٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً } دماً جامداً {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً } لحمة قدر ما يمضغ {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْماً } وفي قراءة «عَظماً» في الموضعين. و خلقنا في المواضع الثلاث بمعنى صيَّرنا {ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ } بنفخ الروح فيه {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ } أي المقدّرين، ومميز (أحسن) محذوف للعلم به: أي خلقاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَلَقَةً} الدم الطري سمي به لأنه أول أحوال العلوق {الْمُضْغَةَ} قدر ما يمضغ من اللحم، ذكر ذلك ليعلم الخلق أن الإعادة أهون من النشأة {خَلْقاً ءَاخَرَ} بأن نفخ فيه الروح "ع"، أو بنبات الشعر، أو بأنه ذكر، أو أنثى "ح"، أو استوى شبابه {فَتَبَارَكَ} تعظيم {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أصنع الصانعين".
البقاعي
تفسير : ولما كان تصيير الماء دماً أمراً بالغاً خارجاً عن التسبيب، وكانت النطفة التي هي مبدأ الآدمي تفسد تارة وتأخذ في التكون أخرى، عبر بالخلق لما يخلطها به مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة {خلقنا} أي بما لنا من العظمة {النطفة} أي البيضاء جداً {علقة} حمراء دماً عبيطاً شديد الحمرة جامداً غليظاً. ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسبباً كل واحد منه عما قبله بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ، وليس تسببه من العادة التي يقدر عليها غيره سبحانه، عبر بالفاء والخلق فقال: {فخلقنا العلقة مضغة} أي قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط {فخلقنا المضغة} بتصفيتها وتصليبها بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة {عظاماً} من رأس ورجلين وما بينهما {فكسونا} بما لنا من قدرة الاختراع، تلك {العظام لحماً} بما ولدنا منها ترجيعاً لحالها قبل كونها عظماً، فسترنا تلك العظام وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. ولما كان التصوير ونفخ الروح من الجلالة بمكان أيّ مكان، أشار إليه بقوله: {ثم أنشأناه} أي هذا المحدث عنه بعظمتنا {خلقاً آخر} أي عظيماً جليلاً متحركاً ناطقاً خصيماً مبيناً بعيداً من الطين جداً؛ قال الرازي: وأصل النون والشين والهمزة يدل على ارتفاع شيء وسموه. ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سبباً لتعظيم الخالق: {فتبارك} أي ثبت ثباتاً لم يثبته شيء، بأن حاز جميع صفات الكمال، وتنزه عن كل شائبة نقص، فكان قادراً على كل شيء، ولو داناه شيء من عجز لم يكن تام الثبات، ولذلك قال: {الله} فعبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى؛ وأشار إلى جمال الإنسان بقوله: {أحسن الخالقين*} أي المقدرين، أي قدر هذا الخلق العجيب هذا التقدير، ثم طوره في أطواره ما بين طفل رضيع، ومحتلم شديد، وشاب نشيط، وكهل عظيم، وشيخ هرم - إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير. ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد القوة العظيمة والإدراك التام - من الغرائب، وكان وجودها فيه وتكرارها عليه في كل وقت قد صيرها أمراً مألوفاً، وشيئاً ظاهراً مكشوفاً، وكان عتو الإنسان على خالقه وتمرده ومخالفته لأمره نسياناً لهذا المألوف كالإنكار له، أشار إلى ذلك بقوله تعالى مسبباً مبالغاً في التأكيد: {ثم إنكم} ولما كان من الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، نزع الجار فقال: {بعد ذلك} أي الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة {لميتون*} وأشار بهذا النعت إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حيّ في حال حياته لازم له، بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم. ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقرراً لا يشك فيه عاقل، قال نافياً ما يوهمه إعراء الظرف من الجار: {ثم إنكم} وعين البعث الأكبر التام، الذي هو محط الثواب والعقاب، لأن من أقر بما هو دونه من الحياة في القبر وغيرها، فقال: {يوم القيامة} أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق {تبعثون*} فنقصه عن تأكيد الموت تنبيهاً على ظهوره، ولم يخله عن التأكيد لكونه على خلاف العادة، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم خلقنا النطفة علقة} بان احلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، قال الراغب العلق الدم الجامد ومنه العلقة التى يكون منها الولد {فخلقنا العلقة مضغة} المضغة قطعة لحم تمضع اى فصير ناها قطعة لحم لا استبانة ولا تمايز فيها: وبالفارسية [بس ساختيم آن خون را آن مقدار كوشت كه بخايند يكبار كوشتى بى استخوان بسته جهل روز ديكر] {فخلقنا المضغة} اى غالبها ومعظمها {عظاما} بان صلبناها بعد ثلاث واربعين وجعلناها عمودا للبدن على هيآت واوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة {فكسونا} [بس بيوشانيديم] {العظام} المعهودة {لحما} من بقية المضغة اى كسونا كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم على مقدار لائق به وهيآت مناسبة له: وبالفارسية [برو برويانيديم كوشت بعد از رستن عروق واعصاب واوتار وعضلات برو] واختلاف العواطف للتنبيه على تفاوت الاستحالات وجمع العظام لاختلافها {ثم انشأناه} الانشاء ايجاد الشىء وتربيته واكثر ما يقال ذلك فى الحيوان وبالفارسية [بس بيافريديم اورا] {خلقا آخر} بنفخ الروح فيه: وبالفارسية [روح درو دميده تازنده شد بعد از آنكه مرده بود يا بعد از خروج اورادند وموى داديم وراه بستان برو كشاديم وازمقام رضا بفطام رسانيديم وبغذاهاى كونا كون تربيت فرموديم وجون قدم درحد بلوغ نهاد وقلم تكليف برو جارى كرديم وبر مراتب شباب وكهولت وشيخوخت بكذا رانيديم] وثم لكمال التفاوت بين الخلقين واحتج به ابو حنيفة رحمه الله على ان من غصب بيضة فافرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ فانه خلق آخر، قال فى الاسئلة المقحمة خلق الله الآدمى اطوارا ولو خلقه دفعه واحدة كان اظهر فى كمال القدرة وابعد عن نسبة الاسباب فما معناه فالجواب لا بل الخلق بعد الخلق بتقليب الاعيان واختراق الاشخاص اظهر فى القدرة فانه تعالى خلق الآدامى من نطفة متماثلة الاجزاء ومن اشياء كثيرة مختلفة المراتب متفاوتة الدرجات من لحم وعظم ودم وجلد وشعر وغيرها ثم خص كل جز منها بتركيب عجيب وباختصاص غريب من السمع والبصر واللمس والمشى والذوق والشم وغيرها وهى ابلغ فى اظهار كمال الالهية والقدرة {فتبارك الله} فتعالى شأنه من علمه الشامل وقدرته الباهرة {احسن الخالقين} بدل من الحلالة اى احسن الخالقين خلقا اى المقدرين تقديرا حذف المميز لدلالة الخالقين عليه فالحسن للخلق، وفى الاسئلة المقحمة هذا يدل على ان العبد خالق افعاله ويكون الرب احسن منه فى الخالقية فالجواب معناه ا حسن المصورين لان المصور يصور الصورة ويشكلها على صورة المخلوق اخبربه لانه لا يبلغ فى تصويره الى حد الخالق لانه لن يقدر على ان ينفخ فيها الروح وقد ورد الخلق فى القرآن بمعنى التصوير قال الله تعالى {أية : واذ تخلق من الطين كهيئة الطير}تفسير : اى واذ تصور كذلك ههنا انتهى. وفى التأويلات النجمية {ثم انشأناه خلقا آخر} يعنى خلقا غير المخلوقات التى خلقها من قبل وهو احسنهم تقويما واكملهم استعدادا واجلهم كرامة واعلاهم رتبة واخصهم فضيلة فلهذا اثنى على نفسه عند خليقته بقوله {فتبارك الله احسن الخالقين} لانه خلق احسن المخلوقين حيث جعله معدن العرفان وموضع المحبة ومتعلق العناية [اى عزيز حق سبحانه وتعالى عرش وكرسى ولوح وقلم وملائكة ونجوم وسموات وارضين بيافريد وذات مقدس را بدين نوع ثناءكه بعد از آفرينش انسان فرموده نفرموده واين دليل تفضيل وتكريم ايشانست شعر : بر ورق روى لطف اله آينيه حسن كه تحرير كرد تفسير : وفى المثنوى شعر : اى رخ جون زهره است شمس الضحى اى كداى رنك توكلكونها[1] تاج كرمناست بر فرق سرت طوق فضلناست آويزبرت هيج كرمنا شنيد اين آسمان كه شنيد آن آدمىء برغمان[2] احسن التقويم در والتين بخواند كه كرامى كوهرست اى دوست جان[3] كر بكويم قيمت آن ممتنع من بسوزم هم بسوزد مستمع تفسير : [بعضى ازاهل وجدان كويندكه جون درين آيت احوال بنى آدم وترقى ازمقامى بمقامى بيان فرموده وآنست كه اورا زبانى باداء مراسم حمد وثنايى كه مستحق باركاه قدم باشد نخواهد بود درستايش ذات مقدس از جناب اونيابت نموده كفت] {فتبارك الله احسن الخالقين} ـ روى ـ ان عبدالله بن ابى سرح كان يكتب لرسول الله الوحى فلما انتهى عليه السلام الى قوله {خلقا آخر} سارع عبد الله ا لى النطق به قبل املائه عليه السلام فقال عليه السلام ا كتب هكذا انزلت فشك عبدالله فقال ان كان محمد يوحى اليه فانا كذلك فلحق بمكة كافرا ثم اسلم يوم الفتح وقيل مات على كفرهحديث : ولما نزلت هذه الآية قال عمر رضى الله عنه فتبارك الله احسن الخالقين فقال عليه السلام "هكذا نزلت ياعمر"تفسير : وكان يفتخر بتلك الموافقه انظر كيف وقعت هذه الواقعة سببا لسعادة عمر رضى الله عنه وشقاوة ابن ابى سرح حسبما قال تعالى {أية : يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا}تفسير : لا يقال قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن وذلك قادح فى اعجازه لما ان الخارج عن قدرة البشر ما كان مقدار اقصر سورة.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ} اى صيّرنا النّطفة {عَلَقَةً} او خلقنا من النّطفة علقةً {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} اتى بثمّ فى الفقرة الاولى للاشارة الى امتداد الزّمان من اوّل استقرار النّطفة فى الرّحم الى صيرورتها دماً منعقداً بخلاف صيرورة العلقة مضغةً فانّه لا تراخى بين العلقة والمضغة {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً} يعنى صيّرنا وصوّرنا اوّلاً صورة العظام فانّه ما لم يتميّز العظام فى بدن الجنين لا يتصوّر تصوير اللّحوم فانّ اللّحوم فى كلّ موضع بنحوٍ مخصوصٍ وليس تميّزها وخصوصيّاتها الاّ بتميّز محالّها الّتى هى العظام وخصوصيّاتها {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} اتى بثمّ للاشعار بتراخى مرتبة الانشاء عن الخلق فانّ الخلق يستعمل فى المكوّنات المادّيّات، والانشاء فى المجرّدات، وقد يخصّ الخلق بما يحتاج الى مادّة ومدّة كالمواليد، والاختراع بما يحتاج الى المادّة دون المدّة كالسّماوات والعناصر، والانشاء بالمتقدّرات المجرّدة عن المادّة والمدّة، والابداع بالمجرّدات عن الكلّ وبكلا المعنيين يكون الانشاء اعلى درجةً من الخلق، وللاشارة الى انّ انشاء نفس الانسان ليس كصيرورة العلقة مضغةً بلا فرجة بل لا يكون انشاء نفس الانسان ممتازة عن بدنه الاّ آخر ايّام الحمل او اوّل ايّام الوضع فيكون بين كسوة العظام لحماً وبين انشائه نفساً تراخ {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} بمعنى تنزّه وتقدّس وهذه كلمة خاصّة بالله بهذا المعنى يقال فى مقام التّعجّب من الشّىء وتعظيمه وان كان اصله من البركة بمعنى النّماء والزّيادة فى الخيرات، عقّب الانشاء بهذه الكلمة للاشارة الى انّ انشاء نفس الانسان امر عظيم ينبغى ان يتعجّب منه وينزّه منشئه عن وصمة النّقص، والتفت من التّكلّم الى الغيبة ولم يقل تباركنا لانّ هذه الكلمة صارت كالامثال فى مخاطباتهم ولا تتغيّر {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} يعنى انّ الخالقيّة الحقيقيّة ان كانت منحصرة فى الله فوسائطه لخلقه من الملائكة والقوى والصّنّاع كثيرة والله تعالى احسن الكلّ لعدم احتياجه فى خلقه الى شيءٍ من مثالٍ سابقٍ ومادّةٍ ومددٍ وآلةٍ وقوىً وجوارح واعضاء.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ خَلَقْنَا} صيرنا * {النُّطْفَةَ عَلَقَةَ} قطعة دم جامدة * {فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةَ} قطعة لحم صغيرة * {فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً} جعلنا المضغة صلبة وهي العظم * {فَكَسَوْنَا العِظَامَ لحْماً} مما بقي من المضغة أو مما انبتنا عليها مما يصل اليها ولحما مفعول ثان لكسونا. وقرأ ابن عامر وابو بكر (فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما) بفتح العين واسكان الظاء فيهما افرادا لارادة الجنس في الأول واما الثاني فهو نفس الاول بواسطة (ال) العهدية وقرئ (فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظم لحما). وقرئ (فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظام لحما) وعطف الاول بثم لبعد ما بين كونه طينا أو كونه بعضا من اب وام وكونه نطفة بل كونه بعضا منهما قد يقرب لحدوث ذلك الدم الذي يستحيل نطفة حدوثا قريبا وعطف الثاني بثم لبعد ما بين كونه نطفة وكون النطفة علقة والفاء فيما بقي بمعنى ثم أو للترتيب بحسبه وما قبل الفاء أبعد. وقيل: بين كل خلق وآخر اربعون يوما اعني ان بين استحالة العلقة مضغة واستحالة المضغة عظاما اربعين يوما وهكذا. ولا يخفى تفاوت تلك الاشياء صلابة وهيئة {ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقًاً آخَرَ} مغايرا للاول. وفي وصفه بالآخر والعطف بثم المستعلمة في علو الشأن بعد العطف بالفاء اشارة إلى كون هذه الخلقة اعظمها وهي نفخ الروح فيه عند ابن عباس والحسن. وقيل: نفخها فيه وصورة البدن. وقيل: كلاهما. وقيل: الذكورة والانوثة. وقيل: هو نبات شعره. وعن ابن عباس خروجه إلى الدنيا. وقيل عنه: تصريف احواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع والقعود والقيام والمشي والفطام والأكل والشرب وغير ذلك إلى البلوغ وما بعده. وقال عياض: ما ذكر كله في هذا القول والاقوال قبله سبحانه الله كان حيوانا بعد ما كان جمادا وناطقا بعد بكم وسميعا بعد صم وبصيرا بعد عمى واودع باطنه وظاهره وكل جزء من اجزائه عجائب صنعه وغرائب فطره واستدل أبو حنيفة بالآية ان من غصب وسرق بيضة فافرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لانه خلق آخر والمذهب ضمان البيضة والفرخ {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} اي تعالى امره في قدرته وعلمه وحكمته واصله قبل مطاوعه بارك فيه * {احْسَنُ الْخَالِقِينَ} خلقا فحذف التمييز لدلالة الخالقين كما حذف المأذون فيه لدلالة (يقاتلون) في قوله تبارك وتعالى {أية : اذن للذين يقاتلون}تفسير : اي اذن في القتال واحسن نعت لله لان اضافة اسم التفضيل محضة. وقال ابو اليقاء: لفظية لان المضاف إليه عوض عمن لفظ (من) فيكون احسن بدلا وفيه ان ابدال المشتق الذي هو وصف ضعيف أو خبر المحذوف اي (هو احسن الخالقين). وان قلت: الآية تدل على تعدد الخالق وتنافي خالق كل شيء وهل من خالق غير الله ونحوهما قلت الخالقين بمعنى (المقدرين) أو لانه تعالى قد اجرى خلق بعض الاشياء على يد غير واحد من الانبياء خرقا للعادة فسموا خالقين ولو كان الخالق على الحقيقة الله لا غيره. قال عيسى عليه السلام: (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير) ولان الخلق بمعنى مطلق الايجاد فيشمل الايجاد عن عدم وايجاد صفة بعد اخرى وهو الصنعة. وروي انه صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله خلقا آخر قال عمر رضي الله عنه (فتبارك الله احسن الخالقين) فنزلت كذلك. وروي ان عبدالله بن ابي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك قبل املائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هكذا نزلت فقال: ان كان محمد نبيا يوحى اليه فانا نبي يوحى إلي ولحق بمكة كافرا واسلم يوم الفتح وكان ايضا يكتب له في مكة قبل الهجرة وهو أول كاتب له من قريش وذكروا ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى فنزل {واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى}. وقيل: قال: لو صلينا خلف المقام يا رسول الله وقال يا رسول الله لو اتخذت لنسائك حجابا فانه يدخل عليك البر والفاجر فنزل {وإذا سألتموهن متاعا} إلى آخره وقال لهن لتنتهين أو ليبدلن الله خيرا منكن فنزل {عسى ربه} إلى آخره وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: {خلقا آخر} فقال عمر: تبارك الله احسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد ختمتها اي نطقت بخاتمة الآية وارسل اليه مذلج بن عمر والانصاري وكان صغيرا ليدعوه فدخل عليه فوجده نائما منكشف العورة فقال وددت ان الله نهى آباءنا وابناءنا وخدمنا ان لا يدخلوا وقت الظهيرة الا باذن فانطلق معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه {أية : يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم} تفسير : إلى آخره. قال ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقبله"تفسير : وقال ابن عمر ما نزل بالناس امر فقالوا وقال الا نزل القرآن على نحو ما قال ووافق القرآن في اسارى بدر. وعن عبد الرحمن بن ابي ليلى ان يهوديا لقي عمر فقال ان جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال عمر من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فان الله عدو للكافرين فنزلت كذلك من اراد الحبل وحفظ الجنين فليكتب (ولقد خلقنا) إلى (الخالقين) في سبع ورقات ريحان اثرنجي ويأمر المرأة ان تبلعهن ورقة ورقة وتشرب على كل ورقة جرعة من لبن بقرة صفراء يفعل ذلك ثلاثة ايام ومن كتب ذلك في خرقة قطن رفيعة معصورة بماء توت وجعلها تحت عمامته كان له قبول وزينة وهيبة وتجعلها المرأة تحت عصابتها يكون لها ذلك بإذن الله سبحانه.
اطفيش
تفسير : {ثم خَلقْنا النُّطفَة علقةً} صيرناها دما جامدا {فخلقْنا العَلَقة مُضْغةً} لحمة قدر ما يمضغ {فخلقنا المْضْغةَ} كلها {عظاماً} مائتين وثمانية وأربعين عظما، وهى عدد لفظ رحم بالجمل الكبير {فكَسَونا العظام} المعهودة عهدا ذكريا {لحماً} آخر غير لحم المضغة خلق من الرحم، وهذا هو الظاهر من قوله: "خلقنا المضغة" لأن المتبادر أنها كلها صيرت عظاما، ولا دليل على أنه صير أكثرها، وكسا العظام بباقيها {ثم أنْشأناهُ} بإحداث الروح فيه سارية فى أجزائه حتى ظفره، وشعره {خلقاً آخر} حيوانا يتكلم ويسمع ويبصر ويفعل، ولبعد هذه الأوصاف عما قبلها من الجمادات، وكان العطف بثم كما كان بها أولا لبعد النطفة عن الطين، والعطف بالفاء فى الباقى للترتيب دون اتصال، والمدة فى ذلك كله سواء، وتراخى ثم فى الرتبة. واستدل أبو حنيفة بقوله:"خلقا آخر" على أنه من غصب بيضة فأفرخت عنده أن فرخها له، لأنه خلق آخر، وليس كذلك، بل لصاحبها، ولو كان خلقا آخر لأنه هو البيضة استحالت فرخا بإذن الله، وتحولها لا يخرج به من ملكه، بل هو جزء من المغصوب {فتبارك الله} لم يقل فتباركنا للإشعار بأنه تلك الأفعال من شأن الألوهية {أحْسن الخالقين} نعت، لأن إضافة اسم التفضيل محضة لا كما قيل إنها لفظية كونها عوضا مِنْ من، والتمييز محذوف دل عليه الخالقين، أى أحسنهم خلقا، والخلق هنا التقدير أو التصوير، قال الله سبحانه: "أية : وإذ تخلق من الطين"تفسير : [المائدة: 110] أى تصور، وقال زهير:شعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفرى تفسير : أى تقدر لا بمعنى الإيجاد، لأنه يختص بالله الأعلى، زعم المعتزلة أنهم خلقوا أفعالهم، ومعنى حسن خلقه للأشياء اتقانه، أو انتفاء القبح فى فعله، وهو تعالى يخلق القبيح والحسن، لا كما قالت المعتزلة إنه لا يخلق المعاصى. وروى أنه لما سمع عمر الآية إلى قوله: {خلقا آخر} قال: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت كما فى الطبرانى وأبى نعيم وابن مردوية، وكان يفرح بذلك، وروى هذا عن معاذ كما فى الطبرانى وابن مردوية، وروى عن عبد الله بن سعيد بن أبى سرح وهو المشهور، وأنه ارتد وهرب إلى مكة، وقال: أوحى إلى كما أوحى الى محمد، ورد بأن السورة مكية، وارتداده بالمدينة، ويجاب بأن السورة مكية، ونزلت عليه بالمدينة الآية، فالآية مدنية كقوله عز وجل:{أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم}تفسير : [المؤمنون: 64] الى: أية : مبلسون"تفسير : [المؤمنون: 77] وباقى السورة مكى، ومات كافراً، وقيل أسلم يوم الفتح وحسن إسلامة.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي دماً جامداً وذلك بإفاضة أعراض الدم عليها / فتصيرها دماً بحسب الوصف، وهذا من باب الحركة في الكيف {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ لا استبانة ولا تمايز فيها، وهذا التصيير على ما قيل بحسب الذات كتصيير الماء حجراً وبالعكس، وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة أخرى عليها وهو من باب الكون والفساد ولا يخلو ذلك من الحركة في الكيفية الاستعدادية فإن استعداد الماء مثلاً للصورة الأولى الفاسدة يأخذ في الانتقاص واستعداده للصورة الثانية الكائنة يأخذ في الاشتداد ولا يزال الأول ينقص والثاني يشتد إلى أن تنتهي المادة إلى حيث تزول عنها الصورة الأولى فتحدث فيها الثانية دفعة فتتوارد هذه الاستعدادات التي هي من مقولة الكيف على موضوع واحد. {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ} غالبها ومعظمها أو كلها {عِظَـٰماً} صغاراً وعظاماً حسبما تقتضيه الحكمة وذلك التصيير بالتصليب لما يراد جعله عظاماً من المضغة؛ وهذا أيضاً تصيير بحسب الوصف فيكون من الباب الأول. وفي كلام العلامة البيضاوي إشارة ما إلى مجموع ما ذكرنا وهو يستلزم القول بأن النطفة والعلقة متحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بالأعراض كالحمرة والبياض مثلاً وكذا المضغة والعظام متحدان في الحقيقة وإنما الاختلاف بنحو الرخاوة والصلابة وأن العلقة والمضغة مختلفان في الحقيقة كما أنهما مختلفان بالاعراض. والظاهر أنه تتعاقب في جميع هذه الأطوار على مادة واحدة صور حسب تعاقب الاستعدادات إلى أن تنتهي إلى الصورة الإنسانية، ونحن نقول به إلى أن يقوم الدليل على خلافه فتدبر. {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ} المعهودة {لَحْماً} أي جعلناه ساتراً لكل منها كاللباس، وذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها عظاماً بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها، ويحتمل أن يكون لحماً آخر خلقه الله تعالى على العظام من دم في الرحم. وجمع {ٱلعِظَامِ} دون غيرها مما في الأطوار لأنها متغايرة هيئة وصلابة بخلاف غيرها، ألا ترى عظم الساق وعظم الأصابع وأطراف الأضلاع، وعدة العظام مطلقاً على ما قيل مائتان وثمانية وأربعون عظماً وهي عدة رحم بالجمل الكبير، وجعل بعضهم هذه عدة أجزاء الإنسان والله تعالى أعلم. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفضل والحسن وقتادة وهٰرون والجعفي ويونس عن أبـي عمرو، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بإفراد {ٱلعِظَامِ} في الموضعين اكتفاء باسم الجنس الصادق على القليل والكثير مع عدم اللبس كما في قوله: شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا تفسير : واختصاص مثل ذلك بالضرورة على ما نقل عن سيبويه لا يخلو عن نظر، وفي الإفراد هنا مشاكلة لما ذكر قبل في الأطوار كما ذكره ابن جني. وقرأ السلمي وقتادة أيضاً والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد الأول وجمع الثاني، وقرأ أبو رجاء وإبراهيم بن أبـي بكر ومجاهد أيضاً بجمع الأول وإفراد الثاني. {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءاخَرَ} مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعل حيواناً ناطقاً سميعاً بصيراً وأودع كل عضو منه وكل جزء عجائب وغرائب لا تدرك بوصف ولا تبلغ بشرح، ومن هنا قيل: شعر : وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : / وقيل الخلق الآخر الروح والمراد بها النفس الناطقة. والمعنى أنشأنا له أو فيه خلقاً آخر، والمتبادر من إنشاء الروح خلقها وظاهر العطف بثم يقتضي حدوثها بعد حدوث البدن وهو قول أكثر الإسلاميين وإليه ذهب أرسطو، وقيل إنشاؤها نفخها في البدن وهو عند بعض عبارة عن جعلها متعلقة به، وعند أكثر المسلمين جعلها سارية فيه، وإذا أريد بالروح الروح الحيوانية فلا كلام في حدوثها بعد البدن وسريانها فيه، وقيل: الخلق الآخر القوى الحساسة، وقال الضحاك ويكاد يضحك منه فيما أخرجه عنه عبد بن حميد: الخلق الآخر الأسنان والشعر فقيل له: أليس يولد وعلى رأسه الشعر؟ فقال: فأين العانة والإبط، وما أشرنا إليه من كون {ثُمَّ} للترتيب الزماني هو ما يقتضيه أكثر استعمالاتها، ويجوز أن تكون للترتيب الرتبـي فإن الخلق الثاني أعظم من الأول ورتبته أعلى. وجاءت المعطوفات الأول بعضها بثم وبعضها بالفاء ولم يجيء جميعها بثم أو بالفاء مع صحة ذلك في مثلها للإشارة إلى تفاوت الاستحالات فالمعطوف بثم مستبعد حصوله مما قبله فجعل الاستبعاد عقلاً أو رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جداً وكذا جعل النطفة البيضاء السيالة دماً أحمر جامداً بخلاف جعل الدم لحماً مشابهاً له في اللون والصورة وكذا تصليب المضغة حتى تصير عظماً وكذا مد لحمها عليه ليستره كذا قيل ولا يخلو عن قيل وقال. واستدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ} الخ على أن من غصب بيضة فأفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر، قال في «الكشف»: وفي هذا الاستدلال نظر على أصل مخالفيه لأن مباينته للأول لا تخرجه عن ملكه عندهم، وقال صاحب «التقريب»: إن تضمينه للفرخ لكونه جزءاً من المغصوب لا لكونه عينه أو مسمى باسمه، وفي هذا بحث، وفي المسألة خلاف كثير وكلام طويل يطلب من «كتب الفروع المبسوطة». وقال الإمام: ((قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام: إن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه تعالى بين فيها أن الإنسان مركب من هذه الأشياء، وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان لا ينقسم وإنه ليس بجسم)) وكأنهم أرادوا أن الإنسان هو النفس الناطقة والروح الأمرية المجردة فإنها التي ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجه وليست داخل البدن ولا خارجه. {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} فتعالى وتقدس شأنه سبحانه في علمه الشامل وقدرته الباهرة، و {تَبَـٰرَكَ} فعل ماض لا يتصرف والأكثر إسناده إلى غير مؤنث، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة والإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية وللإيذان بأن حق كل من سمع ما فصل من أثار قدرته عز وجل أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم به إجلالاً وإعظاماً لشؤونه جل وعلا. {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} نعت للاسم الجليل، وإضافة أفعل التفضيل محضة فتفيده تعريفاً إذا أضيف إلى معرفة على الأصح. وقال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون نعتاً لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض عن ـ من ـ وهكذا جميع باب أفعل منك وجعله بدلاً وهو يقل في المشتقات أو خبر مبتدأ مقدر أي هو أحسن الخالقين والأصل عدم التقدير، وتميز أفعل محذوف لدلالة الخالقين عليه أي أحسن الخالقين خلقاً فالحسن للخلق قيل: نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تعالى جميل يحب الجمال » تفسير : أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً فاستتر، والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى: { أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [المائدة: 110] وقول زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجود لها استقلالاً فالخالق الموجد متعدد عندهم، وقد تكفلت «الكتب الكلامية» بردهم. ومعنى حسن خلقه تعالى اتقانه وإحكامه، ويجوز أن يراد بالحسن مقابل القبح وكل شيء منه عز شأنه حسن لا يتصف بالقبح أصلاً من حيث إنه منه فلا دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى. روي أن عبد الله بن سعيد بن أبـي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأملى عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } تفسير : [المؤمنون: 12] حتى إذا بلغ عليه الصلاة والسلام {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} نطق عبد الله بقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ} الخ قبل إملائه فقال له عليه الصلاة والسلام: هكذا نزلت فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبـي يوحى إلي فارتد ولحق بمكة كافراً ثم أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام وحسن إسلامه، وقيل: مات كافراً. وطعن بعضهم في صحة هذه الرواية بأن السورة مكية وارتداده بالمدينة كما تقتضيه الرواية. وأجيب بأنه يمكن الجمع بأن تكون الآية نازلة بمكة واستكتبها صلى الله عليه وسلم إياه بالمدينة فكان ما كان أو يلتزم كون الآية مدنية لهذا الخبر، وقوله: إن السورة مكية باعتبار الأكثر وعلى هذا يكون اقتصار الجلال السيوطي على استثناء قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } تفسير : [المؤمنون: 64] إلى قوله سبحانه: { أية : مُّبْلِسُونَ } تفسير : [المؤمنون: 77] قصوراً فتذكر. وتروى هذه الموافقة عن معاذ بن جبل. أخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «أملى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] إلى قوله تعالى: {خَلْقاً ءاخَرَ} فقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: بها ختمت» ورويت أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه، أخرج الطبراني وأبو نعيم في «فضائل الصحابة» وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 12] إلى آخر الآية قال عمر رضي الله تعالى عنه: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} فنزلت كما قال. وأخرج ابن عساكر وجماعة عن أنس أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يفتخر بذلك ويذكر أنها إحدى موافقاته الأربع لربه عز وجل، ثم إن ذلك من حسن نظم القرآن الكريم حيث تدل صدور كثير من آياته على إعجازها، وقد مدحت بعض الأشعار بذلك فقيل: شعر : قصائد إن تكن تتلى على ملاء صدورها علمت منها قوافيها تفسير : لا يقال: فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن الكريم وذلك قادح في إعجازه لما أن الخارج عن قدرة البشر على الصحيح ما كان مقدار أقصر سورة منه على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوط بما قبلها كما تعرب عنه الفاء فإنها اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 14- ثم صيَّرنا هذه النطفة بعد تلقيح البويضة والإخصاب دما، ثم صيَّرنا الدم بعد ذلك قطعة لحم، ثم صيرناها هيكلا عظميا، ثم كسونا العظام باللحم، ثم أتممنا خلقه فصار فى النهاية بعد نفخ الروح فيه خلقاً مغايراً لمبدأ تكوينه، فتعالى شأن الله فى عظمته وقدرته، فهو لا يشبه أحد فى خلقته وتصويره وإبداعه. 15- ثم إنكم - يا بنى آدم - بعد ذلك الذى ذكرناه من أمركم صائرون إلى الموت لا محالة. 16- ثم إنكم تبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء. 17- وإننا قد خلقنا سبع سموات مرتفعة فوقكم، فيها مخلوقات لم نغفل عنها فحفظناها ودبرناها، ونحن لا نغفل عن جميع المخلوقات، بل نحفظها كلها من الزوال والاختلال، وندبر كل أمورها بالحكمة. 18- وأنزلنا من السماء مطراً بحكمة وتقدير فى تكوينه وإنزاله، وتيسيراً للانتفاع به جعلناه مستقراً فى الأرض على ظهرها وفى جوفها، وإنا لقادرون على إزالته وعدم تمكينكم من الانتفاع به، ولكنا لم نفعل رحمة بكم، فآمنوا بخالقه واشكروه.
د. أسعد حومد
تفسير : {عِظَاماً} {ٱلْعِظَامَ} {أَنشَأْنَاهُ} {آخَرَ} {ٱلْخَالِقِينَ} (14) - ثُمَّ صَيَّرَ النُطْفَةَ عَلَقَةً مِنْ دَمٍ. ثُمَّ صَيَّرَ العَلَقَةَ مُضْغَةً - أَيْ قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ بِقَدَرِ مَا يُمْضَغُ - ثُمَّ أَعْطَى هَذِهِ المُضْغَةَ شَكْلَ المَخْلُوقِ، فَأَخَذَ فِي إِظْهَارِ الرأسِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وَمَلاَمِحِ الوَجْهِ. وَخلَقَ العِظَامَ وَكَسَاهَا لَحْمَاً، ثُمَّ جَعَلَ هذَا الجَنِينَ خَلْقَاً آخر بَعْدَ وِلاَدَتِهِ. ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَصَوْتٍ وَحَرَكَةٍ وَإِدْرَاكٍ، مُغَايِراً لِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي بَدْءِ تَكَوِينِهِ، ثُمَّ يَتَطَّورُ فِي النُمُوِّ. فَتَبَارَكَ اللهُ، وَتَنَزَّهَ عَلَى هَذِهِ القُدْرَةِ، وَعَلَى هَذَا الخَلْقِ. عَلَقَةً - دَماً مُتَجَمِّداً. مُضْغَةً - قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ. خَلْقاً آخَرَ - مُبَايِناً للأَوَّل بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. أَحْسَنُ الخَالِقِينَ - أَتْقَنُ الصَّانِعِينَ والمُصَوِّرِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول العلماء: بعد أربعين يوماً تتحول هذه النطفة إلى علقة، وسُمِّيَتْ كذلك لأنها تعلَق بجدار الرحم، والعلماء يسمونها الزيجوت، وهي عبارة عن بويضة مُخصَّبة، وتبدأ في أخذ غذائها منه. ومن عجائب قدرة الله في تكوين الإنسان أن المرأة إذا لم تحمل ينزل عليها دم الحيض، فإذا ما حملتْ لا ترى الحيض أبداً، لماذا؟ لأن هذا الدم ينزل حين لم تكُنْ له مهمة ولا تستفيد به الأم، أمَا وقد حدث الحمل فإنه يتحول بقدرة الله إلى غذاء لهذا الجنين الجديد. ثم يقول سبحانه: {فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً ..} [المؤمنون: 14] وهي قطعة صغيرة من اللحم على قَدْر ما يُمضَغ، وسبق أن قلنا: إن المضغة تنقسم بعد ذلك إلى مُخلَّقة وغير مُخلَّقة، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ..} تفسير : [الحج: 5] هذا على وجه التفصيل، أما في الآية التي معنا فيُحدِّثنا عن أطوار الخلق عامة، حتى لا نظن أن القرآن فيه تكرار كما يدَّعِي البعض. المضْغة المخلَّقة هي التي يتكّون منها جوارح الإنسان وأعضاؤه، وغير المخلَّقة تظل كما قلنا: احتياطياً لصيانة ما يتلف من الجسم، كما يحدث مثلاً في الجروح وما شابه ذلك من عطب يصيب الإنسان، فتقوم غير المخلَّقة بدورها الاحتياطي. ثم يقول تعالى: {فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ..} [المؤمنون: 14] لأنه كان في كل هذه الأطوار: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام واللحم ما يزال تابعاً لأمه متصلاً بها ويتغذّى منها، فلما شاء الله له أنْ يُولَد ينفصل عن أمه ليباشر حياته بذاته؛ ولذلك نجد لحظة انفصال الجنين عن أمه في عملية الولادة مسألة صعبة؛ لأنه سيستقبل حياة ذاتية تستلزم أن تعمل أجهزته لأول مرة، وأول هذه الأجهزة جهاز التنفس. ومن رحمة الله بالجنين أن ينزل برأسه أولاً ليستطيع التنفس، ثم يخرج باقي جسمه بعد ذلك، فإن حدث العكس ونزل برجليه فربما يموت؛ لأنه انفصل عن تبعيته لأمه، وليس له قدرة على التنفس ليحتفظ بحياته الذاتية الجديدة؛ لذلك في هذه الحالة يلجأ الطبيب إلى إجراء عملية قيصرية لإنقاذ الجنين من هذا الوضع، وقبل أن يختنق. ولما كانت مسألة خَلْق الإنسان فيها كثير من العِبَر والآيات ودلائل القدرة طوال هذه المراحل التي يتقلّب فيها الإنسان، ناسب أنْ تختم الآية بقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] لأنك حين تقف وتتأمل قدرة الله في خَلْق الإنسان لا تملك إلا أنْ تقول: سبحان الله، تبارك الله الخالق. "حديث : لذلك يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قرأ هذه الآية سبق عمر فقال (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال صلى الله عليه وسلم للكاتب: اكتبها فقد نزلتْ"تفسير : ، لأنها انفعال طبيعي لقدرة الله، وعجيب صُنْعه، وبديع خلقه، وهذا نوع من التجاوب بين السليقة العربية واللسان العربي وبين أسلوب القرآن الذي جاء بلسان القوم. ويقال: إن سيدنا معاذ بن جبل نطق بها أيضاً، وكذلك نطق بها رجل آخر هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، مع اختلاف في نتيجة هذا النطق: لما نطق بها عمر ومعاذ رضي الله عنهما كان استحساناً وتعجباً ينتهي إلى الله، ويُقِرّ له سبحانه بالقدرة وبديع الصُّنْع. أما ابن أبي السرح فقد قالها كذلك تعجباً، لكن لما وافق قولُه قولَ القرآن أُعْجِب بنفسه، وادعى أنه يُوحَى إليه كما يُوحَى إلى محمد، ولم لا وهو يقول كما يقول القرآن، ومع ذلك هو ما يزال مؤدباً يدَّعي مجرد أنه يوحى إليه، لكن زاد تعاليه وجَرَّه غرور إلى أنْ قال: سأنزل مثلما أنزل الله، فليس ضرورياً وجود الله في هذه المسألة، فارتدّ والعياذ بالله بسببها، وفيه نزل قول الله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الأنعام: 93]. حديث : وظل ابن أبي السرح إلى فتح مكة حيث شفع فيه عثمان رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله حِرْص عثمان عليه سكت، ولم يقُلْ فيه شيئاً، وعندها أخذه عثمان رضي الله عنه وانصرف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته: "أما كان فيكم مَنْ يُجهز عليه؟" فقالوا: يا رسول الله لو أومأتَ لنا برأسك؟ يعني: أشرْتَ إلينا بهذا، انظر هنا إلى منطق النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين" تفسير : يعني: هذا تصرُّف لا يليق بالأنبياء، فلو فعلتموها من أنفسكم كان لا بأس. ثم بعد ذلك تحل بركة عثمان على ابن أبي السرح فيُؤمن ويَحْسُن إسلامه، ثم يُولِّي مصر، ويقود الفتوحات في إفريقيا، ويتغلب على الضجة التي أثاروها في بلاد النوبة، وكأن الله تعالى كان يدخره لهذا الأمر الهام. وبعد هذه العجائب التي رأيناها في مراحل خَلْق الإنسان وخروجه إلى الحياة والإقرار لله تعالى بأنه أحسن الخالقين، يُذكِّرنا سبحانه بأن هذه الحياة لن تدوم، فيقول تبارك وتعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [الآية: 14]. يعني: استوى شباباً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} [الآية: 17]. يعني: سبع سموات. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد: {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} [الآية: 20] قال: "الطور" الجبل. و"سيناء" يعني المبارك. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} [الآية: 20]. قال: يعني تثمر. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} [الآية: 29]. يقول الرب، عز وجل، لنوح عليه السلام حين نزل من السفينة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} يعني نَفخُ الروحِ فيهِ. ويقال نَبتُ سِنهِ، وشَعرِ رَأسِهِ، ولحيتِه، وأُبطهِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 694 : 2 : 8 - سفين عن ليث عن مجاهد {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قال، حين نفخ فيه الروح. [الآية 14].
همام الصنعاني
تفسير : 1961- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}: [الآية: 14]، قال يقول بَعْضُهُمْ: هو نبات الشعر، ويقول بعضهم: هو نفخ الروح. 1962- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة، وفي حرف ابن مسعود: (ثم أنشأنا به خلق آخر): [الآية: 14].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):