٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ } أي الإِنسان نسل آدم {نُّطْفَةً } منيّاً {فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } هو الرحم.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَرَارٍ} الرحم {مَّكِينٍ} متمكن هيء لاستقراره.
النسفي
تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ } أي نسله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لأن آدم عليه السلام لم يصر نطفة وهو كقوله {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ }تفسير : [السجدة: 8] وقيل: الإنسان بنو آدم والسلالة النطفة والعرب تسمي النطف سلالة أي ولقد خلقنا الإنسان من سلالة يعني من نطفة مسلولة من طين أي من مخلوق من طين وهو آدم عليه السلام {نُّطْفَةٍ } ماء قليلاً {فِى قَرَارٍ } مستقر يعني الرحم {مَّكِينٍ } حصين {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ } أي صيرناها بدلالة تعديه إلى مفعولين والخلق يتعدى إلى مفعول واحد {عَلَقَةٍ } قطعة دم والمعنى أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } لحماً قدر ما يمضغ {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً } فصيرناها عظاماً {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس {عظماً} {العظم} شامي وأبو بكر {عظماً} {العظام} زيد عن يعقوب {عظاما} {العظم} عن أبي زيد، وضع الواحد موضع الجمع لعدم اللبس إذ الإنسان ذو عظام كثيرة {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ } الضمير يعود إلى الإنسان أو إلى المذكور {خَلْقاً ءاخَرَ } أي خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث جعله حيواناً وكان جماداً وناطقاً وسميعاً وبصيراً وكان بضد هذه الصفات، ولهذا قلنا إذا غصب بيضة فأفرخت عنده يضمن البيضة ولا يرد الفرخ لأن خلق آخر سوى البيضة {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ } فتعالى أمره في قدرته وعلمه {أَحْسَنُ } بدل أو خبر مبتدأ محذوف وليس بصفة لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض من «من» {ٱلْخَـٰلِقِينَ } المقدرين أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه. وقيل: إن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي عليه السلام فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اكتب هكذا نزلت»تفسير : فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فارتد ولحق بمكة ثم أسلم يوم الفتح. وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده كان بالمدينة وهذه السورة مكية. وقيل: القائل عمر أو معاذ رضي الله عنهما.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ...} الآية: اخْتُلِفَ في قوله: «الإنسان» فقال قتادة وغيره أراد آدم - عليه السلام -؛ لأنه استُلَّ من الطين. وقال ابن عباس وغيره: المراد ابنُ آدم، والقرارُ المكينِ من المرأة: هو مَوْضِعُ الولد، والمكين: المُتَمَكِّنُ، والعَلَقَةُ: الدَّمُ الغليظ، والمُضْغَةُ: بضعة اللحم قدرَ ما يُمْضَغُ، واختلف النَّاسُ في الخلق الآخر، فقال ابنُ عباس وغيره: هو نفخ الرُّوح فيه. وقال ابن عباس أيضاً: هو خروجه إلى الدنيا. وقال أيضاً: تَصَرُّفُهُ في أمور الدنيا، وقيل: هو نباتُ شعره. قال * ع *: وهذا التخصيص كُلُّهُ لا وجهَ له، وإنما هو عامٌّ في هذا وغيرِه: من وجوه النطق، والإدراك، وحُسْنِ المحاولة، و {تَبَارَكَ} مطاوع بارك، فكأنها بمنزلة تعالى وَتَقَدَّسَ من معنى البركة. وقوله: {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} معناه: الصانعين: يقال لمن صنع شيئاً: خَلَقَهُ،، وذهب بعضُ الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس؛ فقال ابن جريج: إنَّما قال: {ٱلْخَـٰلِقِينَ}؛ لأَنَّهُ تعالى أَذِنَ لعيسى في أَنْ يخلق، واضطرب بعضُهم في ذلك. قال * ع *: ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفيَّةٌ بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ} أي الجنسَ باعتبار أفراده المغايرة لآدمَ عليه السَّلامُ أو جعلنا نسلَه على حذف المضاف إنْ أُريد بالإنسان آدمُ عليه السَّلامُ {نُّطْفَةٍ} بأن خلقناه منها أو ثمَّ جعلنا السُّلالةَ نُطفةً. والتَّذكيرُ بتأويل الجوهرِ أو المسلولِ أو الماءِ {فِى قَرَارٍ} أي مستقَرَ وهو الرَّحِمُ عبر عنها بالقرارِ الذي هو مصدرٌ مبالغةً. وقولُه تعالى: {مَّكِينٍ} وصفٌ لها بصفة ما استقرَّ فيها مثلُ: طريقٌ سائرٌ أو بمكانتها في نفسِها فإنَّها مكثتْ بحيث هي وأُحرزتْ. {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي دماً جامداً بأن أحلنا النُّطفة البـيضاءَ علقةً حمراءَ. {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي قطعةَ لحمٍ لا استبانة ولا تمايزَ فيها {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ} أي غالبَها ومعظمها أو كلَّها {عِظَـٰماً} بأنْ صلبناها وجعلناها عموداً للبدنِ على هيئاتٍ وأوضاعٍ مخصوصةٍ تقتضيها الحكمةُ {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ} المعهودة {لَحْماً} من بقية المضغةِ أو ممَّا أنبتنا عليها بقدرتنا ممَّا يصلُ إليها أي كسونا كلَّ عظمٍ من تلك العظام ما يليقُ به من اللَّحمِ على مقدارٍ لائقٍ به وهيئةٍ مناسبةٍ له. واختلافِ العواطفِ للتَّنبـيه على تفاوتِ الاستحالاتِ. وجمعُ العظامِ لاختلافِهما. وقُرىء على التَّوحيدِ فيهما اكتفاءً بالجنسِ وبتوحيدِ الأوَّلِ فَقَطْ وبتوحيد الثَّاني فحسب {ثُمَّ أَنْشَأْنَـٰهُ خَلْقَاً ءَاخَرَ} هي صورةُ البدنِ أو الرُّوحِ أو القُوى بنفخه فيه، أو المجموعُ وثمَّ لكمالِ التَّفاوتِ بـين الخلقينِ واحتجَّ به أبو حنيفة رحمه الله على أنَّ من غصبَ بـيضةً فأفرختْ عنده لزمه ضمانُ البـيضةِ لا الفرخُ لأنَّه خلقٌ آخرُ. {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} فتعالى شأنُه في علمه الشَّاملِ وقُدرتهِ الباهرة. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربـيةِ المهابة وإدخالِ الرَّوعة والإشعارِ بأنَّ ما ذُكر من الأفاعيلِ العجيبة من أحكام الأُلوهيَّةِ وللإيذانِ بأنَّ حقَّ كلِّ مَن سمع ما فُصِّل من آثار قُدرتهِ عزَّ وعلا أو لاحظَه أنْ يُسارعَ إلى التَّكلُّمِ به إجلالاً وإعظاماً لشؤونهِ تعالى. {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} بدلٌ من الجلالة وقيل نعتٌ بناء على أن الإضافة ليستْ لفظيَّةً وقيل خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هُو أحسنُ الخالقينَ خَلْقاً، أي المقدِّرين تقديراً، حُذف المميِّز لدلالة الخالقينَ عليه كما حُذف المأذونُ فيه في قوله تعالى: { أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ} تفسير : [الحج: 39] لدلالة الصِّلةِ عليه، أي أحسنُ الخالقين خَلْقاً، فالحُسنُ للخلقِ. قيلَ نظيرُه قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ » تفسير : أي جميلٌ فعلُه فحُذف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامَهُ فانقلبَ مرفُوعاً فاستكنَّ. رُوي حديث : أنَّ عبدَ اللَّه بن أبـي سَرْحٍ كان يكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحيَ فلمَّا انتهى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قوله خلقاً آخرَ سارع عبدُ اللَّه إلى النُّطقِ به قبل إملائه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فقال: «اكتبْهُ هكذا نزلتْ» تفسير : فشكَّ عبدُ اللَّه فقال: إنْ كان محمَّدٌ يُوحى إليه فأنا كذلك فلحقَ بمكَّة كافراً ثمَّ أسلمَ يوم الفتحِ وقيل ماتَ على كُفرِه. ورَوى سعيدُ بنُ جُبـيرٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال لمَّا نزلتْ هذه الآية: حديث : قال عمرُ رضي الله عنه: فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقين، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هكذا نزلَ يا عمرُ» تفسير : . وكان رضي الله عنه يفتخرُ بذلك ويقولُ: «وافقتُ ربِّـي في أربعٍ، الصَّلاةُ خلفَ المُقامِ وضربُ الحجابِ على النِّسوةِ. وقولي لهنَّ أو ليبدله الله خيراً منكنَّ فنزل قولُه تعالى: { أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ} تفسير : [التحريم: 5] الآية، والرابعُ فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقينَ» انظر كيفَ وقعتْ هذه الواقعةُ سبباً لسعادةِ عمرَ رضي الله عنه وشقاوة ابن أبـي سَرْح حسبما قال تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26] لا يقالُ فقد تكلَّم البشرُ ابتداءً بمثل نظمِ القُرآن وذلك قادحٌ في إعجازِه لما أنَّ الخارجَ عن قُدرة البشرِ ما كان مقدارَ أقصرِ السُّورِ على أنَّ إعجازَ هذه الآيةِ الكريمةِ منوطٌ بما قبلها كما تُعربُ عنه الفاءُ فإنَّها اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً}. قطرةٌ أجزاؤُها متماثِلَةٌ، ونُطْفَةٌ أبعاضُها متشاكِلة، ثم جعل بعضها لْحماً وبعضَها عَظْماً، وبعضَها شَعْراً، وبعضها ظُفراً، وبعضها عَصَبَاً، وبعضها جِلْدَاً، وبعضها مُخَّاً وبعضها عِرْقاً. ثم خَصَّ كُلَّ عضوٍ بهيئةٍ مخصوصةٍ، وكلَّ جُزْءٍ بكيفيةٍ معلومةٍ. ثم الصفاتُ التي للإنسان خَلَقَهَا متفاوتةً، من السَّمْع والبَصَرِ والفِكْرِ والغَضَبِ والقدرةِ والعلم والإرادةِ والشجاعةِ والحقد والجودِ والأوصافِ التي يتقاصر عنها الحَصْرُ والعَدُّ. قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. في التفاسير أنه صورة الوجه، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة، واخْتُصَّ به السَّمْع والبصر والعقل والتمييز، وما تفرَّد به بعضٌ منهم بمزايا في الإلهام العام للعقل وسائر الإدراكات. ويقال: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}: وهو أَن هَيَّأهم لأحوالٍ عزيزة يُظْهِرها عليهم بعد بلوغهم، إذا حصل لهم كما التمييز من فنون الأحوال؛ فلقومٍ تخصيصٌ بزينة العبودية، ولقومٍ تحرُّرٌ من رِقِّ البشرية، ولآخرين تحقَّقٌ بالصفاتِ الصمدية بامتحائهم عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هي أوصاف البشرية. قوله جلّ ذكره: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. خلق السماواتِ والأرضين بجملتها، والعرشَ والكرسيَّ، مع المخلوقات من الجنة والنار بكليتها - ثم لمَّا أخبر بذلك لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت خَلْقِه بني آدم تخصيصاً لهم وتمييزاً، وإفراداً لهم من بين المخلوقات. ويقال إنْ لم يَقُلْ لَكَ إِنَّكَ أحسنُ المخلوقاتِ في هذه الآية فلقد قال في آية أخرى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]. ويقال إن لم تكن أنت أحسن المخلوقات وأحسن المخلوقين - ولم يُثْنِ عليك بذلك فلقد أثنى على نفسه بقوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، وثناؤه على نفسه وتمدحه بذلك أعزُّ وأجلُّ من أن يثني عليك. ويقال لما ذكر نعتَك، وتاراتِ حالِكَ في ابتداء خَلْقَك، ولم يكن منك لسانُ شكرٍ ينطق، ولا بيانُ مدحٍ ينطلق.. نَابَ عنك في الثناء على نفسه، فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم جعلناه} اى الجنس باعتبار افراده المغايرة لآدم وقال بعضهم ثم جعلناه اى نسله فحذف المضاف فيكون المراد بالانسان آدم خلق من صفوة سلت من الطين {نطفة} بان خلقناه منها والنطفة الماء الصافى ويعبر بها عن ماء الرجل {فى قرار} اى مستقر وهو الرحم عبر عنها بالقرار الذى هو مصدر مبالغة {مكين} اى حصين وهو وصف لها بصفة مااستقر فيها مثل طريق سائر: وبالفارسية [در قرار كاهى كه استوار يعنى رحم وجهل روز اورا نكاه داشتيم سفيد]
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} مستقرّاً {فِي قَرَارٍ} القرار والقراره بفتحهما ما يستقرّ فيه الشّيء {مَّكِينٍ} من المكان بمعنى الموضع او من المكانة بمعنى المنزلة عند الملك، او من التّمكّن بمعنى الاقتدار، والمراد بالقرار المكين الرّحم.
الالوسي
تفسير : والضمير في قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً} عائد على الجنس باعتبار أفراده المغايرة لآدم عليه السلام، وإذا أريد بالإنسان أولاً آدم عليه السلام فالضمير على ما في «البحر» عائد على غير مذكور وهو ابن آدم، وجاز لوضوح الأمر وشهرته وهو كما ترى أو على الإنسان، والكلام على حذف مضاف أي ثم جعلنا نسله، وقيل يراد بالإنسان أولاً آدم عليه السلام وعند عود الضمير عليه ما تناسل منه على سبيل الاستخدام، ومن البعيد جداً أن يراد بالإنسان أفراد بني آدم والضمير عائد عليه ويقدر مضاف في أول الكلام أي ولقد خلقنا أصلاً الإنسان الخ، ومثله أن يراد بالإنسان الجنس أو آدم عليه السلام والضمير عائد على {سُلَـٰلَةٍ} والتذكير بتأويل المسلول أو الماء أي ثم صيرنا السلالة نطفة. والظاهر أن {نُّطْفَةٍ} في سائر الوجوه مفعولاً ثانياً للجعل على أنه بمعنى التصيير وهو على الوجه الأخير ظاهر، وأما على وجه عود الضمير على الإنسان فلا بد من ارتكاب مجاز الأول بأن يراد بالإنسان ما سيصير إنساناً، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحد ويكون {نُّطْفَةٍ} منصوباً بنزع الخافض واختاره بعض المحققين أي ثم خلقنا الإنسان من نطفة كائنة {فِى قَرَارٍ} أي مستقر وهو في الأصل مصدر من قر يقر قراراً بمعنى ثبت ثبوتاً وأطلق على ذلك مبالغة؛ والمراد به الرحم ووصفه بقوله تعالى: {مَكِينٍ} أي متمكن مع أن التمكن وصف ذي المكان وهو النطفة هنا على سبيل المجاز كما يقال طريق سائر، وجوز أن يقال: إن الرحم نفسها متمكنة ومعنى تمكنها أنها لا تنفصل لثقل حملها أو لا تمج ما فيها فهو كناية عن جعل النطفة محرزة مصونة وهو وجه وجيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَعَلْنَاهُ} (13) - ثُمَّ جَعَلَ اللهُ نَسْلَ آدَمَ مُتَحَدِّراً مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ضَعِيفٍ (مَهِينَ)، فَتَخْرُجُ النُطْفَةُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَسْتَقِرُّ فِي رَحِمِ الأُنْثَى، وَتَكُونُ النُطْفَةٌُ فِي حِرْزٍ حَصِينٍ فِي وَقْتِ الحَمْلِ، إِلَى حِينِ الوِلاَدَةِ. والرَّحِمُ مَحْفُوظٌ بِعِظَامِ الحَوْضِ. قَرَارٍ مَكِينٍ - مُسْتَقِرٍّ مُتَمَكِّنٍ وَهُوَ الرَّحِمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: بعد أن جعلناه بشراً مُسْتوياً فيه روح جعلناه يتكاثر من نفسه، وكما خلقناه من خلاصة الطين في الإنسان الأول نخلقه في النسْل من خلاصة الماء وأصفى شيء فيه، وهي النطفة؛ لأن الإنسان يأكل ويشرب ويتنفس، والدم يمتص خلاصة الغذاء، والباقي يخرج على هيئة فضلات، ثم يُصفَّى الدم ويرشح في الرئة وفي الكلى، ومن خلاصة الدم تكون طاقة الإنسان وتكون النطفة التي يخلق منها الإنسان. إذن: فهو حتى في النطفة من سلالة مُنْتقاة. والنطفة التي هي أساس خَلْق الإنسان تعيش في وسط مناسب هو السائل المنوي، لذلك قال سبحانه: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى}تفسير : [القيامة: 37] ثم جعلنا هذه النطفة {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] قرار: يعني مُستقر تستقر فيه النطفة، والقرار المكين هو الرحم خلقه الله على هذه الهيئة، فحصّنه بعظام الحوض، وجعله مُعدّاً لاستقبال هذه النطفة والحفاظ عليها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] أي: قطرة أجزاءها متماثلة ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم بإظهار القدرة تصرف في النطفة فجعلها علقة فقال: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} [المؤمنون: 14] يشير إلى أن لكل خلقة رتبة في النطفة خاصية وطبيعة أخرى، وجعل بعضها لحماً وعظماً، وبعضها شعراً، وبعضها ظفراً، وبعضها عصباً، وبعضها جلداً، وبعضها مخاً، وبعضها أمعاء، ثم خص كل عضو بهيئة مخصوصة، وكل جزء بكيفية معلومة، ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة من السمع والبصر والنطق والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحسد والحرص والجود، والأوصاف الكثيرة التي يتقاصر عنها الحصر والعد، فتدل هذه الأحوال المختلفة صورة ومعنى. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 14] بنفخ الروح فيه يعني خلقاً غير المخلوقات التي خلقها قبله، وهو أحسنهم تقويماً وأكملهم استعداداً وأجلهم كرامة وأعلاهم رتبة وأدناهم قربة وأخصهم فضيلة؛ فلهذا أثنى على نفسه عند خلقه بقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] يعني: لأنه خلق أحسن المخلوقين فيما جعلهم معدن العرفان وموضوع المحبة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه من الجنة والنار لم يعقبهما بهذا التمدح الذي ذكر بعد نعت خلقه بني آدم تخصيصاً لهم من بين المخلوقات {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] يشير إلى أن الإنسان بعد بلوغه إلى الرتبة الإنسانية قابل للموت مثل موت القلب وموت النفس، وقابل لحشرهما وفي موت القلب حياة النفس وحشرها مودعة، وفي موت النفس حياة القلب وحشره مودع، وحياة النفس بالهوى وظلمته، وحياة القلب بالله ونوره، كما قال الله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122] وهذا معنى حقيقة قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16]. وبقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} [المؤمنون: 17] يشير إلى أن أطباق السماوات كما هي حجب تحول بين أبصارنا وبين المنازل العالية من العرش الكريم، كذلك أطوار القلب سبعة هي أغشيتها وحُجبها، كالغضب والشهوة والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة. أما المريدون: فإذن أظلم سحاب الفطرة سكن هيجان إرادتهم، فذلك من الطريق التي عليهم. وأما الزاهدون: فإذا تحركت عروق الرغبة اهتزت قوة زهدهم وضعف دعائم صبرهم، فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات فتعود فتراهم قليلاً قليلاً وتختل رتبة عرفهم وتتهدم دعائم قصدهم، فبداية ذلك من الطريق التي خلق فوقهم. وأما العارفون: فريثما يظلهم في بعض أي: بينهم وقفة في تصاعد سرهم إلى ساحات الحقائق فيصيرون موقونين وربما يتفضل الحق سبحانه عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً أو يرفع عنهم ما عاقبهم في الطريق، وفي جميع هذا فالحق سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق. كما قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] فلمصالح المقبولين وجبر خللهم {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [المؤمنون: 18] سماء العناية {مَآءً} الرحمة {بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] أي: بحسب حاله كل واحد منهم {فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ} [المؤمنون: 18] أي: في أرض وجودهم، ثم أخرجنا منها ينابيع الحكمة بتأثير نظر العناية {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ} [المؤمنون: 18] بالإعراض عنهم، كما أنزلنا من السماء ماء المطر الذي هو سبب حياة الأرضين كذلك من سماء العناية وماء الرحمة فيحيي به القلوب، ويزيل به درن العصاة وآثار ذلتهم، وينبت في أرض قلوبهم فنون أزهار البسط وصنوف الروح. وبقوله تعالى: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 19] يشير إلى أن كما ينشئ الفياض بماء السماء ويثمر الأشجار ويجري الأنهار، فكذلك بماء سماء العناية ينشئ بماء سماء العناية ينشئ شجرة العرفان ويؤتي أكلها من الكشف والعيان ما تتقاصر العبارات عن شرحه ولا تطمع الإشارات في حصره. {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} [المؤمنون: 20] وهي شجرة الحق الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] وهو حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، ومقر هذا الدُّهن هو الخفي الذي فوق الروح وهو سر بين الله وبين الروح لا تطلع عليه الملائكة المقربون {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] أي: وهو إدام لآكلي الكونين بقوة الهمة. ثم أخبر عن عبرة الخواص والعوام في خلق الأنعام بقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] يشير إلى أنه كما يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم لبناً خالصاً، وفيه عبرة لأولي الأبصار فكذلك من بين فرث الصفات النفسانية وبين دم الصفات الشيطانية لبناً خالصاً من التوحيد والمحبة؛ ليسقي به أرواح الصديقين كما قال بعضهم: شعر : سقاني شربةً أحيا فؤادي بكأس الحبِّ من بحرِ الودادِ تفسير : وفيها عبرة لأولي الأبصار {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} [المؤمنون: 21] من الأخلاق الكريمة الربانية والمعارف العظيمة الرحمانية والشواهد الحقانية العيانية {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} حين تبيتون عند ربكم {وَعَلَيْهَا} [المؤمنون: 22] أي: على النفوس الحيوانية {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} أي: فلك القلوب لروحانية {تُحْمَلُونَ} في بحر الصفات الربانية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):