Verse. 2690 (AR)

٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون

23 - Al-Mu'minoon (AR)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَاۗىِٕقَ۝۰ۤۖ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غٰفِلِيْنَ۝۱۷
Walaqad khalaqna fawqakum sabAAa taraiqa wama kunna AAani alkhalqi ghafileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق» أي سماوات: جمع طريقة لأنها طرق الملائكة «وما كنا عن الخلق» التي تحتها «غافلين» أن تسقط عليهم فتهلكهم بل نمسكها كآية (ويمسك السماء أن تقع على الأَرض).

17

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} قال أبو عبيدة: أي سبع سموات. وحكي عنه أنه يقال: طارقتُ الشيء، أي جعَلت بعضه فوق بعض؛ فقيل للسموات طرائق لأن بعضها فوق بعض. والعرب تسمّي كلّ شيء فوق شيء طَرِيقة. وقيل: لأنها طرائق الملائكة. {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} قال بعض العلماء: أي عن خلق السماء. وقال أكثر المفسرين: أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى {وما كنا عنِ الخلقِ غافِلِين} أي في القيام بمصالحهم وحفظهم؛ وهو معنى الحيّ القيوم؛ على ما تقدم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها. {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ } عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات. {غَـٰفِلِينَ } مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيراً ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان؛ كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وهكذا في أول (ألم) السجدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة، في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد. وقوله: {سَبْعَ طَرَآئِقَ} قال مجاهد: يعني: السموات السبع، وهذه كقوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}تفسير : [الإسراء: 44] {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} تفسير : [نوح: 15] {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا } تفسير : [الطلاق: 12] وهكذا قال ههنا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ} أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير، وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار والأشجار، {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرآئِقَ } أي سموات، جمع طريقة لأنها طرق الملائكة {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ } تحتها {غَٰفِلِينَ } أن تسقط عليهم فتهلكهم، بل نمسكها كآية: {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ }.

الماوردي

تفسير : قوله: {سَبْعَ طَرآئِقَ} أي سبع سموات، وفي تسميتها طرائق ثلاثة أوجه: أحدها: لأن كل طبقة على طريقة من الصنعة والهيئة. الثاني: لأن كل طبقة منها طريق الملائكة، قاله ابن عيسى. الثالث: لأنها طباق بعضها فوق بعض، ومنه أخذ طراق الفحل إذا أطبق عليها ما يمسكها، قاله ابن شجرة، فيكون على الوجه الأول مأخوذاً من التطرق، وعلى الوجه الثاني مأخوذاً من التطارق. {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلقِ غَافِلِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: غافلين عن حفظهم من سقوط السماء عليهم، قاله ابن عيسى. الثاني: غافلين عن نزول المطر من السماء عليهم، قاله الحسن. الثالث: غافلين، أي عاجزين عن رزقهم، قاله سفيان بن عيينة. وتأول بعض المتعمقة في غوامض المعاني سبع طرائق: أنها سبع حجب بينه وبين ربه، الحجاب الأول قلبه، الثاني جسمه، الثالث نفسه، الرابع عقله، الخامس علمه، السادس إرادته، السابع مشيئته توصله إن صلحت وتحجبه إن فسدت، وهذا تكلف بعيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَرَآئِقَ} سماوات لأن كل طبقة طريقة للملائكة أو طباقاً بعضها فوق بعض ومنه طراق النعل إذا أطبق عليها ما يمسكها، أو كل طبقة منها على طريقة من الصنعة والهيئة. {غَافِلِينَ} من نزول المطر عليهم من السماء أو من سقوطها عليهم، أو عاجزين عن رزقهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} الآية، أي: سبع سموات سُميت طرائق لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقتُ النعلَ: إذا أطبق نعلاً على نعل، وطارق بين الثوبين: إذا لَبس ثوباً على ثوب قاله الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج: هو كقوله: {أية : سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} تفسير : [الملك: 3] وقال عليّ بن عيسى: سميت بذلك، لأنها طرائق الملائكة في العروج والهبوط، وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعاً لأرزاقِنَا بإنزال الماء منها، وجعلها مقراً للملائكة، ولأنها موضع الثواب، ومكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي. قوله: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} أي: بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم، وهذا قول سفيان بن عيينة، وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41]، وقوله: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 65]، وقال الحسن: إنا خلقناهم فوقهم ليدل عليهم بالأَرزاق والبركات منها. وقيل: خلقنا هذه الأشياء دلالة على كمال قدرتنا، ثم بَيَّن كمال العلم بقوله: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} يعني: عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر. وقيل: وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظين لئلا تخرج عن التقدير الذي أردناها عليه كقوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} تفسير : [الملك: 3]. واعلم أن هذه الآيات دالة على مسائل: منها: أنها تدل على وجود الصانع، فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على الصفة الأولى يدل على أنه لا بد من مغير. ومنها: أنها تدل على فساد القول بالطبيعة، فإن شيئاً من تلك الصفات لو حصلت بالطبيعة لوجب بقاؤها، وعدم تغيرها، ولو قيل: إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد. ومنها: أنها تدل على أنّ المدبر قادر عالم، لأنَّ الجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة. ومنها: أنها تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات. ومنها: أنها تدل على جواز الحشر والنشر بصريح الآية، ولأنّ الفاعل لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت. ومنها: أنّ معرفة الله يجب أنْ تكون استدلالية لا تقليدية، وإلاَّ لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً.

البقاعي

تفسير : ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم، ولاعتقاد البعث يعنيهم، أتبعه دليلاً آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم، وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه من المنافع لاستبقائهم، فقال: {ولقد خلقنا قوقكم} في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك {سبع} ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة فقال: {طرائق} أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن نريد، وبعضها فوق بعض متطابقة، وكل واحدة منها على طريقة تخصها، وفيها طرق لكواكبها؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: سميت طرائق لأنها مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى. وهذا من قولهم: فلان على طريقة - أي حالة - واحدة، وهذا مطراق هذا، أي تلوه ونظيره، وريش طراق - إذا كان بعضه فوق بعض. وقال ابن القطاع: وأطرق جناح الطائر - أي مبنياً للمجهول: ألبس الريش الأعلى الأسفل. وقال أبو عبيد الهروي: وأطرق جناح الطير - إذا وقعت ريشة على التي تحتها فألبستها، وفي ريشه طرق - إذا ركب بعضه بعضاً. وقال الصغاني في مجمع البحرين: والطرق أيضاً بالتحريك في الريش أن يكون بعضها فوق بعض، وقال ابن الأثير في النهاية: طارق النعل - إذا صيرها طاقاً فوق طاق وركب بعضها على بعض، وفي القاموس: والطراق - ككتاب: كل خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها سواء وأن يقور جلد على مقدار الترس فيلزق بالترس، وقال القزاز: يقال: ترس مُطرَق - إذا جعل له ذلك، وقال الصغاني في المجمع: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب، أي ألبست، وقال أبو عبيد: طارق النعل - إذا صير خصفاً فوق خصف، وقال في الخصف: هو إطباق طاق على طاق، وأصل الخصف: الضم والجمع، وقال القزاز: وطارقت بين النعلين والثوبين: جعلت أحدهما فوق الآخر - انتهى. وأصل الطرق الضرب، ومع كون السماوات مطارقة بعضها فوق بعض فهي طرق للملائكة يتنزلون فيها بأوامره سبحانه وتعالى. ولما كان إهمال الشيء بعد إيجاده غفلة عنه، وكان البعث إحداث تدبير لم يكن كما أن الموت كذلك، بين أن مثل تلك الأفعال الشريفة عادته سبحانه إظهاراً للقدرة وتنزهاً عن العجز والغفلة فقال: {وما كنا} أي على ما لنا من العظمة {عن الخلق} أي الذي خلقناه وفرغنا من إيجاده وعن إحداث ما لم يكن، بقدرتنا التامة وعلمنا الشامل {غافلين*} بل دبرناه تدبيراً محكماً ربطناه بأسباب تنشأ عنها مسببات يكون بها صلاحه، وجعلنا في كل سماء ما ينبغي أن يكون فيها من المنافع، وفي كل أرض كذلك، وحفظناه من الفساد إلى الوقت الذي نريد فيه طيّ هذا العالم وإبراز غيره، ونحن مع ذلك كل يوم في شأن، وإظهار برهان، نعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، إذا شئنا أنفذنا السبب فنشأ عنه المسبب، وإذا شئنا منعناه مما هيىء له، فلا يكون شيء من ذلك إلا بخلق جديد، فكيف يظن بنا أنا نترك الخلق بعد موتهم سدى، مع أن فيهم المطيع الذي لم نوفه ثوابه، والعاصي الذي لم ننزل به عقابه، أم كيف لا نقدر على إعادتهم إلى ما كانوا عليه بعد ما قدرنا على إبداعهم ولم يكونوا شيئاً. ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على البعث، أتبعهما بما هو من جنسهما ومشاكل للأول منهما، وهو مع ذلك دليل على ختام الثاني من أنه من أجلّ النعم التي يجب شكرها، فقال: {وأنزلنا} أي بعظمتنا {من السماء} أي من جهتها {ماء بقدر} لعله - والله أعلم - بقدر ما يسقي الزروع والأشجار، ويحيي البراري والقفار، وما تحتاج إليه البحار، مما تصب فيها الأنهار، إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار {فأسكنّاه} بعظمتنا {في الأرض} بعضه على ظهرها وبعضه في بطنها، ولم نعمها بالذي على ظهرها ولم نغور ما في بطنها ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه {وإنا} على ما لنا من العظمة {على ذهاب به} أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد والرفع والتغوير وغير ذلك، مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا معه {لقادرون*} قدرة هي في نهاية العظمة، فإياكم والتعرض لما يسخطنا. ولما ذكر إنزاله، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال: {فأنشأنا} أي فأخرجنا وأحيينا {لكم} خاصة، لا لنا {به} أي بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي {جنات} أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها {من نخيل وأعناب} صرح بهذين الصنفين لشرفهما، ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، سمي الأول باسم شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من شجرته؛ وأشار إلى غيرهما بقوله: {لكم} أي خاصة {فيها} أي الجنات {فواكه كثيرة} ولكم فيها غير ذلك. ولما كان التقدير: منها - وهي طرية - تتفكهون، عطف عليه قوله: {ومنها} أي بعد اليبس والعصر {تأكلون*} أي يتجدد لكم الأكل بالادخار، ولعله قدم الظرف تعظيماً للامتنان بها.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} قال: السموات السبع. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما كنا عن الخلق غافلين} قال: لو كان الله مغفلاً شيئاً أغفل ما تسفي الرياح من هذه الآثار يعني الخطا.

التستري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ}[17] يعني الحجب السبعة التي تحجبه عن ربه عزَّ وجلَّ. فالحجاب الأول عقله، والثاني علمه، والثالث قلبه، والرابع خشيته، والخامس نفسه، والسادس إرادته، والسابع مشيئته. فالعقل باشتغاله بتدبير الدنيا، والعلم بمباهاته مع الأقران، والقلب بالغفلة، والخشية بإغفالها عن موارد الأمور عليها، والنفس لأنها مأوى كل بلية، والإرادة إرادة الدنيا والإعراض عن الآخرة، والمشيئة بملازمة الذنوب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} [الآية: 17]. قال بعضهم: سبع حجب متصلة بحجبه عن ربه فالحجاب الأول: عقله، والحجاب الثانى: علمه، والحجاب الثالث: قلبه، والحجاب الرابع: حسه، والحجاب الخامس: نفسه، والحجاب السادس: إرادته، والحجاب السابع: مشيئته، فالعقل اشتغاله تدبير الدنيا، والعلم لمباهاته به على الأقران، والقلب بالغفلة، والحواس لإغفالها عن موارد الأمور عليها، والنفس لأنها ما وكل إليه، والإرادة وهى الدنيا والإعراض عن الآخرة والمشيئة وهى ملازمة الذنوب. قال أبو يزيد رحمة الله عليه: إن لم تعرفه فقد عرفك وإن لم تصل إليه فقد وصل إليك، وإن غبت أو غفلت عنه فليس بغائب عنك ولا غافل لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ}.

القشيري

تفسير : الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُدْرَكٌ، ولا تخفى عليه - من مخلوقاته - خافية. وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحُجُبِ. وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول، وانسدَّت بصائرها، وانتفت فهومها. وفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة؛ ففي الظاهر السماواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنْية والشهوة، والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة. أمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ، وسَكَنَ هيجانُ إرادتِهم فذلك من الطرائق التي عليهم. وأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِرْقُ الرغبة انْفَلَّتْ قوة زهدهم، وضَعُفَتْ دعائمُ صَبْرِهم، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوحِ إلى بعضِ التأويلاتِ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً، وتَخْتَلُّ رتبةُ عزوفهم، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ فوقهم. وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحاتِ الحقائق، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق. وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ، ولا تاركٍ للعِبادِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} جمع طريقة كما ان الطرق جمع طريق والمراد طباق السموات السبع كما قال فى المفردات طرائق السماء طباقها: يعنى [هفت آسمان طبقى بالاى طبقه] سميت بها لانها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل فان كل شىء فوق مثله فهو طريقه {ما كنا عن الخلق} عن ذلك المخلوق الذى هو السموات {غافلين} مهملين امرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر امرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة، وقال الكاشفى [يااز جميع آفريد كان غافل نيستيم برخير وشرونفع وضرر وكفر وشرك ايشان مطلعيم]، قال ابو يزيد قدس سره فى هذه الآية ان لم تعرفه فقد عرفك وان لم تصل اليه فقد وصل اليك وان غبت او غفلت عنه فليس عنك بغائب ولا غافل، قال بعضهم فوقنا حجب ظاهرة وباطنة ففى ظاهر السموات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية من العرش والكرسى وعلى القلوب اغطية كالمنى والشهوات والارادات الشاغلة والغفلات المتراكمة والله تعالى ليس بغافل عن سكنات الغافلين وحركات المريدين ورغبات الزاهدين ولحظات العارفين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "سيناء"، مَنْ فتحها: جعل همزتها للتأنيث، فلم يصرفه؛ للتأنيث والوصف، كحمراء، أو لألف التأنيث، لقيامه مقام علتين، ومن كسرها: لم يصرفه؛ للتعريف والعجمة، وهذا البناء ليس من أبنية التأنيث، وإنما ألفُهُ ألف الإلحاق، كعلِباء وجِرباء. ونبت وأنبت: لغتان بمعنى واحد وكذلك سقى وأسقى. يقول الحق جل جلاله: {ولقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق}، وهي السموات السبع، جمع طريقة؛ لأنها طرق الملائكة وتقلباتها، وطرق الكواكب، فيها مسيرها, {وما كنا عن الخلق غافلين}، أراد بالخلق السموات، كأنه قال: خلقناها وما غفلنا عن حفظها وإمساكها، أو الناس، أي: خلقناها فوقكم؛ لنفتح عليكم منها الأرزاق والبركات، وما كنا غافلين عنكم وعما يصلحكم، أو: خلقناها فوقكم، وما حالت بيننا وبينكم، بل نحن أقرب إليكم من كل شيء، فلا نغفل عن شيء من أمركم، قلَّ أو جلَّ. {وأنزلنا من السماء ماءً} هو المطر، وقيل: الأنهار النازلة من الجنة، وهي خمسة: سَيْحُون نهر الهند، وَجَيْحونُ نهر بلخ، ودِجْلَةُ والفُراتُ نهرا العراق، والنيل نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة. هـ. وقوله تعالى؛ {بقدَرِ} أي: بتقدير، يَسْلَمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة، أو بمقدار ما علمنا بهم من الحاجة، أو: بقدر سابق لا يزيد عليه ولا ينقص، {فأسكناه في الأرض} أي: جعلناه ثابتاً قاراً فيها، كقوله:{أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21]، فماء الأرض كله من السماء، {وإنا على ذهاب به} أي: إزالته بالإفساد والتغوير، حيث يتعذر استنباطه، {لقادرون} كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير "ذهاب": إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإيعاد به، ولذلك كان أبلغ من قوله:{أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30]. ثم ذكر نتائجه، فقال: {فأنشأنا لكم به} أي: بذلك الماء {جنات من نخيلِ وأعنابِ لكم فيها} أي: في الجنات، {فواكهُ كثيرةٌ} تتفكهون بها سوى النخيل والأعناب، {ومنها تأكلون} أي من الجنات تأكلون تغذياً، وتفكهاً، أو تُرزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكل من حرفته، وهذه الجنة وجوه أرزاقكم منها ترزقون وتتمعشون، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب، أي: لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه، الرطب والعنب، والتمر والزبيب، والعصير والدِّبْسُ، وغير ذلك وطعاماً تأكلونه. {و} أنبتنا به {شجرةً} هي الزيتون {تخرج من طُور سَيْناء}، وهو جبل موسى عليه السلام بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، ويقال: فيه طور سنين، فإمَّا أن يكون الطور اسم الجبل، وسيناء اسم البقعة أضيف إليها، أو المركب منهما عَلَمٌ له، كامرئ القيس، وتخصيصها بالخروج منه، مع خروجها من سائر البقع، إما لتعظيمها، أو لأنه المنشأ الأصلي لها؛ لأن أصل الزيتون من الشام، وأول ما نبت في الطور، ومنه نُقل إلى سائر البلاد، {تَنْبُتُ بالدُّهن} أي: متلبسة بالدهن، أي: ما يدهن به، وهو الزيت، {وصِبْغِ للآكلين} أي: إدام لهم، قال مقاتل: جعل الله في هذه إداماً ودُهناً، فالإدام: الزيتون، والدهن: الزيت. وقيل: هي اول شجرة تنبت بعد الطوفان، وخص هذه الأنواع الثلاثة؛ لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأنفعها. {وإنَّ لكم في الأنعام} ، جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، {لَعِبْرَةً} تعتبرون بها، وتستدلون بأحوالها على عظم قدرة الله تعالى، وسابغ نعمته، وتشكرونه عليه، {نُسقيكم مما في بطونها} من الألبان سائغة للشاربين، أو مما استقر في بطونها من العلَف؛ فإنَّ اللبن يتكون منه، {ولكم فيها منافعُ كثيرةٌ}، سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار. {ومنها تأكلون} أي: من لحومها، {وعليها} أي: على الأنعام في البر، {وعلى الفُلك} في البحر {تُحملون} في أسفاركم ومتاجركم، والمراد بالأنعام في الحمل الإبل؛ لأنها هي المحمول عليها في البر، فهي سفائن العرب، كما قال ذو الرمة: شعر : سَفيِنَةُ بَرِّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا تفسير : يريد ناقته. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولقد خلقنا فوق قلوبكم سبعة حجب، فمن خَرقَها أفضى إلى فضاء شهود ذاتنا وأنوار صفاتنا، وهي حجاب المعاصي والذنوب، وحجاب النقائص والعيوب، وحجاب الغفلات، وحجاب العوائد والشهوات، وحجاب الوقوف مع حلاوة المعاملات، وحجاب الوقوف مع الكرامات والمقامات، وحجاب حس الكائنات، فمن خرق هذه الحجب بالتوبة والتزكية واليقظة والعفة والرياضة، والأنس بالله والغيبة عما سواه، ارتفعت عنه الحجب، ووصل إلى المحبوب. قال الورتجبي: أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة. هـ. وقال القشيري: الحق - سبحانه - لا يستتر من رؤيته مُدْرَكٌ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْق وبصائرهم، والعادةُ جاريةٌ أنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحُجُب، ولذلك أدخِلَت الغفلةُ القلوبَ، واستولى عليها الذهول، سدَّت بصائرها، وغيبت فهومها، ففوقها حجب ظاهِرة وباطنة, ففي الظاهر: السموات حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية, وعلى القلوب أغشية وأغطية، كالشهوة والأمنية، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة. ثم ذكر أن طرائق المريدين الفَتْرَة، وطرائق الزاهدين ترك عُروق الرغبة. قال: وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحيانهم وقفةٌ في تضاعيف سيرهم إلى ساحات الحقائق، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك، فيجدون نفاذاً، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق، وفي جميع ذلك فالحق - سبحانه - غير تاركٍ للعبد ولا غافلٍ عن الخلق. هـ. وقوله: {وما كنا عن الخلق غافلين} أي: وما كنا غافلين عن إرسال من يخرجهم من تلك الحجب القهرية، بل بعثنا الرسل، وفي أثرهم العارفين الربانيين، يُخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق، ويوصلونهم إلى بحر الحقائق. وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني، فأسكناه في أرض النفوس والقلوب، بقدر ما سبق لكل قلب منيب، وإناعلى ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون. ولذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب العارفين جنات المعارف من نخيل الأذواق والوجدان، وأعناب خمرة العيان، لكم فيها فواكه كثيرة، أي: تمتع كثير بلذة الشهود، ومنها تتقوت أرواحكم وأسراركم، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية، التي هي محل المناجاة، كطور موسى، أي: تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح، تنبت في القلب بدهن الذوق والوجد، وصبغ للآكلين، أي: المريدين الآكلين من تلك الشجرة، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين. وقوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة}، قال القشيري: الإشارة فيه: أنّ الكدوراتِ الناجمةَ المتراكمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة، فإنَّ اللَّبنَ الخالص السائغَ يخرجُ من أخلاف الإبل والأنعام، من بين ما ينطوي حواياها عليها من الوحشة، ولكنه صافٍ لم يؤثر فيها بُحكم الجِوار، والصفا يوجد أكثره في عين الكُدروة؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل. ومَنْ أَشرف على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسْقُط عنه كلفة التمييز؛ فالأسرارُ عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو، (ولكم فيها منافع) لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم إلى كلِّ متصلٍ بكم. انتهى على لحن فيه، فتأمله. ولما ذكرهم بالنعم ذكر من قابلها بالكفران فهلك

الطوسي

تفسير : قرأ اين كثير ونافع وابو عمرو "سيناء" بكسر السين، ولم يصرف، لأنه إسم البقعة. الباقون بفتح السين. وقرأ ابن كثير وابو عمرو "تنبت" بضم التاء وكسر الباء. الباقون بفتح التاء وضم الياء. من كسر السين من "سيناء"، فلقوله {أية : طور سينين} تفسير : والسيناء الحسن، وكل جبل ينبت الثمار فهو سينين. ومن فتح السين، فلأنه لغتان. وأصله سرياني، ومن فتح السين لا يصرفه في المعرفة ولا النكرة، لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث، ولا تكون للالحلاق، لأن (فعلال) لا يكون إلا فى المضاعف مثل (الزلزال والقلقال) ومن كسر السين، فالهمزة عنده منقلبة عن الياء كـ (علياء، وحوباء) وهي التي تظهر فى قولك (سيناية) لما بنيت للتأنيث. وانما لم يصرف على هذا القول، وإن كان غير مؤنث، لأنه جعل اسم بقعة أو ارض، فصار بمنزلة امرأة سميت بـ (جعفر). ومن ضم التاء من "تنبت" لم يعده بالباء، وأراد تنبت الدهن. قال ابو علي الفارسي: ويحتمل أن يكون الباء متعلقاً بغير هذا الفعل الظاهر، وتقدر مفعولا محذوفاً، وتقديره: تنبت ثمرها وفيها دهن وصبغ. ومن فتح التاء عدى الفعل بالباء. كقولهم: ذهبت يزيد وأذهبت زيداً، ويجوز أن يكون الباء في موضع الحال، ولا يكون للتعدي. مثل ما قلناه فى الوجه الأول وتقديره تنبت وفيها دهن. يقول الله تعالى {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} يعني سبع سماوات، خلقها الله فوق الخلائق، وسماها طرائق، لأن كل طبقة طريقة. وقال الجبائي: لأنها طرائق للملائكة، وقال ابن زيد: الطرائق السماوات الطباق. وقال الحسن: ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام وكذلك ما بين السماء والارض. وقوله {وما كنا عن الخلق غافلين} معناه ما كنا غافلين ان ينزل عليهم ما يحييهم من المطر. ويحتمل أن يكون أراد ما كنا غافلين عن أفعالهم، وما يستحقون بها من الثواب والعقاب، بل نحن عالمون بجميع ذلك. وقيل {وما كنا عن الخلق غافلين} بل كنا حافظين للسماء من أن تسقط عليهم، فتهلكهم. والغفلة ذهاب المعنى عن النفس. ومثله السهو، فالعالم لنفسه لا يجوز عليه الغفلة، لأنه لا شيء إلا وهو عالم به. وإنما ذكر الغفلة بعد الطرائق، لأن من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن الطرائق التي فوقهم، فتسقط عليهم، فأمسك الله تعالى طرائق السموات أن تقع على الارض إلا باذنه. ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين. وقوله {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} أي أنزلنا المطر والغيث بقدر الحاجة، لا يزيد على قدر الحاجة، فيفسد، ولا ينقص عنها فيهلك، بل وفق الحاجة. وقوله {فأسكناه في الأرض} يعني انه تعالى أسكن الماء المنزل من السماء في الارض واثبته في العيون والأودية. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : أربعة أنهار من الجنة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان ". تفسير : ثم قال تعالى {وإنا على ذهاب به لقادرون} لا يعجزنا عن ذلك شيء، ولو فعلناه لهلك جميع الحيوان، فنبههم بذلك على عظم نعمة الله على خلقه، بانزال الماء من السماء. ثم اخبر تعالى انه ينشيء للخلق بذلك الماء {جنات} وهي البساتين {من نخيل وأعناب} لتنتفعوا بها معاشر الخلق {لكم فيها فواكه كثيرة} تتفكهون بها {ومنها تأكلون} وانما خص النخيل والاعناب، لأنها ثمار الحجاز، من المدنية والطائف. فذكرهم الله تعالى بالنعم التي يعرفونها. وقوله {وشجرة تخرج من طور سيناء} انما خص الشجرة التي تخرج من طور سيناء، لما فى ذلك من العبرة، بأنه لا يتعاهدها إنسان بالسقي، ولا يراعيها احد من العباد، تخرج الثمرة التي يكون فيها الدهن الذي تعظم الفائدة وتكثر المنفعة به. وسيناء البركة، كأنه قال جبل البركة - وهو قول ابن عباس ومجاهد - وقال قتادة والضحاك: معناه الحسن. وقال ابن عباس: طور سيناء إسم الجبل الذي نودي منه موسى (ع) وهو كثير الشجر قال العجاج: شعر : دانى جناحيه من الطور فمر تفسير : وقيل يحتمل ان يكون (سيناء: فيعالا) من السنة، وهو الارتفاع. والشجرة قيل انها شجرة الزيتون. وقوله {تنبت بالدهن} أي تنبت ثمرها بالدهن. ومن فتح التاء فمعناه تنبت بثمر الدهن. وقيل نبت وأنبت لغتان قال زهير: شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل تفسير : وقيل الباء زائدة، والمعنى تنبت ثمر الدهن، كما قال الراجز: شعر : نحن بنو جعدة أرباب الفلج نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج تفسير : أي نرجوا الفرج. وقوله {وصبغ للآكلين} أي وجعلناه مما يتأدم به الانسان ويصطبغون به من الزيت والزيتون. والاصطباغ ان يغمز فيه ثم يخرجه ويأكله.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} سبع سماوات جمع طريقة لانها طرق للملائكة في الصعود والهبوط وغيرهما وطرق للكواكب والشمس والقمر أو لانها طوارق بعضها فوق بعض مطارقة النعل. وقيل: الطرائق الافلاك لانها طرق الكواكب والقمرين وهذا بناء على ان الافلاك غير السماوات وعلى انها سبعة وان قلنا تسعة فمفهوم العدد لا يفيد الحصر. {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ} تحتها {غَافِلِينَ} ان تسقط عليهم فتهلكهم واني لعليم بافعالهم واقوالهم واعتقادهم فاجازيهم واني معهم وفي كل مكان ارزقهم واحفظهم والخلق السماوات لم يغفل عنها وهو حافظها ان تزول أو تختل ومدبر امرها إلى أجل اقتضته الحكمة. وقيل الخلق جميع المخلوقات السماوات وغيرها والخلق مصدر بمعنى المخلوقات وفي ذلك دلالة عظيمة. وقيل: الآية امتنان اي خلقناها فوقكم لتنزل الارزاق والبركات منها.

اطفيش

تفسير : {ولقد خَلقْنا فوقكم سَبْع طَرائق} سبع سماوات، سميت لأن بعضها فوق بعض كطرق النعال، او لأنها طرق الملائكة فى الهبوط لمصالح العباد والصعود، وطرق للكواكب، أو لأنها مختلفة الهيئات كالأعلام للثوب أو فى كل ما ليس فى الأخرى {وما كنَّا عن الخلقِ} المخلوقات المكلفة أو مطلقا، فمنها السماوات {غافلين} عن مصالحهم وما يقولون ويفعلون ويعتقدون، وعن حفظها عن الزوال.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْْ} / بيان لخلق ما يحتاج إليه بقاؤهم إثر بيان خلقهم، وقيل: استدلال على البعث أي خلقنا في جهة العلو من غير اعتبار فوقيتها لهم لأن تلك النسبة إنما تعرض بعد خلقهم {سَبْعَ طَرَائِقَ} هي السمٰوات السبع، و {طَرَائِقَ} جمع طريقة بمعنى مطروقة من طرق النعل والخوافي إذا وضع طاقاتها بعضها فوق بعض قاله الخليل والفراء والزجاج، فهذا كقوله تعالى: { أية : طِبَاقاً } تفسير : [الملك: 3] ولكل من السبع نسبة وتعلق بالمطارقة فلا تغليب، وقيل: جمع طريقة بمعناها المعروف وسميت السمٰوات بذلك لأنها طرائق الملائكة عليهم السلام في هبوطهم وعروجهم لمصالح العباد أو لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون الطرائق بمعنى المبسوطات من طرقت الحديد مثلاً إذا بسطته وهذا لا ينافي القول بكريتها، وقيل: سميت طرائق لأن كل سماء طريقة وهيئة غير هيئة الأخرى، وأنت تعلم أن الظاهر أن الهيئة واحدة، نعم أودع الله تعالى في كل سماء ما لم يودعه سبحانه في الأخرى فيجوز أن تكون تسميتها طرائق لذلك. {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ} أي عن جميع المخلوقات التي من جملتها السمٰوات السبع {غَـٰفِلِينَ} مهملين أمره بل نفيض على كل ما تقتضيه الحكمة، ويجوز أن يراد بالخلق الناس، والمعنى أن خلقنا السمٰوات لأجل منافعهم ولسنا غافلين عن مصالحهم، وأل على الوجهين للاستغراق وجوز أن تكون للعهد على أن المراد بالخلق المخلوق المذكور وهو السمٰوات السبع أي وما كنا عنها غافلين بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها، والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأنها، وإفراد الخلق على سائر الأوجه لأنه مصدر في الأصل أو لأن المتعدد عنده تعالى في حكم شيء واحد.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال بخلق الإنسان إلى الاستدلال بخلق العوالم العلوية لأن أمرها أعجب، وإن كان خلق الإنسان إلى نظره أقرب، فالجملة عطف على جملة { أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } تفسير : [المؤمنون: 12] وإنما ذكر هذا عقب قوله: { أية : ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون } تفسير : [المؤمنون: 16] للتنبيه على أن الذي خلق هذا العالم العلوي ما خلقه إلاّ لحكمة، وأن الحكيم لا يهمل ثواب الصالحين على حسناتهم، ولا جزاء المسيئين على سيئاتهم، وأن جعْله تلك الطرائق فوقنا بحيث نراها ليدلنا على أن لها صلة بنا لأن عالم الجزاء كائن فيها ومخلوقاته مُستقرة فيها، فالإشارة بهذا الترتيب مثل الإشارة بعكسه في قوله: { أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلاّ بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إنّ يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } تفسير : [الدخان: 38 ـــ 40]. والطرائق: جمع طريقة وهي اسم للطريق تذكر وتؤنث، والمراد بها هنا طرائق سير الكواكب السبعة وهي أفلاكها، أي الخطوط الفرضية التي ضَبط الناس بها سُمُوتَ سَيْر الكواكب، وقد أطلق على الكوكب اسم الطارق في قوله تعالى: { أية : والسماء والطارق } تفسير : [الطارق: 1] من أجل أنه ينتقل في سمت يسمى طريقة فإن الساير في طريق يقال له: طارق، ولا شك أن الطرائق تستلزم سائرات فيها، فكان المعنى: خلقنا سيَّارات وطرائقها. وذِكر {فوقكم} للتنبيه على وجوب النظر في أحوالها للاستدلال بها على قدرة الخالق لها تعالى فإنها بحالة إمكان النظر إليها والتأمل فيها. ولأن كونها فوق الناس مما سهل انتفاعهم بها في التوقيت ولذلك عقب بجملة {وما كنا عن الخلق غافلين} المشعر بأن في ذلك لطفاً بالخلق وتيسيراً عليهم في شؤون حياتهم، وهذا امتنان، فالواو في جملة {وما كنا عن الخلق غافلين} للحال، والجملة في موضع الحال، وفيه تنبيه للنظر في أن عالم الجزاء كائن بتلك العوالم قال تعالى: { أية : وفي السماء رزقكم وما توعدون } تفسير : [الذاريات: 22]. والخلق مفعول سمي بالمصدر، أي ما كنا غافلين عن حاجة مخلوقاتنا يعني البشر، ونفي الغفلة كناية عن العناية والملاحظة، فأفاد ذلك أن في خلق الطرائق السماوية لِمَا خلقت له لطفاً بالناس أيضاً إذ كان نظام خلقها صالحاً لانتفاع الناس به في مواقيتهم وأسفارهم في البر والبحر كما قال: { أية : وهو الذي جعل لكمُ النجوم لِتَهْتَدُوا بها في ظُلُمَاتتِ البر والبحر } تفسير : [الأنعام: 97]. وأعظم تلك الطرائق طريقة الشمس مع ما زادت به من النفع بالإنارة وإصلاح الأرض والأجساد، فصار المعنى: خلقنا فوقكم سبع طرائق لحكمة لا تعلمونها وما أهملنا في خلقها رعْيَ مصالحكم أيضاً. والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {وما كنا عن الخلق غافلين} دون أن يقال: وما كنا عنكم غافلين، لما يفيده المشتق من معنى التعليل، أي ما كنا عنكم غافلين لأنكم مخلوقاتنا فنحن نعاملكم بوصف الربوبيَّة، وفي ذلك تنبيه على وجوب الشكر والإقلاع عن الكفر.

الشنقيطي

تفسير : في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير: أحدهما: أنها قيل لها طرائق، لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقاً فوق طاق، وركب بعضها عَلَى بعض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كأن وجوههم المجان المطرقة" تفسير : أي التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر يصف نعلاً له مطارقة: شعر : وطراق من خلفهن طراق ساقطات تلوي بها الصحراء تفسير : يعني: نعال الإبل، ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقة إذا ركب بعض ريشه بعضاً، ومنه قول زهير يصف بازياً: شعر : أهوى لها أسفع الخدين مطرق ريش القوادم لم تنصب له الشبك تفسير : وقول ذي الرمة يصف بازياً أيضاً: شعر : طراق الخوافي واقع فوق ريعه ندى ليله في ريشه يترقرق تفسير : وقول الآخر يصف قطاة: شعر : سكاء مخطومة في ريشها طرق سود قوادمها كدر خوافيها تفسير : فعلى هذا القول فقوله {سَبْعَ طَرَآئِقَ} يوضح معناه قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} تفسير : [نوح: 15] الآية، وهذا قول الأكثر. الوجه الثاني: أنها قيل لها طرائق، لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج، وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها، وأما قول من قال قيل لها طرائق لأن الكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى وقول من قال: طرائق؟ أي مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد، وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} قد قدمنا أن معناه كقوله {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 65] لأن من يمسك السماء لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه وقال بعضهم {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} بل نحن القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه وقوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} يعني السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإنسان كقوله تعالى {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] وقوله تعالى: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}تفسير : [النازعات: 27] الآية. وقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}تفسير : [يس: 81] والآيات بمثل هذا متعددة. وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها وهي مذكورة هنا، ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} سبع سمواتٍ، كلٌّ سماءٍ طريقةٌ {وما كنَّا عن الخلق غافلين} عمَّن خلقنا من الخلق كلِّهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبع طرائق: أي سبع سماوات كل سماء يقال لها طريقة لأن بعضها مطروق فوق بعض. ماء بقدر: أي بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص. من طور سيناء: جبل يقال له جبل طور سيناء. تنبت بالدهن: أي تنبت بثمر فيه الدهن وهو الزيت. وصبغ للآكلين: أي يغمس الآكل فيه اللقمة ويأكلها. في الأنعام لعبرة: الأنعام الإِبل والبقر والغنم والعبرة فيها تحصل لمن تأمل خلقها ومنافعها. مما في بطونها: أي من اللبن. منافع كثيرة: كالوبر والصوف واللبن والركوب. ومنها تأكلون: أي من لحومها. تحملون: أي تركبون الإِبل في البر وتركبون السفن في البحر. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر نعمه تعالى على الإِنسان لعل هذا الإنسان يذكر فيشكر فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} أي سموات سماء فوق سماء أي طريقة فوق طريقة وطبقاً فوق طبق وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} أي ولم نكن غافلين عن خلقنا وبذلك انتظم الكون والحياة، وإلا لخرب كل شيء وفسد وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} هو ماء المطر أي بكميات على قدر الحاجة وقوله {فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ} أي أوجدنا لكم به بساتين من نخيل وأعناب {لَّكُمْ فِيهَا} أي في تلك البساتين {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي ومن تلك الفواكه تأكلون وذكر النخيل والعنب دون غيرهما لوجودهما بين العرب فهم يعرفونهما أكثر من غيرهما فالنخيل بالمدينة والعنب بالطائف. وقوله: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} أي وأنبت لكم به شجرة الزيتون وهي {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} فبزيتها يدهن ويؤتدم فتصبغ اللقمة به وتؤكل. وقوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} فتأملوها في خلقها وحياتها ومنافعها تعبرون بها إلى الإِيمان والتوحيد والطاعة. وقوله: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} من ألبان تخرج من بين فرث ودم، وقوله: {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} كصوفها ووبرها ولبنها وأكل لحومها. وقوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} وعلى بعضها كالإِبل تحملون في البر وعلى السفن في البحر، أفلا تشكرون لله هذه النعم فتذكروه وتشكروه أليست هذه النعم موجبة لشكر المنعم بها فيُعبد ويوحد في عبادته؟. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان قدرة الله تعالى وعظمته في خلق السماوات طرائق وعدم غفلته عن سائر خلقه فسار كل شيء لما خلق له فثبت الكون وانتظمت الحياة. 2- بيان إفضال الله تعالى في إنزال الماء بقدر وإسكانه في الأرض وعدم إذهابه مما يوجب الشكر لله تعالى على عباده. 3- بيان منافع الزيت حيث هو للدهن والائتدام والإِستصباح. 4- فضل الله على العباد في خلق الأنعام والسفن للانتفاع بالأنعام في جوانب كثيرة منها، وفي السفن للركوب عليها وحمل السلع والبضائع من إقليم إلى إقليم. 5- وجوب شكر الله تعالى على انعامه وذلك بالإِيمان به وعبادته وتوحيده فيها.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَرَآئِقَ} {غَافِلِينَ} (17) - وَبَعْدَ أَنْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى خَلْقِ الإِنْسَانِ وَمَوْتِهِ وَبَعْثِهِ، أَشَارَ إِلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَمَا أَبْدَعَ فِيهِنَّ. فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ خَلَقَ سَبْعَ طَرَائِقَ؛ وَهذِهِ الطَّرَائِقُ تَعني السماواتِ السَبْعَ - وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}تفسير : وَهَذِهِ الطرَائِقُ السَبْعُ كَائِنَةٌ فَوْقَ الأَرْضِ، أَوْ تُحِيطُ بِالأَرْضِ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، أَوْ خَلْفَ بَعْضٍ، وَقَدْ خَلَقَهَا الله بِحِكْمَةٍ وَتَدْبِيرٍ، وَحَفِظَها بِنَامُوسٍ مَحْفُوظٍ فَهِيَ مُتَنَاسِقَةٌ فِي وَظَائِفِهَا وَفِي اتِّجَاهِهَا، وَحَكَمَها بِنَامُوسٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا تَتَعَاوَنُ فِي أَدَاءِ وَظَائِفِهَا، وَلَمْ يَكُن اللهُ تَعَالَى غَافِلاً عَمَّا خَلَقَ فِي السَّمَوَاتِ والأرْضِ، ولَوْ أَهْمَلَ الخَلْقَ لاخْتَلَّ تَوازُنُهُ واضْطَرَبَ فِي سَيْرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أن للعدد سبعة مواقف في هذه السورة وأسراراً يجب أن نتأملها، ففي استهلال السورة ذكر سبحانه سبعة أصناف: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ ..} تفسير : [المؤمنون: 1-2]. وفي مراحل خَلْق الإنسان نجده مَرَّ بسبعة أطوار: سلالة من طين، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم أنشأناه خَلْقاً آخر. وهنا يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ ..} [المؤمنون: 17]. وفي موضع آخر قال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ..} تفسير : [الطلاق: 12]. فهذه سبعة للغاية، وسبعة للمغيَّا له، وهو الإنسان، وسبعة للسماوات والأرض المخلوقة للإنسان. وطرائق: جمع طريقة أي: مطروقة للملائكة، والشيء المطروق ما له حجم يتسع بالطَّرْق، كما تطرق قطعة من الحديد مثلاً، فانظر إلى السماء واتساعها. وقُلْ: سبحان مَنْ طرقها. وتلحظ أن الحق سبحانه لم يذكر هنا الأرض، لماذا؟ قالوا: لأن الأرض نقف عليها ثابتين لا نخاف من شيء، إنما الخوف من السماء أنْ تندكّ فوقنا؛ لذلك يقول سبحانه بعدها: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] فلن نغفل عن السماء من فوقكم، وسوف نُمسكها بأيدينا، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..} تفسير : [فاطر: 41]. ثم يعطينا الحق - تبارك وتعالى - الدليل الحسيّ على هذه الآية، وكيف أن الله تعالى رفع السماء فوقنا بلا عَمَد، ومثال ذلك الطير يُمسكه الله في السماء: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ..}تفسير : [الملك: 19]. نعلم أن الطير يطير في السماء بحركة الجناحين التي تدفع الهواء وتقاوم الجاذبية فلا يسقط، كالسباح الذي يدفع بذراعيه الماء ليسبح، فإذا ما قبض الطائر جناحيه ومع ذلك يظل مُعلّقاً في السماء لا يسقط فمَنْ يُمسِكه في هذه الحالة؟ هذه صورة تشاهدونها لا يشكّ فيها أحد، فإذا قلت لكم أني أمسك السماء أن تقع على الأرض فصدّقوا وآمنوا، واستدلوا على الغيب بالمشاهد. وكأن الحق سبحانه في قوله: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] يقول: اطمئنوا إلى السماء من فوقكم، فقد جعلتُ لها التأمينات اللازمة التي تُؤمِّن معيشتكم تحت سقفها، اطمئنوا لأنها بأيدينا وفي رعايتنا. لكن، ما المراد بقوله {عَنِ ٱلْخَلْقِ ..} [المؤمنون: 17] أهو الإنسان أم خَلْق السماء؟ المراد: ما كُنَّا غافلين عن خَلْق السماء، فبنيناها على ترتيبات ونظم تحميكم وتضمن سلامتكم. والغفلة: تَرْك شيء لأنه غاب عن البال، وهذه مسألة لا تكون أبداً في حق الله - عز وجل - لأنه لا تأخذه سِنَة ولا نوم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى خلق الآدمي، ذكر سكنه، وتوفر النعم عليه من كل وجه فقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ } سقفا للبلاد، ومصلحة للعباد { سَبْعَ طَرَائِقَ } أي: سبع سماوات طباقا، كل طبقة فوق الأخرى، قد زينت بالنجوم والشمس والقمر، وأودع فيها من مصالح الخلق ما أودع، { وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } فكما أن خلقنا عام لكل مخلوق، فعلمنا أيضا محيط بما خلقنا، فلا نغفل مخلوقا ولا ننساه، ولا نخلق خلقا فنضيعه، ولا نغفل عن السماء فتقع على الأرض، ولا ننسى ذرة في لجج البحار وجوانب الفلوات، ولا دابة إلا سقنا إليها رزقها {أية : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } تفسير : وكثيرا ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه كقوله: {أية : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } {أية : بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ } تفسير : لأن خلق المخلوقات، من أقوى الأدلة العقلية، على علم خالقها وحكمته. { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يكون رزقا لكم ولأنعامكم بقدر ما يكفيكم، فلا ينقصه، بحيث لا يكفي الأرض والأشجار، فلا يحصل منه المقصود، ولا يزيده زيادة لا تحتمل، بحيث يتلف المساكن، ولا تعيش معه النباتات والأشجار، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله ثم صرفه عند التضرر من دوامه، { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ } أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله، جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره، { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } إما بأن لا ننزله، أو ننزله، فيذهب نازلا لا يوصل إليه، أو لا يوجد منه المقصود منه، وهذا تنبيه منه لعباده أن يشكروه على نعمته، ويقدروا عدمها، ماذا يحصل به من الضرر، كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }. تفسير : { فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } أي: بذلك الماء { جَنَّاتٍ } أي: بساتين { مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } خص تعالى هذين النوعين، مع أنه ينشئ منه غيرهما من الأشجار، لفضلهما ومنافعهما، التي فاقت بها الأشجار، ولهذا ذكر العام في قوله: { لَكُمُ فيها } أي: في تلك الجنات { فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } من تين، وأترج، ورمان، وتفاح وغيرها ، { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } وهي شجرة الزيتون، أي: جنسها، خصت بالذكر، لأن مكانها خاص في أرض الشام، ولمنافعها، التي ذكر بعضها في قوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ } أي: فيها الزيت، الذي هو دهن، يستعمل استعماله من الاستصباح به، واصطباغ الآكلين، أي: يجعل إداما للآكلين، وغير ذلك من المنافع.