٢٣ - ٱلْمُؤْمِنُون
23 - Al-Mu'minoon (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولاً ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانياً. أما قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمآء مَآءً بِقَدَرٍ } فقد اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله: { أية : وَفِي ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } تفسير : [الذاريات: 22] وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق، واعلم أن هذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء منها. أما قوله تعالى: {بِقَدَرٍ } فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم. أما قوله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ } قيل معناه جعلناه ثابتاً في الأرض، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن. أماقوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ } أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته، قال صاحب «الكشاف» وقوله: {عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ } من أوقع النكرات وأخرها للفصل. والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله: { أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30] ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّـٰتٍ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ } وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطباً ويابساً وقوله: {لَّكُمْ فِيهَا فَوٰكِهُ كَثِيرَةٌ } أي في الجنات، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } قال صاحب «الكشاف» يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون. أما قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة، قال صاحب «الكشاف» طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر. أما قوله تعالى: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن، كما يقال ركب الأمير بجنده، أي ومعه الجند وقرىء تنبت وفيه وجهان: أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت قال زهير: شعر : رأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل تفسير : والثاني: أن مفعوله محذوف، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت، قال المفسرون: وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك. أما قوله: {وَصِبْغٍ لّلاكِلِيِنَ } فعطف على الدهن، أي إدام للآكلين، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به، أي يصبغ به الخبز، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة، لأنها تخرج هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به. النوع الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما امتنّ به عليهم؛ ومن أعظم المنن الماءُ الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان. والماءُ المنزل من السماء على قسمين: هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مختزناً لسقْي الناس يجدونه عند الحاجة إليه؛ وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الآبار وروي عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة: سَيْحان وجَيْحان ونيل مصر والفُرات. وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه، وإلا فالأُجَاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيّد قوله بالماء العذب، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء. وقد قيل: إن قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} إشارةٌ إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد؛ ثم أنزله إلى الأرض ليُنتفع به، ولو كان الأمر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته. الثانية: قوله تعالى: {بِقَدَرٍ} أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} يعني الماء المختزن. وهذا تهديد ووعيد؛ أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم؛ وهذا كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً ـ أي غائراً ـ فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30]. الثالثة: ذكر النحاس: قرىء على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة قال: حدّثنا سعيد بن سابق قال حدّثنا مسلمة بن عليّ عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سَيْحون وهو نهر الهند وجَيْحون وهو نهر بَلْخ ودِجلْة والفُرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا.»تفسير : الرابعة: كل ما نزل من السماء مختزناً كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر يغتسل به ويتوضأ منه؛ على ما يأتي في «الفرقان» بيانه.
البيضاوي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ} بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره، أو بمقدار ما علمنا من صلاحهم. {فَأَسْكَنَّاهُ} فجعلناه ثابتاً مستقراً. {فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ } على إزالته بالإِفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه. {لَقَـٰدِرُونَ } كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير {ذَهَابٍ } إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإِيعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30].
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى؛ في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي: بحسب الحاجة، لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها، ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى؛ كما في أرض مصر، ويقال لها: الأرض الجرز، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور. وقوله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ} أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب، يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، تشربه، ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى. وقوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ} أي: لو شئنا أن لا تمطر، لفعلنا، ولو شئنا، لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا، لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجر على وجهها، لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه، ولا تنتفعون به، لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذباً فراتاً زلالاً، فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه، وتتطهرون منه وتتنظفون، فله الحمد والمنة. وقوله: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ} يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات، أي: بساتين وحدائق {أية : ذَاتَ بَهْجَةٍ} تفسير : [النمل: 60] أي: ذات منظر حسن. وقوله: {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي: فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره. وقوله: {لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌ} أي: من جميع الثمار، كما قال: {أية : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ} تفسير : [النحل: 11]. وقوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} كأنه معطوف على شيء مقدر تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون. وقوله: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} يعني: الزيتونة، والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طوراً إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها، سمي جبلاً لا طوراً، والله أعلم، وطور سيناء هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقوله: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن؛ كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده، وأما على قول من يضمن الفعل، فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن، ولهذا قال: {وَصِبْغٍ} أي: أدم، قاله قتادة، {لِّلأَكِلِيِنَ} أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن عبد الله بن عيسى عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد، واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة».تفسير : وقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه يخرج من شجرة مباركة»تفسير : ، ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر، وربما لم يذكره. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة عن أبيه عن جده قال: ضفت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتاً، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 7] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعـٰماً فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَـٰرِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 71 ــــ 73].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ } من كفايتهم {فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ } فيموتون مع دوابّهم عطشاً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَشَجَرةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنآءَ} هي شجر الزيتون، وخصت بالذكر لكثرة منفعتها وقلة تعاهدها. وفي طور سيناء خمسة تأويلات: أحدها: أن سيناء البركة فكأنه قال جبل البركة، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنه الحسن المنظر، قاله قتادة. الثالث: أنه الكثير الشجر، قاله ابن عيسى. الرابع: أنه اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى، قاله أبو عبيدة. الخامس: أنه المرتفع مأخوذ من النساء، وهو الارتفاع فعلى هذا التأويل يكون اسماً عربياً وعلى ما تقدم من التأويلات يكون اسماً أعجمياً واختلف القائلون بأعجميته على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سرياني، قاله ابن عباس. الثاني: نبطي. الثالث: حبشي. {تَنْبُتْ بِالدُّهْنِ} اختلف في الدهن هنا على قولين: أحدهما: أن الدهن هنا المطر اللين، قاله محمد بن درستويه، ويكون دخول الباء تصحيحاً للكلام. الثاني: أنه الدهن المعروف أي بثمر الدهن. وعلى هذا اختلفوا في دخول الباء على وجهين: أحدهما: أنها زائدة وأنها تنبت الدهن، قاله أبو عبيدة وأنشد: شعر : نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : فكانت الباء في بالفرج زائدة كذلك في الدهن وهي قراءة ابن مسعود. الثاني: أن الباء أصل وليست بزائدة، وقد قرىء تنبت بالدهن بفتح التاء الأولى إذا كانت التاء أصلاً ثابتاً. فإن كانت القراءة بضم التاء الأولى فمعناه تنبت وينبت بها الدهن ومعناهما إذا حقق متقارب وإن كان بينهما أدنى فرق. وقال الزجاج: معناه ينبت فيها الدهن، وهذه عبرة: أن تشرب الماء وتخرج الدهن. {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ} أي إدام يصطبغ به الآكلون، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الزَّيتُ مِنْ شَجَرةٍ مُبَارَكَةٍ فَائْتَدِمُواْ بِهِ وَادَّهِنُوا" تفسير : وقيل إن الصبغ ما يؤتدم به سوى اللحم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} الآية، لما استدل أولاً على كمال القدرة بخلق الإنسان، ثم استدل ثانياً بخلق السموات، استدّل ثالثاً بنزول الأمطار، وكيفية تأثيرها في النبات. واعلم أنّ الماء في نفسه نعمة، وهو مع ذلك سبب لحصول النعم، فلا جَرم ذكره الله أولاً ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانياً. قال أكثر المفسرين: إنه تعالى يُنزل الماء في الحقيقة من السماء لظاهر الآية، ولقوله: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات: 22]. وقال بعضهم: المراد بالسماء السحاب، وسماه سماء لعلوه، والمعنى: أنّ الله صعد الأجزاء المائية من قعر الأرض، ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرّات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله على قدر الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض، ولا بماء البحر لملوحته، ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض، لأنّ البحار هي الغاية في العمق، وهذه الوجوه التي يتحملها من ينكر الفاعل المختار، فأمّا من أَقرَّ به فلا حاجة به إلى شيء منها. وقوله: "بِقَدَرٍ" قال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة من الزرع والغرس والشرب، ويَسْلَمُون معه من المضرة. وقوله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} قيل: جعلناه ثابتاً في الأرض، قال ابن عباس: أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سَيْحُونَ وجَيْحُونَ ودجلة والفرات والنيل أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل - عليه السلام -، ثم استودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ}، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج، ويرفع أيضاً القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فَقَدَ أَهْلُها خير الدنيا والدين. وقيل: معنى: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ}: ما تبقّى في الغدران والمستنقعات ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل: فأسكناهُ في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من السماء. قوله: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} "عَلَى ذَهَابٍ" متعلق بـ "لقَادِرُونَ" واللام كما تقدم غير مانعة من ذلك، و"بِهِ" متعلق بـ "ذَهَابٍ"، وهي مرادفة للهمزة كهي في "لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ" أي: على إذهابه والمعنى: كما قَدَرْنا على إنزاله كذلك نَقْدِر على رفعه وإزالته فتهلكوا عطشاً، وتهلك مواشيكم وتخرب أرضكم. قال الزمخشري: قوله: {عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ} من أوقع النكرات وأحزها للمفصل، والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به، وطريق من طرقه، وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يتعايا عليه شيء، وهو أبلغ في الإيعاد من قوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30] واعلم أنه تعالى لمّا نبّه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ}، أي: بالماء {جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}، وإنما ذكر النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والإدام والفاكهة رطباً ويابساً، وقوله: {لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} أي: في الجنات فكما أن فيها النخيل والأعناب فيها الفواكه الكثيرة، "وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ" شتاءً وصيفاً. قال الزمخشري: يجوز أن يكون هذا من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن صنعة يعملها، يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم. قوله: "وشَجَرَةً" عطف على "جَنَّات"، أي: ومما أنشأنا لكم شجرة، وقرئت مرفوعة على الابتداء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "سِينَاء" بكسر السين، والباقون بفتحها والأعمش كذلك إلا أنه قصرها. فأمّا القراءة الأولى فالهمزة فيها ليست للتأنيث إذ ليس في الكلام (فِعْلاَء) بكسر الأول وهمزته للتأنيث بل للإلحاق بِسرْدَاح وقرطاس، فهي كعِلْبَاء، فتكون الهمزة منقلبة عن ياء أو واو، لأن الإلحاق يكون بهما فلما وقع حرف العلة متطرفاً بعد ألف زائدة قُلب همزة كَرِدَاء وكِسَاء قال الفارسي: وهي الياء التي ظهرت في درْحَاية، والدرحاية الرجل القصير السمين. وجعل أبو البقاء هذه الهمزة على هذا أصلاً مثل: حِمْلاَق، إذ ليس في الكلام مثل: سيناء. يعني: مادة (سين ونون وهمزة). وهذا مخالف لما تقدم من كونها بدلاً من زائد ملحق بالأصل على أن كلامه محتمل للتأويل إلى ما تقدم، وعلى هذا فمنع الصرف للتعريف والتأنيث، لأنها اسم بقعة بعينها، وقيل: للتعريف والعجمة. قال بعضهم: والصحيح أن سيناء اسم أعجمي نطقت به العرب فاختلفت فيه لغاتها، فقالوا: (سَيْنَاء) كحمراء وصفراء، و(سِينَاء) كعِلْبَاء وحِرْبَاء وسينين كخِنْذِيدِ، وزحْلِيل، والخِنْذِيد الفحل والخصي أيضاً، فهو من الأضداد، وهو أيضاً رأس الجبل المرتفع. والزحْلِيل: المتنحي من زحل إذ انتحى وقال الزمخشري: "طُورِ سَيْنَاء" وطُورِ سِينِينٍ لا يخلو إمّا أَنْ يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإمّا أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس وكبعلبك، فيمن أضاف، فَمَن كَسَر سِين "سِيْنَاء" فقد منع الصرف للتعريف والعُجمة أو التأنيث، لأنها بقعة، وفِعْلاء لا يكون ألفه للتأنيث كَعِلْبَاء وحِرْبَاء. قال شهاب الدين: وكون ألف (فِعْلاء) بالكسر ليست للتأنيث هو قول أهل البصرة، وأَمَّا الكوفيون فعندهم أَنّ ألفها يكون للتأنيث، فهي عندهم ممنوعة للتأنيث اللازم كحَمْراء وبابها. وكسر السين من (سَيْنَاء) لغة كنانة وأمَّا القراءة الثانية: فألفها للتأنيث، فمنع الصرف واضح. قال أبو البقاء: وهمزته للتأنيث، إذ ليس في الكلام (فَعْلاَل) بالفتح، وما حكى الفراء من قولهم ناقة فيها خَزْعَالٌ لا يثبت، وإن ثبت فهو شاذ لا يحمل عليه. وقد وهم بعضهم فجعل (سَيْنَاء) مشتقة من (السنا) وهو الضوْء، ولا يصح ذلك لوجهين: أحدهما: أنه ليس عربيّ الوضع نصوا على ذلك كما تقدم. الثاني: أَنّا وإنْ سلمنا أنه عربي الوضع لكن المادتان مختلفتان فإن عين (السنَا) نون وعين (سَيْناء) ياء. كذا قال بعضهم. وفيه نظر؛ إذْ لقائل أن يقول: لا نُسلّم أن عين (سيناء) (ياء) بل عينها (نون)، وياؤها مزيدة، وهمزتها منقلبة عن واو، كما قلبت (السنا)، ووزنها حينئذ (فِيعَال) و(فِيعَال) موجود في كلامهم، كِميلاَع وقيتَال مصدر قاتل. قوله: "تَنْبُتُ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو "تُنْبِت" بضم التاء وكسر الباء والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأمّا الأولى ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن أنبت بمعنى (نَبَت) فهو مما اتفق فيه (فَعَل) و(أَفْعَل) وأنشدوا لزهير: شعر : 3788- رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ عِنْدَ بُيُوتِهِم قَطِيناً بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ البَقْلُ تفسير : وأنكره الأصمعي، أي: نَبَت. الثاني: أنّ الهمزة للتعدية، والمفعول محذوف لفهم المعنى أي: تنبت ثمرها، أو جناها، و"بالدُّهْنِ" حال، أي: ملتبساً بالدهن. الثالث: أن الباء مزيدة في المفعول به كهي في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195]، وقول الآخر: شعر : 3789- سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ تفسير : وقول الآخر: شعر : 3790- نَضْرِبُ بالسَّيْفِ ونَرْجُوا بِالفَرَج تفسير : وأمّا القراءة الأخرى فواضحة، والباء للحال من الفاعل، أي ملتبسة بالدهْنِ يعني وفيها الدهن، كما يقال: ركب الأمير بجنده. وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز "تنبت" مبنيًّا للمفعول من أنبتها الله و"بالدُّهْنِ" حال من المفعول القائم مقام الفاعل أي: ملتبسة بالدُّهن. وقرأ زِرّ بن حبيش "تُنْبِتُ الدُّهْنَ" من أنبت، وسقوط الباء هنا يدل على زيادتها في قراءة من أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك "بالدِّهَان" وهو جمع دُهْن كرُمْح ورماح وأمّا قراءة أُبّي: "تُتْمِر"، وعبد الله: "تُخْرِج" فتفسير لا قراءة لمخالفة السواد، والدّهن: عصارة ما فيه دسم، والدَّهن - بالفتح - المسح بالدُّهن مصدر دَهَن يَدْهُنُ، والمُدَاهَنَة من ذلك كأنه يمسح على صاحبه ليقر خاطره. فصل اختلفوا في "طُورِ سَيْنَاء" وفي "طُورِ سِينِينَ". فقال مجاهد: معناه البركة أي: من جبل مبارك. وقال قتادة: معناه الحسن أي: الجبل الحسن. وقال الضحاك: معناه بالنبطية: الحسن. وقال عكرمة: بالحبشية. وقال الكلبي: معناه: المشجر أي: جبل وشجر. وقيل: هو بالسريانية: الملتف بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار مثمرة، فهو سَيْناء، وسِينِين بلغة النبط. وقال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. وقال مجاهد: سَيْناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. والمراد بالشجرة التي تُنْبِتُ بالدُّهْنِ أي: تثمر الدهن وهو الزيتون. قال المفسرون: وإنما أضافه الله إلى هذا الجبل، لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت، ولأن معظمها هناك. قوله: "وَصِبْغٍ" العامة على الجر عطفاً على الدُّهنِ. والأعمش: "وَصِبْغاً" بالنصب نسقاً على موضع "بالدُّهنِ"، كقراءة "وأَرْجُلَكُمْ" في أحد محتملاته. وعامر بن عبد الله: "وصِباغ" بالألف، وكانت هذه القراءة مناسبة لقراءة من قرأ "بالدِّهَان". والصِبْغ والصِبَاغ كالدِبْغ والدِبَاغ، وهو اسم ما يفعل به. قال الزمخشري: هو ما يصطبغ به أي: ما يصبغ به الخبز. و"للآكِلِينَ" صفة، والمعنى: إدام للآكلين. فنبّه تعالى على إحسانه بهذه الشجرة، لأنها تخرج الثمرة التي يكثر الانتفاع بها، وهي طرية ومدخرة، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها، ويعظم وجوه الانتفاع به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون، وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة، والفرات وهما نهرا العراق، ونهر مصر. أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال، وأجرها إلى الأرض، وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم. فذلك قوله {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فيرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء. فذلك قوله {وإنا على ذهاب به لقادرون} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عطاف قال: إن الله أنزل أربعة أنهار: دجلة، والفرات، وسيحون، وجيحون، وهو الماء الذي قال الله: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {فأنشأنا لكم به جنات} قال: هي البساتين.
القشيري
تفسير : أنزل من السماءِ ماءَ المطر الذي هو سببُ حياةِ الأرضين، وذلك بقدرٍ معلومٍ. ثم.. البلادُ مختلفةٌ في السَّقْي: فبعضها خِصْبٌ، وبعضها جَذْبٌ، وسَنةً يزيد وسنةً ينقص، سنةً يفيض وسنةً يغيض. كذلك أنزلنا من السماءِ ماءَ الرحمة فيحيي القلوب، وهي مختلفة في الشُّرْب: فمِنْ موسَّع عليه رزقه منه، ومِنْ مُضَيَّقٍ مُقَتَّرٍ عليه. ومِن وقتٍ هو وقت سحٍّ، ومنْ وقتٍ هو وقت حَبْسٍ. ويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به دَرنَ العُصَاةِ وآثارَ زلّتِهم وأوضارَ عثرتِهم. وماء هو سقي قلوبهم يزيل به عطَشَ تحيهم، ويحيي به موات أحوالهم؛ فَتَنْبُت في رياض قلوبهم فنونُ أزهار البسط، وَصنوف أنوار الروح. وماءٌ هو شراب المحبة فيخص به قلوباً بساحات القرب، فيزيل عنها به حشمة الوصف، وَيسكن به قلوباً فيعطلها عن التمييز، وَيحملها على التجاسرِ ببذلِ الرُّوح؛ فإذا شربوا طَرِبوا، وإذا طَرِبوا لم يُبالوا بما وَهَبوا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} انزل من سماوات القيومية مياه انوار المعرفة بقدر قوى الارواح القدسية واسكتها فى اماكن قلوب العارفين فتجرى على عرضاتها وتنبت اشجار الحقائق وازهار الدقائق وياسمين المؤدة وورد المحبة ونرجس السعادة وبنفسج الكفاية بقوله {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وتنبت على ميناء العقل شجرة الايمان التى تنبت ثمرة الايقان التى ----- صبغتها حقيقة التوحيد والعرفان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانزلنا من السماء} من ابتدائية متعلقة بانزلنا {ماء} هو المطر {بقدر} [باندازه كه صلاح بندكان درآن دانستيم]، وفى بحر العلوم بتقدير يسلمون معه من الضرر ويصلون الى النفع {فاسكناه فى الارض} اى جعلنا ذلك الماء ثابتا قارا فيها {وانا على ذهاب به} اى ازالته بالافساد او التصعيد او التغوير بحيث يتعذر استنباطه حتى تهلكوا انتم ومواشيكم عطشا {لقادرون} كما كنا قادرين على انزاله وعن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى عليه السلام "حديث : ان الله تعالى انزل من الجنة خمسة انهار جيحون وسيحون ودجلة والفرات والنيل فانزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من اسفل درجة من درجاتها على جناحى جبريل استودعها الجبال واجراها فى الارض وجعل فيها منافع للناس"تفسير : فذلك قوله {وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه فى الارض} واذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج ارسل الله جبريل فرفع من الارض القرآن والعلم كله والحجر الاسود من البيت ومقام ابراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الانهار الخمسة الى السماء فذلك قوله {وانا على ذهاب به لقادرون} فاذا رفعت هذه الاشياء من الارض فقد اهلها خيرى الدين والدينا هذا حديث حسن كما فى بحر العلوم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا} عطف فيه معنى التّعليل {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} اى من جهة العلو او من السّحاب {مَآءً بِقَدَرٍ} بحيث تنتفعون به ولا يفسد اماكنكم ولا زراعاتكم به ولا نمنعكم بحيث لا يحصل ما به معاشكم ومدد حيوتكم فانّه لو كان المطر متتالياً متكاثراً افسد الابنية والزّروع، وهكذا القنوات والعيون والسّيول والبحار لو كثرت مياهها بحيث احاطت بوجه الارض لافسدت واهلكت ولو لم يكن ماء اصلاً لم تكن حيٰوة ابداً، وانزال الماء بقدرٍ دليل عدم غفلتنا عن الخلق، ولا يذهب عليك انّ انزال ماء الحيٰوة الحيوانيّة والبشريّة من سماء الارواح واسكانه فى ارض البدن الحيوانىّ والانسانىّ منظور ايضاً {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} ليستقى به زراعاتكم وبهائمكم وتنتفعون به فى سائر منافعكم {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} فأبقيناه فى الارض ترحّماً عليكم.
اطفيش
تفسير : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ بِقَدَرٍ} بمقدار معلوم سبق به القضاء لا يزيد ولا ينقص. وقيل: بقدر ما علم الله انه يكفيهم زرعا وغرسا وشربا وغير ذلك أو بقدر ما ينفع ولا يضر. وعن ابن عباس ما عام أكثر مطرا من عام ولكن يصرفه في الارض حيث شاء * {فَأَسْكَنَّاهُ} جعلناه ساكنا * {فِي الأَرْضِ} يجري في عيونها منها ما هو ظاهر ومنها ما يحفر اليه حفرا. وقيل: المراد باسكانه في الارض ابقاءه غدرانا ينتفع به في الصيف عند انقطاع المطر وهو ضعيف والاول قول الكلبي * {وَإِنَّ عَلَى ذَهَابِ بِهِ} الباء للتعدية اي على اذهابه اي ازالته * {لَقَادِرُونَ} كما قدرنا على انزاله فيموتون هم ودوابهم عطشا ولكن ابقيناه ولم نذهبه رحمة لهم ونكر الذهاب اشارة للتنويع اي على وجه من وجوه الذهاب فلو شاء اذهبه باعدامه وازالته ولو شاء اذهبه بافساده بحيث لا ينتفع به لطول مكثه ولو شاء لاذهبه بالصعيد ولو شاء لاذهبه بالتعميق بحيث لا يستطاع اخراجه والله لا يمتنع عنه شيء اذا اراده فقيدوا نعمة الماء بالشكر فانها عظيمة وهذا ايعاد ابلغ من الايعاد في قوله: {قل ارايتم ان اصبح ماؤكم غورا} الخ واسند ابو بكر بن الخطيب في أول تاريخ بغداد عن ابن عباس وابن العربي في احكامه والبغوي بسند عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله سبحانه انزل من الجنة إلى الارض خمسة انهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر انزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من اسفل درجة من درجاتها على جناح جبرائيل فاستودعها الجبال واجراها في الارض وجعل فيها منافع للناس في اصناف معايشهم فذلك قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ}. فاذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج ارسل الله تعالى جبريل ورفع من الارض القرآن والعلم كله والحجر من ركن البيت ومقام ابراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الانهار الخمسة إلى السماء فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ لَقَادِرُونَ} فاذا رفعت تلك الاشياء من الارض فقد اهلها خير الدين والدنيا. وفي رواية خير الدنيا والآخرة واللفظ لابي بكر بن الخطيب. قال عياض: والصواب ان الماء في الآية شامل للانهار المذكورة وغيرها وكل ما في الارض من ماء فهو من السماء.
اطفيش
تفسير : {وأنزلنا من السماء ماءً} السحاب أو إحدى السماوات إلى السحاب، ثم إلى الأرض، والله قادر أن ينزل فى لحظة ماء من مسافة عشر مائة عام، على أن غلظها خمسمائة وكذا بين الأرض وبينها، ولم يقل منها أى من الطرائق، لأن الإنزال من هذه السماء فقط لا منهن جميعاً، وقيل الماء سيحون بهند وجيحون ببلخ، ودجلة والفرات بالعراق، والنيل بمصر، على جناحى جبريل، واستودعها الجبال كما قال: {فأسكناه فى الأرض} ولا يحسن تفسير الآية بهن خصوصاً {بقَدر} بتقدير لما يليق متعلق بأنزلنا، أو نعت الماء {فأسكناه فى الأرض} جاء فى الحديث، "حديث : كل ماء فى الأرض نزل من السماء" تفسير : ولعل ماء البحور المالحة، ولا سيما المحيط هو من الماء الأول الذى كان العرش عليه، لم ينزل من السماء. {وإنَّا على ذَهابٍ به} الباء للتعدية، أى على إذهابه، والنكرة فى الإثبات عامة على سبيل البدلية، فهى للعموم من هذه الجهة كالتى فى النفى للعموم الشمولى، فحصلت المبالغة فى الإثبات بذلك، كما حصلت فى النفى، فالحاصل نذهبه أى إذهاب شئنا {لقادرون} كما قدرنا على انزاله وإثباته، روى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان عند المصيصة وطرطوس والنيل والفرات"تفسير : وأما سيحون وجيحون ففى هند وبلخ، وفى رواية خمسة بزيادةدجلة، وإذا خرج يأجوج مأجوج رفعت هذه الخمسة بشرب يأجوج ومأجوج، مياهها ورفع القرآن والعلم كله، والحجر الأسود، وهدمت الكعبة، ورفع مقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، فيفقد أهل الأرض خير الدنيا والآخرة، والمشهور أن الحبشة هم الذين يهدمون الكعبة.
الالوسي
تفسير : {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} هو المطر عند كثير من المفسرين، والمراد بالسماء جهة العلو أو السحاب أو معناها المعروف ولا يعجز الله تعالى شيء، وكان الظاهر على هذا ـ منها ـ بدل {ٱلسَّمَاء} ليعود الضمير على الطرائق إلا أنه عدل عنه إلى الإضمار لأن الإنزال منها لا يعتبر فيه كونها طرائق بل مجرد كونها جهة العلو، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله تعالى: {بِقَدَرٍ} صفة {مَاء} أي أنزلنا ماء متلبساً بمقدار ما يكفيهم في حاجاتهم ومصالحهم أو بتقدير لائق لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم، وجوز على هذا أن يكون في موضع الحال من الضمير، وقيل: هو صفة لمصدر محذوف أي إنزالاً متلبساً بذلك، وقيل: في الجار والمجرور غير ذلك. {فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ} أي جعلناه ثابتاً قاراً فيها ومن ذلك ماء العيون ونحوها، ومعظم الفلاسفة يزعمون أن ذلك الماء من انقلاب البخار المحتبس في الأرض ماء إذا مال إلى جهة منها وبرد وليس لماء المطر دخل فيه، وكونه من السماء باعتبار أن لأشعة الكواكب التي فيها مدخلاً فيه من حيث الفاعلية. وقال ابن سينا في «نجاته»: هذه الأبخرة المحتبسة في الأرض إذا انبعثت عيوناً أمدت البحار بصب الأنهار إليها ثم ارتفع من البحار والبطائح وبطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ثم قطرت ثانياً إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائماً. وما في الآية يؤيد ما ذهب إليه أبو البركات البغدادي منهم فقد قال في «المعتبر»: إن السبب في العيون والقنوات وما يجري مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأنا نجدها تزيد بزيادتها وتنقص / بنقصانها وإن استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخل لها في ذلك فإن باطن الأرض في الصيف أشد برداً منه في الشتاء فلو كان ذلك سبب استحالتها لوجب أن تكون العيون والقنوات ومياه الآبار في الصيف أزيد وفي الشتاء أنقص مع أن الأمر بخلاف ذلك على ما دلت عليه التجربة انتهى، واختار القاضي حسين المبيدي أن لكل من الأمرين مدخلاً، واعترض على دليل أبـي البركات بأنه لا يدل إلا على نفي كون تلك الاستحالة سبباً تاماً وأما على أنها لا مدخل لها أصلاً فلا. والحق ما يشهد له كتاب الله تعالى فهو سبحانه أعلم بخلقه، وكل ما يذكره الفلاسفة في أمثال هذه المقامات لا دليل لهم عليه يفيد اليقين كما أشار إليه شارح «حكمة العين». وقيل: المراد بهذا الماء ماء أنهار خمسة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أنزل الله تعالى من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل عليه السلام فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحَجَر من ركن البيت ومقام إبراهيم عليه السلام وتابوت موسى عليه السلام بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قول الله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة » تفسير : ولا يخفى على المتتبع أن هذا الخبر أخرجه ابن مردويه والخطيب بسند ضعيف، نعم حديث ( حديث : أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان - وهما غير سيحون وجيحون لأنهما نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس وسيحون وجيحون نهر الهند وبلخ كما سمعت على ما قاله عبد البر - والفرات والنيل ) تفسير : صحيح لكن الكلام في تفسير الآية بذلك. وعن مجاهد أنه حمل الماء على ما يعم ماء المطر وماء البحر وقال: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء، وأنت تعلم أن الأوفق بالأخبار وبما يذكر بعد في الآية الكريمة كون المراد به ما عدا ماء البحر. {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ} أي على إزالته بإخراجه عن المائية أو بتغويره بحيث يتعذر استخراجه أو بنحو ذلك {لَقَـٰدِرُونَ} كما كنا قادرين على إنزاله، فالجملة في موضع الحال. وفي تنكير {ذَهَابٍ} إيماء إلى كثرة طرقه لعموم النكرة وإن كانت في الإثبات وبواسطة ذلك تفهم المبالغة في الإثبات، وهذه الآية أكثر مبالغة من قوله تعالى: { أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30]. وذكر صاحب «التقريب» ثمانية عشر وجهاً للأبلغية، الأول أن ذلك على الفرض والتقدير، وهذا الجزم على معنى أنه أدل على تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع. الثاني التوكيد بإن. الثالث اللام في الخبر. الرابع أن هذه في مطلق الماء المنزل من السماء وتلك في ماء مضاف إليهم. الخامس أن الغائر قد يكون باقياً بخلاف الذاهب. السادس ما في تنكير {ذَهَابٍ} من المبالغة. السابع إسناده هٰهنا إلى مذهب بخلافه ثمت حيث قيل { أية : غَوْرًا } تفسير : [الملك:30]. الثامن ما في ضمير المعظم نفسه من الروعة. التاسع ما في {قَادِرُونَ} من الدلالة على القدرة عليه والفعل الواقع من القادر أبلغ. العاشر ما في جمعه. الحادي عشر ما في لفظ {بِهِ} من الدلالة على أن ما يمسكه / فلا مرسل له، الثاني عشر إخلاؤه من التعقيب بإطماع وهنالك ذكر الاتيان المطمع. الثالث عشر تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلق له أو متعلقة على المذهبين البصري والكوفي. الرابع عشر ما بين الجملتين الاسمية والفعلية من التفاوت ثباتاً وغيره. الخامس عشر ما في لفظ {أَصْبَحَ} من الدلالة على الانتقال والصيرورة. السادس عشر أن الإذهاب هٰهنا مصرح به. وهنالك مفهوم من سياق الاستفهام. السابع عشر أن هنالك نفي ماء خاص أعني المعين بخلافه هٰهنا. الثامن عشر اعتبار مجموع هذه الأمور التي يكفي كل منها مؤكداً. ثم قال: هذا ما يحضرنا الآن والله تعالى أعلم اهـ. وفي النفس من عد الأخير وجهاً شيء. وقد يزاد على ذلك فيقال: التاسع عشر إخباره تعالى نفسه به من دون أمر للغير هٰهنا بخلافه هنالك فإنه سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك. العشرون عدم تخصيص مخاطب هٰهنا وتخصيص الكفار بالخطاب هنالك. الحادي والعشرون التشبيه المستفاد من جعل الجملة حالاً كما أشرنا إليه فإنه يفيد تحقيق القدرة ولا تشبيه ثمت. الثاني والعشرون إسناد القدرة إليه تعالى مرتين، وقد زاد بعض أجلة أهل العصر العاصرين سلاف التحقيق من كرم أذهانهم الكريمة أكرم عصر أعني به ثالت الرافعي والنواوي أخي الملا محمد أفندي الزهاوي فقال: الثالث والعشرون تضمين الإيعاد هنا إيعادهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى لأن ذهب به يستلزم مصاحبة الفاعل المفعول وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها ولا كذلك ما هناك. الرابع والعشرون أنه ليس الوقت للذهاب معيناً هنا بخلافه في { أية : إِنْ أَصْبَحَ } تفسير : [الملك:30] فإنه يفهم منه أن الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي أصبح ناقصاً. الخامس والعشرون أن جهة الذهاب به ليست معينة بأنها السفل. السادس والعشرون ان الإيعاد هنا بما لم يبتلوا به قط بخلافه بما هنالك. السابع والعشرون أن الموعد به هنا إن وقع فهم هالكون البتة. الثامن والعشرون أنه لم يبق هنا لهم متشبث ولو ضعيفاً في تأميل امتناع الموعد به وهناك حيث أسند الإصباح غوراً إلى الماء ومعلوم أن الماء لا يصبح غوراً بنفسه كما هو تحقيق مذهب الحكيم أيضاً احتمل أن يتوهم الشرطية مع صدقها ممتنعة المقدم فيأمنوا وقوعه. التاسع والعشرون أن الموعد به هنا يحتمل في بادي النظر وقوعه حالاً بخلافه هناك فإن المستقبل متعين لوقوعه لمكان {إِن} وظاهر أن التهديد بمحتمل الوقوع في الحال أهول ومتعين الوقوع في الاستقبال أهون. الثلاثون أن ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد بخلاف ما هناك فإنه يحتمل ولو علم بعد أن يكون المراد به الامتنان بأنه { أية : إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } تفسير : [الملك: 30] فلا يأتيكم بماء معين سوى الله تعالى، ويؤيده ما سن بعده من قول الله ربنا ورب العالمين انتهى فتأمل ولا تغفل والله تعالى الهادي لأسرار كتابه. واختيرت المبالغة هٰهنا على ما قاله بعض المحققين لأن المقام يقتضيها إذ هو لتعداد آيات الآفاق والأنفس على وجه يتضمن الدلالة على القدرة والرحمة مع كمال عظمة المتصف بهما ولذا ابتدىء بضمير العظمة مع التأكيد بخلاف ما ثمت فإنه تتميم للحث على العبادة والترغيب فيها وهو كاف في ذلك.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة عطف إنزال ماء المطر على جملة { أية : ولقد خلقنا فوقكم سبع طرايق } تفسير : [المؤمنون: 17] أن ماء المطر ينزل من صوب السماء، أي من جهة السماء. وفي إنزال ماء المطر دلالة على سعة العلم ودقيق القدرة، وفي ذلك أيضاً منة على الخلق فالكلام اعتبارٌ وامتنان من قوله: {فأنشأنا لكم به جنات} إلى آخره. ومعنى هذه الآية تقدّم في سورة الأنعام وسورة الرعد وسورة النحل. وإنزال الماء هو إسقاطه من السحب ماءً وثَلجاً وبَرَداً على السهول والجبال. والقدَر هنا: التقدير والتعيين للمقدار في الكَمّ وفي النَّوبة، فيصح أن يحمل على صريحه، أي بمقدار معيَّن مُناسب للإنعام به لأنه إذا أنزل كذلك حصل به الري والتعاقب، وكذلكَ ذَوَبان الثلوج النازلة. ويصح أن يقصد مع ذلك الكناية عن الضبط والإتقان. وليس المراد بالقَدَر هنا المعنى الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : وتؤمن بالقَدر خيرِه وشره ». تفسير : والإسكان: جعل الشيء في مسكن، والمسكن: محل القرار، وهو مفعل اسم مكان مشتق من السكون. وأطلق الإسكان على الإقرار في الأرض على طريق الاستعارة. وهذا الإقرار على نوعين: إقرار قصير مثل إقرار ماء المطر في القشرة الظاهرة من الأرض عقب نزول الأمطار على حسب ما تقتضيه غزارة المطر ورخاوة الأرض وشدةُ الحرارة أو شدةُ البرد، وهو ما ينبت به النبات في الحرث والبقل في الربيع وتمتص منه الأشجار بعروقها فتثمر إثمارها وتخرج به عروق الأشجار وأصولها من البزور التي في الأرض. ونوع آخر هو إقرار طويل وهو إقرار المياه التي تنزل من المطر وعن ذوب الثلوج النازلة فتتسرب إلى دواخل الأرض فتنشأ منها العيون التي تنبع بنفسها أو تُفَجَّر بالحفر آباراً. وجملة {وإنا على ذهاب به لقادرون} معتَرضة بين الجملة وما تفرع عليها. وفي هذا تذكير بأن قدرة الله تعالى صالحة للإيجاد والإعدام وتنكير {ذهاب} للتفخيممِ والتعظيم. ومعنى التعظيم هنا تعدد أحوال الذهاب به من تغويره إلى أعماق الأرض بانشقاق الأرض بزلزال ونحوه، ومن تجفيفه بشدة الحرارة، ومن إمساك إنزاله زمناً طويلاً. وفي معناه قوله تعالى: { أية : قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمَن يأتيكم بماء معين } تفسير : [الملك: 30]، وفي «الكشاف»: «وهو (أي ما في هاته الآية) أبلغ في الإيعاد من قوله: { أية : قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غَوراً فمن يأتيكم بماء معين } تفسير : [الملك: 30] اهــــ. فبيَّن صاحب «التقريب» للأبلغيَّة ثمانية عشر وجهاً: الأول: أن ذلك على الفرض والتقدير وهذا على الجزم على معنى أنه أدل على تحقيق ما أوعد به وإن لم يقع. الثاني: التوكيد بــــ(إنّ). الثَّالث: اللام في الخبر. الرابع: أن هذه في مطلق الماء المنزل من السماء وتلك في ماء مضاف إليهم. الخامس: أن الغائر قد يكون باقياً بخلاف الذاهب. السادس: ما في تنكير {ذهاب} من المبالغة. السابع: إسناده ههنا إلى مُذهِب بخلافه ثَمَّت حيث قيل { أية : غَوراً } تفسير : [الملك: 30]. الثامن: ما في ضمير المعظم نفسه من الروعة. التاسع: ما في {قادرون} من الدلالة على القدرة عليه والفعلُ الواقع من القادر أبلغ. العاشر: ما في جمعه. الحادي عشر: ما في لفظ {به} من الدلالة على أن ما يُمسكه فلا مُرسل له. الثاني عشر: إخلاؤه من التعقيب بإطماععٍ وهنالك ذكر الإتيان المطمع. الثالث عشر: تقديم ما فيه الإيعاد وهو الذهاب على ما هو كالمتعلّق له أو متعلقُهُ على المذهبين البصري والكوفي. الرابع عشر: ما بين الجملتين الاسميَّة والفعليَّة من التفاوت ثباتاً وغيره. الخامس عشر: ما في لفظ { أية : أصبح } تفسير : [الملك: 30] من الدلالة على الانتقال والصيرورة. السادس عشر: أن الإذهاب ههنا مصرح به وهنالك مفهوم من سياق الاستفهام. السابع عشر: أن هنالك نفي ماء خاص أعني المَعين بخلافه ههنا. الثامن عشر: اعتبار مجموع هذه الأمور التي يكفي كل منها مؤكداً. وزاد الألوسي في «تفسيره» فقال: التاسع عشر: إخباره تعالى نفسُه به من دون أمر للغير ههنا بخلافه هنالك فإنه سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك. العشرون: عدم تخصيص مخاطب ههنا وتخصيص الكفار بالخطاب هنالك. الحادي والعشرون: التشبيه المستفادُ من جعل الجملة حالاً فإنه يفيد تحقيق القدرة ولا تشبيه ثمتَ. الثاني والعشرون: إسناد القدرة إليه تعالى مرتين. ونقل الألوسي عن عصريِّه المولى محمد الزهاوي وجوهاً وهي: الثالث والعشرون: تضمين الإيعاد هنا إيعادهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى لأن (ذهب به) يستلزم مصاحبة الفاعل المفعول، وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها ولا كذلك ما هناك. الرابع والعشرون: أنه ليس الوقت للذهاب معيّناً هنا بخلافه في { أية : إن أصبح } تفسير : [الملك: 30] فإنه يفهم منه أن الصيرورة في الصبح على أحد استعمالي (أصبح) ناقصاً. الخامس والعشرون: أن جهة الذهاب به ليست معينة بأنها السفل (أي ما دل عليه لفظ غوراً). السادس والعشرون: أن الإيعاد هنا بما لم يبتَلوا به قط بخلافه بما هنالك. السابع والعشرون: أن الموعدَ به هنا إن وقع فهم هالكون البتة. الثامن والعشرون: أنه لم يبق هنا لهم متشبث ولو ضعيفاً في تأميل امتناع الموعَد به وهناك حيث أسند الإصباح غوراً إلى الماء، ومعلوم أن الماء لا يصبح غوراً بنفسه كما هو تحقيق مذهب الحكيم، أيضاً احتمل أن يتوهم الشرطية مع صدقها ممتنِعة المقدّم فيأمنوا وقوعه. التاسع والعشرون: أن الموعَد به هنا يحتمل في بادىء النظر وقوعه حالاً بخلافه هناك فإن المستقبل متعيِّن لوقوعه لمكان (إنْ). وظاهر أن التهديد بمحتمل الوقوع في الحال أهول، ومتعين الوقوع في الاستقبال أهون. الثلاثون: أن ما هنا لا يحتمل غير الإيعاد بخلاف ما هناك فإنه يحتمل ولو علم بُعد أن يكون المراد به الامتنان بأنه: إن أصبح ماؤكم غوراً فلا يأتيكم بماء معين سوى الله تعالى. وأنا أقول: عُنِي هؤلاء النحارير ببيان التفاوت بين الآيتين ولم يتعرّض أحدهم للكشف عن وجه توفير الخصائص في هذه الآية دون الآية الأخرى مما يوازنها، وليس ذلك لِخلو الآية عن نكت الإعجاز ولا عجزِ الناظرين عن استخراج أمثالها، ولكن ما يبيّن من الخصائص البلاغيَّة في القرآن ليس يُريد من يبينه أن ما لاح له ووُفق إليه هو قصارى ما أودعه الله في نظم القرآن من الخصائص والمعاني ولكنه مبلغ ما صادف لَوحُه للناظر المتدبر، والعلماءُ متفاوتون في الكشف عنه على قدر القرائح والفهوم فقد يفاض على أحد من إدراك الخصائص البلاغيَّة في بعض الآيات ولا يفاض عليه مثله أو على مثله في غيرها. وإنما يقصد أهل المعاني بإفاضة القول في بعض الآيات أن تكون نموذجاً لاستخراج أمثال تلك الخصائص في آيات أخرى كما فعل السكاكي في بيان خصائص قوله تعالى: { أية : وقيل يا أرض ابلعي ماءَك } تفسير : [هود: 44] الآية من مبحث الفصاحة والبلاغة من «المفتاح»، وأنه قال في منتهى كلامه «ولا تظنَّنَّ الآية مقصورة على ما ذكرتُ فلعل ما تركتُ أكثرُ مما ذكرت لأن المقصود لم يكن إلاّ الإرشادَ لكيفيَّة اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان». وقد نقول: إن آية سورة المؤمنين قصد منها الإنذار والتهديد بسلب تلك النعمة العظيمة، وأما آية سُورة المُلك فالقصد منها الاعتبار بقدرة الله تعالى على سلبها، فاختلاف المقامين له أثر في اختلاف المقتضيَات فكانت آية سورة المؤمنين آثر بوفرة الخصائص المناسبة لمقام الإنذار والتهديد دون تعطيل لاستخراج خصائص فيها لعلنا نلم بها حين نَصل إليها. على أن سورة الملك نزلت عقب نزول سورة المؤمنين وقد يتداخل نزول بعضها مع نزول بعض سورة المؤمنين، فلما أشبعت آية سورة المؤمنين بالخصوصيات التي اقتضاها المقام اكتُفي عن مثلها في نظيرتها من سورة الملك فسَلك في الثانية مسلك الإيجاز لقرب العهد بنظيرها. وإنشاء الجنات من صنع الله تعالى أول إنبات الجنات في الأرض ومن بعد ذلك أنبتت الجنات بغرس البشر وذلك أيضاً من صنع الله بمَا أودع في العقول من معرفة الغرس والزرع والسقي وتفجير المياه واجتلابها من بُعد فكل هذا الإنشاء من الله تعالى. والجنَّة: المكان ذو الشجر، وأكثر إطلاقه على ما كان فيه نخل وكَرْم. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : كمثَل جنة بربوة } تفسير : الآية في سورة البقرة (265). وما ذكر هنا من أصناف الشجر الثلاثة هو أكرم الشجر وأنفعه ثمراً وهو النخيل والأعناب والزيتون، وتقدم الكلام على النخيل والأعناب والزيتون في سورة الأنعام (99) وفي سورة النحل (11). والفواكه: جمع فاكهة، وهي الطعام الذي يتفكه بأكله، أي يتلذذ بطعمه من غير قصد القوت، فإن قُصد به القوت قيل له طَعام. فمن الأطعمة ما هو فاكهة وطعام كالتمْر والعِنب لأنه يؤكل رطباً ويابساً، ومنها ما هو فاكهة وليس بطعام كاللوز والكمثرى، ومنها ما هو طعام غير فاكهة كالزيتون، ولذلك أخر ذكر شجرة الزيتون عن ذكر أخويها لأنه أريد الامتنان بما في ثمرتهما من التفكه والقوت فتكون منَّة بالحاجيِّ والتحسيني. ووصف الفواكه بــــ{كثيرة} باعتبار اختلاف الأصناف كالبسر والرطب والتمر، وكالزيت والعنب الرّطْب، وأيضاً باعتبار كثرة إثمار هذين الشجَريْن. {وشَجَرَةً} عطف على {جنَّات} أي وأخرجنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزيتون، وجملة {تخرج} صفة لــــ{شجرة} وتخصيصها بالذكر مع طي كون الناس منها يأكلون تنويه بشأنها، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاماً وإصلاحاً ومداواة، ومن أعوادها وَقود وغيره، وفي الحديث « حديث : كلوا الزيت وادَّهِنوا به فإنَّه من شجرة مباركة » تفسير : .وطور سيناء: جبل في صحراء سيناء الواقعَةِ بينَ عقبة أيلة وبين مصر، وهي من بلاد فلسطين في القديم وفيه ناجى موسى ربه تعالى، وتقدم الكلام عليه في سورة الأعراف (143) عند قوله: { أية : ولكن انظر إلى الجبل }، تفسير : وغلب عليه اسم الطور بدون إضافة، وطورُ سيناء أو طور سينين. ومعنى الطور الجبل. وسيناء قيل اسم شجر يكثر هنالك. وقيل اسم حجارة. وقيل هو اسم لذلك المكان، قيل هو اسم نبطي وقيل هو اسم حبشي ولا يصح. وإنما اغتر من قاله بمشابهة هذا الاسم لوصف الحَسَن في اللغة الحبشيَّة وهو كلمة سَناه، ومثل هذا التشابه قد أثار أغلاطاً. وسُكنت ياء سيناء} سكوناً ميِّتا وبه قرأ الجمهور. ويجوز فيها الفتح وسكون الياء سكوناً حياً، وبه قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وهو في القراءتين ممدود، وهو فيهما ممنوع من الصرف فقيل للعلميَّة والعجمة على قراءة الكسر لأن وزن فِعْلاء إذا كان عينه أصلاً لا تكون ألفه للتأنيث بل للإلحاق وألف الإلحاق لا تمنع الصرف، وعلى قراءة الفتح فمنعه لأجل ألف التأنيث لأن وزن فَعْلاء من أوزان ألف التأنيث. وقوله: {تخرج من طور سيناء} يقتضي أن لها مزيد اختصاص بطُور سيناء. وقد غمض وجه ذاك. والذي أراه أن الخروج مستعمل في معنى النشأة والتخلق كقوله تعالى: { أية : فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } تفسير : [طه: 53] وقوله: { أية : يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه } تفسير : [الزمر: 21]، وذلك أن حقيقة الخروج هو البروز من المكان ولما كان كل مخلوق يبرز بعد العدم وكان المكان لازماً لكل حادث شبه ظهور الشيء بعد أن كان معدوماً بخروج الشيء من المكان الذي كان محجوباً فيه. وهي استعارة شائعة في القرآن. فيظهر أن المعنى أن الله خلق أول شجر الزيتون في طور سيناء، وذلك أن الأجناس والأنواع الموجودة على الكرة الأرضية لا بد لها من مواطن كان فيها ابتداء وجودها قبل وجودها في غيرها لأن بعض الأمكنة تكون أسعد لنشأة بعض الموجودات من بعض آخر لمناسبة بين طبيعة المكان وطبيعة الشيء الموجود فيه من حرارة أو برودة أو اعتدال، وكذلك فصول السنة كالربيع لبعض الحيوان والشتاء لبعض آخر والصيف لبعض غيرها فالله تعالى يوجد الموجودات في الأحوال المناسبة لها فالحيوان والنبات كله جار على هذا القانون. ثم إن البشر إذا نقلوا حيواناً أو نباتاً من أرض إلى أرض أو أرادوا الانتفاع به في فصل غيرِ فصله ورأوا عدم صلاحية المكان أو الزمان المنقول إليهما يحتالون له بما يكمل نقصه من تدفئة في شدة بَرد أو تبريد بسبح في الماء في شدة الحر حتى لا يَتعطل تناسل ذلك المنقول إلى غير مكانه، فكما أن بعض الحيوان أو النبات لا يعيش طويلاً في بعض المناطق غير الملايمة لطباعه كالغزال في بلاد الثلوج فكذلك قد يكون بعض الأماكن من المنطقة الملائمة للحيوان أو النبات أصلح به من بعض جهات تلك المنطقة، فلعل جَوّ طور سيناء لتوسطه بين المناطق المتطرفة حرّاً وبَرداً ولتوسط ارتفاعه بين النجود والسهول يكون أسعد بطبع فصيلة الزيتون كما قال تعالى: { أية : زيتونة لاَ شرقية ولا غربيَّة } تفسير : [النور: 35]، فالله تعالى هيأ لتكوينها حين أراد تكوينها ذلك المكان كما هيأ لتكوين آدم طينة خاصة فقال: { أية : خلقَ الإنسانَ من صلصال } تفسير : [الرحمن: 14] ثم يكون الزيتون قد نقل من أول مكان ظهر فيه إلى أمكنة أخرى نقله إليها ساكنوها للانتفاع به فنجح في بعضها ولم ينجح في بعض. وقد ثبت في التوراة أن شجرة الزيتون كانت موجودة قبل الطوفان وبعدَه. ففي الإصحاح الثامن من سفر التكوين: أن نوحاً أرسل حمامة تبحث عن مكان غِيضت عنه مياه الطوفان فرجعت الحمامة عند المساء تحمل في منقارها ورقة زيتون خضراء فعلم نوح أن الماء أخذ يغيض عن الأرض. ومعلوم أن ابتداء غَيض الماء إنما ينكشف عن أعالي الجبال أول الأمر فلعل ورقة الزيتون التي حملتها الحمامة كانت من شجرة في طور سيناء. وأيّاً مَّا كان فقد عرف نوح ورقة الزيتون فدل على أنهم كانوا يعرفون هذه الشجرة من قبل الطوفان. ولكن لم يرد ذكر استعمال زيت الزيتون في طعام في التاريخ القديم إلاّ في عهد موسى عليه السلام أيام كان بنو إسرائيل حول طور سيناء؛ فقد استعمل الزيت لإنارة خيمة الاجتماع بوحي الله لموسى، وسَكب موسى دهن المسحة على رأس هارون أخيه حين أقامه كاهناً لبني إسرائيل. ويجوز أن يكون معنى {تخرج} تظهر وتُعرف، فيكون أول اهتداء الناس إلى منافع هذه الشجرة وانتقالهم إياها كان من الزيتون الذي بطور سيناء. وهذا كما نسمّي الديك الرومي في بلدنا بالديك الهندي لأن الناس عرفوه من بلاد الهند، وكما تسمى بعض السيوف في بلاد العرب بالمَشْرَفِيَّةِ لأنَّها عرفت من مَشارف الشام، وبعض الرماح الخَطيةَ لأنها ترد إلى بلاد العرب من مرفأ يقال له: الخَط، وبعض السيوف بالمهنَّد لأنَّه يجلب من الهند، وقد كان الزيت يجلب إلى بلاد العرب من الشام ومن فلسطين. وأيّاً مَّا كان فليس القصد من ذكر أنها تخرج من طور سيناء إلاّ التنبيه على أنه منبتها الأصلي وإلاّ فإن الامتنان بها لم يكن موجهاً يومئذٍ لسكان طور سيناء، وما كان هذا التنبيه إلاّ للتنويه بشرف منبتها وكرم الموطن الذي ظهرت فيه، ولم تزل شجرة الزيتون مشهورة بالبركة بين الناس. ورأيت في «لسان العرب» عن الأصمعي عن عبد الملك بن صالح: أن كل زيتونة بفلسطين فهي من غرس أمم يقال لهم اليونانيون اهــــ. والظاهر أنه يعني به زيتون زمانهم الذي أخلفوا به أشجاراً قديمة بادتْ. وفي أساطير اليونان (ميثولوجيا) أن منيرفا ونَبْتُون (الربين في اعتقاد اليونان) تنازعا في تعيين أحدهما ليضع اسماً لمدينة بناها (ككرابيس) فحكمت الأرباب بينهما بأن هذا الشرف لا يناله إلاّ من يصنع أنفع الأشياء. فأما (نبتون) فأوجد فرساً بحرياً عظيم القوة، وأما (مينيرفا) فصنَعت شجرة الزيتون بثمرتها، فحكم الأربابُ لها بأنها أحق، فلذلك وضعُوا للمدينة اسم (أثينا) الذي هو اسم منيرفا. وزعموا أن (هيركول) لما رجع من بعض غزواته جاء معه بأغصان من الزيتون فغرسها في جبل (أولمبُوس) وهو مسكن آلهتهم في زعمهم. فقد كان زيت الزيتون مستعملاً عند اليونان من عهد (هوميروس) إذ ذكر في الإلياذة أن (أخيل) سكب زيتاً على شلو (فطر قليوس) وشلو (هكتور). وكان الزيت نادراً في معظم بلاد العرب إذ كان يجلب إلى بلاد العرب من الشام. وقد ضرب الله بزيت الزيتونة مثلاً لنوره في قوله: { أية : مَثَلُ نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُرِّيّ يُوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتُها يُضيء ولو لم تَمْسَسْهُ نارٌ نورٌ على نور } تفسير : [النور: 35]. والتعبير بالمضارع في قوله: {تخرج من طور سيناء} لاستحضار الصورة العجيبة المهمة التي كونت بها تلك الشجرة في أول تكوينها حتى كأن السامع يبصرها خارجة بالنبات في طور سيناء، وذلك كقوله: { أية : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } تفسير : [المائدة: 110]، وهذا أنسب بالوجه الأول في تفسير معنى {تخرج من طور سيناء}. ومعنى {تنبت بالدهن} أنها تنبت ملابسة للدهن فالباء للملابسة. وهذه الآية مثال لباء الملابسة، والملابسة معنى واسع، فملابسة نبات شجرة الزيتون للدهن والصبْغ ملابسة بواسطة ملابسة ثمرتها للدهن والصبغ، فإن ثمرتها تشتمل على الزيت وهو يكون دهناً وصبغاً للآكلين، فأما كونه دهناً، فهو أنه يدهن به الناس أجسادهم ويرجِّلون به شعورهم ويجعلون فيه عطوراً فيرجلون به الشعور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدَّهن بالزيت في رأسه. والدّهن بضم الدال: اسم لما يدهن به، أي يطلَى به شيء، ويطلق الدهن على الزيت باعتبار أنه يُطلَى به الجسد للتداوي والشَّعَر للترجيل. والصِّبغ، بكسر الصَّاد: ما يصبغ به أي يُغير به اللَّون. ثم تُوسع في إطلاقه على كل مائع يطلى به ظاهر جسم مَّا، ومنه قوله تعالى: { أية : صبْغةَ الله } تفسير : [البقرة: 138]. وسمي الزيت صبغاً لأنه يصبغ به الخبز. وعَطفُ {صِبغ} على {الدهن} باعتبار المغايرة في ما تدل عليه مادّة اشتقاق الوصف فإن الصبغ ما يصبغ به والدهن ما يدهن به والصبغ أخص؛ فهو من باب عطف الخاص على العام للاهتمام، وكانوا يأدِمون به الطعام وذلك صبغ للطعام، أخرج الترمذي في «سننه» عن عمر بن الخطاب وعن أبي أُسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : كُلُوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة » تفسير : . وقرأ الجمهور {تَنبُت} بفتح التاء وضَم الموحدة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورُويس ويعقوب بضم التاء وكسر الموحدة على لغة من يقول: أنبت بمعنى نبت أو على حذف المفعول، أي تُنبت هي ثَمرها، أي تخرجه.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزله من السماء ماء معظماً نفسه جل وعلا بصيغة الجمع المراد بها التعظيم وأن ذلك الماء الذي أنزله من السماء أسكنه في الأرض لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك. وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء أن يذهبه فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء من أصله جوعاً وعطشاً وبين أنه أنزله بقدر أي بمقدار معين عنده يحصل به نفع الخلق ولا يكثره عليهم، حتى يكون كطوفان نوح لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي فيه المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ما أعظمه وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في غير هذا الموضع. الأولى: التي هي كونه: أنزله بقدر أشار إليها في قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر: 21]. والثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في قوله جل وعلا {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 21] والينبوع: الماء الكثير وقوله: {أية : فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}تفسير : [الحجر: 22] على ما قدمنا في الحجر. والثالثة: التي هي قدرته على إذهابه أشار لها في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ}تفسير : [الملك: 30] ويشبه معناها قوله تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 70] لأنه إذا صار ملحاً أجاجاً لا يمكن الشرب منه، ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم، وقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}تفسير : [النور: 43] فصرح بأن الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [الأعراف: 57] الآية فقوله: ثقالاً جمع ثقيلة، وثقلها إنما هو بالماء الذي فيها وقوله تعالى: {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}تفسير : [الرعد: 12] جمع سحابة ثقيلة. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة، وبين جل وعلا أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم سنة، حتى يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر النعمة، وهل يعتبرون بعظم الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه. وبين أنه مع الإنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان مائه في الأرض ليشربوا منه هم، وأنعامهم، وينتفعوا به أبى أكثرهم إلا الكفر به، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}تفسير : [الفرقان: 48-50]. ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفوراً الذين يزعمون أن المطر لم ينزله منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخر، إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته. ثم يجتمع، ثم يتقاطر. وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإيمان به واستحقاقه للعبادة وحده، فمثل هؤلاء داخلون في قوله {أية : فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}تفسير : [الفرقان: 50] بعد قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ}. وقد صرح في قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} أنه تعالى، هو مصرف الماء، ومنزله حيث شاء كيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال "حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي: فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" تفسير : هذا لفظ مسلم رحمه الله في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا مسنداً ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بالطبيعة والبخار. والعرب كانوا يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر، إلا أنهم يسندون فعل ذلك الفاعل المختار جل وعلا، ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد: شعر : لا تلمني إنها من نسوة رقد الصيف مقاليت نزر كبنات البحر يمأدن إذا أنبت الصيف عساليج الخضر تفسير : فقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر. وقول أبي ذؤيب الهذلي. شعر : سقى أم عمرو كل آخر ليلة حناتم غرماؤهن نجيج شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج تفسير : ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا، هو منزل المطر على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الواحدي
تفسير : {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} بمقدارٍ معلومٍ عند الله تعالى {فأسكناه} أثبتناه {في الأرض} قيل: هو النِّيل ودجلة، والفرات، وسيحان وجيحان. وقيل: هو جميع المياه في الأرض {وإنا على ذهابٍ به لقادرون} حتى تهلكوا أنتم ومواشيكم عطشاً.
القطان
تفسير : بقدَر: بمقدار معلوم. فأسكناه في الارض: جعلناه ثابتا فيها. على ذهاب به: على ازالته واعدامه. وشجرة تخرج من طور سيناء: الشجرة هي الزيتونة. طور سيناء: هو الجبل الذي ناجى فيه موسى ربه، وهو معروف الآن باسم جبل الطور في سيناء، ويسمى طور سينين. الصبغ: ما يؤتدم به الاكل، وهو الزيت يؤكل مع الخبز، ويستعمل في كثير من الطعام. وكان في الزمن الماضي يستعمل للانارة، وكان زيت الزيتون هو بترول العالم في الزمن القديم، ولا يزال محتفظا بقيمته. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} وأنزلنا من السماء ماءً موزَّعا بتقديرٍ لائق حكيم، لاستجلاب المنافع ودفعِ المضارّ، وجعلناه يستقرّ في جوف الأرض وعلى ظهرها، في محيطاتها وبحارها والأنهار التي تجري فيها، وتكفي لسقي الزروع وللشرب، ولحدوث التوازن الحراري المناسب في هذا الكوكب. كما ان المياه أُنزلت على الأرض بقَدَرٍ معلوم، لا يزيد فيغطي كلَّ سطحِها، ولا يقلّ فيقصّرُ دون ريّ الجزء البريّ منها. وإنا لقادرون على إزالته ونفي إمكانكم الانتفاعَ به، ولكنّنا لن نفعل رحمةً بكم. وهذا من فضلِ الله على الناس ونعمته. ثم يبين ان الحياة تنشأ من الماء فيقول: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فأخرجْنا لكم بما أنزلنا من الماء بساتينَ وحدائقَ فيها نخيلٌ وأعناب وفواكهُ كثيرة تتمتعون بها زيادة على ثمرات النخيل والاعناب. ومن زروع هذه الجنّات وثمارِها تأكلون، وتحصِّلون معايشكم. ثم خصَّ شجرةَ الزيتون بالذكر لما لها من المنافع والقدر الكبير فقال: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} وخلقنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في منطقة طورِ سيناء، وهي من اكثر الشجَر فائدةً بزيتها وزيتونها وخشَبها، وفيها طعامٌ للناس. والزيتونة تعمر طويلاً، ولا تحتاج إلى خدمة كثيرة، وهي دائمة الخضرة. ويعتبر الزيتون مادة غذائية جيدة، فيه نسبةٌ كبيرة من البروتين، بالاضافة الى عدة موادّ هامة وأساسية في غذاء الانسان. وزيتُ الزيتون من أهم أنواع الدهون، وهو يُستعمل في كثير من أنواع الطعام، لأنه يفيدُ الجهاز الهضمي عامة، والكبدَ خاصة. وهو يفضُل جميع أنواع الدهون النباتية والحيوانية، ويُستعمل في كثير من الأدوية والمنظِّفات مثل الصابون والصناعات الغذائية. وفي الحديث الشريف: "حديث : كلوا الزيتَ وادّهنوا به فإنه من شجرةٍ مباركة"تفسير : رواه احمد والترمذي وابن ماجه عن سيدنا عمر بن الخطاب، والحاكمُ عن أبي هريرة. وبعد ان بيّن لنا فوائد النبات انتقل الى عالم الحيوان، وكل هذه المخلوقات إنّما نشأت من الماء. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ}. وان لكم في خلْق الأنعام لخِدمتكم لعبرةً لمن ينظر إليها بقلبٍ مفتوح وحسن بَصيرة. فهذه الإبلُ والبقر والغنم نسقيكم لبناً منها خالصاً سائغاً للشاربين، ولكم فيها منافعُ في أَصوافها وأوبارِها واشعارها. ثم يخصِّص منها منفعتين كبيرتين مهمّتين فيقول: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} فكما أنكم تنتفعون بألبانها وأوبارها وأشعارِها، كذلك تأكلون من لُحومها، وتُحمَلون عليها وعلى الفلك التي تجري في البحر. وقد ذكر الفلكَ هنا لأنه يجري على الماء الذي تفضّل الله علينا به. وكل هذه من دلائل الإيمان الكونية، لمن يتدبرها تدبُّرَ الفهم والادراك. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو: سيناء بكسر السين، والباقون: سيناء بفتح السين وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: "تنبت" بضم التاء وكسر الباء. والباقون: تنبت بفتح التاء وضم الباء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: نسقيكم بفتح النون، والباقون: نسقيكم بضمها. وهما لغتان: سَقى وأسقى.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَسْكَنَّاهُ} {لَقَادِرُونَ} (18) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً (مَاءً)، بِحَسَبِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، لاَ كَثِيراً فَيُفْسِدُ الأَرْضَ والعُمْرَانَ، وَلاَ قَلِيلاً فَلاَ يَكْفِي الزُّرُوعَ والثِّمَارَ (بِقَدَرٍ)، وَيَسْتَقِرُّ هَذَا الماءُ فِي الأَرْضِ.. وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ اسْتِعْدَاداً للانْتِفَاعِ بِهِ لإِخْرَاجِ النَّبَاتِ والثِّمَارِ والزُّرُوعِ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ لا تُمْطِرَ السَّمَاءُ لَفَعَلَ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ صَرْفَ المَطَرِ عَنِ النَّاسِ إِلَى الأََرَاضِي السَّبخَةِ التي لاَ تُنْبِتُ لَفَعَلَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحاً يُضِرُّ بالأرْضِ والنَّبَاتِ ولا يُنْتَفعُ بِهِ لَفَعَلْ. وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ يَغُورُ فِي الأَرْضِ فَلاَ يُوصَلُ إِلَيْهِ لَفَعَلَ ذَلِكَ أيضاً. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ المَطَرَ عَذْباً فَيُسْكِنُهُ فِي الأَرْضِ وَيَسْلكُهُ يَنَابِيعَ فِيهَا فَيَفْتَحُ العُيُونَ والأَنْهَارَ، وَتُسْقَى بِهِ الزُّرُوعُ والثِّمَارُ، تَشْرَبُونَ مِنْهُ أَنْتُم وَدَوَابُّكُم وأَنْعَامُكُمْ وَتَسْتَعمِلُونَه فِي طُهُورِكُم وَنَظَافَتِكُمْ فِللَّهِ الْحَمْدُ والمِنَّةُ بِقَدَرٍ - بِمقْدَارِ الحَاجَةِ والمَصْلَحَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول تعالى عن الماء: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] فهل الماء مَقرُّه السماء؟ لا، الماء مقرُّه الأرض، كما جاء في قول الله تعالى: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. لما استدعى الخالق - عز وجل - الإنسان إلى هذا الوجود جعل له في الأرض مُقوِّمات استبقاء حياته من الهواء والقوت والماء، والإنسان كما قلنا يستطيع أن يصبر على الطعام، وصبره أقل على الماء، لكن لا صبرَ له على الهواء؛ لذلك شاءت قدرة الله ألاّ يُملّكه لأحد؛ لأنه مُقوِّم الحياة الأول، فالغلاف الجوي والهواء المحيط بالأرض تابع لها وجزء منها داخل تحت قوله: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} تفسير : [فصلت: 10] بدليل أنهم حينما يخرجون عن نطاق الأرض يمتنع الهواء. ومن حكمة الخالق - عز وجل - وقدرته أنْ جعل الماء على الأرض مالحاً؛ لأن الملح أساس في صلاح الأشياء التي يطرأ عليها الفساد، فالماء العذب عُرضة للتغيُّر والعطن، وبالملح نصلح ما نخشى تغيُّره فنضعه على الطعام ليحفظه ونستخدمه في دباغة الجلود .. الخ لذلك قال الشاعر: شعر : يَا رِجَالَ الدينِ يا مِلْحَ البَلَدِ مَنْ يُصلح الملحَ إذَا المِلْحُ فَسَد تفسير : إذن: أصل الماء في الأرض، لكن ينزل من السماء بعد عملية البَخْر التي تُصفيه فينزل عَذْباً صالحاً للشرب وللري، وقلنا: إن الخالق سبحانه جعل رقعة الماء على الأرض أكبر من رقعة اليابسة حتى تتسع رقعة البَخْر، ويتكون المطر الذي يكفي حاجة أهل الأرض. ومن رحمة الله بنا أن ينزل الماء من السماء {بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] يعني: بحساب وعلى قَدْر الحاجة، فلو نزل هكذا مرة واحدة لأصبح طوفاناً مُدمّراً، كما حدث لقوم نوح ولأهل مأرب. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر: 21]. ثم يقول سبحانه: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ ..} [المؤمنون: 18] لأننا نأخذ حاجتنا من ماء المطر، والباقي يتسرب في باطن الأرض، كما قال سبحانه: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21] ومن عجيب قدرة الله في المياه الجوفية أنها تسير في مسارب مختلفة، بحيث لا يختلط الماء العَذْب بالماء المالح مع ما يتميز به الماء من خاصية الاستطراق، والعاملون في مجال حفر الآبار يجدون من ذلك عجائب، فقد يجدون الماء العَذْب بجوار المالح، بل وفي وسط البحر لأنها ليست مستطرقة، إنما تسير في شعيرات ينفصل بعضها عن بعض. والمياه الجوفية مخزون طبيعي من الماء نُخرجه عند الحاجة، ويُسعِفنا إذا نَضُبَ الماء العَذْب الموجود على السطح {فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ ..} [المؤمنون: 18] ليكون احتياطياً لحين الحاجة إليه، فإذا جَفَّ المطر تستطيعون أن تستنبطوه. ثم يُذكِّرنا الحق سبحانه بقدرته على سَلْب هذه النعمة {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] يعني: سيروا في هذه النعمة سَيْراً لا يُعرِّضها للزوال، وقال في موضع آخر: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30]. وحين تَعُدّ نِعَم الله التي أمتنّ علينا بها بداية من نعمة الماء: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] تجدها أيضاً سبعة. ويبدو أن لهذا العدد أسراراً في هذه السورة، فقد ذكر من أوصاف المؤمنين سبعة، ومن مراحل خَلْق الإنسان سبعاً، ومن السماء والأرض سبعة، وهنا يذكر من نعمه علينا سبعة؛ لذلك كان للعلماء وقفات عند هذا العدد بالذات. وأذكر ونحن في المملكة السعودية وكنت أستاذاً في كلية الشريعة ومعي بعض الأساتذة ورئيس بعثتنا الشيخ زكي غيث - رحمه الله وغفر الله له - ورئيس بعثة المعارف الأستاذ صلاح بك الباقر، وكان دائماً ما يجلس معنا شيخ علماء المملكة في هذا الوقت السيد إسحاق عزوز، وكان يجمعنا كل ليلة الفندق الذي نقيم فيه، وكنا نتدارس بعض قضايا العلم. وقد أثار الشيخ إبراهيم عطية قضية هذا العدد في القرآن الكريم، وكان يقرأ في تفسير القرطبي فوجد فيه: قال عمر بن الخطاب لابن عباس: يا ابن عباس أتعرف متى ليلة القدر؟ فقال ابن عباس: أغلب الظن أنها ليلة السابع والعشرين، فلما سمعنا هذا الكلام قلنا: هذه سبعة، وهذه سبع وعشرون، فلما اختلفنا اقترح علينا الشيخ محمد أبو علي - أطال الله عمره - أن نذهب لنصلي في الحرم بدل أن نصلي في الفندق عملاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان كلما حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وقلنا: ربما يفتح الله علينا في هذه المسألة. وبعد أن صلينا جلسنا نناقش هذه المسألة، فإذا برجل لا نعرفه على سمة المجاذيب غير مهتم بنفسه، يجلس بجوارنا ويُنصت لما نقول، ثم شاركنا الكلام وقال: ألم يقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان"تفسير : ؟ إذن: فدعكم من العشرين يوماً، واحسبوا في العشر الأواخر، ثم نظرنا فلم نجده، كأن وحدة الزمن التي توجد بها ليلة القدر هي هذه العشر، وكأنها بهذا المعنى ليلة السابع، وهذه أيضاً من أسرار هذا العدد {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76]. أطال الله في عمر مَنْ بقي من هؤلاء، وغفر الله لمن ذهب. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):