى أن الفاعل لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت وسادستها: أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً. النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها في النبات.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة وغيره، لأنه استُلّ من الطين. ويجيء الضمير في قوله: «ثم جعلناه» عائداً على ابن آدم، وإن كان لم يُذكر لشهرة الأمر؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [صۤ: 32]. وقيل: المراد بالسلالة ابن آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعني المنيّ. والسلالة فُعالة من السَّل وهو استخراج الشيء من الشيء؛ يقال: سللت الشعر من العجين، والسيف من الغِمد فانسل؛ ومنه قوله:شعر : فُسلِّـي ثيـابـي مـن ثيـابـك تَـنْـسُـلِ تفسير : فالنطفة سُلالة، والولد سَليل وسُلاَلة؛ عنى به الماء يُسَلّ من الظهر سَلاًّ. قال الشاعر:شعر : فجاءت به عَضْبَ الأدِيم غَضنْفَراً سلالةَ فَرْج كان غيرَ حصِين تفسير : وقال آخر:شعر : وما هِنْدُ إلاّ مُهْرَةٌ عربِيّة سليلةُ أفراسٍ تجلّلها بَغْل تفسير : وقوله: «من طين» أي أن الأصل آدم وهو من طين. قلت: أي من طين خالص؛ فأما ولده فهو من طين ومنِيّ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال الكَلْبِيّ: السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السُّلالة. الثانية: قوله تعالى: {نُطْفَةً} قد مضى القول في النُّطْفة والعَلَقة والمُضْغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك. الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} اختلف الناس في الخلق الآخر؛ فقال ابن عباس والشَّعْبِيّ وأبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جماداً. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره. الضحاك: خروج الأسنان ونباتُ الشعر. مجاهد: كمال شبابه؛ وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. الرابعة: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله: {خَلْقاً آخَرَ} قال فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت». وفي مسند الطَّيَالِسِيّ: ونزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } الآية؛ فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جَبَل. وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي سَرْح، وبهذا السبب ارتد وقال؛ آتي بمثل ما يأتي محمد؛ وفيه نزل {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 93] على ما تقدم بيانه في «الأنعام». وقوله تعالى «تبارك» تفاعل من البركة. {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئاً خَلَقه؛ ومنه قول الشاعر:شعر : ولأنت تَفْرِي ما خلقتَ وبعـ ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي تفسير : وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جُريج: إنما قال: «أحسن الخالقين» لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق؛ واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنْفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. الخامسة: من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا: الله أعلم؛ فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعاً والأَرضِين سبعاً، وخلق ابن آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس «خلق ابن آدم من سبع» بهذه الآية، وبقوله: «وجعل رزقه في سبع» قوله: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } تفسير : [عبس: 27 ـ 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأَبُّ للأنعام. والقَضْبُ يأكله ابن آدم ويَسْمَن منه النساء؛ هذا قول. وقيل: القَضْب البقول لأنها تُقْضَبُ؛ فهي رزق ابنِ آدم. وقيل: القَضْب والأبّ للأنعام، والستُّ الباقية لابن آدم، والسابعةُ هي الأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمإمسنون. وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي يحيى عن ابن عباس: {مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ} قال: من صفوة الماء. وقال مجاهد: من سلالة، أي: من مني آدم. وقال ابن جرير: إنما سمي آدم طيناً؛ لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استل آدم من الطين، وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإن آدم عليه السلام خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمإالمسنون، وذلك مخلوق من التراب؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } تفسير : [الروم: 20]. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عوف، حدثنا قَسَامَة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» تفسير : وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً} هذا الضمير عائد على جنس الإنسان؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 7 ــــ 8] أي: ضعيف، كما قال: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المرسلات: 20 ــــ 21] يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له {أية : إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 22 ــــ 23] أي: مدة معلومة، وأجل معين، حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة، ولهذا قال ههنا: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي: ثم صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل، وهو ظهره، وترائب المرأة، وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة، فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة، قال عكرمة: وهي دم، {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً} يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عظـماً} قال ابن عباس: وهو عظم الصلب، وفي الصحيح من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب» تفسير : {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً} أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه{ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ} أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر، يعني: ابن كثير مولى بني هاشم، حدثنا زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر، بعث الله إليها ملكاً، فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث، فذلك قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ} يعني: نفخنا فيه الروح، وروي عن أبي سعيد الخدري: أنه نفخ الروح، قال ابن عباس: {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ} يعني: فنفخنا فيه الروح، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس: {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ} يعني: ننقله من حال، إلى حال إلى أن خرج طفلاً، ثم نشأ صغيراً، ثم احتلم، ثم صار شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم هرماً. وعن قتادة والضحاك نحو ذلك، ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه، شرع في هذه التنقلات والأحوال، والله أعلم. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله ــــ هو ابن مسعود رضي الله عنه ــــ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «حديث : إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها» تفسير : أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله ــــ يعني: ابن مسعود ــــ إن النطفة إذا وقعت في الرحم، طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوماً، ثم تعود في الرحم، فتكون علقة. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي، فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال: «حديث : يا يهودي من كل يخلق؛ من نطفة الرجل، ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل، فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة، فنطفة رقيقة منها اللحم والدم» تفسير : فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب ماذا؟ أشقي أم سعيد، أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان، فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله عز وجل، فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد على ما فيها، ولا ينقص» تفسير : وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو ــــ هو ابن دينار ــــ به نحوه، ومن طريق أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله وكل بالرحم ملكاً، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله خلقها، قال: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث حماد بن زيد به. وقوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد عن أنس قال: قال عمر، يعني: ابن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي، ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ} الآية، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ}. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ} ــــ إلى قوله ــــ {خَلْقاً ءَاخَرَ} فقال معاذ: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: «حديث : بها ختمت، فتبارك الله أحسن الخالقين» تفسير : وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جداً، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضاً، فالله أعلم. وقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ} يعني: النشأة الآخرة {أية : ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [العنكبوت: 20] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح إلى الأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفى كل عامل عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} الله { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَٰنَ } آدم {مِن سُلَٰلَةٍ } هي من سَلَلْتُ الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته {مِن طِينٍ } متعلق بسلالة.

الشوكاني

تفسير : لما حثّ سبحانه عباده على العبادة ووعدهم الفردوس على فعلها، عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } إلى آخره، واللام جواب قسم محذوف، والجملة مبتدأة، وقيل: معطوفة على ما قبلها، والمراد بالإنسان: الجنس؛ لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، وقيل: المراد به آدم. والسلالة فعالة من السلّ، وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال: سللت الشعرة من العجين، والسيف من الغمد فانسلّ، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة أيضاً، ومنه قول الشاعر:شعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين تفسير : وقول الآخر:شعر : وهل هند إلا مهرة عربية سلالة أفراس تجللها بغل تفسير : و "مِنْ" في: {مِن سُلَـٰلَةٍ } ابتدائية متعلقة بـ {خلقنا}، وفي: {مِن طِينٍ } بيانية متعلقة بمحذوف، وقع صفة لسلالة، أي كائنة من طين، والمعنى: أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أوّلاً من طين؛ لأن الأصل آدم، وهو من طين خالص وأولاده من طين ومنيّ، وقيل: السلالة: الطين إذا عصرته انسلّ من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السلالة، قاله الكلبي {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ } أي: الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم، أو جعلنا نسله على حذف مضاف إن أريد بالإنسان آدم {نُّطْفَةٍ } وقد تقدّم تفسير النطفة في سورة الحج. وكذلك تفسير العلقة والمضغة. والمراد بالقرار المكين: الرّحم، وعبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة، ومعنى {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } أي أنه سبحانه أحال النطفة البيضاء علقة حمراء {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } أي قطعة لحم غير مخلقة {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً } أي جعلها الله سبحانه متصلبة لتكون عموداً للبدن على أشكال مخصوصة {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } أي أنبتَ الله سبحانه على كل عظم لحماً على المقدار الذي يليق به ويناسبه {ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً. وقيل: أخرجناه إلى الدنيا. وقيل: هو نبات الشعر. وقيل: خروج الأسنان. وقيل: تكميل القوى المخلوقة فيه، ولا مانع من إرادة الجميع، والمجيء بـ"ثم" لكمال التفاوت بين الخلقين {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } أي استحق التعظيم والثناء. وقيل: مأخوذ من البركة، أي كثر خيره وبركته. والخلق في اللغة: التقدير، يقال: خلقت الأديم: إذا قسته لتقطع منه شيئاً، فمعنى {أحسن الخالقين}: أتقن الصانعين المقدّرين، ومنه قول الشاعر:شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبــ ــعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ } الإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الأمور المتقدّمة، أي ثم إنكم بعد تلك الأمور لميتون صائرون إلى الموت لا محالة {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ } من قبوركم إلى المحشر للحساب والعقاب. واللام في {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } جواب لقسم محذوف، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه بعد بيان خلقهم. والطرائق: هي السمٰوات. قال الخليل والفراء والزجاج: سميت طرائق؛ لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل. قال أبو عبيدة: طارقت الشيء جعلت بعضه فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وقيل: لأنها طرائق الملائكة. وقيل: لأنها طرائق الكواكب {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ } المراد بالخلق هنا: المخلوق، أي: وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها عن أن تقع على الأرض بغافلين. وقال أكثر المفسرين: المراد الخلق كلهم بغافلين بل حفظنا السمٰوات عن أن تسقط، وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض، أو يهلكون بسبب من الأسباب المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما يعيشون به، ونفي الغفلة عن حفظهم. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } هذا من جملة ما امتن الله سبحانه به على خلقه. والمراد: بالماء ماء المطر، فإن به حياة الأرض وما فيها من الحيوان، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازلة من السماء والعيون، والآبار المستخرجة من الأرض، فإن أصلها من ماء السماء. وقيل: أراد سبحانه في هذه الآية الأنهار الأربعة: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، ولا وجه لهذا التخصيص. وقيل: المراد به: الماء العذب، ولا وجه لذلك أيضاً فليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء، ومعنى {بِقَدَرٍ }: بتقدير منا أو بمقدار يكون به صلاح الزرع والثمار، فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك، ومثله قوله سبحانه: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }تفسير : [الحجر: 21] ومعنى {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ }: جعلناه مستقرّاً فيها ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ } أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى، وفي هذا تهديد شديد لما يدلّ عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، ومثله قوله: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ }تفسير : [الملك: 30]. ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال فقال: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّـٰتٍ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ } أي أوجدنا بذلك الماء جنات من النوعين المذكورين {لَكُمْ فِيهَا } أي في هذه الجنات {فَوٰكِهُ كَثِيرَةٌ }. تتفكهون بها وتتطعمون منها، وقيل: المعنى: ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم كقوله: فلان يأكل من حرفة كذا، وهو بعيد، واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب؛ لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل بذلك. كذا قال ابن جرير. وقيل: لأنها أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعماً ولذّة. قيل: المعنى بقوله: {لَّكُمْ فِيهَا فَوٰكِهُ } أن لكم في هذه الجنات فواكه من غير العنب والنخيل. وقيل: المعنى لكم في هذين النوعين خاصة فواكه؛ لأن فيهما أنواعاً مختلفة متفاوتة في الطعم واللون. وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق؟ اختلافاً كثيراً، وأحسن ما قيل: إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليست بقوت لهم ولا طعام ولا إدام. واختلف في البقول هل تدخل في الفاكهة أم لا؟ وانتصاب {شجرة} على العطف على {جنات}. وأجاز الفراء الرفع على تقدير: وثم شجرة فتكون مرتفعة على الابتداء، وخبرها محذوف مقدّر قبلها، وهو الظرف المذكور. قال الواحدي: المفسرون كلهم يقولون: إن المراد بهذه الشجرة: شجرة الزيتون، وخصت بالذكر، لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي، وهي التي يخرج الدهن منها، فذكرها الله سبحانه امتناناً منه على عباده بها؛ ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً وأكثرها بركة، ثم وصف سبحانه هذه الشجرة بأنها {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } وهو جبل ببيت المقدّس، والطور الجبل في كلام العرب. وقيل: هو مما عرّب من كلام العجم. واختلف في معنى سيناء فقيل: هو الحسن. وقيل: هو المبارك، وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل كما تقول: جبل أحد. وقيل: سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقيل: هو كلّ جبل يحمل الثمار. وقرأ الكوفيون: {سيناء} بفتح السين، وقرأ الباقون بكسر السين، ولم يصرف لأنه جعل اسماً للبقعة، وزعم الأخفش أنه أعجمي. وقرأ الجمهور: {تنبت بالدهن} بفتح المثناة وضمّ الباء الموحدة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ المثناة وكسر الباء الموحدة. والمعنى على القراءة الأولى: أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن، وعلى القراءة الثانية: الباء بمعنى مع، فهي للمصاحبة. قال أبو عليّ الفارسي: التقدير: تنبت جناها ومعه الدهن. وقيل: الباء زائدة، قاله أبو عبيدة، ومثله قول الشاعر:شعر : هنّ الحرائر لا ربات أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : وقال آخر:شعر : نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : وقال الفراء والزجاج: إن نبت وأنبت بمعنى، والأصمعي ينكر أنبت، ويرد عليه قول زهير:شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل تفسير : أي نبت. وقرأ الزهري والحسن والأعرج: "تنبت" بضم المثناة وفتح الموحدة. قال الزجاج وابن جني: أي تنبت ومعها الدهن، وقرأ ابن مسعود: "تخرج" بالدهن، وقرأ زرّ بن حبيش: "تنبت الدهن" بحذف حرف الجرّ. وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب: "بالدهان" {وَصِبْغٍ لّلآكِلِيِنَ } معطوف على الدهن، أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به. وكونه صبغاً يؤتدم به. قرأ الجمهور: {صبغ}، وقرأ قوم "صباغ" مثل لبس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ. وأصل الصبغ: ما يلّون به الثوب، وشبه الإدام به؛ لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلاْنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } هذه من جملة النعم التي امتنّ الله بها عليهم. وقد تقدّم تفسير الأنعام في سورة النحل. قال النيسابوري في تفسيره: ولعلّ القصد بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة؛ لأنها هي المحمول عليها في العادة؛ ولأنه قرنها بالفلك وهي سفائن البرّ، كما أن الفلك سفائن البحر. وبين سبحانه أنها عبرة؛ لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظيم القدرة الإلٰهية، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهَا } يعني سبحانه: اللبن المتكوّن في بطونها المنصبّ إلى ضروعها، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ، والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين، وأكبر موعظة للمتعظين. وقرىء {نسقيكم} بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه، وقرىء بالتاء الفوقية على أن الفاعل هو الأنعام، ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالاً فقال: {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ } يعني: في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها، ثم ذكر منفعة خاصة فقال: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } لما في الأكل من عظيم الانتفاع لهم. وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي وعلى الأنعام، فإن أريد بالأنعام الإبل والبقر والغنم، فالمراد وعلى بعض الأنعام، وهي الإبل خاصة، وإن أريد بالأنعام الإبل خاصة، فالمعنى واضح. ثم لما كانت الأنعام هي غالب ما يكون الركوب عليه في البرّ ضمّ إليها ما يكون الركوب عليه في البحر، فقال: {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تميماً للنعمة وتكميلاً للمنة. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلالة: صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في [كل] شعر وظفر فتمكث أربعين يوماً، ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة. وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدّمنا الإشارة إليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: الشعر والأسنان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه: {أنشأناه خلقاً آخر} قال: نفخ فيه الروح، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسديّ والضحاك وابن زيد، واختاره ابن جرير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: حين استوى به الشباب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال عمر: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } قال: "حديث : والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت به يا عمر"تفسير : . وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } تفسير : [البقرة: 125]. وقلت: يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجاباً فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر، فأنزل الله: {أية : وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب}تفسير : [الأحزاب: 53] وقلت لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم: لتنتهنّ أو ليبدلنّه الله أزواجاً خيراً منكنّ، فنزلت: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ } تفسير : [التحريم: 5] الآية، ونزلت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ } إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} فقلت أنا: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ }. وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: أملى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } إلى قوله: {خَلْقاً ءَاخَرَ } فقال معاذ بن جبل: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: "حديث : بها ختمت {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ }"تفسير : . وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جداً. قال ابن كثير: وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة، والله أعلم. وأخرج ابن مردويه والخطيب، قال السيوطي: بسند ضعيف، عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم، فذلك قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ } فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل، فرفع من الأرض القرآن والعلم، والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ } فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، قال: طور سيناء هو الجبل الذي نودي منه موسى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } قال: هو الزيت يؤكل ويدهن به.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ خَلَقنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} فيه قولان: أحدهما: آدم استل من طين، وهذا قول قتادة، وقيل: لانه اسْتُلَ من قِبَل ربه. والثاني: أن المعني به كل إنسان، لأنه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة من طين، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقيل: لأنه استل من نطفة أبيه، والسلالة من كل شيء صفوته التي تستل منه، قال الشاعر: شعر : وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراسٍ تجلّلها بغل تفسير : وقال الزجاج: السلالة القليل مما ينسل، وقد تُسَمَّى، المضغة سلالة والولد سلالة إما لأنهما صفوتان على الوجه الأول، وإما لأنهما ينسلان على الوجه الثاني، وحكى الكلبي: أن السلالة الطين الذي إذا اعتصرته بين أصابعك خرج منه شيء، ومنه قول الشاعر: شعر : طوت أحشاء مرتجةٍ لوقت على مشج سلالته مهينُ تفسير : وحكى أبان بن تغلب أن السلالة هي التراب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت. شعر : خلق البرية من سلالة منتن وإلى السلالة كلها ستعود تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطّْفَةً} النطفة هي ماء الذكر الذي يعلق منه الولد، وقد ينطلق اسم النطفة على كل ماء، قال بعض شعراء هذيل: شعر : وأنهما لحرّابا حروب وشرّابان بالنطف الظوامي تفسير : قوله تعالى: {فِي قَرَارٍ مَّكينٍ} يعني بالقرار الرحم، ومكين: أي متمكن قد هيىء لاستقراره فيه. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} العلقة الدم الطري الذي خلق من النطفة سُمّيَ علقة لأنه أول أحوال العلوق. {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} وهي قدر ما يمضغ من اللحم. {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمَاً} وإنما بين الله أن الإِنسان تنتقل أحوال خلقه ليعلم نعمته عليه وحكمته فيه، وإن بعثه بعد الموت حياً أهون من إنشائه ولم يكن شيئاً. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بنفخ الروح فيه، وهذا قول ابن عباس والكلبي. والثاني: بنبات الشعر، وهذا قول قتادة. والثالث: أنه ذكر و أنثى، وهذا قول الحسن. والرابع: حين استوى به شبابه، وهذا قول مجاهد. ويحتمل وجهاً خامساً: أنه بالعقل والتمييز. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية إلى قوله: {ثَمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقَاً آخَرَ}. قال عمر بن الخطاب: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء كلام والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على جملة وإن تباينت في المعاني، واختلف المفسرون في قوله {الإنسان} فقال قتادة وغيره: أراد آدم عليه السلام لأنه استل من الطين ع ويجيء الضمير في قوله {ثم جعلناه} عائداً على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر وأن المعنى لا يصلح إلا له، نظير ذلك {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32] وغيره، وقال ابن عباس وغيره المراد بقوله {الإنسان} ابن آدم، و {سلالة من طين} صفوة الماء ع وهذا على أنه اسم الجنس ويترتب فيه أَنه سلالة من حيث كان الكل عن آدم أو عن أبويه المتغذيين بما يكون من الماء والطين وذلك السبع الذي جعل الله رزق ابن آدم فيها، وسيجيء قول ابن عباس فيها إن شاء الله، وعلى هذا يجيء قول ابن عباس: إن "السلالة" هي صفوة الماء يعني المني، وقال مجاهد {سلالة من طين}: مني آدم ع وهذا نبيل إذ آدم طين وذريته من سلالة، وما يكون عن الشيء فهو سلالته، وتختلف وجوه ذلك الكون فمنه قولهم للخمر سلالة لأنها سلالة العنب ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : إذا أنتجت منها المهار تشابهت على العود إلا بالأنوف سلائله تفسير : ومن اللفظ قول هند بنت النعمان بن بشير: شعر : سليلة أفراس تجللها بغل تفسير : ومنه قول الآخر [حسان بن ثابت]: [الطويل] شعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين تفسير : وهذه الفرقة يترتب مع قولها عود الضمير في "جعلنا وأنشأنا" و {النطفة} تقع في اللغة على قليل الماء وعلى كثيره، وهي هنا لمني ابن آدم، و"القرار المكين" من المرأة هو موضع الولد، و"المكين" المتمكن فكأن القرار هو المتمكن في الرحم، و {العلقة} الدم الغريض، و {المضغة} بضعة اللحم قدر ما يمضغ، وقرأ الجمهور {عظاماً} في الموضعين، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "عظماً" بالإفراد في الموضعين، وقرأ السلمي وقتادة والأعرج والأعمش بالإفراد أولاً وبالجمع في الثاني، وقرأ مجاهد وأبو رجاء وإبراهيم بن أَبي بكير بعكس ذلك، وفي قراءة ابن مسعود، "ثم جعلنا المضغة عظاماً وعصباً فكسوناه لحماً"، واختلف الناس في "الخلق الآخر"، فقال ابن عباس والشعبي وأَبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه، وقال ابن عباس أيضاً: خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره، وقال مجاهد: كمال شبابه وقال ابن عباس أيضاً: تصرفه في أمور الدنيا. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه من النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها {آخر}، وأول رتبة من كونه {آخر} هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه {آخر} تحصيله المعقولات، و"تبارك" مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة، وهذه الآية يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله {آخر} قال {فتبارك الله أَحسن الخالقين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت، ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جبل، ويروى أَن قائل ذلك هو عبدالله بن أَبي سرح وبهذا السبب ارتد، وقال أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد وفيه نزلت: {أية : ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} تفسير : [الأنعام: 93]، الآية وقوله {أحسن الخالقين} معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئاً خلقه ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج: إنما قال {الخالقين} لأَنه تعالى قد أذن لعيسى في أَن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك، ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية الاختراع والإيجاد من العدم، ومن هذه الآية قول ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله خلق السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال: آعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أَبي شيبة فأراد ابن عباس بقوله خلق ابن آدم من سبع هذه الآية، وبقوله جعل رزقه في سبع قوله {أية : فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأبّا} تفسير : [عبس:27] الآية السبع منها لابن آدم والأب للأنعام والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء هذا قول، وقيل القضب البقول لأنها تقضب فهي رزق ابن آدم، وقيل القضب والأب للأنعام والستة الباقية لابن آدم والسابعة هي الأنعام إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الإِنسَانَ} آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أُستل من الطين، أو بنوه لرجوعهم إليه. {سُلالَةٍ} سلالة كل شيء صفوته التي تُستل منه، أو القليل مما يُستل وتُسمى النطفة والولد سلالة لأنهما صفوتان، أو ينسلان، أو السلالة الطين الذي إذا عصرته بين أصابعك خرج منه شيء، أو التراب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} الآيات لما أمر بالعبادات في الآيات المتقدمة بطريق الحث عليها والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الله، لا جرم عقّبها بذكر ما يدل على وجوده، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية، فذكر أنواعاً من الدلائل: منها تقلب الإنسان في أدوار خلقته وهي تسعة: أولها: قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد بالإنسان آدم - عليه السلام - سُلَّ مِنْ كُلِّ تُرْبَةٍ، وخُلقتْ ذريته من ماء مهين. وقيل: الإنسان اسم جنس يقع على الواحد والجميع، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منياً، وهذا مطابق لقوله تعالى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 7 - 8]. قال ابن الخطيب: وفيه وجه آخر: وهو أنّ الإنسان إنما يتولد من النطفة، وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية أو نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء، فالإنسان في الحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً. (قوله): "مِنْ سُلاَلَةٍ" فيه وجهان: أظهرهما: أن يتعلق بـ "خَلَقْنَا"، و"مِنْ" لابتداء الغاية. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "الإنسان". والسُّلالة (فُعَالَة)، وهو بناء يدل على القلة كالقُلاَمة، وهي من سَلَلْتُ الشيءَ من الشيءِ أي استخرجْتهُ منه، ومنه قولهم: هو سُلاَلَةُ أَبيهِ كأنه انسلّ من ظهره، وأنشد: شعر : 3782- فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَراً سُلاَلَةَ فَرْجٍ كَانَ غَيْرَ حَصِينٍ تفسير : وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : 3783- خلق البرية من سلالة منتن وإلى السلالة كلها ستعود تفسير : وقال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر. والعرب يسمون النطفة سُلاَلَة، والولد سَلِيلاً وسُلاَلة، لأنهما مَسْلُولاَنِ منه. وقال الزمخشري: السلالة الخُلاصة، لأنها تسل من بين الكَدَر. وهذه الجملة جواب قسم محذوف، أي: والله لقد خلقنا، وعطفت على الجملة قبلها لما بينهما من المناسبة، وهو أنه لما ذكر أنّ المتصفين بتلك الأوصاف يرثون الفردوس فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على المعاد، فإنّ الابتداء في العادة أصعب من الإعادة، لقوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. وهذا أحسن من قول ابن عطية: هذا ابتداء كلام، والواو في أوله عاطفة جملة كلام على جملة كلام، وإن تباينتا في المعنى. وقد تقدم بيان وجه المناسبة. قوله: "مِنْ طِين" في "مِنْ" وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين "مِنْ" و"مِنْ"؟ قلت: الأولى للابتداء، والثانية للبيان كقوله: "مِنَ الأَوْثَانِ". قال أبو حيان: ولا تكون للبيان إلا إذا قلنا: إن السلالة هي الطين أما إذا قلنا: إنه من انسل من الطين فـ "مِنْ" لابتداء الغاية وفيما تتعلق به "مِنْ" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تتعلق بمحذوف إذ هي صفة لـ "سُلاَلَة". الثاني: أنها تتعلق بنفس "سُلاَلَة" لأنها بمعنى مسلولة. الثالث: أنها تتعلق بـ "خَلَقْنَا"، لأنها بدل من الأولى إذا قلنا: إنّ السلالة هي نفس الطين. قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود للإنسان، فإن أريد غير آدم فواضح، ويكون خلقه من سلالة الطين خلق أصله، وهو آدم (فيكون على حذف مضاف وإن كان المراد به آدم، فيكون الضمير عائداً على نسله، أي: جعلنا نسله)، فهو على حذف مضاف أيضاً، ويؤيده قوله: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 7 - 8]. أو عاد الضمير على الإنسان اللائق به ذلك، وهو نسل آدم، فلفظ الإنسان من حيث هو صالح للأصل والفرع، ويعود كل شيء لما يليق به وإليه نحا الزمخشري. قوله: "فِي قَرَارٍ" يجوز أنْ يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "نُطْفَة". والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بها الرحم، وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها لأحد معنيين: إمَّا على المجاز كطريق سائر، وإنما السائر من فيه، وإِمّا لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت بحيث هي وأحرزت. ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة، فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة تتخلق فيه إلى أن تصير إنساناً. قوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} وما بعدها ضمن "خَلَق" معنى "جَعَل" التصييرية فتعدت لاثنين كما يضمن "جَعَل" معنى "خَلَق" فيتعدى لواحد نحو {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]. والمعنى: حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة، وهي الدم الجامد {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي: جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة، أي: قطعة لحم، كأنها مقدار ما يمضع كالغرفة، وهو ما يغترف. وسمى التحويل خلقاً، لأنه تعالى يفني بعض أعراضها، ويخلق أعراضاً غيرها، فسمى خلق الأعراض خلقاً لها، كأنه سبحانه يخلق فيها أجزاء زائدة. قوله: {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} أي: صيرناها كذلك. وقرأ العامة: "عِظاماً" و"العِظَام" بالجمع فيهما، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: "عَظْماً" و"العَظمَ" بالإفراد فيهما، والسلمي والأعرج، والأعمش بإفراد الأول وجمع الثاني، وأبو رجاء، ومجاهد، وإبراهيم بن أبي بكر بجمع الأول وإفراد الثاني عكس ما قبله. فالجمع على الأصل، لأنه مطابق لما يراد به، والإفراد للجنس كقوله: "وَالمَلَكُ صَفًّا"، وكقوله: {أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4]. وقال الزمخشري: وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس، لأنَّ الإنسان ذو عظام كثيرة. قال أبو حيان: وهذا عند سيبويه وأصحابه لا يجوز إلا (لضرورة) وأنشدوا: شعر : 3784- كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُم تَعِفُّوا تفسير : وإن كان معلوماً أن كل واحد له بطن. قال شهاب الدين: ومثله: شعر : 3785- لا تُنْكِرُوا القَتْلَ وقَدْ سَبَيْنَا فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجَيْنَا تفسير : يريد في حلوقكم ومثله قوله الآخر: شعر : 3786- بِهَا جِيَفُ الحسْرَى فأَمَّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ وأَمّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : يريد جلودها، ومنه "وعَلَى سَمْعِهِمْ". قوله: {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} أي: ألبسنا، لأنّ اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة (لها) قيل: بين كل خلقين أربعون يوماً. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} أي: خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل جزء من أجزائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة والضحاك وأبو العالية: المراد بالخلق الآخر هو نفخ الروح فيه. وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر، وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكر أو أنثى. وروى العوفي عن ابن عباس: أنّ ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتفاع إلى القعود إلى القيام إلى المشي إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم، وخلق الفهم والعقل ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها إلى أنْ يموت. قالوا: وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول النظام أن الإنسان هو الروح لا البدن، فإنه سبحانه بَيَّن أنَّ الإنسان هو المركب من هذه الأشياء. وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون: الإنسان شيء لا ينقسم وإنه ليس بجسم. وقال: "فَتَبَارَك اللَّهُ" أي: فتعالى الله، لأنَّ البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة وكل ما زاد على الشيء فقد علاه. ويجوز أن يكون المعنى البركات والخيرات كلها من الله. وقيل: أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال: البقاء والدوام والبركات كلها منه، فهو المستحق للتعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال "أَحسَنُ الخَالِقِينَ" المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير، قال زهير: شعر : 3787- ولأَنْتَ تَفْري مَا خَلقْتَ وَبَعْـ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِي تفسير : قوله: "أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من الجلالة. الثاني: أنه نعت للجلالة، وهو أولى مما قبله، لأنّ البدل بالمشتق يقل. الثالث: أنْ يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو أحسن، والأصل عدم الإضمار. وقد منع أبو البقاء أن يكون وصفاً، قال: لأنه نكرة وإن أضيف لمعرفة لأنّ المضاف إليه عوض عن "من"، وهكذا جميع أفعل منك. قال شهاب الدين: وهذا بناء منه على أحد القولين في أفعل التفضيل إذا أضيف هل إضافته محضة أم لا، والصحيح الأول. والمميز لأفعل محذوف لدلالة المضاف إليه عليه، أي: أحسن الخالقين خلقاً المقدرين تقديراً كقوله: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} تفسير : [الحج: 39] أي: في القتال حذف المأذون فيه لدلالة الصلة عليه. فصل قالت المعتزلة: لولا أن يكون غير الله قد يكون خالقاً لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه: "أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ" و"أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ". والخلق في اللغة: هو كل فعل وُجد من فاعله مقدّراً لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه. قال الكعبي: هذه الآية وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد، كما أنه يجوز أن يقال: رَبُّ الدار، ولا يجوز أن يقول: رب، ولا يقول العبد لسيده: هذا ربّي، ولا يقال: إنما قال الله سبحانه ذلك لأنه وَصفَ عيسى - عليه السلام - بأنه يَخْلُق مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. لأنا نجيب من وجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه "أَحسَنُ الخَالِقِينَ" الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح. الثاني: أنه إذا صحّ وصف عيسى بأنه يخلق صحّ أنّ غيره سبحانه يخلق وصحّ أيضاً وصف غيره من المصورين بأنه يخلق. وأجيب بأن هذه الآية معارضة بقوله: {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر: 62] فوجب حمل هذه الآية على أنه "أَحسَنُ الخَالِقينَ" في اعتقادكم وظنكم كقوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. وجواب ثان، وهو أنّ الخالق هو المقدر، لأن الخلق هو التقدير، فالآية تدل على أنه تعالى أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله تعالى محال، فتكون الآية من المتشابه. وجواب ثالث: أنّ الآية تقتضي كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً لكن لم قلت إنه خالق بمعنى كونه موحداً. فصل قالت المعتزلة: الآية تدل على أنّ كل ما خلقه الله حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية، فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما. وأجيب بأنّ من الناس من حمل الحسن على الأحكام والإتقان في التركيب والتأليف، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله كل الأشياء، لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء. فصل روى الكلبي عن ابن عباس حديث : أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله: "خَلْقاً آخَرَ" عجب من ذلك فقال: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحَسَنُ الخَالِقِينَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبْ فَهكَذَا نزلت" فشك عبد الله وقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول، فإنه يُوحَى إليّ كما يُوحَى إليه، وإن كان كاذباً فلا خير في دينه، فهرب إلى مكة، فقيل: إنه مات على الكفر، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح تفسير : وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: فتبارك اللَّهُ أحسن الخالقين. فقال رسول الله: "هكذا أُنزلَ يا عمر ". تفسير : وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع: الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهنّ: أو ليُبْدِلَهُ اللَّهُ خيراً مِنْكُنّ، فنزل قوله: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} تفسير : [التحريم: 5]، والرابع قوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} قال العارفون: هذه الواقعة كانت من أسباب السعادة لعمر، وسبب الشقاوة لعبد الله، كما قال تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة: 26]. فإن قيل: فعلى كل الروايات فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن، وذلك يقدح في كونه معجزاً كما ظنّه عبد الله. فالجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز، فسقطت شبهة عبد الله. قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي: بعدما ذكر، ولذلك أفرد اسم الإشارة، وقرأ العامة "لَمَيِّتُونَ"، وزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن "لَمَائِتُونَ" والفرق بينهما: أن الميّت يدل على الثبوت والاستقرار، والمائت على الحدوث كضيق وضائق وفرح وفارح، فيقال لمن سيموت: ميّت ومائت، ولمن مات: ميّت فقط دون مائت، لاستقرار الصفة وثبوتها، وسيأتي مثله في الزمر إن شاء الله تعالى. فإن قيل: الموت لم يختلف فيه اثنان وكم من مخالف في البعث، فَلِم أَكّد المجمع عليه أبلغ تأكيد وترك المختلف فيه من تلك المبالغة في التأكيد؟ فالجواب: أنّ البعث لما تظاهرت أدلته وتظافرت، أبرز في صورة المجمع عليه المستغني عن ذلك، وأنهم لَمَّا لم يعملُوا للموت، ولم يهتموا بأموره، نُزِّلوا منزلة من يُنكره، فأبرز لهم في صورة المنكر الذي استبعدوه كل استبعاد. وكان أبو حيان سئل عن ذلك، فأجاب بأنّ اللام غالباً تخلص المضارع للحال، ولا يمكن دخولها في "تُبْعَثُونَ"، لأنه مخلص للاستقبال لعمله في الظرف المستقبل، واعترضَ على نفسه بقوله: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [النحل: 124] فإن اللام دخلت على المضارع العامل في ظرف مستقبل وهو "يَوْمِ القِيَامَة" فأجاب بأنه خرج هذا بقوله: غالباً، وبأن العامل في "يوم القيامة" مقدر، وفيه نظر إذ فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه. و"بَعْدَ ذَلِك" متعلق بـ "مَيِّتُونَ"، ولا تمنع لام الابتداء من ذلك. قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع. فإن قيل: ما الحكمة في الموت، وهلا وَصَل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون ذلك في الإنعام أبلغ؟ فالجواب هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله بدليل أنه لو قيل لمن يصوم: إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال فإنه لا يأتي بذلك الفعل إلا لطلب الجنة، فلا جرم أخره وبعده بالإماتة، وهو الإعادة، ليكون العبد عابداً لطاعته لا لطلب الانتفاع. فإن قيل: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة. فالجواب من وجهين: الأول: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة. والثاني: أنّ الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإحياء والإماتة والإعادة والذي تُرك ذكره فهو من جنس الإعادة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} قال بدء آدم خلق من طين {ثم جعلناه نطفة} قال: ذرية آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} قال: هو الطين إذا قبضت عليه خرج ماؤه من بين أصابعك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة} قال: استل استلالاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {من سلالة} قال: السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {من سلالة} قال: من مني آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: الإنسان خلق من طين، وإنما تلين القلوب في الشتاء. وأخرج عبد الزراق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر فتمكث أربعين يوماً ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة. وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً "النطفة التي يخلق منها الولد ترعد لها الأعضاء والعروق كلها، إذا خرجت وقعت في الرحم". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألنا ابن عباس عن العزل فقال: اذهبوا فاسألوا الناس ثم ائتوني واخبروني، فسألوا ثم اخبروه أنهم قالوا أنها الموءودة الصغرى وتلا هذه الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة} حتى فرغ منها، ثم قال: كيف تكون من الموءودة حتى تمر على هذه الخلق؟. وأخرج عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن عزل النساء فقال: ذلك الوأد الخفي. وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال في العزل: هي الموءودة الخفية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ {فخلقنا المضغة عظاماً} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة أنه كان يقرأ "فخلقنا المضعة عظماً فكسونا العظام لحماً". وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ "فخلقنا المضغة عظما" بغير ألف "فكسونا العظم" على واحده. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: نفخ فيه الروح. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: جعل فيه الروح. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعكرمة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: حين استوى به الشباب. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: الأسنان، والشعر، قيل أليس قد يولد وعلى رأسه الشعر؟ قال: فأين العانة والإِبط؟. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبي الخليل قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال عمر {فتبارك الله أحسن الخالقين} فقال "حديث : والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت يا عمر ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير: يارب أمرت الماء فجمد في وسط الهواء فجعلت منه سبعاً وسميتها السموات، ثم أمرت الماء ينفتق على التراب، وأمرت التراب أن يتميز من الماء فكان كذلك، فسميت ذلك جميع الأرضين وجميع الماء البحار، ثم خلقت من الماء أعمى عين بصرته، ومنها أصم آذان أسمعته، ومنها ميت أنفس أحييته، خلقت ذلك بكلمة واحدة، منها ما عيشه الماء ومنها ما لا صبر له على الماء خلقاً مختلفاً في الأجسام والألوان، جنسته أجناساً، وزوجته أزواجاً، وخلقت أصنافاً، وألهمته الذي خلقته، ثم خلقت من التراب والماء دواب الأرض وماشيتها وسباعها {أية : فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع}تفسير : [النور: 45] ومنهم العظم الصغير ثم وعظته بكتابك وحكمتك، ثم قضيت عليه الموت لا محالة. ثم أنت تعيده كما بدأته وقال عزير: اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك فأتى على مشيئتك، ثم زرعت في أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد تسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك، ثم زرعت في أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد تسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك مختلفاً أكله ولونه وريحه وطعمه، منه الحلو، ومنه الحامض، والمر، والطيب ريحه، والمنتن، والقبيح، والحسن، وقال عزير: يارب إنما نحن خلقك وعمل يديك، خلقت أجسادنا في أرحام أمهاتنا، وصورتنا كيف تشاء بقدرتك. جعلت لنا أركاناً، وجعلت فيها عظاماً، وفتقت لنا أسماعاً وأبصاراً، ثم جعلت لنا في تلك الظلمة نوراً، وفي ذلك الضيق سعة، وفي ذلك الفم روحاً، ثم هيأت لنا من فضلك رزقاً متفاوتاً على مشيئتك، لم تأن في ذلك مؤنة ولم تعي منه نصباً، كان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء، والملائكة يحملون عرشك ويسبحون بحمدك، والخلق مطيع لك خاشع من خوفك لا يرى فيه نور إلا نورك، ولا يسمع فيه صوت إلا سمعك، ثم فتحت خزانة النور وطريق الظلمة فكانا ليلاً ونهاراً يختلفان بأمرك. وأخرج بن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله آدم كما شاء ومما شاء، فكان كذلك {فتبارك الله أحسن الخالقين} خلق من التراب والماء، فمنه شعره ولحمه ودمه وعظامه وجسده، فذلك بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم، ثم جعلت فيه النفس فيها يقوم ويقعد ويسمع ويبصر ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقي ما تتقي ثم جعلت فيه الروح، فيه عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، وبه حذر وتقدم واستتر وتعلم ودبر الأمور كلها فمن التراب يبوسته، ومن الماء رطوبته، فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم كما أحب أن يكون، ثم جعلت فيه من هذه الفطر الأربع أنواعاً من الخلق أربعة في جسد ابن آدم، فهي قوام جسده وملاكه بإذن الله وهي: الْمِرَّةُ السوداء، والْمِرَّةُ الصفراء، والدم، والبلغم، فيبوسته وحرارته من النفس ومسكنها في الدم، وبرودته من قبل الروح ومسكنه في البلغم، فإذا اعتدلت هذه الفطر في الجسد فكان من كل واحد ربع كان جسداً كاملاً، وجسماً صحيحاً، أو إن كثر واحد منها على صاحبه قهرها وعلاها وأدخل عليها السقم من ناحيته، وإن قل عنها وأخذ عنها غلبت عليه وقهرته ومالت به وضعفت عن قوتها وعجزت عن طاقتها وأدخل عليها السقم من ناحيته، فالطبيب العالم بالداء يعلم من الجسد حيث أتي سقمه، أمن نقصان أم من زيادة. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث إليها ملك فنفح فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} يعني نفخ الروح فيه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دله على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، تعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة {ثم أنشأناه خلقاً آخر} قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال: يصنعون، ويصنع الله والله خير الصانعين. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال: عيسى ابن مريم يخلق. وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع. قلت: يا رسول الله لو صليت خلف المقام. فأنزل الله {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مُصَلَّى} تفسير : [البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجاباً فإنه يدخل عليك البر والفاجر. فأنزل الله {أية : وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب}تفسير : [الأحزاب: 53] وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن. فأنزلت {أية : عسى ربه إن طلقكن}تفسير : [التحريم: 5]. ونزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} . إلى قوله {ثم أنشأناه خلقاً آخر} فقلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت {فتبارك الله أحسن الخالقين}. وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: أملى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله {خلقاً آخر} فقال معاذ بن جبل فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: ما أضحكك يا رسول الله؟ حديث : قال: إنها ختمت {فتبارك الله أحسن الخالقين} . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} قال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت {فتبارك الله أحسن الخالقين}

السلمي

تفسير : قوله عزَّ وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [الآية: 12]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ابتدأ الله فى سبب الخلق أنه أوجد نطفة ثم أنشأها إنشاءً ثم نقلهم من طبق إلى طبق، وجعلهم مضغًا بعد العلق ثم بعد المضغة عظمًا، ثم كسى العظم لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر، فشقق فيه الشقوق، وخرق فيه الخروق، وأمزج فيها العصب، ومدَّ فيها القصب وجعل العروق السايرة كالأنهار الجارية بين القطع المتجاورة، ثم أخبر عن فعله فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ...} الآية. وقال الحسين: الخلق متفاوتون فى منازل خلقهم وصفاتهم، وقد كرم الله بنى آدم بصورة الملك، وروح النور، ونور المعرفة والعلم وفضلهم على كثير ممن خلقهم تفضيلاً. وقال أيضًا: خلق بنى آدم من الماء والتراب بين الظلمة والنور، فعدل خلقهم، وزاد المؤمنين بإيمانهم نورًا مبينًا، وهدىً وعلمًا، وفضلهم على سائر العالمين، كما نقلهم فى بدء خلقهم من حالٍ إلى حال، وأظهر فيهم الفطرة والآيات، وتكامل فيهم الصنع والحكمة والبينات وتظاهر عليهم الروح والنور والسبحات منذ كانوا ترابًا ونطفة وعلقة، ومضغة، ثم جعلهم خلقًا سويًا إلى أن كملت فيهم المعرفة الأصلية. قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ.. إلى قوله .. فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [الآية: 12-14]. وقال الحسين: خلق الخلق على أربع أصول فاعتدلها على أربع أصول: الربع الأعلى: إلهية، والربع الآخر: آثار الربوبية، والربع الآخر: النورية بين فيه التدبير والمشيئة، والعلم والمعرفة، والفهم والفطنة، والفراسة والإدراك، والتمييز ولغات الكلام والربع الاخر: الحركة والسكون كذلك خلقه فسَوَّاه. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}. قال الحسين: فطر الأشياء بقدرته، ودبرها بلطف صنعه فأبدأ آدم كما شاء لما شاء، وأخرج منه ذرية على النعت الذي وصف من مضغة وعلقة، وبدائع خلقه، وأوجب لنفسه عند خلقته اسمه الخالق، وعند صنعة الصانع، ولم يحدثوا له اسمًا كان موصوفًا بالقدرة على إبداع الخلق فلما أبدأها أظهر اسمه الخالق للخلق، وأبرزها لهم، وكان هذا الاسم مكتوبًا لديه، مدعوًا به فى أزله اسمى بذلك نفسه، ودعا نفسه به فالخلق جميعًا عن إدراك وصفه عاجزون، وكل ما وصف الله به نفسه فهو له وأعز وأجل وأظهر للخلق من نعوته ما يطيقونه، ويليق بهم فتبارك الله أحسن الخالقين.

القشيري

تفسير : عَرَّفهم أصلَهم لئلا يُعْجَبُوا بِفْعلِهم. ويقال نَسَبَهُم لئلا يخرجوا عن حَدِّهم، ولا يغلطوا في نفوسهم. ويقال خَلَقَهم من سُلالَةٍ سُلَّتْ من كل بقعه؛ فمنهم مَنْ طينته من جَرْدَةٍ أو من سَبْخَةٍ أو من سَهْلٍ، أو من وَعْرٍٍ.. ولذلك اختلفت أخلاقهم. ويقال بَسَطَ عُذْرَه عند الكافة؛ فإنَّ المخلوقَ من سلالة من طين... ما الذي يُنْتَظَرُ منه؟! ويقال خلقهم من سلالة من طين، والقَدْرُ للتربية لا للتربة. ويقال خلقهم من سلالة ولكنَّ مَعْدِنْ المعرفةِ ومَرْتَعْ المحبةِ ومتعلقَّ العناية منه لهم؛ قال تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. ويقال خَلَقَهم، ثم من حالٍ إلى حالٍ نَقَلَهم، يُغَيِّر بهم ما شاء تغييره.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} لما خلق الله سبحانه الكون والكاينات من العرش الى الثرى طبق العرض فوق الكرسى وطبق الكرسى فوق السماوات السبع وقد احاط الكرسى بالسماوات وركب بعضها بعضا ثم تجلى من قهر سلطان عظمته وجلال قدمه بنعت الاستواء على العرض فزلزل العرش ثم تزلزل الكرسى ثم تزلزلت السماوات من ثقل الكرسى وعرق الكرسى من ثقل العرش وعرق العرش من ثقل ---- الاستواء فجرى عرقها وصار بحور قد خلت البحور بين السماوات وتلاطمها حتى القت خوالص زبدها وروحها فوقها فيبست تلك الزبدة التى هى حقائق عرق الوجود الذى صدر من نور الاستواء وهو حامل السر التجلى قد خلت البحور تحتها وصارت كالزبدة اليابسة من كثرة حركة محاض الكون ثم انسطحت واظهرت حقايقها فمضت عليه ايام الله التى معهدها فرد انوار تجلى الصفات والذات عليها فلما رباها الحق بافانين تجلى صفاته وذلك فيض عنها قبضة بقبضة جبروته وطرحها فوق ملكوته وتلك القبضة من خالص تلك الزبدة المعجونة لعقاقير انوار الصفات فمطر عليها وبل بحر الالوهية وخمرها بايدى العزة وصورها بنقوش خاتم الملك والقاها فى واد القدرة بين فضاء الازل والأباد حتى مضى اصباح مشاق شموس الذات واقمار الصفات ثم كشف سر الغيرة من الروح التى خلقها قبل صورتها بالفى الف عام وكانت فى حجال الانس وبحار القدس صدرها من مكامن غيوب العلوم وسر اسرار ودائع اسرار الذات والصفات والقدم والبقاء وصفة حبيب الله صلوات الله عليهما بقوله خلق الله أدم على صورته وكان عليه السّلام معادن الارواح القدسية والاشباح الانسية فاذا اراد سبحانه خلق ذريته حركة بقدرته والقى عليه سباتا من عظته واخرج حواء من ضلعه ثم حرّكها بسر سره ذلك السر شهوتهما التى اورث فيها تجلى نعوت الجمال والجلال فوصل الشهوة بالشهوة وانشقت بالنطفة الخالصة التى مصادرها ما ذكرنا من اسرار تجلى الاستواء وابقاها فى مصدر الفعل وقلبها فى دعوى التجلى وايام التدلى وساعات كشف الملكوت والجبروت والملك والقدرة ثم تجلى لها فى قرار رحم الفعل بالهيبة والعزة فصارت ملونة بلون حسن الفعل الذى هو مرأة تجلى الجمال وذلك قوله سبحانه {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} فلما اذابها فى كبر العشق بنفخ المحبة وصبغها بصبغ المودة صبغها فى بوتقة الفطرة ذهبا لنقش نقوش خاتم الملك والقاها فى مشرق كشف شموس الربوبية حتى نضجت بنيان المحبة وصارت سبيكة من لطف التجلى وهذا معنى قوله {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} ثم صيّرها سوا فى بحار وماء الطبيعة وجعل سواقيها عروق مشارب الفطرة فتحركت من غلبتها فغرس فيها الحق اشجار فعله حتى سكن بناها باستوائه قدرته بقوله {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} ثم خلعها خلعة مزيد فيض النظر فى زمان التربية بقوله {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} ثم تركها فى ضياء فعله ونور تجلى قدرته ليكمل استعدادها قبول نقش الملك فنقشها بنقش سر العلم بصورة أدم ثم زين وحجها بزينة نور جماله وصورها بصورة رفع فعله وكلها برحمته وجعل قلبها مجامع الاخلاق وكيدها مجامع الطبائع ودماغها منورا بنور عقل ---- فلما كساها نور خلقه وكملها بقدرته وادخلها روحه فصار أدم ثانيا مواضع كنوز ربوبيته وحقائق قدرته وعلمه وهذا معنى قوله {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} ثم نزه نفسه عن المشاهدة بالحدث والتغائر بتغائر الزمان والمكان بقوله {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} قدس جلاله عن الابعاض والتجزى والتمثيل والتصوير ما احسن صنعه وقدرته حين جاء أدم عالما وجعل فى أدم ما فى جميع العالم وقال الحسين الخلق متفاوتون فى منازلهم ومقامات خلقهم وصفاتهم وقد كرم الله بنى أدم بصورة الملك والملكوت وروح النور ونور المعرفة والعلم وفضلهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا وقال ايضا خلق بنى أدم بين الامر والثواب وبين الظلمة والنور فعدل خلقهم وزاد المؤمنين بايمانهم نور مبينا وهدى وعلما وفضلهم على ساير العالمين كما نقلهم فى بدر خلقهم من حال الى حال فاظهر فيهم القطرة والاياب وتكامل فيهم الصنع والحكمة والبينات وتظاهر عليهم الروح فالنور والسبحات مذ كانوا ترابا ونطفة وعلقة ومضغة ثم جعله خلقا سويا الى ان كملت فيهم المعرفة الاصلية قال الله لو قد خلقنا الانسان الى قوله احسن الخالقين وقال الحسين خلق الخلق فاعدلها على اربع اصول الربع الا على الهيبة والربع الأخر أثار الربوبية والربع الأخر النورية بين فيها لتدبير والمشية والعلم والمعرفة والفهم والفطنة والفراسة والادراك والتمييز وافات الكلام والربع الأخر الحركة والسكون كذلك خلقه فسواه وقال ايضا فى قوله ثم انشاناه خلقا أخر فطر الاشياء بقدرته ودبرها بلطيف صنعه فابدا أدم كما شاع لما شاع واخرج منه ذرية على النعت الذى وصف من مضغة وعلقة وبدايع خلقه واوجب لنفسه ----- اسم الخالق عند صنعة الصانع لم يحدثوا له اسما كان موصوفا بالقدرة على ابداء الخلق فلما -----اظهر اسمه الخالق للمخلوق وابرزه لهم وكان هذا اسم مكنونا لديه مدعوا فى ازاله سمى بذلك نفسه روعا نفسه به بالخلق جميع عن ادراك وصف قدرته عاجزون ولك ما وصف الله به نفسه فهو له وهم له واجل اظهر للخلق من نعوته ما يطيقونه ويليق بهم فتبارك الله احسن الخلاقين ثم ان الله سبحانه بعد ومن الخلق والخليقة وأدم والذرية اعلمنا محل فنائنا عن هذه الاوصاف الكاملة والصنايع الشريفة ------ فى التراب واظهار زيادة قدرة فينا بادخال حياة ثانية فى اشباحنا وتربية ثانية فى اروحنا بقوله {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} الموت يتعلق بصعقة سطوات العزة وظهور انوار العظمة وحيوتنا يتعلق بكشف جمال الازلى هناك تعيش الارواح والاشباح بحياة وصالية لا يجرى بعدها موت الفراق قال الحسين ملك الموت هو موكل بارواح بنى أدم وملك الفناء موكل بارواح البهائم --- العلماء هو بقاؤهم الا انه استتار عن الابصار وموت المطيعين المعصية اذا عرف من عصاه وقال بعضهم من مات من الدنيا خرج الى حياة الأخرة من مات من الاخرة خرج منها الى الحياة الاصلية والبقاء مع الله ثم بين سبحانه وصف اعلام قدرته وعجائب صنوف صنعه فى خلقه من سمواته وما فيها من طرقها الى --- ملكوته بقوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} اوضح سبع طرائق لنا الى انوار صفاته السبعة وتلك الطرائق طريق الروح الى معادن الربوبية وعرفانها بالحقيقة فمنها طريق العقل ومنها طريق العلم ومنها طريق الحكمة ومنها طريق المعاملة ومنها طريق النفس ومنها طريق القلب ومنها طريق السر وطريق العقل التفكر فى الالاء والنعماء وطريق العمل معرفة الخطاب وطريق الحكمة المعرفة بحقيقة الاشياء وطريق المعاملة تحصيل ---- وصفاتها باستعمال الاداب وطريق النفس قطعها عن حظوظها والمعرفة بمكائدها واخلاقها وطريق القلب المعرفة بنازلات لطائف الغيب فيه وطريق السر معرفة اتصالها بنور الحضرة فمن قطع هذه الطرق يصل الى سبع الصفات ورؤيتها والعلم بها حتى يصل الى بحار الذات واستغرق فيها بنعت الحيرة فاذا استغاث من حيرته به ادركه بفيض المعرفة والوصلة وذلك معنى قوله وما كنا عن الخلق غافلين ظاهر الأية تنبيه يوجب الاجلال والتعظيم فى منازل المعاقبات فمن بقى فى هذه الحجب السماوية والارضية وارتهن بشئ منها فقد انقطع عن مواصلة المشاهدة قال ابو يزيد فى هذه الأية ان لم تعرف فقد عرفك --- تصل اليه فقد وصل اليك غبت او غفلت عنه فليس عنك بغائب ولا غافل قال الله تعالى وما كنا عن الخلق غافلين وقال بعضهم سبع حجب متصلة تحجبه عن ربه فالحجاب الاول عقله والحجاب الثانى علمه والحجاب الثالث قلبه والحجاب الرابع حبه والحجاب الخامس نفسه والحجاب السادس ارادته والحجاب السباع شميته فالعقل باشتغاله بتدبير الدنيا والعلم لمباهاته مع الاقران والقلب الغفلة والحواس لاغفالها عن موارد الامور عليها والنفس لانها ماوى كل بلية والارادة هى ارادة الدنيا والاعراض عن الأخرة والمشية وهى ملازمة الذنوب وقال الاستاذ فوقنا حجب ظاهرة وباطنه ففى ظاهر السماوات حجب تحويل بيننا وبين المنازل العالية وعلى القلوب المغشية غطاء كالمنية والشهوة والارادة الشاغلة الغفلات المتراكمة اما المريدون اذا اظلتهم سحايب الفترة سكن هيجان ارادتهم فذلك من الطرائق التى علتهم واما الزاهدون فاذا تحرك بهم عروق الرغبة نفذ قوة زهدهم وضعف دعائهم صبرهم فيترخصون بالجنوح الى بعض التأويلات فيعود رغباتهم قليلا قليلا ويحيل رتبة ---- وتنهد دعائم زهدهم فبداية ذلك من الطرائق التى خلق فوقهم واما العارفون فربما تظلهم فى بعض ---- وقفه فى تصاعد سرّهم الى ساحات الحقائق فيصيرون موقوفين ريث ما يتفضل الحق سبحانه بكفاية ذلك فيجدون نفاذ او يرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق وفى جميع هذا الحق سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق غافل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد خلقنا الانسان} اللام جواب قسم اى وبالله لقد خلقنا جنس الانسان فى ضمن خلق آدم خلقا اجماليا {من سلالة} يقال سل الشىء من الشىء نزع كسل السيف من الغمد وسل الشىء من البيت على سبيل السرقة وسل الولد من الاب ومنه قيل للولد سليل. والسلالة اسم ماسل من الشىء واستخرج منه فان فعاله اسم لما يحصل من الفعل فتارة يكون مقصودا منه كالخلاصة واخرى غير مقصود منه كالقلامة والكناسة والسلالة من القبيل الاول فانها مقصودة مايسل ومن ابتدائية متعلقة بالخلق اى من خلاصة سلت من بين الكدر كما فى الجلالين {من طين} من بيانية متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة اى خلقنا من سلالة كائنة من طين: وبالفارسية [خلاصه وازنقاوه كه بيرون كشيده شده از كل] والطين التراب والماء المختلط به. وفى التأويلات النجمية يشير الى سلالة سلت من جميع الارض طيبها وسبخها وسهلها وجبلها باختلاف الوانها وطبائعها المتفاوتة ولهذا اختلفت الوانهم واخلاقهم لانه مودع فى طبيعتهم ماهو من خواص الطين الذى اختص بخاصية منها نوع من الحيوان من جنس البهائم والسباع والجوارح والحشرات المؤذيات الغالبة على كل واحد منها صفة من الصفات الذميمة والحميدة. فاما الذميمة فكالحرص فى الفأرة والنملة وكالشهوة فى العصفور وكالغضب فى الفهد والاسد وكالكبر فى النمر وكالبخل فى الكلب وكالشره فى الخنزير وكالحقد فى الحية وغير ذلك من الصفات الذميمة واما الحميدة فكالشجاعة فى الاسد والسخاوة فى الديك والقناعة فى البوم وكالحلم فى الجمل وكالتواضع فى الهرة وكالوفاء فى الكلب وكالبكور فى الغراب وكالهمة فى البازى والسلحفاة وغير ذلك من الصفات الحميدة فقد جمعها كلها مع خواصها وطبائعها ثم اودعها فى طينة الانسان وهو آدم عليه السلام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "خلق": إن كان بمعنى اخترع وأحدث؛ تعدى إلى واحد، وإن كان بمعنى صَيَّر؛ تعدى إلى مفعولين، ومنه {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً}، ومن بعده. يقول الحق جل جلاله: {ولقد خلقنا الإنسان}؛ جنس الإنسان، أو آدم، {من سُلالةٍ}؛ "من": للابتداء، والسلالة: الخُلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر، وهو ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، فإن (فُعالة) اسم لما يحصل من الفعل، فتارة يكون مقصوداً منه، كالخُلاصة، وتارة غير مقصود، كالقُلامة والكناسة، والسلالة من قبيل الأول؛ فإنها مقصودة بالسَّل، وقيل: إنما سمي التراب الذي خُلق منه آدم سلالة، لأنه سُلّ من كل تربة. وقوله: (من طين)، بيان، متعلقة بمحذوف، صفة للسلالة، أي: خلقناه من سلالة كائنة من طين. {ثم جعلناه} أي: الجنس، باعتبار أفراده المتغايرة لآدم عليه السلام، وجعلنا نسله، على حذف مضاف، إن أُريد بالإنسان آدم، فيكون كقوله تعالى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 8،7] أي: جعلنا نسله {نطفة}: ماءً قليلاً {في قرار مكين} أي: في مستقر - وهو الرحم - (مكين): حصين، أو متمكن فيه، وَصف الرحم بصفة ما استقر فيه، مثل طريق سائر، أي: مسير فيه. {ثم خلقنا النطفة علقة} أي: دماً جامداً، بأن جعلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، {فخلقنا العلقة مُضغة} أي: قطعة لحم لا استبانةَ ولا تمايز فيها, {فخلقنا المضغة} أي: غالبها ومعظمها، أو كلها {عظاماً}، بأن صلبناها، وجعلناها عَموداً على هيئةٍ وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة، {فكسونا العظام} المعهودة {لحما} بأن أنبتنا عليها اللحم، فصار لها كاللباس، أو كسونا كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم، على مقدار لائق به، وهيئة مناسبة. وقرئ بالإفراد فيهما، اكتفاء بالجنس، وبتوحيد الأول فقط، وبتوحيد الثاني فحسب. {ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي: خلقاً مبايناً للخلق الأول، حيث جعله حيواناً، وكان جماداً، وناطقاً وسميعاً وبصيراً، وكان بضد هذه الصفات، ولذلك قال الفقهاء: من غصب بيضة فأفرخت عنده ضمِّنَ البيضة، ولم يَرُدّ الفرخ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة. {فتبارك الله أحسن الخالقين} أي: فتعالى أمره في قدرته الباهرة، وعلمه الشامل. والالتفات إلى الإسم الجليل؛ لتربية المهابة، وإدخال الروعة، والإشعار بأنَّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية، وللإيذان بأنَّ من حق كل من سمع ما فصَّل من آثار قدرته تعالى أو لاحظه، أن يسارع إلى التكلم به، إجلالاً وإعظاماً لشؤونه تعالى، وقوله: (أحسن الخالقين): بدل اسم الجلالة، أو نعت، على أنَّ الإضافة محضة؛ ليطابقه في التعريف، أو خبر، أي: هو أحسن الخالقين خلقاً، أي: أحسن المقدرين تقديراً، فحذف التمييز؛ لدلالة الخالقين عليه. قيل: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ أبي سَرْح كان يَكْتُبُ الوحيَ للنبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انتهى - عليه الصلاة والسلام - إلى قوله: {خلقا آخَر}، سَاَرَعَ عبدُ الله إلى النُطقِ بِذَلِكَ، فَنَطَقَ بذلِكَ، قبل إِمْلاَئِهِ، فَقَالَ له رسُول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اكْتبْ، هَكَذَا أُنْزِلَتْ" تفسير : فَشَكَّ عبدُ الله، فَقَالَ: إنْ كانَ مُحمدٌ يُوحَى إليْهِ، فَأَنَا يُوحَى إليَّ، فارتدَّ ولَحِق بمكَّةَ كافِراً، ثم أَسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ. وقيل: الحكاية غير صحيحة؛ لأن ارتداده كان بالمدينة، والسورة مكية. ثم قال تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك} أي: بعد ما ذكر من الأمور العجيبة، حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من البُعد، المشعر بعُلُوِّ مرتبة المشار إليه وبُعد منزلته في الفضل، {لميتون}: لصائرون إلى الموت لا محالة، كما يؤذن به صيغة الصفة، وقرئ "المائتون"، {ثم إنكم يوم القيامة} أي: عند النفخة، {تبعثون} في قبوركم للحساب والمجازاة، فإن قلت: لِمَ أكدَّ الأول بإنّ واللام، وعبَّر بالاسم دون الثاني، الذي هو البعث، والمتبادر للفهم العكس؛ لأن الموت لم ينكره أحد، والبعث أنكره الكفار والحكماء؟ فالجواب كما قال ابن عرفة: إنه من حمَل اللفظ على غير ظاهره، مثل: شعر : جَاءَ شَقِيقٌ عَارضاً رُمْحَه إِنَّ بني عَمِّك فِيهِمْ رِمَاحُ تفسير : فَهُم، لعصيانهم ومخالفتهم، لم يعملوا للموت، فحالهم كحال المنكر لها، ولمّا كانت دلائل البعث ظاهرة صار كالأمر الثابت الذي لا يُرتاب فيه. هـ. الإشارة: اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية، من الضعف والقوة شيئاً فشيئاً، باعتبار قوة اليقين، والترقي إلى العلم بالله ومشاهدته، فتكون أولاً صغيرة العلم، ضعيفة اليقين، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء الأرواح؛ فقوتُ القلوب: العمل الظاهر، وقوت الأرواح: العمل الباطن، فلا تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئاً فشيئاً حتى تقوى على كمالِ غايته، ثم تنتقل إلى قوت العمل الباطن؛ كالذكر القلبي، والتفكر والاعتبار، وجولان القلب في ميادين الأغيار، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار، ثم يفتح لها ميادين الغيوب، ويوسع عليها فضاء الشهود، فيكون قُوتها حينئذٍ رؤية المحبوب، وهو غاية المطلوب، فتبلغ مبلغ الرجال، وتحوز مراتب الكمال، ومن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة طبيب ماهر، يعالجها ويربيها، وينقلها من طور إلى طور، وإلاَّ بقيت الروح مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات، وهي لا تُشبع ولا تُغني من جوع. وبالله التوفيق. ولما ذكر ابتداء الانسان وانتهاءه ذكره بنعمه

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم "عظماً" في الموضعين على التوحيد. الباقون على الجمع. فمن وحد، فلأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن جمع، فلقوله {أية : أإذا كنا عظاماً ورفاتاً} تفسير : وقوله {أية : أإذا كنا عظاماً نخرة} تفسير : وقوله {أية : من يحيي العظام} تفسير : وما أشبه ذلك. يقول الله تعالى على وجه القسم، انه: خلق {الإنسان من سلالة من طين} فقال ابن عباس ومجاهد: المراد بالانسان كل انسان، لانه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة. وقال قتادة: المراد بالانسان آدم، لانه استل من أديم الأرض. وقيل: استل من طين. والسلالة صفوة الشيء التي تخرج منه، كأنها تستل منه. والسلالة صفوة الشيء التي تجري قبل ثفله، وكدره، لانها متقدمة على ثفله، كتقديم السلف والاجر على الآخرة. وقد تسمى النطفة سلالة والولد أيضاً سلالة وسليلة. والجمع سلالات، وسلائل، قال الشاعر: شعر : وهل كنت إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغل تفسير : وقال آخر: شعر : فجاءت به عضب الاديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين تفسير : وقال آخر: شعر : يقذفن فى أسلابها بالسلائل تفسير : وقال آخر: شعر : إذا نتجت منها المهارى تشابهت على القود لا بالانوف سلائله تفسير : وفي الآية دلالة على أن الانسان هو هذا الجسم المشاهد، لأنه المخلوق من نطفة، والمستخرج من سلالة، دون ما يذهب اليه قوم: من انه الجوهر البسيط، او شيء لا يصح عليه النركيب والانقسام، على ما يذهب اليه معمر وغيره. وقوله {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} المعنى جعلنا الانسان، وهو من ولد من نسل آدم {نطفة} وهي القطرة من ماء المني التي يخلق الله منها الحيوان، على مجرى العادة في التناسل، فيخلق الله من نطفة الانسان إنساناً ومن نطفة كل حيوان ما هو من جنسه. ومعنى {مكين} أي مكين لذاك، بأن هيئ لاستقراره فيه الى بلوغ أمده الذي جعل له. وقوله {ثم خلقنا النطفة علقة} فالعلقة القطعة من الدم إذا كانت جامدة، فبين الله تعالى أنه يصير تلك النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، وهي القطعة من اللحم. ثم اخبر انه يجعل المضغة {عظاماً}. وقرئ "عظماً" وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم. فمن قرأ {عظاماً} أراد ما في الانسان من أقطاع العظم. ومن قرأ "عظماً" فلأنه اسم جنس يدل على ذلك. ثم بين تعالى انه يكسو تلك {العظام لحماً} ينشئه فوقها، كما تكسى الكسوة. وقوله ثم {انشأناه خلقاً آخر} يعني بنفخ الروح فيه - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقيل: نبات الأسنان والشعر، واعطاء العقل والفهم. وقيل {خلقاً آخر} معناه ذكر او انثى. ثم قال {فتبارك الله أحسن الخالقين} ومعنى {تبارك} استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل، ولا يزال، وهو مأخوذ من البروك، وهو الثبوت. وقوله {أحسن الخالقين} فيه دلالة على ان الانسان قد يخلق على الحقيقة، لانه لو لم يوصف بخالق إلا الله، لما كان لقوله {أحسن الخالقين} معنى. وأصل الخلق التقدير، كما قال الشاعر: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : ثم خاطب الخلق. فقال {ثم إنكم} معاشر الخلق بعد هذا الخلق والاحياء {لميتون} أي تموتون عند انقضاء آجالكم. يقولون لمن لم يمت ويصح عليه الموت: ميت ومائت. ولا يقولون لمن مات: مائت. وكذلك فى نظائره سيد وسائد. وقوله {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} أي تحشرون إلى الموقف والحساب والجزاء بعد أن كنتم أمواتاً، ولا يدل ذلك على أنه لا يحييهم فى القبور للمساءلة، لان قوله: انه يميتهم عند فناء آجالهم ويبعثهم يوم القيامة، لا يمنع من أن يحييهم فيما بين ذلك، ألا ترى أن القائل لو قال: دخلت بغداد فى سنة مئة، وخرجت منها فى سنة عشر ومئة، لم يدل على أنه لم يخرج فيما بينهما وعاد، فكذلك الآية. على ان الله تعالى اخبر انه أحيا قوماً، فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم، فلا بد من تقدير ما قلناه للجميع. وفيه دلالة على بطلان قول معمر، والنظام فى الانسان.

الجنابذي

تفسير : عطف على قد افلح المؤمنون ووجه المناسبة بينهما انّ فلاح المؤمن عبارة عن خلاصه عن نقائص المادّة وشوائب العدم وخروجه عن القوّة الى الفعليّة واوّل مراتب خلقته ايضاً خلاص من العدم وعن نقائص المادّة وخروج من القوى الى الفعليّات فكأنّه علّل صحّة فلاحه بهذا العطف وقال: انّ فلاحه مثل خلقته المشهودة لكم بحسب آثارها فانّ النّشأة الآخرة مثل النّشأة الدّنيا، ويجوز ان يكون حالاً بهذا المعنى، والسّلالة ما انسلّ من الشّيء ونكّر السّلالة والطّين للاشعار بانّهما كانا نوعين خاصّين من السّلالة والطّين، ومن الاولى ابتدائيّة متعلّقة بخلقنا والثّانية بيانيّة او تبعيضيّة متعلّقة بمحذوفٍ صفة لسلالةٍ، او ابتدائيّة متعلّقة بسلالةٍ، او بمحذوفٍ صفة لسلالة، او هى مع ما بعدها بدل من قوله من سلالة، والمراد بالانسان الجنس وبالسّلالة النّطفة قبل انفصالها من الاصلاب والتّرائب وقبل ان تسمّى نطفةً، وبالطّين طين آدم او الغذاء مطلقاً او الغذاء المهضوم فى المعدة او الكيد او العروق او الاعضاء فانّ الكلّ بوجهٍ تراب خليط بالماء خلطة اتمّ وابلغ من الطّين المعروف، وقيل: المراد بالانسان آدم (ع) ابو البشر، وبالسّلالة التّراب المأخوذ من اديم الارض.

الأعقم

تفسير : {ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين} أي خلقنا الإِنسان مسلوة من الطين أي مسخراً منه قيل: استل آدم من أديم الأرض فخلق منه، وقيل: استل من الطين {ثم جعلناه} أي جعلنا الإِنسان وهو ذرية آدم {نطفة في قرار مكين} {ثم خلقنا النطفة علقة} أي قطعة دم جامد {فخلقنا العلقة مضغةً} أي قطعة لحم {فخلقنا} تلك {المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي جعلناه على صورة قبل نفخ الروح وذلك حيث جعله حيواناً، وكان جماداً وناطقا، وكان أبكم وسميعاً وكان أصم، وبصيراً، وكان أكمه {فتبارك الله أحسن الخالقين} فتبارك الله: فتعالى أمره في قدرته وعلمه، أحسن الخالقين أحسن المقدرين، وروي أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنطق بذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اكتب فبهكذا نزلت" فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فإني نبي يوحى إليّ، فلحق بمكة كافراً ثم أسلم يوم الفتح {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} أي سبع سماوات وسميت بذلك لأنها طرق الملائكة {وما كنا عن الخلق غافلين} فننزل عليكم من السماء يعني من المطر ما يحييكم ويرزقكم، وقيل: أراد خلقنا السماوات والأرض وما كنا غافلين عن شيء {وأنزلنا من السماء ماء بقدرٍ} صفة للماء، أي بقدر معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وعن ابن مسعود: ليست سنه أمطر من سنة لكن الله يصرفه حيث يشاء، وقيل: بقدر ما يكفيهم لزرعهم وشربهم، وقيل: هذا الماء غير ماء المطر وإنما هو أنهار خمس تجري من الجنة، سيحون نهر الهند، وجيحون نهر بلح، ودجلة والفرات نهر العراق، والنيل هو نهر مصر {وإنَّا على ذهاب به لقادرون} فيهلكوا عطشاً وتهلك المواشي وتيبس الأشجار وتخرب الأرض {فأنشأنا لكم به} أي أحدثنا وخلقنا لنفعكم، قوله تعالى: {جنّات} بساتين {من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة} وإنما أجرى العادة أن يخلقها عند سقي الماء {وشجرة تخرج من طور سيناء}، قيل: هو اسم للجبل الذي نودي فيه موسى وهو كثير الشجر، والمراد بالشجرة الزيتون {تنبت بالدهن} معناه تنبت ثمرها بالدهن، والباء زائدة، {وصبغ للآكلين} أي..... آدم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ} والسلالة النطفة تسلّ من الرجل، وكان بدء ذلك من طين. خلق الله آدم من طين، ثم جعل نسله بعد من ماء مهين، أي: ماء ضعيف، يعني النطفة. قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي: في الرحم. قوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً} [يكون في بطن أمه نطفة أربعين ليلة، ثم يكون علقة أربعين ليلة، ثم يكون مضغة أربعين ليلة]. قال: {فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً} وبعضهم يقرأها {عَظْماً} يعني جماعة العظام. {فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً} وبعضهم يقرأها: {فَكَسَوْنَا العَظْمَ لَحْماً}. وهي مثل الأولى. قال: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قال بعضهم: أنشأ عليه الشعَر. وقال الحسن: الروح. وقال بعضهم: ذكراً أو أنثى. وقال الكلبي: الروح، وهو في بطن أمه. قال: {فَتَبَارَكَ اللهُ}. هو من باب البركة كقوله: {أية : فَتَعَالَى اللهُ} تفسير : [الأعراف: 190] {أَحْسَنُ الخَالِقِينَ}، أي: أن العباد قد يعملون ما يشبهون بخلق الله، ولا يستطيعون أن ينفخوا فيه الروح. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله: من أظلم ممن يخلق كخلقي، فليخلقوا ذباباً أو ذرة أو بعوضة ". تفسير : ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله . تفسير : ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: وافقني ربي، أو وافقت ربي في أربع: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلًّى، فأنزل الله: (أية : وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) تفسير : [البقرة: 125]. ولما نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده لقد ختمها الله بما قلت. تفسير : [وقلت: يا رسول الله، لو حجبت نساءك، فإنه يدخل عليهن الصالح وغيره، فأنزل الله آية الحجاب. وكان بين نبي الله وبين نسائه شيء، فقلت لتنتهن أو ليبدلنَّه الله أزواجاً خيراً منكن، فأنزل الله: (أية : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنْكُنَّ) تفسير : [التحريم: 5].

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنَسان} الجنس عند ابن عباس {مِن سُلاَلَةٍ} خلاصه لانها سلت من بين الكدر (وفعالة) من بناء القلة كالقلامة والقمامة * {مِّن طِينٍ} نعت سلالة (ومن) للتبعيض او لبيان أو متعلق بسلالة لانه بمعنى مسلولة فتكون للابتداء كالاولى ومعنى خلق الناس من الطين انهم خلقوا من سلالات من طين كانت في آدم ثم جعلت في الارحام نطفا كما قال {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ} اي الانسان {نُطْفَةً} وسماه انسانا مع انه سلالة من طين تحولت دما ولحما ثم نطفة لانه يكون انسانا بعد والسلالة والنطفة اصله منهما خلق و (الهاء) للسلالة وذكرها لانها جوهر وبمعنى مسلول أو بمعنى ماء فقد فسر الحسن السلالة بماء بين ظهراني الطين * {فِي قَرَارٍ} مكان استقرار * {مَّكِينٍ} حصين وهو الرحم ومكين في الاصل من اوصاف المستقر في المكان وصف به المكان مبالغة كما عبر عنه بالقرار مبالغة أو هو من أوصاف المكان نفسه فانها مكنت بحيث هي واحرزت أو الانسان آدم وهو قول قتادة قالها في {جَعَلْنَاه} اما عائدة اليه على حذف مضاف اي جعلنا ذريته واما عائدة إلى الانسان المذكور لكن بمعناه الذي هو آدم بل بمعناه الذي هو الذرية على طريق الاستخدام ثم رايت السيوطي نص عليه واقتصر عليه. وقيل: المراد بالطين آدم لانه قد كان طينا والسلالة نطفته والانسان والها الذرية.

اطفيش

تفسير : {ولَقد خَلقْنا} ووالله لقد خلقنا الإنسان، وقيل لا قسم، بل عطفت جملة على جملة، قلت: لا بد من هذا العطف، ولو قدرنا القسم لوجود العاطف قبل واو القسم {الإنسان} الجنس غير آدم {من سلالة} شىء استخرج بسهولة، وهذا الوزن لما يحصل من الفعل مقصودا كالسلالة، والخلاصة أو غير مقصود كالقلامة والكناسة، وهو وزن يدل على القلة {من طين} من للابتداء كالأولى أن علق بسلالة على معنى مسلولة من طين، أو من طين بدل من قوله من سلاسة، وإن علق بمحذوف نعت لسلالة، فمن للإبتداء أو للتبعيض أو للبيان، وتلك السلالة الدم المتحول نطفة، وآدم غير مراد فى الآية، لأنه ليس من نطفة، ومعنى كون ذريته من طين أن أصلهم من طين، وأصلهم هو أعنى آدم، وذلك الجزء الطينى لا يخلوا منه أحد بالتوالد والتنقل، أو أنهم من طعام متولد من طين، ويجوز كون الانسان آدم عليه السلام، فالهاء فى قوله: {ثمَّ جَعَلناه} عائدة الى ولده الجنس للعلم به من المقام، أو للإنسان على الاستخدام مراد به الذرية، أو يقدر مضاف، أى جعلنا ذريته، أى ما سيصير ذرية وإنسانا {نُطفةً} مفعول ثان أو الجعل بمعنى الخلق، أى خلقناه من نطفة {فى قرارٍ} موضع القرار، أى الثبوت، وأصله مصدر وهو الرحم {مكين} متمكن وصفها بالتمكن وصفا المحل، وهو هى بما للحال وهو النطفة، أو هى نفسها متمكنة ماسكة لا تمج النطفة، أو لا تنفصل مع ثقل حملها.

الالوسي

تفسير : لما ذكر سبحانه أولاً أحوال السعداء عقبه بذكر مبدئهم ومآل أمرهم في ضمن ما يعمهم وغيرهم وفي ذلك إعظام للمنة عليهم وحث على الاتصاف بالصفات الحميدة وتحمل مؤن التكليفات الشديدة أو لما ذكر إرث الفردوس عقبه بذكر البعث لتوقفه عليه أو لما حث على عبادته سبحانه وامتثال أمره عقبه بما يدل على ألوهيته لتوقف العبادة على ذلك ولعل الأول أولى في وجه مناسبة الآية لما قبلها، ويجوز أن يكون مجموع الأمور المذكورة، واللام واقعة في جواب القسم والواو للاستئناف. / وقال ابن عطية: هي عاطفة جملة كلام على جملة وإن تباينتا في المعاني وفيه نظر. والمراد بالإنسان الجنس، والسلالة من سللت الشيء من الشيء إذا استخرجته منه فهي ما سل من الشيء واستخرج منه فإن فعالة اسم لما يحصل من الفعل فتارة تكون مقصودة منه كالخلاصة وأخرى غير مقصودة منه كالقلامة والكناسة والسلالة من قبيل الأول فإنها مقصودة بالسل. وذكر الزمخشري أن هذا البناء يدل على القلة، و(من) الأولى ابتدائية متعلقة بالخلق، و(من) الثانية يحتمل أن تكون كذلك إلا أنها متعلقة بسلالة على أنها بمعنى مسلولة أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة، ويحتمل أن تكون على هذا تبعيضية وأن تكون بيانية، وجوز أن يكون {مِن طِينٍ} بدلاً أوعطف بيان بإعادة الجار. وخلق جنس الإنسان مما ذكر باعتبار خلق أول الأفراد وأصل النوع وهو آدم عليه السلام منه فيكون الكل مخلوقاً من ذلك خلقاً إجمالياً في ضمن خلقه كما مر تحقيقه، وقيل: خلق الجنس من ذلك باعتبار أنه مبدأ بعيد لأفراد الجنس فإنهم من النطف الحاصلة من الغذاء الذي هو سلالة الطين وصفوته، وفيه وصف الجنس بوصف أكثر أفراده لأن خلق آدم عليه السلام لم يكن كذلك أو يقال ترك بيان حاله عليه السلام لأنه معلوم، واقتصر على بيان حال أولاده وجاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس، وقيل المراد بالطين آدم عليه السلام على أنه من مجاز الكون، والمراد بالسلالة النطفة وبالإنسان الجنس ووصفه بما ذكر باعتبار أكثر أفراده أو يقال كما قيل آنفاً، ولا يخفى خفاء قرينة المجاز وعدم تبادر النطفة من السلالة. وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام وروي ذلك عن جماعة وما ذهبنا إليه أولاً أولى.

ابن عاشور

تفسير : الواو عاطفة غرضاً على غرض ويسمى عطف القصّة على القصّة، فللجملة حكم الاستيناف لأنها عطف على جملة { أية : قد أفلح المؤمنون } تفسير : [المؤمنون: 1] التي هي ابتدائية وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة. فالمقصود منه إبطال الشرك لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية، ويتضمن ذلك امتناناً على الناس بأنه أخرجهم من مهانة العدم إلى شرف الوجود وذلك كله ليَظهر الفرق بين فريق المؤمنين الذين جَروا في إيمانهم على ما يليق بالاعتراف بذلك وبين فريق المشركين الذين سلكوا طريقاً غير بينة فحادوا عن مقتضى الشكر بالشركِ. وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق مراعًى فيه التعريض بالمشركين المنزّلين منزلة من ينكر هذا الخبر لعدم جريهم على موجب العلم. والخَلق: الإنشاء والصنع، وقد تقدم في قوله: { أية : قال كذلك الله يخلق ما يشاء } تفسير : في آل عمران (47). والمراد بالإنسان يجوز أن يكون النوعَ الإنساني، وفسر به ابن عباس ومجاهد، فالتعريف للجنس. وضمير {جعلناه} عائد إلى الإنسان. والسّلالة: الشيء المسلول، أي المنتَزع من شيء آخر، يقال: سَللت السيف، إذا أخرجته من غمده، فالسلالة خلاصة من شيء، ووزن فُعَالة يؤذن بالقلة مثل القُلامة والصُبابة. و{من} ابتدائية، أي خلقناه منفصلاً وآتيا من سلالة، فتكون السلالة على هذا مجموع ماء الذكر والأنثى المسلول من دمهما. وهذه السلالة هي ما يفرزه جهاز الهضم من الغذاء حين يصير دماً؛ فدم الذكر حين يمر على غدتي التناسل (الأنثيين) تفرز منه الأنثيان مادة دُهنيَّة شحميَّة تحتفظ بها وهي التي تتحوّل إلى منيّ حين حركة الجماع، فتلك السلالة مخرجة من الطين لأنها من الأغذية التي أصلها من الأرض. ودم المرأة إذا مر على قناة في الرحم ترك فيها بويضات دقيقة هي بَذر الأجنة. ومن اجتماع تلك المادة الدُهنية التي في الأنثيين مع البويضة من البويضات التي في قناة الرحم يتكوّن الجنين فلا جرم هو مخلوق من سُلالةٍ من طينٍ. وقوله {ثم جعلناه نطفة في قرار مَكين} طور آخر للخلق وهو طور اختلاط السُلالتين في الرحم. سميت سُلالة الذكر نطفة لأنها تنطُف، أي تقطر في الرحم في قناة معروفة وهو القرار المكين. فــــ{نطفةً} مَنصُوبٌ على الحال وقوله: {في قرار مكين} هو المفعول الثاني لــــ{جعلناه}. و{ثم} للترتيب الرتبي لأن ذلك الجعل أعظم من خلق السلالة. فضمير {جعلناه} عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة، فالمعنى: جعلنا السلالة في قرار مكين، أي وضعناها فيه حفظاً لها، ولذلك غُير في الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي بــــ(في) بمعنى الوضع. والقرار في الأصل: مصدر قَرّ إذا ثبت في مكانه، وقد سمي به هنا المكان نفسُه. والمكين: الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه، فمقتضى الظاهر أن يوصف بالمكين الشيءُ الحالّ في المكان الثابت فيه. وقد وقع هنا وصفاً لنفس المكان الذي استقرت فيه النطفة، على طريقة المجاز العقلي للمبالغة، وحقيقتُه مكين حالُّه، وقد تقدم قوله تعالى: { أية : أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة } تفسير : في سورة الكهف (37) وقوله: { أية : فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة } تفسير : في سورة الحج (5). ويجوز أن يراد بالإنسان في قوله: {ولقد خلقنا الإنسان} آدم. وقال بذلك قتادة فتكون السّلالة الطينَةَ الخاصةَ التي كوّن الله منها آدم وهي الصلصال الذي ميزه من الطين في مبدإ الخليقة، فتلك الطينة مسْلولة سلاّ خاصّاً من الطين ليتكوّن منها حيٌّ، وعليه فضمير {جعلناه نطفة} على هذا الوجه عائد إلى الإنسان باعتبار كونه نسلاً لآدم فيكون في الضمير استخدام، ويكون معنى هذه الآية كمعنى قوله تعالى: { أية : وبدَأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } تفسير : [السجدة: 7، 8]. وحرف (ثم) في قوله: {ثم خلقنا النطفة علقة} للترتيب الرتْبي إذ كان خلق النطفة علقة أعجبَ من خلق النطفة إذ قد صُير الماء السائل دَماً جامداً فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عواملَ أودعها الله في الرحم. ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم العلَقة فإنه وضْع بديع لهذا الاسم إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت إليه النطفة هو كائن له قوة امتصاص القوة من دم الأم بسبب التصاقه بعروق في الرحم تدفع إليه قوة الدم، والعلقة: قطعة من دم عاقد. والمضغة: القطعة الصغيرة من اللحم مقدار اللقمة التي تمضغ. وقد تقدم في أول سورة الحج كيفية تخلق الجنين. وعطف جَعل العَلقةِ مُضغةً بالفاء لأن الانتقال من العلقة إلى المضغة يشبه تعقيب شيء عن شيء إذ اللحم والدم الجامد متقاربان فتطورهما قريب وإن كان مكث كل طورٍ مدة طويلة. وخلق المضغة عظاماً هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة وذلك ابتداء تكوين الهيكل الإنساني من عظم ولحم، وقد دل عليه قوله: {فكسونا العظام لحماً} بفاء التفريع على الوجه الذي قرر في عطف {فخلقنا المضغة} بالفاء. فمعنى {فَكَسَوْنا} أن اللحم كانَ كالكسوة للعظام ولا يقتضي ذلك أن العظام بقيت حيناً غير مكسوة، وفي الحديث الصحيح: « حديث : إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثلَ ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملَك فَيَنْفُخُ فيه الروحَ » تفسير : الحديث، فإذا نُفخ فيه الروح فقد تهيأ للحياة والنماء وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} لأن الخلق المذكور قبله كان دون حياة ثم نشأ فيه خَلق الحياة وهي حالة أخرى طرأت عليه عبر عنها بالإنشاء. وللإشارة إلى التفاوت الرتبي بين الخلقين عطف هذا الإنشاء بــــ(ثم) الدالة على أصل الترتيب في عطف الجمل بــــ(ثم). وهذه الأطوار التي تعرضت لها الآية سبعة أطوار فإذا تمت فقد صار المتخلِّق حياً، وفي «شرح الموطأ»: «تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليٌّ حاضر فقال لهما عمر: ما هذه المناجاة؟ فقال أحدهما: إن اليهود يزعمون أن العزل هو الموءودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موءودة حتَّى تمرّ عليها التارات السبع {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية، فقال عُمرُ لعليّ: صدقت أطال الله بقاءك». فقيل: إن عمر أول من دعا بكلمة «أطال الله بقاءك». وقرأ الجمهور {فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام} بصيغة جمع {العظام} فيهما. وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {عظماً.. والعَظْمَ} بصيغة الإفراد. وفُرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على الله تعالى بأنه {أحسن الخالقين} أي أحسن المنشئين إنشاءً، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره إنشاءه. ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقاً من البركة وهي الزيادة. وصيغة تفاعَل صيغة مطاوعة في الأصل، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل، وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبساً مكيناً لأن شأن المطاوعة أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له حتى يصير ذلك المفعول فاعلاً فيقال: كسرته فتكسر، فلذلك كان تفاعَل إذا جاء بمعنى فَعَل دالاًّ على المبالغة كما صرح به الرضيّ في «شرح الشافية»، ولذلك تتفق صيغ المطاوعة وصيغ التكلف غالباً في نحو: تثنَّى. وتكبَّرَ، وتشامخ، وتقاعس. فمعنى {تبارك الله} أنه موصوف بالعظمة في الخير، أي عظمةِ ما يقدره من خير للناس وصلاح لهم. وبهذا الاعتبار تكون الجملة تذييلاً لأن {تبارك} لما حذف متعلقه كان عاماً فيشمل عظمة الخير في الخلق وفي غيره. وكذلك حذف متعلق {الخالقين} يعم خلق الإنسان وخلق غيره كالجبال والسماوات.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة. والصحيح من ذلك وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى يصل عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى. أما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، إذا استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: شعر : خلق البرية من سلالة منتن وإلى السلالة كلها ستعود تفسير : والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه. ومنه قول حسان رضي الله عنه: شعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين تفسير : وبناء الاسم على الفعالة، يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت، والمراد بخلق الإنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بل بالماء صار طيناً ولما خمر صار طيناً لازباً يلصق باليد، وصار حمأً مسنوناً. قال بعضهم: طيناً أسود منتناً، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] وقال في الأعراف {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الأعراف: 189] وقال في الزمر: {أية : ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الزمر: 6] كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة، كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. الخ. وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج، وقوله هنا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} يعني: بدأه خلق نوع الإنسان بخلق آدم، وقوله {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون: 13] أي بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإنسان، الذي هو النسل لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه: أي ونصف درهم آخر. كما أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [السجدة: 6-9] وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم: 20] وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان، أمر كل مكلف أن ينظر فيه. والأمر المطلق، يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مراراً. وذلك في قوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق: 5-6] الآية. وقد أشار في آيات كثيرة، إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا وكما في قوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}تفسير : [نوح: 13-14] وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة الخ. مع أنه لم يشق بطن أُمه بل هو مستتر بثلاث ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: {أية : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}تفسير : [الزمر: 6] فتأمل معنى قوله {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي عن هذه العجائب والغرائب، التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم. وقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 6] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}تفسير : [الحج: 5] ثم ذكر الحكمة فقال {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} أي لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة، وقال في سورة المؤمن {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً}تفسير : [غافر: 67] وقال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-40] والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله {أية : كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}تفسير : [المعارج: 39] وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا، فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده، وقد بين في آية المؤمنون هذه: أنه يخلق المضغة عظاماً، وبين في موضع آخر: أنه يركب بعض تلك العظام مع بعض، تركيباً قوياً، ويشد بعضها مع بعض، على أكمل الوجوه وأبدعها، وذلك في قوله {أية : نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ}تفسير : [الإنسان: 28] الآية، والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتآسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد بها، ومنه قول حميد بن ثور: شعر : وما دخلت في الخدب حتى تنقضت تآسير أعلى قده وتحطما تفسير : وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسراً شدة بالأسار وهو القد، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد، فقول بعض المفسرين واللغويين: أسرهم: أي خلقهم فيه قصور في التفسير، لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه، الذي لم يدبغ والله جل وعلا يشد بعض العظام ببعض، شداً محكماً متماسكاً كما يشد الشيء بالقد، والشد به قوي جداً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه. قاله أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها، لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت. وقوله تعالى في هذه الآية {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 14] قال الزمخشري: أي خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً وناطقاً، وكان أبكم وسمعياً وكان أصم وبصيراً، وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره، بل كل عضو من أعضائه وجزء من أجزائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة، لا تدرك بوصف الواصف، ولا بشرح الشارح. انتهى منه. وقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي وأبو العالية، والضحاك وابن زيد: "هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جماداً" وعن ابن عباس: "خروجه إلى الدنيا" وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره، وقال الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر، وقال مجاهد: كمال شبابه. وري عن ابن عمر والصحيح، أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. ا هـ منه. والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله {خَلْقاً آخَرَ} أنه صار بشراً سوياً بعد أن كان نطفة، ومضغةً، وعلقةً، وعظاماً كما هو واضح. مسألة وقد استدل بهذه الآية الإمام أبو حنيفة رحمه الله، على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنه أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ، لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة، فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب ما غصب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} وقوله {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماضٍ لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس. اهـ منه. وقوله في هذه الآية {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير. ومنه قول زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : فقوله: يخلق ثم لا يفري: أي يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم. ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي محضة أعرب قوله {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} نعتاً للفظ الجلالة، ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلاً، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أحسن الخالقين. وقرأ هذين الحرفين {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} وقوله {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} ابن عامر وشعبة عن عاصم عظماً: بفتح العين، وإسكان الضاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه الباقون: عِظَاماً بكسر العين وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن عامر وشبعة. فالمراد بالعظم: العِظَام. وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس، قد تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من سلالة: السلالة ما يستل من الشيء والمراد بها هنا ما استل من الطين لخلق آدم. نطفة في قرار مكين: النطفة قطرة الماء أي المني الذي يفرزه الفحل، والقرار المكين الرحم المصون. العلقة: الدم المتجمد الذي يعلق بالإِصبع لو حاول أحد أن يرفعه بأصبعه كمح البيض. والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل. خلقاً آخر: أي غير تلك المضغة إذ بعد نفخ الروح فيها صارت إنساناً. أحسن الخالقين: أي الصانعين فالله يصنع والناس يصنعون والله أحسن الصانعين. معنى الآيات: يخبر تعالى عن خلقه الإِنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقديره فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} يعني آدم عليه السلام {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} أي من خلاصة طين جمعه فأصبح كالحمإ المسنون فاستل منه خلاصته ومنها خلق آدم ونفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً ولله الحمد والمنة قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي ثم جعلنا الإِنسان الذي هو ولد آدم نطفة من صُلْبِ آدم {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} هو رحم حواء {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ} المنحدرة من صلب آدم {عَلَقَةً} أي قطعة دم جامدة تعلق بالإِصبع لو حاول الإِنسان أن يرفعها بإصبعه، {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} وهي قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل، {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} أي إنساناً آخر غير آدم الأب، وهكذا خلق الله عز وجل آدم وذريته، {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. وقد يصدق هذا على كون الإِنسان هو خلاصة عناصر شتى استحالت إلى نطفة الفحل ثم استحالت إلى علقة فمضغة فنفخ فيها الروح فصارت إنساناً آخر بعد أن كانت جماداً لا روح فيها وقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} فأثنى الله تعالى على نفسه بما هو أهله أي تعاظم أحسن الصانعين، إذ لا خالق إلا هو ويطلق لفظ الخلق على الصناعة فحسن التعبير بلفظ أحسن الخالقين. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي بعد خلقنا لكم تعيشون المدة التي حددناها لكم ثم تموتون، {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أحياء للحساب والجزاء لتحيوا حياة أبدية لا يعقبها موت ولا فناء ولا بلاء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته. 2- بيان خلق الإِنسان والأطوار التي يمر بها. 3- بيان مآل الإِنسان بعد خلقه. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها الملاحدة والمشركون.

القطان

تفسير : سُلالة: الخلاصة، ما انتزع من الشيء، النسل. نطفة: القطرة من الماء، المني. قرار مكين: محل استقرار حصين. علَقة: دما متجمدا. مضغة: قطعة لحم بقدر ما يمضغ الانسان. سبع طرائق: سبع سماوات. ولقد حلَقْنا أصلَ هذا النوع الانساني من خلاصة الطين، ثم جعلنا نسله في أصلاب الآباء، ثم قُذفت في الأرحام نُطفة فصارت في حِرز حصين من وقتِ الحمل الى حين الولادة. ثم حوّلنا النطفةَ من صفتِها الثانية الى صفةِ العَلقَة وهي الدم الجامد. ثم جعلنا ذلك الدمَ الجامد مضغةً، اي قطعة من اللحم بمقدار ما يُمضغ. ثم صيرناها هيكلاً عظيماً، ثم كسونا العظام باللحم. ثم أتممنا خلْقه فصار في النهاية بعد نفخِ الروح فيه خَلْقاً مغايراً لمبدأ تكوينه، {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. ثم إنكم يا بني آدم بعد النشأة الأولى من العدَم تصيرون الى الموت، فالموتُ نهاية الحياة الأرضية، وبرزخ ما بين الدنيا والآخرة، وهو إذنْ طورٌ من أطوار النشأة الانسانية، وليس نهايةَ الأطوار. ثم بعد ذلك تُبعثون يوم القيامة، فالبعثُ هو المؤذِن بالطَّور الأخير من تلك النشأة وبعده تبدأ الحياةُ الكاملة. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} لفظُ العدد في القرآن لا يدلّ على الحصر، فقد يكون هناك مليون سماء. وقد ثبتَ الآن في علم الفلك ان هناك عدداً من المجموعات من السُدُوم والنجوم في هذا الكون الواسع لا نستطيع الوصولَ إليها حتى رؤيتَها على كل ما لدينا من وسائل. فقد يكون المعنيُّ هو المجموعاتِ السماويةَ التي لا حصر لها، وقد يكشف العِلم عنها في المستقبل. وقد خلقنا هذا الخلقَ كله، ونحن لا نغفل عن جميع المخلوقات، بل نحفظها كلَّها من الاختلال، وندّبر كلّ أمورها بالحكمة. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر: فخلقْنا المضغةَ عظما، فكسونا العظم لحما، بالافراد، والباقون: عظاما بالجمع.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنْسَانَ} {سُلاَلَةٍ} (12) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ بَدْءِ خَلْقِ الإِنْسَانِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، أَيْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى اسْتَلَّهُ مِنَ الطِّينِ، وفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى المُوجِبَةِ لِلإِيْمَانِ بِهِ. السُلاَلَةُ - مَا اسْتُلَّ مِنَ الشيء واسْتُخْرِجَ مِنْهُ أو خُلاَصَتُهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} يعني ابن آدم {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} أي من صفوة ماء آدم الذي هو من الطين ومنيّه والعرب تسمّي نطفة الشيء وولده سليله وسلالته لأنّهما مسلولان منه. قال الشاعر: شعر : حملت به عَضب الأديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين تفسير : وقال آخر: شعر : وهل كنت إلاّ مهرة عربية سليلة أفراس تجلّلها بغل تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} حريز مكين لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها وهو الرحم. {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} قرأ ابن عامر عظماً على الواحد في الحرفين، ومثله روى أبو بكر عن عاصم لقوله لحماً، وقرأ الآخرون بالجمع لأنّ إلانسان ذو عظام كثيرة. {فَكَسَوْنَا} فألبسنا {ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} اختلف المفسرون فيه. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة وأبو العالية والضحاك وابن زيد: نفخ الروح فيه. قتادة: نبات الأسنان والشعر. ابن عمر: استواء الشباب، وهي رواية ابن أبي نجيح وابن جريج عن مجاهد. وروى العوفي عن ابن عباس: إنّ ذلك تصريف أُحواله بعد الولادة، يقول: خرج من بطن أُمّه بعد ما خلق فكان من بدو خلقه الآخر أن استهلّ، ثمَّ كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أُمّة، ثمّ كان من خلقه أن عُلّم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلمَ، إلى أن بلغ ان يتقلّب في البلاد. وقيل: الذكورة والأُنوثية، وقيل: إعطاء العقل والفهم. {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} أي استحق التعظيم والثناء بأنّه لم يزل ولا يزال وأصله من البروك وهو الثبوت. {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أي المصوّرين والمقدّرين، مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين. ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأنّ عيسى كان يخلق، فأخبر جلَّ ثناؤه أنّه يخلقُ أحسن ممّا كان يخلق. وروى أبو الخليل عن أبي قتادة قال: لمّا نزلت هذه الآية إلى آخرها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "فتبارك الله أحسن الخالقين" فنزلت {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. قال ابن عباس: كان ابن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأملى عليه هذه الآية، فلمّا بلغ قوله {خَلْقاً آخَرَ} خطر بباله {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} فلمّا أملاها كذلك لرسول الله قال عبد الله: إن كان محمد نبيّاً يوحى إليه فانا نبىّ يوحى إليّ، فلحق بمكة كافراً. {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} قرأ أشهب العقيلي لمايتون بالألف، والميّت والمائت، الذي لم يفارقه الروح بعد وهو سيموت، والميْت بالتخفيف: الذي فارقه الروح، فلذلك لم تخفف ههنا كقوله سبحانه وتعالى {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}تفسير : [الزمر: 30] {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} وإِنما قيل: طرائق لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة، والعرب تسمّي كلّ شيء فوق شيء طريقة، وقيل: لأنّها طرائق الملائكة. {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} يعني عن خلق السماء، قاله بعض العلماء، وقال أكثر المفسرين: يعني عمّن خلقنا من الخلق كلّهم ماكنّا غافلين عنهم، بل كنّا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم. وقال أهل المعاني: معنى الآية: إنّ من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن الطرائق التي فوقهم فتسقط فالله عزّ وجلّ {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الحج: 65] ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين. قال الحسن: وما كنّا عن الخلق غافلين أن ينزل عليهم ما يجيئهم من المطر. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} ثمَّ أخرجنا منها ينابيع فماء الأرض هو من السماء. {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} حتى تهلكوا عطشاً وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم. {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} بالماء {جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا} يعني في الجنّات {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} شتاء وصيفاً، وإنّما خصّ النخيل والأعناب بالذكر لأنّهما كانا أعظم ثمار الحجاز وما والاها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكر القوم ما يعرفون من نعمه. {وَشَجَرَةً} يعني وأنشأنا لكم أيضاً شجرة {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} وهي الزيتون، واختلف القُرّاء في سيناء، فكسر سينه أبو عمرو وأهل الحجاز، وفتحه الباقون، واختلف العلماء في معناه، فقال مجاهد: معناه البركة، يعني: إنه جبل مبارك، وهي رواية عطية عن ابن عباس، قتادة والحسن والضحّاك: طور سيناء بالنبطية: الجبل الحسن. ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى عليه السلام، وهو بين مصر وأيلة، معمر وغيره: جبل ذو شجر، بعضهم: هو بالسريانية الملتفّة الاشجار، وقيل: هو كلّ جبل ذي أشجار مثمرة، وقيل: هو متعال من السّنا وهو الارتفاع. قال مقاتل: خُصّ الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها، ويقال: إنّ الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} وأكثر القراء على فتح التاء الأَوّل من قوله تنبت وضم بائه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء ولها وجهان: أحدهما: أن الباء فيه زائدة كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، وكقول الراجز: شعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : أي ونرجو الفرج. والوجه الآخر: أنّهما لغتان بمعنى واحد نبت وأنبت، قال زهير: شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل تفسير : أي نبت {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} أي إدام نصطبغ به. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} وهي الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدىّ به الى العلم وهي من العبور كأنه طريق يُعبر إليه ويتوصل به إلى المراد. {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} قال ابن عباس: سمّي بذلك لكثرة ماناح على نفسه، واختلف في سبب نوحه، فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك حيث قال {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] وقيل: لمراجعته ربّه في شأن أُمته، وقيل: لأنّه مرَّ بكلب مجذوم، فقال: إخسأ يا قبيح فأوحى الله سبحانه إليه: أعبتني أم عبت الكلب ؟. {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ} يتشرف {عَلَيْكُمْ} فيكون أفضل منكم فيصير متبوعاً وأنتم له تبعاً. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الذي يدعونا إليه نوح {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ} ما هو {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} جنون، نظيرها قوله سبحانه {أية : مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}تفسير : [الأعراف: 184] ويقال للجن أيضاً: جنّة، قال الله سبحانه {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}تفسير : [الصافات: 158] وقال {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 6] يتفق الاسم والمصدر. {فَتَرَبَّصُواْ} فانتظروا {بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} يعني إلى وقت ما، وقيل: الى حين الموت، فقال لمّا تمادوا في غيّهم وأصرّوا على كفرهم {رَبِّ ٱنصُرْنِي} أعني بإهلاكهم {بِمَا كَذَّبُونِ} يعني بتكذيبهم إياي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن تكلمنا عن خَلْق الإنسان، وعرفنا أن الخالق - عز وجل - خلق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من طين، ومن أبعاضه خلق زوجه، ثم بالتزاوج جاء عامة البشر كما قال تعالى: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]. ومسألة خَلْق السماء والأرض والناس مسألة احتفظ الله بها، ولم يطلع عليها أحد، كما قال سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. فلا تُصْغ إلى هؤلاء المضلين في كل زمان ومكان، الذين يدَّعون العلم والمعرفة، ونسمعهم يقولون: إن العالم كان كتلة واحدة تدور بسرعة فانفصل عنها أجزاء كوَّنَت الأرض .. الخ وعن الإنسان يقولون: كان أصله قرداً، إلى آخر هذه الخرافات التي لا أساس لها من الصحة. لذلك أعطانا الله تعالى المناعة الإيمانية التي تحمينا أنْ ننساق خلف هذه النظريات، فأخبرنا سبحانه خبر هؤلاء وحذرنا منهم؛ لأنهم ما شهدوا شيئاً من الخَلْق، ولم يتخذهم الله أعواناً فيقولون مثل هذا الكلام. إذن: هذا أمر استأثر الله بعلمه، فلا تأخذوا علمه إلاَّ مما أخبركم الله به. وكلمة الإنسان اسم جنس تطلق على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، فكل واحد منا إنسان، بدليل أن الله تعالى استثنى من المفرد اللفظ جمعاً في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [العصر: 1-3] فاستثنى من المفرد الجماعة. ومعنى {خَلَقْنَا} [المؤمنون: 12] أوجدنا من عدم، وسبق أن قلنا: إن الله تعالى أثبت للبشر صفة الخَلْق أيضاً مع الفارق بين خَلْق الله من عدم وخَلْق البشر من موجود، وخَلْق الله فيه حركة وحياة فينمو ويتكاثر، أما ما يخلق البشر فيجمد على حاله لا يتغير؛ لذلك وصف الحق سبحانه ذاته فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]. أما قَوْل القرآن حكايةً عن عيسى عليه السلام: {أية : أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ..} تفسير : [آل عمران: 49] فهذه من خاصياته عليه السلام، والإيجاد فيها بأمر من الله يُجريه على يد نبيه. فالمعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ ..} [المؤمنون: 12] أي: الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] والسلالة: خلاصة الشيء تُسَلُّ منه كما يُسَلُّ السيف من غِمْده أي: الجراب الذي يُوضَع فيه، فالسيف هو الأداة الفتاكة الفاعلة، أما الغِمْد فهو مجرد حافظ وحامل لهذا الشيء الهام. فالسلالة - إذن - هي أجود ما في الشيء، وقد خلق الله الإنسان الأول من أجود عناصر الطين وأنواعه، وهي زُبْد الطين، فلو أخذتَ قبضة من الطين وضغطتَ عليها بين أصابعك يتفلَّتْ منها الزبد، وهو أجود ما في الطين ويبقى في قبضتك بقايا رمال وأشياء خشنة. "حديث : ولما أحب سيدنا حسان بن ثابت أنْ يهجوَ قريشاً لمعاداتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إئذن لي يا رسول الله أنْ أَهْجُوهم من على المنبر فقال صلى الله عليه وسلم: أتهجوهم وأنا منهم؟ فقال حسان: أسلُّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين ". تفسير : وتُطلَق السلالة على الشيء الجيد فيقولون: فلان من سلالة كذا، وفلان سليل المجد. يعني: في مقام المدح، حتى في الخيل يحتفظون لها بسلالات معروفة أصيلة ويُسجِّلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها، ومن هنا جاءت شهرة الخيل العربية الأصيلة. وقد أثبت العلم الحديث صِدْق هذه الآية، فبالتحليل المعمليّ التجريبي أثبتوا أن العناصر المكوِّنة للإنسان هي نفسها عناصر الطين، وهي ستة عشر عنصراً، تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي بالمنجنيز، والمراد هنا التربة الطينية الخصْبة الصالحة للرزاعة؛ لأن الأرض عامة بها عناصر كثيرة قالوا: مائة وثلاثة عشر عنصراً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِن سُلاَلَةٍ} معناه صَفوةُ المَاءِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف لا يرثون الفردوس ولا يخلدون فيها مع أنهم جبلوا لأجلها، سيما إذا كملوا سلوكهم وتمموا نسكها على الوجه الذي هداهم الأنبياء والرسل والأولياء الراشدون الذين هم خلفاء عن الرسل الكرام والأنبياء العظام - عليهم التحية والسلام - إذ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} أي: أظهرنا وقدّرنا جسم آدم وبنيه أولاً {مِن سُلاَلَةٍ} أي: ربدة وخلاصة منتخبة {مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] الذي هو مادة جميع الأجسام السفلية وأقوى عناصرها وهيولاها. {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ} وصيرناه؛ أي: ما انتخبنا من الطين {نُطْفَةً} بيضاء وقررناها زماناً {فِي قَرَارٍ} ومستقر {مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] حصين متين هي الرحم. {ثُمَّ} بعدما مكناها في المقر المكين مدة {خَلَقْنَا} وصيرنا {ٱلنُّطْفَةَ} المقررة المتمكنة في الرحم {عَلَقَةً} أي: لحماً متصلاً ملتصقاً أجزاؤها إلى حيث صارت قابلة للمضغ {فَخَلَقْنَا} بعد ذلك {ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} المتلصقة المتصلة بعد انفصالها وتفريقهما التقديري {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} صلبةً خارجة عن قابلية المضغ والتليين، متقومة غير مائلة لتكون قوائم وأعمدة للجسم {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ} الصلبة القابلة للكسر والانكسار {لَحْماً} لحماً صوناً لها عما يضرها ويكسرها، فتم حنيئذٍ تركيب صورته الجسمية وقالب الطبيعية بجميع لوازمها ومتمماتها من العروق والعظام والأعصاب والغضاريف والشريانات وغيرها {ثُمَّ} بعدما تم تركيبه وكمل مزاجه وتصويره على أبدع وجه وأعجبه، وصار حيواناً حساساً متحركاً بالإرادة كسائر الحيوانات {أَنشَأْنَاهُ} أي: أبدعناه واخترعناه فيه خاصة {خَلْقاً آخَرَ} إبداعياً مخصوصاً بهذا الجسم بين سائر الأجسام، وهو نفخنا فيه من روحنا ليتصف بأوصافنا ويتخلق بأخلاقنا ويستحق بخلافتنا ونيابتنا، ويليق لأن يصير مرآة لنا قابلة لانعكاس أضلال أسمائنا الحسنى وأوصافنا العليا {فَتَبَارَكَ} أي: تعالى وتعاظم {ٱللَّهُ} القادر المقتدر بالقدرة الكاملة على أمثال هذه التبدلات والتطورات التي تحيرت العقول عندها، وانحسرت الأفهام دونها، وهو في ذاته {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] المقدرين تقديراً وخلقاً، وأتمها إبداعاً واختراعاً لو فرض مقدرُ غيره، مع أنه محال عقلاءً وعادة. {ثُمَّ إِنَّكُمْ} يا بني آدم {بَعْدَ ذٰلِكَ} أي: بعدما أتم صوركم ومعناكم {لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] بالآجال المقدرة من عندنا لانقضاء حياتكم في النشأة الأولى. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة للعرض والجزاء {تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16] وتحشرون لانتقاد ما اكتسبتم في النشاة الأولى. ثم أخذ سبحانه في تعداد نعمه على عباده تفضلاً عليهم وامتناناً فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ} أي: جانب علوكم {سَبْعَ} سماوات {طَرَآئِقَ} أي: متطارقة متطابقة بعضها فوق بعض، مشتملة على كواكب لا في السفليات من الأشياء المتعلقة لمعاشكم {وَ} بالجملة {مَا كُنَّا} في حال من الأحوال السابقة واللاحقة {عَنِ ٱلْخَلْقِ} أي: عن جميع المخلوقات المستندة إلينا، الظاهر من امتداد أظلالنا {غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] ذاهلين عن حفظها وتفقدها. {وَ} من كمال جودنا ووفور رحمتنا إلى عموم عبادنا {أَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} بعدما أصعدنا الأبخرة والأدخنة من الأرض، وركبناها تركيباً أنيقاً عجيباً إلى أن صارت سحباً متراكمة متكاثفة، فتقاطر منها الماء بمجاورة الهواء ونفوذها، فأرسلنا إلى الأرض الجزر {بِقَدَرٍ} معلوم معتدل {فَأَسْكَنَّٰهُ} وأدخلناه {فِي ٱلأَرْضِ} أي: تجاويفها ومساماتها حتى تدخر فيهاز ثم جعلناه ينابيعَ تخرج منها مندرجة وتجري على قدر الحاجة تتميماً لحوائج عبادنا وتيسيراً لهم في معاشهم. {وَإِنَّا} بعدما أدخلناه في الأرض {عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ} أي: بالماء بالأغوار والتصعيد والتجفيف وغير ذلك من طرق الإذهاب {لَقَٰدِرُونَ} [المؤمنون: 18] كما أنا قادرون على إنزاله وإخراجه. {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} أي: بالماء والمدخّر {جَنَّاتٍ} وحدائق {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} هما معظم الفواكه وأصلها {لَّكُمْ فِيهَا} أي: في تلك الجنات أيضاً {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} متفرعة عليهما، ملتفة بهما من أنواع الفواكه على ما هو عادة الدهاقين في غرس الحدائق والبسايتن {وَ} أيضاً {مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 19] تغذياً وتقوتاً، إذ تزرعون في جناتكم من الحبوبات أيضاً. {وَ} لاسيما أنشأنا لكم بالماء {شَجَرَةً} مباركة {تَخْرُجُ} وتنشأ {مِن طُورِ سَيْنَآءَ} هو جبل رفيع بين مصر وأيلة {تَنبُتُ} ثمرة ملتبسة {بِٱلدُّهْنِ} المضيء للسرج {وَ} مع ذلك {صِبْغٍ} أي: إدام {لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] لأنهم يغمسون أخبازهم فيه تأدماً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه { مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ } أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك. { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ } أي: جنس الآدميين { نُطْفَةً } تخرج من بين الصلب والترائب، فتستقر { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } وهو الرحم، محفوظة من الفساد والريح وغير ذلك. { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ } التي قد استقرت قبل { عَلَقَةً } أي: دما أحمر، بعد مضي أربعين يوما من النطفة، { فخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ } بعد أربعين يوما { مُضْغَةً } أي: قطعة لحم صغيرة، بقدر ما يمضغ من صغرها. { فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ } اللينة { عِظَامًا } صلبة، قد تخللت اللحم، بحسب حاجة البدن إليها، { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } أي: جعلنا اللحم، كسوة للعظام، كما جعلنا العظام، عمادا للحم، وذلك في الأربعين الثالثة، { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } نفخ فيه الروح، فانتقل من كونه جمادا، إلى أن صار حيوانا، { فَتَبَارَكَ اللَّهُ } أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } {أية : الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } تفسير : فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تفسير : ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها. { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ } الخلق، ونفخ الروح { لَمَيِّتُونَ } في أحد أطواركم وتنقلاتكم { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } فتجازون بأعمالكم، حسنها وسيئها. قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 693 : 1 : 11 - سفين في قوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ} قال، آدم. [الآية 12].

همام الصنعاني

تفسير : 1960- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}: [الآية: 12]، قال: اسْتُلُّ آدم من طين، وخُلِقَتْ ذريته من ماء مَهِينٍ.